← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

شكر الله على نعمة الأمن والسلامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أيتها المستمعات المسلمات: السلام عليكن ورحمة الله وبركاته. نحن في هذا اللقاء من وراء حجاب مع موضوع بعنوان "عبادة المرأة المسلمة في رمضان" وقبل أن نتكلم عن جوانب هذه العبادة في رمضان، أود أن أقول في بداية هذا الكلام: إن شهر رمضان لهذه السنة قد جاء بعد ظروف عصيبة، وأيام شديدة مرت علينا، وإن مجيء هذا الشهر بعد هذه المحنة مباشرة، وبعد انقضاء هذه الأيام العصيبة له مدلولات معينة، وإن طعم شهر الصوم بعد هذه الفتنة يختلف عن الرمضانات الماضية. أيتها المسلمات: ينبغي أن نتعلم من مجيء هذا الشهر مباشرة بعد الأزمة شكر الله على ما منَّ به علينا من السلامة، وعلى ما من به علينا من زوال الخوف الذي سلَّطه علينا في الأيام الماضية، ونتعلم بأن نعم الله يجب أن تشكر، وأن كفران النعم يؤدي إلى مثلما أدت إليه الأحداث الماضية، وما حل بأقوام من حولنا من المصائب العظيمة لهي دليل على أن نقمة الله تحل بالمكذبين والكافرين بنعمته : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل:١١٢]. وهذا الشهر الكريم، شهر تضرع إلى الله ورغبة إليه، فكيف إذا كان بالإضافة إلى الصوم، وبالإضافة لما ينبغي أن يكون في هذا الشهر من التبرع، كيف إذا كان الأمر يوجب تضرعاً خاصاً آخر مما حصل ومن نتيجة ما جرى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] فينبغي أن تكون العبادة في هذا الشهر وشكر النعمة فيه أعلى بكثير من الأشهر الماضية؛ لأن الله قد هزَّ القلوب، ولأن الله قد ابتلى، ولأن الله قد أحل بأقوام من الكافرين والظالمين أنواعاً من نقمته، ونحن ينبغي أن نخاف الله في أن يصيبنا مثلما أصابهم أو أشد. أيتها المسلمات: إن موسم العبادة عندما يأت في هذا الوقت بعد هذه المصيبة التي حصلت والتي لا زالت آثارها تتتابع حتى الآن، إننا نتعلم من خلال هذا أن الله يبتلينا بالشر كما يبتلينا بالخير، فينظر كيف نعمل، فلذلك إذا كنا نتوب إلى الله في الرمضانات الماضية فإن توبتنا في هذا الشهر ينبغي أن تكون أكثر، وإذا كنا نعبد الله في الرمضانات الماضية ونقوم فإن قيامنا وعبادتنا ينبغي أن تكون أكثر وهكذا.

стр. 5287

إخلاص المرأة في رمضان من أوجه العبودية التي تتمثل في حياة المرأة المسلمة في شهر الصيام أنها تتعلم الإخلاص لله ، كما قال الله في الحديث القدسي: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وقال: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فتتعلم المرأة أن تحفظ هذا السر الذي بينها وبين الله بالابتعاد عن هذه المفطرات، وأن ترعى الأمانة والعهد الذي بينها وبين الله في إكمال هذا الصوم من الفجر إلى الغروب، ولا تنقض عهد الله بأي نوع من أنواع المفطرات التي تفسد الصوم. وكذلك فإن تعلم هذا الإخلاص من شهر الصوم وشهر الصبر ينعكس على الأعمال الأخرى التي لا بد أن يبتغى فيها وجه الله، سواءً كانت هذه الأعمال دعوة أو طلب علم أو أعمالٍ خيرية أو نحو ذلك.

стр. 5288

المرأة المسلمة وتعلم أحكام الصوم ومن الأمور المستلزمة للعبادة في رمضان أن تتعلم المرأة الأحكام الفقهية التي لا تستقيم عبادتها إلا بها، خصوصاً في هذا الشهر وهذه المناسبة التي تجتمع فيها أحكام كثيرة، وخصوصاً بالنسبة للمرأة المسلمة، فهي لا بد أن تتعلم من أحكام الحيض ما تعلم به متى يجب عليها أن تصوم، ومتى يجب عليها أن تفطر، ومتى تطهر من مثل نزول الطهر عليها، أو إذا انقطع الدم أن تحتشي بشيءٍ، فإذا خرج نظيفاً تعلم أنها قد طهرت بذلك، وكذلك أن تعلم الفرق بين الحيض والاستحاضة، وأن ما زاد عن خمسة عشر يوماً من العادة فإنه استحاضة، وأحكام النفاس، وأنه لا حد لأقله، فلو أنها طهرت بعد عشرين يوماً من الولادة فإنها تبدأ في الصيام إذا كانت في رمضان مثلاً، وكذلك لا يجوز الزيادة عن أربعين يوماً على القول الراجح، فإذا انتهت وكانت نهاية الأربعين في رمضان فإنها تغتسل وتصوم. وينبغي عليها أن تعلم أحكام النية، من تبييت نية الصيام من الليل ولو قبل الفجر بلحظة، فإذا طهرت قبل الفجر عليها أن تنوي لكي تأتي للصوم عبادة صحيحة، وتبدأ به كما أمر الله، قال ﵊: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل). وكذلك فإنه ينبغي عليها أن تتعلم -مثلاً- ماذا يجب عليها أن تفعل إذا حاضت أو طهرت أثناء اليوم في رمضان. وكذلك لا بد أن تعلم أنها لو كانت تتوقع الحيض في اليوم القادم فلا يجوز لها أن تنوي الإفطار غداً؛ لأن الحيض قد يتأخر، فتكون لم تبيت النية فتقع في إشكال كبير، فينبغي لها ألا تقطع نية الصوم حتى ترى الدم، فتعلم أن الصيام قد بطل وأنها الآن يجب عليها أن تفطر، وقد ذكرنا طائفة كثيرة من أحكام الصيام في محاضرة بعنوان "خلاصات لأحكام الصيام" يمكن الرجوع إليها إذا شاءت المرأة المزيد.

стр. 5289

امتثال المرأة أوامر الله ورسوله في الصوم كذلك فإن من العبودية في هذا الشهر أن تعلم المرأة أنها تأتمر بأوامر الله ورسوله في الصوم والإفطار، فإذا قال الله لها: صومي؛ فتصوم، وإذا قال الله لها: أفطري؛ فتفطر، وإذا حاضت -مثلاً- فإن الصيام ينقطع ولها الأجر على ما مضى من الصيام، ولم تذهب القضية هباءً منثوراً، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ومن الإحسان أن تصوم، فإذا نزل عليها الدم أثناء النهار تفطر، ولذلك فإنها تؤجر على الإحسان في عملها، وبطلان الصوم شيء، وبطلان الأجر شيء آخر، فلا ينبغي عليها أن تخلط بين هذا وهذا، خصوصاً وأن بعض النساء يشعرن بالضيق من مجيء العادة الشهرية أثناء شهر الصوم، وقد تلوم إحداهن نفسها، أو تندب حظها، وتقول: يا ليت هذه العادة لم تكن، أو لماذا كانت؟ ونحو ذلك، ولماذا لا أكون مثل الرجل الذي يصوم الشهر كله، وأنا أضطر للإفطار ثم أقضي؟! فنقول: إن من أنواع الرضا بالقضاء: الرضا بالقضاء الشرعي، والله قد قدَّر على المرأة أن تحيض، وأوجب عليها أن تفطر، وتقضي بعد ذلك، ورضي لها بهذا ديناً، فينبغي أن ترضى بما رضيه الله لها، وما دامت لم تفعل محرماً فلماذا تلوم نفسها، ولماذا تندب حظها، ولماذا تعنف هذه الخواطر التي تأتيها في نفسها؟ فنقول: ينبغي أن ترضى بما رضي الله لها، وهذه قسمة الله ومشيئته، وله في ذلك حكمة عظيمة .

стр. 5290

حياء المرأة في رمضان من الأمور المرتبطة بذلك أيضاً أن تعلم المرأة أنه لا حياء في الدين، وأنه لا ينبغي أبداً أن تجعل من الإحراجات التي تحصل لها بسبب الحيض مانعاً لها من أداء الصيام في هذا الشهر العظيم، فمثلاً: بعض النساء تتحرج من إخبار أهلها أنها قد بلغت فتستمر على الإفطار لتثبت لهم أنها لم تبلغ مثلاً، وهذا خطأ عظيم، وجريمة كبيرة، بل يجب عليها أن تصوم في وقت الطهر، وتفطر في وقت العادة. وكذلك أن تستحي فتصوم في وقت العادة أمامهم؛ كي لا يشعروا أن العادة قد جاءتها، فتصوم من حيث يجب عليها أن تفطر؛ فتكون مخالفة لأمر الله ، فالواجب عليها إذاً ألا تتحرج من هذا الأمر؛ لأنه شيء كتبه الله على بنات آدم (وإن حيضتك ليست في يدك). ولذلك نقول لكثير من السائلات اللاتي يسألن عما مضى من الصيام ويقلن: إن الإحراج قد أدى بنا إلى أن نصوم أوقات العادة، ولم نقض فيما مضى من حياتنا المبكرة في فترة البلوغ؟ فنقول: إن هذا ذنب يحتاج إلى استغفار، ويجب المبادرة إلى قضاء ما مضى من أيام العادة التي لم تقض، وإذا مرَّ رمضان الذي بعده ولم تقض فإن عليها بالإضافة إلى قضاء ما مضى كفارة إطعام مسكين عن كل يوم لم تقضه من أيام الرمضانات الماضية التي جاء بعدها شهر رمضان ولم تقض. ومن الأمور المتعلقة بالحيض: أن بعض النساء يعمدن إلى أخذ الحبوب التي تؤخر الدورة لكي يتسنى لهن الصيام، ولكي يشعرن أنه لم يفتهن شيءٌ من شهر الصوم. فنقول: إن هذه الحبوب التي أفتى أهل العلم بأن أخذها جائز إذا لم تكن تضر، وإنني أشك بأنها تضر، والأمر عند الأطباء على العموم أقول: بأن عدم أخذها هو الأولى والأكثر أجراً، وهو اللائق برضى المرأة بحالها، وهذا حال أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة والتابعين، فإنهن لم يأخذن شيئاً من الأدوية التي تؤخر الحيض أو تمنعه، وإنما كانت إحداهن إذا طهرت صامت، وإذا حاضت أفطرت، وترضى بذلك وتقضي بعده، والحمد لله رب العالمين. ومن وجوه عبودية المرأة في شهر رمضان ما يحدث من مقاومتها لنفسها لامتناعها عن الطعام والشراب والنكاح، فيكون لهذا منعاً للنفس عن مألوفاتها، وهو تعويد وترويض لكف النفس عن الشهوات المحرمة في ليالي رمضان وأيام الشهور في غير رمضان، وذلك أنها إذا تعودت على الامتناع عن الطعام والشراب والنكاح في نهار رمضان فإنه يجب عليها بالتالي أن تمتنع عن المحرمات الأخرى كالغيبة، والنميمة، والغناء، وأنواع الفسق والفجور، والتكشف، ونزع الحجاب أو التقصير فيه، وسائر المحرمات، فهذا شهر تتعود فيه النفوس، ويسهل فيه ترك ما كان مألوفاً في السابق.

стр. 5291

حضور المرأة صلاة القيام في رمضان ومجالس الذكر ثم إن من أوجه عبادة المرأة المسلمة في رمضان، ما يحدث من صلاة التراويح والقيام التي تحضر المرأة إلى المسجد للصلاة، وكان عمر ﵁ يخصص إماماً للنساء يصلي بهن، وإذا أتت إلى المسجد فصلت مع المسلمين فهذا أمر حسن، وإذا صلت في بيتها فهذا أحسن، وفي كل منهما خير، وفي حضور المرأة بالشروط الشرعية إلى المسجد من نزول الرحمة، وتغشّي السكينة، وحف الملائكة، ونزول المغفرة التي تحصل للمستمعين، والتأمين على الدعاء، والخشوع أثناء القراءة، وتعلم الصلاة، وتصحيح أخطاء القراءة التي كانت تقع فيها، فلما سمعت الإمام يقرؤها بشكل صحيح تعلمت أن ما كانت تقرؤه خطأ فتصحح الخطأ، أقول: في هذا فوائد، ولكن إذا صلت في البيت، وقرأت في المصحف فإن ذلك لا بأس به، [كان ذكوان مولى عائشة يصلي بها من صحائف في يده] رواه أبو داود في كتاب المصاحف بإسناد صحيح. كذلك يتسنى للمرأة من أنواع العبودية حضور مجالس الذكر في المساجد، فإن كثيراً من المساجد قد يكون فيها أنواع من الدروس التي يكون فيها تعليماً لأمورٍ من الشريعة ما تستنير به في أمور العبادة، وتتعلم به من أحكام الدين، فينبغي أن تحضر تلك المجالس بوعي، وتفتح ذهنٍ، واستعداد للتقبل، حضوراً شرعياً خالياً من الزينة المحرمة، والأطياب المحرمة، وأي مظهر من المظاهر التي لا يرضى الله للمرأة أن تظهر بها أمام الرجال، خصوصاً وأننا نرى من ذلك أموراً كثيرة من حضور بعضهن مع السائق بمفردها، أو أن تكون غير محتشمة معه، فإذا نزلت من السيارة فإنها تلبس وتستكمل حجابها لتدخل المسجد. واعجباً لها! إذا جاءت إلى المسجد فإنها تستكمل الحجاب، وفيما عدا ذلك تراها مقصرة فيه، إضافة لما كان يبدو منها من الزينة والمكياج أو العطورات وهي تسير، خصوصاً وأنه يحصل عند دخول المسجد وعند الخروج منه بالذات نوع من اختلاط النساء بالرجال، فينبغي الحذر من ذلك؛ لأن هذا يسبب فتنة، وقد أخبر ﵊ أن من أشد أنواع الفتن فتنة الرجال بالنساء. وتتمكن في حضور مجالس الذكر من السؤال فينبغي عليها أن تهتم به وتوجه ما يدور في ذهنها من الأسئلة إلى الموثوق بهم من أهل العلم وطلبة العلم؛ حتى يجاب عن سؤالها، وتزول حيرتها، وتستطيع كذلك من مجالس الذكر الالتقاء بالأخوات المسلمات الطيبات اللاتي هن زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، التقاءً طيباً مفيداً قائماً على التعاون في تلخيص الأشياء المفيدة، وتبادل المنافع الشرعية، وإنني أنبه على ما يحصل في بعض المساجد من التشويش الدائم من قبل النساء في أقسام النساء في المساجد عند التقاء بعضهن ببعض، وكأن المسجد قد جعل مجلساً عاماً تحصل فيه هذه الجلسات التي يدور فيها الكلام بصوت عالٍ يصل إلى الرجال، فأقول: إن هذا الأمر ينافي العبادة المطلوبة من المرأة في رمضان.

стр. 5292

الرخص الشرعية للمرأة في رمضان وإن من الأمور أيضاً التي تعبد المرأة ربها في رمضان، ما رخص الله من أنواع الترخيصات، وما يظهر من رحمة ربها بها في هذا الشهر كثيرٌ جداً، فمن ذلك: أنها إذا كانت حاملاً أو مرضعاً فيجوز لها الإفطار بعذر الحمل والرضاعة، والله خلق الرحمة في قلب الأم بالولد، ومن علمه بذلك فإنه قد أباح لها أموراً كثيرة، وخلقها باستعدادات طبيعية لتواجه ما فطرت عليه من الرحمة والشفقة بالأولاد، فإذا كانت حاملاً أو مرضعاً فإنه يجوز له الفطر وليس عليها إلا القضاء على القول الراجح من أقوال أهل العلم، قياساً على المريض الذي يشق عليه الصوم، والذي قال الله بشأنه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فإذا كانت لا تستطيع أبداً أن تصوم ففدية طعام مسكين، وإذا كانت تستطيع أن تصوم ولكن الحمل والرضاع عذر مؤقت كالمرض المؤقت فليس عليها إلا القضاء فقط. الخلاصة: أنها إذا كانت لا تستطيع الصوم أبداً كما قرر الأطباء وعلم من حالها ذلك، فإن الآية في حقها تنطبق كما انطبقت في حق المريض الذي لا يرجى برؤه، والكبير في السن، فالكبير في السن العاجز يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، كما قال الله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]. وأما المريض الذي يرجى برؤه والحامل والمرضع التي يتوقع زوال عذرها فليس عليهم إلا القضاء فقط، بشرط ألا يتعدى رمضان الذي بعده إلا لعذر، كأن تكون المرأة حاملاً ثم تضع في رمضان وتصبح نفاساً، ثم ترضع وقد تحبل مرة أخرى مباشرة في رضاعها فيكون عذرها مستمراً لأكثر من سنة، فلا تستطيع أن تقضي ما عليها من رمضان الفائت قبل رمضان الآتي، فتكون معذورة في تأخير القضاء من رمضان الماضي إلى ما بعد رمضان الآتي؛ لأن الحمل استمر مرة أخرى، والرضاع الذي بعده قد استمر، وهذا من رحمة الله بها، فتحمد الله عليها. وكذلك فإن هذا التأخير في القضاء الذي وسع لها إلى رمضان القادم يراعى فيه أمر آخر وهو حق الزوج، وحق الزوج عظيم أوصت به الشريعة، وحث على أدائه الله ورسوله، كما حثَّ الله ورسوله على أداء الرجل حق زوجته عليه، ولذلك فإن عائشة ﵂ كانت تؤخر قضاءه إلى شعبان من أجل رسول الله ﷺ لا يمنعها من القضاء إلا الشغل برسول الله ﵊، وهذا يبين الحق العظيم للزوج، فمن مراعاة المرأة لزوجها أن تحرص على خدمته، وعلى تهيئة جو العبادة الطيب في بيته، وأن تعينه على العبادة في ذلك؛ من إيقاظه للسحور، وصنع طعام السحور له، وكذلك تجنيبه نفسها، فإنه يجب عليها أن تمتنع عن زوجها، وأن تحرص على سلامة صومه، ولذلك فإن بعض الرجال يتمادون في الاستمتاع بالزوجات في نهار رمضان، بحيث يؤدي إلى إفساد الصوم من حدوث الإنزال أو الجماع ونحوه، وتكون الكارثة العظيمة والكفارة الشديدة لمن وقع في الجماع، والمرأة عليها من كفارة الجماع مثلما على زوجها إذا كانت مطاوعة له ومختارة، فأما إذا كانت مكرهة أو مهددة تهديداً تعلم أنه سينفذه فيها، فإن الإثم والكفارة عليه، وليس عليها إثم ولا كفارة، ولكنها مسئولة عن التحرز من الأحوال التي يقترب فيها منها زوجها أثناء اليوم من رمضان، ولذلك كان لزاماً عليها أن تتجنب التزين له مثلاً، والاقتراب منه إذا كانت تعلم أن زوجها لا يملك نفسه، وأن تهرب منه إذا حاول إفساد صومه بواسطتها. ولتعلمي -أيتها المرأة المسلمة- أن خدمتك في بيتك أمر عظيم، له أجر جليل، وإنني أعلم أن كثيراً من النساء يتعبن في هذا الشهر كثيراً بسبب حصول العمل الشاق في البيت، فالولد يحتاج إلى خدمة، والبيت يحتاج إلى تنظيف، والأكل والطعام يحتاج إلى طبخ، والزوج يحتاج إلى خدمة أيضاً، ووقت الإفطار قد يحين بسرعة، وهي مسئولة عن تجهيز الطعام للإفطار أو السحور ونحو ذلك. ولذلك فإن المرأة تتعب في شهر الصوم ربما أكثر من غيره من الشهور؛ لكثرة الأعمال المتزاحمة فيه، والمشقة الزائدة والتعب الناتج عن ترك الطعام والشراب، ولذلك: "فإن المعونة تنزل على قدر المئونة" وإن الله يساعد المرأة المسلمة ويعينها إذا كانت طائعة له في القيام بهذه الواجبات كلها. إن تحمل انفعالات الزوج في رمضان التي تنتج من سوء خلقه وضيق نفسه نتيجة التعب والعمل والصيام، مع أنه يجب عليه أن يضبط نفسه إن تحمل هذه الأمور التي تصدر عنه من العصبية الزائدة مثلاً إنه أمر -فعلاً- محل تقدير، ومحل تسجيل من الملائكة الحفظة لأجر هذه المرأة التي تتحمل كل ذلك.

стр. 5293

المرأة في رمضان والاقتصاد في الطعام إن من أوجه عبودية المرأة في رمضان أيضاً -وقبل أن نقول: الصدقة نقول بالنسبة للطعام ما دمنا قد تكلمنا عن الطعام- إن إطعام الطعام من شعائر الإسلام، (أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) نقول: إطعام الطعام شيء طيب، ولكننا في نفس الوقت نقول: أولاً: لا يصلح أن تمكث المرأة في المطبخ طيلة الوقت لكي تعد أنواع الطعام والشراب في رمضان، وكأن رمضان هو شهر لاستعراض المهارات المتعلقة بالطبخ، وتنويع المطعومات والمشروبات، فليس لأجل هذا فرض الصوم، فإنما فرض لعل الناس يتقون، فرض: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] وليس: لعلكم تشبعون، أو لعلكم تصابون بالتخمة، ولذلك فعلى المرأة أن تنصح زوجها بعدم التكثير من ألوان الطعام والشراب، وخصوصاً أن بعض الرجال قد لا يهمهم التنويع الشديد، وإنما مصدر التنويع يأتي من المرأة في الغالب، ولذلك نقول: اقتصدي واعملي ما يفي بالغرض، ولا تتعدي الحد، ولا تسرفي فإن الله لا يحب المسرفين. ونقول أيضاً بالنسبة لإطعام الطعام: بعض الناس يطبخون طعاماً فيرسلونه إلى أناس عندهم طعام كثير، ولا يتحرون في إرسال الطعام إلى الفقراء حقاً أو المساكين، أو العزاب الذين لا زوجات يطبخن لهم من الجيران، بعضهم قد يكون أعزباً لا زوجة له، فينبغي أن يتفقد أحوال هؤلاء كالطلاب والموظفين العزاب وغيرهم، هذا أولى من تبادل الأطعمة مع الجارات، وكل واحدة تعرف من ألوان الطبخ ما تعرف، وأنا لا أقول: إن تبادل المطعومات مع الجارات شيء محرم! كلا. إنه أمر ولكن انتبهن إلى إيصال الطعام لمن يستحقه ويحتاج إليه أكثر، بدلاً من إعطائه لأشخاص هم أغنياء عنه، وحرمان الناس الذين يحتاجون إليه حقاً. وكذلك أنبهك -أيتها الأخت المسلمة- بأن حديث: (من فطر صائماً فله مثل أجره) أي: أشبعه، فمن أشبع صائماً فله مثل أجره، أقول: قد تتخيل بعض النساء أن الزوج الذي اشترى الطعام بنقوده هو الذي أخذ الأجر، وأنها مجرد طباخة، فأقول: كلا ألست تعلمين أن الله يدخل في السهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة؟ الذي يبريه ويناوله ويرمي به كلهم مأجورون، وأنت تساهمين في تفطير الصائم عندما يحضر لدى زوجك عددٌ من الضيوف، أو يرسل الزوج طعاماً لبعض الفقراء أو المساكين أو الذين ضاقت أمورهم، فتكونين أنت داخلة في هذا الحديث إن شاء الله من جهة عملك وخدمتك في إعداد طعام الإفطار: (من فطر صائماً فله مثل أجره). وكذلك فإنني أقول: إنه لا بد من مراعاة إيقاظه للصلوات، خصوصاً صلاة الظهر وصلاة العصر، وكذلك الفجر لمن ينام متأخراً، وفي رمضان يفوت الناس صلاة العصر أكثر من أي صلاة أخرى، فينبغي عليك -أيتها المسلمة- أن تراعي أهل بيتك من الرجال الذين تجب عليهم صلاة الجماعة في المسجد، أن يخرجوا إلى الصلاة، وأنك راعية في بيت زوجك ومسئولة عن رعيتك، ومن المسئولية حثهم على الصلاة وإيقاظهم لها، وإنني أعلم أن بعض الأزواج من الذين لا يخافون الله تماماً يمنع زوجته من إيقاظه، ويقول لها: اتركيني حتى أستيقظ ولا تقتربي مني أو تزعجيني ونحو ذلك، فنقول: عليكِ بالنصيحة والتلطف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تفعلين شيئاً فيه مفسدة أكبر من المصلحة، لكن عليك باستمرار النصيحة، وحثَّ الرجال على العبادة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وأشدد وأكرر أيضاً على مسألة الإكثار من الطعام، ووضعه ورفعه، طوال الليل والمائدة موضوعة مثل البوفيه، الذي يأتي إليه الناس ويأكلون عدة مرات، كما قال ذلك الرجل معاتباً قومه الذين يكثرون الأكل في رمضان: إنكم تأكلون الأرطال، وتشربون الأسطال، وتنامون الليل ولو طال، وتزعمون أنكم أبطال؟!! كلا، كلا، فليست هذه ببطولة.

стр. 5294

صدقة المرأة المسلمة في رمضان كذلك فإن من أوجه العبودية في رمضان: الصدقة، فإذا كان رسولك ﷺ قد قال: (يا معشر النساء، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فإذا كان الأمر بالصدقة عاماً، فالأمر به أو فعله في رمضان آكد وأقوم وأكثر أجراً، ولا شك في مضاعفة الأجر في مواسم الطاعة العظيمة كشهر رمضان، فإن الحسنة تتضاعف في المكان الفاضل، والزمان الفاضل. فأقول إذاً: تحركي بما تستطيعين أو تجودين به من الصدقات في أنواع البر المختلفة، والذي حصل من النساء -ولله الحمد- الآن تفتح كبيرٌ لها، وإسهامات عظيمة في التجميع والإيصال والحمد لله، وأنبه في هذه المناسبة إلى أن على النساء تمحيص جمعيات البر؛ لأن بعضها جمعيات سوء، وبعضها جمعيات صلاح وتقوى بعضها أسس على تقوى من الله ورضوان، وبعضها أسس على شفا جرف هار، فعليك بتمييز الجمعيات الطيبة وإشهارها والإعلان عنها، والنصيحة بالتبرع لها، والمساعدة فيها، والتحذير من الجمعيات السيئة، وعدم إعانتهم بشيء إذا كانوا يريدون قصداً سيئاً، أو يخفون أهدافاً سيئة، واحذري من القيل والقال وعليك من التأكد والتثبت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]. أيتها الأخت المسلمة! إن زكاة مالك مهم، فإن الناس كثيراً لا يعتادون إخراج الزكاة في رمضان، فعليك بإخراج الأموال الزائدة عندك، وإذا كانت لديك أراضٍ معدة للبيع فأخرجي زكاتها، وإذا كان لك تجارة أو حصة في دكان أو عروض تجارة، فتقوم عروض التجارة عند حلول الحول، ويخرج (٢. ٥%) من قيمتها الحالية في السوق، وما لديك من الحلي الملبوس والمدخر والمعار وغيره، فأخرجي زكاته على القول الراجح من أقوال أهل العلم المستند للدليل، وهو قوله ﵊ للمرأة لما قال لها: (أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال لها: أيسرك أن يسورك الله سوارين من نار يوم القيامة؟) فعليك معرفة ثمن الحلي عند حلول الحول بالتقريب، فأكثر، وكذلك إذا كان عندك حلي للبنات تخرجين زكاة كل بنت على حدة، تعامل كل بنت بنصاب منفصل، فلو كانت البنت عندها أربعين غراماً لا يجب عليها، والبنت الثانية عندها خمسون غراماً لا يجب عليها، لكن لو أن البنت الواحدة عندها تسعين غراماً مثلاً أو مائة يجب عليها، وأنت تلاحظين زكاة ذهب بناتك أنت، وتخرجينها بالنقود أو من نفس الذهب، أو ببيع قطعة منه، أو يتبرع الزوج عنك بعلمك، كل ذلك جائز والحمد لله. وبعض النساء اعتدن على إعطاء أسر قد أغناها الله، كانوا قبل ذلك أيتاماً وأرامل لكن الآن أغناهم الله، فلا يجوز الاستمرار في إعطائهم وقد أعطاهم الله، ولم يصبحوا من أهل الآية الكريمة، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، فينبغي البحث عن المستحقين الآخرين.

стр. 5295

المرأة واستغلال تعمير الحلقات بذكر الله وإصلاح البيوت في رمضان كما أن عليكِ -أيتها الأخت المسلمة- في هذا الشهر العظيم أن تجتنبي ما حرم الله من أنواع الحرام، كالغيبة والنميمة، وإنني أحذر من خطورة اجتماعات ما بعد صلاة التراويح، فإنني ألاحظ أنه يحدث في البيوت في الاجتماعات كثيرٌ من اللغط والأمور المحرمة، وقول الزور، وانزلاق اللسان سهل جداً، ولذلك فاجعلي من هذه المجالس مجالس ذكر وطاعة، لقد كثرت الكتيبات الطيبة، والأشرطة الطيبة، فلخصي، وقدمي، وانتقي، وانفعي غيرك، واملئي هذه المجالس بذكر الله . وأقول أيضاً: إنه يجب انتهاز فرصة رمضان لإصلاح البيوت، فاستعيني بالله على إخراج وسائل المنكر من البيت، والحث على إخراجها، ومنع دخولها إلى البيت، لكي تكتمل العبادة، لأنه ما معنى أن يطاع الله في النهار ويعصى في الليل وهو رب الليل والنهار؟! ولذلك بما أن النفوس مشحونة بالعبادة وبالإيمان مشحونة بالزاد الأخروي الآن فانتهزي الفرصة في القضاء على وسائل الإفساد في البيت، وعلى تطهير البيت من جميع المحرمات، خصوصاً أن نفس الزوج قد تكون مهيئة، ونفوس الأقارب تكون مهيئة، فانتهزي هذه الفرصة لكي تحافظي على بيتك، وتخرجي ما يمكن إخراجه، أو كل ما هو من أدوات المنكر، وتدخلي فيه كل شيء طيب من الأشياء التي تزيد في إيمان أهل البيت، وتسبب الفقه في الدين، فإن الرسول ﷺ قد قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). وأقول كذلك: إن المرأة المسلمة قد تسأل مثلاً عن حكم ذوق الطعام أثناء طبخه في رمضان. أقول: إن ذلك جائز ولكن لا أجيز لك أن تبتلعيه، بمجرد ما تذوقين بطرف اللسان فإنك تلفظيه إلى الخارج. أكتفي بهذه النصائح من بيان بعض أوجه عبادة المرأة المسلمة في رمضان، على أن نتابع الكلام في أمور أخرى تتصل بمواضيع النساء في مرة قادمة إن شاء الله، أسأل الله لي ولكن التوفيق والسداد والإخلاص، والأجر العظيم، والمغفرة والرحمة، والسلام عليكن ورحمة الله وبركاته.

стр. 5296

كيف تكون مجالسنا إسلامية؟ [١] إن الناظر إلى مجالس الناس اليوم يجد فيها أنواعاً من المنكرات والمخالفات الشرعية؛ من غيبة ونميمة، واستهزاء بالدين وأهله، وكلام في أعراض الناس، وأكل للحومهم، وهمز ولمز وتنابز بالألقاب، وكذب وبهتان وسخرية، وفسوق وتعيير وسب وشتم، ومدح ومجاملات ونفاق ومداهنة، كل ذلك وغيره موجود في مجالس الناس اليوم. إذاً: لابد من تغييرها إلى مجالس ذكر لله تعالى، ومجالس نصح وإرشاد وتذكير هذا ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله، ثم تكلم عن بعض آداب المجالس.

стр. 5297

حال مجالس الناس اليوم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة: لو ألقينا نظرة سريعة على مجالس المسلمين اليوم لوجدنا أنها -وبكل صراحة ووضوح- عبارة عن اشتغال بالدنيا وما فيها، فضلاً عن الاشتغال بالمحرمات والآثام وكبائر الذنوب. أيها الإخوة: لا بد من الاهتمام بالمجالس؛ لأنها ذات أثر كبير، ولو ألقيت الضوء على أنواع مجالس الناس اليوم لرأيت الجالسين فيها قد اشتغلوا بالدنيا بتفاصيلها، فهم إن كانوا تجاراً فإنك ترى أخبار المقاولات والبضائع والأسعار والبيع والشراء والزبائن ومشاكل العمل، هذا أمر طاغٍ على مجالسهم، وإذا تأملت في مجالس الموظفين وجدت أمر الدوام ومشاكل المراجعين وأخبار الصحف والأنظمة والترقية والبدلات والتنقلات والعلاوات والانتدابات هي الشغل الشاغل للجالسين فيها. وإذا تأملت في مجالس طلاب المدارس والجامعات؛ وجدتهم مشتغلين بتفاصيل الدراسة والأسئلة والامتحانات والدرجات والشهادات والتخرج والوظائف. وإذا تأملت في مجالس النساء وجدتهن مشتغلات بالموضات والملابس والأكلات والزيجات والحفلات والأعراس، وحال الأسواق والمحلات إلى آخر ذلك من أنواع المجالس اليوم. أيها الإخوة: لقد عم الانشغال بالدنيا والحديث عنها في المجالس حتى قست قلوب المسلمين، فإن من أسباب قسوة قلوب المسلمين اليوم أحوال مجالسهم ومنتدياتهم، والله تعالى قد توعد الذين قست قلوبهم، فقال : ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] (فويل) كلمة تهديد ووعيد، لذلك كان لا بد من البحث عن أسباب قسوة القلوب لعلاجها وإزالتها. هل كان هذا حال مجالس الصحابة؟! هل كانت هذه الأشياء هي التي تشغل نفوس الصحابة ومجالس الصحابة والسلف الصالح؟! كلا أيها الإخوة.

стр. 5298

بعض المنكرات الموجودة في المجالس إننا لا نحرم ولا نتكلم عن تحريم هذه الأمور مطلقاً؛ فإنه لا بأس أن تتكلم النساء في مجالسهن عن أخبار الزيجات مثلاً، أو يتكلم الموظفون عن المشاكل التي تواجههم في وظائفهم، أو يتكلم التجار عن المشاكل التي يواجهونها ويتبادلون الخطرات هذا أمر لا بأس به، وإن الإسلام لم يحرم هذا، ولكن المذموم والمحذور الذي نتكلم عنه هو أن يكون شغل الجالسين من أول المجلس إلى نهايته هو الكلام عن الدنيا، وعن هذه الأشياء، لدرجة أنك لا تسمع في هذه المجالس آية واحدة ولا حديثاً واحداً، ولا حتى كفارة المجلس ولا ذكراً لله بأي صورة من الصور. هذه الحالة الخطيرة التي نتكلم عنها الآن الشغل الشاغل للناس في المجالس هو الدنيا، هذا إذا كان الكلام مباحاً فالاشتغال في هذا المباح من أول المجلس إلى نهايته مذموم شرعاً، فكيف إذا كان الكلام في المجالس عن الأمور المحرمة شرعاً، والوقوع في كبائر الذنوب؟! كيف إذا كانت المجالس مجالس غيبة ونميمة ونهش أعراض الناس وأكل لحومهم؟! قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢]. كيف إذا كانت المجالس مجالس كذب وبهتان وسخرية؟! والرسول ﷺ : (لا يعضه بعضكم بعضاً) والعضه: هي الكذب والبهتان والنميمة كما ذكر العلماء. كيف إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس سخرية بعباد الله وتنابز بالألقاب والله يقول: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]؟! ويقول: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] كيف إذا كانت مجالسنا اليوم مليئة بالفسوق والتعيير والسباب والشتائم ورسول الله ﷺ يقول: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان) حديث صحيح؟! كيف إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس مدح ومجاملات ونفاق ومداهنة ورسول الله ﵊ يصف مدح الرجل في وجه أخيه بأنه كقطع عنقه، وقال الله تعالى قبل ذلك: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]؟! كيف إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس سخرية بالدين واستهزاء بالمتمسكين به، وانتقاص من سنة رسول الله ﷺ في مظهره وأخلاقه وآدابه؟! كيف إذا كانت المجالس اليوم مجالس استهزاء بشريعة الإسلام وأحكام الدين؟! يقول أحدهم في مجلس: تريدون أن ترجعوا بنا إلى شريعة العين بالعين والسن بالسن؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. أيها الإخوة: ما فتئت مجالس المسلمين اليوم تعج بالاستهزاء والانتقاص من دين الله وسنة رسوله ﷺ ولا حول ولا قوة إلا بالله! أيها الإخوة: مجالسنا فيها استهزاء بعباد الله بشتى الصور، فتجد رجلاً يقلد إنساناً في صوته أو عادة من عاداته، فيقول: هذا فلان كأنه كذا هذا فلان كأن كلامه كذا كأن مشيته كذا كأن ثوبه كذا، وقد قال رسول الله ﷺ لـ عائشة: (ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا) لو أعطيت كذا وكذا من الدنيا لا أحكي حال إنسان، قال العلماء في شرحه: أي: لا أذكر إنساناً وأقلده بحركاته وهيئاته على سبيل التنقص. وقصة هذا الحديث أن عائشة لما قالت لرسول الله ﷺ : (حسبك من صفية أنها كذا وكذا -تعني: أنها قصيرة- فقال ﵊: لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) أي: لخالطته مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لشدة نتنها وقبحها، فكيف بالألفاظ اليوم التي تنطلق في مجالس المسلمين؟! أيها الإخوة: مجالسنا فيها كثير من المحرمات والمخالفات للشريعة، فتجد -مثلاً- اثنين يتناجيان وثالث موجود، قال ﵊: (إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث)، وعللها بقوله: (لأجل أن ذلك يحزنه) وتجد اليوم أن المناجاة مرض واقع في مجالس المسلمين، حتى في طريقة الجلوس في المجالس تجد فيها انكشاف العورات، فتجد بعض الرجال الذين لا يلبسون تحت ثيابهم لباساً سابغاً يرفع إحدى رجليه على الأخرى ويجلس جلسة ينكشف منها فخذه، و (الفخذ عورة) كما قال ﵊، ثم يأتي هذا الرجل ويجادل، ويقول: متى كان الرجل له عورة؟ هل نحن نساء حتى تنبهونا إلى هذه المسألة؟ سبحان الله على جهل المسلمين بأحكام العورات! والرسول ﷺ يقول: (يا جرهد! غط فخذك فإن الفخذ عورة). وحتى في طريقة الأكل والشرب في المجالس مخالفات كثيرة في الأكل والشرب باليسرى مثلاً، إلى عدم التسمية إلى غير ذلك، حتى في طريقة النقاش والحديث من الأمور التي تخالف قواعد الإسلام وآدابه من رفع للصوت، وحدة وغلظة، ومقاطعة في الحديث، ويسبق الصغير الكبير في الحديث، والرسول ﷺ يقول: (كبر كبر) أي: ابدأ بالأكبر.

стр. 5299

ذكر الله تعالى في المجالس وفضله هذه مقتطفات من بعض المنكرات التي تعج بها مجالسنا اليوم، وإذا كان عدم ذكر الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ في المجلس ففيه وعيد عظيم ولو كان المجلس كله كلاماً مباحاً، لذلك يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (ما اجتمع قوم في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله ويصلوا على النبي ﷺ إلا كان مجلسهم ترة عليهم يوم القيامة) أي: حسرة وندامة، وفي رواية صحيحة: (وإن دخلوا الجنة) لما يرون من الثواب الذي فاتهم بعدم ذكر الله والصلاة على رسول الله ﷺ في مجالسهم التي كانت في الدنيا. بل قال ﵊: (ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة) مثل جيفة الحمار، منتنة مؤذية ورائحة عفنة هكذا يتفرق الناس إذا لم يذكروا الله في مجالسهم، فأعيدوا معي شريط الذكريات -أيها الإخوة- لتسترجعوا حال مجالسكم هل كان في أي منها ذكر الله وصلاة على رسول الله ﷺ ؟ كل مجلس يجب أن يكون فيه ذكرٌ لله وهل تسمعون في مجالس اليوم آية أو حديثاً، أو وصية أو حكماً شرعياً أو تذكرة؟ إلا من رحم الله. إذاً: لا بد من الانتباه إلى السلبية الخطيرة اليوم، بل إنك تجد المسلمين يضحكون على أنفسهم في هذه الآيات والأحاديث التي يعلقونها في مجالسهم، تجد لوحات مخطوطة بخطٍ جيد مزخرفة معلقة في المجالس، فيها أمر الله للمسلمين بالتقوى، أو الإخبار بأن الله مطلع ويعلم كل شيء، بل إن بعضهم يعلق كفارة المجلس في مجلسه، وإذا قام لا يذكر هذه الكفارة، ويخالف صراحة هذه الآيات المعلقة على الجدار. أيها الإخوة: أية حالة وصلنا إليها اليوم؟! نعلق الآيات والأحاديث على الجدران ثم نخالفها بتصرفاتنا وأفعالنا وأقوالنا، إذاً: ما هي فائدتها؟! ومن هنا رأى بعض العلماء عدم جواز تعليقها إذا كانت هذه هي حال المجالس، لأن فيه استهزاءً بما ذكر في هذه اللوحات والملصقات، ومن أجل هذا صار بعض العقلاء من المسلمين اليوم ينفرون عن مجالسة الناس، وعن الجلوس والحديث معهم، وترى أحدهم يقول: مالي وللناس، لماذا أجلس معهم وهذه هي أحوالهم وهذه هي أحاديثهم؟ فهذا الرجل على صواب فيما يفعل، إذا لم يكن عنده قدرة على التغيير، فإنه لا بد من هجر أماكن المعاصي والفسوق. بدلاً من أن تكون مجالسنا مجالس ذكر لله، يتحقق فيها قول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم)، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (ما جلس قوم يذكرون الله تعالى فيقومون حتى يقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم وبدلت سيئاتكم حسنات). هذا الحديث ليس خاصاً بحلق الذكر في المساجد، وإنما في جميع الحلق في المجالس. ولذلك يعجبك الرجل عندما تجلس في المجلس أن يقول لواحدٍ من أهل الخير: يا فلان، حدثنا عن آية كذا حدثنا عن حديث كذا سمعت مرة حديثاً ما هو هذا الحديث وما معناه؟ ما هي قصة النبي الفلاني؟ ما حكم الشيء الفلاني؟ هؤلاء الناس الذين يصفهم الرسول ﷺ بأنهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، هؤلاء كثير منهم ليس عندهم علم شرعي، لكنهم حريصون على التعلم والاستزادة، وصبغ مجالسهم بالخير والذكر والأشياء التي ترضي الله . إنك عندما تسمع هذه الندرة من المسلمين اليوم يسألون في هذه المجالس؛ فإن قلبك يهتز فرحاً من بقية الخير الموجود في الأمة، نسأل الله أن يكثره.

стр. 5300

آداب المجالس أيها الإخوة: مجالسنا فيها آفات تحتاج إلى إصلاح، ولابد من معرفة الآداب، ومعرفة طرق الإصلاح حتى نتمكن من الوصول بهذه المجالس إلى الجادة المستقيمة، وقد ذكر رسول الله ﷺ آداباً كثيرة للمجلس منها: قوله ﵊: (لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما) فلا يجوز لك أن تدخل المجلس فتجلس بين اثنين إلا بعد أن تستأذن منهما؛ فإن أذنا لك وإلا فاجلس حيث ينتهي بك المجلس. وكذلك من السنة أن يجلس الإنسان حيث انتهى به المجلس، ولا يأتي ويقيم إنساناً ويجلس مكانه، لأن هذا فيه نهي صريح عن رسول الله ﷺ حيث قال: (لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه فيجلس مكانه) لذلك كان ابن عمر -كما ورد في البخاري - إذا قام له إنسان من مجلسه لم يجلس فيه، بل يرفض ويذهب إلى مكان آخر ليجلس فيه. وقال ﵊ موضحاً أدباً آخر: (المجالس بالأمانات) أحياناً يدعوك إنسان إلى مجلس عنده، ويكون في هذا المجلس كلام خاص أو سر من أسرار هؤلاء القوم، فلا يجوز لك أن تذهب وتفشي أسرارهم، قد يتكلم عن أحوال بيته أو أسرته الداخلية، فلا يجوز لك أن تذهب في مجلس آخر وتفشي سر هذا الرجل وأهل بيته، لأن الرسول ﷺ يقول: (المجالس بالأمانات) فيلزم فيها الستر على ما يقال ما دام لا يضر المسلمين. وكذلك يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (خير المجالس أوسعها) لذلك يستحب توسيع المجلس؛ لأنه أكرم للضيف، وأصون لحاله، وأروح له في قيامه وقعوده وسيره، ويختلف هذا باختلاف أحوال الناس على غناهم وفقرهم، فإنه متى كان مستطيعاً فيستحب له توسعة مجلسه، والتفسح في المجالس أمر مطلوب إذا كان ضائقاً بالرجال وليس فيه مكان لداخل، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة:١١] لا بد من إيجاد الفسحة في القلب قبل إيجاد الفسحة في المكان، ومتى وجدت الفسحة في القلب لأخيك المسلم ومحبته فإنك سوف تفسح له تلقائياً، أما لو أبغضته وأبغضت أن يضايقك نوعاً ما؛ فإنك لن تفسح، ولو أفسحت فلن يكون عن طيب نفس وخاطر منك. كذلك لا بد من ذكر كفارة المجلس إذا قام الإنسان، يقول ﷺ في الحديث الصحيح: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه -حصلت منه أخطاء وزلات في الكلام- فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك) ماذا تريدون أكثر من هذا؟ هذا من رحمة الإسلام أيها الإخوة، يعطيك مجالاً لتصحيح الأخطاء يعطيك مجالاً لغفران الذنوب التي حصلت منك، هذه كلمات قليلة تقولها فتمحى الذنوب لعمر الله إنه لفضل عظيم! ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣] الله يتفضل علينا بهذه الكفارات البسيطة، ونحن لا نأبه لها ولا نرعوي ولا نهتم بها. وفقنا الله وإياكم للقيام بحقه في المجالس، وأن يجعل من مجالسنا مجالس خير وذكر له ، وصلى الله على نبينا محمد. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مالك يوم الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيله القويم. أيها الإخوة: ومن آداب المجلس كذلك: ما كان يفعله ﷺ كما ورد في الحديث الحسن: (كان إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناوله إياها فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحداً من أصحابه فتناول أذنه ناوله إياها فلم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذين ينزعها عنه) رواه ابن سعد بإسناد حسن عن أنس، وهو في صحيح الجامع. كان رسول الله ﷺ مؤدباً غاية الأدب، يحترم ضيوفه ويحترم جلساءه، إذا قام إنسان من المجلس لينصرف يقوم النبي ﷺ يودعه، ويأخذ بيده ليصافحه، ولا يترك الرسول ﷺ يد الضيف حتى ينصرف الضيف ويكون الضيف هو الذي ينزع يده من يد النبي ﷺ ، وإذا كان الرسول جالساً في مجلس فأراد رجل أن يسر إليه بحديث، وأتى ليأخذ بأذن نبي الله ﷺ ، كان رسول الله ﵊ يعطيه أذنه وينصت حتى يفرغ الرجل، ولا يرجع الرسول ﷺ رأسه ويبعد أذنه حتى يبعد ذلك الرجل فاه ويبعد رأسه الانتظار من الأدب، هذا رسول الله ﷺ الذي يجب على الأمة كلها أن تتأدب معه، يفعل هذه الأفعال ليعلمنا آداب المجالسة وآداب الحديث. بقي في هذا الموضوع بقية هامة: كيف ننتهز المجالس لتكون مجالس خير؟ ماذا يجب على الدعاة إلى الله وعلى الناس أن يفعلوا لكي يحولوا مجالسهم إلى مجالس خير؟ ما هو الموقف الصحيح للمسلم من المنكرات والاستهزءات وشتم الدين ونحو ذلك مما يحدث في المجالس؟ هذا ما سيكون بإذن الله تعالى موضوع خطبتنا القادمة، لأنني أحس وربما تحسون معي أن الاهتمام بأمر المجالس له دور عظيم، وله خطورة كبيرة، إذا صلح مجلسك صلحت أنت وصلح جلساؤك، وسترجع من المجلس إلى بيتك وأنت ممتلئ إيماناً وفائدة وعلماً خرجت به من ذلك المجلس فينعكس هذا على أهلك؛ لذلك كان لا بد من زيادة التوضيح والتعرض لمسائل هامة في هذا. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لذلك. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفرج همومنا، ونفس كروبنا، واجعل مجالسنا مجالس خير يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك يوماً قريباً تعز فيه دينك، وتقر أعيننا فيه بنشر الإسلام والسنة يا رب العالمين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 5301

كيف ينظم المسلم وقته ؟ الوقت هو الحياة، لكنَّ كثيراً من الناس يقضون هذا الوقت فيما لا نفع منه، أو لا يحسنون ترتيب أوقاتهم وبرمجتها حسب الأولويات والمهمات، وفي هذا الدرس وضع الشيخ النقاط على الحروف، من خلال البرامج والخطط المتبعة في تنظيم الوقت والوسائل المعينة على استغلاله دون أن تذهب دقائقه وساعاته حسرات، إضافة إلى ذكر بعض مضيعات الوقت لتلافيها.

стр. 5302

الوقت هو الحياة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلىآله وصحبه أجمعين. وبعد: أحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله أن يجعل مجلسنا هذا مجلس ذكر تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، وأن يجعلنا وإياكم في ديوان المذكورين عنده. الوقت هو الحياة، ولذلك يقول ﷺ : (لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) وفي الحديث الآخر: (اغتنم خمساً قبل خمس ومنها حياتك قبل موتك) فبما أن الوقت هو الحياة، فيكون المعنى: اغتنم وقتك هذا الذي هو حياتك قبل أن يأتيك الموت فتنقطع عن الدنيا، ويكون ليس عندك ثمة وقت تشغله في طاعة من الطاعات. ولذلك يجب على المسلم أن تكون عنده غيرة شديدة على وقته، ويجب أن يتضايق جداً إذا ضاع شيء من أوقاته فيما لا ينفع، ويجب أن تظهر عليه علامات الأسى والأسف والندم إذا تفلتت منه أوقات بغير فائدة، وهذا هو شأن عباد الله العقلاء، ولكن من الخلق من يقول: لا ندري كيف نقضي أوقاتنا، ولا ندري كيف نمضي هذا الوقت، ولا ندري كيف نقتله، ولذلك تسمع منهم عبارات زهق وطفش وضيق وملل ونحو ذلك. قال ابن القيم رحمه الله تعالى "الغيرة غيرتان: غيرة على الشيء وغيرة من الشيء، فالغيرة على المحبوب حرصك عليه، والغيرة من المكروه أن يزاحمك عليه، فالغيرة على المحبوب لا تتم إلا بالغيرة من المزاحم" إذا أردت أن تحافظ على وقتك؛ يجب أن تغار على هذا الوقت، وتغار من الأشياء التي تزاحم الاستفادة من هذا الوقت. ثم قال ﵀: "وكذلك يغار المسلم على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضا محبوبه وهو الله ، فهذه الغيرة من جهة العبد غيرة من المزاحم المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبه. إن الزوجة تغار من الزوجة الأخرى؛ لأنها زاحمتها فيه، ويصبح الوقت ذا قيمة عندما يكون هناك هدف، وعندما تكون هناك رسالة يصبح وقت الإنسان ثميناً جداً، والناس الذين ليس لديهم رسالة؛ يعيشون في الدنيا بغير هدف، فأوقاتهم لا قيمة لها، ولذلك لا يشعرون بالوقت وهو يمضي. ونحن المسلمين أصحاب رسالة وهدف، لذلك يجب أن يكون لوقتنا أهمية كبيرة جداً في إحساسنا وشعورنا، أرأيت الطالب عندما يبقى على الامتحانات أسبوع؛ كيف تكون قيمة الوقت عنده كبيرة جداً، لأن هناك هدفاً حاضراً يشتغل من أجله الآن، فإذا انقضت الامتحانات وجاءت العطلة، وجدت الوقت عنده لا يكال بأي كيل، ويذهب هكذا هدراً، وتقفز إلى قائمة أوقاته فترات الراحة والاستجمام والتسلية والنوم. لماذا لا نشعر أننا في سباق نحو الآخرة؟ لماذا لا نستشعر الأهداف والمسئوليات التي أنيطت بنا؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] وقال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٩]. فلأننا أصحاب رسالة وأصحاب هدف وأصحاب مسئوليات. قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل أن تكون مثل هؤلاء الحيوانات الذين يسرحون ويمرحون بلا هدف، أوقاتهم ليس لها أي قيمة، فقد يتساءل كثير من الناس: هذا اليوم وهذه الليلة أربع وعشرون ساعة كيف ننظم هذا الوقت؟ كيف نستغله؟ كيف نوفر الأوقات؟ كيف نحصل على مزيد من الوقت؟ إن المسلم العاقل الفطن يقول: أريد وقتاً زيادة؛ لأن عندي أشياء كثيرة أريد أن أعملها، والفارغ البطال يقول: لا أدري كيف أمضي الوقت، ويتمنى ذلك العاقل لو اشترى وقت البطال بأغلى الأثمان، ويقول: يا ليت عندي وقت فلان لكي أعمل أعمالاً إضافية كثيرة أريد أن أعملها. ويجب أن ينطلق المسلم في تفكيره في استغلاله لوقته من واقعه ووضعه وإمكانياته، وليس بناءً على شطحات من الخيال، ولا على توهمات ولا على أوضاع ماضية، فمثلاً: ليس من الصحيح أن يفكر في الطالب الجامعي وهو يريد أن يجدول وقته بظروف المرحلة الثانوية، أو يفكر في الموظف وهو يريد أن يجدول وقته بناء على معطيات المرحلة الجامعية وهكذا.

стр. 5303

أهمية الترتيب والتخطيط وصرف الوقت لذلك ومن الأساليب التي توفر الوقت: اصرف وقتاً في البداية، ما معنى هذا الكلام؟

стр. 5304

الترتيب إن توفير الوقت يتطلب أحياناً صرف وقت كبير في بداية الأمر، ولكن الإنسان سيستريح فيما بعد، ويوفر أوقاتاً كثيرة كان سيقضيها في البحث عن أشياء ضائعة في الأكوام غير المرتبة من الكتب والأغراض الشخصية، فمثلاً: طالب العلم يحتاج في البداية إلى ترتيب مكتبته أو عمل فهرسة لها وتصنيف الكتب ووضعها في أدراج وتقسيمات معينة ويحافظ على هذا الترتيب، ليس أن يرتب في البداية ثم يهمل بل يحافظ على هذا الترتيب، هذه العملية تأخذ وقتاً كبيراً، ولكنها توفر عليه أوقاتاً تضيع عادة في البحث عن كتاب ضائع وسط أكوام الكتب الملقاة بعضها فوق بعض، وكذلك الذين يضعون ثيابهم بعضها فوق بعض ثم يحتار: أين النظيف من المتسخ؟ وبعض الناس من طبيعتهم أنهم لا يحبون الترتيب، ويقولون: نحن ضد الروتين كما يقولون، ولذلك فإنهم غير مستعدين أن يسيروا على أي خطة، ويتضايقون إذا حددوا بأشياء معينة، ولذلك يريد أن يكون الواحد منهم سبهللاً يمشي فارغاً بدون هدف. وبعض الناس يتركون للآخرين ترتيب الوقت لأشياء معينة، فتجد الطالب مثلاً يترك للمدرسة ترتيب جدول الحصص وكذلك في الجامعة، وكذلك الموظف في الشركة وقته محدود بنظام الشركة، لكن اسأل هؤلاء ماذا يعملون في النصف الآخر من يومهم بعد أن يخرجوا من المدرسة أو الجامعة أو الشركة؟ أجبروا على نظام معين وخطة معينة في الجامعة أو في الشركة ولكن في بقية النهار والليل ماذا يفعلون؟

стр. 5305

الجدولة والتخطيط وشروطهما لا بد أن يكون المسلم واعياً، لا بد أن يكون مخططاً لكل ما يريد أن يفعله، فعلى سبيل المثال: إن إنفاق عشر دقائق مثلاً في أول كل يوم في كتابة مذكرة صغيرة بما ينبغي أن تفعله في هذا اليوم، أو مثل ذلك في آخر كل يوم بما تنوي أن تفعله في اليوم التالي، يوفر عليك عناءً كبيراً، ويجنبك نسيان ما يجب أن تفعله في المستقبل، وإذا كان بعض الناس ذوي ذاكرة طيبة؛ فلا بأس أن يجدولوا أعمالهم في أذهانهم، ولكن كثيراً من الناس من سريعي النسيان ينبغي أن يعمد إلى الكتابة، ولئن كان وأهل الدنيا يجعلون جداول زمنية لإنهاء مشاريعهم ومقاولاتهم، فتجد المقاول يعمل جدولاً زمنياً دقيقاً ومرتباً لمراحل العمل، فيقسم المراحل ويجعل لكل مرحلة وقتاً معيناً يجب أن تنتهي فيه هذه المرحلة، وتكلفة هذه المرحلة، والعمال في هذه المرحلة، والمواد المستخدمة في هذه المرحلة، وهكذا يعملون بدقة لكي يكسبوا مالاً في النهاية. نحن المسلمين أصحاب الرسالة يجب أن نكون أشد من هؤلاء تخطيطاً ودقة في تصريف أوقاتنا، واسأل نفسك هذين السؤالين قبل أن ترتب أي جدول أو تنظم أي خطة: أولاً: هل هذه الأعمال التي تريد أن ترتبها هي من مرضاة الله؟ ثانياً: كيف تقوم بها على خير وجه؟ بعض الناس يأتون بلائحة من الأعمال، ويتفننون جيداً في الطريقة المثلى للقيام بكل عمل، فعندهم كفاءة عالية في أداء الأعمال، لكنهم لا يسألون أنفسهم قبل هذا: هل هذا العمل أصلاً مجزي ومثمر؟ مثلاً يستطيع إنسان أن يرقص بشكل صحيح وكفاءة عالية ويستطيع أن ينظم جدول طيران إلى مكان من أمكنة الفسق بأقصر وقت وأقل تكلفة، فهذا تنظيم ممتاز وتنفيذ رهيب، لكن هذا العمل أصلاً هل هو من طاعة الله؟ فيحتاج أن نفكر من هذين المنطلقين. وفائدة الجدولة ووضع الجداول كبيرة، وخصوصاً أنها تشعر الشخص الذي ينظم وقته بأي انحراف في صرف الأوقات، وتنبهه لأي ضياع في هذه الأوقات؛ لأنه يسير على خطة، فهو يشعر من خلال تنفيذ الخطة بأي انحراف، بخلاف الذين يسيرون على غير خطة -عشوائياً- لا يشعر بالأوقات الضائعة.

стр. 5306

أسباب فشل تنفيذ الخطط والبرامج كثير من الإخوان يقول: لقد جربنا فوضعنا، ولكننا فشلنا في تنفيذها، وتحمسنا في بداية الأمر لأيامٍ معدودات ثم تعبنا، فأطلقنا الأمور على عواهنها. لهذا الفشل أسباب: منها: أن بعض الناس يلجأ إلى تخصيص كل دقيقة في اليوم، وهذا مستحيل ولا يمكن، فيكون هذا من أسباب الفشل. لا بد أن يجعل الإنسان في خطته أولاً الأشياء المهمة، وثانياً: يجعل أوقات فراغ للأمور التي تطرأ عليه، وكذلك لا بد من التدرج في تنفيذ هذه الجداول والخطط، وليس بهجمة حماسية تنتهي بالفشل الذريع، ويجب أن يأخذ المسلم بعين الاعتبار وهو ينفذ خطة وضعها أن الأشياء الطارئة المهمة من مرضاة الله وطاعته ليست مضيعة للوقت وليست فشلاً لهذا البرنامج، فمثلاً: قد يسير الإنسان على تخطيط معين في هذا اليوم، فجأة في منتصف الجدول يأتيه أحد إخوانه يقول: سيارتي تعطلت أريد أن تذهب معي إلى الورشة مثلاً، هذا العمل قد يستغرق ساعة من الزمن، وهذه الساعة قد تجعل هذا الجدول مختلاً، وبعض الناس قد يتضايقون ويقولون: فشل الجدول وفشلت الخطة، نقول: كلا. لأن المسلم يعمل الأقرب من الطاعات إلى الله ، والمثالية الزائدة في جدولة الأوقات قد تجعل الشخص كالآلة لا يتفاعل مع الناس، ولا يحس بكثير من المشاعر النبيلة. والمثالية الصرفة قد تجعل الشخص يتعامل مع الناس بجفاء، فليس المطلوب مثلاً أن يكون الإنسان دقيقاً جداً، فيكون ذلك الشخص الذي طلب مرة منه أحد إخوانه موعداً فقال له هذا الشخص المثالي: كم يستغرق الموعد؟ كم تريد؟ قال: ربع ساعة، قال: حسناً، فلما جاء الوقت المحدد قعد معه فتكلم وتكلم، فلما انتهت هذه الدقائق؛ نظر في ساعته، فلما رآها انتهت قام مباشرة دون كلام ولا سلام وخرج من المجلس وصاحبه لم يكمل كلامه بعد، إن مثل هذه الأشياء المثالية جداً قد تجعل بعض الناس بغيضين إلى بعض. وقد يتساءل كثير من الإخوان: نحن نضع برامج وجداول ولكن تأتينا أشياء طارئة كثيرة فما هو التصور تجاه هذه الطوارئ؟ فنقول: نحن مسلمون لدينا علاقات أخوية وروابط اجتماعية، والأشياء الطارئة في هذه الجوانب موجودة بشكل واضح، ونحن دعاة إلى الله ، وحياة الداعية وأيامه مملوءة بالمفاجأة والأحداث، ولكن ينبغي أن تعلم أيها الأخ المسلم أن الأشياء الطارئة والمهمة لا تعني أن الخطة والجدول فاشل، فإن المهم إرضاء الله في كل لحظة؛ وتقديم ما يحبه الله وليس المهم هو أن ينجح الجدول (١٠٠%) فلو أنك تسير على جدول مثلاً ثم بلغك موت قريب لك فماذا تفعل؟ أو جاءك ضيف مثالي فماذا تفعل؟ يجب أن تقوم بحق الضيف، وتذهب للتعزية وحضور الدفن ونحو ذلك. ومن أسباب الفشل في تنفيذ الجداول: عدم تعود الناس على هذه الأشياء المحددة، فالنفس تكره التحديد النفس تريد الانطلاق بلا حدود، ولذلك فإن النجاح في تنفيذ هذه الخطط يعتمد على تعويد النفس على الالتزام والدقة، وهذا أمر تكرهه النفس، والتعويد أمر صعب، ولكن إذا جاهد الإنسان نفسه من البداية فإن النهاية تكون سعيدة، وإذا جاهد الإنسان نفسه في أن يتعود على أمور معينة، فإن هذه الأمور تصبح طبيعية في النهاية وسهلة، بل إنه يفعلها لا شعورياً دون أن يحس بأي كلفة.

стр. 5307

خطوات التعود على العادات الطيبة لكي يتعود المسلم على العادات الطيبة فلا بد له من خطوات منها: أن ينطلق في البداية بقوة للتعود على شيء معين وبحكمة، فينطلق بحماس في تنفيذ هذه العادة والتعود عليها وتضبطه الحكمة، وأن ينتهز أقرب فرصة للتعود؛ لأن الإنسان إذا جلس يسوف ويقول: سأتعود في المستقبل؛ فإنه لن يتعود، وقد تضيع الفرصة منه نهائياً، ويكون الفشل أشد مرارة في نفسه من لو أن الفكرة لم تخطر بباله أصلاً. ويمكن للمسلم أن يستعين للتعود على هذه العادات بالآخرين، وهذا ما يؤكد أهمية التربية الجماعية، فإن الإنسان قد يصعب عليه أن يتعود لوحده، لكن إذا التزم مع إخوة له على عادة معينة؛ إن الأمر يصبح سهلاً؛ لأن الجماعة تسهل على الفرد، وقضية أن يلتزم شخص داخل جماعة أسهل من أن يلتزم شخص لمفرده، لأن بعضهم يشجع بعضاً. ومن النصائح في قضية التعود على العادات عدم عمل أي استثناء في البداية حتى تصل العادة، وإلا فإن حليمة سترجع إلى عادتها القديمة، مثلاً: لو شعر الإنسان ببركة الوقت بعد صلاة الفجر وأن الله قد بارك لأمة محمد ﷺ في بكورها، فأراد أن يتعود على عدم النوم بعد صلاة الفجر وعلى استغلال الوقت بعد صلاة الفجر، قد يتحمس في اليوم الأول فلا ينام بعد الفجر، ويستغل الوقت في قراءة قرآن وذكر ومذاكرة وعمل، لكن الخطر يكمن في أن بعض الناس في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع في التعود في الأيام الأولى المبكرة، قد ينام متأخراً نوعاً ما، فيأتي ويقول: هنا أريد استثناء، اليوم نستثني ننام بعد الفجر، وغداً سيكون هناك استثناء آخر وتتعدد الاستثناءات وهكذا تفشل قضية التعود.

стр. 5308

وسائل توفير الوقت

стр. 5309

توفير الوقت بتحديد مواعيد الأشياء الثابتة في كل يوم ومما يعين المسلم على تنظيم أوقاته تحديد مواعيد الأشياء الثابتة في كل يوم، فمثلاً: تحديد موعد النوم موعد الوجبات موعد الزيارات موعد الجلسات موعد المذاكرة وهكذا. إن دين الإسلام يساعد المسلم على تنظيم وقته بشكل عظيم، فانظر مثلاً إلى الصلوات الخمس، فهي عبارة عن خمسة حدود يومياً موضوعة في اليوم خمس محطات تساعدك في تنظيم الوقت، ولذلك تجد مواعيد المسلمين بعد العصر بعد العشاء بعد المغرب بعد الفجر قبل المغرب بكذا، أما مواعيد الكفار فليس عندهم هذه الأشياء التي تساعدهم في تحديد وتنفيذ المهمات، لكن المسلم تعوده الصلوات الخمس أن يذهب إلى المسجد في هذا الوقت وفي هذا الوقت فهناك أوقات ثابتة يومياً، وهذا من فوائد دين الإسلام. كذلك لا بد من تخصيص وقت للمشاوير، نحن نجد أن المشاوير التي نذهب بها يومياً تأخذ وقتاً من حياتنا، ولذلك لا بد أن يفكر الإنسان قبل أن يخرج في مشوار ما ماذا سيفعل؟ وإذا كان عنده أكثر من حاجة يشتريها يفكر قبل أن يخرج ما هي جميع الحاجات، ثم يفكر في الطريقة المثلى التي يسلكها في مشواره حتى يأتي بجميع الحاجات في أقل وقت، بعض الناس لا يفكرون، يذهب يشتري شيئاً ويرجع للبيت ثم يتذكر شيئاً آخر ويذهب ويشتري ويرجع وهكذا، وبعض الناس لا يفكر في الطريق، فيذهب هكذا ويشتري ثم يذهب هكذا ويشتري ثم يرجع إلى المكان الأول ويشتري وهكذا. والتخطيط الجيد عموماً يستلزم ثلاثة عناصر، وهي عبارة عن ثلاثة أسئلة يسألها الإنسان نفسه: ما هي الأشياء التي أشتريها؟ متى أذهب؟ كيف وما هي طريقة المشوار؟

стр. 5310

توفير الوقت بتوزيع المهمات من الأمور التي تساعد على توفير الأوقات وإن كان لطبقة معينة من الناس: قضية توزيع المهمات، وخصوصاً المطلعين بالمهام التربوية والعلمية، أو مثلاً الأب مع أولاده، إذا أراد الأب أن يقوم بكل شيء في البيت سيستهلك وقتاً كثيراً، ولكن لو استعان بأولاده مثلاً فوزع عليهم المهام، فإنه سيرتاح إلى حد بعيد، وكذلك المربي فإنه إذا وزع المهمات على إخوانه فإنه سيوفر لنفسه وقتاً كثيراً بالإضافة لما يسببه هذا التوزيع من ازدياد ثقة هؤلاء بأنفسهم وتدريبهم على القيام بالأمور الجديدة، وفي نفس الوقت الذي يفرغ وقتاً يستطيع فيه القيام بأمور أخرى هو، أو يزيد كفاءته في أمور يفعلها أصلاً، فلنفرض أن طالب علم مثلاً يدرس في حلقة تجويد وأخرى في التفسير وثالثة في الفقه وهكذا وهو منشغل، هذا الرجل لو درب أحد إخوانه على القيام بأمر حلقة التجويد مثلاً، فإن هذا سيفرغه للقيام بشيء آخر مهم، أو زيادة تفرغه لتحضير حلقات التفسير والفقه وهكذا. لا بد أن نشير هنا إلى قناعة موجودة عن بعض المعلمين، وهي أنه يريد أن يفعل كل شيء بنفسه، لأنه يعتقد أن الآخرين سيفعلونه بكفاءة أقل أو يفشلون فيه، فلا يوزع المهمات عليهم، ويستشهد بالمقولة المشهورة: "ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك". ونحن نقول: هذا المثل قد يكون صحيحاً فيما هو من شئونه الخاصة، أو فيما يجزم أن غيره لن يستطيع القيام به من خلال التجربة مثلاًً، فأما ما كان من الأمور التي يستطيع أن يفعلها الآخرون؛ فلا يمكن الاستشهاد بمثل هذه المقولة.

стр. 5311

توفير الوقت بدفع المال ومن وسائل توفير الوقت دفع المال، إذا استطعت أن توفر وقتاً بدفع المال فافعل، وفي المثل المشهور: الوقت من ذهب، ولكن هذا المثل خطأ؛ فإن الوقت لا يقدر بأي قيمة، فالذهب لو خسرته يمكن بعد عدة صفقات أن ترجعه أو تسترجع أكثر منه، لكن الوقت إذا ذهب كيف تسترجعه! هيهات هيهات! ولا يمكن رجوع الوقت ولا شراؤه. ولذلك تجد أنت على سبيل المثال أجهزة الهاتف بعضها مثلاً بالأزرار وبعضها مثلاً بالقرص، ولا شك أن الهاتف الذي بالأزرار يأخذ وقتاً أقل في الاتصال إذا كان مصمماً بالطريقة الفورية لدق الأرقام، فإذا كنت تستطيع أن تستعمل هذا فاستعمله؛ فإنه يوفر لك على المدى البعيد وقتاً، وبعض الهواتف فيها أزرار لإعادة المكالمة تلقائياً إذا استطعت أن توفرها فافعل، لا تتوانَ في شراء جهاز لزوجتك في البيت مثل الغسالة أو الموقد أو أي وسيلة من وسائل الراحة العصرية التي توفر لزوجتك وقتاً، إذا استطعت أن تدفع نقوداً لتشتري وقتاً فافعل. فهذا محمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري رحمهما الله المتوفى سنة [٢٢٧هـ] كان في حال طلب العلم جالساً في مجلس الإملاء والشيخ يحدث ويملي، فانكسر قلم محمد بن سلام وهو يكتب، طبعاً الشيخ لن ينتظر واحداً من الطلبة حتى يأتي بقلم، وهذا صاحبنا من الطلبة المواظبين المجدين الذين يعرفون قيمة الوقت، فأمر محمد بن سلام البيكندي أن ينادى: قلم بدينار قلم بدينار، والقلم يساوي أقل من دينار، فتطايرت إليه الأقلام، لأن الناس يريدون الدينار، فدفع مالاً ليوفر وقتاً. وستجد في المقابل من الناس الفارغين البطالين من هو مستعد أن يعطي من وقته ويضيع مالاً لذلك.

стр. 5312

قتل مضيعات الوقت في مهدها ومن الأمور التي تساعد على استغلال الوقت والمحافظة عليه: قتل مضيعات الأوقات في مهدها، فهناك أمور تضيع الأوقات. قال ابن القيم ﵀: إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. إذا أنت مت انقطعت عن الدنيا، ولكن إذا اشتغلت بالأشياء التي تضيع الوقت بلا فائدة فإنك تكون قد انقطعت عن الله والدار الآخرة، ولا بد أن يكون عندنا مفهوم واضح للأشياء التي تضيع الوقت، فليس من ضياع الوقت ما كان في طاعة الله، لذلك قد تكون مساعدة الوالدين وشراء الأغراض لهما، أو الذهاب بالولد إلى العيادة ومساعدة أخ في الله في إصلاح سيارته مثلاً لا يمكن أن نعتبره مضيعة للوقت؛ لأنه من طاعة الله. ولذلك بعض الناس عندهم مفاهيم غريبة في خسارة المال أو ضياع الوقت، يقول: والله نحن ضيعنا من وقتنا العام الماضي عشرة أيام في الحج، ونحن خسرنا عشرة آلاف ريال في الحج، فليس هذه خسارة، كيف تسميها خسارة؟! ليس من إضاعة الوقت مثلاً الصبر على التربية اللازمة لإقامة المجتمع المسلم، ومن لا يقبل بذلك فهو متهور، يريد اختصار ما لا يمكن اختصاره؛ لزعمه أن طريق التربية بطيء وهو مضيعة للوقت، ولذا تجد أكثر هؤلاء شعارهم العنف؛ لأنهم يريدون تغيير كل شيء بالقوة وبأسرع طريقة، ولسنا نعني هنا أنه لو حانت فرصة طيبة أن تستغل. إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا ما هي الأشياء التي تستهلك الأوقات؟ ذكر ابن القيم ﵀ أشياء الإسراف فيها مضيعة للوقت، وهي: النوم والأكل والكلام، إذا زادت عن حدها صارت مضيعة للوقت.

стр. 5313

النوم النوم مثلاً نعمة من نعم الله لولا النوم لعشنا في شقاء، لأن الإنسان مطلوب منه أن يعطي جسده حقه (وإن لجسدك عليك حقاً) ولكن ليس معنى هذا أن ينام الإنسان الساعات الطويلة المتواصلة، أذكر أنني أيقظت شخصاً في وقت الظهر أو العصر، فقلت له: منذ متى أنت نائم؟ فقال: نمت من قبل مغرب اليوم الماضي وهكذا فإن بعض الناس ينام الساعات الطويلة جداً ويستغل وقته في النوم، وبعض الناس يعتقد أنه لا بد أن ينام ثمان ساعات، مع أن هذه المسألة كما أثبت أهل الطب أن الأجسام تختلف، فبعض الناس يحتاجون ثمان ساعات فعلاً وبعض الناس تكفيهم ست ساعات، وبعض الناس تكفيهم أقل، وبعض الناس تكفيهم أكثر، والمسألة تعتمد كثيراً على التعود وعلى طبيعة جسم الإنسان، وعلى نوع الوظيفة التي يقوم بها وهكذا، وبعض مشاهير الدعاة كانوا ينامون أربع ساعات فقط في اليوم، ليستغل في الأوقات الأخرى في طاعة الله، فهو يعلم أنه يسابق بالخيرات. ومن الأمور المهمة في النوم: القيلولة، لقوله ﵊: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) فالوقت الذي يكون الشيطان فيه سارحاً يمرح المفروض أننا نحن نكون في نوم، ولا نتأخر في السهر؛ فإن الرسول ﵊ قد كره السهر بعد العشاء الآخرة إلا للعلم أو الأشياء المهمة أو الضيف مثلاً، الآن انعكست عندنا الآية فالوقت الذي يكون المفروض فيه أن ننام نستفيق، والوقت الذي ينبغي أن نكون مستفيقين ننام وهكذا. صحيح أن طريقة الحياة المعاصرة تجبرنا على أشياء من الاستيقاظ، مثلاً: الآن في قضية الدوام والحصص تجد أن الحياة مصممة على أنك تستيقظ في وقت القيلولة، ولكن لو استطعت أن تقيل فافعل، ولو استطعت أن تنظم جدولك بحيث تنام في وقت القيلولة؛ فافعل.

стр. 5314

وجبات الطعام من الأمور المضيعة للوقت كذلك: وجبات الطعام، سواء أثناء الوجبات على المائدة كما يحصل عندما يجتمع أناس على طعام فيطول الكلام في أشياء غير مفيدة، والأكل الذي كان يمكن أن يلتهم في عشر دقائق لا يفرغ منه إلا في نصف ساعة أو ساعة إلا ربع أو أكثر، وقد يكون تضييعاً لمواعيد الطعام كما يقع مثلاً لبعض طلاب الجامعات، فإنه لا يلتزم مثلاً بأوقات المطعم؛ فيضطر بعد ذلك أن يذهب بعيداً ليشتري طعاماً وينفق في ذلك وقتاً ومالاً.

стр. 5315

الاجتماعات على غير فائدة شرعية ومن الأمور التي تضيع الوقت وتستهلكه الاجتماعات على غير فائدة شرعية، قال ابن القيم ﵀: الاجتماع بالإخوان على قسمين: أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت. فمن أكبر الأشياء التي تضيع الوقت النقاشات غير المفيدة أو غير الهادفة في بعض المجالس، مثل: النقاش ليثبت كل شخص من المتناقشين أنه على الصواب وأن الآخر على الخطأ من غير أدلة وتجرد، واجتماع الناس هكذا على حب التسلية وتمضية الوقت ينبغي أن ينتبه لها المسلم جيداً، فبعض الشباب لا يرد أحداً طلب منه أي طلب وإن كان تافهاً أو كان سيضيع عليه شيئاً أهم، فيأتي شخص يطرق عليه الباب، ويقول له: تعال معي، نريد أن نذهب فيخرج معه، يتصل له شخص بالهاتف، فيذهب معه وهكذا. والحل: لا بد أن نتعلم الاعتذار المهذب عن كل عمل يصرفنا عن الغاية التي نسعى إليها، ولا بد أن نعتذر بلباقة عن كل انشغال يشغلنا به الفارغون، صحيح أنه قد يأتيك وشخص وتعتذر وقد يضغط عليك ويطلبك عدة مرات، والفوضويون يتخذون القرارات لحظياً ويمرون على من يعرفون ويقولون: تعال معنا وهكذا. فليحذر العاقل هؤلاء البطالين، فما لم تكن تلك الروحة مهمة كشيء طارئ، مثلاً قيل لك: شخص توفي وهو يدفن الآن، فعليك أن تذهب إليه، قيل لك: إن فلاناً في المستشفى الآن وهذا وقت الزيارة، فعليك أن تذهب، فإنه من طاعة الله، كذلك تلبية حاجة الأبوين إذا طلب منك فعل ذلك. يقول ابن الجوزي ﵀: لقد رأيت خلقاً كثيراً يترددون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة ويطيلون الجلوس، ويدلون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، ويتخلله غيبة، فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء؛ كرهت ذلك، وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقلت: لا أذهب معكم، وقعت وحشة، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان. فيقول ﵀: فصرت أدافع اللقاء جهدي -كلما أتى واحد من هؤلاء البطالين- أؤجل الموعد، فإذا غلبت -صار لا بد أن يدخل عندي- قصرت في الكلام لأتعجل الفراق، وبعضهم قد يلجأ إلى أساليب جيدة، فإذا أتاه شخص وهو مشغول؛ فإنه يقف، فيشعر الآخر بأنه لا يريد أن يقعد؛ فينصرف. ويقول ابن الجوزي ﵀ متابعاً: ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة، ولكن لا بد منها لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغاً، فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد -لدى ابن الجوزي كتابات وتصنيفات ومصنفات يريد أن يكتبها- وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي. انظروا كيف يحافظ العلماء على أوقاتهم، ولا بد من تعويد الآخرين على احترام وقتك، بعض الناس لأنه متسيب وليس عنده ثبات؛ فيأتي إليه الأشخاص الآخرون ببساطة وسهوله؛ لأنه ليس عنده ما يوقفهم عند حدهم، وتعويد الآخرين على احترام وقتك يكون بالتلميح أحياناً أو بالتصريح إذا لم يفهموا، وخذ على ذلك هذا المثال: دخل أناس على رجل من السلف فقالوا: لعلنا شغلناك، فقال: أصدقكم كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم. أي: إذا أردتم الصراحة فقد شغلتموني، لقد كنت أقرأ وعندما أتيتم تركت القراءة لأجلس معكم. وكان ابن المبارك ﵀ قد افتقده أحد أصحابه مرة، فقال: مالك لا تجالسنا؟ فقال ابن المبارك: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين. أي: أنه يقرأ في سيرهم وتواريخهم وهكذا. وعدم الحزم في مواجهة مضيعي الأوقات مشكلة، وبعض المزورين لا يصبر على الوحدة ومتى لأن المزور؛ طمع الزائر، ولذلك تجد بعض الناس يعلقون على أبوابهم، مثلاً: الرجاء ممنوع الإزعاج، لكن هذه اللافتة تصبح ليست ذات معنى؛ لأنه لا يرد أي طارق ويفتح لكل أحد ويضيع الوقت. وهنا ننبه إلى مزلق نفسي خطير، بعض الناس يظهرون الانشغال، وكلما جاء أحد يقول: أنا مشغول لا تكلمني، وهكذا ليس عندي وقت، ويمشي بسرعة في الممرات والطرقات، ويتظاهر أنه إنسان قد بلغ القمة في الانشغال، وإذا حاول أحد أن يستوقفه ابتعد، هذا قد يكون فيه شيء من الكبر والغرور والتظاهر بالانشغال. لقد رأيت من أهل الفضل من أعلم أنه في غاية الانشغال بالعلم وانقطاع عن الناس، لكن إذا أتيته تجده كأنه متفرغ لأجلك، والناس طرفان: منهم من يستقبلك ويلبي طلباتك وهو مشغول على قدر وسعه وطاقته، ومنهم من يظهر نفسه أنه مشغول وهو فارغ، وهذا شيء خطير، فالمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، وبعض الناس عندهم عقدة، فيريد أن يظهر أنه منشغل وهو فارغ. كانت الجارية تأتي وتذهب بالرسول ﷺ ليقضي لها حاجتها، فيذهب معها ويقضي لها حاجتها وهو الرسول ﷺ الذي كان مشغولاً، ولكن الرسول ﵊ كان عنده من الوقت ما يداعب به أهله ويلاعب به الصبيان ويقضي حوائج الناس، ولم يقل لأحد إذا أتاه: أنا مشغول، ابعد عني لا تكلمني.

стр. 5316

المكالمات الهاتفية ومن مضيعات الوقت المكالمات الهاتفية، فإنها أحياناً تجعل الشخص يستمر في الكلام ساعات أحياناً، وخصوصاً النساء اللاتي لا يجدن سبيلاً في رؤية بعضهن، فيكون الهاتف هو سلوتهن وعزاؤهن في تكليم بعضهن بعضاً، وهناك مشاكل زوجية كثيرة موجودة تحصل بسبب مصروف فواتير الهاتف؛ لأن الزوجة تتكلم كثيراً مكالمات خارجية ثم تقع الخلافات بين الزوجين، فضلاً أن تكون هناك تكليفات مادية، كما يجب أن تنتبه الزوجة إلى أن المسألة فيها ضياع وقت لها.

стр. 5317

وسائل اللهو ومن مضيعات الأوقات: وسائل اللهو من البرامج والمسلسلات والجرائد والمجلات والألعاب والمباريات والمسابقات وغيرها، فإنها كثيراً ما توقع في المحرمات ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا حدث عنه ولا حرج، كيف يضيع مسلسل في تلفزيون أوقات المسلمين، أو كيف تضيع هذه المجلات الفارغة التافهة المنتشرة في الأسواق أوقات المسلمين والمسلمات، هذا شيء في غاية العجب! ولذلك تجد فيها من التنويع والتذليل والتحكيم والزخرفة أشياء تجلب الناس، فيضيع ساعات طويلة وهو ينقل التلفزيون من محطة إلى أخرى، ويفتح الجريدة والجريدة التي تليها والمجلة وهكذا تضيع منهم ساعات طويلة في هذه الأشياء، وهذه مسألة تحتاج إلى كلام منفصل عن الآثار السيئة لهذه الملهيات على الناس حيث إنها تحتاج إلى محاضرات وخطب منفصلة. وبعض الناس تكون هوايتهم تضييع الأوقات في الحمامات عند الاستحمام، فتجده يقضي أوقاتاً طويلة وهو يستحم، مع أن الاستحمام لا يأخذ وقتاً، والرسول ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، لم يكن يغتسل بالصاع ساعات! ولكن تجد بعض الناس الآن يمكن أن يجلسوا في دورات المياه والحمامات ساعات طويلة جداً، ورحم الله جد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما دخل الخلاء قال لأحد أولاده: اقرأ هذا الكتاب، وارفع صوتك بالقراءة لكي أسمعك. يقول ابن الجوزي: ولقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومع ذلك ينظر ويتضرر ولا ينكر، مع أن الله أغناه بما عنده من الملايين وهو يستطيع أن يعيش حتى لو ما فتح دكاناً، وقد تجد معه صبياً في الدكان وعنده من يقوم بأعماله وتجاراته إلا أنه يذهب ويجلس أمام الدكان، مثلما يحدث في بعض المناطق حينما تدخل أسواقهم، فتجد هذا يهش في الذباب وينظر في الغادي والرائح، وذلك الصبي يدير الدكان وهو جالس ينظر. ومضيعات الأوقات كثيرة، ولكن ذكرنا بعضها؛ لكي تجتث من أصلها، وإذا قضيت عليها توفرت أوقات كثيرة.

стр. 5318

صفات الوقت الضائع ما هي صفات الوقت الضائع؟ وكيف تحس أن هذا وقت ضائع؟ الوقت الضائع في غير فائدة هو الوقت الذي تحس بعد مضيه بشعور سيئ، مثل: النظر إلى التلفزيون، فأنت قد تكون سعيداً ومبسوطاً وفرحاناً وأنت تنظر وتستمتع إلى هذه البرامج، لكن بعد انتهاء البث وإغلاق هذا الجهاز، سيحدث عندك شعور بالضيق، ولذلك ليست السعادة في أن يتلهى الإنسان. وانظر إلى أحوال الناس الذين يلهون بالنظر إلى التلفزيون ويقرءون هذه المجلات الفارغة التافهة، ويلعب من هنا وهنا، ومع ذلك يفكر إنه مبسوط في أثناء اللعب واللهو، لكنه بعد اللعب واللهو يصبح متضايقاً ولا يدري ماذا يفعل؟ لكن المسلم حاله: (أرحنا بالصلاة يا بلال) لا يرتاح فقط أثناء الصلاة لكنه يرتاح بعد أداء الصلاة، أما أولئك فتجد عندهم من الإمكانيات في بيوتهم وفي سفرياتهم أشياء عجيبة، لكنه يرجع من السفر متضايقاً جداً؛ لأنه انبسط أثناء اللهو لكن بعد اللهو يشعر بالضيق. يقول أحد الكتاب الأمريكيين: إن (٩٥%) من برامج التلفزيون لا يختلف العقلاء أنها مضيعة للوقت، فإن قلت لي: كيف أستغل وقتي؟ أقول لك: هناك بعض المشاوير التي لابد منها، وبعض فترات الانتظار ليس من سبيل إلى التخلص منها، مثلاً: مسافة الطريق أثناء السفر بالطائرة أو بالسيارة والانتظار أمام عيادة الطبيب هذه فترات انتظار ضائعة انتظار لابد منها، فعندما ترى بعض الناس المخلصين الواعين يستغلون أوقات السفر مثلاً في سماع الأشرطة الإسلامية المفيدة؛ فإنك تعرف أن هؤلاء عقلاء يعرفون كيف يستغلون أوقاتهم، يقول ﵊ في الحديث الحسن: (ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا كان ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه -من هذه الأهازيج والأغاني- إلا كان ردفه شيطان) معه طيلة الطريق. ويفرح المرء المسلم عندما يركب طائرة، فينظر إلى إخوان له لا يعرفهم، قد فتح بعضهم مصحفاً، وبعضهم يقرأ في كتاب علم، بينما الفساق والبطالون ينظرون إلى المحرمات ويتأففون ويذهبون بأبصارهم يميناً وشمالاً وينظرون في ساعاتهم، انظر هذا يقرأ القرآن ويستغل وقته أثناء السفر في الطائرة أو معه كتاب علم يفتحه، انظر الآن بعض الغربيين عندهم كتاب اسمه كتاب الجيب، فتجدهم دائماً يأخذونه معهم، كذلك نحن المسلمين نحتاج إلى تطوير كتاب الجيب الإسلامي؛ حتى يستغله المسافرون والذين ينتظرون في الأماكن العامة فيستفيدون من وقتهم بالقراءة. وعندما تجد رجلاً عند عيادة الطبيب في المراجعات أو في المطار ينتظر وصول قادم أو ينتظر في صالة المغادرة لمسافر تجده قد فتح كتاباً أو يسمع شيئاً مفيداً؛ فإنك تحس أن هذا الرجل يعرف قيمة الوقت ويحسن استغلاله، أو على الأقل يفتح ورقة يبسطها على طاولة الطائرة مثلاً ويدون فيها أفكاراً مهمة، أو يحضر فيها موضوعاً يريد أن يفيد به مسلمين آخرين، أو على الأقل يدون أسئلة خطرت في ذهنه حتى إذا جلس مع أهل العلم سألهم إياها لئلا تضيع من ذهنه. وأنت يا أخي المسلم تعجب من بعض الكفار حينما تراهم في الصباح يجرون أو يقودون الدراجة، تجده يضع في أذنيه سماعات مشبوكة بمسجل صغير يسمع فيها موسيقى "الإف إم" مستغلين بذلك أوقاتهم. ولقد سمعت مرة من الإخوة يقول: وأنا أقلب المذياع وقعت على جزء من مقابلة مع موسيقار مشهور يقول في المقابلة: إنه تعرض لي أحياناً وأنا أسير في الطريق أو وأنا أركب الحافلة في ذهني لحن معين فيقول: كي لا أضيع هذا اللحن مني أو أنساه؛ فإنني أصطحب معي مسجلة صغيرة في جيبي أسجل ذلك اللحن مباشرة قبل أن أفقده. إذا كان هؤلاء التافهون يصل بهم استغلال الوقت في الأمور السيئة إلى هذه الدرجة؛ فنحن أصحاب الرسالة أولى وأحرى من هؤلاء الفارغين.

стр. 5319

حال السلف مع الوقت لقد ضرب سلفنا رحمهم الله تعالى أمثلة عجيبة في الاستفادة من أوقاتهم، فهذا أبو نعيم الأصفهاني المتوفى سنة [٤٣٠هـ] كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة واحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قبيل الظهر على الشيخ، فإذا قام إلى داره ربما يُقرأ عليه في الطريق جزءٌ وهو لا يضجر. وكان سليم الرازي شافعياً فنزل يوماً إلى داره ورجع فقال: لقد قرأت جزءاً في طريقي. وقال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة الخطيب البغدادي كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه. وكان ابن عساكر ﵀ كما يقول عنه ابنه: لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتسمية حتى في نزهته وخلواته، يصطحب معه كتب العلم والمصحف يقرأ ويحفظ. وكانوا يحرصون على استغلال الوقت في عمل أكثر من شيء في نفس الوقت، فقد كان بعضهم إذا حفي عليه القلم واحتاج إلى بريه يحرك شفتيه بذكر الله وهو يصلح القلم، أو يردد مسائل يحفظها لئلا يمضي عليه الزمان وهو فارغ ولا دقيقة. وكان أبو الوفاء علي بن عقيل ﵀ يقول: إنني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري؛ حتى إذا تعطل لساني عن المذاكرة وتعطل بصري عن المطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منصرف، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. أي: هو الآن لا يجد كلاماً ولا شيئاً يقرؤه، فيأخذ راحة وفي أثنائها يشغل فكره. يقول ابن القيم ﵀: وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة؛ قرأ فيها، فإذا غلب؛ وضعه، انظر حتى حال المرض، إذا وجد خفة؛ فتح الكتاب وقرأ، وإذا اشتد عليه أرجع الكتاب عند الوسادة. وأنتم لو نظرتم إلى حال علمائنا في هذا العصر؛ لوجدتم من استغلالهم لأوقاتهم أموراً عجيبة، فأنت مثلاً عندما تتصل بالشيخ/ ابن عثيمين لتسأله، فإنك تجد أنه يجيب على الهاتف من خلال المكبر ولا يرفع السماعة، وأنت تسأله تسمع صوت الأوراق وهي تقلب، فهو يتكلم ويقرأ ويجيب ويراجع في هذا الوقت، وتجد أيضاً أنهم مع محافظتهم على أوقاتهم يحددون أوقاتاً معينة، فهذا الوقت للقراءة، وهذا الوقت للتدريس، وهذا الوقت للإجابة على الهاتف، وهذا الوقت للنوم، وهذا الوقت للذهاب إلى العمل وهكذا. وعندما تتأمل إلى حياة شيخنا/ عبد العزيز بن باز ﵀، هذا الرجل الذي فقد بصره وله من العمر تسعة عشر عاماً، لوجدت في استغلاله لوقته أمراً عجيباً، فإنه يسأل ويناقش حتى على الطعام، بل وحتى عند المغسلة وهو يغسل يديه وفي المجلس وفي الطريق إلى المسجد وبعد الخروج منه، حتى إنه ربما أعاد ذكراً فاته لسؤال أجاب عليه. كان في ذهني مسألة وهي: إذا انتهى الأذان؛ وفاتني متابعته، فماذا أفعل؟ هل فات وقت الترديد أم لم يفت؟ هل أعيد الأذان بعد ما انتهى مع أني ما انتبهت من البداية؟ فكانت المسألة في نفسي ليس عندي فيها جواب، حتى حضرت مرة بجانب الشيخ حفظه الله وهو يجيب على مكالمة، وأثناء الكلام أذن المؤذن، وقريباً من انتهاء المؤذن؛ انتهت المكالمة، فانتبه الشيخ فجلس يردد الأذان من أوله حتى وصل إلى الموضع الذي وقف عنده المؤذن، ثم سألته، فكان هذا العمل جواباً على سؤالي، وهو أن المؤذن لو أذن وانتهى وأنت الآن انتبهت، فإنك تردد الأذان، أو انتبهت في حي على الصلاة؛ فإنك تأتي بها من أولها ثم تقف حيث وصل وتردد معه. وكذلك إذا تأملت في حاله مثلاً وهم يسألونه في الحلقة وبعد الحلقة، حتى إنه لو ركب في سيارته، فإنهم لا يزالون يسألونه والسيارة تتحرك، بل ربما أنه قد أركب معه السائل في السيارة، فيجيب على سؤاله، ويعرض عليه كاتبه الأوراق والمسائل وتقرأ عليه المعاملات والفتاوي في السيارة، وربما سمع شيئاً وهو على الغداء، ويذكر الله حتى بين لقمتين، وشاهدت من علمائنا من يسأل حتى وهو يبحث عن نعاله بين نعال الناس. وكان الشيخ/ محمد بن صالح بن عثيمين في مرحلة الطلب يدرس على شيخه عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ﵀ كان وقد يكون الشيخ/ عبد الرحمن مدعو لوليمة أو دعوة فيذهب للدعوة، فيماشيه الشيخ/ ابن عثيمين في الطريق حتى يصل إلى مكان الدعوة ثم قد يدخل معه وقد يرجع، ولكنه لو رجع فقد استفاد استفادة عظيمة. وهؤلاء العلماء محافظون على وقتهم جداً، ومنهم علامة العصر في الحديث الشيخ/ الألباني ﵀، فإن بعض الناس قد يقول عن بعض المشايخ وهم يحددون أوقاتهم، يقول: الشيخ ناشف، الشيخ لا يعطينا وجهاً، وفي الحقيقة أن الشيخ يحافظ على وقته، وإلا لو استمر يتكلم مع الناس لذهبت عليه أمور كثيرة.

стр. 5320

تنظيم الوقت وقضية التسويف ومن الأمور الضارة بمسألة تنظيم الوقت واستغلاله: قضية التسويف، والتسويف داء كبير يحرم من خيرات كثيرة دنيوية وأخروية، والتسويف عادة يحدث للمهمات الضخمة والصعبة، فالناس يؤجلون ويسوفون عندما تكون المسألة صعبة، فلذلك يجد في نفسه دافعاً للتأخير، والناس أمام المهمات الكبيرة أحد شخصين: يقول: هذه المهمة يجب عملها، ولكنها صعبة وشاقة؛ لذلك سأؤجلها قدر المستطاع. وبعض الناس يقول: هذه مهمة ثقيلة ولكن يجب أن أقوم بها، فلأنفذها الآن وأرتاح، وهذا هو الرجل المضبوط الذي عندما تأتيه مهمة صعبة يقول: هذه صعبة لكن لابد أن أعملها وأرتاح منها. والتسويف عادة يحدث في المهمات التي ليس لها بداية محددة أو نهاية محددة أي: مسألة مفتوحة، ولذلك بعض العوام يخطئون في قضية حكم الحج الآن، فعندهم الحج مسألة صعبة خصوصاً الذي لم يحج، فهو يقول: ماذا سيحدث هناك؟ سوف يتكلف للذهاب للحج شيئاً كثيراً، فلذلك تجد بعض الناس يؤخرون الحج، ويسوفون إلى السنة الآتية إلى التي بعدها وهكذا، فهم يؤخرون الحج لصعوبته هذا شيء، والشيء الآخر: يظنون أن الحج ليس على الفور وإنما هو على التراخي، والحقيقة غير ذلك، فإن الإنسان لو صار عنده استطاعة للحج هذه السنة فإنه يجب عليه أن يحج هذه السنة ولو لم يحج هذه السنة؛ فإنه يأثم؛ لأن الحج ليس على المزاج فمتى ما أردت أن ححجت تحج، لا. إذا ملكت الاستطاعة من الزاد والراحلة وأمن الطريق إلى آخره؛ فيجب عليك أن تحج هذه السنة التي استطعت فيها مباشرة وليس لك أن تؤخر، قال ﵊: (عجلوا الخروج إلى مكة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة) وقال: (من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة وتعرض الحاجة) حديثان صحيحان. إذا كانت المهمة كبيرة وليست قابلة للتجزئة؛ فلابد من التحمس لفعلها وعدم تسويفها، ومما يعين على ذلك: التفكر في أهمية الأجر والثواب فيه، فمثلاً: عندما تفكر في أجر الحج، فعند خروجك من بيتك تقصد البيت الحرام؛ فإن لك بكل خطوة تخطوها راحلتك حسنة، تمحو سيئة وترفع درجة، وأما حلقك لرأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، وأما رميك الجمار فإنه مذخور لك، وأما مسح الحجر الأسود والركن اليماني فإنهما يحطان الخطايا حطاً، وأما وقوفك بـ عرفة فإن الله يباهي بك الملائكة، وترجع من الحج وقد خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، عندما يتأمل الإنسان هذه المسألة يهون عليه الأمر ولا يسوف المهمات الكبيرة. أما إذا كانت المهمة قابلة للتجزئة، فحاول أن تجزئ العمل الكبير إلى أجزاء صغيرة، وهذا تجده يفي كثيراً، وهو علاج للتسويف بحيث تستطيع أن تعمل عدة خطوات في البداية بسهولة فيسهل عليك الباقي، مثلاً: لو أن إنساناً كلف ببحثٍ في الجامعة مثلاًً وهذا البحث كبير فعليه أن يجزيء هذا البحث إلى أجزاء صغيرة جداً، فيكون: أولاً: إيجاد الموضوع. ثانياً: البحث عن المراجع. ثالثاً: توفير المراجع. رابعاً: قراءة المراجع. خامساً: وضع علامات على الأشياء التي تريد أن تنقلها. سادساً: نقل هذه الأشياء ببطاقات. سابعاً: ترتيب البطاقات. ثامناً: تبييض المسودة. تاسعاً: طباعة البحث وتغليفه وهكذا. هذه المهمة أمكننا أن نجزئها إلى أجزاء، هذه الأجزاء تساعدك وتسهل لك إكمال البحث، لكن لو قلت: هذا البحث سوف أتمه من أوله إلى آخره فقد لا تستطيع، ثم تسوف وتقول: بعد ذلك ويقترب موعد تسليم البحث وأنت لم تعمل شيئاً بعد، وإذا كانت مشكلتك التسويف فلا تسوف في حلها، ولا بد أن تعلم -أيها الأخ المسلم- الفرق بين التسويف والتريث، فالتريث يعني: أن تنتظر الفرصة المناسبة فقد تكون الإمكانات والأدوات غير متوفرة ولم يحن الوقت المناسب بعد، بينما التسويف أن تدفع الأمر مع استطاعتك أن تعمله الآن، والحاجة إليه قد قامت، ووقته قد حان، ولكنك تتعذر بأعذار واهية، تقول: ليس عندي وقت ولا أستطيع أن أفعله لوحدي، سوف أنتظر غيري ليساعدني، سأحاول سأحاول وهكذا، يدفع الناس المهمات التي لا يقومون بها، ومعظم الأزمات في الأوقات تحدث عندما تؤجل الأشياء المهمة إلى آخر لحظة، فيكلف إصلاح الوضع عند ذلك طاقات كثيرة. وبعض الناس يشغلون أنفسهم بقضايا تشعرهم أنهم يستفيدون مع أنهم غفلوا عن أمور أساسية كثيرة، فيتهرب من الشيء المهم ويؤجله ويشغل نفسه بأشياء تافهة وجانبية، فلو أن إنساناً عنده غداً امتحان، فبدل أن ينشغل به مثلاً تجده يرتب الطاولة والخزانة والكتب، وينشغل بهذه الأشياء، ويقنع نفسه بأنه يفعل شيئاً مهماً بينما هو قد غفل عن الشيء الأساسي.

стр. 5321

تحديد أوقات نهائية لإنهاء المشروع ومن الأمور المساعدة في تنظيم الوقت وعدم التسويف تحديد أوقات نهائية لإنهاء المشروع، كتحديد وقت لقراءة كتاب مثلاً، تقول: لابد أن أنهي هذا الكتاب في تاريخ كذا، لكن هذا التاريخ ينبغي أن يكون مناسباً لطول الكتاب أو قصره وصعوبته وسهولته وهكذا، ولو أن الإنسان عجز عن الالتزام بأوقاته المحددة أمام نفسه، فإن من العلاجات أن يستعين بشخص آخر. إن الشخص قد يصعب عليه أن يلتزم بوقت ما بمفرده، افرض مثلاً أنك قررت أن تحفظ جزءاً من القرآن في خلال أسبوع، لكنك فشلت، حددت وقتاً آخراً، قلت: آخر وقت هو الأسبوع القادم يوم الجمعة، لكنك فشلت، ومددت الوقت ثلاثة أيام وفشلت فمن الأساليب أن تلتزم مع آخرين في هذا الحفظ، وهذا ما يؤكد أهمية التربية الجماعية مرة أخرى، وهناك خدعة إبليسية يقع فيها بعض الناس، فبعض الناس يقول: أعمل الشيء كاملاً (١٠٠%) وإلا لا أعمله، ولذلك أحياناً يستطيع أن يعمل (٧٠%) من العمل، لكن بحجة أنه لم يكمله إلى آخره، تراه يترك الموضوع. وبعض الناس يستطيع مثلاً أن يوفر المراجع ويقرأها، ويخطط للأشياء التي يريد أن يكتبها وينقلها، لكن لأنه لم يجد -مثلاً- أدوات معينة أو أوراقاً أو طباعة أو ملفات أو شيئاً من هذا القبيل؛ فتجده يترك العمل، مثلاً: أحدهم يبحث في عشرين مرجعاً فما وجد إلا خمسة عشر مرجعاً يقول: لا يوجد فائدة نقفل، فبعض الناس عندهم هذه المشكلة النفسية يقول: إما أن أعمله كله أو أتركه كله، ونحن نعلم القاعدة: ما لا يدرك كله، لا يترك جله أو بعضه.

стр. 5322

استغلال الوقت في النافع والمفيد والأهم الآن نحن عرفنا كيف نوفر الأوقات، ولكن السؤال الأهم: ماذا نعمل في هذه الأوقات التي وفرناها؟ نقول: أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك في كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها كما قال ابن القيم ﵀: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. بعض الناس يقول: هل الأفضل أن أستغل وقتي في الصلاة أو في قراءة القرآن أو حفظ العلم، أو في الدعوة، أو مساعدة أخ مسلم ماذا أفعل؟ أحياناً يضطرب الإنسان في تحديد الشيء الذي يملأ به وقته، فنقول: اسمع هذا الكلام للإمام ابن القيم ﵀ يقول: فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل ذلك إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلاً القيام بحقه أي: إذا جاء أحدهم ضيف، تجده يقول: والله إنًّ قراءة القرآن أنفع لي، فالحرف بعشر حسنات، وهذا الضيف دعه يذهب إلى الفندق أو المطعم وهذا أحسن له وأحسن لي، نقول: لا. (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). لو جاء لزوجتك وأولادك حق عليك في شراء حاجيات يريدونها؛ فلا تقل: أريد أن أنزل إلى السوق فإن فيه مفاسد وهذه الأشياء مادية فاتركني أذهب إلى الصلاة أفضل لي. والأفضل في أوقات السَّحَر الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار، والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال عليه، فالرسول ﵊ ترك خطبة الجمعة لكي يعلم أعرابياً جاء يسأل عن دينه، فأتى رسول الله ﷺ بكرسي، فقعد عليه في أصل المنبر وعلمه. فالأفضل في كل وقت بحسب الشيء القائم في ذلك الوقت. فإذا أذن المؤذن أيهما أفضل قراءة القرآن أو إجابة المؤذن وقراءة القرآن الحرف فيه بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف؟ يبقى الأفضل ترديد الأذان، والأفضل في أوقات الصلوات الخمس إقامتها على وجهها الصحيح، والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج المساعدة بالجاه أو البدن أو المال وإغاثة اللهفان ولو أدى ذلك إلى ترك الأوراد والأذكار وقراءة القرآن، وليس الأفضل في وقت الوقوف بـ عرفة شراء البيبسي والبارد والتسكع والتجول في الشوارع وبين المخيمات؛ ليأخذ فكرة عن الحج وعدد الحجاج، يدخل في بعثة الحج الفلانية ويطلع في البعثة الطبية الفلانية ويحضر من هنا، والوقت الآن وقت تفرغ للعبادة والدعاء. والأفضل في العشر الأواخر من رمضان الإقامة في المسجد والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى لو كان تعلم علم فالاعتكاف أولى. وعند مرض المسلم الأولى عيادته، وعند موته الأفضل حضور الجنازة والتشييع، وعند فساد الناس الأفضل الاشتغال بإصلاحهم ودعوتهم إلى الله . إذاً: عرفنا أنه إذا توفرت عندنا الأوقات؛ فإننا نشغلها بالأهم في كل وقت، ومن الأشياء المهمة معرفة الأولويات ما هو الأولى؟ ما هو الذي نقدمه على أي شيء؟ مثلاً في طلب العلم: وإذا طلبت العلم فاعلم أنه حمل فأبصر أي شيء تحمل وإذا علمت بأنه متفاضل فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل العلم إن طلبته كثير، والعمر في تحصيله قصير، فقدم الأهم فالأهم، لو أتيت تريد أن تنهي العلم لا يمكن، ينتهي عمرك ولا ينتهي العلم فماذا تفعل؟ تشتغل بالأهم، ومن شغل نفسه بغير المهم أضر بالمهم.

стр. 5323

أمثلة على الفوضوية في طلب العلم

стр. 5324

الاشتغال بعلم الكلام ومن أمثلة ضياع العمر: الاشتغال بعلم الكلام كما ندم على ذلك جماعة من القدماء منهم الرازي الذي يقول: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبالُ ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال في بحثنا: أي في علم الكلام. أنت يمكن أن تندم بسبب انشغالك بالأشعار أو تفاصيل القصص والتواريخ، لكن لا يمكن أبداً أن تندم إذا انشغلت انشغالك بالتفسير أو علوم السنة، ومعرفة معاني الأحاديث، فمعرفة معاني كتاب الله وسنة الرسول ﷺ أجل ما صرفت فيه أوقات طلبة العلم.

стр. 5325

الاشتغال بالأدوات أكثر من الانشغال بالهدف بعض الناس يشتغلون بالأدوات أكثر من انشغالهم بالهدف، فيشتغل باللغة أكثر مما يشتغل فيما هو الهدف من دراسة اللغة، وهو الوصول إلى فهم القرآن والسنة، وبعضهم يقول: أنا أستغل وقتي وأقرأ ست ساعات في اليوم، فإذا نظرت في أي شيء يقرأ؛ وجدت أن خطة الشيطان في اشتغاله بالمفضول عن الفاضل قد تحققت، واللازم في طلب العلم طلب المهم، فرب واحد يأتي على حديث يحفظ له اثنا عشر طريقاً أو عشرين طريقاً مثل: (من أتى الجمعة فليغتسل) لكنه ينشغل بذلك عن معرفة آداب الغسل.
следующие страницы →