Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
التحميد في الكتاب والسنة
لقد ورد في الكتاب والسنة فضل حمد الله ، وأنه من صفات أهل الجنة عند دخولهم جنة ربهم، وقد كان نبينا محمد ﷺ يحمد الله في كل وقت وحين، وقد ورد عن المصطفى ﷺ ذكر أوقات يستحب فيها حمد الله، منها: عند الأكل والشرب، ولبس الجديد، والرجوع من السفر، وحال الحج، وإذا جاء أمر محزن أو مفرح، وهكذا نحمد الله حتى ننال الأجر العظيم.
стр. 5637
فضل التحميد في القرآن الكريم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
الجواب
=٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
الجواب
=٦٠٠٠٤٩٣> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
الجواب
=٦٠٠٣٦٠٢> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
إخواني: إن هناك أنواعاً من العبادات تفوت على المسلم مع ما فيها من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، وقد تكون في غاية السهولة، والله يعطي الأجر العظيم على العمل القليل، لأن من أسمائه (الكريم والمنان) يعطي ولا ينفد ما عنده سبحانه، ونحن بحاجة دائماً أن نتذكر من العبادات ما يعيننا على بلوغ الدار الآخرة، والوصول إلى بر السلامة، ومن أعظم الأمور ذكر الله ﵎، وذكر الله أنواع: الأول: ذكر لساني يرتبط بالقلب، وهذا هو ذكر الله، يرتبط بالمعاني الموجودة في القلب، فكل ذكر وكل نوع من هذا يجري على لسان العبد، وحقيقته قائمة في قلبه، والله هو المحمود حقاً، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد فالق الإصباح، وله الحمد وهو الحكيم الخبير، وله الحمد على ما أعطى، وله الحمد على ما منع، وله الحمد على ما يفعل .
وقد حمد الله نفسه في آيات كثيرة، وأمرنا بحمده ، وأهل الجنة الذين هم أهلها آخر دعواهم: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف:٤٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤].
فحمد الله عبادة عظيمة، وهي تعني رضا العبد عن أفعال ربه، وتعبر عن تسليم العبد لقضاء ربه.
أيها المسلمون: الحمد لله تملأ الميزان، هذه الكلمة العظيمة في ثوابها وثقلها تملأ الميزان، وقد قال النبي ﷺ : (أفضل الدعاء الحمد لله)، كما قال: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) ونبينا ﷺ هو صاحب لواء الحمد يوم القيامة، فالله هو المحمود يُحمد على كل شيء، يعطي سيد الأولين والآخرين بيده لواء الحمد، فيقوم به ﷺ ، و (كان النبي ﵊ يتأول القرآن، فلما نزل قول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣] قال ﵊: سبحانك اللهم وبحمدك).
والله قد أمرنا أن نسبحه بحمده، وأن نقول: سبحان الله وبحمده، دائماً نحافظ على هذه الكلمات العظيمة التي يغفل عنها أهل المعصية، لكن المؤمن دائماً يشتغل بذكر الله، ومن أفضله وأعظمه: الحمد لله، ألم تر أن أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة كيف ابتدئت؟! تبتدئ بهذه الجملة العظيمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال ﵊: (ألا أخبرك بأخير سورة في القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي).
стр. 5638
فضل التحميد في السنة النبوية
وقد ورد فضل هذه الكلمة العظيمة مع غيرها، وورد فضلها مستقلاً في عدد من النصوص دلالة على أهميتها، قال ﷺ : (خذوا جنتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات، ومعقبات، ومجنبات، وهن الباقيات الصالحات) يأتين يوم القيامة أمام الذاكر، ومن خلفه، وعن يمينه، وشماله يحطنه، هذا إكرام الله للذاكر الذي يكثر من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقد التقى نبينا محمد ﷺ بإبراهيم الخليل لما أسري به، فماذا قال له إبراهيم؟ (أقرئ أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأخبرهم أن غراسها -غراس الجنة- سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) فهذه وصية من إبراهيم ﵇ إلينا جاءتنا عبر نبينا محمد ﷺ ، أن نقول ذلك دائماً.
وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (إن الله تعالى اصطفى لكم من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله؛ كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه -خالصاً لله- كتب له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة) رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرَّ به وهو يغرس غرساً، فقال: (يا أبا هريرة! ما الذي تغرس؟ قال: هذه غراس لي أغرسها، قال ﵊ -الرحيم بأمته الحريص على تعليمهم-: ألا أدلك على غراس هو خير من هذا؟ قال: أجل يا رسول الله! قال: تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ يغرس لك بكل كلمة منها شجرة في الجنة)، كما قال النبي ﷺ : (وما في شجرة في الجنة إلا وساقها من ذهب)، وقال: (من قال: سبحان الله وبحمده؛ غرست له نخلة في الجنة).
فاستكثروا يا أيها المسلمون من شجر الجنة، فما أسهل القول! وما أسهل الفعل! وما أسهل هذا العمل! وما أعظم الأجر والثواب! ما أعظم الجزاء من ربٍ كريم يمن على عباده! يقول: خذوا بلا حساب، لكن أين العاملون؟! وأين المشمرون؟! وأين الذاكرون الله كثيراً والذاكرات؟! وقال ﵊ لـ أبي أمامة معلماً إياه فضل الحمد، قال: (ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار؟ تقول: الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله عدد ما في السماوات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء، وتسبح الله مثلهن، تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك).
تعلمهن أيها المسلم! وعلمهن أولادك، وعقبك من بعدك.
وعندما تتجدد النعمة يجب على العبد أن يحمد ربه، وإذا علم العبد عظم الحمد بجانب النعمة أسرع لسانه إلى الحمد، قال ﵊: (ما أنعم الله على عبد نعمة، فحمد الله عليها؛ إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة) فالحمد لله على ما أنعم وعلى نعمه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
والحمد سبب لرضا الرب عن العبد، فقال ﵊: (إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)، وقال ﵊ لما دُخل عليه وبنت له تقضي قال كلاماً عظيماً، وهذه القصة صحيحة رواها ابن عباس قال: (أخذ النبي ﷺ بنتاً له تقضي -تحتضر تموت- فاحتضنها فوضعها بين ثدييه فماتت وهي بين ثدييه، فصاحت أم أيمن، فقيل: أتبكي عند رسول الله ﷺ ؟! فقالت: أنت تبكي يا رسول الله! فقال: لست أبكي إنما هي رحمة، ذرفت عيناه ﵊، وقال: إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تخرج من بين جنبيه وهو يحمد الله حتى آخر لحظة من الدنيا والمؤمن تخرج نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله ، فهو يحمد الله على كل حال، حتى لو كانت روحه تخرج من بين جنبيه، فهو لا يزال يحمد الله، لماذا؟ يحمد الله على الخروج من سجن الدنيا، ويحمد الله على قضائه فيه وأنه الآن يقبض روحه، فيحمد الله على كل شيء، وعلى كل مكروه، وعلى كل قضاء، حتى إن المؤمن يحمد الله وربه يقبض روحه من بين جنبيه، فيحمد الله على قضائه فيه يحمد الله على لذة الحياة ونعمتها التي أفناها في طاعة الله، فهو يحمد الله على أنه أعطاه النعمة التي حيا بها، فذكر ربه وعبده.
стр. 5639
أوقات يسن فيها حمد الله
стр. 5640
حمد الله عند القيام من النوم والركوع وعند العطاس
أيها المسلم: إذا تأملت الحمد في أي شيء ورد من الأذكار الشرعية لتعجبن أشد العجب من عظم هذه الكلمة عند رب العالمين، وتعجب أشد العجب من شدة تفريطنا وغفلتنا عن الإتيان بهذه الكلمة دائماً، فعند القيام من النوم يقول: الحمد لله الذي رد عليَّ روحي، وإذا رأى مبتلى قال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، يسر بها.
وعند الركوع يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، فيقول الناس: اللهم ربنا ولك الحمد، ولما قال رجل: الحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، تعجبت الملائكة من هذه الكلمة.
وإذا عطس الإنسان يقول: الحمد لله، والسبب: أن العطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، فإذا عطس حمد الله .
стр. 5641
حمد الله في أول الخطب والمواعظ وأدبار الصلوات
كان النبي ﷺ ما لا يحصى إذا تكلم وخطب يحمد الله ويثنى عليه.
كذلك بعد الصلوات ثلاثاً وثلاثين تحميدة يقولها العبد، وكان ﵊ إذا أتاه الأمر يسره قال: (الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد الله على كل حال) فهو دائماً يحمد الله.
стр. 5642
حمد الله عند لبسه للجديد
كان النبي ﷺ إذا استجد ثوباً ليلبسه يقول: (الحمد الله، أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له) لأن الثياب فيها خير وشر، فقد يختال فيها ويتكبر، وقد تلبس عند الفجرة ويتزين فيها، وقد يتبرج فيها وبالذات للنساء، فالملابس لها خير ولها شر، ولذلك كان ﵊ يقول: (أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له).
стр. 5643
حمد الله بعد الطعام والشراب
الحمد في الطعام له عبارات عجيبة خرجت من فيِّ رسول الله ﷺ حفظها الصحابة، ولو تأملت في هذه العبارات -يا عبد الله- لوجدت شاهداً على شدة حمد الرسول لربه، وإخلاصه لله في هذا الحمد، كان إذا قرب إليه طعام قال: باسم الله، فإذا فرغ قال: (اللهم إنك أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت واجتبيت، اللهم فلك الحمد على ما أعطيت) وكان إذا أكل أو شرب قال: (الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغ وجعل له مخرجاً) وكان إذا رفعت مائدته قال: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الحمد لله الذي كفانا وآوانا غير مكفي، ولا مكفور، ولا مودع، ولا مستغنٍ عنه ربنا).
стр. 5644
حمد الله إذا أوى إلى فراشه
كان إذا أوى إلى فراشه ﷺ يتذكر نعمة الله عليه، هذا التذكر الذي نفتقده وننساه ونغفل عنه، كان إذا أوى إلى فراشه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكسانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مئوي له) فيحمد ربه أنه كفاه وآواه .
стр. 5645
حمد الله إذا قفل من حج أو عمرة
وكان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر الله على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
стр. 5646
حمد الله إذا لبى في الحج
وفي التلبية يقول الحاج والمعتمر: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، وإذا مر المسلم بآية: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] من سورة الرحمن قال كما قال المسلمون من الجن: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت.
стр. 5647
حمد الله حال الاستسقاء
وفي الموقف العظيم في صلاة الاستسقاء فيما رواه أبو داود قال: (شكا الناس إلى النبي ﷺ قحط المطر، فوعدهم يوماً، ثم خرج إلى المصلى -لما أمر بالمنبر- فقام عليه، وقال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم شرع ﷺ بدعاء ربه -فماذا قال؟ - أول ما بدأ بالدعاء قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٤] لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين) بدأ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٤] يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل -ثم شرع في الدعاء- فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأتِ مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى البيوت ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: (أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله).
فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم ارض عنا وارزقنا حمدك وشكرك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5648
الحث على حمد الله وشكره في كل وقت
الحمد لله على كل حال، والصلاة والسلام على محمد والآل، وأشهد أن لا إله إلا الله هو الحميد وهو المحمود ، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان.
أيها المسلمون: لا تغفلوا عن حمد الله، واذكروه دائماً: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].
الحمد لله على كل حال، فهذا فعل النبي ﷺ وهذا قوله: (الحمد لله على كل حال) وقد حدثنا النبي ﷺ عن رجل من بني إسرائيل قال: (لأتصدقن الليلة بصدقة، فأخرج صدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على سارق، فلما سمع الرجل وعلم قال: اللهم لك الحمد على سارق، لأتصدقن الليلة بصدقة، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني فقال: اللهم لك الحمد على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأتي الرجل).
قال العلماء: أتي في المنام وهذه من الرؤى الصالحة، فقيل له: (أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله) رواه الإمام البخاري ﵀.
لما فوض الرجل ورضي بقضاء الله، وقال: اللهم لك الحمد، لأنه يحمد الله على كل حال، فجعل الله لهذه الصدقات الثلاث ثواباً عظيماً، والأمور بالظواهر والله يتولى السرائر، ونية المتصدق تنفعه ولو وقعت في غير موقعها، وهذا يدل على فضل صدقة السر، وبركة التسليم لأمر الله.
والحمد لله على كل حال حتى على المكروهات، وهذه صفة المؤمنين التي لا تكون للذين يبغضون القضاء ويعترضون عليه، ولذلك فإن الله يكافئ الراضي بقضائه الحامد له على قضائه وقدره مكافأة عظيمة، قال ﷺ : (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم.
فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم.
فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع -حمدك: أي قال: الحمد لله على كل حال، إنا لله وإنا إليه راجعون- فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد).
فالحمد لله أولاً وأخيراً، والحمد لله ظاهراً وباطناً، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء، والحمد لله عدد ما في السماوات وما في الأرض، والحمد لله على كل حال، ما أصابنا من نعمة فالحمد لله، وما أصابنا من نقمة وبلية وعذاب فالحمد لله، الحمد لله على ما أصاب إخواننا المسلمين في أنحاء العالم، والحمد لله على كل مصيبة وقعت بنا، ونحتسب أجرها عند الله، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، الحمد لله على كل حال، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذه العبادة العظيمة التي نحن عنها غافلون ينبغي أن نتيقظ لها يا عباد الله! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الذاكرين الله كثيراً، اللهم اجعلنا من الذاكرين لك كثيراً، واجعلنا لك شاكرين لك عابدين إليك تائبين إليك أواهين منيبين، اللهم لا تسلبنا النعمة، اللهم إنا نعوذ بك من تحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك، اللهم ارفع الظلم عنا وعن المسلمين، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً.
اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا غيثاً مغيثاً، اللهم اجعله بلاغاً لنا إلى كل خير، اللهم إنا نسألك أن تصلح شأننا كله، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
стр. 5649
التساهل في ستر العورة
جاءت الشريعة بمحاسن الأمور ومنها ستر العورة، لكن الناس تساهلوا في هذا الأمر بشكل كبير، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، وفي هذه الخطبة أتى الشيخ بأدلة ستر العورة من الكتاب والسنة، وتوسع في ذكر الأحكام الشرعية الخاصة بأحكام العورة بين الرجال والنساء والأطفال.
стр. 5650
حث الشريعة على غض البصر وستر العورة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها المسلمون: لقد جاءت الشريعة بمحاسن الأمور، وأمر شرع الله بكل ما يُصلح البشرية، ولما خالفت البشرية شرع الله؛ عمتها النكبات، وانتشرت فيها الرذائل، وصارت في الهاوية، ونزلت إلى الحضيض، ولا شك أننا في زماننا هذا قد حصل فيه من هذا الشيء الكثير.
أيها المسلمون: حديثنا في هذه الخطبة عن أمرٍ مهم أمرت به الشريعة، وجاء به الدين، لكن الناس ضيعوه وترتب على ذلك ما ترتب من انتشار الرذائل والفواحش، ألا إنه حفظ العورة الذي له أحكام كثيرة، وفروع متعددة، وأدلة كثيرة أمرت بستر العورة.
العورة التي قال في شأنها أهل العلم: العورة سميت عورة لقبح ظهورها؛ ولأجل غض النظر عنها سمي العور عوراً وهو النقص والعيب، ولذلك فإن العورة هي كل أمرٍ يُستحيا منه، وأما في شريعة الله فهي كل ما يجب ستره من بدن الإنسان.
والعورة كما ذكر أهل العلم: عورة نظر، يجب سترها عن عين الناظر، وعورة الصلاة وهو ما يجب على الإنسان ستره حال الصلاة، أما الذي يجب على الإنسان ستره حال الصلاة، فإن أدلته في الشريعة معروفة، لكن الناس ينبغي عليهم ألا يخلطوا بين عورة النظر وعورة الصلاة، حتى لا يحصل عندهم احتجاجات فاسدة، فأنت ترى أنه يجب على الرجل أن يستر منكبيه في الصلاة لما ورد في الحديث الصحيح، لكن لا يجب عليه ستر المنكبين أمام رجال مثله مثلاً.
وكذلك المرأة تكشف وجهها في الصلاة، لكن لا يجوز لها كشفه في غير الصلاة، وكذلك تستر ساقيها مثلاً وبدنها في الصلاة، لكن يجوز لها أن تكشفه أمام الزوج، فلا يحتجن محتج بعورة الصلاة على عورة النظر.
واعلموا أن الشريعة قد جاءت بالأمر بغض البصر، قال : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١]، وقد قال ﷺ : (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنه لك الأولى، وليست لك الثانية) (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة) هكذا جاء عنه ﷺ ، ارتباط مسألة النظر بالعورة، وغض الأبصار عن العورات.
стр. 5651
أدلة ستر العورة عن النظر
стр. 5652
أدلة وجوب ستر العورة من القرآن
فأما الأدلة التي جاءت بها الشريعة على ستر العورة فهي كثيرة، خذ على سبيل المثال قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] كيف نزلت؟ ومتى نزلت؟ وأين نزلت؟ نزلت في شأن عظيم، كانت المرأة في الجاهلية تطوف بالبيت عريانة، وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة، يزعمون أن هذه الملابس التي لديهم قد عصوا فيها، فلا ينبغي أن يطوفوا بها، فأنزل الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] وشنَّع الله على أهل الجاهلية فعلهم هذا في آية أخرى كذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]، وقول الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] دليل على غض البصر عن العورات، وقوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] هذا كذلك دليل على وجوب ستر العورات عن النظر فتأمل محاسن الشريعة كيف أنها أمرت بغض البصر، وأمرت بستر العورة؛ لكي تعالج الموضوع من جميع جوانبه.
стр. 5653
أدلة وجوب ستر العورة من السنة
أما سنة النبي ﷺ فالأحاديث الواردة فيها بستر العورة كثيرة، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح قال: (يا نبي الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت ألا يراها أحد فلا يراها، قلت: يا رسول الله! فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس).
وكذلك فإنه ﷺ لما رأى رجلاً من الصحابة قد كشف فخذه، قال: (غط فخذك؛ فإن الفخذ عورة) أمره بالتغطية والستر.
стр. 5654
إجماع أهل العلم على وجوب ستر العورة
وكذلك أجمع أهل العلم على أن ستر العورات عن العيون واجب، فإذا قال إنسان: إذا كان الرجل خالياً؛ فهل يجوز له أن يكشف عورته؟ أجاب أهل العلم عن ذلك، فقالوا: إذا دعت الحاجة لذلك مثل قضاء الحاجة من بول أو حلق عانة أو اغتسال أو جماع لزوجته؛ فإنه لا بأس بذلك، أما إذا كان ليس هناك حاجة؛ فإن قوله ﷺ للرجل لما سأله: إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: (فالله أحق أن يستحيا منه) قال أهل العلم: إن الإنسان لا يكشف عورة نفسه إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك، وبعضهم أوجب ذلك وغلظ فيه.
إذاً: كشفها لغير حاجة حتى لو كان الإنسان خالياً دون حاجة؛ فإنه أمر مذموم.
واعلموا -أيها الإخوة- أن الناس تساهلوا في أشياء عجيبة تساهلاً كبيراً جداً، وخصوصاً في مسألة الفخذ بالنسبة للرجال، لأن بعض الناس عندهم منطق جاهلي، يقول: العورة للنساء وليس للرجال عورة، ولذلك تراهم يجلسون في المجالس يرفعون رجلاً على رجل، وقد لا يكون أحدهم لابساً تحت ثوبه سروالاً طويلاً مثلاً فيظهر فخذه، فإذا جئت تنبهه؛ قال لك: الرجل ليس له عورة، كبرت كلمة! رسول الله ﷺ يقول: (غط فخذك؛ فإن الفخذ عورة) وهذا يقول: الرجل ليست عورة.
стр. 5655
أحكام العورة
أيها المسلمون: لقد تكلم علماؤنا في عورة الرجل للرجل، وعورة الرجل للمرأة، وعورة المرأة للمرأة، وعورة المرأة للرجل، وعورة الطفل، وعورة المرأة أمام الطفل، وعورة المرأة أمام المخنث، وعورة المرأة أمام العبد، وعورة الأمة للرجل ونحو ذلك من الأشياء.
الخلاصة: أن الرجل والمرأة إذا كانت زوجته أو أمته؛ جاز لهما كل شيء، بما في ذلك الكشف التام.
стр. 5656
عورات الرجال
أما عورة الرجل بالنسبة للرجل؛ فإن العلماء قد اتفقوا على أن عورة الرجل للرجل ما بين السرة إلى الركبة، فلا يجوز له كشف ما بين سرته وركبته.
وأما عورة الرجل بالنسبة للمرأة الأجنبية: فإن كل من جاز لك نكاحها في الأصل فإنها امرأة أجنبية عنك، والمرأة تنظر إلى الرجل إذا لم يكن هناك فتنة أو شهوة، أما إذا لم تؤمن الفتنة وثارت الشهوات؛ فيجب عليها أن تغض بصرها كما قال الله في الآية أياً كان، وفي أي مكان كان، وهذا أمر، وكل واحد وكل واحدة أعلم بما في نفسه، والله مطلع على الجميع، فاتقوا الله .
أما عورة الرجل بالنسبة لمحارمه؛ والمحارم كل من حرم عليك نكاحها لحرمتها، فإن الرجل والمحرم ومحرمه من النساء يجوز له أن ينظر إليها فيما جرت العادة بظهوره منها على ما سنبين بعد قليل إن شاء الله.
стр. 5657
عورات النساء
أما عورة المرأة بالنسبة للرجال الأجانب؛ فإنها على الصحيح كلها عورة، كما قال الله : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] قال أهل العلم: الرداء والثياب لا يمكن إخفاؤه لا يمكن إخفاء العباءة إلا ما ظهر منها وهو الرداء والثياب، وكذلك قال الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].
فلا بد من حجاب يحجب المرأة كلها؛ سواء كان جداراً أو باباً أو عباءة أو خماراً ساتراً ونحو ذلك، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] فالإدناء من الأعلى إلى الأسفل يستر الجسم كله، ولما جاء صفوان بن المعطل السلمي ومر بـ عائشة وهي جالسة واسترجع قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالت عائشة: [فخمرت وجهي] سارعت ﵂ إلى تغطية وجهها، وهذا الحديث في صحيح البخاري.
وقال ﵊: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) فقوله: (المرأة عورة) أي: أنها كلها عورة، أما الرجال الأجانب فليس هناك شيء تكشفه، هل ترى استثناءً في الحديث: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) أسماء تقول: [كنا نغطي وجوهنا من الرجل] وعائشة عندما كانت محرمة، كانت كاشفة لوجهها مع النساء، فإذا مر بها الرجال غطت وجهها، ورسول الله ﷺ لما نهى عن النقاب في الإحرام؛ دل ذلك على أنه كان معروفاً عندهم ومستعملاً، وأما المرأة فكانت تستر وجهها.
أيها المسلمون: لو قال قائل: إن هناك أقوالاً أخرى؟ فنقول: ما هو الأليق بعصرنا الذي كثرت فيه الفتن، وعمت فيه الشرور، فأنت تراهن الآن في جميع الأماكن كاشفات عاريات إلا ما كان من أمر لا تستطيع فعله الآن، لكنها لو استطاعت فعله؛ لفعلت ولجرت وراء الكفرة حذو القذة بالقذة.
أما المرأة والأطفال فإن هذه من القضايا التي جهلها كثير من الناس، بل وتساهلوا فيها تساهلاً شنيعاً، والخلاصة: أن الله يقول في أصناف الناس الذي يجوز للمرأة أن تبدي زينتها عندهم، قال : ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] فيجوز للمرأة أن تكشف على الطفل الصغير الذي لم يفهم أحوال النساء بنص كتاب الله ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] لم يفهموا أحوال النساء، ولم يميزوا بين الحسناء والشوهاء، هذا يمكن من الدخول على النساء، لكن إذا كان له التفاف وصار له اهتمام وتمييز؛ فإن النساء يحجبن عنه.
والآن في البيوت تساهل عظيم وشنيع، لا سيما في قضية الولد الذي يكون قبيل البلوغ، فإذا بلغ صار رجلاً، لكن قبيل البلوغ، بسبب انتشار الأفلام والمجلات والخنا والفواحش في المجتمع؛ صار الأطفال لهم تمييز في مسائل جمال المرأة، والنساء بالعكس عندهن تساهل وتسيب في هذه القضية، فإذا لوحظ على الطفل التفاف على للمرأة وتمييز لمحاسنها؛ وجب عليها أن تستر نفسها ولا يجوز إدخاله عليها.
وأما بالنسبة لعورة المرأة أمام المحارم، فيا أيها الآباء! ويا أيها الإخوان! ويا أيها الأزواج! فإن العلماء قد قالوا في ذلك قولين مشهورين، والذي يدل عليه الدليل -والله أعلم- في قول الله : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] أن المرأة تظهر أمام المحرم ما يظهر غالباً أمامهم في العادة، كالوجه والشعر والرقبة وما فوق القلادة، وليس ما تحت القلادة، وما تحت الدملج الذي عند العضد وليس ما فوقه، وأسفل الخلخال، هذا الذي تظهره وهذا الذي جرت العادة بإظهاره، أما غير ذلك فإن بعض أهل العلم قد نصوا على أن الظهر والبطن عورة أمام المحرم، لا تظهر ظهرها ولا بطنها أمام المحرم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١].
إذاً: الذي يظهر غالباً منها كما بينا، مثل: الوجه والشعر والرقبة وما فوق القلادة وما أسفل الدملج الذي يوضع على العضد، هذا في العادة والخلخال وما تحته القدمين هذا الذي يظهر أمام المحارم، وبعض العلماء شددوا في الخال والعم أكثر من تشديدهم في الأب والأخ والابن، نظراً لأن الآية التي فيها قول الله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] لم يرد فيها ذكر الخال والعم، فلذلك ينبغي التنبه لهذا الأمر، وينبغي عليكم يا معشر الرجال أن تأمروا النساء في بيوتكم بالتستر والحشمة.
стр. 5658
عورات الصغار
أما بالنسبة للصغار، فإن كان الطفل صغيراً أو رضيعاً؛ فإنه لا عورة له ولا حكم لعورته، فإذا كان مميزاً، فينبغي عليه ستر الفرجين على الأقل، ويجب عليه وعلى أولياء الأمور مراعاة ذلك، فإذا بلغت الأنثى تسعاً والذكر عشراً، فينبغي الاعتناء التام باللباس، وعند ذلك تعلم التساهل الذي يحدث عند كثير من الناس، الذين يظهرون بناتهم ذات التسع والعشر السنين بملابس قصيرة فوق الركبة أمام المحارم، ويقول: هذا عمها، وهذا ابن أخيها، وابن أختها، وهذا خالها ونحو ذلك.
وعصرنا الآن كما قلنا أيها المسلمون: انتشرت فيه الفواحش وعمَّ فيه الفساد، فينبغي أخذ الحيطة في هذا الأمر، والتشديد في المسائل؛ لأنك تسمع عن جرائم تدل على انتكاسة الفطرة، فلا تتساهلوا رحمكم الله في هذه القضية.
ينبغي أن يربى أولادنا ذكوراً وإناثاً منذ الصغر على الستر والحشمة حتى يتعودوا عليه، أما أن نرخي الحبل ثم إذا جاء وقت الحجاب المأمور به شرعاً والواجب قلنا: الآن استصعبت النفوس الأمر، بسبب عدم التعويد.
وقضية التساهل في لباس البنات الصغيرات قد حصل فيه جرائم وحصل فيه ما يندى له الجبين؛ بسبب أن الرجل أو الأب أو الأم تساهلوا في لباس البنات الصغيرات.
стр. 5659
تغير حكم العورة عند الفتنة
نحن في عصر انتكست فيه الفطر، وذهبت العفة إلا من رحم الله، ولذلك ينبغي التشديد وعدم التهاون في هذه القضية، ولذلك فإن العلماء بعدما بينوا أن عورة المرأة أمام المرأة من السرة إلى الركبة، وقالوا أقوالاً أخرى في المسألة؛ قالوا: النظر عند خشية الفتنة حرام، حتى للمحارم فيما يجوز لهم النظر إليه من النساء، قالوا: لا يجوز النظر عند خشية الفتنة، فعندما كانت المجتمعات نظيفة في الماضي، عندما كان الصحابة والسلف يعيشون في مجتمعات نظيفة، لم تكن الشهوات تثور؛ لأن المجتمع محتشم، لكن اليوم لأتفه الأسباب تثور الشهوات، ولذلك لا بد من الاعتناء بهذه القضية أشد الاعتناء.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للخير، وأن يجعلنا من الحافظين فروجهم، اللهم اجعلنا من الذين يحفظون حدودك فلا يتعدونها، واجعلنا من الذين يغضون أبصارهم فلا ينظرون إلى الحرام، اللهم اجعل بيننا وبين الحرام برزخاً وحجراً محجوراً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5660
مخالفة البشرية لشرع الله
لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصلى الله وسلم على نبينا المصطفى الأمين، الذي بلغ رسالة ربه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: لقد خالفت البشرية اليوم شرع الله في ستر العورات.
لقد خالفت البشرية شرع الله لما ابتكروا شوارع وشواطئ للعراة.
لقد خالفت البشرية شرع الله لما ظهروا بهذه المايوهات والملابس القصيرة على شواطئ البحار وفي المسابح وغيرها.
لقد خالفت البشرية شرع الله في ستر العورات عندما أنتجت وسوقت الأفلام التي تظهر فيها المرأة كاشفة لعورتها، أو لجزء من العورة التي أمر بها الشرع.
لقد خالفت البشرية أمر الله في ستر العورات لما قامت الإعلانات التجارية تروج للبضائع، وفي كثير منها صورة امرأة كاشفة عن عورتها أو جزءاً من عورتها، في أمور لا علاقة لها بالنساء مطلقاً كعلب البيبسي مثلاً.
لقد خالفت البشرية شرع الله عندما طبعت المجلات، وعلى أغلفة هذه المجلات فتاة الغلاف، الداعية بجمالها الصارخ وزينتها ومكياجها إلى الفحشاء والمنكر.
لقد خالفت البشرية شرع الله عندما دخلت النساء في الأسواق متبرجات، وتُرك ستر العورة حتى بالنسبة للرجال، الذين خالفوا شرع الله في هذه الألعاب الرياضية التي يزعمون أنها رياضية، وكشفوا فيها من العورات من الفخذ وغيره ما يندى له جبين المسلم الحر الكريم.
لقد خالف الناس شرع الله عندما قام الاختلاط في البيوت بين النساء والرجال الأجانب.
لقد خالفوا شرع الله في تساهلهم في ظهور أولادهم وبناتهم بالذات الذين هم في سن البلوغ بثياب قصيرة أمام الضيوف وأمام الأجانب، بل حتى أمام المحارم كشفوا ما لا يجوز كشفه.
لقد خولفت الشريعة في قضية سد الذرائع مخالفة شنيعة؛ لأنهم خالفوا الأصل فكيف لا يخالفون قاعدة سد الذرائع، كذلك قاعدة سد منافذ الفتنة غير مراعاة في كثير من الأحوال.
لقد خولف الشرع وخولف مراراً ومراراً وتكراراً، وهذه الأشياء الوافدة إلينا والتي نقترفها نحن بأيدينا دليل واضح على تضييع قضية ستر العورة، صارت مسألة ستر العورة الآن من المسائل الضائعة المضيعة في عالمنا وواقعنا؛ لأن من مخططات اليهود إظهار العورات وكشفها؛ لكي يصبح المجتمع مجتمعاً إباحياً، حتى تشغل القضية الأذهان ولا يبقى هناك مجال للعاقل لكي يبصر ما ينقذ به أمته.
أيها المسلمون: إن كل شر يحدث في مجتمعنا بسبب مخالفة الشريعة، ونحن الذين تساهلنا في قضايا كثيرة، وتساهلنا في قضية كشف العورات في مسألة السائق الأجنبي والخادمة، وحتى في قضية الممرضات والمضيفات، والذهاب بالنساء إلى المستشفيات، أفلا ترون أن هذه المخالفات تستوجب عقوبة من الله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:٧ - ٨].
اللهم إنا نسألك رحمتك، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إنا نسألك أن تطهر قلوبنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم إنا نعوذ بك من تحول عافيتك، وزوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.
اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، وأن تقيم علم الجهاد في ربوع العالمين، اللهم ارفع الظلم عن المستضعفين، اللهم انصر المستضعفين من المسلمين، اللهم إنا نسألك أن تنصر عبادك الموحدين، وتقيم شرعك في الأرض يا رب العالمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 5661
الحياء
الحياء خلق عظيم من أخلاق الإسلام، وهو خلق يبعث على فعل كل جميل ويمنع من فعل كل قبيح، وهو صفة من صفات الله ، وصفة من صفات أنبياء الله ﵈، وهو أيضاً من صفات أوليائه، وأشد هذه الأمة حياءً هو نبينا محمد ﷺ ، فقد كان أشد حياءً من العذراء في خدرها.
стр. 5662
صور من فقدان الحياء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
لماذا تحسر عدد من النساء الحجاب عن وجوههن وشعورهن؟ لماذا يلبسن الثياب الضيقة والشفافة؟ لماذا تنطلق الكلمات البذيئة من ألسنة الكثيرين وتنهال الألفاظ التي تخدش الحياء في المجالس والأماكن العامة، وتسمع هذه الكلمات البذيئة في قارعة الطريق والمحلات؟ لماذا يعامل بعض الذين يستلفون النقود من يستلفون منهم بصلافة ووقاحة، ويرفضون رد الدين، أو يجعلونهم يجرون وراءهم كالشحاذين مع أنهم أصحاب الحق؟ لماذا يقع الاختلاط بين الرجال والنساء ويمضي بشكل طبيعي حتى يحادث الرجل الأجنبي المرأة الأجنبية كأنه محرم لها؟ لماذا تنتشر المعاكسات الهاتفية وخروج المرأة مع الرجل الأجنبي في سيارة أو مكان في خلوة ونحوه؟ لماذا يحسر اللاعبون عن أفخاذهم ولا يتحفظ الناس من ستر عوراتهم؟ لماذا ولماذا من سائر هذه المشاهد والأفعال المتكررة؟ السبب -أيها الإخوان- هو فقدان خلق عظيم من أخلاق الإسلام، ألا وهو خلق الحياء، هذا الحياء الذي يبعث على فعل كل جميل، ويمنع من فعل كل قبيح هذا الحياء قد زال وانعدم من نفوس الكثيرين، وقلَّ وخف واضمحل من نفوس آخرين، ولذلك تجد انتشار المعاصي والجهر بها، وخصوصاً عند من ينبغي أن تكون محتشمة متسترة عند البشر كلهم.
فقدان الحياء أدى إلى المآسي حتى ظهرت شواطئ العراة وأنديتهم، وصارت الأفلام الإباحية تعرض وتصور بسبب فقدان الحياء، لم يعد هناك حياء، هذا الخلق الإسلامي الأصيل الذي نفتقده اليوم في نفوس كثير من المسلمين، فما عادوا يتورعون عن أمور كثيرة.
стр. 5663
أنواع الحياء
حياء الإنسان منه ما هو فطري، ومنه ما هو مكتسب هذا الحياء غريزة خلقها الله في قلب الأبوين: آدم وحواء، ولذلك لما عصيا وأكلا من الشجرة وظهر أثر المعصية بانكشاف العورة، سارعا إلى ستر عوراتهما بأوراق الشجر، بمجرد أن بدت لهما سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، فاستحيا آدم وزوجه لما ظهرت العورة، وأرادا بسرعة أن يسترا العورة بورق الجنة، مسارعين إلى ذلك من خلق الحياء الذي خلقه الله فيهما، وهذا هو الأصل في البشر سلامة الفطرة، كل مولود يولد على الفطرة، كل مولود يولد وحياؤه معه، ولكن يفسد حياؤه من هذه التربية، إنهم يلبسون البنات من صغرهن ملابس فاضحة، وتنشأ البنات على هذه الملابس الفاضحة، وتكبر البنت وهي لا تزال تلبس هذه الملابس أمام إخوانها في البيت، وأمام الجيران والزوار، وتفقد البنت شيئاً من حيائها تدريجياً، والسبب هو التربية الفاسدة.
لقد ذكر الله في كتابه قصة المرأة التي تربت تربية صالحة هي وأختها حين كانتا ترعيان الغنم؛ لأن أباهما لا يستطيع العمل، فالمرأة لا تخرج للعمل إلا للحاجة هذا هو الأصل، الأصل: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] أما الخروج للعمل وللحاجة فيبينه قوله تعالى: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] لا يستطيع العمل فلذلك اضطررن وخرجن، لما سقى موسى ورجعت المرأتان أخبرتا الأب، فأراد أن يكافئه، فلما لم يستطع المجيء إليه أرسل ابنته، قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥] هكذا قال الله.
قال السلف: ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كُمَّ درعها على وجهها تغطيه استحياءً، بل إن تغطية الوجه من أيام الجاهلية، بعض نساء الجاهلية كما كانت امرأة النعمان الرجل الجاهلي تمشي ساترة وجهها، فوقع هذا الغطاء دون تقصد وكانت بحضرة رجال، فقال النابغة من فوره وتوه:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه بادرته واتقتنا باليد
فغطت وجهها بيد، وسارعت لأخذ الخمار باليد الأخرى.
فطر الله النساء على الحياء، لكن الوضع الحالي للنساء أفسد الكثيرات، ولذلك فهي خراجة ولاجة، لا حياء ولا حشمة ولا حجاب، تقارع الرجال في الأسواق، وتنازل الباعة في الأسعار وتضحك ملء شدقيها أمام الأجانب، وهذه أسواقنا شاهدة على قلة الحياء في هذا الزمن، وقد بلغ من تقدير الإسلام لخلق الحياء أنه بني عليه أحكام، فمن ذلك: ما جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال لها: نعم.
تستأمر، قلت له: إنها تستحي -إذا سألها القاضي أنت موافقة؟ البكر تستحي هذا هو الأصل- فقال النبي ﷺ : فذلك إذنها إذاً إذا هي سكتت) إذنها صماتها هكذا يعرف إذن البكر إذا استؤذنت، فإذا صمتت فيعني ذلك أنها موافقة.
стр. 5664
الأنبياء وشدة حيائهم
قال النبي ﷺ : (الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) هذا شأن الحياء وهو شعبة من الإيمان، والله حيي ستير، كما قال النبي ﷺ : (إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح.
وقال النبي ﵊: (إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه، أن يردهما صفراً خائبتين) والعبد عليه أن يتشبه بتلك الأفعال التي أمر الله العباد بأخذها، فعليه أن يستحي، هذا الحياء من الأشياء التي بقيت من النبوة الأولى، قال النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت) النبوات السابقة حصل لها تحريف وتغيير وتبديل، ولكن بقيت هناك عبارة صحيحة وصلت إلى هذه الأمة بدون تغيير ولا تبديل ولا تحريف، وهي: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) والمقصود تهديد ووعيد للذي لا يستحي، فليفعل ما يشاء، فالله سيجازيه، كما قال الله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠] ستجدون هذه الأعمال يوم القيامة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] وكذلك هذا تهديد -أيضاً- من جهة أنه قال له: (إذا لم تستح فاصنع ما شئ) فإنه إذا سقط الحياء فالنتيجة أنه سيفعل ما يشاء، ويعاقبه الله بعد ذلك.
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاءُ
أنبياء الله كانوا يستحيون غاية الحياء، فهذا موسى ﵇ كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يرى من جلده شيء استحياءً منه، والنبي ﷺ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها هل تعرفون العذراء إذا كانت في جوف الليل التي ليس لها سابق عهد بالرجال ولا تختلط بالأجانب ولم يسبق لها زواج كيف يكون حياؤها؟ لو دخل عليها رجل أجنبي في مخدعها كيف يكون حياؤها؟ كان النبي ﵊ أشد حياءً من العذراء في خدرها لو دخل عليها أجنبي.
وتجلى هذا في مواقف منه ﷺ ، فإنه لما صعد إلى ربه في حادثة المعراج المعروفة والمشهورة، فرض الله عليه خمسين صلاة، والنبي ﷺ يتردد بين موسى وبين ربه سائلاً التخفيف حتى وصلت إلى خمس صلوات، فقال موسى للنبي ﵊: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فقال النبي ﷺ : سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأُسلم).
كان النبي ﷺ من حيائه أنه لا يصرح بالألفاظ التي فيها بشاعة أو شناعة، أو تخدش الحياء، أو تكرهها النفوس وتنفر منها، فكان يستخدم الكناية، وكان يعرض في كلامه، بل إنه ﷺ في أحيان كثيرة كان لا يتكلم بكلمة، ولكن يعرف ذلك بوجهه من حيائه ﷺ ، ولذلك يقول الصحابي أبو سعيد ﵁: [فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه] يبدي ذلك صفحات وجهه، تنبئ عما يكرهه ﷺ ، ولذلك لما جاءت امرأة تريد منه أن يعلمها كيف تغتسل فعلمها النبي ﷺ ، ثم قال: (تأخذ فرصة من مسك فتتطهر بها) قطعة من القطن ونحو ذلك، فيها طيب من المسك وغيره تنظف بها مكان خروج الحيض لأجل الزوج وإزالة الرائحة، فقالت المرأة: كيف أتطهر بها -لم تفهم المقصود- قال: (تطهري بها، سبحان الله! واستتر بيده على وجهه ﷺ هنا تدخلت عائشة أم المؤمنين، قالت: (واجتذبتها وعرفت مراد النبي ﷺ ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم) أثر الدم الموجود والباقي تتبعيه فأزيليه بهذه الفرصة الممسكة.
هذا هو نبينا ﷺ ، هذا نبينا الذي لما تزوج وجاء الناس إلى بيته وطعموا طعام الوليمة، أراد ﵊ بعد ذلك أن يخلو بأهله، لكن هؤلاء لم يخرجوا، فخرج النبي ﷺ ثم عاد إلى البيت رجاء أن يكونوا قد خرجوا -من حيائه، ما قال لهم: اخرجوا- فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أو أُخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب -رجل داخلة وأخرى خارجة- أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب، فاستحى ﷺ أن يطردهم أو يقول لهم: اخرجوا، هكذا كان ﵊، هذا هو النبي، وهذا هو الدين، قال النبي ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء).
وبنته ﷺ كانت تربيتها هكذا، عن أنس ﵁، أن رسول ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهب لها، وعلى فاطمة ﵂ ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: (إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك) وهكذا كانت الصحابيات رضوان الله تعالى عليهن.
لما عرض النبي ﷺ بيعته -بيعة النساء- تلا الآية عليهن وفيهن هند بنت عتبة، فأخذ عليهن العهد ألا يشركن بالله شيئاً كما في الآية، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولما بلغ: ولا يزنين وضعت يدها على رأسها حياءً، وفي رواية قالت: أَوَتزني الحرة؟ -عجيب أو تزني الحرة! هذا الزنا معروف عند الإماء- فنهرتها عائشة وطلبت منها أن تبايع، وقالت: هكذا بايعنا، بايعي على ما بايعنا عليه.
стр. 5665
حياء الصحابة رضوان الله عليهم
وعثمان ﵁ أشد الأمة حياءً بعد النبي ﷺ ، ولذلك قال: (الحياء ملءٌ من الإيمان، وأحيا أمتي عثمان) أشدها حياءً عثمان ﵁، أمير البررة وقتيل الفجرة، ذو النورين عثمان ﵁، قال ﵊: (ألا أستحي من رجل تستحيي منه الملائكة).
وكذلك كان ﵁ إذا اغتسل، يكون في البيت والباب عليه مغلق، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء وإنما يغتسل بثوبه، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه، وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيتٍ مظلم تجاذب وحنا ظهره، يمشي منحني الظهر حتى يأخذ ثوبه، مع أنه ليس حوله أحد، ولا ينتصب قائماً حياءً.
وعن أنس قال: [كان أبو موسى الأشعري ﵁ إذا نام لبس ثياباً عند النوم، مخافة أن تنكشف عورته] هكذا كان الصحابة، جاء أحدهم إلى مجلسٍ ممتلئ، فوجد فرجة فجلس والثاني جلس خلفهم استحيا فاستحيا الله منه.
فعلمنا النبي ﵊ معنى الحياء، فقال ﷺ : (استحيوا من الله تعالى حق الحياء، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى -ماذا يوجد في الرأس يا عباد الله؟ اللسان والفم والعينين والأذنين- وليحفظ البطن وما حوى -أي: احفظ بطنك من المال الحرام، الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى من هذه الأعضاء المجاورة له والواقعة فيه، واحفظ البطن وما حوى- وليذكر الموت والبلاء، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) حديث حسن، هكذا علمنا ﷺ .
وقرب لنا الفكرة كيف نستحي من الله، فقال ﵊ لرجل قال له وصية: (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) هذا للتقريب، كيف تستحي من الرجل الصالح من قومك؟ ينبغي أن تستحي من الله أكثر من هذا.
فنسأل الله أن يرزقنا الحياء، وأن يباعد بيننا وبين الفحش والبذاء، وأن يرزقنا التقوى والتقى والعفاف والغنى، إنه سميع مجيب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 5666
بعض جوانب الحياء المحمود والمذموم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشكره وأحمده، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد النبي الأمي، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون: (الحياء لا يأتي إلا بخير) -هذه العبارة التي قالها النبي ﷺ لتوضح ماذا ينطوي عليه هذا الخلق، وماذا يتأتى منه، لقد قالها رجل من الصحابة راوياً هذا الحديث عن النبي ﷺ ، فقال أحد السامعين وهو بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة: إن منه وقاراً ومنه سكينة، يقول الرجل: وجدنا في بعض الصحف عن الأديان السابقة، أن منه وقاراً ومنه سكينة، كأنه يقول: من الحياء ما هو وقار، ومنه ما هو ضعف ومهانة وذل، فقال عمران غاضباً: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك! أي: تباً لك على هذا الخلق وعلى هذا القول، أقول لك: قال رسول الله ﷺ : (الحياء لا يأتي إلا بخير) وأنت تقول الحياء قسمان، والحياء منه كذا ومنه كذا، لا أحدثك سائر اليوم، حتى تشفع له الناس فرضي بأن يحدثه.
وقد مر النبي ﷺ على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: (إنك لتستحي حتى يقول: إنه قد أضر بك) وأخ يعاتب أخاه يقول: أنت دائماً تستحي، هذا الحياء منعك من أخذ حقوقك وألحق الضرر بك، وكأنه يقرعه على استحيائه الدائم والشديد، فقال النبي ﷺ لما مر بهما: (دعه فإن الحياء من الإيمان) فلا تثريب عليه أنه يستحي، وليس عيباً أنه يستحي، الحياء لا يأتي إلا بخير، هذا هو الحياء.
وينبغي هنا أن نعلم الفرق بين الخجل والحياء.
стр. 5667
الفرق بين الخجل والحياء
الحياء: خلق جميل يبعث على فعل المحمود وترك المذموم، وهو خير كله، لكن إذا كان شيء يؤدي إلى ترك تعلم الدين والأحكام الفقهية التي يحتاج إليها الإنسان أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا مر به الإنسان فهذا لا يسمى حياءً وإنما هو خجل مذموم، ولذلك قال العلماء على هذا: يحمل عبارة من قال: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر، فليس هذا موضع الحياء، أن تحتاج إلى جواب في مسألة شرعية فتستحي، هذا ليس حياءً شرعياً.
عن سعيد بن المسيب أن أبا موسى قال لـ عائشة: (إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي منك، فقالت: سل ولا تستح فإنما أنا أمك -لأنها أم المؤمنين- فسألها عن رجل يغشى ولا ينزل؟ -الرجل يجامع أهله ويطأ لكن من غير إنزال، أي: هل عليه غسل أم لا؟ - فقالت: قال النبي ﷺ : إذا أصاب الختان الختان فقد وجب الغسل).
إذاً: إذا أولج ووطئ ومس الختان الختان فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، فبينت له الحكم.
وقالت عائشة ﵂: [نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين] لكن الإنسان أحياناً لا يستطيع المواجهة لظرف وسبب، فلا يسكت على جهل وإنما يوكل غيره في السؤال، كما فعل علي ﵁ قال: كنت رجلاً مذاءً -أي: كثير المذي- فأمرت المقداد أن يسأل النبي ﷺ -لأنه كان يغتسل ﵁ من المذي حتى تشقق ظهره من شدة البرد- فقال ﵊ لما سأله المقداد، فقال: فيه الوضوء، يغسل ذكره وأنثييه، ويزيل ما أصاب الثياب منه ويتوضأ، هذا هو حكم المذي.
لماذا استحيا علي من السؤال المباشر؟ قال علي في الرواية: [كنت رجلاً مذاءً، فأمرت رجلاً أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته مني]؛ لأن بنت العالم تحته -عنده فاطمة - يستحي أن يقول: إنني امرؤ مذاء من عنده بنت النبي ﷺ ، لذلك استحيا أن يسأل، لكن هل سكت على جهل؟ كلا.
وإنما طلب من غيره أن يسأل له وهكذا وقع وأخذ الجواب.
وكذلك أيها الإخوة: النهي عن المنكر إذا رأيت منكراً أمامك، كثير من الناس لا ينكر المنكر، ويقول: استحييت وما استطعت أن أتكلم، هذا ليس بحياء، هذا خجل مذموم، وهذا ذل ومهانة وضعف وعجز، هذا يُلام عليه ويؤاخذ به، الله أحق أن يستحيا منه، ينبغي إذاً أن تجهر بالإنكار وتعلن الإنكار؛ وهكذا كان الأئمة وأهل العلم.
قال ابن مهدي ﵀ عن سفيان الثوري: ما كنت أستطيع أن أنظر إلى سفيان استحياءً وهيبة منه، ومع ذلك فكان في مواقع الحمية والغضب لدين الله لا يعرف الاستحياء من الحق، حتى قال يحيى: "ما رأيت رجلاً قط أصفق وجهاً من الله من سفيان الثوري "، أي: إذا صار الجد والإنكار أصفق وجه -أسمك وجه- أمام أهل المنكر.
ولذلك أنكر على المهدي أموراً جساماً، حتى قال وزير المهدي: تتكلم على أمير المؤمنين وأنت بحضرته بمثل هذا الكلام، فقال سفيان: اسكت! ما أهلك فرعون إلا هامان، قال: يا أمير المؤمنين! ائذن لي أن أضرب عنقه، قال له الخليفة: اسكت ما بقي على وجه الأرض من يستحيا منه غير هذا.
стр. 5668
ارتكاب الحرام باسم الحياء
وبعض الناس يرتكبون الحرام باسم الحياء، كيف ذلك؟ يقول رجل: مدت المرأة الأجنبية يدها للمصافحة، قال: استحييت وصافحت، فما شاء الله على هذا الاستحياء! هل هذا حياء أم قلة حياء؟ ألم يقل النبي ﷺ : (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير من أن يمس امرأة لا تحل له) كيف تقول: مدت يدها فاستحييت وصافحت أين الحياء؟ الحياء ألا تصافح ولا تمد يدك بل تنكر هذا المنكر.
стр. 5669
دعوى الاستحياء من الحق
وكذلك أيها المسلمون: ينبغي ألا نستحي من الحق، فلو أن إنساناً استدان منك مالاً فأردت أن تثبته أثبته، قال الله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] فلا تقل: استحييت، قل له: إن هذه حياة وموت، وإن هذا أدعى لضبط الحقوق، وقد أمر الله به، أود وأريد وأرغب منك أن نكتبه، لا حرج مطلقاً.
الحياء إذاً: فعل المحمود وترك المذموم، الحياء عكس البذاء، كما قال النبي ﷺ : (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار) هذا هو البذاء: الكلمات النابية الجافية ونحو ذلك.
وكذلك من جوانبه: أن يستتر الإنسان كما قال النبي ﵊ للصحابي معاوية بن حيدة لما سأله: (قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله! إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت ألا يرينها أحد لا ترينها أحد -العورة- قلت: يا رسول الله! إذا كان أحدنا خالياً هل له أن يتجرد؟ قال النبي ﷺ : الله أحق أن يستحيا منه من الناس) فهذا ندب إلى ستر العورة، حتى لو كان الإنسان خالياً، نعم إنه يحتاج إلى كشفها عند إتيان أهله أو غسله ونحو ذلك، لكن إذا زالت الحاجة ستر العورة.
стр. 5670
حياء الصحابة وحياء الناس اليوم
وقد تقدم فعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم عند غسلهم وعند نومهم، قارنوا بين هذا الخلق الآن وبين ما يحدث في المجتمع من السفور والانحطاط الأخلاقي والجرأة على الرجال، وانطلاق النساء في الكلام، واستخدام الألفاظ البذيئة في المجالس العامة، وهذه المسرحيات والتمثيليات التي يعرض فيها الاختلاط، تخرج المرأة سافرة أمام آلاف المتفرجين في القاعة، شيء عجيب لو فكر فيه الإنسان فعلاً يصاب بصدمة من زوال الحياء من المرأة التي ينبغي أن تستحي من الرجل.
فنسأل الله سبحانه أن يرزقنا الحياء، ونسأله أن يباعد بيننا وبين الحرام.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك يا رب العالمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين، اللهم إن اليهود قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فعاجلهم بنقمة من عندك، وأنزل عليهم سخطك وعذابك الذي لا يرد عن القوم الكافرين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5671
الرحمة
رحمة الله واسعة، وكان لابد من الوقوف عند هذه الصفة التي اتصف بها الله جل وعلا، فإن من رحمة الله جل وعلا أن المصائب تكفر السيئات، وأن المؤمن إذا صبر عليها أجر، ومن رحمة الله علينا أيضاً أنه يستر ذنبنا في الدنيا ويغفرها في الآخرة، فيجب على المؤمن ألا ييئس من رحمة الله ولا يقنط.
стр. 5672
سعة رحمة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن من أسماء الله الرحمن والرحيم، فهو أرحم الراحمين، والرحمن صفته، والرحيم يدل على أنه يرحم خلقه، والله رحمته وسعت كل شيء، وبلغ من رحمته أنه خلق مائة رحمة بخلاف صفة الرحمة التي اتصف بها خلق مائة رحمة، فبث بين خلقه رحمةً واحدة فهم يتراحمون بها، وادخر عنده لأوليائه تسعة وتسعين، وفي حديثٍ صحيح آخر: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على ولدها)، وفي رواية: (حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة.
ووصف النبي ﵊ كل رحمة من هذه المائة بقوله: (إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، وأخر تسعاً وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة وجعلها لأوليائه يوم القيامة يرحمهم بها).
قال النبي ﷺ : (فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار) ورحمته أشد من رحمة الوالدة بولدها.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (قدم على رسول الله ﷺ بسبيٍ، فإذا امرأة من السعي تسعى، إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : الله أرحم بعباده من هذه بولدها)، وقال النبي ﵊: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش) .
وهذه الرحمة التي تأوى إليها أرواح المؤمنين إذا قبضها ربنا، كما قال النبي ﷺ وهو يحدث حين مُرَّ عليه بجنازة، فقال: (مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله! ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب، كيف لا وفجوره من أسباب منع المطر وأذية العباد والبهائم).
ورحمته للعصاة التائبين إذا أقبلوا على الله وتابوا إليه فإن رحمته واسعة، فإذا أقبل العبد إليه بالتوبة استقبله الله بالرحمة فغفر له ذنبه وستر عليه .
عن ابن عباس قال: (إن النبي ﷺ جاءه أناسٌ من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا -أي: من الزنا- فأتوا محمداً ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة -نحن نريد التوجه والتوبة وإصلاح الحال، لكن ماذا نعمل بالماضي؟ وماذا نعمل بالسيئات المتراكمة؟ ماذا نعمل بالقتل الكثير والزنا العظيم؟ فروجٌ انتهكناها ودماءٌ استبحناها، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة- فنزل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، ونزل أيضاً قول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]).
هذه رحمةٌ واسعة من الذي يحجرها؟ ومن الذي يمنعها؟ لما قال الأعرابي: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، قال: لقد حجَّرت واسعاً) من الذي يستطيع أن يمنع رحمة الله؟ هذا في الدنيا برحمته يتوب عليهم، وبرحمته يغفر لهم، وبرحمته يهديهم، وبرحمته يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم.
стр. 5673
من رحمة الله ستر الذنوب في الدنيا وغفرانها في الآخرة
وأما يوم القيامة فإن العبد يأتي ربه بذنوب، لكن إذا كان للعبد توبة وله استغفار وله أوبة ورجوع، يقول النبي ﵊ في حاله: (إن الله تعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره من الناس ويقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى -أي: العبد- في نفسه أنه قد هلك، قال الله : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق: ((وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) [هود:١٨]).
стр. 5674
من رحمة الله تجاوزه عن الخطأ والنسيان
ومن رحمته بنا أنه تجاوز لنا عن الخطأ والنسيان وما استكرهنا عليه كما جاء في الحديث الصحيح، وكذلك قال النبي ﵊: (إن الله تجاوز عن أمتي عما توسوس به صدورهم ما لم تعمل أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه) فإذا بقيت الوساوس حبيس النفس لم تخرج، والرغبة في السيئة صارت طي الكتمان لا عمل ولا قول يتجاوز الله عن ذلك.
стр. 5675
المصائب والابتلاءات من رحمة الله بنا
ومن رحمته أنه ينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء كما جاء في الحديث الصحيح، فترى بعض الناس نزل بهم من البلاء أمر عظيم جداً، وتوالت عليهم المصائب وهم مع ذلك يعيشون، لماذا؟ لأن الله ينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء.
ومن رحمته سبحانه أن من مات له ثلاثة من الولد وهو من الموحدين، غفر الله له ولزوجته برحمته للأولاد، قال النبي ﷺ : (ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث -صغار- إلا أدخلهم الله بفضل رحمته إياهم الجنة، يقال لهم -للأولاد-: ادخلوا الجنة -يوم القيامة- فيقولون: حتى يدخل أبوانا، فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم).
وحتى الأمراض رحمة من الله وتكفيراً وتطهيراً من الذنوب والسيئات، حتى الشوكة التي يشاكها العبد يكفر الله بها من خطاياه.
المصيبة التي لا اختيار للعبد فيها والمرض الذي يأتي للعبد دون سعي منه، ومع أن المرض لا نكسبه، لا نعمله بأيدينا ولا نسعى إليه يأتي إلينا رغماً عنا ومع ذلك يكون كفارة، فهل أحدٌ أرحم من الله؟ وبعض الأمراض في تكفيرها للسيئات ورحمة الله بها أشد من بعض، قال النبي ﵊: (الطاعون كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء، وإن الله جعله رحمةً للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتبه الله إلا كان له مثل أجر شهيد).
следующие страницы →