← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

حكم بيع السلع التي اشتريت بالتقسيط قبل انتهاء المدة السؤال رجل اشترى سيارة بالأقساط ولا يزال عليه أقساط منها. هل يجوز له أن يبيعها لشخص آخر بمبلغ معين على أن يكمل الشخص الآخر الأقساط للشركة؟ زيد اشترى سيارة بخمسين ألف ريال بالأقساط؛ كل شهر يدفع كذا، هل يجوز أن يبيعها إلى عمرو من الناس، مثلاً: بعشرين ألف ريال نقداً بعد أن استعملها فترة على أن يتكفل الشخص الثاني الذي هو عمرو في هذه الصورة بتسديد باقي الأقساط على الشركة؟ الجواب فكان جواب الشيخ محمد بن صالح العثيمين على هذا السؤال: لا بأس بذلك إذا كانت الأقساط الباقية معلومة، يعني: الشيء الذي يسدده الشخص الثاني للشركة معلوم كم هو، ويلتزم بتسديده.

стр. 5252

حكم لبس الثوب الأبيض للعروس السؤال ما حكم لبس الثوب الأبيض في الأعراس للعروس؟ الجواب فسألت عنه كلاً من الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله فقال: أفتي بأنه لا بأس به إذا لم يكن أمام غير المحارم ولا يشف عما لا يجوز للمحارم أن ينظروا إليه، ويدخل في ذلك طبعاً عموم النساء؛ لأن المرأة لها عورة أمام أختها أقصد أمام أختها المرأة. وأجابني كذلك الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن هذا السؤال: لا بأس لبس الثوب الأبيض في الأعراس للمرأة، لا بأس إذا لم يشبه ثياب الرجال، ولا ثياب الكافرات. فسألته: ما معنى: أنه لا يشبه ثياب الكافرات؟ فقال: أي: لا يكون من خصائص الكفار. فسألته: إذا كان تصميمه قد جاء من الكفار، لكنه انتشر في بلاد المسلمين، ولم يصبح خاصاً بالكفار؟ فقال: يزول حكم التشبه، ويجوز لبسه. لكن طبعاً: لبس الثوب هذا ينبغي أن يكون خالياً من المحاذير الشرعية، مثل: أن يكون ضيقاً، أو يجسد منطقة العورة، أو يكون له ذيل طويل يسحب ثلاثة أمتار ويرفعها ويحملها وراءها شخص أو أشخاص؛ فهذا طبعاً من الكبر والاختيال، فالمرأة رخص لها شبر أو شبران تسحب على الأرض حتى لو جاءت الريح لا تنكشف قدماها من أسفل الثوب، وأما هذه السحبة الطويلة الموجودة في بعض تصميمات أثواب الأعراس فهي غير جائزة؛ لأن فيها الاختيال والكبر، أو هي الإسبال عند المرأة، الرجل يسبل إذا نزل عن الكعبين، والمرأة تسبل إذا زادت عن الشبر والشبرين وصارت تسحب بشكل طويل على الأرض فهذا إسبال في حقها لا يجوز.

стр. 5253

حكم بيع الأشرطة في المسجد بسعر التكلفة السؤال حكم بيع الأشرطة في المسجد بسعر التكلفة دون ربح، والثمن المتحصل يشترى به أشرطة جديدة تباع وهكذا؟ الجواب فكان جواب الشيخ محمد بن صالح العثيمين على هذا السؤال: لا يجوز البيع في المسجد، ولو كان بهذه الصفة، يمكن أن يوضع خارج المسجد ويباع، لكن داخل المسجد فلا، ولو كان مشروعاً خيرياً. وأجابنا كذلك الشيخ محمد ناصر الدين الألباني عن نفس السؤال بنفس الجواب، إلا أنه قال: إذا كان يوجد مكتبة في المسجد، وكان بابها من خارج المسجد ليس من داخل المسجد فإنه ربما يجوز البيع فيها، لكن إذا كانت المكتبة داخل المسجد وبابها في المسجد فإن حكمها حكم المسجد ولا يجوز البيع فيها.

стр. 5254

مندوب مشتريات في شركة يأخذ عمولة من البائع حتى يتعامل معه السؤال جاء مندوب مشتريات: وهو إنسان موظف في شركة يذهب يشتري لهم قطعاً من السوق فيذهب إلى الدكان يقول: أعطني (محولاً) فسعر (المحول) مائة ريال، فيشتري المحول ويقول لصاحب الدكان: لا بد أن تعطيني حلاوة، لا بد أن تعطيني مبلغاً لكي أشتري من عندك ولا أشتري من عند غيرك، يعني: يقول: ترى أنني سوف أشتري (المحول) من عندك أو من عند غيرك، هذه مائة ريال للشركة هات فاتورة بمائة ريال باسم الشركة لكن لابد أن تعطيني عشرة ريالات من عندك وإلا سوف أذهب أشتري من عند غيرك، فأعطني عشرة ريالات خاصة لي، وهذه مائة الشركة وهذه فاتورة باسم الشركة بالمائة ريال. فما حكم هذا العمل؟ الجواب أجاب الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله: لا يجوز ذلك، وهو وكيل موظف في الشركة وهو يشتري على أساس أنه للشركة وليس له، فلا يجوز أن يأخذ شيئاً، ولو أخذ تخفيضاً فيذهب التخفيض للشركة ليس له هو؛ وهذا أمر متفشٍ جداً اليوم بين مأموري المشتريات فإنهم يذهبون إلى الدكاكين ويشترون للشركة؛ وهو موكل، ومؤتمن، فيأخذ منهم يقول: هات أتعابي، أو هات نقوداً لأني اشتريت من عندك والفاتورة باسم الشركة. أنا أسألكم الآن: شخص صاحب بيت يحتاج مواد للبناء ذهب إلى مكان بيع مواد البناء، فقال له: كم تبيع لي مثلاً كذا حديد؟ فقال مثلاً: أبيعك بعشرة آلاف ريال، فالمشتري يشتري لنفسه، هو صاحب البيت، قال: أعطني خصماً وإلا أشتري من عند غيرك، فأخذ مثلاً: تسعة آلاف وخمسمائة. فما هو الحكم؟ الجواب: هذا جائز. لأنه هو صاحب الشأن، وهو يشتري لنفسه، ولذلك هو المستفيد، ولذلك فإذا أخذ التخفيض له فلا بأس، لأنه هو صاحب الشأن.

стр. 5255

العادة السرية وعلاجها السؤال أنا شاب في العشرين من عمري وقد هداني الله إلى الطريق المستقيم فالحمد لله على ذلك، وقد كنت أفعل من قبل هذه العادة السيئة، ثم منَّ الله عليَّ وتركتها، وفي هذه الإجازة الصيفية عدت إليها، وكلما تبت وجزمت بعدم العودة لم أقدر وعدت إليها ثانيةً، مع العلم أني عملت بحديث الرسول ﷺ بالصيام، وحاولت الزواج ولم أستطع لظروفي؟ وهذا سؤال أيضاً يقول: أمنيتي في الحياة أن أتوب من عمل هذه العادة التي أصبحت مدمناً عليها، حتى أنني أتوب كثيراً وأعود إليها، مع أني أعبد الله وأذكره وإن كنت مقصراً. والآن أريد الحل والطريق إلى التوبة النصوح التي ليس بعدها رجعة بأمثل السبل وأيسرها؟ وهذا سؤال يقول: كنت في الجاهلية أعمل فواحش ولما رأيت أحد الذين كنت معهم في هذه الفاحشة وما زلت أرافقه حتى كاد أن يوقعني في هذا الذنب، فتركته وذهبت لأعمل هذه العادة. فما هو الحكم؟ وكيف أتخلص منها؟ هذه أسئلة كثيرة جداً عن موضوع: العادة السيئة؟ الجواب وهذه حقيقةً مشكلة من المشاكل التي تحتاج إلى معالجة، واعلموا -أيها الإخوة- أن كل مشكلة لها علاجان: علاج علمي، وعلاج عملي: فالعلاج العلمي: أولاً: أن تعرف حكم هذه المسألة. ثانياً: أن تعرف الأضرار المترتبة عليها. فلو عرفت الحكم وعرفت الأضرار هذا جزء من الحل. ثم العلاجات العملية التي يمكن أن تتخذ. وأنا أجمل لهؤلاء السائلين شيئاً من هذين العلاجين: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كلامٍ له عن حكم الاستمناء، وهذا الكلام بعد الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]، واستنباط الإمام الشافعي ﵀ ومن تبعه من أهل العلم: أنه لا يجوز استعمال هذه العادة؛ لأن الله تعالى أمر بحفظ الفرج إلا عن الزوجة وملك اليمين وهذا لم يحفظها لما وقع في هذه العادة. فقال شيخ الإسلام ﵀ وكذلك من أباح الاستمناء عند الضرورة: فالصبر عن الاستمناء أفضل فقد روي عن ابن عباس: [أن نكاح الإماء خيرٌ منه، وهو خير من الزنا] فإذا كان الصبر عن نكاح الإماء أفضل، فالحر لا يصح أن يتزوج أمة إلا إذا عجز تماماً فإذا كان الصبر عن نكاح الإماء أفضل فعن الاستمناء بطريق الأولى أفضل. لا سيما وأن كثيراً من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقاً؛ وهو أحد الأقوال في مذهب الإمام أحمد، واختاره ابن عقيل في المفردات، والمشهور عن أحمد أنه محرم إلا إذا خشي العنت، والثالث: أنه مكروه إلا إذا خشي العنت، فإذا كان الله قد قال في نكاح الإماء: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥] ففيه أولى، الصبر في هذا، وذلك يدل على أن الصبر عن كليهما ممكن؛ لأن الله لا يأمر بالصبر عن شيء إلا إذا كان الصبر في طاقة البشر ويستطيعون أن يجاهدوا أنفسهم فيه. فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف. كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨]. والاستمناء لا يباح عند أكثر العلماء سلفاً وخلفاً؛ سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك. وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه إنما هو لمن خشي العنت، والآن بعض الناس يقولون: ما هو العنت؟ لأن هذا مهم في معرفة حكم المسألة. يقول شيخ الإسلام: لمن خشي العنت -وهو الزنا واللواط- خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك، لأن بعض الناس يقول: أنا خشيت العنت، هو جالس في بيته ما عنده أحد يقول: أنا خشيت العنت، لا. المقصود: أن الشخص يخشى أن يقع في الفاحشة خشيةً حقيقية ويكون سبيل الوصول إليها سهلاً جداً فهو يخشى على نفسه. هذا الذي رخص بعض أهل العلم له الاستمناء، فأبيح له ذلك؛ لتكسير شدة عنته وشهوته. ويقول شيخ الإسلام: وأما من فعل ذلك تلذذاً، أو تذكراً، أو عادةً، بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كأنه يجامعها فهذا كله حرام لا يقول به أحد؛ لا أحمد ولا غيره، وقد أوجب فيه بعضهم الحد، والصبر عن هذا من الواجبات لا من المستحبات. انتهى كلام شيخ الإسلام من فتاويه في المجلد العاشر. ومن الأشياء المهمة في علاج هذه القضية: معالجة الأفكار والخواطر التي تطرأ في بال الإنسان، كل عمل اختياري يقوم به الإنسان هذا يأتي من الخواطر والأفكار، أي عمل تعمله الآن أول شيء يبدأ بالمرحلة الأولى وهو خاطرة تأتي في الذهن فإذا وقفت الخاطرة في الذهن وانشغل الذهن بها تتحول إلى فكرة؛ لأن الذهن بدأ يفكر فيها، ما طردها مباشرة بل بدأ يفكر فيها، ثم إن هذه الفكرة تتحول إلى تصور، يعني: تتصور المسألة الآن بشكل كامل في ذهنك، وهذا التصور ينشئ الإرادة؛ إرادة الفعل، وهذه الإرادة تتطور إلى عزيمة وهي الرغبة المشددة في الشيء، وهذه العزيمة تؤدي إلى الوقوع في الفعل، وإذا تكرر الوقوع في الفعل صار عادةً. كلما عالجت الموضوع في مراحله الابتدائية كان أسهل في التخلص، وعدم الوقوع في الفعل، وكلما استمريت في هذه الخطوات يكون الحل أصعب، ولذلك لا بد للإنسان أن يعالج خواطره من البداية فيحرص على ألا يخطر بباله إلا الخير، وهذه الأعمال الحسنة التي نعملها هي عبارة عن لمة من الملك، والأعمال السيئة التي نعملها عبارة عن لمة من الشيطان فهي من الشيطان، فأي شيء خير تفعله دلك عليه الملك المرافق لك أو أوعز به إليك، وأي عمل شر تفعله فإن الشيطان قد أوعز به إليك كما ورد في الحديث الصحيح. يقول ابن القيم ﵀: فإذا جعل العبد فكره في ربه أنه مطلع عليه، ناظر إليه، عليمٌ بخواطره وإراداته وهمه، فحينئذٍ يستحيي منه، ويجله أن يطلع منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله. إن كلام ابن القيم مهم جداً، يقول: هذه الأفكار الرديئة في ذهنك افرض أن شخصاً الآن يستطيع أن يقرأ ماذا يدور بأفكارك من هذه الخواطر السيئة. ماذا تشعر أمامه؟ ستشعر بالخجل الشديد. فإذا علمت أن الله مطلعٌ على أفكارك وخواطرك فكيف ينبغي أن يكون شعورك؟ هذا هو البداية: الحياء من الله ، وبقدر هذه المنزلة يبعد العبد عن الأوساخ والدناءات والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة، والخواطر والوساوس تؤدي إلى التفكير فيأخذ الفكر في التذكر، فيأخذه التذكر إلى الإرادة، فتأخذه الإرادة إلى الجوارح والعمل، وقد خلق الله النفس شبيهة بالرحى؛ الدائرة التي لا تسكن، ما هو الرحى؟ الطاحون الذي يطحنون فيه الحب، فالنفس البشرية شبيهة بهذا الطاحون. فيقول ابن القيم في تشبيه جميل: وهذه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حباً طحنته، وإن وضع فيها حصى طحنته، فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره وأكثرهم يطحن رملاً وحصىً وتبناً ونحوه فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة عجينة. الله أكبر! جماع هذه التفسيرات، وهذه التحليلات النفسية لعلمائنا في غاية الأهمية. يقول: الإنسان حسب الخواطر التي فيه؛ إن كان يغلب على ذهنه خواطر الخير دائماً إيعازات الخير فهو على خير عظيم، وإن كان الغالب على فكره وخواطره أنها شر فحالته حالة شر حالة سيئة، ولذلك أنت تأمل حالة بعض الناس، لو قلت له الآن: بماذا تفكر؟ ما هي الأفكار؟ هذا الذهن الإنسان مسئول عنه عن الخواطر عن هذا الفكر عن هذا العقل، لو قلت لواحد الآن: أنت يومياً بماذا تفكر؟ فبعض الناس يقول لك: أنا نفسي تراودني بالفاحشة، وبالسرقة، وبالرشوة، وأنا أفكر بالكذب، وأنا أفكر في الشهوات، فتحصل أن عامة ما يفكر به من الخواطر هي أشياء سيئة، ولذلك هذا الرجل على شفا هلكة، وأحياناً تجد بعض الناس يفكر: كيف أدعو فلاناً من الناس؟ كيف أدخل إلى قلبه؟ يفكر في مسألة علمية في حكم شرعي يفكر في تربية نفسه وأهله في مشكلات أولاده، إذا كان هذا الذي يفكر به الإنسان من الخير والصلاح فإنه على خير عظيم. يقول ابن القيم ﵀: ودفع الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار وإلا أصبحت الخاطرة فكراً جوالاً، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإيرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتدارك ذاك أسهل من قطع العوائق وهي قطع العادات، وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك، فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ومثل ذلك كمثل صاحب رحى يطحن فيها جيد الحبوب فأتاه شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليلقيه في الطاحون؛ فإن طرده استمر في طحن ما ينفع، وإن مكنه أفسد الحب وخرج الطحين فاسداً. يقول: إذا كنت تفكر في أفكار جيدة وجاءتك فكرة خبيثة إذا تركت الشيطان يلقيها في ذهنك وتفكر فيها صرت مثل صاحب الذي يطحن الحب فجاء واحد أثناء الطحن بغثاء وبعر وفحم وطين وألقاه في الطاحون فيفسد عليه الحب، فاجتهد في دفع الخواطر. نعود الآن إلى المسألة: يقول الإنسان: كيف أتخلص الآن من هذه العادة السيئة؟ واضح من كلمة عادة أنها وصلت بالمرحلة الأخيرة، فالسؤال ليس كيف أدفع خاطرة عمل هذه العادة؟ السؤال: كيف أتخلص من العادة السيئة؟ معناها: أنها صارت عادة؛ صارت الآن في أسوأ مرحلة، فالآن تدارك الموضوع صعب لكن لو قلت لك: من البداية ابدأ أول ما تأتيك الخاطرة بعمل العادة، تعوذ بالله من الشيطان، وفكر بالأشياء النافعة، فإن غلبت نفسك الأمارة بالسوء وتحولت إلى فكرة فاجتهد في قراءة شيء تدفع به تلك الفكرة، أو سماع شيء، وإذا صارت عزيمة أو إرادة فاخرج من المكان وامش منه لتعمل عملاً مفيداً كالتبكير للصلاة في المسجد، أو زيارة أخ في الله، أو حضور درس مفيد لتقطع على نفسك الوقوع فإذا باشرت العمل وبدأت فيه فمراقبة الله تجعلك تقف ولا تس

стр. 5256

حكم حلق زوجة الأب عانة الولد المجنون السؤال هل يجوز لزوجة الأب أن تحلق عانة الولد البالغ المعتوه؟ يعني: مجنون. الجواب فسألت عن ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله فقال: ما أعلم فيه شيئاً، الأصل أنه يحرم حتى على الرجل لكن ما دامت الحاجة موجودة فلأجل الحاجة يجوز، لكن بشرط عدم وجود فتنة فتحلق هي أو حلاق آخر، وإذا كانت تعرفه فهي أولى به.

стр. 5257

أشخاص يجمعون مالاً ثم يشترون به سلعة ثم يبيعونها لأحدهم السؤال جماعة لهم صندوق يضعون فيه أقساطاً ويشترون بعد فترة بالمال الموجود في الصندوق سيارة ويبيعونها على واحد منهم بربحٍ ثم يقتسمون الربح بما فيهم المشتري؟ الجواب فكان جواب الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: إذا كانوا يقتسمونه بنسبة حصصهم فلا أعلم مانعاً ولو كان المشتري منهم.

стр. 5258

الطبيب لا يعلم الغيب السؤال رجل فحص عند الطبيب هو وامرأته وقال الطبيب: إن الولد الرابع لهما يأتي مشوهاً. فهل يدع الرجل الزواج من تلك المرأة لهذا السبب؟ الجواب فأجاب الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: لا يترك الزواج، لا يمنع الزواج هذا ولو قال الطبيب ذلك فليس الطبيب عالم غيب.

стр. 5259

إذا كان الميت كافراً فهل يعزى أهله ؟ السؤال هل تجوز التعزية إذا كان الميت كافراً؟ الجواب فأجاب الشيخ حفظه الله: يعزي أهل هذا الميت الكافر، لكن لا يدعو له ولا يستغفر له، يعني: يمكن أن يقول لهم مثلاً: اصبروا، أو يقول: هذا نهاية كل حي، أو يقول: إن لله ما أخذ ولله ما أعطى، لكن لا يقول: اللهم اغفر له وارحمه وعافِه واعف عنه؛ لأنه لا يجوز الدعاء للكافر.

стр. 5260

حكم قول (صدق الله العظيم) بعد التلاوة السؤال حكم قول: (صدق الله العظيم) بعد التلاوة؟ الجواب قال الشيخ ابن باز حفظه الله: ليس لها أصل وهي أقرب للبدعة، لم يرد أن الرسول ﷺ كان يختم بصدق الله العظيم ولا الصحابة فهي أقرب للبدعة. ونسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته، وأن يفقهنا في دينه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 5261

صدأ النفوس في هذه الخطبة تحدث الشيخ عن أحوال الصحابة رضوان الله عليهم مع الفقر، مبيناً كيف صبروا على ذلك ولم يفتنوا في دينهم بسبب الفقر، ثم تكلم عن أحوالهم وقد فتحت لهم الدنيا على مصراعيها، وأتتهم الأموال من كل حدب وصوب، فلم يتغيروا أبداً، وإنما أدوا حق الله في شكر تلك النعم، وهذا بخلاف ما عليه المسلمون اليوم الذين أغناهم الله فتكبروا وتجبروا، وطغوا وأفسدوا إلا من رحم ربك.

стр. 5262

ما الفقر أخشى عليكم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون: إن فتنة المال من الفتن العظيمة التي وقع فيها المسلمون، وفتنة الجاه من الفتن الكبيرة التي أودت بكثير من أخلاق المسلمين، هذه الفتنة التي عظم رسول الله ﷺ شأنها فقال: (إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال)، ولذلك كان ﷺ لا يخشى على أصحابه الفقر، (لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) تنشغلون بالدنيا وبالأموال، فتفتنون فيصبكم ما أصاب الأمم من قبلكم. أيها المسلمون: مالنا نرى اليوم كثيراً من الناس إذا أصابتهم نعمة من الله كفروا، وإذا وسع الله عليهم شيئاً من معيشتهم نسوه ، وإذا أعطاهم الله وظيفة أو جاهاً تكبروا على عباد الله. ما هو السبب الذي يجعل كثيراً من النفوس تصاب بهذه المصيبة الكبيرة؟ أو رجل يزاد له في دخله شيء أو يتجر تجارة أو تكثر أمواله بوجه من الوجوه، فتخرب نفسه ويتعالى على عباد الله، ويقطع الرحم، ويتكبر في الأرض، ويفسد فيها ويعلو علواً كبيرا؟!

стр. 5263

الصحابة وحالهم مع الفقر لا بد لنا من رجعة إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم نبي الله ﷺ ، لنرى كيف عاشوا قبل أن تفتح عليهم الدنيا، وكيف كانوا وصاروا بعد أن فتحت عليهم الدنيا. إن الصحابة رضوان الله عليهم كثيراً منهم قد أدرك الحالين: حال الفقر وحال الغنى، فكيف كان حالهم في وقت الفقر وكيف صار حالهم في وقت الغنى، هل تغيرت نفوسهم؟ هل اضطربت أحوالهم؟ هل رجعوا وارتدوا على أعقابهم؟ كان حال النبي ﷺ وأصحابه قبل الفتوحات حالاً شديداً، قال ﷺ : (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة مالي ولـ بلال من طعام -ليس لي ولـ بلال طعام- إلا شيء يواريه إبط بلال)، قالت عائشة: (ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض) ما شبعوا من طعام البر ثلاث ليالٍ متوالية، ما مر عليهم، وقالت: (ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر) وقالت: (كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً إنما هو التمر والماء، إلا أن نأتي باللحيم -واللحيم تصغير لحم- من الجيران أو الصحابة الذين يهدون إلى النبي ﷺ قالت لابن أختها عروة: (يا بن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار)، قال قتادة: (كنا عند أنس وعنده خباز له بعد ذلك، قال: ما أكل النبي ﷺ خبزاً مرققاً ولا شاة مسموطة حتى لقي الله). كان أهل الصفة فقراء، ليس لهم مأوى فينامون في المسجد، يأمر النبي ﷺ بإضافتهم ويأخذ معه بعضاً منهم إلى بيته، ويدخل النبي ﷺ على أهله فيقول: (عندكم طعام؟ فيقولون: لا. فيقول: إني إذاً صائم). ولما أراد الصحابي أن يتزوج لم يجد مهراً ولا خاتماً من حديد، ليس له إلا إزاره يواري به عورته، لو أعطاه للمرأة لم يغنِ عنها شيئاً وبقي هو بغير ثياب. عن عائشة قالت: (دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل -محتاجة ومسكينة- فلم تجد شيئاً عندي غير تمرة) -يا أيها المسلمون! اتعظوا! بيت النبي ﷺ ليس فيه إلا تمرة- فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته فقال: من ابتلي بهذه البنات بشيء كن له ستراً من النار) فقم بتربيتهن -يا أبا البنات- واحفظهن يحفظك الله في الدنيا والآخرة. كان الصحابة يقدم عليهم إخوانهم من سائر النواحي فقراء مطاردين مشردين، يقول النبي ﵊: (يا معشر المهاجرين والأنصار! إن من إخوانكم قوماً ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة) هذا شيء يسير جداً من حال النبي ﷺ وأصحابه، ما شبعوا من التمر إلا بعد معركة خيبر، أما غير ذلك فلم يكونوا يرون الطعام إلا يسيراً، وكانت خفافهم مشققة وثيابهم مرقعة رضوان الله عليهم، يجاهدون في سبيل الله ولو لم يجدوا في طريق الجهاد إلا ورق الشجر.

стр. 5264

الصحابة وحالهم مع الغنى وبعد وفاته ﷺ ومحاربة أهل الردة بدأت الفتوحات شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، بدأت الفتوحات فانهالت الأموال على الصحابة لما فتحوا المدائن وهي مستقر كسرى وعاصمة مملكته، ومكان كرسيه وعرشه، أخذوا تاج كسرى وهو مرصع بالجواهر، وبساطه منسوج بالذهب واللآلئ ومصورة فيه جميع ممالك كسرى، بأنهارها وقلاعها وأقاليمها، وكان كسرى إذا جاء يدخل تحت تاجه، ويجلس على عرشه وتاجه معلق بسلاسل الذهب، لأنه لا يستطيع حمله على رأسه من ثقله وكثره ما فيه من الذهب والجواهر المرصعة، وملابس كسرى مرصعة بالجواهر، لما قاتل الصحابة الفرس فهزموهم وأخمد الله نار المجوس وجدوا تاج كسرى وبساطه واللآلئ والجواهر، ووجدوا دوراً مليئة بأواني الذهب والفضة، ووجدوا كافوراً كثيراً جداً ظنوه ملحاً خلطوه بالعجين فصار العجين مراً، فعرفوا أنه ليس بملح. لما قسم سعد الغنائم حصل الفارس اثنا عشر ألفاً وكانوا كلهم فرسان، كانوا في معركة بدر ليس معهم إلا فارس، وبعضهم يتعاقبون بعيراً وبعضهم مشاة حتى عقلة البعير لا يجد، وبعث سعد أربعة أخماس البساط إلى عمر، فلما نظر إليه عمر قال: [إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقال علي: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعوا، ثم قسم عمر البساط على المسلمين، فأصاب علياً قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفاً]. توالت الأموال على الصحابة، غنائم جهاد، وأعطيات، وعمر يعدل ويقسم على المسلمين، وعمر كيف كان حاله؟ الصحابة بعد الفتوحات والغنائم -يا أيها المسلمون- كيف صار حالهم؟ لما فتحت عليهم الدنيا كيف كان حالهم؟ خليفتهم كان في إزاره اثنتا عشرة رقعة، وفي ردائه أربع رقع كل رقعة مختلفة عن الأخرى وكان باستطاعته أن يأكل لحماً مشوياً كل يوم، ولكنه كان يأكل زيتاً وكان يأكل خبزاً وملحاً، ويرفض أن يأكل من الطعام الهنيء، ورفض أن يجلس على الفراش الوثير، ونام في المسجد، حتى دخل مرسول من الكفرة فرآه في المسجد قال: عدلت فأمنت فنمت يا عمر. كيف كان حال الصحابة بعد أن صاروا أمراء على البلدان، هل طغوا وبغوا؟ هل غيرتهم الأموال؟ هل غيرتهم الدنيا؟

стр. 5265

خباب يحكي حال الصحابة روى البخاري ﵀ عن أبي وائل قال: عدنا خباباً -وخباب أصابه ما أصابه في مكة، أحرق ظهره بأسياخ الحديد ومع ذلك عاش حتى رأى الفتوحات- قال خباب: هاجرنا مع النبي ﷺ نريد وجه الله، ما أردنا مالاً ولا شيئاً من الدنيا فوقع أجرنا على الله تعالى من مكة إلى المدينة، فمنا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئاً -هذا خباب يتكلم بعد أ، تدفقت الأموال- فمنا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير الذي مات قبل الفتوح فوفى الله له أجره كاملاً، لم يأخذ منه شيئاً في الدنيا، قال خباب: منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة فإذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجلاه بدا رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها، ومنا من جاءته الأموال، أينعت له الثمرة فهو يقطفها، هذا الصحابي يذكر نفسه ويذكر الحاضرين، ويذكر هذا الحديث ما كان عليه الصحابة من الصدق في وصف أحوالهم، يقول: منا من مات في فتح البلاد فتوفر له ثوابه كاملاً، ومنا من بقي حتى نال من طيبات الدنيا حتى خشينا أن حسناتنا قد عجلت لنا، وأن أجر الطاعة قد جاءنا منه شيء في الدنيا، وأنه نقصنا من الآخرة شيء، ولذلك كان عمر يتجنب هذا ويقول: إن قوماً قال الله فيهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف:٢٠]. روى البخاري بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أتي بطعام وكان صائماً - عبد الرحمن بن عوف من كبار الأغنياء، قال لما قرب إليه الطعام، فنظر إلى الطعام الشهي- قال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني -هذا من تواضع عبد الرحمن ﵁، مع أنه أفضل من مصعب - وكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطت رجلاه بدت رأسه. وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام، ما تغيرت نفوسهم والله، ولا تبدلت، ولا بطروا، ولا أشروا، وإنما تواضعوا لله، كانوا يذكرون على الطعام إخوانهم القتلى قبل الفتوحات.

стр. 5266

فضالة بن عبيد وحاله أثناء الإمارة عن عبد الله بن بريدة: أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد - فضالة بن عبيد هذا صحابي جليل، وهو بـ مصر صار أميراً على مكان- فقدم عليه وهو يمد ناقة له، الأمير يسقي الناس مديداً من الماء، فقال: إني لم آتك زائراً وإنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم، فرآه شعثاً -المسافر القادم رأى أمير البلد شعثاً متفرق الشعر- فقال: مالي أراك شعثاً وأنت أمير البلد؟! قال: إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه، يعني: التدهن والتنعم -وشبابنا اليوم بالكريمات والشعر بالاستشوار وصالونات الحلاقة، وهذا أمير البلد فضالة بن عبيد شعره متفرق، والتنعم والدعة ولين العيش خطير على الأمة إذا تفشى فيها، هل يرجى منها الجهاد أو الوقوف أمام الأعداء؟ كلا والله- ورآه حافياً، فقال: مالي أراك حافياً؟ قال: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نحتفي أحياناً - أحياناً نحتفي لنشعر بالخشونة، هذا الأمير يحتفي، ما تغيرت أحوالهم بل بقوا على إيمانهم، إنهم تربية محمد ﷺ ، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حتى لما جاءتهم الدنيا ما تغيروا.

стр. 5267

أبو هريرة بعد تولي الإمارة عن محمد قال: [كنا عند أبي هريرة فتمخط فمسح في ردائه، وقال: الحمد لله الذي تمخط أبو هريرة في الكتان] هذا بعد الفتوحات، وصار أبو هريرة أميراً وقال: [الحمد لله الذي تمخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منزل عائشة والمنبر مغشياً علي من الجوع، فيمر الرجل فيجلس على صدري فأرفع رأسي فأقول: ليس الذي ترى إنما هو الجوع] أي: يظنه مصروعاً فيه جني، فيجلس على صدره ليرقيه ويقرأ عليه فيقول أبو هريرة: ليس هناك جنون ولا جن ما هو إلا الجوع- قال أبو هريرة: [والله إني كنت لأعتمد بكتفي على الأرض من الجوع، وكنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، لقد رأيتني وإني لأخر ما بين المنبر والحجرة من الجوع مغشياً علي فيأتي الآتي فيضع رجله على عنقي، يرى أن بي الجنون وما بي إلا الجوع]. ماذا صار حال أبي هريرة بعدما صار أميراً؟ عن ثعلبة بن أبي مالك القرضي قال: أقبل أبو هريرة في السوق -صار أميراً على البلد في عصر الفتوحات- يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لـ مروان، فقال: أوسعوا الطريق للأمير، أو في رواية يقول: طريق للأمير، طريق للأمير، طريق للأمير، والأمير يحمل حزمة من الحطب على ظهره. فهل تغيرت أحوالهم بعد الأموال والمناصب؟ ما تغيرت أحوالهم، فكيف حال المسلمين اليوم؟ تأتيه وظيفة أو يصبح موظفاً بعد أن كان طالباً، أو ينجح في شيء من التجارة، انظر إليهم في فسقهم وماذا يفعلون؟ انظر إلى حالهم لتعلم فتنة المال.

стр. 5268

الصحابة ينفقون أموالهم في سبيل الله كان عند أنس خباز يخبز له، وربما صنع له لونين من الطعام، وخبزاً حوارياً -يعني: نقياً منخولاً- يجيء إليه الضيوف يكرم الضيوف يأتي بالخباز يصنع ويطبخ لهم، هذا في عصر الفتوحات، قال قتادة: [كنا نأتي أنس وخبازه قائم ويقول: كلوا -وهذا إكرام للضيف- يقول: كلوا أنتم كلوا فما أكل النبي ﷺ خبزاً مرققاً ولا شاة مسموطة -وهي الذبيحة الصغيرة الطرية التي تشوى- حتى لقي الله ]. كل ما تقدم من الأحاديث في صحيح البخاري أو هو حديث صحيح، وقال عروة: [بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم فقسمتها ولم تترك منها شيئاً، فقالت بريرة خادمة عائشة: أنت صائمة فهلا ابتعت لنا منها بدرهم واحد من المائة ألف من أجل طعام الإفطار، فقالت عائشة: لو ذكرتيني لفعلت] وتصدقت بسبعين ألف درهم وإنها لترقع جاني درعها ﵂. وزار أبو هريرة قوماً فأتوه برقاق فبكى قال: ما رأى رسول الله ﷺ هذا بعينه. ومن أعظم الأحوال خطبة عتبة بن غزوان في صحيح مسلم، وهو أمير البصرة قال في خطبته للناس: [ولقد رأيتني سابع سبعة -أسلم سابع واحد مع رسول الله ﷺ مالنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني]-الآن هذا الكلام يا أمة محمد ﷺ ، قاله الأمير في الخطبة بعد أن بين حاله السابق- ثم قال: [وإني أعوذ بالله أن أكون عظيماً وعند الله صغيراً] أعلم القوم بأول حاله وآخره إظهاراً للتواضع وتحدثاً بنعمة الله وتحذيراً من الاغترار بالدنيا. أيها المسلمون: هل يكون في هذا الحال وفي هذا الوصف عظة للمتعظ، وعبرة للمعتبر، ومانعاً لنا من الكبر إن أصابنا شيء من الدنيا، أو نعمة المال أو التجارة، أو المناصب والوظائف؟! هذا حال الصحابة ربما أتاهم من المال أكثر مما أتانا، لكن ما تغيروا ﵃، بل بقوا على حفظ العهد الذي عاهدوا به محمداً ﷺ . اللهم إنا نعوذ بك من فتنة المال ونعوذ بك من فتنة الجاه ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 5269

حال الأمة اليوم مع الأموال والثراء الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير إنه على كل شيء قدير، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد السراج المنير سيد الزاهدين وإمام العابدين وسيد ولد آدم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين. أيها المسلم: إذا رأيت الغني يصف حاله أيام فقره، ويذكر نعمة ربه، فهذا فيه خير كثير. قال غني لأولاده: كنا أيام الفقر في الحر ينزع أحدنا ثوبه ينقيه وينفضه من القمل، القمّل التي كانت تعلق به، وإذا رأيت الغني يقول: ورثت هذا كابراً عن كابر، فاعلم أن الخير من نفسه منزوع، وأن نصيبه من الرحمة والتواضع مفقود. وتلك قصة الثلاثة الذين أنعم الله عليهم؛ هذا بقطيع من الإبل، وهذا بقطيع من البقر، وهذا بقطيع من الغنم، وزال من كل واحد عيبه؛ زال الصلع، وزال العمى، وزال البرص، فماذا قال الأول والثاني: ورثته كابراً عن كابر، والأعمى قال: خذ ما شئت، هذا مال الله أعطاني إياه، خذ منه ما شئت، ما أمنعك من شيء منه أبداً.

стр. 5270

عدم المبالاة من أي باب جمع المال أيها المسلمون: إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ففي بعض بلدان المسلمين فاض المال، فهل شكروا نعمة الله أم ماذا فعلوا بالمال؟ فجروا وطغوا وبغوا وكفروا بنعمة الله، ولذلك يستحقون ما أصابهم من خوف، ويستحق المسلمون ما يصيبهم من جوع وفقر وسلب نعمة وتحول عافية وزوال، وسيسيرون في الطريق حتماً إن استمروا على ذلك، ثم إن الناس لم يعودوا يبالون أكلوا من الحلال أو من الحرام، قال ﷺ : (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أمن حرام) حديث صحيح رواه البخاري وغيره. وفي رواية: (يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل من أين أصاب المال من حلال أو حرام) وهؤلاء الناس اليوم لا يبالون، يظلم، أو يأخذ راتب عمال، أو أسهم بنوك، أو شركات محرمة، لا يبالون بما أخذوا من حلال أو من حرام، غصب أموال، أخذ حقوق أيتام، وهكذا، صدق نبي الله ﷺ ، وصار الجشع والشرة في الناس عظيماً، يتنافسون على الدنيا ويتقاتلون وقد يشتكي الابن أباه في المحكمة، (يا أبا ذر! أترى أن كثرة المال هو الغنى، إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، من كان الغنى في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا، ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا، وإنما يضر نفسه شحها) قاله ﷺ ، وقال ﷺ (اثنتان يكرهما ابن آدم -اسمع أيها الفقير، أو يا صاحب الدخل المحدود، أو الذي لا يكفيه راتبه اسمع- (اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب). ولذلك الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، لأن أصحاب الجد محبوسون يحاسبون على الأموال، فلا تجزع إذاً إذا فاتك شيء من الدنيا. المهم -أيها المسلمون- أننا إذا أصابتنا نعمة من الله حمدنا الله وشكرناه وعرفنا حقه في نعمته، وإذا ابتلينا صبرنا ولم نجزع لفوات شيء من الدنيا، الدنيا ملعونة ملعونة ملعونة، هل نريد أكثر من هذا؟!! الدنيا ملعونة، هكذا يقول النبي ﵊: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً).

стр. 5271

وقفة مع المسافرين أيها المسافر: اتق الله وأنت تستعد لسفرك، واجعل نيتك في السفر إرضاء الله وصلة الأرحام وتعليم الجهال ودعوة الأهل والأقارب إلى الله، اصطحب معك من الكتب والأشرطة المفيدة ما تستعين به على هداية أهلك ونشر الخير بينهم في البلاد التي ستذهب إليها، ومن السنة السفر صباح الخميس إن تيسر، وأذكار السفر لا تنساها، وجمع الصلاة وقصرها في طريق السفر من السنة، وصلاة النافلة في السيارة والحافلة والطائرة في السفر من السنة، والتدبر في آيات الله في الأرض وإعانة الرفيق، وإذا قعدت في بلد أكثر من أربعة أيام فقول الجمهور أنك تتم الصلاة، لا تسافرن امرأة بغير محرم، واصطحب معك في طريق البر إذا سافرت من الأشرطة النافعة ما يقطع الطريق وأنت تذكر الله . أكثر من سماع القرآن ودع سماع الأشعار، واذكر الله تعالى عند كل مرتفع وكل منخفض، كبره إذا ارتفعت وسبحه إذا انخفضت، سبحان الله إذا انخفضت تنزيهاً له عن النقائص والعيوب، واعلم أن دعاء المسافر مستجاب، وعجل الرجوع إلى أهلك إذا قضيت حاجتك، هكذا أوصى النبي ﷺ . ولا تطرق أهلك ليلاً إلا بخبر مسبق، والنقيعة: الطعام الذي يصنعه المسافر إذا رجع من سفره شكراً لله وحمداً على السلامة من السنة، وبيع وشراء الأموال: كثير من الناس يحتاجون إلى بيع وشراء العملات وهم في السفر في البلدان التي يسافرون إليها، تذكر أنه يشترط لبيع وشراء العملات الحلال أن تكون يداً بيد، تسلم ريالات وتستلم دينارات، تسلم دولارات وتستلم ليرات، تسلم جنيهات وتستلم ريالات، وهكذا يداً بيد، في أي مكان، سوق بيضاء أو سوداء ينبغي أن يكون التسليم يداً بيد، حتى يكون البيع والشراء جاهزا، ولا تعمل شيئاً فيه مضرة لعموم المسلمين، لقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) واتق الله واحذر من أماكن الفحش، واعلم بأنك موقوف عند الله وسائلك عن البلد الذي سافرت إليه لأي شيء سافرت؟ وماذا فعلت في السفر؟ وكم أنفقت من المال؟ أنت مسئول عند الله. يقولون لك في تعليمات السفر: اركب وسائل النقل العامة، واحذر من سيارات الأجرة الخاصة حتى لا تكون عرضة للنهب وعمليات السلب، وضع جواز السفر والجواهر والحلي في قسم الأمانات في الفنادق، ونحن نقول: اهتم بحفظ الدين الذي هو أهم من حفظ الأموال وحفظ جوازات السفر، حفظ الدين الذي قصر فيه المقصرون وفرط فيه المفرطون. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا في هذا اليوم من عتقائك من النار، اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور وعمل مبرور، اللهم اجعل فيما سمعنا حجة لنا لا حجة علينا، اللهم إنا نسألك أن ترفع البلاء عن المسلمين، اللهم انصر المستضعفين، اللهم ارفع سيف الذل والبغي عن عبادك الصالحين، اللهم انصر المجاهدين واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم دمر اليهود ومن شايعهم، اللهم من ولاهم على ظلمهم أو كان معهم في فسقهم وبغيهم فدمره تدميراً وخذه أخذ عزيز مقتدر إنك أنت العزيز الجبار، نسألك بكل اسم هو لك أن ترحمنا وتجعلنا من عتقائك من النار.

стр. 5272

عالم الأرواح ما حقيقة الروح؟ كيف تنظر إليها الشريعة؟ ما علاقتها بالإنسان؟ ما حقيقة تعلقها بالجسد وانفصالها عنه؟ هذه المادة محاولة جادة للإجابة عن هذه الأسئلة، وخطوة في طريق فقه هذه المسألة، ابتداءً من تعارف الأرواح وتناكرها، ثم علاقة الملائكة بالروح أثناء الموت وبعده، ومصير الروح بعد الموت، وبيان تلاقي الأرواح مع بعضها.

стр. 5273

حقيقة الروح وبعض أحكامها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن علم الروح قد اختص به الله كما جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ في حرث بـ المدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفرٍ من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يسمعكم ما تكرهون؛ فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم! حدثنا عن الروح؛ فقام ساعة ينظر، وفي رواية: رفع بصره إلى السماء، قال ابن مسعود ﵁: فعرفت أنه يوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]) فالروح من أمر الله ، ولذلك كان الذي يشابه صنعة الله ويحاول تقليدها في عمل ذوات الأرواح من التماثيل والصور إنساناً ملعوناً عند الله تعالى: (لعن الله المصورين) ثم إنه يكون له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، انفخوا فيها الروح، فلا يستطيعون ذلك؛ فيعذبون بالنار ويعذبون بالتكليف بما لا يطيقون ولا يستطيعون. وأمر الروح أمر معظم في الشريعة، فلا يجوز تعذيب الأرواح المعصومة ولا أرواح البهائم، ولذلك قال: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، وجاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵁ أنه خرج من منزله، فمر بفتيان من قريش نصبوا طيراً يرمونه -يتدربون على رميه بالسهام من بعيد- وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا -أي: خوفاً من الصحابي- فقال ابن عمر: (من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً). أي: هدفاً لرميه، رواه البخاري ﵀ وغيره.

стр. 5274

عالم الأرواح بين التآلف والاختلاف نحن نعيش في عالم الماديات والمحسوسات قد غابت عنا أمور كثيرة من شأن الأرواح وما يحدث لها، مع أنه حق وواقع، فتعالوا بنا ننتقل من عالم الأسواق والسلع والطائرات والمراكب والملابس والأطعمة والأدوية وسائر الماديات إلى عالم الأرواح لنأخذ جولة في ذلك العالم العجيب، لعله يكون في ذلك رقة تصيب قلوبنا، وتنقلنا من هذا الواقع الذي نعيشه يومياً إلى عالم آخر مختلف تمام الاختلاف ذكره لنا الله في كتابه وذكره نبيه ﷺ ، وشهد به الواقع؛ لنتعلم شيئاً عن أمر هذه الروح العجيبة لقد أخبرنا النبي ﷺ أن (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) كما جاء في الحديث الصحيح، وهو عجب من العجب! فإنك ترى الإخوان في الله على بعد ما بينهما، أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، يعيشان كأنهما معاً من التقاء الروحين، بما حدث من التقارب بسبب الأخوة في الله، وتشاكل الطباع وتناسبها.

стр. 5275

أنواع تعلق الأرواح بالأجساد ثم إن الله يقبض الأرواح عند النوم فيكون لها تعلقٌ بالأجساد من نوع يختلف عن حال اليقظة؛ لأن الأرواح تتعلق بالجنين حينما يرسل الملك لينفخ الروح، فإذا خرج إلى الدنيا وصار إنساناً يمشي أو يبكي ويبحث ويأكل الطعام صار لها تعلق آخر، فإذا نام صار لها تعلق آخر، فإذا مات صار لها تعلق آخر فإذا بعث صار لها تعلق آخر، وهكذا يتقلب الإنسان مع روحه في أطوار مختلفة: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩] أي: حال بعد حال. وقد نام أصحاب النبي ﷺ ذات ليلة في السفر بعدما تكفل بلال بإيقاظهم لصلاة الفجر فغلبه النوم، فاستيقظ النبي ﷺ وقد طلع حاجب الشمس، فقال لأصحابه: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال! قم فأذن بالصلاة) الحديث، ولذلك يقول المسلم حينما يقوم من فراشه إذا اضطجع قبل ذلك: (باسمك ربي، وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، فإذا استيقظ فليقل: (الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورد عليَّ روحي، وأذن لي بذكره) حديث صحيح يدل على أن الروح تخرج من الجسد عند النوم، ولكن يبقى لها معه تعلق واتصال، ولذلك يستمر في التنفس والحياة، وإلا فلو كان خروجاً كلياً كخروجها عند الموت لكان لجسده شأن آخر فيما يحدث له من البلى والفناء إلا عجب الذنب الذي يُركب منه الخلق يوم القيامة.

стр. 5276

عمل الملائكة عند الموت لقد أخبرنا النبي ﷺ عن ملك موكل بقبض الأرواح يرسله الله تعالى إلى من شاء، لا يحبسه حابس ولا جدار، يدخل على الفقراء والأغنياء والملوك فيقبض أرواحهم، أرسله إلى موسى فشمه شمة فقبضت روح موسى كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ بعد شيء حصل بينهما، يرسله الله إلى الأنبياء وغيرهم ليقبض الأرواح، وله ملائكة يعاونونه، ويحضر عند الموت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب بحسب حال المحتضر، وأخبرنا النبي ﷺ أن جهة خروج الروح تكون من قبل الرأس لا من غيره، وقد قال في الحديث الصحيح لما دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ﷺ ، ثم قال: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) فيكون خروج الروح من الجهة العلوية، والبصر يتبع الروح، ولذلك تجد الميت شاخصاً ببصره إلى الأعلى إلى جهة أعلى الرأس مكان خروج الروح. هذه الأرواح تجعلها الملائكة في أكفان من الجنة إذا كان أصحابها من أهل الجنة، وفي أكفان من النار إذا كان أصحاب الأرواح من أهل النار.

стр. 5277

مصير أرواح الشهداء أخبرنا النبي ﷺ عن أمورٍ عجيبة تتعلق بالروح، ومن ذلك ما يكون للشهداء، قال ﷺ : (أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة) الطير تأكل من ثمر الجنة، وأرواح الشهداء في أجوافها. وكذلك جاء في الحديث الصحيح عن مسروق قال: (سألنا الرسول ﷺ عبد الله عن هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل -قناديل معلقة بالعرش تأوي إليها أرواح الشهداء- فاطلع إليهم ربهم اطلاعة -فهنيئاً لمن اطلع الله عليه- فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ -ففعل ذلك بهم ثلاث مرات- فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أنهم ليس لهم حاجة تركهم) حديث صحيح. هذه الروح جاء في الحديث الصحيح أنها تصعد وتهبط، وأنها تهوي وتتلقى (تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: هل عملت من الخير شيئاً؟ قال: لا، قالوا: تذكر! قال: كنت أداهم الناس فآمر فتياني أن يُنظروا المعسر ويَتجوزوا عن الموسر. قال الله : تجوزوا عنه، تجوزوا عنه) هذا لفظ مسلم رحمه الله تعالى.

стр. 5278

خروج الروح من البدن الروح في البدن لها عند خروجها قعقعة وشنشنة واضطراب في نفس المحتضر؛ ولذلك لما أرسلت امرأة إلى النبي ﷺ أن يأتيها، فأرسل إليها معزياً (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب) فأقسمت عليه أن يأتيها وكان النبي ﷺ يبر بقسم المقسم، فقام رسول الله ﷺ وقام معه الصحابة: معاذ وأبي وعبادة، فلما دخلنا ناولوا الصبي رسول الله ﷺ وروحه تقعقع في صدره -الروح تضطرب في الصدر عند الاحتضار- قال: حسبته قال: كأنها شنة -القربة القديمة- فبكى رسول الله ﷺ تأثراً لحال الصبي الذي يحتضر. فقال له عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: (الرحمة التي جعلها الله في بني آدم، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء). إن هذه الروح يا عباد الله تتأثر بشيء عظيم عند الموت وهو شهادة أن لا إله إلا الله كما جاء في الحديث الصحيح أن عمر ﵁ مر بـ طلحة وهو حزين، فسأله عن سبب حزنه؟ فأخبره طلحة أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إني لأعلمٍ كلمة لا يقولها أحد عند موته إلا كانت نوراً لصحيفته، وإن جسده وروحه ليجدان لها روحاً عند الموت رحمة وفرجاً وتنفيسا، فلم أسأله حتى توفي -يقول طلحة حزيناً- قال عمر: أنا أعلمها، هي التي أراد عمه عليها -لا إله إلا الله- قال طلحة: صدقت). عباد الله: إن هذه الروح تصعد وتنزل، وتتصل وتنفصل، وتخرج وتذهب وتجيء، وتتحرك وتسكن، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة والآيات التي جاءت من عند ربنا، وأخبر النبي ﷺ أنها تصعد إلى السماء، ويصلي عليها كل ملك لله بين السماء والأرض إذا كان صاحبها طيباً من الصالحين، وتُستقبل استقبالاً عظيماً، وتفتح لها أبواب السماء، ويشيعها من كل سماء مقربوها إلى السماء التي بعدها، يعرجون معها تكريماً وتشريفاً، ويفتح لها باب السماء الثانية والثالثة وهكذا، حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله ليقول الله لها: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة -يكون فراشه من الجنة- وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، هكذا تشرف روح المؤمن. أما العبد الفاجر صاحب الكبائر، والمصر على الصغائر، الذي ليس له حسنات ماحية، ولا أمور مكفرة لهذه السيئات فأي استقبالٍ يستقبله؟ إن روحه تصعد إلى السماء بعد أن يستلمها ملائكة العذاب، فتغلق أبواب السماء دونها، ويقول الله: كذب عبدي، ويرد إلى الأرض فيطرح طرحاً من الأعلى إلى الأسفل يهوي من السماء إلى الأرض: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].

стр. 5279

عودة الروح إلى البدن عباد الله! إن لهذه الروح شأناً إن هذه الروح التي تخرج عند الموت تعود إلى الجسد ليقع العذاب والنعيم على الجسد والروح معاً، إنها ترجع للسؤال تعاد روحه في جسده ليأتيه الملكان فيجلسانه ليسألانه عن هذه الأمور المذكورة في الذكر الذي ينبغي أن يردد صباحاً ومساء: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً. عباد الله! دلت الأحاديث والنصوص على أن الروح تعود إلى البدن ليقع العذاب أو النعيم على هذه الروح التي تكون في البدن في القبر كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ولذلك نعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن إنساناً لو أُحرق حرقاً بالنار وذر رماداً في يومٍ عاصفٍ عند البحر لجمعه الله وأوقع العذاب أو النعيم على روحه وبدنه، وكذلك لو تخطفته الطير.

стр. 5280

الأدلة على عذاب القبر دلت النصوص على عذاب القبر ونعيمه، ومنها: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)، وقبل ذلك قول الله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] وعذاب البرزخ مذكور في القرآن والسنة، وأخبر النبي ﷺ أن الكفار يعذبون، وأنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم، لا يسمعه الجن ولا الإنس، وقد شهد الواقع بذلك أيضاً، حتى قال بعض أهل العلم: لهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت -أكلت التراب مع البقل- فأصابها شيء في بطنها إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كـ الإسماعيلية والنصيرية والقرامطة من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإن أصحاب الخيل التي أصابها هذا الداء كانوا يقصدون قبورهم، فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث ذلك لها فزعاً وحرارة تذهب بذلك المغل الذي حدث لها في بطنها، وقد ذكر بعض أهل العلم وهو الحافظ عبد الحق الإشبيلي ﵀ في شرحه لـ صحيح مسلم، لما وصل مع الطلاب إلى الحديث الذي فيه عذاب القبر أخبرهم بالقصة التي حدثت أن دابة أتت إلى قبرٍ من القبور فألصقت أذنها به ثم تراجعت إلى الوراء، ثم ذهبت إلى القبر فألصقت أذنها به ثم تراجعت إلى الوراء، فعلت ذلك مراراً، ومن يسأل بعض الرعاة الذين ربما يرعون حول المقابر أو يمرون ببهائهم على المقابر لسمع من ذلك أحداثاً عجيبة.

стр. 5281

الأعمال التي تنفع الإنسان في قبره عباد الله: إن الذي ينفع الإنسان في قبره هو عمله الصالح، ولذلك جاء في الحديث الصحيح إن شاء الله أن النبي ﷺ قال: (إن الميت إذا وضع في قبره يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وفعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل -لا يمكن الاختراق من هذه الجهة- ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان: ما قبلي مدخل. فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أخذت بالغروب، فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ ما تقول فيه وما تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي -لأنه كان متعوداً على إدراك صلاة العصر، لا يضيعها حتى تغيب الشمس- فيقولون: إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه، ثم يجيبهم بعد ذلك عن هذه الأسئلة التي طرحوها عليه) حديث حسن، رواه ابن حبان رحمه الله تعالى. وكذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة)، قال في الحديث الصحيح: (عند صعودها إلى السماء يقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحه من نتنها -وذكر الراوي لعناً يحصل- ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، ويأمر بها إلى آخر الأجل) رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. عباد الله: إن هذه الأشياء التي تقع على الروح وإن كنا لا ندركها فإنها واقعة حقاً حقاً؛ لأن ذلك قد جاء في الأخبار الصحيحة من أنها تبلغ الحلقوم، وأن الإنسان يغرغر إذا بلغت الروح الحلقوم إنها جاءت الأخبار بأنها تصعد إن الأخبار قد جاءت بأن العذاب والنعيم يقع، ولو أن إنساناً قال لك: لقد نبشت قبراً بعد وفاة صاحبه الكافر فوجدت بدنه سليماً، إنهم يحنطون أجساد موتاهم ويجعلونها في توابيت، وربما جعلوها في المتاحف والمزارات، ولا نرى قبضاً ولا هصراً ولا عصراً، بل نرى صدور هؤلاء الأموات سليمة لم يحصل لها شيء؟! نقول له: لقد خرجت المسألة الآن من عالم المحسوسات وصارت في عالم الغيب، ونحن لا نطلع عليه ولا نرى ولا نحس، ولكن العذاب واقع ولا بد على مثل هؤلاء الكفار، نسأل الله السلامة والعافية. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وثبتنا في قبورنا، اللهم ارحمنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض إنك على كل شيء قدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 5282

أماكن أرواح الصالحين بعد موتهم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، لا إله إلا هو يفعل ما يشاء، أشهد أنه الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، هو الرحمة المهداة، والبشير النذير، والسراج المنير، أرسله الله إلينا، علمنا فأحسن تعليمنا، وأدبنا فأحسن تأديبنا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله! إن هذه الروح يكون لها مواقف شتى في أمكنة مختلفة قد جاءت في الأحاديث الصحيحة، فإن قلت يا عبد الله: أين تكون الأرواح إذا خرجت؟ فإن النصوص قد جاءت بأن منها ما يكون في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، وجاء في بعض النصوص بأنها تكون عن يمين آدم وعن يساره أرواح أيضاً، فعن يمينه أسمدة (وهي أرواح المؤمنين)، وعن شماله أفئدة (وهي أرواح الذين كتب الله عليهم العذاب)، وأخبر النبي ﷺ عن شخص بعد الموت محبوس على باب الجنة، فقال: (رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة) وفي الحديث الصحيح: (ومنهم من يُحبس في قبره بسبب الدين، ومنهم من حبس في قبرة في غلة غلها)، ومن الأرواح ما يكون مقره عند باب الجنة كما جاء في حديث ابن عباس: (الشهداء على بارق) ما هو بارق؟ (قال: نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرةً وعشياً) حديث صحيح. إذاً: الأرواح منها أرواح في مراتب عليا تسرح في الجنة في مراتب عليا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومنها ما يكون على بارق -نهر بباب الجنة- يخرج رزقهم من الجنة إليهم بكرة وعشياً، ومنها ما يكون في قناديل، أو منها ما يكون آوياً تحت العرش يأوي إلى تحت العرش كما جاء في الحديث أيضاً عن أرواح المؤمنين أنها معلقة، أنها تكون تحت العرش، ومن الأرواح ما يكون محبوساً في الأرض لا يرفع إلى الملأ الأعلى، ومنها ما يكون محبوساً في تنور من نار يأتيهم النار من أسفل فيضجون ويصيحون، وهؤلاء هم الزناة والزواني، وقد أخبر النبي ﷺ عن حالهم في الحديث الصحيح (أرواح الزناة والزواني تحبس في تنور من نار يعذبون إلى أن تقوم الساعة) هذا عذابهم في البرزخ، وكذلك أكلة الربا الذين رآهم النبي ﷺ يسبحون في نهر الدم ويلقمون الحجارة، ويسبحون والحجارة في بطونهم في نهرٍ من دم منتن كما كانوا يأكلون الربا في الدنيا. عباد الله! إذاً الأرواح أحوال مختلفة في أماكن مختلفة، ولكن يبقى لها اتصال بالبدن، ولو كانت تطير وتسرح في أنهار الجنة في أعلى عليين فإنه لا يزال لها تعلق بالبدن في الأسفل في الأرض لتنعم أيضاً. ولا تقل: كيف يكون الشيء في مكانين في وقت واحد؟ ف الجواب هذا في الدنيا، أما عالم الغيب -أمر الآخرة- فهو أمر مختلف تماماً، نعم تكون في مكانين في وقت واحد، وتكون متصلة بالجسد وهي في أعلى عليين.

стр. 5283

تلاقي أرواح المؤمنين بعد موتهم أرواح الأنبياء والصدقين والشهداء والصالحين معاً، فإن قلت يا عبد الله: هل تتلاقى أرواح المؤمنين بعد موتهم؟ فاسمع الجواب في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي ﵀، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضية عنك إلى روح الله وريحان ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى أنه ليناوله بعضهم بعضاً -الملائكة تناول الروح، يناوله بعضهم بعضا إكراماً للميت- حتى يأتون به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه -ترحيب حار من المؤمنين بروح أخيهم الذي قبض حديثاً فجاءته روحهم- فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ -ممن تركتهم وراءك في الدنيا؟ - فيقولون له: دعوه أي: يستريح- فإنه في غم الدنيا -كان في لأوائها ونصبها ومرضها وحزنها وغمها وهمها وعقوق أولادها وعصيان أزواجها- فإذا قال-مجيباً لهم عن السؤال الذي طرحوه: أين فلان؟ ما حال فلان؟ - فإذا قال: أما أتاكم؟ -فلان مات الذي تسألون عنه مات- فيعلمون حينئذٍ، قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية) ما جاءنا، إذاً ذهب إلى مكان آخر، فما هو المكان الآخر؟ أمه الهاوية. إذاً: تتلاقى أرواح المؤمنين ويتساءلون فيما بينهم، وقد جاء عن أبي هريرة أيضاً رفعه قال: (إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين، فيود لو خرجت نفسه -لله يحب لقاءه- وإن المؤمن يُصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض، إذا قال: تركت فلاناً في الأرض، أعجبهم ذلك -اطمأنوا، ربما يصلح حاله أو يزداد صلاحاً إذا كان صالحاً- وإذا قال: إن فلاناً قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا أين؟ إلى أمه الهاوية) حديث حسن.

стр. 5284

تلاقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات أما تلاقي أرواح الأحياء مع الأموات فإن بعض أهل العلم قد فسروا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] فسروه بذلك، بتلاقي أرواح ما يقتضي تلاقي أرواح الأحياء مع الأموات، ومنهم من قال غير ذلك، وعلل بعض أهل العلم الرؤيا التي يراها الإنسان في نومه لميتٍ مات ويتحدث معه ويخاطبه ويكلمه بأنه من نتيجة تلاقي روحه لما خرجت وهو نائم وجالت وتجولت مع روح ذلك الميت. أما ما نُقل عن السلف في مسألة الرؤى التي رئيت للصالحين من موتاهم والأحاديث التي حدثوا بها فهي كثيرة جداً ومستفيضة، قال سفيان بن عيينة: رأيت سفيان الثوري بعد موته يطير في الجنة من نخلة إلى شجرة، ومن شجرة إلى نخلة، وهو يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] فقيل له: بم أدخلت الجنة؟ قال: بالورع. وقال صالح بن بشر: لما مات عطاء السلمي رأيته في منامي، فقلت: يا أبا محمد! ألست في زمرة الموتى؟ قال: بلى. قلت: فماذا صرت إليه بعد الموت؟ قال: صرت والله إلى رب غفور شكور وخير كثير. ورئي الفضيل بن عياض بعد موته، فقال: لم أر للعبد خيراً من ربه. وقال أبو بكر بن أبي مريم: رأيت وفاء بن بشر بعد موته، فقلت: ما فعلت يا وفاء؟ قال: نجوت بعد كل جهد. قلت: فأي الأعمال وجدتموها أفضل؟ قال: البكاء من خشية الله . وقال عبد الله بن عبد العزيز: رأيت أبي في النوم بعد موته كأنه في حديقة، فقلت: أي الأعمال وجدتها أفضل؟ قال: الاستغفار أي بني. وقال سهيل أخو حزم: رأيت مالك بن دينار بعد موته، فقلت: أبا يحيى! ليت شعري ماذا قدمت به على الله؟ قال: قدمت بذنوبٍ كثيرة محاها عني حسن الظن بالله . وقال عمار بن سيف: رأيت الحسن بن صالح في منامي، فقلت: قد كنت متمنياً للقائك، فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر! فإني لم أر مثل حسن الظن بالله شيئاً. ورأى الشيخ/ محمد الصالح -علامة القصيم - شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي في منامه، فقال له: ما أكثر ما نفعك عند الله تعالى؟ فقال: حسن الخلق. وكان السعدي ﵀ من المشهورين بحسن الخلق. وهذه قصة تأكدت من صحتها بنفسي، والذي يخبرك به الناس عما رأوه من حال أقاربهم بعد الموت في المنامات أشياء كثيرة جداً، فهذا عالم الأرواح بهذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله، وما علمناه نحن شيء يسير: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] وإن ما يحدث لهم الآن تحت الأرض وفي أعلى عليين وفي أسفل سافلين حوادث كثيرة جداً أكثر من الأحداث التي تحدث على وجه الأرض. كم مات من الناس من قبلنا من آدم إلى الآن؟ كلهم لهم قصص وأحداث الآن تدور رحاها، تحت الأرض وفي أعلى عليين وفي أسفل سافلين، أحداث كثيرة جداً تحدث ونحن عنها في غفلة، فاستعدوا يا عباد الله، ولنستعد ولنأخذ العدة بما نحن عليه الآن لما سنكون عليه بعد الموت. نسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله زاداً نافعاً يبلغنا مآلاً صالحاً. اللهم اغفر لنا يا رب العالمين، وتب علينا إنك أنت أرحم الراحمين، اللهم عجل فرجنا، وثبت أمننا، اللهم ارزقنا إيماناً صالحاً، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أراد بلدنا هذا بشر فكده، اللهم من أراد المسلمين وبلادهم بسوء فدمره واجعله عبرة للمعتبرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 5285

عبادة المرأة المسلمة في رمضان على المرأة المسلمة أن تستغل المواسم التي جعل الله فيها خيراً كبيراً في حصاد الحسنات، وإن مما يضاعف الحسنات لدى المرأة المسلمة تقوية عزيمتها في جوانب العبادة والطاعة، وأن تحرص على فعل الخير والطاعة من صدقة وصلاة، ونوافل، وتجنب كل ما يخدش الصيام، فعند ذلك لا يفوت أجرها بإذن ربها.

стр. 5286

شكر الله على نعمة الأمن والسلامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أيتها المستمعات المسلمات: السلام عليكن ورحمة الله وبركاته. نحن في هذا اللقاء من وراء حجاب مع موضوع بعنوان "عبادة المرأة المسلمة في رمضان" وقبل أن نتكلم عن جوانب هذه العبادة في رمضان، أود أن أقول في بداية هذا الكلام: إن شهر رمضان لهذه السنة قد جاء بعد ظروف عصيبة، وأيام شديدة مرت علينا، وإن مجيء هذا الشهر بعد هذه المحنة مباشرة، وبعد انقضاء هذه الأيام العصيبة له مدلولات معينة، وإن طعم شهر الصوم بعد هذه الفتنة يختلف عن الرمضانات الماضية. أيتها المسلمات: ينبغي أن نتعلم من مجيء هذا الشهر مباشرة بعد الأزمة شكر الله على ما منَّ به علينا من السلامة، وعلى ما من به علينا من زوال الخوف الذي سلَّطه علينا في الأيام الماضية، ونتعلم بأن نعم الله يجب أن تشكر، وأن كفران النعم يؤدي إلى مثلما أدت إليه الأحداث الماضية، وما حل بأقوام من حولنا من المصائب العظيمة لهي دليل على أن نقمة الله تحل بالمكذبين والكافرين بنعمته : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل:١١٢]. وهذا الشهر الكريم، شهر تضرع إلى الله ورغبة إليه، فكيف إذا كان بالإضافة إلى الصوم، وبالإضافة لما ينبغي أن يكون في هذا الشهر من التبرع، كيف إذا كان الأمر يوجب تضرعاً خاصاً آخر مما حصل ومن نتيجة ما جرى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] فينبغي أن تكون العبادة في هذا الشهر وشكر النعمة فيه أعلى بكثير من الأشهر الماضية؛ لأن الله قد هزَّ القلوب، ولأن الله قد ابتلى، ولأن الله قد أحل بأقوام من الكافرين والظالمين أنواعاً من نقمته، ونحن ينبغي أن نخاف الله في أن يصيبنا مثلما أصابهم أو أشد. أيتها المسلمات: إن موسم العبادة عندما يأت في هذا الوقت بعد هذه المصيبة التي حصلت والتي لا زالت آثارها تتتابع حتى الآن، إننا نتعلم من خلال هذا أن الله يبتلينا بالشر كما يبتلينا بالخير، فينظر كيف نعمل، فلذلك إذا كنا نتوب إلى الله في الرمضانات الماضية فإن توبتنا في هذا الشهر ينبغي أن تكون أكثر، وإذا كنا نعبد الله في الرمضانات الماضية ونقوم فإن قيامنا وعبادتنا ينبغي أن تكون أكثر وهكذا.

стр. 5287

إخلاص المرأة في رمضان من أوجه العبودية التي تتمثل في حياة المرأة المسلمة في شهر الصيام أنها تتعلم الإخلاص لله ، كما قال الله في الحديث القدسي: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وقال: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فتتعلم المرأة أن تحفظ هذا السر الذي بينها وبين الله بالابتعاد عن هذه المفطرات، وأن ترعى الأمانة والعهد الذي بينها وبين الله في إكمال هذا الصوم من الفجر إلى الغروب، ولا تنقض عهد الله بأي نوع من أنواع المفطرات التي تفسد الصوم. وكذلك فإن تعلم هذا الإخلاص من شهر الصوم وشهر الصبر ينعكس على الأعمال الأخرى التي لا بد أن يبتغى فيها وجه الله، سواءً كانت هذه الأعمال دعوة أو طلب علم أو أعمالٍ خيرية أو نحو ذلك.

стр. 5288

المرأة المسلمة وتعلم أحكام الصوم ومن الأمور المستلزمة للعبادة في رمضان أن تتعلم المرأة الأحكام الفقهية التي لا تستقيم عبادتها إلا بها، خصوصاً في هذا الشهر وهذه المناسبة التي تجتمع فيها أحكام كثيرة، وخصوصاً بالنسبة للمرأة المسلمة، فهي لا بد أن تتعلم من أحكام الحيض ما تعلم به متى يجب عليها أن تصوم، ومتى يجب عليها أن تفطر، ومتى تطهر من مثل نزول الطهر عليها، أو إذا انقطع الدم أن تحتشي بشيءٍ، فإذا خرج نظيفاً تعلم أنها قد طهرت بذلك، وكذلك أن تعلم الفرق بين الحيض والاستحاضة، وأن ما زاد عن خمسة عشر يوماً من العادة فإنه استحاضة، وأحكام النفاس، وأنه لا حد لأقله، فلو أنها طهرت بعد عشرين يوماً من الولادة فإنها تبدأ في الصيام إذا كانت في رمضان مثلاً، وكذلك لا يجوز الزيادة عن أربعين يوماً على القول الراجح، فإذا انتهت وكانت نهاية الأربعين في رمضان فإنها تغتسل وتصوم. وينبغي عليها أن تعلم أحكام النية، من تبييت نية الصيام من الليل ولو قبل الفجر بلحظة، فإذا طهرت قبل الفجر عليها أن تنوي لكي تأتي للصوم عبادة صحيحة، وتبدأ به كما أمر الله، قال ﵊: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). وكذلك فإنه ينبغي عليها أن تتعلم -مثلاً- ماذا يجب عليها أن تفعل إذا حاضت أو طهرت أثناء اليوم في رمضان. وكذلك لا بد أن تعلم أنها لو كانت تتوقع الحيض في اليوم القادم فلا يجوز لها أن تنوي الإفطار غداً؛ لأن الحيض قد يتأخر، فتكون لم تبيت النية فتقع في إشكال كبير، فينبغي لها ألا تقطع نية الصوم حتى ترى الدم، فتعلم أن الصيام قد بطل وأنها الآن يجب عليها أن تفطر، وقد ذكرنا طائفة كثيرة من أحكام الصيام في محاضرة بعنوان "خلاصات لأحكام الصيام" يمكن الرجوع إليها إذا شاءت المرأة المزيد.

стр. 5289

امتثال المرأة أوامر الله ورسوله في الصوم كذلك فإن من العبودية في هذا الشهر أن تعلم المرأة أنها تأتمر بأوامر الله ورسوله في الصوم والإفطار، فإذا قال الله لها: صومي؛ فتصوم، وإذا قال الله لها: أفطري؛ فتفطر، وإذا حاضت -مثلاً- فإن الصيام ينقطع ولها الأجر على ما مضى من الصيام، ولم تذهب القضية هباءً منثوراً، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ومن الإحسان أن تصوم، فإذا نزل عليها الدم أثناء النهار تفطر، ولذلك فإنها تؤجر على الإحسان في عملها، وبطلان الصوم شيء، وبطلان الأجر شيء آخر، فلا ينبغي عليها أن تخلط بين هذا وهذا، خصوصاً وأن بعض النساء يشعرن بالضيق من مجيء العادة الشهرية أثناء شهر الصوم، وقد تلوم إحداهن نفسها، أو تندب حظها، وتقول: يا ليت هذه العادة لم تكن، أو لماذا كانت؟ ونحو ذلك، ولماذا لا أكون مثل الرجل الذي يصوم الشهر كله، وأنا أضطر للإفطار ثم أقضي؟! فنقول: إن من أنواع الرضا بالقضاء: الرضا بالقضاء الشرعي، والله قد قدَّر على المرأة أن تحيض، وأوجب عليها أن تفطر، وتقضي بعد ذلك، ورضي لها بهذا ديناً، فينبغي أن ترضى بما رضيه الله لها، وما دامت لم تفعل محرماً فلماذا تلوم نفسها، ولماذا تندب حظها، ولماذا تعنف هذه الخواطر التي تأتيها في نفسها؟ فنقول: ينبغي أن ترضى بما رضي الله لها، وهذه قسمة الله ومشيئته، وله في ذلك حكمة عظيمة .

стр. 5290

حياء المرأة في رمضان من الأمور المرتبطة بذلك أيضاً أن تعلم المرأة أنه لا حياء في الدين، وأنه لا ينبغي أبداً أن تجعل من الإحراجات التي تحصل لها بسبب الحيض مانعاً لها من أداء الصيام في هذا الشهر العظيم، فمثلاً: بعض النساء تتحرج من إخبار أهلها أنها قد بلغت فتستمر على الإفطار لتثبت لهم أنها لم تبلغ مثلاً، وهذا خطأ عظيم، وجريمة كبيرة، بل يجب عليها أن تصوم في وقت الطهر، وتفطر في وقت العادة. وكذلك أن تستحي فتصوم في وقت العادة أمامهم؛ كي لا يشعروا أن العادة قد جاءتها، فتصوم من حيث يجب عليها أن تفطر؛ فتكون مخالفة لأمر الله ، فالواجب عليها إذاً ألا تتحرج من هذا الأمر؛ لأنه شيء كتبه الله على بنات آدم (وإن حيضتك ليست في يدك). ولذلك نقول لكثير من السائلات اللاتي يسألن عما مضى من الصيام ويقلن: إن الإحراج قد أدى بنا إلى أن نصوم أوقات العادة، ولم نقض فيما مضى من حياتنا المبكرة في فترة البلوغ؟ فنقول: إن هذا ذنب يحتاج إلى استغفار، ويجب المبادرة إلى قضاء ما مضى من أيام العادة التي لم تقض، وإذا مرَّ رمضان الذي بعده ولم تقض فإن عليها بالإضافة إلى قضاء ما مضى كفارة إطعام مسكين عن كل يوم لم تقضه من أيام الرمضانات الماضية التي جاء بعدها شهر رمضان ولم تقض. ومن الأمور المتعلقة بالحيض: أن بعض النساء يعمدن إلى أخذ الحبوب التي تؤخر الدورة لكي يتسنى لهن الصيام، ولكي يشعرن أنه لم يفتهن شيءٌ من شهر الصوم. فنقول: إن هذه الحبوب التي أفتى أهل العلم بأن أخذها جائز إذا لم تكن تضر، وإنني أشك بأنها تضر، والأمر عند الأطباء على العموم أقول: بأن عدم أخذها هو الأولى والأكثر أجراً، وهو اللائق برضى المرأة بحالها، وهذا حال أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة والتابعين، فإنهن لم يأخذن شيئاً من الأدوية التي تؤخر الحيض أو تمنعه، وإنما كانت إحداهن إذا طهرت صامت، وإذا حاضت أفطرت، وترضى بذلك وتقضي بعده، والحمد لله رب العالمين. ومن وجوه عبودية المرأة في شهر رمضان ما يحدث من مقاومتها لنفسها لامتناعها عن الطعام والشراب والنكاح، فيكون لهذا منعاً للنفس عن مألوفاتها، وهو تعويد وترويض لكف النفس عن الشهوات المحرمة في ليالي رمضان وأيام الشهور في غير رمضان، وذلك أنها إذا تعودت على الامتناع عن الطعام والشراب والنكاح في نهار رمضان فإنه يجب عليها بالتالي أن تمتنع عن المحرمات الأخرى كالغيبة، والنميمة، والغناء، وأنواع الفسق والفجور، والتكشف، ونزع الحجاب أو التقصير فيه، وسائر المحرمات، فهذا شهر تتعود فيه النفوس، ويسهل فيه ترك ما كان مألوفاً في السابق.
следующие страницы →