Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
الرحمة
رحمة الله واسعة، وكان لابد من الوقوف عند هذه الصفة التي اتصف بها الله جل وعلا، فإن من رحمة الله جل وعلا أن المصائب تكفر السيئات، وأن المؤمن إذا صبر عليها أجر، ومن رحمة الله علينا أيضاً أنه يستر ذنبنا في الدنيا ويغفرها في الآخرة، فيجب على المؤمن ألا ييئس من رحمة الله ولا يقنط.
стр. 5672
سعة رحمة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن من أسماء الله الرحمن والرحيم، فهو أرحم الراحمين، والرحمن صفته، والرحيم يدل على أنه يرحم خلقه، والله رحمته وسعت كل شيء، وبلغ من رحمته أنه خلق مائة رحمة بخلاف صفة الرحمة التي اتصف بها خلق مائة رحمة، فبث بين خلقه رحمةً واحدة فهم يتراحمون بها، وادخر عنده لأوليائه تسعة وتسعين، وفي حديثٍ صحيح آخر: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على ولدها)، وفي رواية: (حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة.
ووصف النبي ﵊ كل رحمة من هذه المائة بقوله: (إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، وأخر تسعاً وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة وجعلها لأوليائه يوم القيامة يرحمهم بها).
قال النبي ﷺ : (فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار) ورحمته أشد من رحمة الوالدة بولدها.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (قدم على رسول الله ﷺ بسبيٍ، فإذا امرأة من السعي تسعى، إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : الله أرحم بعباده من هذه بولدها)، وقال النبي ﵊: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش) .
وهذه الرحمة التي تأوى إليها أرواح المؤمنين إذا قبضها ربنا، كما قال النبي ﷺ وهو يحدث حين مُرَّ عليه بجنازة، فقال: (مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله! ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب، كيف لا وفجوره من أسباب منع المطر وأذية العباد والبهائم).
ورحمته للعصاة التائبين إذا أقبلوا على الله وتابوا إليه فإن رحمته واسعة، فإذا أقبل العبد إليه بالتوبة استقبله الله بالرحمة فغفر له ذنبه وستر عليه .
عن ابن عباس قال: (إن النبي ﷺ جاءه أناسٌ من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا -أي: من الزنا- فأتوا محمداً ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة -نحن نريد التوجه والتوبة وإصلاح الحال، لكن ماذا نعمل بالماضي؟ وماذا نعمل بالسيئات المتراكمة؟ ماذا نعمل بالقتل الكثير والزنا العظيم؟ فروجٌ انتهكناها ودماءٌ استبحناها، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة- فنزل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، ونزل أيضاً قول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]).
هذه رحمةٌ واسعة من الذي يحجرها؟ ومن الذي يمنعها؟ لما قال الأعرابي: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، قال: لقد حجَّرت واسعاً) من الذي يستطيع أن يمنع رحمة الله؟ هذا في الدنيا برحمته يتوب عليهم، وبرحمته يغفر لهم، وبرحمته يهديهم، وبرحمته يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم.
стр. 5673
من رحمة الله ستر الذنوب في الدنيا وغفرانها في الآخرة
وأما يوم القيامة فإن العبد يأتي ربه بذنوب، لكن إذا كان للعبد توبة وله استغفار وله أوبة ورجوع، يقول النبي ﵊ في حاله: (إن الله تعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره من الناس ويقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى -أي: العبد- في نفسه أنه قد هلك، قال الله : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق: ((وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) [هود:١٨]).
стр. 5674
من رحمة الله تجاوزه عن الخطأ والنسيان
ومن رحمته بنا أنه تجاوز لنا عن الخطأ والنسيان وما استكرهنا عليه كما جاء في الحديث الصحيح، وكذلك قال النبي ﵊: (إن الله تجاوز عن أمتي عما توسوس به صدورهم ما لم تعمل أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه) فإذا بقيت الوساوس حبيس النفس لم تخرج، والرغبة في السيئة صارت طي الكتمان لا عمل ولا قول يتجاوز الله عن ذلك.
стр. 5675
المصائب والابتلاءات من رحمة الله بنا
ومن رحمته أنه ينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء كما جاء في الحديث الصحيح، فترى بعض الناس نزل بهم من البلاء أمر عظيم جداً، وتوالت عليهم المصائب وهم مع ذلك يعيشون، لماذا؟ لأن الله ينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء.
ومن رحمته سبحانه أن من مات له ثلاثة من الولد وهو من الموحدين، غفر الله له ولزوجته برحمته للأولاد، قال النبي ﷺ : (ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث -صغار- إلا أدخلهم الله بفضل رحمته إياهم الجنة، يقال لهم -للأولاد-: ادخلوا الجنة -يوم القيامة- فيقولون: حتى يدخل أبوانا، فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم).
وحتى الأمراض رحمة من الله وتكفيراً وتطهيراً من الذنوب والسيئات، حتى الشوكة التي يشاكها العبد يكفر الله بها من خطاياه.
المصيبة التي لا اختيار للعبد فيها والمرض الذي يأتي للعبد دون سعي منه، ومع أن المرض لا نكسبه، لا نعمله بأيدينا ولا نسعى إليه يأتي إلينا رغماً عنا ومع ذلك يكون كفارة، فهل أحدٌ أرحم من الله؟ وبعض الأمراض في تكفيرها للسيئات ورحمة الله بها أشد من بعض، قال النبي ﵊: (الطاعون كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء، وإن الله جعله رحمةً للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتبه الله إلا كان له مثل أجر شهيد).
стр. 5676
رحمة الله في قبول توبة التائبين
أيها المسلمون: ويوم القيامة يتجاوز الله برحمته عن سيئات لا يعلمها إلا هو، لقد رحم الله أقواماً ورحم أفراداً، وجاءت قصصهم متوالية برحمة الله إياهم رغم عظم ذنوبهم وكثرة سيئاتهم، (يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا -ملء الأرض- ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل تسعة وتسعين رجلاً، ثم خرج يسأل فأتى راهباً فسأله، فقال له: هل من توبة؟ قال: لا.
فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجلٌ -وهو أحد العلماء-: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها -نحو القرية الصالحة- فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه الأرض -التي هي من جهة القرية الصالحة- أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه الأرض -التي هي من جهة قرية السوء- أن تباعدي، وأرسل ملكاً يحكم بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له) وقد قتل مائة، لكن جاء تائباً مقبلاً على ربه.
وفي قصة أخرى يقول ﷺ : (أسرف رجلٌ على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم أذروني في البحر، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، ففعلوا ذلك به، فقال الله للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر له بذلك).
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : (ذكر رجلاً فيمن كان سلفا أو قبلكم آتاه الله مالاً وولداً، فلما حضر قال لبنيه: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإنه لم يبتئر عند الله خيراً -فسرها قتادة: لم يدخر، ما عمل خيراً قط- وإن يقدم على الله يعذبه -يقول لأولاده وهو على فراش الموت- فانظروا فإذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحماً فاسحقوني، ثم إذا كان ريحٌ عاصفٌ فأذروني فيها، فأخذ مواثيقهم على ذلك، ففعلوا، فقال الله: كن، فإذا هو رجلٌ قائم، ثم قال: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك، أو فرقٌ منك، فما تلافاه أن ﵀.
اللهم اجعلنا ممن رحمتهم، وأدخلنا الجنة بغير حساب، اللهم لا تعذبنا فإنك علينا قادر، اللهم إنا نسألك عافيتك ورحمتك التي وسعت كل شيء، فلا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وفرج كربتنا يا أرحم الراحمين.
стр. 5677
رحمة الله وإنزال النعم علينا
الحمد لله الرحمن الرحيم أرحم الراحمين، فبرحمته أرسل إلينا رسوله ﷺ ، وأنزل علينا كتابه، وعلَّمنا من الجهالة، وهدانا من الضلالة، كل ذلك برحمته سبحانه.
وبرحمته أطلع الشمس والقمر وجعل الليل والنهار وبسط الأرض وجعلها مهاداً وفراشاً وقراراً وكفاتاً لنا أحياءً وأمواتاً.
وبرحمته أنشأ السحاب، وأمطر المطر، وأطلع الفواكه والأقوات والمرعى.
وبرحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها لنا ركوباً نركب ونأكل ونشرب من ألبانها.
وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور، لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
وأنزل علينا الكتاب وسماه رحمة: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٥٢]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس:٥٨] بهذا التنزيل بهذا القرآن: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] افرحوا بالقرآن.
إن رحمة الله لا ممسك لها: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]، وهو الذي يقسمها لا يتولى قسمتها أحد: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]، وهو الذي: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان:٣١].
стр. 5678
التحذير من القنوط من رحمة الله
لا يجوز لإنسان أن يقنط من رحمة الله، قال النبي ﷺ : (ثلاثة لا تسأل عنهم تودع منهم -ما فيهم خير-: رجلٌ ينازع الله إزاره، ورجلٌ ينازع الله رداءه -فإن رداءه الكبرياء وإزاره العز- ورجلٌ في شك من أمر الله والقنوط من رحمة الله) ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، وقال ﵊: (أكبر الكبائر: الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله) القنوط من رحمة الله من الكبائر، ولذلك: (كان النبي ﷺ -إذا قرأ القرآن- إذا مرَّ بآية خوف تعوذ، وإذا مرَّ بآية رحمة سأل، وإذا مرَّ بآية فيها تنزيه الله سبح) حديث صحيح رواه أحمد ومسلم والأربعة، وأخذ منه أهل العلم: إذا مرَّ الإمام بالقنوت بكلمات فيها تنزيه الله أن يسبح من يسمع ذلك.
فهل هناك أرحم وأكرم من الله ؟! لكن أين العمل يا عباد الله؟ وأين التوبة والأوبة إلى الله؟ فإن الله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان:٣١]، وقال الله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [لأعراف:٥٦] فأين الإحسان؟ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وأن تدخلنا برحمتك يا أرحم الراحمين، أدخلنا في رحمتك إنك على كل شيء قدير، أدخلنا الجنة برحمتك وتجاوز عنا يا أكرم الأكرمين.
стр. 5679
وقفة مع وصية أحمد خادم الحجرة النبوية
أيها الإخوة: أريد أن أذكر أمراً وهو ورقةٌ يوزعها بعض الجهلة من الناس فيها وصية من يُزعم أنه أحمد خادم الحجرة النبوية، وفيها أنه رأى رؤيا، وأن النبي ﵊ قال له أشياء في الرؤيا، وفي آخر الورقة مكتوب يجب أن توزع من هذه الورقة سبع نسخ، وإذا لم تعمل ذلك حلت بك المصائب، وفلان لم يفعل ذلك فمات ولده وخسرت تجارته، وفلان وزعها فربحت تجارته وحصل له من الخير كذا، وهذا دجل وكذب وخرافة وشعوذة تنتشر بين السذج الذين لا عقيدة لهم صحيحة، الذين يخشون من ظلهم، وهذه الأوراق بلغ من جهل بعض الناس أنه يصورها ويوزعها في الأسواق وفي تجمعات الناس، وبعضهم من العجم يسمع ولا علم عنده فيوزع، وبعض الجهلة إذا ما كان عنده استطاعة على نسخها بآلة النسخ كتبها بيده سبع نسخ، يتعب عليه الوزر والغضب من الله إلا أن يتوب إلى ربه، ولذلك أقول: يجب تمزيقها، وهذه الخرافة يروجها الصوفية من أعداء الله الذين يسعون لتخريب الدين بهذه الرؤى الكاذبة والأشياء المفتراة المكذوبة، فيجب مقاومة ذلك والسعي إلى إزالته ونصح الناس وتنبيههم، ولا تخلو سنة من السنوات إلا وهناك موسم لهذه الورقة، هذا الرجل الذي يقال: إنه مات من أكثر من مائتين سنة كذب عليه رؤيا يفترونها ويوزعونها بين الناس، فاحذروا من ذلك يا عباد الله.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 5680
ألفاظ العامة المخالفة للشريعة
في هذه الخطبة حذر الشيخ من خطر اللسان وذكر أحاديث المصطفى ﷺ في ذلك، ثم أورد كثيراً من ألفاظ العامة التي تخالف الشريعة، فمنها ما هو لفظ شركي، ومنها ما هو ذريعة للشرك والعياذ بالله.
стр. 5681
التحذير من خطر اللسان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخواني في الله: لقد جاء الإسلام بحفظ اللسان، ونهى القرآن عن أشياء ذميمة، مما تتحرك به ألسنة الناس لفحشها وكبرها عند الله ، وأمر اللسان من الأمور الخطيرة؛ لأنه أسرع الأعضاء حركة وأسهلها، فإنه لا شيء أسرع ولا أسهل حركة من اللسان، ولهذا كان الزلل بهذا العضو وهذه الجارحة من الجوارح من أعظم الزلل وأكبره عند الله .
ولذلك كان رسول الله ﷺ عندما علَّم معاذاً رضي الله تعالى عنه حديثاً جليلاً فيه وصايا جامعة، قال له في آخر الحديث: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) فجعل رسول الله ﷺ أكبر الأسباب التي تكب الناس في النار وترميهم فيها هو حصائد هذه الألسنة، ونتائج الكلام.
وقال ﷺ مهدداً ومتوعداً في الحديث الصحيح الذي رواه مالك ﵀ والإمام أحمد، عن بلال بن الحارث مرفوعاً: (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، ما يظن أن تبلغ ما بلغت -أي: لا يقدر خطورتها، ولا يظن أنها ستبلغ به عذاباً شديداً- فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة) بسبب هذه الكلمة.
وأيضاً فإن المسألة أخطر من ذلك، ويبين رسول الله ﷺ هذه الخطورة بقوله في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً، يهوي بها سبعين خريفاً في النار) فهذا المتكلم لا يرى فيها بأساً، ويظن أنه لا شيء فيها، ولكنها في الحقيقة تهوي به سبعين خريفاً في نار جهنم، ولذلك كان لا بد من المحافظة على هذا اللسان وجعل المجال الذي يستعمل فيه مجال خير وإصلاح ودعوة إلى الله وطلب العلم وذكر الله .
نحن -أيها الإخوة- في هذا المقام نتكلم عن قضية مهمة، وهذه القضية لو أنك تأملت معي في ألفاظ العامة اليوم، من الأمثال ونحوها، لوجدت أن في ألفاظ العامة وأمثالهم أموراً مستشنعة، وبشعة، وبعضها يخالف العقيدة ويمسها مساساً سيئاً، وبعض هذه الأشياء ورد فيها النهي الصريح، وبعضها إذا تأملت فيها عرفت مصدر الخطر وعظم الأمر.
وسوف نضرب بعض الأمثلة على ما يتداوله العامة اليوم في كلامهم من الأمور المستبشعة المخالفة للعقيدة أو للأدب الإسلامي على الأقل.
يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، اللهم ارزقني إن شئت، وليعزم في المسألة، فإنه يفعل ما يشاء ولذلك ما يفعله بعض الناس من قولهم: اللهم اغفر لي إن شئت، فهذا لا يجوز.
وكذلك -أيها الإخوة- بعض الناس يقول عند الحلف مثلاً، أو إذا أراد أن يعزم على نفسه في مسألة يقول: أنا بريء من الإسلام لو فعلت كذا، أو يقول: ترى أنا يهودي لو فعلت كذا، أو أنا نصراني أو كافر لو فعلت كذا، يريد أن يمنع نفسه من الوقوع في هذا الأمر بعزم وقوة، وهذا خطير جداً، فإن رسول الله ﷺ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي عن بريدة ﵁: (من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً لم يعد إلى الإسلام سالماً) سيناله شيء من الخدش في العقيدة الذي سببه هذا الكلام؛ ولذلك ينبغي إذا أراد الإنسان أن يعزم في مسألةٍ من الأمور أو يبين للناس بأنه لم يفعل هذا الكلام فإنه لا يستخدم مثل هذه الألفاظ البشعة المخالفة للعقيدة، كونك ترفض أن تعمل أمراً من الأمور هذا لا يعني أن تعرض نفسك للخروج من الدين، أو تقول: بأنك يهودي أو نصراني، من المسميات التي تطلق على الأمم الكافرة.
стр. 5682
ألفاظ شركية يقع فيها كثير من الناس
بعض الناس في حلفهم يحلف بغير الله تعالى، فتجد أن بعضهم يحلف بالأمانة مثلاً، ويقول: والأمانة ما أفعل كذا، أو شخص يحلف الآخر يقول: بأمانتك حصل كذا وكذا، أو بالأمانة حصل كذا وكذا إلخ، ورسول الله ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (من حلف بالأمانة فليس منا) وبعضهم يقول: بذمتك ما حصل كذا وكذا، أو بذمتي ما حصل كذا، أو وحياة أبي ما حصل كذا، أو وحياتي وحياتك ما حصل كذا إلخ.
أو يقسم بشرفه هذه كلها من الأمور المحرمة: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) كما قال الصادق المصدوق ﷺ .
وبعضهم يحلف بالنبي فيقول: والنبي أعطني الشيء الفلاني، والنبي ما حصل كذا، فهذا أيضاً حرام لا يجوز، حتى ولو كان نبي الله ﷺ ، لأننا مع احترامنا لرسول الله ﵊ فإننا لا نرفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها.
بعض الناس يقول في عباراته أشياء من الشرك؛ كقوله مثلاً: لولا فلان ما حصل كذا لولا الله وفلان ما حصل كذا، وهذا خطأ، وإنما الصحيح أن يقول: لولا الله ثم فلان، وبعضهم يقول: أنا بالله وبك، أو أنا في جوار الله وجوارك، أو أنا في وجه الله ووجهك، كما يقع من البعض، أو يقول: أنا في حسب الله وحسبك، أو يقول: أنا متوكل على الله وعليك، أو أنا معتمد على الله وعليك، هذا كله محرم، لا بد أن يقول: أنا معتمد على الله ثم عليك، أو يقول: أنا متوكل على الله ثم عليك في فعل القضية الفلانية.
وكذلك لما جاء أحد الصحابة إلى الرسول ﷺ ، فقال له (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً -أجعلتني لله شريكاً، أساويت مشيئتي بمشيئة الله- قل: ما شاء الله وحده).
стр. 5683
النهي عن سب الدهر
كذلك يقع كثير من الناس في عبارات فيها سب الدهر، يقول مثلاً: يا خيبة الدهر، ويقول ﷺ : (لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر).
وبعض الناس يقول: الله يلعن الساعة التي صار فيها كذا وكذا، ويلعن السنة التي صار فيها كذا وكذا، هذه ساعة سيئة التي حصل فيها كذا وكذا، هذا زمن تعيس الذي حصل فيه كذا وكذا، وهذا يؤدي كله إلى سب الدهر، والله تعالى هو خالق الدهر، فسبُّك للساعة أو اليوم أو السنة أو الدهر أو الزمان، يرجع إلى من؟ يرجع إلى الله الخالق لهذا الدهر وهذه الساعة وهذه السنة، لذلك لا بد من الحذر حذراً شديداً في هذا الأمر.
стр. 5684
استغاثات غير شرعية
بعض الناس يستغيثون في عباراتهم بالمخلوقين، فيقول مثلاً: بجاه النبي أفعل كذا، أو يسأل الناس يقول: بجاه النبي لا بد أن تتغدى عندي، هذا السؤال بجاه النبي ﷺ وهو أحد المخلوقين بل هو أعظم المخلوقين قاطبةً منافٍ للسؤال بالله ، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] لو أردت أن تدعو لا تقل: بحق الولي الفلاني، بحق النبي، بجاه النبي، وإنما قل: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد، اللهم إني أسألك بأنك أنت الله المنان إلى آخره.
تقول هذه الأسماء الحسنى التي وردت لله في القرآن والسنة، بأنك على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك بأنك رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحمني، إنك أنت الغفار اغفر لي: وهكذا، تسأل الله بأسمائه الحسنى، أما أن تسأل بأسماء المخلوقين أو بحق النبي الفلاني أو الولي الفلاني، أو كما يفعل بعض الجهلة يستغيثون بغير الله، أو بعضهم يستغيث بالجن، ويقع هذا في بعض القبائل وبعض الأماكن أنه يقول: يا جن! افعلوا به كذا وكذا، أو يا جن! خذوه، أو يصرخ في الوادي خذوه، يقصد صاحباً له أو عدواً صارت بينه وبينه مشكلة، فيقول: يا جن! افعلوا به كذا، هذا كله من الأمور المحرمة التي لا تجوز.
стр. 5685
حرمة المغالاة في المخلوقين ورفعهم فوق منزلتهم
كذلك يقع في ألفاظ بعض العامة مغالاة في المخلوقين ورفعهم فوق منزلتهم رفعاً لا يجوز مطلقاً في الشريعة الإسلامية؛ كتسييد بعض الناس، أو كتسييد أي واحد من الناس، كقولهم: سيدي فلان، أو يا سيدي فلان، هذا حرام لا يجوز، وأعظمه عندما يكون نداءً للمنافق أو الكافر أو الفاجر أو المبتدع أو العاصي الفاسق بقولك له: يا سيدي، هذا حرام أيضاً لا يجوز (لا تقولوا للمنافق: يا سيد، فإن قلتم ذلك فقد أغضبتم ربكم).
ولذلك ما يقع عند بعض الناس من الكتابة على الرسائل أو الخطابات، السيد فلان، أو في الفواتير التجارية: السادة شركة كذا وكذا، هذا أيضاً منهي عنه، وإنما تقول: المكرم كذا، فلان كذا، حضرة فلان كذا، لكن لا تغال ولا تطلق ألقاب المدح على من ليس بأهل، كأن تخاطب الفاسق بهذه الأشياء، ينبغي أن نبتعد عن هذه الألفاظ.
стр. 5686
منهيات شرعية في باب التحية والتهنئة
رد الإسلام تحيات الجاهلية وتهنئاتها وتسمياتها ومسمياتها وعاداتها، لأن الإسلام يحرص على تميز المسلم وابتعاده عن مشابهة الكفرة وأحوال الجاهلية.
من عقيدة الإسلام التميز عن سائر ألوان البدع والكفر والجاهليات، فالإسلام يحرص على أن يبرز المسلم بين الناس بروزاً صحيحاً لا لبس فيه من شرك ولا بدعة، يحرص الإسلام على أن المسلم يكون متميزاً بأخلاقه وعقيدته وشكله ومظهره عن سائر أمم الكفر وفرق الضلال.
ولذلك نهى الإسلام عن التشبه بالنصارى، ونهى عن التشبه بالكفار، ونهى عن التشبه بالأعاجم، ومن ضمن هذه الأشياء نهيه عن تحية المسلمين بعضهم لبعض بتحيات الجاهلية، فلذلك نهى ﷺ المسلم أن يقول لأخيه: أنعم صباحاً، أو أنعمت صباحاً، وما شابه ذلك من الألفاظ؛ لأنها من تحيات الجاهلية، وإنما يقول الإنسان المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو يقول: مرحباً وأهلاً، كما قال ﷺ : (مرحباً بابنتي فاطمة) إلى آخر ذلك من الألفاظ الحسنة الطيبة التي لا يعلم اختصاص الكفار بها، فمتى علم اختصاص الكفار بهذه الأنواع فلا يجوز حتى وإن كانت حسنة في ظاهرها.
ولذلك نهى الإسلام عن أن يهنئ الناس المتزوج بقولهم: بالرفاء والبنين كما يحدث اليوم، وتطبع هذه الكلمة على بطاقات التهنئة ودعوات وولائم الأعراس، فإنهم يقولون: بالرفاء والبنين، أو بالرفاه والبنين، ورسول الله ﷺ نهى في الحديث الصحيح عن هذا النوع من التهنئة، لماذا؟ أما كلمة الرفاء: فإنها تعني الالتحام والمقاربة والوئام وهذا لا إشكال فيه، أن تدعو للمتزوجين بالمقاربة والوئام والتوافق.
ولكن الإشكال في قولهم: بالبنين، لماذا أيها الإخوة؟ لأن العرب كانوا يكرهون البنات، وكانوا يئدون البنات وهن أحياء، وكانوا ينسبون البنات لله : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] ولذلك كان إذا جاء أحدهم البنت تمنى موتها، وإذا أتى لجاره بنت تمنى له أن تموت البنت وهكذا.
ولذلك كانوا يقولون في تهنئتهم بالزواج: بالرفاء والبنين، أي: الذكور وألا يجيئك إناث، ولذلك حرَّم هذا القول في الإسلام ونهي عنه، وإنما تقول مهنئاً للمتزوج أو المتزوجة: (بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير) وكم يود الإنسان المسلم إذا فتح بطاقة من هذه البطاقات، أو تهنئة من هذه التهنئات بدلاً من أن يجد بالرفاء والبنين أو بالرفاه والبنين كما هي تهنئة الجاهلية، يجد مثلاً: (بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير).
لا بد أن نتميز عن الكفار وأهل الجاهلية في ألفاظنا وعباراتنا وتحياتنا وتهنئة بعضنا لبعض.
стр. 5687
النهي عن الدعاء بطول العمر والبقاء
يقع أيضاً في ألفاظ العامة الدعاء بطول العمر والبقاء، فتجد أحدهم يقول: أطال الله بقاءك، أو أطال عمرك، أو أدام الله أيامك، أو عشت ألف سنة وهكذا.
هذا اللفظ مكروه، ولما سئل الإمام أحمد عن الدعاء بطول العمر؟ كرهه، وقال: إنه أمر قد فرغ منه، أي: أن عمر هذا الرجل قد كتب وهو في بطن أمه، كتب هذا العمر وانتهى وفرغ منه قبل أن يلد الرجل، فما فائدة أن تقول: أطال بقاءك، أو أطال عمرك، أو دامت أيامك، أو عشت كذا آلاف السنين إلى آخر ذلك من الأشياء المستحيلة.
أو يقول بعضهم في جواب على كلمة حياك الله، يقول: أبقاك الله، وكلمة أبقاك الله كلمة مكروهة، لماذا؟ لأنه لا بقاء إلا لله، كل الناس سيموتون ويفنون: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ولذلك يكره أن تقول: أبقاك الله، أو أدامك الله؛ لأن الله لن يديم أحداً ولن يبقي أحداً، كل الناس سيموتون.
فلننتبه -أيها الإخوة- لهذه الألفاظ المشكلة أو المكروهة أو المحرمة، وتحذير الناس منها.
وكذلك ما يفعل البعض في تعازيهم عندما يقولون: البقية في حياتك! هذه لفظة منكرة، لو كان هناك بقية هل مات الرجل؟ لو كان هناك بقية في عمر الرجل الذي مات هل كان سيموت؟ لا.
ولذلك عندما تقول: البقية في حياتك، وهذه العبارة قد يقصد بها بقية عمر ذلك الرجل الذي انقطع، بقيته في حياتك أنت، وهذه لفظة منكرة مستبشعة فلا يقول شخص لآخر: البقية في حياتك، فأما إن قصد: بقية الخير وبقية البركة، فهذا لا إشكال فيه، ولكن كثير من الناس إنما يقصدون بهذه اللفظة بقية عمر الميت في حياتك أنت، وهذه مسألة غير جائزة، والدعاء فيها غير صحيح.
стр. 5688
مخالفات شرعية في باب الرجاء
ويقع في ألفاظ العامة كذلك: رجاؤهم وتعلقهم بغير الله ، فتجد أحدهم في لحظة الحرج ولحظة الشدة، واللحظة التي يكون فيها في خطر محقق، يقول للآخر: أرجوك رجاءً حاراً، رجاءً خاصاً كذا وكذا من ألفاظ الترجي ألا تفعل كذا، وافعل كذا، بينما من المفروض أن يتوجه في هذه الحالة إلى الله تعالى لأنه هو الذي يرجى وحده ؛ لإزالة الضر وكشف الكربة وإزالة الخطر، وإن كان لا بد فيقول: أرجو الله ثم أرجوك، مثلاً.
وهذه اللفظة (أرجوك) ليست محرمة إن لم يرجوه في عمل لا يقدر عليه إلا الله، إذا قال: أرجوك يا دكتور أن تشفي مريضي، هذا حرام وشرك؛ لأن الله هو الذي يشفي، أما لو قال: أرجوك -يا فلان- أن تذهب بهذه الحاجة إلى جيراننا، هذا لا إشكال فيه.
لكن الرجاء الذي يكون في مجال أو في قضية لا يقدر عليها إلا الله فهو شرك بالله تعالى، ولهذا تجد بعض الأمهات الفارغات قلوبهن من الإيمان والتوحيد، وبعض الآباء الذين استزلهم الشيطان، إذا ذهبوا بولدهم وحالته خطيرة إلى الطبيب، يقول له: يا دكتور! أرجوك أنقذ الولد، فمن الذي ينقذ الولد؟ ومن الذي يشفي الولد؟ إنه الله.
أيها الإخوة يقع في ألفاظنا وعباراتنا تساهلات شنيعة تؤدي إلى قضايا خطيرة إذا اعتقدها الإنسان تخرجه من الملة، ونحن عندما نقول هذه التحذيرات لا نقول: إن كل من تلفظ بها كافر.
حتى لو كانت العبارة نفسها كفر، لماذا؟ لأن كثيراً من القائلين لا يقصدونها، لا يقصد المعنى، لا يعتقد بقلبه أن الطبيب هو الذي يملك الشفاء من دون الله.
يعتقد أن الله يشفي ولكن هذه الأخطاء لا يسكت عنها مع ذلك، كون الناس الآن يقعون فيها بغير قصد أو بنية حسنة لا يعني أن نقول لهم: لا بأس استمروا على هذه الألفاظ لا.
لا بد أن نحذر ونصحح هذه الألفاظ، حتى لو ما قصدنا المعنى لا بد أن تكون ألفاظنا صحيحة، لا تكون ألفاظنا شركية أو موهمة أو فيها اشتباه؛ لا بد أن تكون ألفاظاً واضحة دالة على التوحيد.
وفقنا الله وإياكم لقول الحق وعمل الحق، وأن نكون من أهل الحق، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 5689
ألفاظ في ميزان الشريعة
الحمد لله لا إله إلا هو وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله سيد الأبرار، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5690
(حكم مقولة: (شاءت الأقدار أو الظروف
أيها الإخوة: يقع بعض الناس في ألفاظ مثل قولهم: شاءت الظروف، أو شاءت الأقدار، فتجده يقول: ثم شاءت الظروف أن يحدث كذا وكذا، وشاءت الظروف أن أجد فلاناً في مكتبه وهكذا، وهذا أيضاً من الأشياء المخالفة للتوحيد، فإنك لا بد أن تقول في كلامك: وشاء الله أن أجد فلاناً في مكانه، وشاء الله أن يقف لي على الطريق فلان الفلاني، وشاء الله أن يحدث كذا وكذا، فتنسب المشيئة إلى الله وحده .
стр. 5691
(حكم مقولة: (هذا الطائر وهبته الطبيعة كذا وكذا
يقع في ألفاظ بعض الناس المثقفين عبارات كفرية مثل قول بعضهم: هذا الطائر وهبته الطبيعة كذا وكذا، وهذا الحيوان وهبته الطبيعة المقدرة الفلانية من الواهب؟ إنه الله .
أيها الإخوة! عندما ننسب الوهب للطبيعة نكون قد وقعنا في عين ما تكلم به الشيوعيون وأهل الإلحاد الذين يعتقدون أن الطبيعة خلقت هذا الكون وخلقت هذه الحيوانات وخلقت الأرض والسماوات تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً.
وهذا يكون من تأثر كثير من هؤلاء المثقفين كما يسمون بكتب الكفار الملاحدة التي كتبت وسبكت عباراتها بألفاظ الإلحاد والشرك، التي انطوت عليها قلوب أولئك الناس الذين لا يؤمنون بالله رباً، ولا بمحمد نبياً، ولا بالإسلام ديناً، ولذلك ينبغي عند نقل عباراتهم من هذه الكتب أن يحرص الإنسان المسلم على أن ينقل العبارات بصيغة إسلامية، وعلى أن يؤديها إلى السامعين تأدية تتقيد بالتوحيد وما يرضي الله ، وكذلك ما يرد في بعض هذه الكتب التي تسمى كتباً علمية من القوانين والقواعد المخالفة للتوحيد، مثل قولهم: إن المادة لا تفنى ولا تستحدث، هكذا يقولون، في علم الفيزياء مثلاً.
وهذه القاعدة مخالفة للتوحيد، ومخالفة لقضية خلق الله للمادة، وأنه لم يكن هناك شيء، فخلق الله تعالى السماوات والأرض وخلق العرش وخلق الحيوانات وخلق الآدميين وخلق سائر ما يدب في الأرض والسماوات، والله تعالى قادر على أن يفني هذه الأشياء كلها ويرجعها إلى العدم إلى لا شيء مرة أخرى كما كانت.
فلذلك قولهم: إن المادة لا تفنى ولا تستحدث، إنما هو من الوقوع في هذا الشرك المنافي للتوحيد، وهذا الكفر والضلال، ولذلك يجب على من درس شيئاً من هذه المواد، أن يبين لطلاب المسلمين وأبناء المسلمين خطأ هذه المعتقدات والقواعد الفاسدة.
стр. 5692
حكم مقولة: (عباد الشمس)
إن التسميات المخالفة للعقيدة قد وصلت إلى حد التسميات حتى تسمية الورود والأزهار، فأنت -مثلاً- إذا نظرت إلى هذا النبات الأصفر الذي يتوجه إلى الشمس، هناك نبات يزرع ويتوجه إلى الشمس إذا أشرقت، ويستدير معها حتى تغرب، فيكون متوجهاً إلى جهة الغرب في المساء وإلى جهة الشرق في الصباح.
ماذا يسمي العامة هذا النبات؟ يسمونه: عباد الشمس، أو عبادة الشمس، وهذا اسم خطير، يقولون: إن هذا النبات يعبد الشمس، هذه الألفاظ ليست سهلة، ولكن مع ذلك فهي شائعة حتى في الأشياء الدقيقة، مثل تسمية الأزهار وغيرها.
لا بد أن ننتبه إلى هذه القضايا المخالفة للتوحيد.
стр. 5693
حكم قول: (مطرنا بنوء كذا)
عندما ينزل مطر من السماء تجد بعض العامة يقولون: هذا النجم، طلع النجم كذا، وتتعلق قلوبهم بأن الذي أنزل المطر هو ظهور النجم الفلاني، وليس هكذا أيها الإخوة، لذلك ورد في الحديث الصحيح عن الذين قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا، مطرنا بنجم كذا وكذا، هؤلاء قد أشركوا بالله تعالى: (أصبح اليوم مؤمن بي وكافر بالكوكب، وكافر بي ومؤمن بالكوكب، فأما الذين قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهم مؤمنون بالكوكب كافرون بالله، وأما الذين قالوا: مطرنا بفضل الله وهذا المطر من الله وحده، فهم الذين أصابوا الحق وكانوا على ملة التوحيد).
ويقع عند بعض العامة أيضاً، أنه إذا نزل المطر بكثافة وأغرق أشياء يقولون: هذه قطرة ما وزنت، تعال الله عن ذلك، إن الله تعالى يقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:٢١] لا شيء ينزل من السماء بلا حساب ولا وزن، إن الله تعالى عنده خزائن هذه الأشياء ينزلها كيف يشاء، إن حصل غرق فهذا ابتلاء من الله، وعقاب لبعض عباد الله.
стр. 5694
حكم قول: (ما صدقت على الله أن يحدث كذا)
كذلك يقع في ألفاظ العامة قول بعضهم لبعض، أو قول بعضهم في حكاية يرويها: ما صدقت على الله أن يحدث كذا، أو: ما صدقت على الله أن تنتهي المشكلة، ما صدقت على الله أن أنجو من الحادث، ما صدقت على الله أن أنجو من الإحراج الفلاني وهكذا! هذه العبارات من العبارات المشكلة والموهمة، لماذا؟ لأنه قد يكون معنى ما صدقت على الله مثلاً، يكون معناها: أن هذا القائل يشك في قدرة الله، ما صدقت على الله أن يفعل كذا، كان يشك في قدرة الله ثم حصل، هذا احتمال، واحتمال آخر: أن يكون في هذه العبارة سوء ظن بالله كيف ذلك؟ كأن هذا القائل يقول: ما ظننت أن الله يخلص هذه المشكلة، أو ينهي هذه المشكلة، ولكن حصل، هذا يعني سوء الظن بالله ، وإن كان كثير من الذين يقولون هذه العبارة لا يعنون المعنى الفاسد والباطل، لكن لا بد من التصحيح، تقول مثلاً: ما صدقت أن يحدث كذا، ما ظننت أن يحدث كذا، لماذا تضيف عليها كلمة (على الله) وتقول: ما صدقت على الله، فتقع في هذه الإشكالات والعبارات الموهمة.
стр. 5695
حكم قول: (الله يسأل عن حالك)
كذلك قول بعض أهل البادية، إذا جئته وقلت له: كيف حالك؟ يقول: الله (ينشد) عن حالك، أو الله يسأل عن حالك! أقول: الله يعلم العلم كله، لا يحتاج إلى سؤال عن أحد، وتجد هؤلاء يقولون: الله يسأل عن حالك، كأنها عبارة يريدون أن يكرمون بها الشخص الآخر الذي سأل عن حالهم، وهذه عبارة خاطئة تخالف المفهوم الصحيح للعقيدة.
стр. 5696
حكم قول: (الله على ما يشاء قدير)
بعض الناس يقول: الله على ما يشاء قدير، من الألفاظ الموهمة التي تؤدي إلى تأكيد مذهب القدرية، الذين يقولون: إن هناك أشياء يشاؤها الله تحدث، وأشياء لا يشاؤها الله لا يستطيع أن يحدثها، ولذلك يقولون: الله على ما يشاء قدير، فهو إذن على ما لا يشاء ليس بقدير.
هذه العبارة من الذرائع التي ينبغي أن تسد، وإنما نقول: إن الله على كل شيء -شائه أو لم يشئه-.
على كل شيء قدير؛ لأن بعض الناس يفهمون أن الله فيفهم على ما لا يشاء ليس بقدير.
стр. 5697
النهي عن اختصار بعض الألفاظ
كذلك يقع في ألفاظ العامة قولهم: لا حول لله، اختصار عبارات، يقع في بعض الأحيان اختصار عبارات، وتغييراً وتحريفاً فيها يؤدي إلى معانٍ قبيحة، مثل قول بعضهم: لا حول لله، أو لاحول الله، والصحيح: لا حول إلا بالله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، أما أن يحدث الاختصار الشنيع: لا حول لله، أي: لا قوة لله، فهذا شيء مستبشع، أو يقول بعضهم عند التكبير: الله أكبار بمد التكبير، وما هو الأكبار أيها الإخوة؟ الأكبار جمع كبر وهو الطبل، فإذا قلت: الله أكبار كأنك تقصد: الله طبول، أو هذا مفهوم كلامك الذي يفهم منه، وإنما تقول: الله أكبر، بالفتحة وليس بالألف أكبار كما يفعل البعض.
أو يقولون في الفاتحة: إياك نعبد، لا يقولون: إيَّاك نعبد بالتشديد، وإنما يقول: إياك نعبد، والإياك هو قرص الشمس، معنى ذلك: أننا نعبد قرص الشمس، والصحيح الموجود في كتاب الله: إيَّاك نعبد، بتشديد الياء.
أو كما يفعل بعض المؤذنين اختصاراً يقول: حصلاة، بدلاً من: حي على الصلاة وهكذا، أو يقول بعض الناس الذين يحيون بعضهم يقول: كالله بالخير، أو ساك الله بالخير، أو الله بالخير ونحو ذلك، وهذا خطأ لأن هذه الكاف كاف التشبيه، كيف (كالله بالخير) عبارة خاطئة خطيرة لا بد أن نقول: مساك الله بالخير واضحة، ولا داعي للاختصارات، ما وراءك شيء يعجلك عن قول التحية بعبارة صحيحة كاملة، قل: مساك الله بالخير، لا تقل: كالله بالخير.
стр. 5698
التحيات لله فقط
كذلك هناك من الأشياء ما هو من الأدب تركه، قد لا يكون حراماً في ذاته، ولكن من الأدب تركه، مثل عبارة: تحياتي لفلان، لا يعلم -كما قال بعض أهل العلم- أن جمعت التحية بالتحيات إلا لله وحده في التشهد: التحيات لله، فلذلك لا يستحب جمعها لأحد غير الله تعالى، فتقول -مثلاً-: تحيتي لفلان، أو أبلغ فلان تحيتي، ولا تقل: تحياتي، أو أبلغ تحياتي لفلان، لأننا نقول في التشهد: التحيات لله، أدباً مع الله.
القضية واسعة ومتشعبة، وهناك ألفاظ وأمثال مخالفة للعقيدة مخالفة صريحة، أو فيها سوء أدب مع الله على الأقل، ينبغي أن ننقح وندقق في هذه الألفاظ التي تخرج من الألسنة.
وفقنا الله وإياكم أن نحصن ألسنتنا من الكذب والشرك والنفاق.
اللهم طهر قلوبنا من الرياء، وألسنتنا من النفاق، وأعمالنا من الكذب، اللهم واجعلنا مخلصين العبادة لك، اللهم واجعلنا من أهل ملة التوحيد، أهل لا إله إلا الله، عليها نحيا وعليها نموت، وعليها نلقاك يا رب العالمين.
وصلوا على نبيكم محمد ﷺ ؛ فإن من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آله محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
стр. 5699
الولاية بين المؤمنين
لقد نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار والركون إليهم، ولو كان الأب أو الأخ أو القريب عدواً لله فإنه يجب التبرؤ منه، ومعاداته في الله ، وفي المقابل أمرنا الله بولاية المؤمنين وبمحبتهم الجالبة لمحبة الله، وكذلك أمرنا بالذل لهم ونصرتهم، وغيرها من الأمور التي يجب أن تكون بين المؤمنين.
стр. 5700
التحذير من موالاة الكفار
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
الجواب
=٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
الجواب
=٦٠٠٠٤٩٣> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
الجواب
=٦٠٠٣٦٠٢> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة: تكلمنا في الخطبة الماضية عن ولاية المؤمن لربه ، وأنه ينبغي لكل مسلم أن يتخذ الله ولياً لا شريك له، ونحن اليوم نذكر ولاية المؤمنين لبعضهم بعضاً.
إن الله وصف المؤمنين والمؤمنات بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وحصر الله الولاية فيه وفي رسوله وفي المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]، وأخبر عن عاقبة الولاية بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦]، ونهى عن اتخاذ الكفار أولياء، وأمر بجهادهم وقتالهم، فقال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:٨٩]، وكما أن بضدها تتميز الأشياء، فإنه لا يكفي معرفة التوحيد، بل يجب معرفة الشرك، وكما أنه لا يكفي موالاة المؤمنين فإنه يجب معاداة الكافرين، وعندما يأمر الله باتخاذ المؤمنين أولياء ويأمر بمناصرتهم فإنه ينهى عن اتخاذ الكفار أولياء: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢٨] قال ابن جرير ﵀: "من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم، ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء".
أي: قد برئ من الله، وقد برئ الله منه.
وعندما يأمر الله بالتعاون مع المؤمنين، وأن يكون المؤمنون إخوة يشد بعضهم من أزر بعضٍ، ويركن بعضهم إلى بعض، فإنه ينهى عن الركون إلى الكفار، يقول : ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود:١١٣]، والركون هو الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، لا توادوهم ولا تطيعوهم ولا تميلوا إليهم، وهذه الآية دليلٌ على وجوب هجر أهل الكفر والمعصية والبدعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣] لو كان الأب أو الأخ أو القريب عدواً لله فإنه يجب عليك أن تتبرأ منه، وأن تعاديه في الله ، والذي لا يفعل هذا الفعل فإنه ظالم لنفسه.
وموالاة الكفار وأعداء الدين من صفات المنافقين، قال الله : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩] يعز من يشاء ويذل من يشاء، وبماذا ذم الله الكفار من بني إسرائيل؟ لما قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [المائدة:٧٨] قال بعدها: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٨٠ - ٨١] قال ابن تيمية ﵀: "فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب أبداً".
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] (ومن يتولهم) يدخل فيها من دخل في دينهم بعد التزام الإسلام، فعندما نقول: من دخل في دينهم، قد يستبعد البعض اليوم أن يدخل مسلمٌ في دين النصارى، ولكن الواقع المؤسف أن كثيراً من المسلمين قد دخلوا في دين النصارى، وقد حدثني بعض الإخوان أن بعض النشرات التبشيرية التي تصل إلى بعض المسلمين عن طريق صناديق البريد قد حرفت بعض المسلمين من أصحاب أسماء الأسر الإسلامية إلى دين النصارى والعياذ بالله! ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، أي: ولاية التحالف والتناصر مثلما كان واقعاً قبل الهجرة بـ المدينة، فإنه كان بين بعض الأنصار الذين أسلموا بعد ذلك، وبين جماعاتٍ من اليهود أحلافٌ ومناصرات نتيجةً لتشابك المصالح والأواصر، فنهى الله عن ذلك، وفك جميع هذه الأحلاف والمناصرات، فقال: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
стр. 5701
صور من موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً
لقد سار رسول الله ﷺ في تربيته لأصحابه على تحقيق مبدأ الموالاة للمؤمنين والمعاداة للكافرين، وكانت هذه التربية تسير بخطىً ثابتة متشابكة، يأخذ بعضها برقاب بعضٍ حتى تؤدي إلى تكوين الشخصية الإسلامية النقية، القائمة على موالاة الله ورسوله والمؤمنين، ومعاداة الكافرين.
ومن الأمثلة على ذلك في الواقع المكي: إنشاء دار الأرقم التي كانت محط المسلمين ومقرهم، يتعارفون فيما بينهم، ويتناصرون ويتآخون، ويأخذ بعضهم بيد بعضٍ، حتى تحقق تكوين القاعدة الصلبة التي قام عليها المجتمع الإسلامي الكبير فيما بعد، وأما في المدينة فإن أمثلة موالاة المؤمنين لبعضهم كثيرة، منها: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي أرسى دعائمها رسول الله ﷺ حتى كان بعضهم يقول لأخيه: اختر أي زوجتيَّ أحب إليك لأطلقها فتتزوجها أنت، وأشاطرك مالي، وكان بعضهم ممن لا يملك المواساة يترك داره وأهله في المدينة وهو من الأنصار، ويأتي ليقيم بين أهل الصفة؛ في مسجد الرسول ﷺ وأهل الصفة هم: الفقراء القادمون ممن لا أهل لهم ولا عشيرة- فيقيم بينهم، ومنهم الصحابي الجليل كعب بن مالك ﵁.
стр. 5702
مقتضيات الأخوة والولاية للمؤمنين
اعلموا أيها الإخوة: أن ولاء المؤمنين له مقتضيات كثيرة:
стр. 5703
محبة المؤمنين الجالبة لمحبة الله والذل لهم ونصرتهم
فمنها: محبتهم الجالبة لمحبة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦]، وقال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وقال: (المرء مع من أحب).
ومنها: الذلة لهم المقتضية لين الجانب، وتوطئة الأكناف، قال الله في وصف المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
ومنها: نصرة المؤمنين بعضهم بعضاً في حضورهم وفي غيبتهم، ولقد كان هذا المبدأ مستقراً في النفوس لدرجةٍ عظيمة في الصدر الأول من الإسلام، حتى أن أهل العقبة لما بايعوا رسول الله ﷺ كان من ضمن أركان البيعة: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين ومقاتلتهم، حتى لو وصل الأمر إلى التضحية بالنفس والمال، فقال الله ممتدحاً الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٤] هؤلاء المهاجرين: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٧٤] آووا المهاجرين ونصروهم، وقال ﵊: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) رواهما البخاري في صحيحه.
وقال ﷺ مبيناً هذا الأمر وأهميته -أعني: الذب عن عرض أخيك المسلم- (ما من امرئٍ يخذل امرأً مسلماً في موطنٍ ينتقص فيه من عرضه، وتنتهك فيه حرمته، إلا خذله الله في موطنٍ يحب فيه نصرته -يكون محتاجاً للنصرة هذا الخاذل ويحب أن يُنصر فيخذله الله؛ لأنه خذل أخاه المسلم- وما من امرئٍ ينصر مسلماً في موطنٍ ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطنٍ يحب فيه نصرته) حديث حسن، رواه الإمام أحمد وغيره عن جابر ﵁.
فالولاء للمؤمنين وحبهم ومناصرتهم من أي جنسٍ كانوا، وبأي لغةٍ تكلموا ونطقوا، وفي أي مكانٍ حلوا وأقاموا.
من مقتضيات ولاية المؤمنين: أن يكون المؤمن مع إخوانه قلباً وقالباً، يفديهم بنفسه وماله، ويذب عنهم بلسانه وسنانه، يألم لألمهم، ويفرح لفرحهم، وقس على ذلك سائر حقوق الأخوة التي بينها النبي ﷺ .
стр. 5704
عدم تولية غير المسلمين على المسلمين
ومن مقتضيات الأخوة والولاية للمؤمنين: عدم تولية غير المسلمين على المسلمين، قال ابن تيمية ﵀: روى الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لـ عمر ﵁: إن لي كاتباً نصرانياً -وجدت رجلاً يجيد الكتابة والحساب جعلته عندي كاتباً يحسب في أمور المسلمين، ويكتب شئونهم- قال: مالك قاتلك الله -كان عمر شديداً في دين الله- أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] ألا اتخذت حنيفاً؟ -أي: موحداً مسلماً، جعلته في هذه الوظيفة- قال: قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته وله دينه -أنا آخذ منه كتابته وعمله وله دينه، كفره عليه- فقال عمر ﵁: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.
لا يمكن.
وكتب عمر بن عبد العزيز ﵀ الخليفة العادل إلى بعض عماله يقول: أما بعد فإنه قد بلغني أن في عملك كاتباً نصرانياً يتصرف في مصالح المسلمين، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٧] فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن زيد -هذا الكاتب النصراني اسمه حسان بن زيد - إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به ولا تتخذ أحداً على غير دين الإسلام في شيءٍ من مصالح المسلمين، فأسلم حسان وحسن إسلامه.
ولقد لعب هؤلاء الكتبة أدواراً في هدم الإسلام عبر التاريخ الإسلامي، فلعب ابن العلقمي الرافضي الخبيث دوراً مهماً في تسليم بغداد للتتر الكفار، ومن الأمثلة الأخرى على ذلك ما حدث في بعض العهود الإسلامية الماضية أن سلطاناً من سلاطين المسلمين اتخذ كاتباً من النصارى، وكان هذا الكاتب يسمى محاضر الدولة أبو الفضل بن دخان، ولم يكن في المباشرين أمثاله، كان من أقرب الناس إلى السلطان، كان قذىً في عين الإسلام، وبثرةً في وجه الدين، بلغ من أمره أنه حكم على رجل نصراني أسلم برده إلى النصرانية، وخروجه عن الملة الإسلامية، ولم يزل يكاتب الإفرنج -النصارى الكفار- بأخبار المسلمين، يرسل إليهم بالأخبار التي يطلع عليها بحكم موقعه، وأعمالهم وأمر الدولة، وتفاصيل أحوالها، وكان مجلس هذا النصراني معموراً برسل الإفرنج النصارى، وهم مكرمون لديه، وحوائجهم عنده مقضية، ويحمل لهم الضيافات، وأكابر المسلمين محجوبون عند الباب لا يؤذن لهم بالدخول، وإذا دخلوا لا يلطفون في التحية ولا في الكلام، حتى صار بعد ذلك أن اجتمع لدى السلطان جماعة من الكتاب والقضاة والعلماء، فبسط بعضهم لسانه في ذكر مخازي النصارى، وكان مما قاله للسلطان: إن النصارى لا يعرفون الحساب، ولا يدرونه على الحقيقة؛ لأنهم يجعلون الواحد ثلاثة والثلاثة واحداً، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ثم قال: كيف تأمن أن يصنع في معاملة السلطان كما صنع في أصل اعتقاده؟ ويكون مع هذا أكثر النصارى أمانة، وكلما استخرج ثلاثة دنانير دفع إلى السلطان ديناراً وأخذ لنفسه اثنين.
ثم اتفق بعد ذلك أن ظهرت خيانته فأهريق دمه واستراح المسلمون من شره.
ومن مقتضيات موالاة المؤمنين: أن تكون النصرة والحلف مع المؤمنين لا مع الكفار، حتى لو وقع الإنسان في الأزمات وأحاطت به الأخطار، وفي التاريخ الإسلامي في الأندلس عبرة لكل معتبر، ففي نهاية حكم الإسلام لبلاد الأندلس تفرق المسلمون إلى دويلات كثيرة في بلاد الأندلس حتى صار أمرهم كما يصف الشاعر:
وتفرقوا شيعاً فكل مدينةٍ فيها أمير المؤمنين ومنبر
وصار بعضهم يستعين بالنصارى من الأسبان على إخوانه المسلمين من الدويلات الأخرى، ويذهب بعضهم إلى ملوك النصارى ليعقد معهم الأحلاف ضد إخوانهم المسلمين.
وهنا أيها الإخوة: حدثت حادثة مثيرة كتبها التاريخ، كانت ذات أثرٍ عظيم، أخرت سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس مئات من السنين، عندما تحققت في هذه الحادثة الموالاة للمؤمنين والمعاداة للكافرين، وهذه الحادثة أنه كان على مملكة إشبيليا المعتمد بن عبَّاد كان يحكمها آل عبَّاد، وكان المعتمد على الله ابن عبَّاد من أفاضل حكام تلك الدويلة، فلما سقطت طليطلة في يد الفرس واستالس ملك النصارى، تنبه المسلمون للخطر العظيم، ولاحت طوالع المصير المروع، فبرزت فكرة إلى الأذهان، وهي فكرة استعانة المسلمين في بلاد الأندلس بإخوانهم المسلمين المرابطين في دولة المغرب القريبة منهم، وكان أمير المرابطين في دولة المغرب في ذلك الوقت من أهل السنة والجماعة ممن نصروا مذهب أهل السنة والجماعة في بلاد المغرب، وهو يوسف بن تاشفين ﵀، فعقد في قرطبة اجتماعاً حضره الزعماء والفقهاء وكثير من الناس، وعلى رأسهم المعتمد بن عبَّاد، وطرحت فكرة استدعاء المرابطين إلى الأندلس للنصرة ضد الكفار النصارى، واتخذ القرار بذلك، وهنا أشار بعضهم إلى مخاوف، ما هي هذه المخاوف؟ قالوا للمعتمد بن عبَّاد: إذا جاء يوسف بن تاشفين وانتصرنا على النصارى فقد يأخذ هو الدولة منك، وينصب نفسه أميراً على الدويلة التي أنت فيها، فيسلب منك ملكك، فقال ابن عبَّاد كلمة مشهورة سارت بين الناس حتى وصلت إلينا، قال كلمة تدل فعلاً على استقرار عقيدة الولاء للمؤمنين في قلبه، قال: إن رعي الجمال خيرٌ من رعي الخنازير.
أي: لئن أكون مملوكاً لـ ابن تاشفين أرعى جماله في الصحراء خيرٌ من أن أكون ممزقاً عند فرتلند وهو الفرس السادس أرعى خنازيره في قشتالة، وكان قد احتلها، وفعلاً جاء يوسف بن تاشفين وانتصر المسلمون في معركة مشهورة وهي معركة الزلاقة.
والتاريخ الإسلامي فيه عبرة يجب أن يدرس، ومقتضيات موالاة المؤمنين كثيرة، ونحن إذا انتقلنا إلى واقعنا فإننا سنجد أن ولاية المؤمنين ضاعت مقتضياتها بين المسلمين، فبالله عليكم هل يكون موالياً للمؤمنين من ظلم إخوانه المسلمين وخذلهم، ثم أقبل على الكفار يعاونهم وينصرهم؟
стр. 5705
تنبيه وتحذير لمن ترك موالاة المؤمنين
هل يكون موالياً للمؤمنين من أهان أخاه المسلم، وأذله واحتقره، ثم عظم الكفار وأطلق عليهم ألقاب العزة والرفعة وألفاظ الثناء والتقدير، ويقوم من مجلسه ليرحب بهم، والرسول ﷺ يقول: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطروهم إلى أضيقه)؟ هل يكون موالياً للمؤمنين من أبعد المسلمين عن الوظائف الهامة في شركته -مثلاً- واستخدم فيها الكفرة والمرتدين، والله تعالى قد خونهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] الكفرة من اليهود والنصارى يقولون: ليس علينا حرج من أكل أموال المسلمين، ولذلك ينهبون أموالهم، كيف لو تمكنوا من التسلط على وظائفهم؟ هل يكون موالياً للمؤمنين من ترك زي المسلمين ومظهرهم وهيئتهم ولباسهم، وتشبه بأعداء الله وتزي بزيهم؟ هل يكون موالياً للمؤمنين من ترك بلاد الإسلام ومجتمعات المسلمين، وذهب إلى بلاد الكفار بغير ضرورة، فأقام فيها، يقيم معهم ويسكن بينهم ويكثر سوادهم ويقويهم بإمكانياته المادية والعقلية وغيرها؟ وكثيرون الذين هاجروا إلى بلاد الكفار ليدعموا الكفار بأموالهم، ينشئون في بلاد الكفار الأعمال، ويسخرون أدمغتهم للاكتشافات التي تخدم الكفار، أين هؤلاء من ولائهم لإخوانهم المؤمنين ومجتمعات المؤمنين؟ يقيمون بينهم والرسول ﷺ يقول: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) حديث حسن.
والله تعالى منع الولاية للمؤمنين الذين لم يهاجروا إلى بلاد المؤمنين من بلاد الشرك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] لا بد أن يهاجروا إلى بلاد المسلمين، ويكثروا سواد المسلمين، ويدعموا المسلمين بالعدد والإمكانيات.
هل يكون موالياً للمؤمنين من أطلق لسانه بالسب والشتم والتعيير لإخوانه المسلمين، ثم أقبل على الكفار يثني عليهم وينشر فضائلهم؟
أنت عداء المجرمين سياسةً وأغيض أهلي من بذيء سباب
للظالمين تحيتي ومودتي ولأهل ديني طعنتي وحراب
هذا جحيمٌ لا يطاق ومنطقٌ يأباه وحشٌ قابع في الغاب
يثني بعض المسلمين في كتاباتهم على الكفار، فيقولون مثلاً: بأنهم أصحاب المنهج العلمي السديد، والتجرد بالبحث والكتابة، وينشرون فضائل الغرب ويثنون عليهم، ويطلقون عليهم ألقاب التقدم والحضارة والرقي، ويصفون الإسلام والمسلمين والمنتسبين إلى الإسلام بالرجعية والجمود والتأخر.
هل يكون موالياً للمؤمنين من ترك اتخاذ المؤمنين بطانة، يشاورهم ويطلعهم على الأمور، ويتخذ الكفار بطانة، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] يودون هزيمتكم ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] البطانة سميت بطانة تشبيهاً ببطانة الثوب، أي: يتخذون الكافرين بطانة يستبطن الكفار الأمر من المسلمين المنحرفين ويطلعون على أسرار المسلمين؟ هل يكون موالياً للمؤمنين من ترك حزب المؤمنين الموحدين وجماعتهم وحلفهم، وانخرط في الأحزاب العلمانية أو الإلحادية، يبذل الولاء والحب والنصرة لها، وهي تعمل لهدم الإسلام وتعمل ضد إخوانه المسلمين؟ أم أن ذلك ردةٌ عن دين الله، وهدمٌ لشرع الله .
اللهم إنا نسألك المغفرة والرحمة للحاضرين، اللهم اكتب مغفرتك ورحمتك لنا أجمعين، واعف عنا في ذلك المشهد العظيم، لا تفضحنا على رءوس الخلائق وأنت الرحمن الرحيم، فإليك اتجهنا، وعليك اعتمدنا، وعليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5706
أين الخلل ؟
واقع المسلمين يشهد متناقضات عجيبة، أفرزتها كثرة التصورات والمفاهيم الخاطئة، التي تعمقت في أفراد الأمة، وقد قام الشيخ بالتشخيص الصحيح لهذه الأمراض والأعراض والتصورات الخاطئة من خلال هذا الدرس.
стр. 5707
رسالة شيخ الإسلام إلى أهل البحرين
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فهذه فرصة طيبة أن ألتقي بهذه الوجوه الطيبة في هذه البلدة الطيبة، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الطيبين، وأن يرزقنا الفوز بدار النعيم، إنه سميع مجيب.
أيها الإخوة: لعل لقاءنا في هذا المكان يُذكر بتواصل العهد واتباع السنة والتمسك بحبل الله القويم، والسير على منهاج النبوة، هذا العهد الذي أخذه الله تعالى علينا جميعاً في السير على طريق التوحيد، أخذه الله علينا ونحن في ظهور آبائنا، ونحن في ظهر آدم ﵇، استخرج الله ذريته كأمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وقد كانت هذه البلاد فيها من أهل الدين والتوحيد والسنة أناس عظماء، ينبغي أن نسير على نهجهم وطريقتهم، ولعلي أستفتح الكلام برسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية تؤكد هذا المعنى: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
من أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية إلى من يصل إليه كتابي من المؤمنين والمسلمين من أهل البحرين -وهذه المنطقة هي المعروفة تاريخياً بـ البحرين - وغيرهم عامة ولأهل العلم والدين خاصة سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، وأسأله أن يصلي على خيرته من خلقه محمدٍ عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، الذي بعثه بالبينات والهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن وفداً قدموا من نحو أرضكم، فأخبرونا بنحوٍ مما كنا نسمع عن أهل ناحيتكم من الاعتصام بالسنة والجماعة، والتزام شريعة الله التي شرعها على لسان رسوله ﷺ ، ومجانبة ما عليه كثير من الأعراب من الجاهلية التي كانوا عليها قبل الإسلام من سفك بعضهم دماء بعض، ونهب أموالهم وقطيعة الأرحام، وخروج عن ربقة الإسلام، وتوريث الذكور دون الإناث، وإسبال الثياب، والتعزي بعزاء الجاهلية وهو قولهم: يا بني فلان، يا لفلان، والتعصب للقبيلة بالباطل، وترك ما فرضه الله في النكاح من العدة ونحوها، ثم ما زينه الشيطان لفريقٍ منهم من الأهواء التي باينوا بها عقائد السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وخالفوا شريعة الله لهم من الاستغفار للأولين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ووقعوا في أصحاب رسول الله ﷺ بالوقيعة التي لا تصدر ممن وقر الإيمان في قلبه، فالحمد لله الذي عافانا وإياكم مما ابتلى به كثيراً من خلقه، وفضلنا على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، ونسأل الله العظيم المنان بديع السماوات والأرض أن يتمم علينا وعليكم نعمته، ويوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى من القول والعمل، ويجعلنا من التابعين بإحسانٍ للسابقين الأولين، وليس هذا ببدع، فإن أهل البحرين ما زالوا من عهد رسول الله ﷺ أهل إسلام وفضل، فقد قدم وفدهم من عبد القيس على رسول الله ﷺ ، وفيهم الأشج فقال لهم رسول الله ﷺ : (مرحباً بالوفد غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر -بيننا نحن في شرق الجزيرة وأنت في غربها هذا الحي من كفار مضر- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر الحرام، حيث يتوقف القتال عند العرب، فمرنا بأمرٍ فصلٍ نعمل به ونأمر به مَن وراءنا، فقال: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) ولم يكن قد فرض الحج إذ ذاك، وقال للأشج: (إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: خلقين تخلقت بهما أو خلقين جبلت عليهما؟ قال: خلقين جبلت عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله) ثم إنهم أقاموا الجمعة بأرضهم، فأول جمعة في الإسلام بعد جمعة المدينة، جمعة بـ بجواثى قرية من قرى البحرين.
ثم إنهم ثبتوا على الإسلام لما توفي رسول الله ﷺ ، وارتد من ارتد من العرب، وقاتل بهم أميرهم العلاء بن الحضرمي -الرجل الصالح- أهل الردة، وله في السيرة أخبار حسان، فالله سبحانه يوفق آخرهم لما وفق له أولهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه إلى آخر الرسالة ﵀.
ونحن ننطلق من الدعاء الذي دعا به شيخ الإسلام في رسالته، ونقول: نسأل الله أن يوفق آخرهم لما وفق له أولهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 5708
علاج مرض فساد التصورات
بعد هذه الرسالة في تبيان ما ينبغي أن يكون عليه الخلف من التمسك بطريقة السلف؛ طريقة وفد عبد القيس الذين اتبعوا السنة، وما كانوا عليه من إقامة الدين وشعائره، ننطلق بعد ذلك إلى هذه المحاضرة.
كنت أريد أن أتكلم في موضوع الأمراض، ولكن رأيت أن موضوعها طويل، وأن الكلام يمكن أن يكون أهم إذا تكلمنا في أصل الأمراض ومرض الأمراض؛ لأننا -أيها الإخوة- إذا نظرنا إلى الأعراض المرضية الموجودة لوجدنا أنها منبثقة عن خللٍ في الأساس، فنتكلم في المرض الأساسي وهو مرض الخلل في التصورات؛ لأنه ما من ذنب أو انحراف يقع فيه الناس إلا وهو ناتجٌ عن فساد في التصورات أو خلل فيها أو غيابٍ تغيب عن الأذهان أو جهلٍ بها، هذه التصورات والقواعد الشرعية الجهل فيها هو سبب ما نراه من النفاق والكذب والكبر والعجب والحسد وغير ذلك من الانحرافات الكثيرة الموجودة في الواقع، وكل تصورٍ خاطئ يؤدي إلى سلوكياتٍ منحرفة، والسلوكيات المنحرفة تكون نتيجة غياب التصور الصحيح أو انحراف التصور أو نقص التصور أو الغبش الموجود في التصور في عقول وأذهان كثيرٍ من الناس، ولذلك قبل تغيير السلوك ينبغي أن نغير التصور الذي هو أساس الأمراض.
стр. 5709
مكافحة أصل المرض وأساسه
النبي ﷺ لما بدأ بالدعوة بدأ بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وما من نبي دعا قومه إلا وقال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] هذا هو الأساس وهذه الكلمة العظيمة ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] وهي كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي ﷺ قومه والعرب كافة والعالمين، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، فعارضه عليها قومه.
كان العرب يعرفون معنى هذه الكلمة، والآن كثيرٌ من الناس يجهل معنى لا إله إلا الله، لماذا حاربوه ورفضوا أن يقولوها وهي كلمة؟ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة هي عقد وفاء والتزام، وأنه لا بد من الأخذ بمقتضاها والعمل بها، ولذلك رفضوها وهي كلمة.
وهم يعلمون أن مقولة: لا إله إلا الله؛ سينبني عليها تغييرات جذرية في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وفي أخلاقهم وعاداتهم، سينبني عليها تغيير جذري للمجتمع.
إن الأمراض في المجتمع كثيرة، والإنسان إذا صار يعالج عارض السخونة وعارض الصداع وعارض المغص وعارض الإسهال وعارض القيء، سيتعب، وربما لا يكافح المرض ولا يحاصره ولا يقضي عليه، لكنه إذا اتجه إلى معالجة أصل المرض؛ فإن هذه الأعراض ستختفي، ولذلك يمكن أن نشبه حال الأمة المصابة بالأمراض المتعددة اليوم، بحال رجلٍ فيه أمراضٌ كثيرة، فيه أمراضٌ من السكر والنزيف والسرطان والزكام والحمى وغير ذلك من الأمراض والأعراض، وعندما ينشغل الإنسان بمعالجة الأعراض ويغفل أصل المرض؛ تتفشى الأمراض وربما لا يستطيع السيطرة عليها، أو يتظاهر له أنه سيطر عليها وليس كذلك، لكن إذا انشغل بمكافحة أصل المرض وتقوية الجسم على المرض، واستنبات الخلايا السليمة، وتكثير هذه الخلايا في الجسم، وبناء الجسم بناءً صحيحاً وتغذيته ودفع هذه الأمراض لا بد منهما معاً، ولذلك نحن نقول الآن: كما أننا نذكر علاج الحسد والعجب والكبر مثلاً، ونكافح الكذب والغيبة والنميمة؛ فإننا ينبغي أن نصحح الأصل ونصحح التصورات، ولعلنا نرى من خلال عرض بعض الأمثلة الارتباط بين الانحرافات في الأعمال وانحرافات التصورات الأصلية.
стр. 5710
دور القرآن والسنة في تصحيح التصورات الخاطئة
كان القرآن الكريم ينزل لتصحيح التصورات وإيجاد التصورات الصحيحة، يقول الله تعالى مثلاً في قصة حاطب ﵁: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١] قاعدة تبين تصوراً من التصورات الإسلامية العظيمة، إنها قاعدة إسلامية، صحيح أنها جاءت في حدث معين، لكنها قاعدة يجب أن ترسخ.
وكذلك كان النبي ﷺ يبين لأصحابه عندما تبدر من الواحد منهم بادرة سوء أو خطأ؛ يبين له أصل الداء، فمثلاً حديث أبي ذر ﵁: (جاء المعرور بن سويد فقال: مررنا بـ أبي ذر في الربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة -استغربوا من البرد الذي على الغلام- فقال أبو ذر ﵁: إني ساببت رجلاً -كان بيني وبين رجلٍ كلام وهو من إخواني، وفي رواية أنه بلال ﵁ وكانت أمه أعجمية- فنلت منها، وقلت له: يا بن السوداء، فقال الرسول ﷺ : أساببت فلاناً؟ قلت: نعم، قال: أعيرته بأمه؟ فقلت: من سب الرجال، سبوا أباه وأمه، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية) لم تتخلص من آثار الجاهلية بالكلية، فيك شائبة، (قلت على حين ساعتي هذه من كبر السن) -كأن أبا ذر ﵁ تندم، قال: الآن ارتكبت هذه المعصية وأنا على كبر سني ولا يليق بي أن أفعل ذلك- (قال: نعم، هم إخوانكم خولكم -يعني: خدمكم- جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده؛ فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس -ولذلك كان قد كسا غلامه الحلة- ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه؛ فليعنه عليه) رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وألفاظه مجموعة بعضها إلى بعض.
فالنبي ﷺ لما سمع الكلمة أراد أن يعيدها إلى الأصل قال: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ولذلك ينبغي علينا أن نتخلص من شوائب الجاهلية في أنفسنا، وأن نخلع على عتبة الإسلام كل أردية الجاهلية، ونغير من أفكارنا التي فيها انحراف أو قصور أو جهل، وينبغي أن نضع بدلاً منها قواعد الدين وأسس الشريعة والتصورات الشرعية.
следующие страницы →