← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

النصيحة بين التملق والتشهير أحياناً تخرج النصيحة عن كونها نصيحة إلى كونها تشهير، فتجد عبارات التجريح منهالة على الشخص المنصوح، وقد نسي الناصح الفكرة تماماً ونسي الموضوع، وبدأ الآن يجرح في الشخص المنصوح، فتخرج النصيحة عن كونها نصيحة إلى أن تصبح تشهيراً وتجريحاً، وأحياناً تخرج النصيحة عن كونها نصيحة إلى أن تصبح تملقاً وتزلفاً، فتجد هذا الشخص عندما يكون مع مديره -مثلاً- في العمل أو مع إنسان مسئول عنه، ويحتاج الوقت إلى نصيحة -يحتاج إلى أن ينصح هذا المسئول أو أن ينصح هذا المدير- فتجد النصيحة فيها من التميع والانحراف في مضمونها لذات الشخص أو لأجل هذا الشخص أو لمنصب هذا الشخص ما يجعلها تملقاً وتزلفاً، وتجد العبارات تنطلق بالمدح والثناء وتصحيح وضع هذا الشخص وتطمينه أنه بخير، مع أنه منغمس إلى آذانه في أوحال المعاصي والأخطاء. فينبغي -أيها الإخوة- أن نعدل: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] وأن نحق الحق وألا نميل يميناً أو يساراً ونحن نعرف دين الله وننصح الناس. النصيحة عبادة ومسئولية، فإذا انقلبت إلى تجريح أو تشهير أو تملق أو تزلف فقد خرجنا بدين الله تعالى عن الطريق الصحيح إلى أغراض أخرى شخصية ومطامع دنيوية، لا تلبث أن تميت قلب الناصح.

стр. 5462

النصيحة بين التدرج وعدمه أحياناً يكون من الحكمة في النصيحة أن تتدرج أثناء عرضها، شخص -مثلاً- يرتكب مجموعة من المنكرات وأنت ترى أن تنصحه في أكبر هذه المنكرات، تبدأ بالمنكر الأكبر مثلاً، لا يعني هذا تدرجك في عرض النصيحة عليك أن تنصحه في هذه المسألة أولاً، وبعد فترة من الزمن تفتح معه موضوعاً آخر، وبعد فترة ثالثة تفتح موضوعاً ثالثاً وهكذا هذا لا ينافي صراحة الإسلام، ولا ينافي عرض الحق على الناس، لأنك لا تلغي هذا المنكر من حسبانك أو تهمله تماماً، وإنما تؤجله إلى وقته المناسب وفي نيتك أنك ستطرحه في يومٍ من الأيام عندما ترى الوقت مناسباً بدون دخول الهوى في الموضوع؛ لأنه إذا دخل الهوى فإن الوقت المناسب لن يأتي أبداً، وأحياناً يتطلب أن تنصح الشخص بجميع ما فيه، مثلاً: أنا وجدت شخصاً في طريق وهو مسافر، ولن أجد هذا الشخص مرة أخرى، أو يغلب على ظني أني لن ألقاه مرة أخرى، ولن يكون عندي الوقت أصلاً حتى أتدرج معه؛ لأني لم أمكث معه فترة طويلة من الزمن، فوجدت عليه منكراً من المنكرات في مظهره، فلا بأس أن أكلمه مباشرة، لأن هذا هو الوقت الوحيد، واتبع قاعدة: قل كلمتك وامشِ، تقول له: يا أخي! هذا الذي تفعله -مثلاً- في مظهرك يخالف الإسلام، فأحياناً يكون التدرج حكمة، وأحياناً يكون تمييعاً للفكرة الإسلامية، وأحياناً يكون عرض النصيحة بشكل يمس جميع الأشياء الواقعة في هذا الشخص من المنكرات تهوراً ومنفراً، وأحياناً يكون حلاً بل هو الحل الوحيد. فإذاً: على الداعية إلى الله الناصح أن يميز في المواقف والأوقات والأحوال، بين ما هو مناسب في التدرج وعدمه.

стр. 5463

النصيحة بين التلميح والتصريح إن من الحكمة أن تكون النصيحة بأسلوب التلميح وليس بأسلوب التصريح، فأسلوب التلميح من الأساليب الناجحة إذا أحسن استخدامه، والرسول ﷺ كان يستخدم هذا الأسلوب، وكان يقول مثلاً: (ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا) لم يكن يصرح بأسمائهم، والشخص يعرف بينه وبين نفسه وهو يقارن الكلام المعروض أنه من هذا النوع أم لا، أم أنه مقصود بالكلام أم لا، "ما بال أقوام" من الأساليب المهمة في النصيحة التي فيها تلافٍ كبير لقضية التشهير والتجريح، أو التأثر السلبي من أصحاب النفوس المفرطة في الحساسية. وقد يكون التلميح استعماله خاطئ عندما لا يفهم الشخص الآخر ماذا تقصد، فبعض الناس يلمح ويستخدم شطارته في التلميح، ولكن هذا التلميح يؤدي إلى عدم وضوح الفكرة أبداً عند الشخص المنصوح، لا يفهم ماذا تقصد من كثرة التلميحات صارت النصيحة عبارة عن ألغاز ومعميات لا يمكن فكها ولا حلها ولا فهم المقصود منها، فإذاً لكل ميدان رجال، ولكل مقام مقال، فلا بد من استخدام التلميح لأنه أسلوب جيد في بعض الأحيان، لكن إذا كان الشخص لم يفهم من التلميح، فهنا ينبغي المصير إلى التصريح الذي يوضح القضية؛ لأنه ما فهم ولا تلقى الفكرة ولا وصلت مداركه إلى فهم المغزى، فلذلك يكون استخدام التصريح في هذه الحالة بأسلوبه الشرعي وحدوده وآدابه الإسلامية من الأمور المفيدة. والإكثار من التلميح قد يكون ذو سلبية في بعض الأحيان، فمثلاً تجد في بعض المجالس ناصح يقول: بعض الناس يفعلون كذا، وبعض الناس كذا، وبعض الناس كذا، هذه طريقة ليست ناجحة دائماً، بل إنها قد تسبب كراهية للناصح؛ لأنها عبارة عن لمز من طريق خفي، إذا تكررت تصبح إيذاءً، والمنصوح يشعر بأنك تغمزه بنوع من الإيذاء، ففي هذه الحالة لا يكون من الحكمة في النصيحة استخدام نقطة بعض الناس وبعض الناس، كما يفعل البعض.

стр. 5464

النصيحة بين التعميم والتخصيص النصيحة بين التعميم والتخصيص، هذه من النقاط المهمة وقد ذكرنا لها مثالاً قبل قليل وهو قول الرسول ﷺ : (ما بال أقوام) بأسلوب التعميم، وأحياناً كان الرسول ﷺ يخصص في النصيحة ويذكر اسم الشخص أو صفاته ويبين ويوضح بحسب ما تقتضيه المصلحة.

стр. 5465

أمور تساعد على تقبل النصيحة من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة ما يلي:

стр. 5466

ذكر إيجابيات الشخص المنصوح أولاً: ذكر الإيجابيات والثناء على الحسنات للشخص المنصوح، كل شخص مهما كان شريراً فإن فيه جوانب خير وفيه إيجابيات، فإذا أردت يا أخي الناصح أن تكون نصيحتك ذات وقع حسن، فعليك أن تذكر في ثنايا الكلام وطيات الحديث شيئاً من إيجابيات الشخص الذي يقف أمامك يستمع النصيحة، وشيئاً من مزاياه الطيبة، والرسول ﷺ كان يستخدم هذا الأسلوب مع الكفرة، حيث كان يستميل قلوبهم بتلك الألفاظ الحسنة التي فيها ذكر لبعض سجاياهم، حتى مع المسلمين كان ﷺ يستخدم هذا الأسلوب، كان يقول: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) لأن هذا الرجل فعلاً فيه هاتان الخصلتان، والرسول ﷺ قال لـ أشج عبد القيس وكان من عظماء قومه يتألف قلبه ويستميله ويثني على ما فيه من الخصال الحميدة لأهداف متعددة، حتى يستأنس هذا الشخص ويميل قلبه ويقتدي الآخرون بهذه الصفات الحميدة التي عند هذا الرجل. إذاً: استخدام عبارات الاستمالة في النصيحة من الأمور المشجعة على قبولها، فمثلاً عندما تقول: يا أخي! مثلك لا يخفى عليه أن هذا الأمر كذا وكذا، أو تقول مثلاً: أنت يا أخي! في مقام أعلى من أن ترتكب هذا الأمر، أو أنت -مثلاً- أوعى من أن يصدر منك هذا الفعل السيئ، أو تقول له معنى قول الشاعر: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام تقول: يا أخي! أنت الحمد لله عندك ميزات وعندك قدرات وإمكانيات، وعندك كمال في جوانب كثيرة، وعندك استعداد لتكمل النقص في نفسك في الجوانب الفلانية، فهلا أكملت النقص في هذه الأشياء، والحمد لله أن الله أعطاك قدرات ومواهب وأعطاك إمكانية واستطاعة لتتلافى هذه الأشياء، وتؤسس في نفسك الخصال الحميدة الفلانية، وتمنع هذه الأخلاق الرديئة من البروز والظهور بصبرك على نفسك، وبقوة نفسك وشخصيتك تستطيع أن تفعل كذا وكذا، هذه من العبارات التي تستمال بها قلوب الناس. وأحياناً يقول الإنسان: هذه أساليب مكشوفة، أو يقول: هذه كلمات رخيصة وأساليب ممزوجة ومكشوفة وليس هناك داعٍ لاستخدامها. الحقيقة أن هذا ليس بصحيح على إطلاقه، لأنك أحياناً قد تستخدم هذا الأسلوب مع بعض الناس، مثلاً -يا أخي- أنت لا يتناسب مع مكانتك أن تفعل كذا، لكن لو استخدم معه هذا الأسلوب فإنه يتأثر به تأثراً إيجابياً مع أنه هو يستخدمه، هذا يلاحظه الشخص أحياناً على نفسه، فلذلك لا يقول الناصح: والله هذه أساليب مكشوفة، وهذه القضايا مستهلكة، لا. هذه أشياء مهمة، حتى مع أن المنصوح يعرفها لكنها ذات أثر عليه.

стр. 5467

ذكر نقاط الاتفاق من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة: إذا أردت أن تنصح فتكلم أولاً على نقاط الاتفاق حتى يصل المنصوح معك إلى نوع من الاستئناس يجعله مهيئاً لتقبل النصيحة، مثلاً: أريد أن أكلم شخصاً عن منكر يقع فيه، لو أننا عندما نكلمه نذكر له المنكر مباشرة، أو الشيء الذي نخالفه فيه، نخالفه في فكرة، نخالفه في تصور، شخص يحمل فكرة منكرة أو تصوراً خاطئاً، مثلاً شخص متعصب لرجل من الرجال لو جئته مباشرة وقلت له: التعصب مذموم، وأنت متعصب وتأخذ بأقوال فلان من غير دليل وترمي بأقوال الناس الآخرين ما عندك تمييز، فإذاً: عرض نقطة الاختلاف مباشرة من الأمور التي تصد عن قبول النصيحة، لكن لو عرضت نقاط الاتفاق في البداية يحس الشخص الآخر بأنه قريب منك جداً، فعندما تعرض نقطة الاختلاف فيما بعد يكون وقع العرض عليه وقعاً إيجابياً أو على الأقل فيه مجال للتقبل بخلاف ما لو عرضت نقطة الاختلاف في البداية، وهذا نستفيد منه حتى في المناقشات الفقهية التي فيها اختلاف في الأحكام، هذه من الأمور المهمة، عندما أقول للشخص: يا أخي! إن الله يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١] لا يمكن أن يختلف معي في هذه المسألة يا أخي! الله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] يا أخي! هل أنت تتفق معي في أنه إذا صح الحديث عن الرسول ﷺ يجب المصير إليه وأن هذا الحديث عن الرسول ﷺ حجة؟

стр. 5468

معرفة الناس في مراتبهم وطبقاتهم من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة: معرفة الناس في مراتبهم وطبقاتهم، وقد أمر رسول الله ﷺ الصحابة أن ينزلوا الناس منازلهم، فنصح الصغير ليس كنصح الكبير، الصغير أحياناً لو شددت عليه في الكلام يسمع ويطيع، والرسول ﷺ قال: (واضربوهم عليها لعشر) لكن لا يمكن أن تضرب شخصاً عمره إحدى وعشرون سنة أو ثلاثون سنة على الصلاة، هل تعتقد أن هذا أسلوباً ناجحاً؟ لكن يمكن أن يؤثر الضرب في شخص عمره عشر سنوات إحدى عشر سنة اثنا عشر سنة، يمكن أن يؤثر الضرب فيه ويحمله على الصلاة. فإذاً نصح الكبار ليس مثل نصح الصغار، ونصح أرباب المنزلة أو الجاه أو المال ليس مثل نصح من ليس عنده هذه الأشياء، فإنزال الناس منازلهم ومعرفة طبقاتهم ومراتبهم من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة. نصح المثقف ليس مثل نصح العامي، ونصح الجاهل ليس مثل نصح المتعلم وهكذا.

стр. 5469

نقد الفكرة دون التعرض لقائلها أيضاً من الأمور المساعدة على تقبل النصيحة: نقد الفكرة نفسها دون التعرض لقائلها نقد الفكرة تصويباً أو تخطئة من الأمور المؤثرة بينما لو تعرضت للقائل فإن النفوس ستتجه من محبي هذا القائل إلى الدفاع عنه، فتخرج القضية عن كونها نصيحة في تعديل فكرة من الأفكار إلى كونها تجريح وتعديل فلان من الناس. فإذاً: الناصح عندما ينصح يحاول أن ينقد الفكرة لا أن ينقد الشخص الذي يقول الفكرة بالدرجة الأولى؛ لأن الناس إذا نقدت الأشخاص أمامهم وفيهم حب لهؤلاء الأشخاص فإنهم يرفضون نصيحتك، لكنك لو عرضت الفكرة من دون أن تقول: قال فلان؛ لأن نسبة الكلام إلى القائل من الأمور التي تحمل الشخص على رفض الفكرة أو النصيحة التي توجهها إليه. وسبق أن تكلمنا عن هذا الفرق بين النصيحة والغيبة، ولكن أحياناً يضطر الناصح إلى أن يتكلم على الناس، أو إذا كانت الفكرة لا يمكن تعريفها إلا بذكر الشخص، مثلاً: السلف كانوا يذكرون الجهمية ونقد فكرة الجهمية، هذه الفكرة لا يمكن أن تعرف إلا بهذا الاسم، والجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي اخترع الفكرة وهكذا. فأحياناً يكون ذكر الاسم لتحذير الناس من رجل مبتدع أو منحرف انحرافاً خطيراً، أو يخشى عليه من حب الرئاسة مثلاً، أو أن يتأثروا به تأثراً سلبياً يكون من الأمور المطلوبة. كذلك لا بد أن نعلم أن لكل نفس باباً وإليها طريق، فهذا يدخل إليه من باب الثناء مثلاً، وهذا يدخل إليه من باب العاطفة، وهذا يدخل إليه من باب التسلسل الفكري، وهذا يدخل إليه من باب التهديد والتخويف، وهذا يزعجه التطويل ويحب الاختصار، وهذا يؤثر فيه الشرح والبيان وهكذا فالناس أنواع. وانتقاء الأسلوب المناسب لكل شخص منهم مطلوب، وأحياناً تكون هناك عبارتان تؤديان نفس المعنى، فعبارة تجد لها مكانة في النفس، والأخرى تكون مرفوضة. هذه قصة تروى عن أمير في الماضي رأى رؤيا، فأتى بأحد رعيته أو حاشيته لكي يعبرها له، فقال له: إن تعبير رؤياك أن أهلك سيموتون كلهم، فضربه وحبسه وطرده، ثم عرض الرؤيا على شخص آخر، فقال له: إن معنى هذه الرؤيا: أن الله سيطيل في عمرك حتى تكون آخر أهلك موتاً انظر الفرق! المعنى: أنهم سيموتون قبله، لكن ذاك قال: معناه أن أهلك كلهم يموتون، وهذا قال: إنها ستطول بك الحياة حتى تكون آخر أهلك وفاةً، نفس المعنى، ونفس المؤدى، لكن طريقة التعبير اختلفت، فأكرمه وكافأه وأثنى عليه. قد تكون الكلمة أحياناً لها عكس معناها، ونفس الكلمة لها معنى ولها معنى معاكس، ونعرف هذا باختلاف الأحوال والقرائن التي تقترن بها أثناء عرضها، مثلاً: إذا خرجت مع زميل لك من العمل آخر الدوام وأنت مرهق جداً، فوصلته بسيارتك إلى باب بيته، فإذا نزل من الباب ماذا يقول؟ تفضل معنا، معناها: مع السلامة، صحيح هذا معناها، وأحياناً يكون معناها: تفضل، إكرام صحيح يقصد بها هذه الكلمة، وأحياناً يكون معنى تفضل أي: مع السلامة؟ حسب الواقع. كذلك أحياناً يكون شخص يتكلم فيأتي آخر يريد أن يدخل في العرض بالكلام، فيقول له مثلاً: لا أريد أن أقطع كلامك، ويأتي بالكلام الذي وراءه، كيف وهو قد قطع كلامه؟ انظر العبارات! وأحياناُ يطيل الزائر الزيارة، فجاء صاحب البيت وتململ، فذاك يريد أن يستأذن من أجل أن يمشي، فيقوم صاحب البيت يجامل ويقول: اجلس عندنا، وهو يريد أن يمشي، اجلس عندنا معناها: امش بسرعة. إذاً ينبغي انتقاء الكلمات حتى يكون الأسلوب ناجحاً، هذه النصيحة مثل العرض تعرض بضاعة أو سلعة، لكن هناك فرق بين من يعرض السلع الدنيوية ومن يعرض السلع الأخروية، إذا كان هؤلاء أصحاب علم التسويق يزينون السلعة ويحرصون حرصاً شديداً على أن تظهر السلعة بأجمل منظر للمستهلك، فلماذا نحن الدعاة إلى الله المسئولون عن الإسلام المكلفون من الله بنشر الدين لا نستخدم أساليب الجذب الشرعية لتسويق الفكرة الإسلامية بين الناس إن صح التعبير؟

стр. 5470

اقتران النصيحة بالموعظة كذلك من عوامل نجاح النصيحة: اقترانها بالموعظة التي فيها تذكير بالله، وتذكير بالجنة والنار لها نماذج كثيرة في عهد السلف رضوان الله عليهم، ومن بعدهم من الصلحاء الناصحين والعلماء. خطاب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز، وخطاب سفيان الثوري إلى هارون الرشيد من النصائح المؤثرة جداً، وتجد فيها مواعظ كثيرة وتذكير بالله ، ولذلك ترى أثر خطاب سفيان الثوري على هارون الرشيد وخطاب الحسن البصري على عمر بن عبد العزيز كان قوياً جداً لاقتران هذه النصائح بالموعظة، وأنا أسوق لكم الآن نموذجاً واحداً من النصائح التي حصلت في بلاد الأندلس. لما بنى عبد الرحمن الناصر مدينته الخالدة الزهراء في الأندلس تفنن في بنائها وجعلها من أعاجيب المدن في العالم، وكان مما بناه فيها الصرح الممرد، اتخذ قبته قراميد من ذهب وفضة حتى أنفق عليها من خزينة الدولة مالاًَ عظيماً، وكان في قرطبة عالمها الفقيه الجريء المنذر بن سعيد، فهاله انهماك الخليفة الناصر في بناء الزهراء وما أنفقه من أموال الدولة عليها، وكان الناصر يحضر صلاة الجمعة في الجامع، ويستمع إلى خطبة قاضيه منذر بن سعيد، فوقف الخطيب يخطب الجمعة، وكان مما بدأه في تقريع الناصر على إنفاقه الأموال وانهماكه في بناء الزهراء أن تلا قول الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٥] ثم وصل ذلك بقول الله تعالى: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء:٧٧] ثم أخذ يذم تشييد البنيان والإسراف في الإنفاق حتى خشع القوم وبكوا وضجوا، ثم التفت إلى الناصر وقال له أمام الناس يومئذ: ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يبلغ بك هذا المبلغ، ما ظننت أن الشيطان يضحك عليك ويوصلك إلى هذه الدرجة، ولا أن تمكنه من قيادتك هذا التمكين، سلمت قيادتك للشيطان مع ما آتاك الله وفضلك به على العالمين، حتى أنزلك الله منازل الكافرين، فاقشعر الناصر من قوله، وقال: انظر ماذا تقول، كيف أنزلتني منازلهم؟ فكر كيف تتحدث، كيف تضعني منازل الكافرين؟ قال: نعم أليس الله ﵎ يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٤] هذه لمن؟ فوجم الخليفة ونكس رأسه ملياً ودموعه تجري على لحيته خشوعاً لله ﵎ وندماً على ما فعل، ثم أقبل بعد انتهاء الخطبة والصلاة على قاضيه المنذر بن سعيد، فقال له: جزاك الله خيراً يا قاضي عنا وعن المسلمين، وكثَّر في الناس أمثالك، فالذي قلت والله لهو الحق، وقام من مجلسه ذلك وهو يستغفر الله، وأمر بأن ينقض سقف القبة وأن تكون قراميدها تراباً. فإذاً اقتران النصيحة بالموعظة، كالتذكير بالله ، وذكر الجنة والنار وعذاب القبر، وذكر الأشياء الإيمانية المؤثرة، والتذكير بعظمة الله وصفاته من الأمور التي تجعل النصيحة ذات وقع على الناس، وتوجيهها إلى الكبار ونصحهم وهزهم بهذه الآيات له أثر كبير أيضاً.

стр. 5471

هل يشترط في النصيحة أن تكون شفوية ؟ قد يظن الناس أن النصيحة هي النصيحة الشفوية فقط، ولكن كثيراً ما تكون النصيحة المكتوبة أجدى وأنفع من النصيحة الشفوية مثلما وقع في خطاب الحسن البصري وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى. أحياناً تكون النصيحة عبارة عن شريط يحمل في طياته تبيين مسائل وتصورات ومفاهيم، وتبيين أخطاء ومنكرات، فيكون هذا الشريط من وسائل النصائح المؤثرة، ويؤثر هذا كثيراً في حالات، منها: أن يكون بينك وبين المنصوح سوء تفاهم أو علاقات غير حسنة، فكونك تأتي وتكلمه شفوياً هذا قد يسبب نوعاً من الأخذ والعطاء والجدل والمراء في الموضوع، فعندما تكتب له كتابة أو تعطيه شريطاً يتضمن ما تريد أن تكلمه عنه فإنه يزيل هذه السلبية، أو إذا كان الشخص من طبيعته المراء والجدال، ولا يمكن أن تكلمه بكلمتين -مثلاً- إلا ويدخل بينهما كلمة من عنده، ففي هذه الحالة يكون نصحه عن طريق الكتابة إليه وهي من الأمور المناسبة، لأنه ليس من المعقول أن شخصاً يأتيه خطاب أو كتاب فيه نصيحة فيقرأ سطرين ويغلق ثم يرد عليهما، لا يمكن أن يفعل هذا، بل تجده يسترسل في القراءة إلى الأخير، فتأتيه الفكرة كاملة واضحة مستتمة، بخلاف ما إذا ناقشته بنفسك وتحول الموضوع إلى جدل وأخذ وعطاء. كذلك يكون استخدام هذا الأسلوب مناسباً إذا كنت لا تريد أن يعرف المنصوح من الذي نصحه، فأحياناً يكون ذكر الاسم فيه حساسية معينة قد لا يقبل الشخص، وإذا لم يعرف اسمك يقبل، فلذلك يكون عدم ذكرك للاسم بطريق الكتابة من الأساليب الطيبة، وهذه الأشياء يكون لها تأثير بإذن الله إذا أخلص الإنسان النية ولو بعد حين، فقد حدث مرة من المرات أن أحد الناس الذين هداهم الله كانت له أخت لا تتحجب، فكان مسافراً على عجل فأهدى لها شريطاً عن الحجاب، وكان سفره طويل وبعيد، فرجع بعد فترة طويلة ووجد أن أخته قد تحجبت، فسألها قال: سبق أن تكلمنا في هذا الموضوع تكراراً، لكن ما هو السبب؟ فقالت: أتذكر ذلك الشريط الذي أهديتني إياه مرة من المرات كان هو السبب المؤثر في نفسي فتحجبت، وأحياناً كما تقول الحكمة: وما السيل إلا اجتماع النقط. ومن الأمور التي ينبغي الانتباه لها أنه لا يشترط أن تكون النصيحة مؤثرة، بمعنى أن بعض الإخوة عندما قرأ العنوان قال: النصيحة المؤثرة، بمعنى: كيف نبكي الناس ونجعلهم يتأثرون إلى درجة البكاء، لا. لا يشترط في النصيحة أنك إذا نصحت إنساناً لا بد أن يبكي لا يشترط في النصيحة المؤثرة الناجحة أن يبكي المنصوح، لا. ولكن أن تتبين نجاح النصيحة من عدمها بالأثر الذي لاقته في نفس المنصوح، فبعض الناس يظن أن المنصوح إذا لم يبك ولم تذرف عيناه بالدموع أنه لم يتأثر، لا. قد يكون هناك رجل يملك نفسه ويملك عاطفته ولا يستجيش بسهولة وتنطلق منه العبرات ويتأثر، فإذاً: التأثر الشكلي -البكاء- ليس من علامات النجاح، بل إن بعض الناس قد يبكي عند سماع نصيحة أو موعظة، ولكن إذا فارق المجلس انتهى كل شيء، فالعبرة بالمادة والأسلوب الذي يلقى على نفس ذلك الشخص فيتأثر بإذن الله. كذلك: ينبغي معرفة التوقيت الصحيح للنصيحة وخصوصاً إذا كانت النصيحة تهدف إلى علاج الأخطاء. فينبغي كما يقول بعض الكتاب الإسلاميين ألا تكون النصيحة بعد الخطأ بفترة طويلة، فينسى الشخص المخطئ خطأه ويصبح التعليق بارداً جداً، بل إنه لا بد من الضرب على الحديد وهو ساخن؛ لأن الحديد إذا كان ساخناً فإنه يسهل تشكله، فتأخير النصيحة على الأخطاء إلى أمد بعيد له عدة سلبيات، منها: إشعار المذنب بأن ما فعله كان صحيحاً، وإلا لماذا لم يعترض علي؟ إذا تأخرت النصيحة على الخطأ فترة طويلة فإن الشخص يطمئن إلى واقعه ويرضى بالواقع، ويقول: لو كان خطأ لاعترضوا علي. ثانياً: إذا جاءت النصيحة متأخرة يكون في نفس المنصوح شيء من الشيطان، ما الذي دفع الناصح أن ينصح الآن بعد هذه الفترة هذا بلا شك دافع شخصي، لماذا تأخر وجاء الآن يبلغني النصيحة عن الموضوع؟ هناك حاجة شخصية، لو كان يريد أن ينبه لنبه من قبل، لكن الآن بعد أن صارت مشكلة بيني وبينه ظل يتصيد الأخطاء ويفكر في الماضي، فأخرج لي مجموعة من النصائح. ثالثاً: برود الحدث وعدم وجود القابل النفسي للاستجابة، هذه بعض السلبيات التي تترتب على تأخير النصيحة عن الأخطاء، ولكن قد يكون من المصلحة أحياناً التأخير خاصةً إذا كانت نفس المنصوح أو المخطئ مضطربة جداً بحيث أنه لا يقبل أي كلام، فتأخير النصيحة حتى تهدأ نفسه وتستقر الأمور وتتضح المواقف من الأشياء المهمة.

стр. 5472

آداب المنصوح وواجباته ننتقل أخيراً إلى المنصوح: (المؤمن مرآة أخيه) كما يقول الرسول ﷺ ، وصديقك من صدَقك لا من صدّقك، من أعطاك الصدق في نفسه لا من صدّقك؛ الذي كلما أتيت له بكلامٍ قال: صادق، صادق، صادق، فصديقك من صدَقك لا من صدّقك. الحرص من المنصوح على النصيحة أمرٌ مهم، لأن العين كما قال الشاعر: العين تبصر منها ما دنا ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة فالشخص يرى ما أمامه في الآخرين، سواء كان قريباً أو بعيداً، لكنه لا يرى نفسه إلا بمرآة حقيقية، ولذلك انظر إلى بلاغة الوصف النبوي عندما قال الرسول ﷺ : (المؤمن مرآة أخيه) لماذا كان مرآة؟ لأنه يعكس له صورته وعيوبه ومحاسنه بالنصائح. قال عمر بن عبد العزيز: [من وصل أخاه بنصيحة له في دينه ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته وأدى واجب حقه]. وقال بعضهم: من نصحك فقد أحبك، ومن داهنك فقد غشك، ومن لا يقبل بنصحك فليس بأخ لك.

стр. 5473

البحث عن الناصح أيها الإخوة: من الأمور المهمة للمنصوح أن يبحث عن الناصح، يأخذ إخوانه المقربين والناس الذين حوله فيسألهم: يا أخي فلان! ماذا تجد علي؟ بصرني بعيوبي، هل لك ملاحظات؟ إذاً طلب النصيحة يدل عليها قول الرسول ﷺ : (وإذا استنصحك) زيادة الألف والسين والتاء تدل في اللغة العربية على الطلب، استنصحك: طلب النصيحة، استكتب طلب الكتابة، استشار طلب المشورة وهكذا. فمن صفات المؤمن أنه يطلب النصيحة من الآخرين، هذا من أول واجبات المنصوح أنه يبحث عن الناصح الأمين.

стр. 5474

طلب النصيحة ثانياً: أن يكون هو الذي يطلب النصيحة، لا ينتظر حتى يأتيه الناس وينصحونه، ولو أن كل شخص فينا طلب النصيحة من الآخرين فإن الأخطاء تقل إلى درجات متدنية جداً.

стр. 5475

تقبل النصيحة ثالثاً: تقبل النصيحة من الأمور المهمة، بل هو عماد القضية كلها وأساسها. فهذا موسى ﵇ لما جاءه الرجل قال له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] ماذا فعل موسى ﵇؟ ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] مباشرةً، لم يقل: أنا أستطيع أن أدبر أموري ونفسي، وأستطيع أن أختفي وأنا ماهر: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] لأن ذلك الرجل كان قد اطلع على أحوال القوم وتبصر بالأمور التي لم يعرفها موسى ﵇، فلذلك قال: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢٠ - ٢١] بادر بتنفيذ النصيحة فوراً. وبعض الناس من المنصوحين يتقبلون النصيحة بالقول، يقول: جزاك الله خيراً، ما قصرت، وأنا مخطئ، وإلى آخره، وكلامك صحيح، لكنه عملياً لا يطبق، هذه هي المشكلة. والرسول ﷺ أمرنا أن نبحث عن الناصح حتى في الأشياء التي قد تبدو ليست ذات أهمية، فالرسول ﷺ قال في الرؤيا -إذا رأى الإنسان رؤيا في المنام- ألا يقصها إلا على واد أو ناصح أو ذي علم، لماذا يقص الرؤيا على الناصح؟ حتى لا يؤول له الرؤيا بتأويل سيئ فتقع كما أخبر، لأن الرسول ﷺ يقول: (الرؤيا على رجل طائر تقع على ما تعبر به) فإن عبرها بسوء وقعت كما أخبر، وإن عبرها بشيء حسن وقعت كما يقول، هذه من العجائب التي أخبر بها الرسول ﷺ . إذا رأيت رؤيا فلا تقصها إلا على واد -بينك وبينه مودة- أو ناصح، أو إنسان عنده علم يفسر لك الأمور، فنطلب الناصح حتى في تفسير الرؤى. وهناك قصة مهمة جداً لكن لن نستعرضها الآن وإنما سنشير إليها إشارة: ذات مرة في موسم الحج كان عمر ﵁ مع الناس، فقام أحدهم وقال: والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، والله لئن مات عمر لأبايع فلاناً أو فلاناً، فغضب عمر ﵁ غضباً شديداً لما بلغه الكلام وهمَّ أن يقوم وينصح ويكلم الناس، ويأمر ويؤنب هذا الشخص على فعلته ويبين القضية؛ لأن القضية خطيرة، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، قال: يا أمير المؤمنين! انتظر حتى تقدم المدينة فإن فيها من أصحاب الرسول ﷺ وعلماء الناس وفقهائهم من إذا سمع الكلام أداه كما سمعه وعرفه وفهمه، فأخذ عمر ﵁ بنصيحة عبد الرحمن وانتظر حتى قدم المدينة فتكلم، فكان لكلامه وقعٌ طيب وأثرٌ كبيرٌ على الناس. والقصة في الصحيح ولعلنا نقف عندها وقفات في المستقبل إن شاء الله. كذلك كان عمر ﵁ يوماً مع أصحابه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! اتق الله، فقال بعض الحاضرين لذلك الرجل: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟! فقال عمر: [دعوه فليقلها، لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها] عبارة ذهبية. فإذاً: لا يستهين الإنسان أن ينصح من هو أعلى منه، ولا يستهين المنصوح الكبير أن يطلب النصيحة ممن هو أدنى منه، فرب طالب علم أسدى لعالم نصيحة غالية، ورب مربٍ تلقى نصيحة ممن يربيه، وأب تلقى نصيحةً من ابنه لا تقدر بثمن، فإن بعض أذهان الناصحين قد تنقدح على معان وأمور لا تخطر ببال المنصوح أبداً، حتى ولو كان أعلى قدراً وأجل وأعلم، فلذلك لا يحمل المنصوح الأعلى منزلة ومرتبة أن يطلب النصيحة ممن هو أدنى منه. شبهة: بعض الناس المنصوحين يقول: إذا أنا قبلت كلام فلان فهذا يعتبر مطعن في شخصيتي، لماذا؟ يقول: هذا يدل على ضعف شخصيتي. أيها الإخوة: هذا على العكس تماماً، ليعلم كل منصوح بأنه إذا قبل النصيحة فإنه سيكون له في نفس ناصحه مكانةً عظيمة، يقول الشافعي ﵀: ما نصحت أحداً فقبل مني إلا هبته -خفت منه وعظم في عيني- واعتقدت مودته، ولا رد أحدٌ علي النصح إلا سقط من عيني ورفضته. إذاً لا بد أن يكون صدر المنصوح واسعاً ويتقبل خصوصاً من الناس الذين يصلون في المساجد، وبعض الناس ينصحون من بعض المصلين، فتجده تأخذه العزة بالإثم ويرفض النصيحة، ويقول: أنت أفهم مني؟ وهذا دين جديد، وأنت مبتدع إلخ بدون أن يقيس ويعرف الكلام وأدلة الكلام. كذلك من آداب المنصوح: أن يتيح الفرصة للناصح لإبداء النصيحة ويشجعه لإكمال كلامه واستفراغ المزيد مما عنده، لأن بعض الناس يقطع الكلام على الناصح ولا يريد أن يسمع أكثر من كذا. من الآداب أن يستزيد ويستفرغ ما عند هذا الناصح ويشجعه على إتمام النصيحة، ويشعره بأنه غير متحرج أبداً، وأن هذا لا يعتبر نقداً ولا تجريحاً وأنه يطلب منه أن يكمل كلامه.

стр. 5476

الدعاء للناصح في ظهر الغيب كذلك من آداب المنصوح: أن يدعو للناصح في ظهر الغيب، وأن يقول له: جزاك الله خيراً، لأن الله قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] هذا يحسن إليك بالنصيحة فأنت أحسن إليه، (من صنع لأخيه معروفاً فقال له: جزاك الله خيراً، فقد أجزل في الثناء). فإذاً هذا المنصوح إذا سمع النصيحة يقول للناصح: يا أخي جزاك الله خيراً، وواجبك أديته، وأنت مثاب إن شاء الله، وأنت مأجور على نصيحتك لي وهكذا. هذه طائفة من النقاط المتعلقة بالنصيحة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، لأن استماع القول واتباع أحسنه من صفات المؤمنين، فنسأل الله أن يجعلنا كذلك.

стр. 5477

الأسئلة هذه أسئلة عرضت على سماحة العلامة عبد العزيز بن باز فأجاب عليها جزاه الله خيراً.

стр. 5478

حكم التشقير السؤال امرأة تسأل عن التشقير؟ الجواب التشقير هو: صبغ يباع في الأسواق يرشوه على جزء من الحاجب بلون البشرة، بحيث يظهر للذي ينظر في الحاجب أنه نحيف، أي: كأنه منتوف ولكنه ليس كذلك؛ لأنه مصبوغ من الأعلى مثلاً أو من الحواف بصبغ مشابه للون البشرة، فبعض النساء سألن عن هذا، فتوجهت بهذا السؤال للشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله فقال: لا حرج في هذا؛ لأنه ليس نتفاً، إلا أن يكون الصباغ أسود فإنه منهي عنه، أما إذا كان غير ذلك فإنه لا بأس به.

стр. 5479

تجميل ما تشوه من الإنسان السؤال امرأة انكسر الجزء الأعلى من أحد نابيها، فتريد حك الآخر ليصبح بنفس الطول؟ الجواب قال الشيخ ابن باز: الظاهر أنه لا بأس به؛ لأنه ليس بتفليج، والتفليج تفريق الأسنان أو وشرها لأجل الحسن، وإنما نهي عنه لأنه نوع من المثلة، أي: الآن صار عندها نوع من التشوه، فهذا ليس تحسيناً وإنما حصل تشويه، وليس من أصل الخلقة، أي: لم يخلق سنه مكسور، فإزالة المثلة في هذه الحالة ليس بداخل في التفليج، ولكن ذكر الشيخ ابن عثيمين عند سؤالي له إضافة أخرى، قال: لكن هنا تلبس المكسور أولى من أنها تزيل من الأسنان، تلبس سنها شيئاً معدنياً بحيث يصبح في نفس الطول.

стр. 5480

وضع اليد على الصدر لمن يصلي قاعداً السؤال المصلي المريض الذي يصلي قاعداً أين يضع يديه؟ الجواب السنة للمصلي قاعداً أن يتربع كما ورد في الحديث الصحيح، فيقول الشيخ عبد العزيز: يضعها مثل الصحيح على صدره قبل الركوع وبعد رفعه من الركوع.

стр. 5481

حكم قول كفارة المجلس في الهاتف السؤال الثاني: هل يشرع قول كفارة المجلس بالهاتف؟ الجواب إذا تكلم شخصان في الهاتف، فإذا انتهوا هل تقال كفارة المجلس أم لا؟ فكان جواب الشيخ: ما أعلم هذا، أي: لا يعلم بأن هذا يقال في المحادثات الهاتفية، ولكن قال الشيخ: إذا كان لوحده، أي: أنا تكلم عليَّ شخص في الهاتف فرددت عليه ثم أغلقت السماعة، فإذا أردت أن أقوم من المجلس الذي تكلمت فيه فأقول دعاء المجلس ولو كنت وحدي؛ لأني تكلمت وحصل مني كلام في المجلس، فأقول دعاء المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 5482

حكم الصفرة والكدرة السؤال لو اتصلت الكدرة أو الصفرة بأول الحيض فهل تعتبر منه أم لا؟ الجواب من المعلوم أن الكدرة إذا اتصلت بالحيض من آخره فإنها تعتبر من الحيض، فإذا كانت المرأة يخرج منها كدرة في بداية الحيض قبل الدم متصلاً به، فيقول الشيخ: تعتبر منه كما أنها تعتبر منه في آخر الحيض، كذلك تعتبر من الحيض إن جاءت في أوله. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل والفقه في الدين. وصلى الله على نبينا محمد. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 5483

من هم أولياء الله ؟ تجد في هذا الدرس تعريفاً بأولياء الله، مع ذكر بعض صفاتهم، فولاية الله لها مقتضيات وثمرات. كما تحدث الشيخ عن الكرامات التي تحدث لأولياء الله سواء في الكتاب والسنة، أو من واقعنا المعاش، كما بين الفرق بين الكرامة التي تحدث لولي الله وبين الخوارق التي تحدث للسحرة والمشعوذين، وذَكَرَ الضابط في ذلك.

стр. 5484

تعريف بأولياء الله الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول الله جل وعلا في تعريف أوليائه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] وقد ورد حديث عظيم القدر، شريف المنزلة، قال العلماء: إنه أجل حديث في الأولياء، قالوا: إنه أشرف حديث روي في ذكر الأولياء وهو حديث رواه الإمام البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري رحمه الله تعالى. وفي رواية: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته). هذا الحديث العظيم يقول النبي ﷺ فيه عن ربه : (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ومعنى: (آذنته بالحرب) أي: أعلنت أني محارب له؛ لأنه يحارب أوليائي فأنا أحاربه، وأنا خصمه، وويل لمن كان الله تعالى خصمه، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله تعالى بالمحاربة، والله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا؛ لهوانهم على الناس، ولم يعرفوا؛ لأنهم ليسوا بأصحاب سمعة ولا شهرة، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة أنقياء أتقياء؛ لأن قلوبهم منيرة بذكر الله تعالى، فإذا دخلوا في الفتن خرجوا منها أحسن من الذهب الأحمر. أرأيت الخام إذا أريد استخلاص الذهب منه، فإنه يدخل في الفرن ويحمى عليه، وينفخ لتتطاير هذه الشوائب وما غطاه من الخلائف، ثم يصبح ذهباً أحمر نقياً لا شيء فيه، فكذلك أولياء الله، إذا فتنوا خرجوا من الفتنة وهم أقوياء أنقياء، فأولياء الله تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم، كما أنه يجب معاداة أعداء الله وتحرم موالاة أعداء الله، فكذلك تجب موالاة أولياء الله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١] وقال : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦] فهم الغالبون باللسان والبيان والحجة، وهم الغالبون بالسيف والسنان ولو بعد حين، والله تعالى وصف أحباءه الذين يحبهم ويحبونه، بأنهم أذلة على المؤمنين، إذا قال قائلهم أولياء الله، نقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]. من هم أولياء الله؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]. من هم أولياء الله؟ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] هؤلاء أولياء الله تعالى، هؤلاء الذين من أهانهم أو أخافهم فقد بارز الله بالمحاربة، وبدأه بالمحاربة، وعرض نفسه لسخط الرب وانتقامه، والله أسرع شيء إلى نصرة أوليائه، أفيظن الذي يحارب الله أن يقوم له ويقاومه؟ أويظن الذي يحارب أولياء الله أن يعجز الله تعالى؟ أويظن الذي يبارز الله أن يفلته ويفوته؟!! كيف والله يثأر له في الدنيا والآخرة، ولذلك لا يكل الله نصرة أوليائه إلى غيره، بل هو الذي ينصرهم .

стр. 5485

معاداة أولياء الله محاربة لله لنعلم -أيها الإخوة- أن جميع المعاصي محاربة لله تعالى، ولذلك قال الحسن البصري ﵀: [ابن آدم! هل بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه، لكن كلما كان الذنب أقبح كان أشد محاربة لله] ولهذا سمى الله أكلة الربا وقطاع الطريق محاربين لله ولرسوله؛ لعظيم ظلمهم للعباد، وسعيهم بالفساد في البلاد. وكذلك معاداة أولياء الله تعالى، قيل: إن آكل الربا يعطى يوم القيامة سيفاً أو رمحاً ويقال له: حارب ودافع، والله تعالى يحاربه، فكيف وأنّى تكون له الغلبة؟! ولذلك قال الله في أكلة الربا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٧٩] فإن لم تتركوا أكل الربا. ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] حرب الله عليهم ما يصيبهم به من الآفات وأنواع الانتقام، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قل) أي: يصبح في النهاية قليلاً منزوع البركة، تذهب الأموال من حيث لا يدري صاحبها، وآكل الربا لا يبارك له في ماله، فسرعان ما يذهب ويضمحل، والحرب من رسول الله ﷺ في الدنيا بما يقام عليه من التعزير والتنكيل، ومن خلفاء النبي ﷺ في الدنيا وأهل الصلاح من الحكام الذين يحاربون أكلة الربا، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]. والذي يعادي الله تعالى يحاربه الله أيضاً، ولذلك فإن أشد الناس محاربة من الله هم الذين يقعون في أصحاب النبي ﷺ ؛ وذلك لأن أصحاب النبي ﷺ هم رأس الأولياء، هم قمة الأولياء، فهم أشد خلق الله بعد الأنبياء ولاءً لله تعالى، والله تعالى يحبهم، ولذلك يقول النبي ﷺ في الذي يؤذي أصحابه: (أن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) وقال ﵊: (الله الله في أصحابي) حذرنا من الوقوع فيهم، وقال: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) لا تتكلموا فيهم، لا تتخذوهم غرضاً، من يؤذيهم يؤذي رسول الله ﷺ ، والذي يؤذيهم يوشك أن يأخذه الله، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ولذلك فإن من أعظم الناس جرماً الذين يقعون في أصحاب النبي ﷺ ، فيقولون: ارتدوا، ويقولون: إنهم سفكوا الدماء بالباطل، وإنهم غصبوا علياً حقه، وإنهم كفروا بعد النبي ﷺ ، وإنهم ظلمة وفسقة، ونحو ذلك من الألفاظ البذيئة، والشتائم العجيبة التي يلحقونها بالصحابة، فلا شك أن الذي يسب الصحابة أول واحد ينطبق عليه هذا الحديث وهو قوله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). ولذلك ترى الذين يحاربون الصحابة يحاربهم الله في الدنيا بأن يوقع بأسهم بينهم، وأن يجعل أمورهم فتنة واختلاطاً، وأن يجعل فيهم القتل والحرب، فلا يزال أمرهم في اضطراب ونظمهم في اختلال، وأمرهم إلى زوال، فلا تقوم لهم قائمة، ولذلك لا يستقر لهم حال أبداً؛ لأنهم سبوا أولياء الله تعالى، وهم صحابة النبي ﷺ . وقوله تعالى: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) لما ذكر الله تعالى أن معاداة أوليائه هي معاداة ومحاربة له، ذكر صفات هؤلاء الأولياء الذين تحرم معاداتهم وتجب موالاتهم، والموالاة هي النصرة والقرب، الولاية هي النصرة والقيام بالحق والدفاع والذب.

стр. 5486

أولياء الله على قسمين أولياء الله على قسمين: منهم من تقرب إليه بأداء الفرائض، وهذا يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات، ومنهم من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، فلذلك ارتقى منزلة أخرى بعد منزلته الأولى بأداء الفرائض، ثم صار في هذه المنزلة العظيمة، فإذاً هم على درجتين.

стр. 5487

أصحاب اليمين الأولى: المتقربون إلى الله بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين، ولا شك أن أداء الفرائض أفضل الأعمال عند الله كما قال عمر بن الخطاب ﵁: [أفضل الأعمال أداء ما افترضه الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله ]. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: [أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم، وذلك لأن الله إنما افترض على عباده هذه الفرائض ليقربهم منه، ويوجب لهم رضوانه ورحمته]. ولا شك أن هذه الفرائض أنواع، فمنها بدني كالصلاة: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، (وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، (إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت). وكذلك عدل الراعي في الرعية، سواء كانت رعية عامة أو خاصة، ومنها الرعية الخاصة: عدل آحاد الناس في أهله وولده، كما قال النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) والعدل بين الأولاد، وكان السلف يحرصون عليه حتى في القُبَل، إذا قبل هذا الولد يقبل الآخر، يقول النبي ﷺ : (إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين فأيدي البشر تتفاوت بالقوة والعطاء، وتجد أن كثيراً من الناس يمينهم أقوى من شمالهم، وبعضهم شماله أقوى من يمينه، ويعطي بيمينه، والله تعالى كلتا يديه في القوة سواء، وهما سواء في العطاء، والخير كله في يديه، سحاء الليل والنهار؛ والسحاء هو المهطال الذي يهطل ويتواصل في النزول والانصباب، يعطي ، يعطي والخير في يديه، ومنذ أن خلق السموات والأرض وهو ينفق على عباده، منذ أن خلق العباد ينفق عليهم، ومع ذلك لم ينفذ مما عنده شيء، لأن خزائن السموات والأرض بيديه، إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له: كن، فيكون، هؤلاء المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم بين أهليهم وما ولوا من أنواع الولايات؛ سواء كان في وظيفة، أو كان في أسرة، أو كان في تجارة، فإنه إذا تولى ولاية صار هناك أناس تحته يعدل بينهم، فاتصف بصفة من صفات أولياء الله تعالى.

стр. 5488

السابقون المقربون والدرجة الثانية من أولياء الله: وهي درجة السابقين المقربين، الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات والالتفات عن دقائق المكروهات من خلال الورع الذي يحجبهم عن الشبهات، ولا يظنن الظان أن القيام بالواجبات والامتناع عن المحرمات أمر سهل، فمن هو الذي يفعل هذا الآن؟ من الذي لا يرتكب محرماً من المحرمات؟ ولذلك فإنه لا يمكن الوصول إلى رتبة الأولياء إلا بالإكثار من التوبة، بحيث لو أن الإنسان عمل معصية يسرع إلى التوبة منها، وهذا أمر في غاية الأهمية.

стр. 5489

وجوب محبة أولياء الله ثم إن من صفاتهم كما تقدم: أنهم أذلة للمؤمنين، يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح، ويعاملون الكفرة بالغلظة والشدة والعزة؛ وذلك لأن أولئك المؤمنين يحبون الله، فهم يحبونهم لأجله، لا يحبون الشخص لشخصه، ولا لشكله، وإنما يحبونه لأجل محبته لله، ولذلك ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قاعدة مهمة في الجمال في كتاب الاستقامة، لعلنا سنأتي إلى تفصيلها إن شاء الله، قال ما معناه: لو أن الشخص يحب لجماله لكان يوسف أفضل من كل الأنبياء، ولكن لا يحب الشخص لشكله ولا لجماله ولا لماله، ولكن الأمر كما قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فمن صفات هؤلاء الأولياء الذين يدافع الله عنهم، وينصرهم وينتصر لهم، من صفاتهم أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. ولذلك فإن هؤلاء لا يغلظون للمؤمنين، ومن الصفات السيئة أن تجد الشخص يقع في أهل الإيمان والتوحيد، ويقع في أعراض الدعاة إلى الله، يقع في أعراض أهل العلم؛ يسب ويشتم، ويرمي بأنواع السباب والمعايب أهلَ التوحيد والدين، والذين قاموا بواجب الدعوة والأمر والنهي، فهذا لا يمكن أن يكون من أولياء الله بحال، بل سرعان ما يخبو أمره وينطفئ، ويحدث انتقام الله منه، ويرى ذلك بأم العين في الدنيا قبل الآخرة. والمتأمل في الواقع يعرف أن هذا أمر حاصل؛ لأن سنة الله تعالى في الحياة ماضية، وقد تكفل الله بالدفاع عن أوليائه، ولذلك فإنك لا تكاد ترى من يقع في أهل الإيمان والدين ونصرة الشريعة إلا والله منتقم منه ولو بعد حين. قال الله في صفات الأولياء: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] ما داموا قد أحبوا حبيبهم وهو الله فلا يخافون في سبيله شيئاً، فيعملون بمرضاته، رضي من رضي وسخط من سخط، ولذلك فمن الأمور المهمة أن الإنسان يحب أولياء الله، ولذلك قال النبي ﷺ : (أتاني ربي -في المنام- فقال لي: يا محمد! قل: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك) هذا الحديث رواه الإمام أحمد ﵀ والترمذي وقال: حسن صحيح. وقال: سألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح. إذاً إذا كان الإنسان عنده إيمان ويقين ودين، ويريد أن يتصف بصفات الولاية، فعليه أن يسأل الله محبة أوليائه، وكان من دعائه ﷺ : (اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك) لأن هناك أناساً محبتهم تضر عند الله، وأناساً محبتهم تنفع عند الله، ولذلك يقول: (اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب -الإنسان يحب المال، يحب الزوجة، يحب الشهوات- اللهم ما زويت عني مما أحب -ما حرمتني من النعم- فاجعله فراغاً لي فيما تحب) وهذا الحديث رواه ابن المبارك ﵀ في كتابه الزهد، وسنده صحيح، وحسنه الترمذي رحمه الله تعالى. وهذه الدرجة التي ليس لأصحابها همٌّ إلا ما يقربهم من محبوبات الله تعالى، ومن الأشخاص الذين يحبهم الله ، قال بعض السلف: العمل على المخافة قد يغيره الرجاء، والعمل على المحبة لا يدخله الفتور. وهذه عبارة بالغة بليغة، (العمل على المخافة) إذا عملت من أجل الخوف فقط، فقد يعتريك الفتور إذا حصل لك رجاء، فالإنسان الذي يعمل فقط خوفاً من العذاب، هذا إذا جاء يوم من الأيام وتأمل فحصل له شيء من الرجاء أو مر به شيء مما فيه ذكر رجاء الله تعالى وثوابه؛ حصل له شيء من الفتور؛ لأن الدافع للعمل هو الخوف، فإذا حصل شيء من الرجاء خفّ للخوف فإذا كان الدافع للعمل هو الخوف الذي قد خف خفَّ العمل أيضاً لكن إذا كان الدافع للعمل هو محبة الله، فأي شيء يخففها؟ لا شيء، ولذلك كان الدافع للعمل إذا صار فيه محبة أقوى منه إذا صار من الخوف، ولذلك المحبة هي الرأس والخوف والرجاء الجناحان، وإذا قطع الرأس لا يطير الطائر أصلاً ولا يمشي ولا يتحرك. من الناس من يعبد الله خوفاً، ومن الناس من يعبد الله رجاءً، ومن الناس من يعبد الله محبة، والمؤمن ينبغي أن تجتمع فيه هذه الثلاثة بدون أن ينتفي شيء منها، لو انتفى شيء منها معنى ذلك أنه قد وقع في خطر عظيم، فإذا صار الدافع للعمل محبة الله، فلا تخف، فيستمر العمل، إذا كان الدافع هو الخوف، يمكن أن يخف إذا عرض عارض رجاء في الفكر أو السماع، أو قراءة شيء مما فيه سعة الرحمة والتوبة، حصل للخوف نقص، ففتر العمل. وكذلك قال بعضهم: إذا سئم البطالون من بطالتهم فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك. فالبطالون الذين يسعون في الدنيا بالبطالة يسأمون ولا بد، فإما أن يحصل عندهم شيء من الملل من كثرة ما يفعلونه ومن تشابه ما يفعلونه؛ لأن هذه الأشياء التي في الدنيا من الملهيات والألعاب والنعيم، لا بد فيها من آفات، فالأكل إذا أكثر منه مرض، والشهوة إذا أكثر الوقوع فيها مرض واضمحلت قوته، وهذه الألعاب الموجودة لو أكثر منها لأصابه الملل، ولكن مناجاة الله تعالى وذكره لا يحصل فيها ذلك إذا كانت موافقةً للسنة، ومن ذلك قال: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى). ومن أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من هواه، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه، والمحب لله تعالى أمير مؤمر على الأمراء، زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما هنالك، والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولم يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله ؛ يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه، وهذه الصفة مهمة جداً؛ أعني تحبيب الله إلى الخلق.

стр. 5490

طريقة تحبيب الله إلى الناس ليست المسألة فقط أن الإنسان يحب الله، وإنما أيضاً إتقان الصنعة وإتقان العبادة وإتقان الولاية أن يحبب الله إلى الخلق، قد يسهل على الإنسان أن يحب الله، فإذا تأمل في نعم الله أحب الله، لكن أن يحبب الله إلى الخلق فهذه مسألة لا يقوم بها إلا الدعاة إلى الله، وليس كل الدعاة إلى الله، بعض الدعاة إلى الله ينجحون في تحبيب الرب إلى الخلق، ولذلك فالداعية إلى الله يمارس هذه الوظيفة فيعمل جاهداً لأجل تحبيب الله إلى خلقه، فإذا أوصلتهم إلى محبة الخالق فاتركهم وهم سيكملون الطريق، فإذاً التحبيب إلى الخلق بالمشي بالنصائح بين العباد، كما قال بعض السلف: يحببونه إلى خلقه، يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله وأحباؤه وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه. وقبل ذلك فهم في تعب ووصب في مرضاة الله، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]. وكيف نحبب الناس إلى الله؟ بأشياء كثيرة: منها: شرح أسمائه وصفاته وربط ذلك بالواقع. ومنها: تعداد نعم الله تعالى وذكر آلائه، فإن الناس قد جبلوا على محبة من أحسن إليهم، وذلك إذا توالت النعم وتفطن الإنسان لها. إن النعم متوالية لكن التفطن للنعم هو الذي يغيب عن البال، فإذا تفطن الإنسان أن نعم الله عليه متوالية فإنه يحبه، أرأيت لو أن شخصاً أعطاك اليوم مائة، وأعطاك غداً ألفاً، وأعطاك بعده عشرة آلاف، وأعطاك بعده مائة ألف، وأعطاك بعده سيارة، وأعطاك بعده بيتاً، وأعطاك وظيفة، أي شعور يكون له في قلبك وقد ازداد إحسانه معروفه إليك، ولا تزال أياديه متوالية في مصلحتك؟ لا شك أن محبته تعظم، إن الناس إذا أحسن إليهم ولو بشربة ماء أحبوا من أحسن إليهم، فكيف إذا تفطن العبد لنعم الله المتوالية؟ الصحة نعمة متوالية حتى يمرض، المال نعمة متوالية حتى يفتقر، الشباب نعمة متوالية حتى يشيخ ويهرم، وهكذا نعمه متوالية، وحتى لو حرم من نعمة فإنها تأتي بدلها نعمة أخرى، فلو حرم من نعمة الصحة فإن نعمة الابتلاء في تكفير السيئات ورفع الدرجات حاصلة، ولذلك فالعبد لا يزال يتقلب في أطباق نعمة الرب عليه ولكن قليل هم المتفطنون لذلك. المحب لا يجد مع حب الله للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين؛ لأن غاية مناه أن يجد لذة العبادة، غاية ما يرجو أن يحس بحلاوة الاتصال، ولذلك قال ﵊: (أرحنا بالصلاة يا بلال) وقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) قرة العين وراحة البال وهدوء النفس جعلت في الصلاة، لأنها كانت صلة بينه وبين ربه ﷺ ، فكان يقوم ويناجيه، وكلما أحس العبد باللذة ازداد في العبادة وازداد في القيام، وازداد في الركوع والسجود وازداد في الصيام، وهكذا. وقال بعض السلف: لا يكاد يمل القرب إلى الله تعالى محب لله ، ولا يكاد يسأم من ذلك. وقال بعضهم: المحب لله طائر القلب كثير الذكر متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل، دوماً دوما وشوقاً شوقاً.

стр. 5491

كثرة قراءة القرآن ومن أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى، لمن يريد الوصول إلى مرتبة الولاية: كثرة تلاوة كلامه، وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم، قال خباب ﵁ لرجل: [تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لم تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه] ألا ترى أن الرجل إذا وصله خطاب ممن يحبه حباً جماً قرأه مرات كثيرة، واحتفظ به، ولا يزال يخرجه بين آونة وأخرى يقرأ فيه لأنه كلام الحبيب، ولذلك فهو إليه باشتياق مستمر، فكيف بكلام الرب إذا كان الإنسان محباً له؟! فإنه لا يزال يقرأ كلام الرب، ويتصفحه ويطالع فيه، ويسمعه ويعرف معناه، وهكذا يبقى القرآن هو لذة قلوب العارفين، وهو محرك ألسنتهم بالتلاوة، ولذلك كان بعض السلف ينعى على من لم يحفظ القرآن، ويقول لصاحب له: أتحفظ القرآن؟ قال: لا. فقال: واغوثاه بالله، مريد لا يحفظ القرآن فبم يتنعم؟! أي: الذي يريد الله تعالى لا يحفظ كلامه فبم يترنم؟ فبم يناجي ربه ؟ وإذا واطأ اللسان القلب كان ذلك أفضل الأعمال؛ لأن موافقة اللسان للقلب هي حقيقة التدبر والتفكر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] قيل: أشد مواطأة من القلب للسان. وإذا ذكر العبد الله تعالى ولو بغير القرآن، فإنه أيضاً مما يوصله ذلك إلى الولاية، لذلك يقول الله : (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) وقال الله أيضاً: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) رواه الإمام أحمد، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، هذا معنى قوله الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].

стр. 5492

مقتضيات ولاية الله أيها الإخوة! ولاية الله هي المنزلة العظيمة التي يدافع الله عن أصحابها، ولا شك أن لها مقتضيات، فمن مقتضيات الولاية كما قلنا: محبة الله ومحبة أوليائه، والذي يعاديهم ليس من أولياء الله قطعاً، وقد قال بعض السلف: إن الذين يتحابون في الله تعالى يجتمعون على غير أرحام بينهم، ولا على أموال يتعاطونها فيما بينهم، وإنما يجتمعون على طاعة الله، ولذلك ربما يلتقي الواحد بالآخر بمكان في الحرم عند الكعبة أو في المسجد أو في غيره، يحس بانجذاب خاص لهذا الشخص؛ ذلك لأن الصلة بالله تقرب بينهم، ولذلك سرعان ما يتداخلون، والأرواح جنود مجندة، وتجد الشخص إذا أراد أن يتداخل مع آخر ربما يحتاج إلى وقت طويل، من حصول سلام وكلام وموعد ولقاء واستئناس ودعوة على طعام ومشاركة وسفر حتى تحصل الخلطة المؤدية إلى المحبة، أما إذا كان من أولياء الله بمجرد أن يرى الواحد الآخر ما هي إلا كلمات ومجالسة حتى يحس أنه صاحب له منذ زمن بعيد، وهؤلاء لا شك أنهم يكونون يوم القيامة في مجالس عن يمين الرحمن يغبطهم من يغبطهم بقربهم من الرب .

стр. 5493

من ثمرات الولاية تسديد الله لوليه ومن ثمرات الولاية: أن الله يسدد الولي للحق والصواب، وهذا معنى قوله في الحديث: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) لا شك أنه إذا وصل إلى هذه المرتبة فإن الله تعالى يسدده في جميع حواسه، فلا ينظر إلا إلى ما يحب الله، ولا يستمع إلا إلى ما يحب الله، ولا يمشي إلا إلى ما يحب الله، من جلسة ذكر، أو حلقة علم، أو مكان وعظ، أو صلة رحم، أو حج أو عمرة، ونحو ذلك من أنواع المماشي التي هي في طاعة الله ، وكذلك لا يبطش إلا في مرضاة الله؛ من جهاد، أو إزالة منكر، أو نصرة مظلوم ونحو ذلك، وكذلك يستمع إلى ما يحب الله؛ من كتابه وذكره، وسنة رسوله، وعلم شريعته ونحو ذلك، والنظر في المصحف من العبادات، وكذلك النظر في الأمانات لتمييزها لأصحابها، والنظر في كتب العلم والفقه ونحو ذلك من أنواع النظر الذي هو من العبادات. ولا شك أيضاً أن من أعظم ما تؤدي إليه الولاية: أن يستجيب الله دعاء الولي، وهذا ما سوف نخصص له الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وهو: إجابة دعوة الأولياء وكرامات الأولياء عند رب العالمين. ونسأل الله أن يسلك بنا سبيل الولاية وأن ينعم علينا بهذه الرتبة الشريفة، وأن يجعلنا ممن دافع عنهم وناصرهم، وأن يجعلنا من المتحابين فيه، والذين يلتقون ويجتمعون على نصرة شريعته.

стр. 5494

ولاية الله لها جانبان فولاية الله مرتبة في الدين عظيمة، لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهراً وباطناً، ولهذه الولاية -أيها الإخوة- جانبان: جانب يتعلق بالعبد: وهو القيام بالأوامر واجتناب النواهي، ثم التدرج في مراتب العبودية بالنوافل. وجانب يتعلق بالرب : وهو محبة هذا العبد ونصرته وتثبيته على الاستقامة. وأما ما يظهر على يدي هذا العبد من عجائب الأمور، فهذا شيء إضافي وليس من شروط الولاية، ولذلك يسأل بعض الناس فيقول: هل يشترط أن يظهر على يدي الولي كرامات؟ ف الجواب أنه لا يشترط، فقد يكون ولياً من أولياء الله تعالى ومع ذلك لا يظهر على يديه شيء من الكرامات، ولذلك فإن القرآن قد اشتمل على تعريف الولي في قول الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] هذا من جهة الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٣ - ٦٤] هذا من جانب الرب، فالعبد الذي آمن بالله وصدق به وبما جاء من عنده، والتزم بالشرع باطناً وظاهراً، وداوم على ذلك هو ولي الله الذي يحبه وينصره ويبشره برضوانه، وعند فراقه للدنيا، يرتفع عنه الخوف والحزن، والعبد عليه أن يحفظ الله بحفظ حقوقه والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والرب يحبه على ذلك وينصره ويؤيده ويرعاه، والله يتولى من تولاه، ولا يتخلى عمن نصره ووالاه.

стр. 5495

البشرى لأولياء الله والآية تقول إن لأولياء الله بشرى: ﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] فما هي هذه البشرى؟ أولاً البشرى في الحياة الدنيا تكون بأشياء: منها أولاً: إعلام الولي بأن الله معه في نصره وتأييده كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. ثانياً: إعلام الولي بما أعده الله له في الآخرة من النعيم والرضوان، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥]. ثالثاً: رعاية الله لوليه بتوفيقه وحفظ جوارحه عن المعاصي كما جاء في الحديث: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به،) الحديث. رابعاً: تبشير الملائكة له عند النزع الأخير وخروج الروح، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. خامساً من البشارات للولي في الدنيا: ما يراه المؤمن في النوم، أو يرى له من الخير، فقد قال الرسول ﷺ : (لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) رواه البخاري ﵀. وقال ﵊ في تفسير البشرى: (الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) هذا تفسير البشرى، رواه الترمذي وهو حديث حسن. سادساً مما أعد الله للولي في الدنيا: استجابة الدعوة، وهذا الذي تضمنه الحديث الذي سبق شرحه: (ولئن سألني لأعطينه). سابعاً: ما يجريه الله على يدي الولي من العجائب مما هو فوق قدرة البشر، كما وقع لمريم ﵍، وأصحاب الكهف، والغلام مع الساحر، والصبي الذي خاطب أمه في قصة الأخدود إلى غير ذلك، وكما قلنا هذا الأخير لا يشترط للولي بمعنى: ولياً إلا إذا وقع له ذلك، فقد يقع وقد لا يقع. والبشرى للولي في الدنيا بتبشير الملائكة له عند خروج نفسه برحمة الله تعالى قد وردت به آيات، فهذا من معنى قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٦٤].

стр. 5496

وقفة مع كرامات الأولياء وبالنسبة للكرامات التي قد تقطع لبعض أولياء الله تعالى في الدنيا، فإنه لا بد من الحديث عنها؛ لأن بعض الناس لا يستطيع أن يفرق بينما يقع من الخوارق على يد الساحر والكاهن والدجال، وبينما يقع من هذه الخوارق على يدي أولياء الله تعالى. والكرامة يعرفها أهل السنة: بأنها أمر خارق للعادة، يظهره الله على أيدي أوليائه، ليست مقرونة بدعوى النبوة، وهي ولا شك خارقة للعادة، وقد ذهب فيها الناس إلى ثلاثة مذاهب: فمنهم من أجاز وقوعها بدون حد، حتى قال قائلهم: كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي. وهذا مذهب الأشاعرة وغيرهم، وهذا مذهب باطل، إذ كيف تستوي معجزات الأنبياء مع كرامات الأولياء، ومعلوم أن الأنبياء أفضل وأعلى وأزكى وأرفع عند الله تعالى، ثم إن النبي يحتاج للمعجزة لأجل إظهار الحق وإثباته للكفرة والمعاندين. ومن الناس من ذهب إلى إنكار الكرامات بالكلية. وهذا مذهب المعتزلة وآخرين وافقوهم، ولا شك أن هؤلاء الذين احتكموا إلى عقولهم وأنكروا الكرامات، لا شك أنهم من المصادمين لمذهب أهل السنة وهو القول الثالث الوسط، وهو إثبات وقوع الكرامات للصالحين وجواز وقوعها، لكنها لا تصل إلى درجة معجزة الأنبياء. قال ابن تيمية ﵀: ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم. وقال ﵀: فإن آيات الأنبياء التي دلت على نبوتهم أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم، مثل: الإتيان بالقرآن، ومثل: إخراج الناقة من الأرض، ومثل: قلب العصا حية، وشق البحر، إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى. فالخلاصة: إثبات كرامات الأولياء وجواز وقوعها، ولكنها لا تصل إلى درجة معجزات الأنبياء. ولا يعني إثبات الكرامات المبالغة في قبولها والأخذ بها من كل طريق أتت، أو إثباتها للفسقة والمجرمين، ولذلك فلا بد أن نعرف من هم الأشخاص الذين تظهر على أيديهم الخوارق، ومتى تسمى كرامات ومتى لا تسمى، فلا بد من ملاحظة عدة أمور بالنسبة لكرامات الأولياء؛ لأنه ليس كل من ظهر على يده فعل عجيب يدل على أنه ولي. فإذاً الأولياء الذين قد يجري الله على أيديهم بعض الكرامات؛ هم أناس صالحون ملتزمون بالشريعة ظاهراً وباطناً، آمنوا بالله وبما أمرهم أن يؤمنوا به، ولا يدعون لأنفسهم مكانة زائدة على أفراد الأمة، ولا يزكون أنفسهم، فلا يقولون: نحن أفضل الناس، ونحو ذلك، وهؤلاء يخفون الكرامات ولا يظهرونها ولا يقولون للناس: حصلت على أيدينا كذا، وحصل على أيدينا كذا، ولا يتفاخرون بها. ومن الناس من يظهر على أيديهم أشياء من العجائب، لكنهم قوم فسقة استخدموا الشياطين واستخدمتهم الشياطين، إما عن طريق السحر أو غير ذلك، ولذلك فإن الله عندما وصف المؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] لا شك أن هؤلاء لا يدخل فيهم السحرة، ولا الكهنة، ولا الكفرة، ولا المشعوذون ولا المشركون، لا يدخلون في المؤمنين ولا في الولاية، ولذلك فإن أهل العلم بينوا أنه ليس كل من طار في الهواء أو مشى على الماء يكون ولياً من أولياء الله تعالى، وبعض الصوفية -كما تقدم- ادعوا الكرامات، وألصقوا بأنفسهم أشياء كثيرة من هذا المقام، وكان بعضهم يقول: إن طائراً يحملني في كل ليلة ويدخلني الجنة، ومنهم من كان يدعي علم الغيب، ومنهم من يدعي أنه يذهب ويطوف بالكعبة ويرجع في ليلته، ومنهم من يدعي أنه سقطت عنه التكاليف، ومنهم من يأتي المزابل والنجاسات ويتمرغ بها، ويدعي أشياء من الأحكام الخاصة لنفسه، وقد زعموا للخضر أشياء كثيرة في مقابلاتهم له، وفي عصرنا بالغ بعض الناس الذين لا يحسنون معرفة الأسانيد ولا نقل الأخبار الصحيحة في إثبات قصص في بعض ميادين الجهاد للشهداء ليست بصحيحة بسبب اندفاعهم العاطفي، وعدم معرفتهم لمبدأ التثبت ونقل الأخبار، والتصديق بالشائعات والزيادة عليها، ولا ينكر أن لبعض الشهداء كرامات عند الله ولا شك، وأن بعض الشهداء من أولياء الله تعالى، ولكن فرق بين إمكان حصول شيء وبين وقوعه فعلاً. وكذلك فإنه لا بد أن يعاد القول في ضوابط الكرامات

стр. 5497

الضابط في أصحاب الكرامات أولاً: أن يكون صاحبها مؤمناً وتقياً. وثانياً: ألا يدعي صاحبها الولاية، لا يقول: أنا ولي. وكذلك أن يكون عالماً بالدين وبأحكام الشريعة، عارفاً بالله تعالى وليس جاهلاً، وأن يلازمه الخوف على نفسه، وألا يترك واجبات، ولا يفعل محرمات، وألا تكون الكرامة مخالفة لأمر من أمور الدين، فلو رأى في المنام شخصاً في صورة نبي أو ملك يقول له: قد أبحت لك الخمر، أو أسقطت عنك التكاليف ونحو ذلك فليعلم أنه شيطان. وكذلك فإن منهم من يقول: إنني رأيت النبي ﵊ في الحقيقة، وصافحته وأخرج يده لي من القبر، ونحو ذلك، فلا شك أن مثل هذا مخرف من المخرفين. لقد وقعت حكايات لبعض السلف والعلماء تدل على وعيهم وفقههم، وعدم انطلاء حيلة الشيطان عليهم، فحكى عياض عن الفقيه أبي ميسرة المالكي أنه كان ليلة في محرابه يصلي ويدعو ويتضرع، وقد وجد رقة فإذا المحراب قد انشق وخرج منه نور عظيم، ثم بدا له وجه كالقمر يقول له: تملأ من وجهي -يا أبا ميسرة - فأنا ربك الأعلى، فبصق فيه وقال: اذهب يا لعين، عليك لعنة الله؛ لأنه يعلم أن الله لا يرى في الدنيا، وأن هذا لا بد أن يكون شيطاناً من الشياطين. وكذلك ما يحكى عن عبد القادر الجيلاني ﵀ أنه عطش عطشاً شديداً، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت ونودي: يا فلان! أنا ربك أحللت لك المحرمات، فقال: اذهب يا لعين، فاضمحلت السحابة، فقيل له: بم عرفت أنه إبليس؟ قال: بقوله: قد أحللت لك المحرمات، فبذلك يعلم أن الكرامة التي تدعى وتكون مصادمة للشريعة ليست بكرامة.

стр. 5498

كرامات من الكتاب والسنة لكن هل وقعت كرامات صحيحة في الكتاب والسنة وأخبار الصالحين؟ الجواب نعم. فمن ذلك ما أخبر الله تعالى عنه في القرآن الكريم، في سارة زوجة إبراهيم الخليل، قال الله : ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧١ - ٧٣]. فهذه المرأة سارة لا شك أنها من أولياء الله قد أكرمها الله بكرامة، وهي أنها حاضت وهي عجوز وولدت، مع أن بعلها شيخ كبير. وكذلك الذي عنده علم من الكتاب في قصة سليمان ﵇ وكان رجلاً مسلماً عالماً من الصالحين: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل:٤٠] قيل: إنه كاتب لسليمان كان عابداً عالماً من أولياء الله تعالى، وقيل: إنه كان يعلم اسم الله الأعظم، سأل الله به، فبصلاحه وبسؤاله أعطاه الله مطلوبه، ونقل ذلك العرش من اليمن إلى الشام بطرفة عين. وكذلك من الكرمات التي وقعت: ما جاء عن مريم ﵍ كما قال قتادة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧] قال: [حدثنا أنه كان تؤتى بفاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فعجب من ذلك زكريا] وعلى أية حال كان عندها رزق في المحراب، وجود الرزق في المحراب: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧] هذه كرامة بحد ذاتها ولا شك. كذلك ما حصل للثلاثة (أصحاب الغار) لما دعوا الله تعالى بأعمالهم، فخرجت الصخرة من موضعها التي انطبقت عليهم فهي كذلك من كراماتهم. وقصة الرجل الذي سمع صوتاً في سحابة، يقول: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فالرجل تتبع السحاب ونظر أين نزل المطر في بستان، فجاء إلى صاحب البستان وسأله عن اسمه؟ فأخبره باسمه، فتطابق عنده الاسم الذي سمعه منه مع الاسم الذي سمعه من السحاب، فسأله عن قصته، فأخبره بأن هذه الأرض يأخذ ثلث ما يخرج منها فيتصدق به، ويأكل هو وعياله الثلث، ويرد الثلث زرعاً وإصلاحاً وبذراً ونحو ذلك. كذلك من الكرامات الثابتة في السنة: الكرامة لـ جريج العابد الزاهد الذي كان يعبد الله في صومعة، فتسلطت عليه زانية فلما أبى أن يستجيب لها أتت راعياً فأمكنته من نفسها، فلما حملت ووضعت اتهمت جريجاً أنه الذي فجر بها، فجاء بنو إسرائيل في عهده فكسروا صومعته بالفئوس والمساحي، ثم لما رأى ذلك مسح رأس الصبي وقال: من أبوك؟ فقال: أبي راعي الضأن، فبهتوا عند ذلك وأرادوا أن يبنوها له ذهباً أو فضة، فقال: أعيدوها طيناً كما كانت. وكذلك سارة حصل لها موقف آخر -زوجة إبراهيم الخليل- لما أخذها الجبار، وأرد أن يؤذيها ويأخذها بالحرام، فأصابه الله بالشلل، فقال: سلِ الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت، فانطلقت يده، فعاد فقبضت يده، ثلاث مرات، حتى قال لمن معه: إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، وأعطاها هاجر خادمة لها، وخلَّى سبيلها. وكذلك ما حصل من الرجل صاحب الخشبة الذي أعيته الأمور في الرجوع إلى صاحبه لرد الدين في الوقت المحدد، فأخذ خشبة ونقرها فجعل فيها المال، وألقاها في الماء، ثم جاء إلى صاحبه بعد ذلك، فقال له صاحبه: إن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بمالك راشداً. هذا بعض ما حصل لمن قبلنا.

стр. 5499

كرامات حدثت للصحابة أما ما حصل في عهد النبي ﷺ لأصحابه، فقد كان لأصحابه كرامات، فمثل أسيد بن حضير وعباد بن بشر كانا عند رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء حندس؛ -يعني: شديدة الظلمة- فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فجعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرقا أضاءت عصا الآخر. وهذا الحديث صحيح. جاء عن أنس (أن أسيد بن حضير الأنصاري ورجل آخر من الأنصار تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة، وليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان؛ أي: يرجعان إلى البيت وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت لهما الطريق، كل واحد إلى بيته، أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله). وفي رواية عن أنس: (أن رجلين خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما حتى تفرقا، فتفرق النور معهما). فهذه الأحاديث الصحيحة في كرامة بعض صحابة النبي ﷺ ، وأسيد بن حضير نفسه هو صاحب كرامة نزول الملائكة: (لما كان يقرأ سورة البقرة وفرس له مربوطة في زاوية البيت، ويحيى ولده مضطجع بجانبها، فجال الفرس جولة حتى خشي على ولده يحيى، فأمسك عن القراءة، ثم قرأ فجالت الفرس فرفع رأسه فإذا بشيء كهيئة الظلة فيها مصابيح، تقبل من السماء فهالني فسكت، قال أسيد: فلما أصبحت غدوت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: اقرأ أبا يحيى، وهكذا ثلاث مرات، ثم قال ﵊: تلك الملائكة دنوا لصوتك، ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم). وكذلك خبيب بن عدي لما أسروه بـ مكة، رأت امرأة من المشركين بين يديه قطفاً من عنب وما بـ مكة ثمرة، وإنه لموثق في الحديد. وهذا الحديث أخرجه البخاري ﵀، فمن كرامات خبيب بن عدي أن الله رزقه بهذا الرزق وهو موثق اليدين سجين في مكة ولا يوجد في مكة ثمرة من هذا العنب. وكذلك قصة أويس القرني وما كان من كرامته في إجابة دعوته. وكذلك كان لبعض السلف رحمهم الله تعالى كرامات من جهة إجابات دعوتهم. وكان أمير المؤمنين عمر ﵁ له كرامات في فراسته وصدق ظنه، ومن الكرامات المشهورة لـ عمر ﵁، أن عمرو بن العاص لما فتح مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل، شهر الأشهر العجم، قالوا: أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان اثنتي عشر خلون من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها أي: أعطيناهم المال وأرضيناهم وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، هذا لكي يفيض النيل، وإلا لا يفيض، فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا (بؤنة وأبين ومسرى) وهي أشهر كانت عندهم، والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً، حتى هموا بالجلاء والذهاب من هذه الأرض، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر جواباً إلى عمرو بن العاص يقول فيه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما قبله، وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، قال: فألقى البطاقة، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم السبت وقد أجراه الله ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقطع الله تعالى تلك السنّة عن أهل مصر إلى اليوم، فلم يعودوا أبداً لإلقاء جارية في النيل، وهذه القصة سندها رجاله ثقات، وقد ذكرها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة. ومن كرامات عثمان ﵁ الخليفة المقتول ظلماً أن جهجاه الغفاري أخذ عصا عثمان التي يتخصر بها فكسرها على ركبته، فوقعت في ركبته الآكلة؛ الآكلة مثل الدود، أكلت ركبته محل الموضع الذي كسر عصا عثمان عليه. وهذا سنده رجاله ثقات أيضاً. وكذلك سعد ﵁، فإنه كان مجاب الدعوة، ولذلك لما اتهمه رجل قال: أنه لا يعدل في الرعية، ولا يقسم بالسوية، ولا يغزو في السرية -أي: لا يخرج للجهاد- قال سعد: [اللهم إن كان كاذباً فأعم بصره، وعجل فقره، وأطل عمره، وعرضه للفتن]، قال الراوي: فما مات حتى عمي، قال: فكان يلتمس الجدران، وافتقر حتى سأل الناس، وأدرك فتنة المختار الكذاب فقتل فيها. والقصة وردت في الصحيح، كيف أنه كان يغمز الجواري في الطرقات، ويتعرض للنساء في الشوارع، ويقول: مفتون أصابتني دعوة سعد. وكذلك لما ظلمته امرأة في ادعاء أرض دعا عليها أن الله يعمي بصرها ويقتلها في أرضها، فأعمى الله بصرها ووقعت في بئر في أرضها فماتت. وأما خالد بن الوليد ﵁، فإن من كراماته أنه لما كان في الحيرة، أتي له بسم فقال: ما هذا؟ فقالوا: سم ساعة، تأخذه من هنا وتموت، قال: باسم الله ثم ازدرده. وسنده حسن. وهذه القصة قيل: إنها وردت في تحدٍ حصل بين خالد وأحد المشركين، أو أحد الكفار النصارى، وأن خالداً قد شربه توكلاً على الله تعالى لإظهار اليقين لهم، ولم يضره ذلك. وعمران بن حصين جاء في الأحاديث الصحيحة: (أن الملائكة كانت تسلم عليه) ثبت ذلك في صحيح مسلم، أن الملائكة كانت تسلم على عمران بن حصين. وأما حجر بن عدي فإنه عبر مع جماعة من أصحاب النبي ﷺ نهر دجلة بلا سفينة بعد فتح القادسية حتى أن الفرس لما رأوهم يعبرون النهر من غير سفينة قالوا: دبوان، دبوان، أي: شياطين، شياطين، وهربوا، قال: فدخلنا عسكرهم، فوجدنا من الصفراء والبيضاء -يعني: من الذهب والفضة- وأصبنا أمثال الجبال من الكافور، وأصبنا بقراً فذبحناها فجعلناها في القدور، وأخذنا من ذلك الكافور ونحن نحسبه أنه ملح وطرحناه في اللحم، فلما أكلنا وجدناه مراً، فقلنا: ما أمر ملح الأعاجم. فلم يدروا أنه كان كافوراً، لما رأوا هذه الكمية الكبيرة الهائلة، لم يتوقعوا ذلك. ومن كرامات أصحاب محمد ﷺ الثابتة قصة سفينة مولى النبي ﷺ ، لما ركب في البحر -سمي سفينة لأنه كان يحمل الأمتعة في الأسفار- فركب مرة في البحر فانكسرت، فركب لوحاً منها فطرحه في أجمة فيها أسد -ألقاه في غابة فيها أسد- فقال سفينة ﵁: يا أبا الحارث -وهي كنية الأسد عند العرب- يا أبا الحارث! أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه أو بكتفه حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق، همهم فظننت أنه يودعني. رجاله ثقات. وممن أثبته الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء. وكذلك فإن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها لما جيء لها بمال، أمرت أن يصب ويطرح عليه ثوب، ثم قالت للجارية: أدخلي يديك فاقبضي منه قبضة فادفعي بها إلى فلان، وإلى فلان، من أبنائها وذوي رحمها، فقسمته حتى بقيت منه بقية، فقالت لها برزة: غفر الله لكِ، والله لقد كان لنا في هذا حظ، أي: لو تركت لنا شيئاً، قالت: ولكم ما تحت الثوب، قالت: فرفعنا الثوب فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهماً، وهذا مع أن المال كان أقل مما أنفقت لما طرح في البداية.

стр. 5500

كرامات حدثت للتابعين وكذلك فإن السلف رحمهم الله تعالى كانت لهم كرامات مثل أبي مسلم الخولاني ﵀، كان إذا استسقى سقي، كان معروفاً بإجابة الدعاء في الاستسقاء، ولذلك فإنهم كانوا يخرجون به فيستسقي لهم، فيسقون. وذكر كذلك من كرامات بعض جيوش المسلمين التي غزت القسطنطينية، كسرت بعض مراكبهم وألقاهم الموج على خشبة في البحر وكانوا خمسة أو ستة، قال: فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منها، فكنا نمصها فتشبعنا وتروينا، فإذا أفنينا أنبت الله لنا مكانها أخرى حتى مر بنا مركب فحملنا. ولا شك أن هذه الكرامات تدل على أن هناك من أولياء الله تعالى من يكرمه الله بأن يخرق العادة له، ويكون في هذا كرامة له في الدنيا قبل الآخرة، وإلا فما عند الله لا شك أنه أبقى وأعلى، وقد ساق ابن رجب ﵀ جزءاً من أخبار الكرامات التي حصلت لبعض السلف مما يدل على أن الكرامات ثابتة. ومنها: أن أبا مسلم الخولاني ﵀ مر به صبيان يطاردون ظبياً، فقالوا: ادعُ الله لنا أن يحبس لنا هذا الظبي، فيدعو الله حتى يمسكوه بأيديهم. ودعا على امرأة أفسدت عشرة امرأة بذهاب بصرها فذهب بصرها في الحال، فجاءته فجعلت تناشده الله وتطلب إليه، فرحمها ودعا الله فرد عليها بصرها. وكذلك وقع رجل في أبي هريرة ﵁، فنزلت حية من السقف -وهذه القصة التي قالها الحافظ الذهبي ﵀ إسنادها كالشمس- تطرد وراءه كرامة لـ أبي هريرة بعد وفاته ﵁ لما وقع فيه هذا الرجل بالسوء. وهذه القصص الكثيرة والكثيرة جداً يؤخذ منها أيها الإخوة: أن الله تعالى يبشر أولياءه في الدنيا قبل الآخرة، والمهم أن الإنسان يسلك سبيل الولاية والصراط المستقيم، ومن الكتب المهمة في هذا الموضوع كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الموجود في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى، وأيضاً هو مطبوع مستقلاً. ونسأل الله أن يجعلنا من أهل طاعته، وأن يرزقنا التمسك بسنة نبيه ﷺ ظاهراً وباطناً. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →