Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
وقفة مع كرامات الأولياء
وبالنسبة للكرامات التي قد تقطع لبعض أولياء الله تعالى في الدنيا، فإنه لا بد من الحديث عنها؛ لأن بعض الناس لا يستطيع أن يفرق بينما يقع من الخوارق على يد الساحر والكاهن والدجال، وبينما يقع من هذه الخوارق على يدي أولياء الله تعالى.
والكرامة يعرفها أهل السنة: بأنها أمر خارق للعادة، يظهره الله على أيدي أوليائه، ليست مقرونة بدعوى النبوة، وهي ولا شك خارقة للعادة، وقد ذهب فيها الناس إلى ثلاثة مذاهب: فمنهم من أجاز وقوعها بدون حد، حتى قال قائلهم: كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي.
وهذا مذهب الأشاعرة وغيرهم، وهذا مذهب باطل، إذ كيف تستوي معجزات الأنبياء مع كرامات الأولياء، ومعلوم أن الأنبياء أفضل وأعلى وأزكى وأرفع عند الله تعالى، ثم إن النبي يحتاج للمعجزة لأجل إظهار الحق وإثباته للكفرة والمعاندين.
ومن الناس من ذهب إلى إنكار الكرامات بالكلية.
وهذا مذهب المعتزلة وآخرين وافقوهم، ولا شك أن هؤلاء الذين احتكموا إلى عقولهم وأنكروا الكرامات، لا شك أنهم من المصادمين لمذهب أهل السنة وهو القول الثالث الوسط، وهو إثبات وقوع الكرامات للصالحين وجواز وقوعها، لكنها لا تصل إلى درجة معجزة الأنبياء.
قال ابن تيمية ﵀: ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم.
وقال ﵀: فإن آيات الأنبياء التي دلت على نبوتهم أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم، مثل: الإتيان بالقرآن، ومثل: إخراج الناقة من الأرض، ومثل: قلب العصا حية، وشق البحر، إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.
فالخلاصة: إثبات كرامات الأولياء وجواز وقوعها، ولكنها لا تصل إلى درجة معجزات الأنبياء.
ولا يعني إثبات الكرامات المبالغة في قبولها والأخذ بها من كل طريق أتت، أو إثباتها للفسقة والمجرمين، ولذلك فلا بد أن نعرف من هم الأشخاص الذين تظهر على أيديهم الخوارق، ومتى تسمى كرامات ومتى لا تسمى، فلا بد من ملاحظة عدة أمور بالنسبة لكرامات الأولياء؛ لأنه ليس كل من ظهر على يده فعل عجيب يدل على أنه ولي.
فإذاً الأولياء الذين قد يجري الله على أيديهم بعض الكرامات؛ هم أناس صالحون ملتزمون بالشريعة ظاهراً وباطناً، آمنوا بالله وبما أمرهم أن يؤمنوا به، ولا يدعون لأنفسهم مكانة زائدة على أفراد الأمة، ولا يزكون أنفسهم، فلا يقولون: نحن أفضل الناس، ونحو ذلك، وهؤلاء يخفون الكرامات ولا يظهرونها ولا يقولون للناس: حصلت على أيدينا كذا، وحصل على أيدينا كذا، ولا يتفاخرون بها.
ومن الناس من يظهر على أيديهم أشياء من العجائب، لكنهم قوم فسقة استخدموا الشياطين واستخدمتهم الشياطين، إما عن طريق السحر أو غير ذلك، ولذلك فإن الله عندما وصف المؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] لا شك أن هؤلاء لا يدخل فيهم السحرة، ولا الكهنة، ولا الكفرة، ولا المشعوذون ولا المشركون، لا يدخلون في المؤمنين ولا في الولاية، ولذلك فإن أهل العلم بينوا أنه ليس كل من طار في الهواء أو مشى على الماء يكون ولياً من أولياء الله تعالى، وبعض الصوفية -كما تقدم- ادعوا الكرامات، وألصقوا بأنفسهم أشياء كثيرة من هذا المقام، وكان بعضهم يقول: إن طائراً يحملني في كل ليلة ويدخلني الجنة، ومنهم من كان يدعي علم الغيب، ومنهم من يدعي أنه يذهب ويطوف بالكعبة ويرجع في ليلته، ومنهم من يدعي أنه سقطت عنه التكاليف، ومنهم من يأتي المزابل والنجاسات ويتمرغ بها، ويدعي أشياء من الأحكام الخاصة لنفسه، وقد زعموا للخضر أشياء كثيرة في مقابلاتهم له، وفي عصرنا بالغ بعض الناس الذين لا يحسنون معرفة الأسانيد ولا نقل الأخبار الصحيحة في إثبات قصص في بعض ميادين الجهاد للشهداء ليست بصحيحة بسبب اندفاعهم العاطفي، وعدم معرفتهم لمبدأ التثبت ونقل الأخبار، والتصديق بالشائعات والزيادة عليها، ولا ينكر أن لبعض الشهداء كرامات عند الله ولا شك، وأن بعض الشهداء من أولياء الله تعالى، ولكن فرق بين إمكان حصول شيء وبين وقوعه فعلاً.
وكذلك فإنه لا بد أن يعاد القول في ضوابط الكرامات
стр. 5497
الضابط في أصحاب الكرامات
أولاً: أن يكون صاحبها مؤمناً وتقياً.
وثانياً: ألا يدعي صاحبها الولاية، لا يقول: أنا ولي.
وكذلك أن يكون عالماً بالدين وبأحكام الشريعة، عارفاً بالله تعالى وليس جاهلاً، وأن يلازمه الخوف على نفسه، وألا يترك واجبات، ولا يفعل محرمات، وألا تكون الكرامة مخالفة لأمر من أمور الدين، فلو رأى في المنام شخصاً في صورة نبي أو ملك يقول له: قد أبحت لك الخمر، أو أسقطت عنك التكاليف ونحو ذلك فليعلم أنه شيطان.
وكذلك فإن منهم من يقول: إنني رأيت النبي ﵊ في الحقيقة، وصافحته وأخرج يده لي من القبر، ونحو ذلك، فلا شك أن مثل هذا مخرف من المخرفين.
لقد وقعت حكايات لبعض السلف والعلماء تدل على وعيهم وفقههم، وعدم انطلاء حيلة الشيطان عليهم، فحكى عياض عن الفقيه أبي ميسرة المالكي أنه كان ليلة في محرابه يصلي ويدعو ويتضرع، وقد وجد رقة فإذا المحراب قد انشق وخرج منه نور عظيم، ثم بدا له وجه كالقمر يقول له: تملأ من وجهي -يا أبا ميسرة - فأنا ربك الأعلى، فبصق فيه وقال: اذهب يا لعين، عليك لعنة الله؛ لأنه يعلم أن الله لا يرى في الدنيا، وأن هذا لا بد أن يكون شيطاناً من الشياطين.
وكذلك ما يحكى عن عبد القادر الجيلاني ﵀ أنه عطش عطشاً شديداً، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت ونودي: يا فلان! أنا ربك أحللت لك المحرمات، فقال: اذهب يا لعين، فاضمحلت السحابة، فقيل له: بم عرفت أنه إبليس؟ قال: بقوله: قد أحللت لك المحرمات، فبذلك يعلم أن الكرامة التي تدعى وتكون مصادمة للشريعة ليست بكرامة.
стр. 5498
كرامات من الكتاب والسنة
لكن هل وقعت كرامات صحيحة في الكتاب والسنة وأخبار الصالحين؟
الجواب
نعم.
فمن ذلك ما أخبر الله تعالى عنه في القرآن الكريم، في سارة زوجة إبراهيم الخليل، قال الله : ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧١ - ٧٣].
فهذه المرأة سارة لا شك أنها من أولياء الله قد أكرمها الله بكرامة، وهي أنها حاضت وهي عجوز وولدت، مع أن بعلها شيخ كبير.
وكذلك الذي عنده علم من الكتاب في قصة سليمان ﵇ وكان رجلاً مسلماً عالماً من الصالحين: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل:٤٠] قيل: إنه كاتب لسليمان كان عابداً عالماً من أولياء الله تعالى، وقيل: إنه كان يعلم اسم الله الأعظم، سأل الله به، فبصلاحه وبسؤاله أعطاه الله مطلوبه، ونقل ذلك العرش من اليمن إلى الشام بطرفة عين.
وكذلك من الكرمات التي وقعت: ما جاء عن مريم ﵍ كما قال قتادة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧] قال: [حدثنا أنه كان تؤتى بفاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فعجب من ذلك زكريا] وعلى أية حال كان عندها رزق في المحراب، وجود الرزق في المحراب: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧] هذه كرامة بحد ذاتها ولا شك.
كذلك ما حصل للثلاثة (أصحاب الغار) لما دعوا الله تعالى بأعمالهم، فخرجت الصخرة من موضعها التي انطبقت عليهم فهي كذلك من كراماتهم.
وقصة الرجل الذي سمع صوتاً في سحابة، يقول: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فالرجل تتبع السحاب ونظر أين نزل المطر في بستان، فجاء إلى صاحب البستان وسأله عن اسمه؟ فأخبره باسمه، فتطابق عنده الاسم الذي سمعه منه مع الاسم الذي سمعه من السحاب، فسأله عن قصته، فأخبره بأن هذه الأرض يأخذ ثلث ما يخرج منها فيتصدق به، ويأكل هو وعياله الثلث، ويرد الثلث زرعاً وإصلاحاً وبذراً ونحو ذلك.
كذلك من الكرامات الثابتة في السنة: الكرامة لـ جريج العابد الزاهد الذي كان يعبد الله في صومعة، فتسلطت عليه زانية فلما أبى أن يستجيب لها أتت راعياً فأمكنته من نفسها، فلما حملت ووضعت اتهمت جريجاً أنه الذي فجر بها، فجاء بنو إسرائيل في عهده فكسروا صومعته بالفئوس والمساحي، ثم لما رأى ذلك مسح رأس الصبي وقال: من أبوك؟ فقال: أبي راعي الضأن، فبهتوا عند ذلك وأرادوا أن يبنوها له ذهباً أو فضة، فقال: أعيدوها طيناً كما كانت.
وكذلك سارة حصل لها موقف آخر -زوجة إبراهيم الخليل- لما أخذها الجبار، وأرد أن يؤذيها ويأخذها بالحرام، فأصابه الله بالشلل، فقال: سلِ الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت، فانطلقت يده، فعاد فقبضت يده، ثلاث مرات، حتى قال لمن معه: إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، وأعطاها هاجر خادمة لها، وخلَّى سبيلها.
وكذلك ما حصل من الرجل صاحب الخشبة الذي أعيته الأمور في الرجوع إلى صاحبه لرد الدين في الوقت المحدد، فأخذ خشبة ونقرها فجعل فيها المال، وألقاها في الماء، ثم جاء إلى صاحبه بعد ذلك، فقال له صاحبه: إن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بمالك راشداً.
هذا بعض ما حصل لمن قبلنا.
стр. 5499
كرامات حدثت للصحابة
أما ما حصل في عهد النبي ﷺ لأصحابه، فقد كان لأصحابه كرامات، فمثل أسيد بن حضير وعباد بن بشر كانا عند رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء حندس؛ -يعني: شديدة الظلمة- فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما فجعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرقا أضاءت عصا الآخر.
وهذا الحديث صحيح.
جاء عن أنس (أن أسيد بن حضير الأنصاري ورجل آخر من الأنصار تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة، وليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان؛ أي: يرجعان إلى البيت وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت لهما الطريق، كل واحد إلى بيته، أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله).
وفي رواية عن أنس: (أن رجلين خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما حتى تفرقا، فتفرق النور معهما).
فهذه الأحاديث الصحيحة في كرامة بعض صحابة النبي ﷺ ، وأسيد بن حضير نفسه هو صاحب كرامة نزول الملائكة: (لما كان يقرأ سورة البقرة وفرس له مربوطة في زاوية البيت، ويحيى ولده مضطجع بجانبها، فجال الفرس جولة حتى خشي على ولده يحيى، فأمسك عن القراءة، ثم قرأ فجالت الفرس فرفع رأسه فإذا بشيء كهيئة الظلة فيها مصابيح، تقبل من السماء فهالني فسكت، قال أسيد: فلما أصبحت غدوت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: اقرأ أبا يحيى، وهكذا ثلاث مرات، ثم قال ﵊: تلك الملائكة دنوا لصوتك، ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم).
وكذلك خبيب بن عدي لما أسروه بـ مكة، رأت امرأة من المشركين بين يديه قطفاً من عنب وما بـ مكة ثمرة، وإنه لموثق في الحديد.
وهذا الحديث أخرجه البخاري ﵀، فمن كرامات خبيب بن عدي أن الله رزقه بهذا الرزق وهو موثق اليدين سجين في مكة ولا يوجد في مكة ثمرة من هذا العنب.
وكذلك قصة أويس القرني وما كان من كرامته في إجابة دعوته.
وكذلك كان لبعض السلف رحمهم الله تعالى كرامات من جهة إجابات دعوتهم.
وكان أمير المؤمنين عمر ﵁ له كرامات في فراسته وصدق ظنه، ومن الكرامات المشهورة لـ عمر ﵁، أن عمرو بن العاص لما فتح مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل، شهر الأشهر العجم، قالوا: أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان اثنتي عشر خلون من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها أي: أعطيناهم المال وأرضيناهم وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، هذا لكي يفيض النيل، وإلا لا يفيض، فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا (بؤنة وأبين ومسرى) وهي أشهر كانت عندهم، والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً، حتى هموا بالجلاء والذهاب من هذه الأرض، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر جواباً إلى عمرو بن العاص يقول فيه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما قبله، وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، قال: فألقى البطاقة، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم السبت وقد أجراه الله ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، وقطع الله تعالى تلك السنّة عن أهل مصر إلى اليوم، فلم يعودوا أبداً لإلقاء جارية في النيل، وهذه القصة سندها رجاله ثقات، وقد ذكرها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.
ومن كرامات عثمان ﵁ الخليفة المقتول ظلماً أن جهجاه الغفاري أخذ عصا عثمان التي يتخصر بها فكسرها على ركبته، فوقعت في ركبته الآكلة؛ الآكلة مثل الدود، أكلت ركبته محل الموضع الذي كسر عصا عثمان عليه.
وهذا سنده رجاله ثقات أيضاً.
وكذلك سعد ﵁، فإنه كان مجاب الدعوة، ولذلك لما اتهمه رجل قال: أنه لا يعدل في الرعية، ولا يقسم بالسوية، ولا يغزو في السرية -أي: لا يخرج للجهاد- قال سعد: [اللهم إن كان كاذباً فأعم بصره، وعجل فقره، وأطل عمره، وعرضه للفتن]، قال الراوي: فما مات حتى عمي، قال: فكان يلتمس الجدران، وافتقر حتى سأل الناس، وأدرك فتنة المختار الكذاب فقتل فيها.
والقصة وردت في الصحيح، كيف أنه كان يغمز الجواري في الطرقات، ويتعرض للنساء في الشوارع، ويقول: مفتون أصابتني دعوة سعد.
وكذلك لما ظلمته امرأة في ادعاء أرض دعا عليها أن الله يعمي بصرها ويقتلها في أرضها، فأعمى الله بصرها ووقعت في بئر في أرضها فماتت.
وأما خالد بن الوليد ﵁، فإن من كراماته أنه لما كان في الحيرة، أتي له بسم فقال: ما هذا؟ فقالوا: سم ساعة، تأخذه من هنا وتموت، قال: باسم الله ثم ازدرده.
وسنده حسن.
وهذه القصة قيل: إنها وردت في تحدٍ حصل بين خالد وأحد المشركين، أو أحد الكفار النصارى، وأن خالداً قد شربه توكلاً على الله تعالى لإظهار اليقين لهم، ولم يضره ذلك.
وعمران بن حصين جاء في الأحاديث الصحيحة: (أن الملائكة كانت تسلم عليه) ثبت ذلك في صحيح مسلم، أن الملائكة كانت تسلم على عمران بن حصين.
وأما حجر بن عدي فإنه عبر مع جماعة من أصحاب النبي ﷺ نهر دجلة بلا سفينة بعد فتح القادسية حتى أن الفرس لما رأوهم يعبرون النهر من غير سفينة قالوا: دبوان، دبوان، أي: شياطين، شياطين، وهربوا، قال: فدخلنا عسكرهم، فوجدنا من الصفراء والبيضاء -يعني: من الذهب والفضة- وأصبنا أمثال الجبال من الكافور، وأصبنا بقراً فذبحناها فجعلناها في القدور، وأخذنا من ذلك الكافور ونحن نحسبه أنه ملح وطرحناه في اللحم، فلما أكلنا وجدناه مراً، فقلنا: ما أمر ملح الأعاجم.
فلم يدروا أنه كان كافوراً، لما رأوا هذه الكمية الكبيرة الهائلة، لم يتوقعوا ذلك.
ومن كرامات أصحاب محمد ﷺ الثابتة قصة سفينة مولى النبي ﷺ ، لما ركب في البحر -سمي سفينة لأنه كان يحمل الأمتعة في الأسفار- فركب مرة في البحر فانكسرت، فركب لوحاً منها فطرحه في أجمة فيها أسد -ألقاه في غابة فيها أسد- فقال سفينة ﵁: يا أبا الحارث -وهي كنية الأسد عند العرب- يا أبا الحارث! أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه أو بكتفه حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق، همهم فظننت أنه يودعني.
رجاله ثقات.
وممن أثبته الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء.
وكذلك فإن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها لما جيء لها بمال، أمرت أن يصب ويطرح عليه ثوب، ثم قالت للجارية: أدخلي يديك فاقبضي منه قبضة فادفعي بها إلى فلان، وإلى فلان، من أبنائها وذوي رحمها، فقسمته حتى بقيت منه بقية، فقالت لها برزة: غفر الله لكِ، والله لقد كان لنا في هذا حظ، أي: لو تركت لنا شيئاً، قالت: ولكم ما تحت الثوب، قالت: فرفعنا الثوب فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهماً، وهذا مع أن المال كان أقل مما أنفقت لما طرح في البداية.
стр. 5500
كرامات حدثت للتابعين
وكذلك فإن السلف رحمهم الله تعالى كانت لهم كرامات مثل أبي مسلم الخولاني ﵀، كان إذا استسقى سقي، كان معروفاً بإجابة الدعاء في الاستسقاء، ولذلك فإنهم كانوا يخرجون به فيستسقي لهم، فيسقون.
وذكر كذلك من كرامات بعض جيوش المسلمين التي غزت القسطنطينية، كسرت بعض مراكبهم وألقاهم الموج على خشبة في البحر وكانوا خمسة أو ستة، قال: فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منها، فكنا نمصها فتشبعنا وتروينا، فإذا أفنينا أنبت الله لنا مكانها أخرى حتى مر بنا مركب فحملنا.
ولا شك أن هذه الكرامات تدل على أن هناك من أولياء الله تعالى من يكرمه الله بأن يخرق العادة له، ويكون في هذا كرامة له في الدنيا قبل الآخرة، وإلا فما عند الله لا شك أنه أبقى وأعلى، وقد ساق ابن رجب ﵀ جزءاً من أخبار الكرامات التي حصلت لبعض السلف مما يدل على أن الكرامات ثابتة.
ومنها: أن أبا مسلم الخولاني ﵀ مر به صبيان يطاردون ظبياً، فقالوا: ادعُ الله لنا أن يحبس لنا هذا الظبي، فيدعو الله حتى يمسكوه بأيديهم.
ودعا على امرأة أفسدت عشرة امرأة بذهاب بصرها فذهب بصرها في الحال، فجاءته فجعلت تناشده الله وتطلب إليه، فرحمها ودعا الله فرد عليها بصرها.
وكذلك وقع رجل في أبي هريرة ﵁، فنزلت حية من السقف -وهذه القصة التي قالها الحافظ الذهبي ﵀ إسنادها كالشمس- تطرد وراءه كرامة لـ أبي هريرة بعد وفاته ﵁ لما وقع فيه هذا الرجل بالسوء.
وهذه القصص الكثيرة والكثيرة جداً يؤخذ منها أيها الإخوة: أن الله تعالى يبشر أولياءه في الدنيا قبل الآخرة، والمهم أن الإنسان يسلك سبيل الولاية والصراط المستقيم، ومن الكتب المهمة في هذا الموضوع كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الموجود في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى، وأيضاً هو مطبوع مستقلاً.
ونسأل الله أن يجعلنا من أهل طاعته، وأن يرزقنا التمسك بسنة نبيه ﷺ ظاهراً وباطناً.
والله تعالى أعلم.
стр. 5501
الأسئلة
стр. 5502
الصوفية وإنشاء الأضرحة
السؤال
الجهل يملأ قريتنا بسبب تغلغل الصوفية فيها لدرجة أنه في خلال ثلاث سنوات تم إنشاء أربعة أضرحة لمشايخهم كما يزعمون، وعندما ننصح أهل البلد يكون الرد: لا تحاربوا أولياء الله، ويستدلوا بالآية، وعندما نقف لهم بالمرصاد يهددوننا.
فما هو الحل مع هؤلاء المبتدعة؟
الجواب
طبعاً هؤلاء الصوفية درجات، أما نسبتهم فقيل إلى نسبة الصوف؛ لأنه كان شعار المتزهدين في ذلك الوقت، وقيل: إنه نسبة إلى الصحراء كما قال ذلك الشاعر:
فتى تصافى فصوفي حتى سمي الصوف
وقيل غير ذلك، ومهما كان الأمر فإن هذه الطريقة طريقة بدعية، فلم يكن ﷺ صوفياً ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء الأربعة ولا الصحابة وما كانوا متصوفة ولا صوفية، ولا كان عند الصحابة طريقة قادرية، ولا جيلانية، ولا طريقة عيدروسية، ولا طريقة بدوية ولا رافعية ولا شاذلية، فكل هذه الطرق التي ابتدعها هؤلاء المبتدعة، وأما الصوفية طبعاً درجات في الانحراف، فمنهم: الذين يكون بدعتهم في الأذكار، كأن يقيدوا أذكاراً بعدد معين ما ورد في السنة، أو بمكان معين أو بكيفية معينة ما وردت في الشريعة، فبدعتهم تقف عند حدود الأذكار، مثل: بعض الصلوات، يقولون: هذه الصلاة النارية، ويبتدعون في الصلوات أذكاراً معينة، أو في الصلاة على النبي ﷺ يبتدعون في كيفيات معينة في الأذكار، ويتبعون أذكاراً معينة ويواصلون عليها وهذه الصمدية، ونحو ذلك مما يسمونه، أو مثلاً يذكرون الله بالاسم المفرد كأن يقولون: (الله، الله) (حي، حي، حي) أو (هو، هو، هو).
فهؤلاء قوم لا يعقلون، ولذلك فإن الذكر بالاسم المفرد بدعة من البدع، لا يوجد شيء اسمه ذكر باسم مفرد، أي: أن النبي ﷺ ما قال (الله، الله، الله) يذكر الله هكذا، كما يقول بعضهم حتى المسجد يقول: الله، والجدار يقول: الله، وكل شيء يقول: الله، والأشجار تقول: الله، ويقول: ما ترى بعينك، يقول: الأشجار تقول: الله، والسماء والأرض تقولان: الله، ويسمع كل شيء، وربما يكون الشيطان فعلاً يسمعهم من هذا حتى يصدق فعلاً أن هذه طريقة، وربما يكون إحياءً نفسياً، وبعضهم يقول: جرب هذا الذكر، ويكتبوا: يا لطيف أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين مرة، ويقول: اذكر هذا ويقول: هذه وصفة وهذا وكان بعض أهل الدعوة والعلم في عصرنا وهو الشيخ محمد المصري ﵀ قد سمع بأن أحد الصوفية يزعم أنه يوصل من يريد إلى الله مباشرة، يجعله يتصل بالله، فذهب إليه، فقال: أنا سمعت أنك توصل من يريد بالله ؟ قال: طبعاً هذا أكيد، قال: وما هو المطلوب؟ قال: لا بد أن تجلس عندي أربعين يوماً، قال: أنا مستعجل وعلى سفر ولا يمكن، أنا أكثر شيء أستطيع أن أجلس عندك ثلاثة أيام، فالمهم في الأخير حتى لا يكون هذا ما عنده علاج، وافق له على ثلاثة أيام ثم أعطاه أشياء معينة، أذكاراً معينة، كتب له كتابة فيها البدعي وغير البدعي، وقال: هذه في ثلاثة أيام تواظب عليها في الأوقات الفلانية، وفي الظلمة وفي كذا، وتحت السنة لازم تحت السنة، قال: اكتب لي توقيعك عليها حتى لا يعارضني أحد في أن هذه الأذكار هي من عندك أنت شخصياً، فكتب له توقيعاً عليها، ثم جاءه بعد ثلاثة أيام فقال: ما حصل لي شيء، ما وصلت ولا أحد كلمني ولا فقال: أنت يمكن عندك قسوة قلب، أو أنك ما طبقت الوصفة كما ينبغي ونحو ذلك.
فقال: أشهد لله العظيم أنك كذاب، ومثل هؤلاء المقصود كان إثبات عجز هذا الرجل وغيره الذين يقولون أنه يوصل إلى الله تعالى مباشرة، أي: تكلم الله مباشرة، نعطيك أوصافاً وأوراداً وبعضهم كان يدعي الكرامات، واحد منهم كان يلقب بـ الحاروني كان يزعم أنه يتصل بالله، بذكر يرفع السماعة ويكلم فيه، وبعضهم يقول: أن الشيخ الفلاني ضرب الشيخ الفلاني من دمشق إلى بغداد بالحذاء، بينهم ثأر فضربه من هناك.
وبعضهم طبعاً يزعم أنه من أهل الخطوة، وأنه ينتقل من بلد إلى بلد، المسافات الشاسعة، لكن فعلاً قد ثبت لدى شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن بعض هؤلاء فعلاً يذهبون إلى مكة بالاستعانة بالجن، يذهبون في ليلة من بلد بعيد ويرجعون، وربما حكوا قالوا: رأينا كذا ورأينا كذا، وقال شيخ الإسلام ﵀: ومن منكراتهم: أنهم يمرون بالميقات ولا يحرمون منه، الجني لا ينزل في الميقات يحرم، فيأخذه مباشرة.
فهؤلاء كما قلنا بدعهم في الأذكار، وبعضهم بدعهم تصل إلى الشرك وادعاء الكرامات والكفر، ووحدة الوجود، وكان بعضهم يقول: كل ما ترى بعينك فهو الله، ليس في الجبة إلا الله، فرعون كان محقاً لما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] لكن موسى ما فطن لها؛ لأن كل شيء في هذه الدنيا جزء من الله، تعالى الله عن قولهم.
المهم هؤلاء الذين يعملون الأضرحة، هؤلاء طبعاً يؤلهون أصحاب الأضرحة، أي: يثبتون لهم أشياء من التوحيد التي لا تجوز إلا لله، مثل: طلب شفاء المريض، مثل: طلب الزرق، طلب نزول المطر، إذا قحطوا قالوا: عليكم بقبر البدوي، قبر أبي العباس المرسي يعني: مجرب ونافع، وقبر فلان لكذا، وهذه المرأة التي لا تحمل تحمل إذا جاءت عنده، وبعض هؤلاء المشركين كان لهم بدعاً قبيحة، وبعض هؤلاء الذين في الأضرحة على ثلاثة أقسام: إما أناس من أهل التوحيد الذين لا يرضون هذا المنكر أبداً كما عبدت النصارى المسيح والمسيح منهم براء، ومن هؤلاء الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى، وهذا من أئمة أهل السنة.
وذكر فضله شيخ الإسلام ﵀ وأثنى عليه، فـ عبد القادر من أئمة أهل السنة لكن الناس غلوا فيه حتى جعلوه إلهاً بعد موته يطلبون منه شفاء المرض، ويطلبون منه المغفرة، ويطلبون منه الشفاعة عند الله، وغير ذلك.
وكما فعل الغلاة بـ الحسين، وكما فعلوا بـ زينب، وكما فعلوا بكذا، وحتى ما يفعله كثير من المشركين عند قبر النبي ﷺ .
ومن المقبورين: من يكون من المشركين الكفار، ولكنهم ألهوهم وجعلوهم أولياء، مثل البدوي الذي كان تاركاً للصلاة، متعاطياً للخمور متعاطياً للمحرمات، وكان أيضاً والغاً في النجاسات؛ لأن بعض هؤلاء الرءوس كانوا لا يتنزهون من النجاسات، وربما لا يغتسلون، طبعاً اتصال برهبنة في النصارى، مسألة الصوفية اتصال بين النصارى والصوفية وموجودة، وصلة بين التصوف المنتشر كذلك قائمة وحقيقية، فبعض هؤلاء كانوا لا يصلون كـ البدوي وربما فعل الأشياء السخيفة كما حدث أنه مرة وقف على جدار فبال على الناس وهم يمشون في الطريق، فهموا به وأخذوه، قال: أنا مالكي، ونحن المالكية نقول: بول كل ما أكل لحمه فهو طاهر، قال: الناس يغتابوني، أي: يأكلون لحمي، إذاً بولي طاهر.
ولذلك فإن مثل هذا الرجل الذي يطاف عند قبره بالملايين في السنة، وربما يذبحون، يطوفون بالقبر ويحلقون الشعر ويذبحون الذبيحة، ويأتون من القرية ببقرة يذبحونها عنده، فهؤلاء الذين ذكرهم يبنون المساجد على هذه الأضرحة ويجعلون لها سدنة.
النوع الثالث من الذين في القبور: من الدواب، حمار أو كلب أو تيس، يدفنونه مثلما يفعل بعضهم في فتح باب رزق بالنسبة له، كما حصل لأحدهم أنه دفن حماراً ثم هب إلى القرية يقول: الولي فلان مات وأوصاني بقبره، وقد دفنته، وجاءوا إلى القبر وجعلوه هو المسئول عن هذا القبر وما يأتي إليه من أموال.
إذاً هؤلاء الناس ماذا يفعل الإنسان بهم؟ إن كان له سلطة أنكر المنكر بيده، وإن لم يكن له سلطة فليس إلا المناصحة وإقامة الحجة والبيان، فإن لم يستطع أنكر بقلبه، وشكى أمره إلى الله تعالى، وحاول أنه يدعو من الناس من يرجى فيهم التقبل؛ لأن بعضهم إذا دعاهم كادوه وضيقوا عليه، يدعو من يرجو فيهم التقبل، حتى إذا زادوا كان هناك تياراً يحارب هذه الشركيات.
стр. 5503
حكم احتساب ما يدفعه للمكوس على أنه زكاة
السؤال
ما حكم احتساب ما يدفعه للمكوس على أنه من الزكاة؟
الجواب
هذا لا يجوز، وليس بصحيح أنه يدفعه؛ لأنه لم يدفعه إلى أحد من الأصناف الثمانية، فإن الله قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة:٦٠] أسلوب حصر: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] فإذا جعلت للمكوس فلا يكون قد أدى الزكاة إلى أهلها، وكذلك لا يجوز أن يستفيد من الربا لدفع المكوس أو الضريبة؛ لأن الربا لا يجوز الاستفادة منه ولو في دفع الشر عن نفسه.
стр. 5504
جعل الدين زكاة على المدين
السؤال
له دين عند فقير ولا يستطيع أن يرد الدائن عليه.
فهل يجوز اعتبار ذلك من الزكاة؟
الجواب
لا يجوز إسقاط الدين للزكاة، واحتساب الزكاة من الدين المعدوم؛ لأن هذا مال لا يرجى عودته، فيفتدي نفسه وماله بالزكاة ويقول: أسقطه عنك مقابل الزكاة، لا يجوز فإنه مال رديء، قال الله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] لا تأخذ تمراً رديئاً، تمراً فيه سوس إلا على كراهية وعلى إغماض منك إذا أخذته، فكيف تجعل هذا المال الرديء الشبه معدوم زكاة؟ ثم أنت لما أعطيته المال، أعطيته بأي نية؟ أعطيته بنية قرض، فكيف الآن تجعلها زكاة؟! ولا بد للزكاة من نية عند الإعطاء، ثم إن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فهي صدقة تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 5505
مهلا أيها الزوجان !
هذه رسالة إلى كل زوج وزوجة فيها حلول كثير من المشاكل الزوجية، وقد ضُمنت عدة أسباب للمشاكل الزوجية منها: الإهمال وعدم الإحساس بالمسئولية حب التسلط سوء الظن الرتابة في الحياة، وكذلك تدخل الأقارب والجيران بين الزوجين بغرض الإفساد إلخ.
стр. 5506
مقدمة عن المشاكل الزوجية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فأحييكم -إخواني- بتحية الإسلام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ونقول في مطلع هذا الدرس: الحمد لله الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها وجعل بيننا مودة ورحمة، هذا الزواج الذي هو نعمة من الله أنعم بها على عباده يحصل من ورائها منافع عظيمة ومصالح جمة، ولولاه لوقع الناس في حرج عظيم، بل لربما هلك الجنس البشري بدون هذا الزواج، والله الذي خلق الرجل وخلق المرأة وهو أعلم بهما شرع هذا الزواج وأمر به وحث عليه، ورسول الله ﷺ تزوج وعلم الأمة أحكام الزواج وآدابه.
سبق لنا -أيها الإخوة- أن تكلمنا في محاضرة سابقة بعنوان: رسالة عاجلة في المشكلات الزوجية عن نصف هذا الموضوع أو عن جزء منه، ونحن نريد أن نكمل -إن شاء الله- هذا الموضوع في هذا الدرس؛ ولأن الموضوع يتكلم عن المشكلات وعما يحدث بين الزوج وزوجته من الأمور التي تعكر صفو الحياة الزوجية ويحدث بسببها شقاء عظيم قلنا: مهلاً أيها الزوجان! ليقف كل واحد منهما متأملاً متدبراً حياته وعيشته مع الطرف الآخر، ويقف وقفة تصحيح وتأمل في وضعه مع زوجته، وتقف الزوجة موضع تصحيح وتأمل لوضعها مع زوجها، ولعل كل واحد إذا سمع عن شيء من المشكلات في هذا الدرس ليست عنده ولا يعاني منها فليحمد الله على العافية، ويسأل الله المزيد من فضله.
فإنكم ربما تسمعون -أيها الإخوة- من غرائب الأحداث والأخبار التي تحصل في المجتمع والتي نريد أن نذكرها ونقف عندها ونلقي مزيداً من الضوء عليها؛ لأن المشكلات موجودة بالفعل ولأن هذه المشكلات من الخطورة بحيث تهدد كيان هذا المجتمع.
وكثرة حوادث الطلاق وتفشي الأخبار السيئة عن هذا الموضوع هو الذي يجعل لزاماً تكرار الكلام فيه وبسط الكلام والتوسع من أجل لمس الأوتار الحساسة في هذه القضية.
فقد تكلمنا في المحاضرة الماضية الجزء الأول عن أمور منها: الموقف من الزوج الكافر المستهزئ بدين الله التارك لفرائض الله الذي يرتكب الفواحش، ومسألة الخيانات، والزوج الذي يقاوم الخير، والزوجة الفاسقة الفاجرة في المقابل، وتكلمنا عن المراحل التي تمر بها العلاقة الزوجية وعن بعض المشكلات مثل: معايرة الزوجة والسب والشتم وقضية العناد والزوج البخيل والمرأة الجبانة وهكذا من المشكلات إنما كان هذا تلخيصاً لبعض النقاط التي أوردناها في المرة الماضية.
ونقول إجابة على سؤال طرح في المحاضرة الماضية ما هو الموقف من الزوج الفاجر؟ أما الزوج الكافر فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تبقى معه أبداً، فإن الله يقول: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠].
وأما الزوج الفاجر الذي يرتكب الكبائر وتسبب هذه الكبائر مشكلات كثيرة للزوجة وشقاءً ونكداً وتعاسة، فإن المرأة تضطر للموازنة بين الأمور ومعرفة المصالح والمفاسد للتقرير في استمرارها مع هذا الرجل الفاجر من عدم الاستمرار، فقد تضطر المرأة لاحتمال أدنى الضررين من أجل درء مفسدة أكبر، هب أن امرأة -مثلاً- اكتشفت أن زوجها له علاقة بالهاتف -مثلاً- ببعض النسوة وعندها منه أولاد، وهذا الرجل بفجوره ينغص حياة زوجته، ولكن هذه المرأة قد توازن فترى أن تركها لزوجها قد يوقعه في فواحش وأن معصيته الآن قد وصلت إلى درجة معينة وقد تزداد سوءاً لو فارقته، وأن الأولاد من جهة أخرى قد يضيعون، ومهما حاولت فيه لم تر تحسناً فماذا تفعل؟ فنقول: ربما كان صبرها عليه ودعائها له مع البلية التي فيه هو أخف الضررين، ومع الألم النفسي الذي يعتري المرأة من سماع أحاديثه وفسقه وفجوره، وهو يواعد هذه ويتكلم مع هذه ويطلب من هذه أن تخرج معه، إن هذا الوضع يشكل ضغطاً نفسياً كبيراً على المرأة ولكن ماذا تفعل؟ وقد يكون السبب أنها انتقلت من بيت دين وخير إلى رجل لم يسألوا عنه ولم يتحروا، فاكتشفت بعد سنوات من الزواج وبعد أن أنجبت أولاداً وبناتاً أن له علاقات معينة، وقد يظلمها ويضربها ولا تطيقه.
وهذه امرأة تشتكي من وجع يدها من الضرب ثلاثة أشهر وهي تتحسر ولكن ماذا تملك أن تفعل والمرأة ضعيفة في الغالب، فهذا جواب سريع على السؤال الذي طرح في المرة الماضية عن الموقف من الرجل الفاجر.
وأما المشكلات التي سنتكلم عنها في هذه الليلة فإن النظر في أنواع المشكلات يرجعها إلى أسباب عدة: فمن الأسباب ما يكون في الزوج والزوجة داخلياً مثل: أولاً: الإهمال وعدم الإحساس بالمسئولية.
ثانياً: التسلط.
ثالثاً: التدخل فيما لا يعني.
رابعاً: سوء الظن.
خامساً: عدم التوافق النفسي.
سادساً: اعتقادات فاسدة.
سابعاً: وسوسة.
ثامناً: فارق التعليم.
تاسعاً: فارق الطبقة الاجتماعية.
عاشراً: عدم القناعة بالأمور المادية.
الحادي عشر: الغيرة المذمومة.
الثاني عشر: الرتابة في الحياة.
الثالث عشر: عدم الصراحة والصدق.
الرابع عشر: فارق السن.
وهناك عوامل خارجية تسبب المشكلات، مثل: أولاً: تدخل الأقارب.
ثانياً: تأثير الجيران.
ثالثاً: الأفلام والمجلات.
رابعاً: الجلسات المختلطة المحرمة.
فهذه بعض العوامل الأخرى التي تسبب المشكلات الزوجية.
وسنضرب لكل واحدٍ من هذه العوامل بأمثلة، ونضيف إليها أيضاً من العوامل: الأول: عدم معرفة الشخص الصحيح الذي يلجأ إليه عند حصول الإشكالات، فيتم الذهاب إلى العرافين والدجالين والسحرة الذين يسرقون أموال الناس وينهبونها، ويغفل عن دور المصلحين والدعاة وأئمة المساجد وغيرهم من طلبة العلم في دورهم في فض مثل هذه المنازعات.
стр. 5507
الإهمال وعدم الإحساس بالمسئولية من قبل الزوجين
ونبدأ مستعينين بالله تعالى في تبيان أمثلة لهذه المشكلات وما هي النصائح فيها.
تقول امرأة: زوجي يعمل أعمالاً حرة ولا يرجع أحياناً إلا في الساعة الثالثة أو الرابعة ليلاً، ولا يأتي على وجبة الغداء ولا نراه إلا نادراً، ونصحته، فقال: هذا شغلي، فإذا أردتني هكذا وإلا مع السلامة، وهي تقول له: انتبه لأهلك ولأولادك أنا امرأة شابة، إذا مرض الولد ماذا أفعل هل آخذه بسيارة الأجرة لوحدي؟ وهو مع ذلك مهمل في البيت، وتقول: إن بإمكاني أن أطلب الطلاق ولكن ماذا يفعل أطفالي؟ كم إجازة تأتي وتذهب ولم أر أهلي، وإذا ذهبت إلى أهلي فترة لا يسأل عني ولا يأتي لأخذي، وأقول له وأنصحه: نظم وقتك وانتبه لنا ولا أقول لك لا تعمل ولكن بالحدود؛ ولا فائدة.
فنقول: هذه المشكلة واضح فيها جانب الإهمال وإن على هذا الزوج أن يتقي الله في زوجته وأن يعلم بأن هذه المشاغل الدنيوية لن تنفعه عند الله يوم القيامة ما دام على هذا التفريط في حق زوجته، وأنه ينبغي لمثل هؤلاء الأشخاص هزة قوية توقظهم من غفلتهم وسباتهم.
وهذه حالة مشابهة: امرأة تقول: لا يهتم بي ولا بابنتي لا يسأل عنا، كل يوم مع أصحابه من الشباب، وربما يحضر حلقات علم -يعني: فيه خير- ويقرأ ويطلع، ولكن معاملته مع الناس غير معاملته معي، بعد زواجنا ذهبنا للعمرة فأخذت عمرة لإحدى قريباتي ولا زال يعيرني بها إلى الآن، هو متدين في نفسه ولكن معاملته شيء آخر، يسجل كل أخطائي ولا ينسى منها شيئاً، أقول له في الإجازة: خذنا مكاناً للترويح أو للعمرة فيرفض، ضربني ثلاث مرات وهو يعلم أنني حامل في الشهر الثاني، وسوء معاملته تزداد ويأخذني إلى أهلي يوماً كاملاً يرميني عندهم، وبعد يومين يرجع لأخذي، وكلما أرجعني أبي إليه أعادني وتركني عند أهلي، ولا يسأل عن ابنته بالأيام إذا صارت عند أهلي، ويترك الناس يصرفون على العائلة، وربما فضحني وتكلم عني ونقل الكلام لأهله، ولا يريد بيتاً ولا يتحمل مسئولية، ويعيش مع أهله الآن تاركاً لي عند أهلي ولا يسأل عن بنته.
وربما تهدد أبي وقال: لولا أن المحاكم مقفلة في العطلة لكان لي معكم شأن آخر، وربما نصحه أهله ولكنه لا يستجيب -وهي حامل الآن- وتقول: هل يجوز لي الإجهاض مع هذه الحالة التي أنا فيها.
مرة أخرى نقول: إن بعض الناس يظنون أن التدين في جوانب معينة، كأن يكون محافظاً على الصلوات، ملتزماً بالسنن، له أصحاب طيبون وربما يمارس الدعوة إلى الله ويطلب العلم، ولكن الدين -أيها الإخوة- لا بد أن يشمل الجوانب الأخرى الحساسة في الحياة، لابد أن يدخل الدين بنوره وهداه وأحكامه إلى البيت وإلى العلاقة بين الزوجين، وإلى تربية الأولاد وإلى الاهتمام بالأسرة، أما أن يكون مظهراً التدين خارج البيت فإذا رجع انقلب وحشاً كاسراً، أو رجلاً مهملاً شريراً، فهذا ليس من الدين في شيء.
فنقص التصور عن الدين ونقص التصور عن وجوب دخول الدين والإسلام في كل صغيرة وكبيرة هو الذي يُبرز لنا هذه المشكلات، ومثل هؤلاء يحتاجون إلى تذكير بالله، وتبيان بأن هذا ظلم والله لا يحب الظلم ولا يرضى به، وربما محقت سيئات عمله هذا كثيراً من أعماله الحسنة التي يعملها خارج البيت.
ونذكِّر هنا باعتنائه ﷺ بأهله، وكيف كان وضعه ﵊ داخل البيت، هذا رسول الله ﷺ يغتسل هو وزوجته كما جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه تختلف أيدينا عليه، فيبادرني حتى أقول دع لي دع لي، قالت: وهما جنبان) فكان يداعب زوجته ﷺ وهو يغتسل معها في أعمق مكان في البيت وفي أخص شيء، ولا زالت العلاقة موجودة بهذه اللطافة وهذا الحسن في المعاشرة، ضرب لنا مثلاً ﷺ بحياته، فهلا تأسينا به! ومن أسباب المشكلات كذلك: إهمال الزوج الإصلاحات داخل البيت، فيترتب على ذلك أمور كثيرة من نقص الأشياء المهمة والحاجية وحصول ضيق في العيش بسبب عدم إقدام الرجل على تفقد ما ينقص البيت، وربما جلست ورقة الأغراض في جيبه أياماً ولا يحرك ساكناً، وربما تعطلت أشياء تحتاج إلى إصلاح وهو لا يأتي بمن يصلحها.
وهذا لا شك أنه يسبب ضيقاً للزوجة التي تعمل في البيت وتتعطل عندها الأشياء، فكيف إذا كانت الأشياء تسبب روائح كريهة ونحو ذلك من الأمور التي لا تطاق، والزوج خارج البيت يتنقل والزوجة تعاني من هذه المشكلات.
وفي المقابل يوجد زوجات ذوات طلبات كثيرة مرهقة للزوج ومزعجة، مرهقة مالياً وجسدياً، فنقول لهؤلاء النساء: اتقين الله في أزواجكن، ولا تكلف امرأة منكن زوجها مالا يطيق، وإن هذا من الأمور التي تخالف واجب المرأة نحو زوجها، ولنأخذ مثالاً: رجل يعود إلى البيت بعد العمل منهكاً متعباً يريد الراحة ويصعد الدرجات، فإذا بزوجته تقول له: انزل ينقصنا حزمة من الشيء الفلاني، مع أن حسن التصرف يقتضي أن تعد المرأة ما يحتاج إليه البيت وما يحتاج إليه الطعام حتى يأتي بها الرجل في أثناء عودته، أو تتصل به لتخبره بدلاً من أن تنزله أكثر من مرة أحياناً ليشتري الأشياء وقد جاء في حينه من العمل، وهذه من الأمور التي تسبب التضايق، نعم.
قد يحدث ذلك أحياناً، ولكن إذا تكرر دائماً بحيث ينزل الرجل ويشتري الأغراض وهو في مثل هذه الحال فهذا يكون شيئاً مزعجاً.
стр. 5508
عدم توفير حاجات البيت
ومن المشكلات أيضاً التي تنتج عن الإهمال وعدم الشعور بالمسئولية، هذه حالة امرأة لا يوفر لها زوجها الطعام في البيت وقد ينام الأولاد على جوع والزوجة توفر من مالها الخاص لشراء الحاجيات ولا يوجد صابون ولا غسيل ولا منظف ولا ملابس كافية للأطفال ولا يشتري للطفل إلا حذاء واحداً في فترة طويلة، وقد تكبر قدم الطفل ويحتاج إلى حذاء ولا يوجد له حذاء، وهو لا يربي أولاده ولا يراقبهم، يأكل ويذهب للعمل وهي تخرج إلى الشارع لمراقبة الأولاد والبحث عنهم، وقد يمنعها الطبيب من الوقاع لمرض أثناء الحمل وهو يرغمها على ذلك ولا يراعي ظرفها الصحي، ويقول لها: إن الملائكة تلعنك، تمشي في البيت ودمعتها على خدها ويقول لها مُهيناً هاتي حذائي وهو تحته، وإذا طلب منها كأس ماء فلا بد لها أن تقف طيلة الوقت حتى يشرب هو من باب الإذلال، وكيف يكون لهذه المرأة نفسية أن تتزين لزوجها، وهذا الإهمال قد يتعدى إلى صحة المرأة، فقد تحتاج إلى عمليات جراحية أو أخذ إلى الطبيبة ونحو ذلك وهو لا يفعل، ومع ذلك يتهددها بالزواج بأخرى، ويقول: أنت امرأة عاقة وعاصية لا تعملين في البيت ولا تقضين الحاجات، وتنعكس هذه المشاكل على الأطفال.
وهذا مثل واقعي آخر لما ينتجه الإهمال، إنها مخالفة صريحة لقوله ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) فهل يكون هذا الزوج متقياً لله سبحانه تعالى وعنده خير لزوجته وهو يتعامل مثل هذا التعامل؟ وماذا يكون الوضع؟ من الأشياء التي تسببها المشكلات الزوجية وسوء المعاملة من قبل الزوج: إعطاء فكرة سيئة عن أهل الدين إذا كان هو ممن ينتسب إلى التدين، فماذا يقول أهل زوجته عندما يرونه -مثلاً- يرميها عندهم ويأخذ نقودها إذا كانت موظفة وربما يتهمها في عرضها وهذا أمر خطير جداً وقذف وأنتم تعلمون حد القذف في الشريعة، وإذا جاءته للتفاهم قال: اذهبي أنا لا أتفاهم معك أنا أتفاهم مع أبيك، وإذا جاء أبوها قال للأب: هذا شيء خصني ما دخلك أنت بيني وبين زوجتي، فلا هو يتفاهم معها ولا هو يتفاهم مع أبيها، وتبقى المسكينة معلقة.
فأقول: إن مثل هذه الحالة تسبب ولا شك أخذاً سيئاً لفكرة لا تليق أبداً على المتمسك بدينه، ويحق للناس أن يتكلموا عند ذلك في أشياء، وربما كان هذا الرجل من الذين يصدون عن سبيل الله.
стр. 5509
الجفاف والغلظة في معاملة الزوجة
وبعض الأزواج يطلب من زوجته عمل المستحيل، فقد يكون ليس له إلا ثوب واحد وبقية ملابسه في الغسيل مثلاً وهو يطلب منها أن يكون هذا الثوب جاهزاً ونظيفاً مع أنه يلبسه هو، وقد يكون من النوع البخيل الذي لا يشتري لنفسه ثياباً، فماذا تفعل المسكينة من أجل إرضائه؟ وبعض الزوجات قد تريد أن تضحك في وجه زوجها أو تلاطفه ولكن سوء المعاملة لا يساعدها على ذلك، وربما اضطرت أن تستخدم حاجيات أختها لعدم توفير الحاجات لها.
والجفاف والغلظة في المعاملة الزوجية لا ترضاه الشريعة أبداً، بل إن رسول الله ﷺ أخبر بأن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق، والجفاءُ والغلظةُ ينافيان الرفق، وكون الرجل يغلظ تشبهاً بأبيه أحيانا، فبعض الرجال يغلظ مع زوجته، يقول: هكذا يفعل أبي في البيت، فيفعل مثله، فهل كون أبيه قاسياً مع أمه يتعامل معها بغلاظة، هل يكون مبرراً لأن يقلده الولد في المعاملة مع زوجته؟ هذا لعمر الله من التقليد الأعمى المضر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] وهذا سبب آخر من الأسباب التي تؤدي إلى تفاقم المشكلات الزوجية.
كون الرجل ليس عنده اهتمام بالأطفال فلا يأخذهم في نزهة ولا في ترويح مباح مما يضايق الزوجة ويضايق الأطفال.
ومن المشكلات الأخرى أن يكون الرجل قد نُزعت منه الرحمة تجاه زوجته وأولاده، فقد يهينها أمام الناس، بل في السوق والشارع، وقد يضربها وهي حامل، وهذا رجل وقع بينه وبين زوجته خلاف فطردها من البيت الساعة الثانية عشرة ليلا، توسلت إليه وقبلت رجله دون فائدة، مع أنها قد أحسنت إليه وساعدته في شراء أثاث للبيت وسيارة له، وربما باعت ذهبها من أجله ولكنه لا يقدر ذلك.
وتوفير الأشياء ينبغي أن يكون باقتصاد، فإن الاقتصاد من النبوة، بعض النساء -مثلاً- تهتم بالتموين في البيت وقبل أن تنفذ الأغراض بقليل تطلب أشياء، وهذه حكمة فإنه ليس من الصحيح أن تنتظر دائماً حتى ينتهي كل شيء ثم تطلب، ويتأخر هو في الطلب ثم يعاني البيت من نقص أشياء، فلا ينبغي للزوج عند ذلك أن يقول لها مثلاً: الشيء موجود عندك، صحيح عندها ولكن الذي عندها لا يكفيها إلا فترة قليلة، فينبغي أن يراعي ذلك، وفي المقابل لا تكون هي من النوع الذي يكثر الطلبات وربما تفسد الأشياء في البيت وهي لا تحسن حفظها ولا طهيها ولا تخزينها، وعدم اكتراث الرجل بالأشياء التي يحتاج إليها بيته كأن يقول: نسيت، لا تكلميني الآن، لا شك أن هذه الأمور منافية للمعروف الذي أمر الله به في المعاشرة فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩].
وبعض الزوجات قد تضطر إلى الذهاب إلى الجيران لاستلاف الأشياء وهذا أمر سيئ، وماذا يقول الجيران عن صاحب البيت الآخر، وبعض الجيران من مضايقتهم لجيرانهم يستلفون منهم كل شيء (يعني: ابتداءً من إلى) تدق الباب عندكم طماط؟ نعم.
دق الباب: عندكم خبز؟ نعم.
عندكم كذا؟ عندكم كذا؟ ما هو السبب؟ قد يكون السبب سوء إتيان الرجل بأغراضه إلى البيت، وقد يكون السبب طبعاً سيئاً في هؤلاء الناس أنهم يريدون الاعتماد على الآخرين، الرسول ﷺ علَّم أصحابه أنه لو سقط سوط أحدهم من يده ألا يقول للآخر ناولني إياه، كلما كان الرجل في استغناء عن الناس كلما كان في عز، وفي مكانة محفوظة ومحترمة أكثر.
стр. 5510
تسريب الأسرار البيتية إلى الخارج
ومن المشكلات المتعلقة بالحياة الزوجية: تسريب الأسرار البيتية إلى الخارج، بعض الناس علاقتهم بإخوانهم أخص من علاقتهم بزوجاتهم، وهذا ليس عليه انتقاد في الظاهر وفي المبدأ، لكن في الأمور الداخلية يجب أن تبقى علاقة الرجل بالرجل كرجل، وعلاقته بزوجته شيء آخر، فلا يصح أن ينشر بين الرجال أو يخبر شخصاً من الأشخاص دون مصلحة شرعية بما يحدث بينه وبين زوجته من أسرار الاستمتاع وغير ذلك، ولا يجوز لها هي أن تخبر أخواتها أو صديقاتها -مثلاً- ما يحدث بينها وبين زوجها من الخصوصيات وأسرار الاستمتاع كذلك، وهذا حرام، بل إن رسول الله ﷺ قام مرة وقال: (لعل رجلاً يدخل بيته ويستتر بستر الله؟ قالوا: نعم.
ثم لعله أن يأتي الناس فيخبرهم بما يقع بينه وبين زوجته، فسكتوا، وقال للنساء مثل ذلك فسكتن، فقامت امرأة على ركبتيها متطاولة ليسمعها رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثن، فنهاهم ﷺ أن يفعلوا، وأخبرهم أن مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانه في الطريق فقضى حاجته والناس ينظرون إليهما).
فأن يكون لك علاقة خاصة مع صديق أو أخ في الله فهذا لا يعني أن تسرب الأسرار الخاصة إليه وتخبره وتبوح له بكل شيء، لكن قد يضطر الرجل أن يسأل عالماً أو طالب علم عن شيء من هذه الأشياء الخاصة في مشكلة لا بد لها من حل، هذا لا بأس به، ولكن أن تأخذنا العلاقات الأخوية الفضفاضة بحيث أنها تستوعب كل شيء حتى القضايا الخاصة والمعلومات الدقيقة والأشياء الحساسة التي من المفترض أن تكون أسراراً، فهذا لا يجوز.
стр. 5511
التدخل فيما لا يعني
ومن المشكلات كذلك: عدم معرفة كل من الزوجين لحدوده ووظيفته، فبعض الناس مثلاً يقول: زوجتي شريكتي في الحياة إذاً لا يصح أن أخفي عليها أي شيء، فيخبرها بأسرار له، قد تكون بينه وبين أخ له مسلم، أو بينه وبين أهله لا يصح أن تطلع عليها هي، وهذا عكس الحالة الماضية، وفي هذه الحالة نقول له: إن أسرار المسلمين أمانة عندك فلا يجوز أن تسربها إلى زوجتك بحجة أنها شريكة في الحياة لا يصح أن يخفى عليها شيئاً، فلكل مقام مقال، ولكل حال التصرف المناسب فيه، فأحياناً قد يخبرها عن أمور مالية، إخبارها عنها يسبب مشكلة، وقد يقول واحد: لا بد أن أخبرها إلى أين أذهب دائماً، ومع من أجلس، وماذا أعرف، وماذا أقرأ، أن تخبرها ماذا تقرأ لا يضر، ولكن بعض الناس قد يتعدون ذلك ليخبر زوجته عن كل خصوصية حتى فيما يتعلق بزملائه وأصدقائه مما يسبب حرجاً لإخوانه في الله، ويسبب ثرثرة من المرأة فتخبر صديقاتها الذين لا يخبرهم أزواجهم في المقابل عن مثل هذه الأمور، فيرجع الزوجات إلى الأزواج، فيقلن: سمعنا من فلانة أنك تفعل كذا وكذا -ما شاء الله- ولماذا لم تخبرنا؟ والسبب أن زوجاً من الأزواج قد باح بأسرار أخيه.
نوضح الأمر بمثال: نفرض أن مجموعة من الناس اتفقوا على أن يقوموا بأمر معين من الأمور المتعلقة بطلب العلم على سبيل المثال، أو نشاط من نشاطات الدعوة إلى الله، اتفقوا على دعوة شخص أو على القيام بأمر من الأمور في الدعوة إلى الله ، ليس من المناسب أن تعرف الزوجة كل تفصيل يتعلق بهذا الأمر، فيأتي واحد ويتوسع ويخبر زوجته بكل شيء يفعله، فهذه الزوجة تخبر صديقاتها، فتذهب صديقتها إلى زوجها فتقول: ما شاء الله! أنت تفعل كذا وكذا ونحن لا ندري، لماذا تخفي عنا؟ ولماذا تفعل كذا؟ وهذا الرجل من باب الإخلاص والرياء كتم المسألة ما أحب أن يقول لزوجته: والله أنا سأدعو فلاناً وفلاناً، وأنا أحفظ كذا وكذا، وأنا أقوم بكذا وكذا، من باب الإخلاص كتم الأمر، وصاحبه سرب القضية، فذهبت امرأته فأخبرت المرأة الأخرى فجاءت المرأة الأخرى لزوجها معاتبة.
مثلاً: هل كل ما فعل الزوج في الصدقات يرجع ويقول لزوجته: اليوم والله رأيت واحداً وتصدقت عليه، واليوم أنا فعلت كذا وكذا، لا.
في بعض العبادات تخفى حتى على الزوجات، وهناك بعض الأشياء ليس من المناسب إخفاؤها عن الزوجة أبدا، وما الذي يحدد ذلك؟ الحكمة التي ينبغي أن يتمتع بها الزوج وتتمتع بها الزوجة، وحتى الزوجة ليس من المناسب أن تخبر زوجها عن مشكلات عائلية موجودة عندها هي، فتخبر زوجها دائماً عن المشكلات التي تحدث بين أبيها وأمها، ليس من المناسب ذلك.
فإذاً يسأل العبد الله أن يرزقه الحكمة في مثل هذه الأمور، وبعض الزوجات تظن أنه بما أن زوجها لا بد أن يعلم أين تذهب هي ومع من تجلس، فهي كذلك لا بد أن تعلم أين يذهب هو بالضبط ومع من يجلس، وهذا قياس مع الفارق، فإن الزوج مسئوليته عن زوجته أكبر من مسئولية الزوجة عن زوجها، والزوج يحق له أن يعرف أشياء عن زوجته في ذهابها ومجيئها ليس بنفس الدرجة التي يحق لها هي أن تعرف عن زوجها؛ إلى أين ذهب وماذا يفعل بالضبط، فالرجل هو المسئول في البيت: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] الرجل هو القوام: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤] فلا يصح للمرأة أن تخلط وتقول: لماذا أنا أخبرك بما أفعل؟ وأنت يجب أن تخبرني بماذا تفعل، لماذا يجب أن أستأذنك في الخروج من البيت؟ وأنت استأذني في الخروج من البيت، هذه مهزلة، فهناك فارق بين الرجل والمرأة يجب أن يراعى، فالتي تعاند ولا تبلغ زوجها بهذه الحجة امرأة مخطئة، ينبغي أن تتقي الله وأن تخبره بما تريد أن تفعل.
ومن الأشياء التي تسبب مشكلات أيضاً: عدم مراعاة الأزواج مسألة إتيان الزوجة، فبعضهم إذا تزوج يريد أن يدخل بزوجته من أول يوم ليثبت أنه رجل، أو أن أهله يريدون هذا، وهذه المسكينة ما عمرها تعرفت برجل ولا جلست مع أجنبي، فيكون من الصعوبة بمكان فعل هذا الأمر، وعدم الحكمة فيه يؤدي إلى مشاكل، وربما إلى كره من أول يوم، يستمر الكره طيلة العمر ربما بسبب موقف حصل في أول يوم.
стр. 5512
أهمية استئذان الأبناء عند الدخول على الآباء
وأيضاً من الأشياء التي يخطئ بعض الأزواج في موضوع إتيان الزوجة فيها عدم تطبيق قول الله : ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] هذه الثلاث المرات: بعد الفجر، ووقت القيلولة، وبعد العشاء وقت النوم، حتى لا يطلع الطفل على شيء لا يناسب أن يطلع عليه، فلا يجوز أن يهجم على مخدع أبيه وأمه ويدخل دون استئذان، هذا إذا كان مميزاً، أما الكبير فمفروغ منه، لكن الذي لم يبلغ الحلم، بعض الناس من سوئهم أنه ربما يأتي زوجته أمام أولاده المميزين، وربما أتاها في وقت الحيض، وربما أتاها في الدبر وملعون من أتى امرأته في دبرها، وربما أتاها في موضع لا يجوز أن يأتيها فيه أصلاً بسبب مشاهدة بعض الأفلام السيئة والهيئات الشاذة التي لا يجوز لرجل بحال أن يكون وضعه مع زوجته فيها هكذا، والسبب في ذلك تقليد الكفرة وعدم مراعاة حرمات الله والنظر إلى ما لا يجوز من هذه الأشياء المنتشرة المرئية والمطبوعة التي سببت كثيراً من مشكلات الحياة الزوجية.
стр. 5513
عدم الاهتمام بالجانب التعبدي لكلا الزوجين
ومن الأمور المهمة أيضا: عدم متابعة الرجل لزوجته والعكس في القضايا التعبدية، وإذا كان رسول الله ﷺ قد حث على متابعة الرجل لزوجته في قيام الليل والعكس، فقال: (رحم الله امرأً قام من الليل فأيقظ أهله فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها فإن أبى، نضحت في وجهه الماء) إذا كان هذا في قيام الليل وهو سنة، فكيف يكون الحال في مسألة المتابعة في قضية الفرائض؟ هذه المسألة ينبغي أن تكون موجودة ويحصل بها اهتمام، بعض الأزواج يذهب إلى صلاة الفجر ويجلس في المسجد بعد الصلاة إلى طلوع الشمس ولم يوقظ زوجته إلى الصلاة.
وإنني أذكر بهذه المناسبة أنني سألت قبل فترة بسيطة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله عن هذه المسألة: رجل ذهب إلى المسجد لصلاة الفجر وبعد الصلاة قعد يذكر الله يريد أن ينتظر طلوع الشمس ليصلي ركعتين ويرجع بأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة كما هو الحديث الحسن في هذا الموضوع، فتذكر وهو جالس في المسجد أنه لم يوقظ زوجته لصلاة الفجر وأنها لم تستيقظ، فكان
السؤال
هل يأثم الرجل لو جلس وأكمل إلى ارتفاع الشمس وصلى ركعتين للأجر العظيم يأثم لو جلس؟ فقال الشيخ: نعم.
يأثم كيف لا وهو يضيع واجباً من أجل سنة؟ بعض النساء -المرأة بما جعل الله فيها من العطف والحنان- قد تقدم إرضاع الولد وتنظيفه إلى آخره على وقت الصلاة ولا تحس أحيانا.
كذلك بعض النساء تأخذها الرحمة بزوجها تقول: دعه جاء من العمل، جاء وقت صلاة العصر لابد أن يستيقظ ويصلي العصر ويذهب إلى المسجد، تقول: لا.
دعه ينام، مسكين مسيكين دعه ينام ولا يذهب إلى الصلاة، ولا يستيقظ إلى الصلاة وهذا خطأ، فإن الرحمة أن تأمره بالصلاة وليست الرحمة به أن تتركه ينام عن الصلاة.
стр. 5514
عدم مراعاة الزوج لمسألة النظافة الشخصية
ومن الأشياء التي تنغص وتكدر صفو الحياة الزوجية أيضاً: عدم مراعاة الزوج لمسألة النظافة الشخصية، فقد يأتي من العمل ورائحة العرق منبعثة من ثيابه وجسده، وبعد ذلك يريد زوجته في الفراش دون أن يتنظف ولا يغتسل ولا يتطيب ونحو ذلك، وقد تكون حاملاً أو فيها وحام وتتضايق من هذه الأشياء، وقد لا تستطيع مصارحته أو لا تجرؤ على أن تقول: قم وتنظف ومع ذلك يقول: أنت ستلعنك الملائكة، لكن هنا أمور لا بد من مراعاتها، فهذه أمثلة على مثل ذلك.
ورسول الله ﷺ كان يشتد عليه أن يرى منه الريح، أي: كان من أشد الأشياء عليه أن تشم منه الرائحة القذرة أو الوسخة أو الكريهة، كما ورد في الحديث الصحيح: (يشتد عليه أن يرى منه أثر الريح) أثر الريح يعني: الرائحة الكريهة، في العرق أو في الملابس والجسد ونحو ذلك.
стр. 5515
إجراءات الزوج التعسفية في عقوبة الزوجة
ومن الأشياء السيئة في العلاقة الزوجية: الإجراءات التعسفية في عقوبة الزوجة، كيف ذلك؟ هذا رجل إذا حصل خلاف بينه وبين زوجته يقول: اذهبي إلى غرفة نوم الأولاد بسرعة ولا أرى وجهك في الغرفة هنا، وتجلس يوماً يومين ثلاثة أسبوعاً أسبوعين وربما شهراً في غرفة الأولاد، هذا عنده عقاب، وإذا جاءت تسترضيه قال: ما الفائدة أنت دائماً تخطئين وتعتذرين، روحي مع السلامة، سبحان الله! أنت تريدها أن تشعر بالخطأ، فها قد شعرت بالخطأ الآن وجاءت تعتذر إليك وتسترضيك ثم تقول: ما الفائدة واذهبي؟ إذاً: متى ستقبل لها عذراً؟ ومتى ستنتهي هذه العقوبة؟ والله لما قال للزوج: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] ماذا قال في آخر الآية؟: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] فإذا جاءت المرأة إليك طائعة وقالت لك: ماذا تريد، ونفذت كلامك، فهل بقي لك عذر أمام الله لكي تبغي عليها وتستمر في العقوبة معها بعد أن فعلت ما تريده لك؟ ومسألة التعسف والعنف: أريد أن أربيك، أريد أن أعلمكِ، والمرأة قد تكون في وضع من الحمل أو النفاس لا تطيق ذلك، إن هذا مخالف لقول الله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] وبعض الأزواج قد يصل به السوء أو سلبيته في العقوبة أن يعاقب زوجته بمنعها من طاعات.
فأقول: أيها الزوج! إياك أن تعاقب زوجتك المستقيمة على خلاف بينكما بحرمانها من طاعات مثل جلسات العلم أو مركز تحفيظ القرآن، أو القراءة في كتب، أو سماع أشرطة، فهذه ليست عقوبات شرعية على الإطلاق، عاقبها كما أمر الله ، لكن أن تحرمها من طاعات، لا.
إلا إذا كان قيامها بأمر من الطاعة يسبب تفويت طاعة أعلى من ذلك، فلنفرض أن زوجة -مثلاً- عندها حلقات علم بلا عدد، حلقة في الصباح وحلقة في المغرب وتحفيظ القرآن وهنا تدريس وعند جاراتها وعند كذا، وترتب على هذا في النهاية عدم القيام بحق الزوج وتضييع الأولاد، البيت غير مرتب الطعام غير جاهز الملابس غير نظيفة، ففي هذه الحالة لا بد أن الزوج يحد من نشاط زوجته ولو كان نشاطاً دعوياً؛ لأنه يترتب عليه من المفاسد تضييع أشياء أهم، والله ما كلف المرأة أن تذهب داعية خارج البيت وتدور على بيوت الناس وتأمر وتنهى لا، وإنما عندها أولويات لا بد أن تقوم بها، فمن أولوياتها: القيام بحقوق الزوج الأولاد البيت، قد تطلب العلم في البيت، لا يلزم أن تحضر هنا وهنا وهنا وتذهب في هذه المحاضرات وهذه المراكز وهذه المناسبات وتلك الجلسات في البيوت، ليس مفروضاً عليها هذا، إن حصل فالحمد لله هذا شيء طيب بالحدود المعقولة، ولكن أنها تحضر كل مناسبة ويترتب على ذلك تضييع لحقوق الزوج فليس هذا من قيامها بالحق الذي هو عليها بالإطلاق.
ولا بد أن يكون عند الزوج مراعاة لمشاعر زوجته، وأن يكون عنده إحساس مرهف تجاه هذه الأشياء، وإليكم هذا الحديث العظيم! هذا حديث ينبغي أن نتوقف عنده لنتبين كيف كان ﷺ دقيقاً في مراعاة شعور زوجته، وإننا عندما نسمع هذا الحديث نقف بإجلال واحترام لشخصية هذا النبي العظيم ﷺ الذي لم تشغله هموم الدولة والغزو والجهاد وتجهيز الجيوش، ونشر الدعوة في العالم، وإرسال الرسائل إلى كسرى وقيصر، ومتابعة الأمور العظيمة لم تشغله عن مراعاة مشاعر أو شعور زوجته بشيء دقيق جداً واسمع معي هذا الحديث.
عن عائشة ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ : إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية وإذا كنتِ عليَّ غضبي، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد -يعني: إذا أتيت لتقسمي قلت: لا ورب محمد- وإذا كنت قلت: لا ورب إبراهيم قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك) فقط الاسم وإلا المكانة في قلبي ما زالت كما هي فقط الاسم.
فهذه الملاحظة الدقيقة تبين ذلك، ومَنْ مثل الرسول ﷺ في مشاغله ومهماته وواجباته التي عليه؟ لا أحد، لكنه مع ذلك كان يقوم بهذا الدور مع زوجاته ﵅.
стр. 5516
إهمال الرجل حق زوجته الشرعي في المبيت
ومن المشكلات: عدم إعطاء الرجل زوجته حقها الشرعي في المبيت، وربما هجرها في الفراش سنين طويلة، لا يأتيها ولا ينفق عليها ولا يعفها، والمرأة لها حاجة كالرجل فهذا لا يجوز؛ ولذلك تكلم العلماء عن أكثر مدة يجوز للرجل فيها أن يترك زوجته دون مبيت ودون إتيان، والحق أن ذلك يختلف باختلاف النساء فلسن سواءً في ذلك، وربما كان هذا سبباً من أسباب انحراف النساء، لأنك أحياناً إذا نظرت في امرأة يدخل عليها رجال أجانب -والعياذ بالله- أو تذهب مع رجال أو هكذا، تجد من الأسباب أحياناً أن زوجها لا يعطيها حقها في الفراش، فهي لما عدمت الحق في الحلال ذهبت تبحث عنه في الحرام.
وهذا حديث آخر يبين هذا الأمر، عن أبي جحيفة ﵁ قال: (آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة أي: في هيئة رثة لا تدل على أنها امرأة متزوجة- فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان من الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم قال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : صدق سلمان -وزاد الترمذي - وإن لضيفك عليك حقاً) والحديث عند البخاري وغيره.
فهذا يبين أن الإخوة في الله يتعاهدون بينهم في التنبيه على النقص الذي يكون عند بعضهم، وأن مبيت الرجل عند أخيه قد يكشف له شيئاً من العيوب التي تحتاج إلى علاج.
стр. 5517
تعيير أحد الزوجين للآخر بذنوب الجاهلية
ومن الأمور السيئة في العلاقات الزوجية تعيير أحد الزوجين للآخر بذنوب كان يعملها في جاهليته، هذا رجل يقول: مرة من المرات أخطأت -ما عرف أنه أخطأ إلا بعد ذلك- وصارحت زوجتي بأمور كنت أفعلها أيام الطيش، وبعد مدة حصل خلاف بيننا فذهبت إلى بيت أهلها، وإذا أردت أن أعيدها ترفض وتذكرني بما فعلت بالماضي تقول: أنت عملت كذا وأنت فعلت، الآن هذا رجل تاب إلى الله واستقام وربما وثق فيك وأباح لك بشيء المفروض ألا يقوله لكن قاله لك، فهل هذه الثقة بعد هذه التوبة تكون سبباً أو تؤدي إلى أن تعيريه بشيء فعله؟ ونفس الشيء بالعكس يقال للزوج بالنسبة لزوجته.
стр. 5518
سرعة الغضب
ومن الأمور المنغصة للحياة الزوجية: سرعة الغضب ودائماً تسمع تقول: فلان عصبي وفلانة عصبية وهكذا، ويتسبب على ذلك إشكالات عظيمة، وإذا كان عصبياً وثار فالله المستعان على ثورانه، وإذا غضب لا يكلمها بالأيام حتى تقبل رجله، ويغضب لأتفه الأسباب، وربما إذا تبول الولد أو أخطأ في دروسه انصب الغضب على الزوجة، والرسول ﷺ يقول للصحابي: (لا تغضب لا تغضب ردد ذلك مراراً) قال: أوصني، فقال له: لا تغضب، قال: أوصني، فقال له: لا تغضب، قال: أوصني، فقال له: لا تغضب.
فكانت هذه الوصية البليغة من الرسول ﷺ بالامتناع عن الغضب عند حصوله، لو حصل غضب بين الزوجين ماذا يفعل الغاضب؟ يتعوذ من الشيطان ويتوضأ، وإذا كان قائماً فليقعد ويذكر الله حتى يزول عنه هذا الحال.
стр. 5519
التهديد بالطلاق باستمرار
ومن المشكلات كذلك: التهديد بالطلاق باستمرار، بعض الأزواج دائماً يهدد زوجته بالطلاق، أي خطأ قال: سأطلقك، سأطلقك، سأطلقك، يا أخي! أنت الآن تذهب إلى أعمق شيء، المفروض أن الواحد يهدد زوجته بالطلاق، إذا استعصت الأمور في النهاية حاول وحاول، أما إذا عصتك في كل شيء وإذا قصرت معك تقول سأطلق سأطلق فهذه مصيبة، وأسوأ من ذلك أن يقول إذا غضب: إذا خرجت من البيت فأنت طالق، إذا رفعت السماعة فأنت طالق، إذا كلمت فلاناً فأنت طالق، إذا أكلت أنت طالق، وبعد ذلك أكيد أنه سيقع الطلاق؛ لأن المرأة إذا قيدت بجميع الأشياء في النهاية ستقع في شيء من هذه الأشياء ويحصل الطلاق.
وبالمناسبة: الطلاق المعلق على شرط أسوأ، يعني: في بعض الأحيان هو شيء في حسمه لا يمكن علاجه، لأنه إذا قال: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فإذا خرجت تطلق سواءً كانت طاهراً حائضاً حاملاً أتاها ما أتاها في جميع الحالات، بخلاف الطلاق السني الذي لا يقع إلا في طهر لم يجامعها فيه، وكذلك الطلاق المعلق بشرط إن قال: إذا خرجت فأنت طالق لا يمكن أن يسحب كلامه، فإذا واحد قال لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، ثم ندم وقال: أنا أسامحها وأسحب الكلمة فقال: سامحتك، ولو سامحها فلو خرجت فهي طالق شرعا، كلمة: إن خرجت فأنت طالق، لا ينفع فيها الرجوع ولا المسامحة، انتهت المسألة وخرجت الكلمة فلا حل، فننبه هؤلاء الأزواج الذين يقولون هذا الكلام إلى أن يترووا ويتقوا الله في عدم الإقدام على مثل هذه الأشياء ويخربون بيوتهم بأيديهم.
стр. 5520
الوسوسة وسوء الظن
ومن الأمور المسببة للمشكلات في العلاقة الزوجية: الوسوسة، وبعض الناس يبتلون بوسوسة قوية تجعلهم يظلمون الناس، وهذا رجل مصاب بالوسوسة فإذا رجع إلى البيت قال لزوجته: كلمت أحداً في الهاتف؟ من كنت تكلمين؟ ومن الذي واعدته؟ انظروا تصل إلى القذف بأنها واعدت رجلاً، وإذا جاء ينام في الليل يقفز فجأة من الفراش ويقول: مع من كنت نائمة في هذا الفراش قبلي؟ وهي بريئة مسكينة، ثم بعد ذلك يقول: أنا هذه المرة سأستر عليك -انظر اخترق وقذفها- وقال: أنا هذه المرة سأستر عليك وأنا متحملك إلى الآن مع أنك أنت كذا وكذا من الأشياء التي هي منها بريئة، فهذه الوسوسة -والعياذ بالله- مرض لو لم ينج الله منه صاحبه يَهلك ويُهلك.
ومن المشكلات كذلك: سوء الظن وشك كل من الزوجين في الآخر، وهذا سيتسبب عنه ولا شك هدم الحياة الزوجية، وينبغي أن تكون العلاقة قائمة على حسن الظن، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
وهناك فرق بين الشيء عندما يكون له قرائن وعندما لا يكون له قرائن على الإطلاق، ويُساء الظن، فهذا -والعياذ بالله- من سوء النفس أن يصل إلى هذه الدرجة.
стр. 5521
معاقبة الزوج لزوجته أمام الناس
ومن الأمور في عدم مراعاة الزوجة أن بعض الناس يعاقب زوجته أمام الخادمة، فيضربها ويشتمها أمام الخادمة ويصل به السوء أنه ربما انتصر للخادمة على زوجته، وقف في صف الخادمة، وكيف يكون شعور الخادمة وهي ترى الزوجة مطرودة من غرفة النوم إلى الصالة، والخادمة معززة مكرمة في غرفة وعندها سرير تنام عليه وهذه الزوجة في الأرض أو على قطعة من الأثاث؟ ومن المشكلات كذلك: أن بعض الناس من تسلطهم يرغم زوجته أن تتناقش معه في موضوع يريده، لا بد أن تتناقشي معي ولو كانت لا تحسن النقاش، فهذا رجل تشاجر مع زوجته بسبب نقاش يتعلق في قضية من القضايا السياسية ثم بعد ذلك ضربها في نهاية النقاش، فأين السياسة إذاً في معاملة الزوجة؟ يزعم أنها لا بد أن تكمل النقاش معه، وهذا هو الاستبداد بعينه.
ونسينا أن نذكر نقطة تتعلق بالنقطة التي قبل هذه، وهي قضية أن نضرب مثالاً على سوء الظن، نقول: هذه امرأة تضع يدها في جيب زوجها وتتفقد ما عنده من النقود، فإن كانت النقود التي في جيبه قليلة أخذت من نقودها وأضافت إلى نقود زوجها، في يوم من الأيام دخل البيت فوجد يد زوجته في جيبه، الله أكبر! هنا وقعت الواقعة كيف؟ أخذها واتهمها بالسرقة وأنها سبب نقص النقود في الأيام الماضية، مع أن المسكينة هي قصدها الخير، فنقول هنا: عدم التروي والتفكير في الأمور يوقع في هذه المشكلات، وفي المقابل هناك زوجات عندهن حب استطلاع مذموم، فهي تريد أن تعرف ماذا في جيب زوجها وماذا يوجد في أوراقه الخاصة، وهذا خطأ، فنقول للزوجة: ليس من شأنك أن تعرفي كم أموال الزوج، ليس من حقك أن تعرفي هذا، إذا أخبرك فالحمد لله، وإن لم يقل لك؛ فليس من الضرورة أن تعرفي كم عنده من أموال، وكم يوجد في جيبه، وماذا يوجد في أوراقه الخاصة، وأن تقرئي في مفكرة الهاتف، ليس من شأن الزوجة أن تفعل هذا.
فلتتق الله الزوجة في حب الاستطلاع الذي يكون قاتلاً في أحيان كثيرة.
стр. 5522
كثرة الشكاية
ومن الأمور التي تتعلق بالزوجة من السلبيات: كثرة الشكاية، والرسول ﵊ وضح أن من أسباب دخول النساء النار: (أنهن يكفرن العشير ويكثرن اللعن -وفي رواية- وتكثرن الشكاية) التأفف والتشكي باستمرار، وبعض الزوجات قد تتأفف وتشتكي من الأشياء التي يحضرها زوجها، ولا يعجبها شيء، وتنتقد نقداً لاذعاً، وتستقل الأشياء وتعتبر أنها قليلة وأنه ما أعطاها، فهذا ناتج من من عدم القناعة، والقناعة كنز، فلتتق الله المرأة في عدم كثرة التشكي من الأشياء التي لا تستوجب الشكاية.
وبعض الناس يقصرون في تعليم زوجاتهم، وربما قال عند الناس: عفواً زوجتي أمية أو جاهلة ونحو ذلك، طيب علمها، قال الراوي قاسم بن محمد: (إن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أنها اشترت نمرقة، فلما رآها ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية فقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله ما أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه النمرقة -ما ضرب ولا قاطع ولا هجر في المضجع، أول شيء أنكر المنكر- ما بال هذه النمرقة؟ فقلت: اشتريتها لتقعد عليها وتتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة، هذه للبخاري وفي مسلم: فأخذته فجعلته مرفقين فكان يرتفق بهما في البيت).
يعني: شقت الصورة حتى لم تعد صورة بعد ذلك بهذا الشق، فهذا كان تعليمه ﷺ .
ومن تعليمه: عن عائشة ﵂ قالت: (إن رسول الله ﷺ نظر إلى القمر فقال: يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح، وأخرجه الإمام أحمد وإسناده قوي، فهذا رسول الله ﷺ يعلم زوجته (استعيذي بالله من شر هذا فهذا هو الغاسق إذا وقب) يعلمها التفسير ويعلمها التعوذ والدعاء.
ومن تكليف ما لا يطاق: أن يطالب الرجل زوجته بزيارة زوجة صاحبه وقد لا ترتاح لها، فبحكم صداقته هو مع ذلك الرجل فلا بد أن يرغم زوجته على زيارة زوجة الآخر، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، والمرأة طبعاً لا بد أنها تحسن إلى زوجة صديق زوجها قدر الإمكان، ولكن على الزوج ألا يكلفها بزيارة أناس لا ترتاح لهم، والتوسط أمر مهم.
ومن المشكلات أيضاً أن بعض العلاقات الاجتماعية بين الزوجة وزوجة صديق تتسبب أن تطلع إحداهما الأخرى على أسرار زوجية، أو تُري كل واحدة صورة زوجها للأخرى فتقع فتنة، أو يقول الرجل لصاحبه إن زوجتي مطيعة وفيها وفيها صفات فيقع في السامع شيئاً تجاه زوجته هو، يقول: يا خسارة على أن زوجتي ليس فيها مثل هذه الصفات! فهذا الحسد الذي يثار من قبل بعض الناس -يدرون أو لا يدرون- ينبغي أن يمتنعوا عنه.
стр. 5523
عدم تقدير مستوى الزوج المعيشي
ومن الأمور التي ينبغي أن تراعيها الزوجة: أنها تنتقل أحياناً من بيت غنى وتدليل وترفيه إلى بيت زوجها الذي قد يكون قليل ذات اليد، قد يكون طالباً أو موظفاً مستوراً، فيجب على الزوجة أن تراعي الفارق، وهذا قدر الله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف:٣٢] فإذاً هذه قسمة الله في هذا الرجل.
فكون البنت كانت عند أهلها مدللة وأن أباها كان يشتري لها كل يوم (آيسكريم) وأنه وأنه لا يعني أنها الآن إذا انتقلت إلى بيت زوجها ترهقه شططا، وفي المقابل ينبغي على الزوج أن يقدر أن المرأة كانت في بيت نعمة، فكل ما يستطيع أن يأتي به إليها من الأشياء المباحة شرعاً فليوفره لها.
ومن الأمور التي تسيء العشرة: أن بعض الرجال يقول لزوجته: يا ليت عندي زوجة شعرها كذا، يا ليت عندي زوجة لونها كذا، وهذا لا شك من المنكر، فإنه بهذه الطريقة يستثير حفيظة زوجته عليه، ويشعرها بأنه غير مقتنع بها ونحو ذلك.
ولنتوقف هنا ونأخذ قصة واقعية عن رجل وقع بينه وبين زوجته خصومة وفراق، فسألت هذا الرجل ما هي سلبياتك أنت في نظرك؟ يعني: بعض الناس الآن يقول: أنا صار بيني وبين زوجتي مشكلة وخلافات وهي فعلت كذا وكذا، والمرأة ستقول نفس الشيء عن زوجها فعل كذا وكذا ولا يمكن أن نعيش مع بعض، طيب السؤال للزوج: ما هي سلبياتك في نظرك؟ فسينتقل ذهنه بهذا السؤال من التفكير في عيوبها هي إلى التفكير في عيوبه هو، وعندما يقال لها نفس الكلام: ما هي سلبياتك أنتِ في نظرك؟ فتنتقل من التفكير بعيوبه هو إلى التفكير بعيوبها هي، وهذه أحدى طرق الإصلاح بين الزوجين المتخاصمين.
فقد يقول لك: والله -يا أخي- أنا عندي حدة، أنا إنسان عصبي، أنا إنسان غير مستقر، أرد عليها مباشرة، لا أشاورها على الإطلاق، قلت لها: فقدت ثقتي فيك مرة مثلاً، لا أهتم بنظافتي الشخصية وهكذا، فهذا يسبب أن الرجل يفكر بواقعية أكثر، أن المشكلة إن لم تكن كلها مني فقد يكون نصفها مني، فتعود الواقعية إلى الحياة مرة أخرى.
стр. 5524
الاعتقادات الفاسدة
ومن الأشياء التي تسبب المشكلات أيضاً: الاعتقادات الفاسدة، عند بعض العوام اعتقادات فاسدة في قضايا تتعلق بالأشياء الزوجية أو عادات سيئة، فمثلاً: من الاعتقادات الفاسدة: أن بعض الناس يظن أنه إذا كان الزوج منبطحاً ومرت المرأة من فوقه أنها قد قطعت نسله، فيا ويلها إن خطرت من فوقه مرة وهو منبطح على الأرض، هذا هو المنكر الأكبر بزعمهم، لو فعلت ذلك فسيحصل لها من البلاء ما الله به عليم.
ومن بعض عادات الناس مثلاً: أن الرجل لا يأكل مع زوجته، ويرى أنه عيب حتى لو كان لوحده وعليها أن تأكل المخلفات بعده وهو ليس بصحيح، وأحياناً يعيش مع أهله وإخوانه وأبيه في بيت واحد ويكون المطبخ مشتركاً، هذا سيسبب مشكلة لأن المرأة لن تطبخ كما تريد، الشيء الذي في البيت لا بد أن تأكل منه، فليحرص الرجل أن يوفر في هذه الحالة إذا استطاع على الأقل ولو وقت أن تدخل زوجته المطبخ لتطبخ فيه ما تريد، فأقول: من بعض العادات أن بعض الناس يرون أن اجتماعهم عزة، وأن ذبيحتهم واحدة وأنه لا يسمح للأولاد بالاستقلال عن الأسرة، ولا يكون له شيء مستقل حتى المطبخ لا بد أن يكون مشتركاً، وهذا يسبب ضيقاً، الاجتماع طيب وأن يكون أولاد الرجل تحت نظره وأحفاده موجودون، نعم.
ولكن لا يمنع أن يكون هناك جزء من البيت مستقل، على الأقل المرأة مستقلة فيه مع زوجها تأخذ راحتها في البيت، بدلاً من أن تقول: لا أستطيع أن أطلع إلا بالحجاب، ولا أستطيع أن أتنقل في البيت لأن إخوان زوجي موجودون دائماً في الصالة وفي المجلس وأنا محبوسة دائماً، صحيح أن ضيق يد الرجل أحياناً يكون سبباً في عدم الاستقلال ببيت، لكن ينبغي للمرأة أن تصبر حتى يفتح الله على زوجها، ولكن إذا كان الزوج يستطيع أن يوفر شيئاً في هذا فليفعل.
стр. 5525
غموض الزوج
ومن الأمور التي تسبب النكد في الحياة الزوجية: صمت الزوج المطبق وغموضه، فبعض الأزواج تعيش معه زوجته في غموض تام طيلة الوقت، لا تدري عن أخباره إلا من خارج البيت، الأطفال يسألون: أين أبونا؟
الجواب
لا ندري، لو حدث له شيء لا تعرف أين تسأل عنه، فالرجل يعيش في غموض تام، صحيح أن الواحد قد لا يترك خبراً في البيت إلى أين سيذهب، لكن أن يعيش مع زوجته في غموض دائم هذا خطأ.
وكثرة خروجه وغيابه عن البيت من الأمور التي تسبب المشكلات، فبعضهم دائماً في عزائم وولائم ويترك أهله في البيت دون طعام، وأحياناً يأخذ زوجته ويضعها عند أهلها إلى ساعة متأخرة من الليل، وينسى حتى يرجع إلى البيت يريد أن ينام فإذا وضع رأسه تذكر: أين المرأة؟ وهو وضعها في بيت أبيها، نقول: عند بيت أبيها تهون، لكن إذا وضعها عند أناس آخرين قال: لا أتأخر عليك، فتأتي الساعة العاشرة والحادية عشرة إلى الساعة الواحدة ليلاً وهو ما أتى والمرأة متضايقة في بيت أولئك الناس، والناس أيضاً يتضايقون لأنهم يريدون أن يناموا وهو غير مكترث.
ومن المسألة التي نفعلها نحن كثيراً ونقر بها ونقع فيها: أننا أحياناً نترك أزواجنا وأولادنا في السيارة ونقف نتكلم مع شخص من الأصدقاء مدة طويلة، والأطفال متضايقون في السيارة ونحن نتكلم ونتكلم، وقد يكون الجو حاراً وغير مناسب، فينبغي أن ننتبه إلى مثل هذه المسائل.
стр. 5526
كلام أحد الزوجين في أهل الآخر بانتقاد أو ذم
ومن الأشياء التي تسبب أيضاً الضيق من الطرفين: كلام كلٍّ من الزوجين في أهل الآخر على سبيل الانتقاد، فلا شك أن الزوج إذا تكلم في أهل زوجته قال: أنت أهلك كذا وكذا وأمك كذا وأبوك فلان كذا، وماذا سيحدث؟ لا شك أنه سيوغر صدر زوجته عليه، والمرأة بطبيعة الحال ستدافع عن أهلها وهو سيزداد، أو العكس هي تنزل في أهلك تقول: هؤلاء فيهم وفيهم، نقول: هؤلاء أهله ولا زال بينه وبينهم روابط، ووشائج القربة ما انقطعت، فسيدافع عنهم وكل سيتعصب لأهله؛ هو ينتقد أم زوجته وزوجته تنتقد أمه، وهو ينتقد أخاها وهي تنتقد أخاه وهكذا حتى تصبح المسألة في نكد مستمر.
стр. 5527
رتابة الحياة
ومن الأشياء التي تسبب المشكلات أيضاً: الأشياء التي تقع فيها مشكلات رتابة الحياة وعدم دخول عناصر التشويق أو التغيير، فأحياناً تكون الزيارات أو بعض السفريات المباحة أو الشرعية من الأشياء التي تجدد العلاقة الزوجية، أو ترك الزوجة تذهب لأهلها فترة من الزمن تجدد وتغير الروح في البيت وفي الحياة الزوجية، وينبغي أن نتأسى برسول الله ﷺ في هذا الجانب الترويحي، وإليكم هذا الحديث العظيم وأنتم تعرفونه: عن عائشة ﵂ أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر وهي جارية حديثة السن، فقالت: (لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال لأصحابه: تقدموا فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعد -وفي رواية- فسكت عني حتى إذا حملت اللحم؛ مضت سنوات وبدنت ونسيت ما مضى خرجت معه في سفر مرة فقال لأصحابه: تقدموا فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك، ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله! وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن، فسابقته فسبقني فجعل يضحك وقال: هذه بتلك السبقة) ﷺ .
والله إننا إذا تأملنا في حاله ﵊ مع زوجته لندهش فعلاً من حال هذا النبي الكريم في مشاغله الكثيرة، ثم بعد ذلك يراعي حاجة الزوجة في الترفيه، ويفعل هذا الأمر الذي بعضنا الآن لو ذهب إلى منطقة بر لا يرى أحداً أبداً يقول: لا.
كيف أفعل هذه، يا أخي! رسول الله ﷺ فعله فهل أنت أفضل أم رسول الله؟ مكان الفتنة لا يجوز -أصلاً- أن تذهب بزوجتك إليه فضلاً عن أن تسابقها فيه أو تضاحكها فيه، وهذا ﷺ أيضاً من ملاطفته لزوجته تقول عائشة: (كنت أشرب وأنا حائض -أي: من إناء النبي- فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب وأتعرق العرقة من اللحم آكل وأنا حائض، ثم أناوله النبي فيضع فاه على موضع فيَّ) رواه مسلم في صحيحه.
بعض الناس يقول: هذه حائض نجسة لا أحد يأكل معها.
وهذه عائشة تقول: (كان أناس من الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد، فسترني رسول الله ﷺ وأنا أنظر إليهم، سترها بجسده وقال: تريدين أن تنظري؟ قلت: نعم.
فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، حتى شبعت بل وقالت: ما بي نظر ولكن ليرى نساءه قدري عنده).
قالت عائشة في الحديث الذي رواه البخاري: [فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن] تعني: المرأة تحتاج إلى نوع من الترفيه.
وأظن أننا سنتوقف هنا ولم يكتمل الموضوع بعد من أجل الصلاة وبعد الصلاة إن شاء الله بقي موضوع ربما عشر دقائق سنكمله، وإذا توفر وقت سنجيب عن بعض الأسئلة والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
ونكمل أيها الإخوة! في آخر ما يتعلق بأسباب المشكلات الزوجية ومن ذلك ما يقع بين الزوج وأهل الزوجة، وما يقع بين الزوجة وأهل الزوج.
стр. 5528
تحميل الزوجة أخطاء أهلها
فمما يكون أحياناً سبباً للمشكلات الزوجية: أن تقع مشكلة بين الزوج وأهل زوجته، نتيجة علاقات تجارية فاشلة -مثلاً- وحصلت قطيعة بعدها ومخاصمة بين الزوج وأهل زوجته، فينعكس ذلك على العلاقة بينه وبينها وهذا خطأ، فإن الإنسان الملتزم بحدود الله لا يخاصم على الماديات ويوالي ويعادي عليها، ويطالب حقه بالطريقة المشروعة ولا يجعل هذا الأمر ينتقل للعلاقة بينه وبين زوجته.
стр. 5529
أهل الزوجة قد يكونون سبباً في المشاكل الزوجية
ومن الأمور كذلك موقف أهل الزوجة الخاطئ، فإن بعض النساء إذا ذهبت إلى بيت أهلها نتيجة خلاف، فإن من المفروض أن يكون الأب أو الأم أو الإخوة حكماء في استقبال أختهم وبنتهم، فيهدئون الأمور ويطلبون العودة إلى زوجها والصفح عما بدر منه وهكذا، لا أن يزيدوا الأمور تعقيداً فيقولون: لا ترجعي إليه، وهذا لا يستاهل وكذا وكذا إلى آخره، وقد يكون الخلاف من الأشياء العادية التي تحصل بين الزوجين في العادة.
وأعرف أباً من حكمته أنه إذا جاءته ابنته إلى البيت سأل عن السبب، فإذا عرف بأن المسألة من الأخطاء المحتملة العادية قال: لا تدخلي بيتي أبداً ترجعين إلى بيت زوجك في الحال، أما أن يكون موقفه فيه من السلبية كما حصل مع بعض الآباء مرة، فإن زوجاً قد تأخر خارج البيت ولم يذهب إلى البيت إلا الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، فلما طرق الباب رفضت الزوجة أن تفتح له الباب، لماذا؟ لأنه تأخر، لماذا تأتي الساعة الحادية عشرة والنصف ارجع، -سبحان الله! هذا بيته لكن هذا من السفه الذي يكون أحيانا عند بعض الزوجات- وهو يحاول استرضاءها وتهدئة الأمور ومع ذلك ترفع جميع المناشدات، فذهب المسكين إلى أهلها في هذه الساعة المتأخرة وطرق الباب على أبيها، وقال له: الموضوع كذا وكذا فذهب الأب معه إلى البيت فطرق الباب فرفضت البنت أن تفتح الباب وقالت: السبب أنه رجع متأخراً ولماذا يرجع متأخراً؟ فهنا التفت الأب إلى الزوج وقال: نعم.
معها حق، لماذا ترجع متأخراً؟ فطبعاً في هذه الحالة يكون الموقف سلبياً لا يؤدي أبداً إلى انفراج في الأوضاع.
وأحياناً بعض أهل الزوجة يعبئون الزوجة تعبئة نفسية ضد زوجها، كأن يقول -مثلاً- أخوها: أنت مثل الدجاجة تسمعي كل كلام زوجك حرفياً، لا تسمعي كلامه وخالفيه، وإذا عمل لك شيئاً فنحن بجانبك، فهذا من جنس هاروت وماروت، الذين يريدون أن يفرقوا بين الرجل وزوجته، وبلغ من السوء بامرأة تريد أن تفصل بين أخيها وزوجته أن عرفته بمومسة ليقع في حبالها وتفسد علاقته بزوجته.
وهنا قد يسأل البعض سؤالاً فيقول: هل يجوز لي شرعاً أن أمنع زوجتي من الذهاب إلى أهلها إذا كان يحصل من هذه المشكلات، وقد أجاب عن هذا الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله فقال: الأصل أنه لا يجوز للرجل أن يمنع زوجته من أهلها وصلة رحمها، ولكن إذا لاحظ الزوج أن زوجته كلما رجعت إلى أهلها رجعت منقلبة عليه فله أن يمنعها عند ذلك، الآن المفسدة واضحة.
وبعض الناس الزوجة أحياناً قد لا يكون عندهم ذوق في التعامل، فيأتون إلى بيت ابنتهم ويأخذون من البيت متاعاً وأكلاً ونقوداً وملابس تضايق الزوج في النهاية؛ فلأنهم يأخذون أغراض بيته ثم يوقعون ابنتهم في مشاكل مع زوجها ويقولون: لا نرضى عنك حتى تعطينا كل ما نطلب، وهي تحت ضغط أمها أو نحو ذلك تعطيها فتعطيهم، فالمرأة تكرم أهلها، نعم.
ولكن هي راعية في بيت زوجها ومسئولة عن ماله وعن ممتلكاته، فلا يجوز أن تفرط فيها.
وبعض الأحيان يكون من أسباب المشكلات: أن الزوج يهتم بضيوفه ولا يهتم بضيوف زوجته، ومن الأسباب: أن بعض الناس يحتسبون الأجر في إكرام ضيوفهم الرجال، ولا يحتسبون الأجر في إكرام ضيوف نسائهم، مع أن الأمر ربما في إكرام ضيوف زوجتك يكون أقرب إلى الإخلاص من إكرام ضيوفك؛ لأنك لا تظهر في الصورة، فكما أنك تريد إكرام ضيوفك فأكرم ضيوف زوجتك.
ومن المشاكل المشهورة: المشكلات بين الزوج وأم زوجته، ودائماً تقع هذه القضايا كثيراً إلا من عصم الله ، فهذه تشتكي من زوج ابنتها، وتغيرت على ابنتها، وتكلم الناس الخارجين عن ابنتها وسيلة للضغط على ابنتها لتخاصم زوجها، وهي تراعي أمها ولا فائدة، والزوج يراعي أم زوجته ولا فائدة، وما حرم زوجته من أمها رغم المشكلات ولا فائدة، ويقبل رأس أم زوجته ولا فائدة، السبب: قد تكون أم الزوجة ليست راضية عن هذا الزوج في مبدأ الأمر، ولكن الأب زوّجه بالبنت وبقي السخط مستمراً إلى آخر الحياة، وهذا حرام لا يجوز.
وبعض الزوجات قد يخطئن في تدخيل أمها أو أبيها في كل شيء، فترجع إلى أمها في الأشياء المصيرية والقرارات وتجعل أمها وصية عليها وعلى حياتها وتسرب أسرار البيت ونحو ذلك، فهذا يسبب للزوج تضايقاً كثيراً، وبعض الأزواج سيئو التعامل مع أمهات زوجاتهم، فيتهم عمته بأنها استغلالية وأن الواحد إذا أرخى لها الحبل ركبته، وأن أهلك أيتها المرأة غير ملتزمين، ويقع فيهم في أشياء من الغيبة كثيرا.
وفي المقابل هناك مشكلات بين الزوجة وأهل الزوج، فمن المشكلات -مثلاً- أن الإنسان عندما سمى ولده باسم أبيه تبرأت الزوجة من الاهتمام بالولد، كيف تسمي ابني على اسم أبيك أنا لا أقبل، والآن هو يطعمه ويفكه ويغسله ويلبسه ثم جاء الولد الثاني فاهتمت بالولد الثاني، وهذا من الفجور من هذه المرأة.
وبعض النساء قد تكون سيئة الخلق مع أهل زوجها، فإذا جاءوا إلى البيت تتركهم وتذهب، أو تطالب بزيارتهم، فإذا قيل لها: هيا لزيارتهم رفضت سبحان الله! أنت التي اقترحت الذهاب، أو تحرض زوجة أخي زوجها وتقول: ما جاءنا من عندكم إلا خراب البيوت ونحو ذلك، وأحياناً تقول الزوجة: أم زوجي تهينني وتريدني أن أخدمها فقد تكون محقة قد تكون أم الزوج المخطئة، وأغسل الملابس وأكنس البيت وأطبخ لضيوفها هي، وأنا عندي ثلاثة أولاد والرابع في بطني وأنا ضعيفة، والمشكلة أن الزوج يقول: أمي فوق كل شيء، وهذا صحيح ولكن بحدود، فلا يعني هذا أن ترهق أمك زوجتك؛ لأن أمك فوق كل شيء، وليست الزوجة شرعاً مكلفة بخدمة أمك، فإذا كانت أم الزوج سيئة تطرد البنت وتلعنها أو تقول: أنت بنت شارع، أنت بنت زنا ونحو ذلك , وهذا شيء موجود في المجتمع ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأحياناً قد يكون الاسم سبب مشكلة كما ذكرنا.
وتأمل هذه المشكلة: ولد أم الزوج تريد أن تسميه -مثلاً- زيداً، وأم الولد تريد أن تسميه محمداً، والآن الولد له اسمان في البيت، إذا جاءت جدته التي هي أم أبيه قالت: يا فلان! تعال، وأمه تقول: يا فلان! تعال، له اسمان في البيت، وأحياناً يكون النزاع بين الزوجة وأهل زوجها بسبب مشكلات مادية، كبيت ونحوه، وهذه أم زوجة سكنت في بيت زوجها مع أن زوجها له بيتان، فقالت الزوجة: لا أسكن معك حتى تطلع أمك من البيت الثاني، وتركت وهجرت وسافرت، وبقي الأولاد في بلد بعيد عند جدتهم والزوج يعمل في بلد آخر والأم في بلد ثالثة، ويتصل الأب على أولاده يقول: ماذا أحضر لكم معي إذا قدمت؟ يقولون: هات لنا معك دواء القمل لا أحد يعتني، لا الأب موجود ولا الأم موجودة.
стр. 5530
الجيران السيئون والمشاكل الزوجية
والجارات السيئات يكن في بعض الأحيان أيضاً من أسباب المشكلات، فتكون زوجة مطيعة لزوجها في أمان الله مع زوجها تتعرف على جارة سيئة تدخل بيتها فتبدأ المشاكل، تقول هذه الجارة السيئة: أنت ضيعت عمرك، دعيه يشتغل في البنت، دعيه يذوق المعاناة، وإذا سكتت البنت في الليل اقرصيها حتى تستيقظ وتوقظ الأب حتى يسكتها وهكذا، هذا طبعاً من اللؤم والخبث، وتصل المشاكل إلى الخارج أحياناً، هذا أخذ راتب زوجته ما دفع المهر، ردت عليه فأخذت من جيبه، اكتشفها فبلغ الشرطة، اتهمها بالسرقة، وكَّلت محامياً وهكذا.
وهذا غيض من فيض، فنسأل الله أن يجنبنا وإياكم شرور أنفسنا، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
اللهم اجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة، وأصلح ذرارينا وأهلينا يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 5531
وصايا للأطباء والطبيبات
الطب مهنة إنسانية عظيمة تكتمل صورتها عندما ينظمها الإسلام ويحصنها من المفاسد والعيوب، وهنا وصايا متنوعة لأهل الطب تعالج كثيراً من القضايا المتعلقة بالطب أو الأطباء أنفسهم وكيفية التعامل مع المرضى على نور من الله وبصيرة.
стр. 5532
تقوى الطبيب لله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه فرصة طيبة أن نلتقي في هذا المكان وفي هذا المستشفى لنتحدث عن بعض المسائل التي تهم الطبيب المسلم، هذه الثغرة في المجتمع التي سدها تتطلب إيماناً بالله واحتساباً للأجر، وعلماً شرعياً ودعوةً إلى الله ، وتذكراً وتذكيراً، فالطبيب المسلم صاحب رسالة، ولما ميزناه بقولنا: المسلم؛ علمنا بأنه صاحب رسالة شرعية إسلامية قبل أن تكون مهمةً طبية أو علاجية ونحو ذلك، وقد سبق أن تحدثنا في محاضرة سابقة بعنوان (رسالة إلى الطبيب المسلم) عن بعض الأمور المتعلقة بالطب والأطباء، ونستكمل إن شاء الله الكلام عن بعض هذه الأمور التي تهم الأطباء والطبيبات، وقد ذكرنا في المحاضرة الماضية أموراً منها: أن الطبيب ينبغي أن يتقي الله في عمله، وتقوى الله هي الضمان لعدم انحراف الطبيب عن مهمته، والله قد كرر الأمر بالتقوى في آيات كثيرة وهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وتقوى الله هي التي تدفع الطبيب إلى عدم ممارسة الطب وهو لا يتقنه؛ لأن النبي ﷺ قال: (من تطبب ولم يعلم منه طب؛ فهو ضامن) وتقوى الله هي التي تجعل الطبيب يتقن عمله، ولا يقدم وصفةً أو علاجاً إلا وهو متأكدٌ منها، وتقواه تمنعه من أن يجعل نفسه متاجراً مع شركات الأدوية لتجريب الأدوية في مرضى دول العالم الثالث كما يقولون.
وتقوى الله هي التي تجعل الطبيب المسلم لا ينظر إلى المرأة الأجنبية أكثر من نظر الفجأة، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك في حالات الكشف الطبي والعلاج؛ إذا لم يتيسر من يقوم بذلك من النساء، والله قد قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠].
وقد ذكر العلماء ترتيباً معيناً للمرأة المسلمة إذا أرادت أن تتطبب، فقالوا: تقدم الطبيبة المسلمة ثم الطبيبة الكتابية فالكافرة ثم الطبيب المسلم ثم الطبيب الكافر، والطبيب المسلم لا يكشف إلا ما تدعو الحاجة إلى كشفه في عورات النساء والرجال، وإذا كشف على امرأة للضرورة فبحضرة محرمها من الزوج أو غيره، وإذا احتاج ولم يوجد؛ فلا يجوز أن يكشف بخلوة إطلاقاً، بل لا يجوز أن يخلو بها حتى لو كان بغير كشف.
تقوى الله هي التي تجعل الطبيب المسلم يحس بالحرج، وهو يأمر بالكشف أو يغض بصره، وليس يتقدم دون حياء ولا خجل طالباً من المريض الكشف وبسرعة، والطبيب المسلم عند فحص مواضع الضرورة من قبل المرأة لمريض من الرجال، أو الرجل لمريضة من النساء؛ فإن أمكن الفحص بالوصف فقط؛ فلا يجوز النظر ولا اللمس، وإذا كان يكفي النظر فلا يجوز اللمس، وإذا كان لابد من اللمس؛ فمن وراء حائل، ولو فرضنا أنه لابد أن يكشف عن الموضع من غير حائل، فإنه لابد أن يقدر الضرورة بقدرها، فلا يتعدى المكان ولا الوقت اللازمين للفحص، ولا يدعها تكشف أمامه حتى تصل إلى مكان المرض، بل تكشف من وراء الستارة حتى تصبح جاهزة للكشف على موضع الضرورة، وهناك أمورٌ لا يصح مطلقاً -يتنافى مع التقوى تماماً- كشفها، مثلما يحدث من التساهل في فحص المرأة لحالة فتاق عند الرجل بموضع العورة المغلظة مثلاً.
وهناك كثيرٌ من الحالات التي لا يعتبر الإسلام مسئولاً نهائياً أبداً عن حدوثها؛ لأنها وجدت في حال انحراف، فلابد من تصحيح الأصل، وليس أن نقول: وقعنا في ورطة ونحن في ضرورة، نقول: من قواعد الضرورة أنه يجب السعي إلى إزالتها، وليس أن نبقى باستمرار في حالة ضرورة، وفحص المرأة المتدربة للمرأة المريضة أهون من فحص المرأة المتدربة لرجل مريض، ولذلك نقول ونوصي دائماً: إنه في حالة التدريس؛ يجب السعي باستمرار إلى حصول الفصل التام ما أمكن ذلك بين الرجال والنساء، وينبغي السعي لإيجاد التخصص في علاج النساء من قبل النساء وعلاج الرجال من قبل الرجال، وحالات الضرورة التي تستدعي تدخل الاستشاري مثلاً أو غيره لها أحكامها.
ومن الأمور التي تجعل الطبيب المسلم لا يتعدى الضرورة، فيصحب بالقفاز مثلاً إذا لم توجد الحاجة للفحص باليد مباشرةً لاشك أن هذا منبعه تقوى الله ، ولذلك فإننا نشعر بالعار عندما نسمع عن امرأة تُلزم أو طبيب رجل يُلزم طالبات الطب بالكشف على رجل، في أمور يستطيع أن يفعلها رجل آخر، كأخذ درجة الحرارة ونبض القلب ونحو ذلك، مع أن بإمكان المرأة أن تتدرب على امرأة وليس على رجل أجنبي.
وهنا يطالعنا بعض الناس في قضية الامتحانات وهل تعتبر ضرورة أم لا؟ فنقول: إن بعض العلماء يرى أنها لا تعتبر ضرورة مطلقاً، وأن المرأة إذا لم تجد امرأة في المستقبل تتعالج عندها، فإنها تتعالج عند رجل للضرورة، فلا الرجل يأثم ولا المرأة تأثم، وكذلك إذا قلنا: إن المرأة تكشف على المرأة وتتدرب عليها؛ سداً للحاجة في المستقبل للرجال؛ فإن هذا أمرٌ وجيه وحسن نستبدل به حالات كثيرة من كشف الرجال على النساء، ولا أقول جميع الحالات؛ لأن الواقع يثبت أن هناك حالات تستدعي تدخل الرجل ونقول: هذه الضرورة والضرورة تقدر بقدرها، على أن بعض أهل العلم يرى أنه في حال الامتحانات إذا اضطرت المرأة أن تكشف على رجل؛ فإنها تكشف بالنظر دون اللمس، وأضافوا قيداً آخر وهو أمن ثوران الشهوة من الفاحص والمفحوص، وهذه مسألة تدرس بالممارسة.
ولكننا نعيد الكرة لنقول: لماذا تجعل المرأة المسلمة في حالة حرج عندما تجبر على الكشف على الرجال؟ وما هي الضرورة لاختلاط الطبيبات بالأطباء؟ أو قل طالبات الطب بالطلاب في التدريب العملي إذا أمكن أن يجعل لكل منهم قسم مستقل، والواقع يشهد بأن هناك مفاسد وعلاقات محرمة نشأت بين الطالبات والطلاب، وضبطت أوضاع محرمة بسبب الاختلاط، بل إن بعض طالبات الطب ممن لا يخفن الله تنشأ لهن علاقة خاصة مع بعض الدكاترة مع كثرة المحادثة التي تكون تحت ستار أخذ المعلومات، واختلاط بعض الدارسات مع الدكاترة في أوقات خارج التدريب العملي بزعمها الاستزادة من العلم ونحو ذلك، أو لكي يعرف أنها مهتمة، وأنها تسأل شفوياً بدل أن تتصل بالهاتف، كل هذه المبررات التي تؤدي إلى مفاسد شرعية واضحة، ولو اضطرت الأحوال إلى أن يكون الذكور والإناث في مكان واحد، فلا أقل من أن تكون النساء خلف الرجال مع غاية النقاب والحشمة، وأن يراعي هذا الطبيب أو المتخصص الذي يدرس وجود المرأة في الفصل، فلا يأتي بحالات فيها صور انتصاب ونحوها مما يخدش الحياء ويعرضه على مسامع ومرأى من النساء الموجودات في الفصول الدراسية، وبعض الأحوال التي حدثت تثبت أن الفصل بين النساء والرجال ممكن، لكن الذي يحول بين هذا وحدوثه وجود رجل لا يخاف الله، كمسئول عن الصالات من النصارى ونحوهم من الذين لا يهمهم إحداث الفصل بين النساء والرجال.
وتقوى الله هي التي تجعل الطبيب المسلم لا يخلو بالمرأة أبداً، ولا يقال إن وجود عين سحرية من الخارج يزيل الخلوة، أو أن الباب المفتوح يزيل الخلوة، وهو يجلس في زاوية الغرفة والممر خالٍ والغرفة نائية، بل ينبغي إذا حدثت الحاجة لهذا ولم يوجد شخص ثالث في الغرفة؛ أن يكون الوضع أمام المارين، وإذا كانت الغرفة زجاجية؛ فيكون الزجاج من الأعلى إلى الأسفل بحيث يكون الأمر لا يخفى مطلقاً، ولا يقال أيضاً بالاكتفاء بالكاميرات الإلكترونية للمراقبة، فإنها قد تتعطل لأي سبب، أو لا يكون المراقب حاضراً لأي سبب، أو يكون فاسقاً يريد نشر الفاحشة في الذين آمنوا.
وتقوى الله هي التي تجعل الطبيب المسلم لا يخلو بالمرأة الأجنبية ولو كان لدقائق أو دقيقة أو ثوانٍ في مصعد المستشفى، وهناك حالات تحدث أحياناً، أنه يدخل مجموعة في مقعد ثم يخرج مجموعة في أحد الطوابق فلا يبقى إلا رجل وامرأة في مقعد، وهنا تقوى الله هي التي تدفع الرجل للخروج من المصعد؛ حتى لا يخلو بالمرأة في هذا الوقت الباقي، ثم يواصل الصعود بعد ذلك.
وبعض الناس يظن أن مس يد المرأة الأجنبية من وراء حائل جائز بإطلاق، وهذا لا يجوز بل الأصل أنه حرام، ولا يجوز إلا للضرورة، وتقوى الله هي التي تجعل الطالبة المسلمة إذا كانت دراستها تفرض عليها ترك الحجاب أن تقدم الدين والحجاب ولاشك في ذلك.
стр. 5533
الإخلاص لله
والطبيب المسلم والطبيبة المسلمة من صفاتهما أيضاً: الإخلاص لله ، والإخلاص لله هو الذي يدفع الطبيب والطبيبة لاحتساب الأجر في العلاج قبل أخذ المال، احتساب الأجر في زيارة المريض لأن فيها أجراً عظيماً، الأجر في زيارة المريض قبل أن يكون الوضع معالجة وواجباً يومياً زيارة مقررة وتفقداًَ روتينياً ونحو ذلك، فالطبيب الذي يخلص لله يطلب الأجر والاطمئنان على أخيه المسلم، ولذلك فهو يقف ويسأل عن الحال ويلاطف ويرفع المعنويات، ويحتسب الأجر الذي ورد في الحديث الصحيح كما جاء عن سويد عن أبيه قال: (أخذ علي بيدي فقال: انطلق بنا إلى الحسن بن علي نعوده، فوجدنا عنده أبا موسى الأشعري، فقال علي لـ أبي موسى: عائداً جئت أم زائراً؟ فقال: عائداً، فقال علي: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلمٍ يعود مسلماً غدوةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، ولا يعوده مساءً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة).
الطبيب المسلم من إخلاصه أنه يبقى خارج الدوام ويتبرع بوقته ولو بغير مقابل ولا راتب وخصوصاً في الحالات الطارئة، وكذلك في أوقات الكروب والأزمات، ويتقدم ليقدم ما عنده وينفع المسلمين.
والطبيبة المسلمة من إخلاصها أنها تحتسب الأجر في المجيء خارج الدوام؛ لتوليد النساء عندما لا يكون هناك إلا طبيب رجل، فتحتسب الأجر وتبتغي وجه الله؛ لإنقاذ أختها المسلمة من الحرج، باطلاع رجل أجنبي على عورتها المغلظة.
стр. 5534
حاجة الطبيب للفقه والعلم
كذلك فإنه لابد للطبيب المسلم من الفقه والعلم (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) الطبيب المسلم يدرس من أحكام الفقه ما يعينه على أداء رسالته الطبية والعلاجية ولا ينسى عبادته مع الله ، وبعضهم قد يقدم المهنة على العبادة، فيضيع صلوات بدون مبرر شرعي.
стр. 5535
تعلم أحكام الصلاة والوضوء والنجاسة
الطبيب المسلم من فقهه أن يعلم أحكام الصلاة وأحكام النجاسات، والوضوء للمس عورة المريض، ويحتاط لنجاسة العينات، وفي حالة الجمع بين الصلاتين لا يفعل ذلك إلا إذا كان مضطراً من حيث توقيت العملية، فإذا كان يمكن أن يوقتها بحيث يصلي كل صلاة في وقتها فلا يجوز أن يجعلها في وقت يضطر فيه لجمع الصلاتين، وإذا كان يمكن لطبيب آخر أن يدخل فيساعده ويسانده ريثما يؤدي الصلاة ثم يرجع لإتمام ما بيده؛ فإنه لا يجوز له أن يجمع الصلاتين وهكذا.
следующие страницы →