Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
مفهوم طبيعة مواجهة الجاهلية في القرآن
طبيعة مواجهة الجاهلية مفهوم قرآني أصيل مبين في القرآن العظيم، ما هو الأذى الذي سيلحقنا من الكفار؟ أذى متعدد الأنواع: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٦] فقط: ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٦] فقط: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ [آل عمران:١٨٦] إذاً: الأذى في الذات في الأجسام في الأموال، والأذى المعنوي سماع الأذى من الكفار جميع أنواع الأذى، ما هو العلاج؟ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] هذا مهم حتى يستعد المسلم للمواجهة، ويأخذ أهبته للصبر في المعركة على جميع أنواع الأذى.
стр. 5847
مفهوم التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله
المفهوم العميق في أن جميع الاختلافات والمنازعات لا بد أن ترد إلى الله وإلى الرسول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] كم نحتاج إلى هذا المفهوم اليوم، كثرت التنازعات والاختلافات، حتى في الأحكام الفقهية الناس فيها مساكين؛ لأنهم مضطربون ومتحيرون، هذا يقول شيئاً والآخر يقول بخلافه، وهذا يقول أمراً وهذا يقول بعكسه وضده، ما هو الحل؟ ما هو العلاج؟ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩].
أيها الإخوة: هذا القرآن والله الذي لا إله إلا هو فيه علاج لكل الأسقام المادية والمعنوية فيه علاج لكل أمراض الأمة فيه إيجاد أشياء مهمة للتربية تصورات يجب أن يقوم عليها المجتمع والأفراد المسلمين قد خلت كثيراً من نفوس المسلمين منها.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعلنا ممن يقتدي بهذا القرآن.
اللهم اجعلنا ممن وضع القرآن أمامه فقاده إلى الجنة، ولا تجعلنا ممن نبذ القرآن وراءه فقاده إلى النار.
اللهم اجعلنا ممن يحل حلاله ويحرم حرامه ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه.
اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
اللهم واجعلنا ممن يستمدون تصوراتهم من القرآن، واجعلنا ممن يؤسسون موازينهم من القرآن، واجعلنا ممن يقرءون القرآن تدبراً وخشوعاً، وارزقنا حلاوة الإيمان به والعمل يا رب العالمين.
стр. 5848
صور من البيوع المحرمة
أيها الأحبة: هذه رسالة تتحدث عن طائفة من البيوع غير الجائزة في الشريعة، والتي قد اشتهرت بين الناس، مع الكلام عن حكمها استناداً إلى الأدلة من الكتاب والسنة، وبما وضحه أهل العلم الثقات.
стр. 5849
حكم بيع التقسيط
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة: لقد تكلمنا في الخطبة الماضية عن موضوع الربا، وأنه حرام، وأن وضع الأموال في البنوك أو شراء شهادات الاستثمار من البنوك بنسب ثابتة معلومة هو عين الربا الذي يعرفه كل مسلم، عامة المسلمين صغاراً وكباراً يعرفون أنه من الربا، بنص كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ ، ولذلك فلا عبرة بقول قائل يقول بخلاف ذلك، سواءً كان كبيراً أم صغيراً، غنياً أو فقيراً، فإن كتاب الله حكم بيننا، فلا يجوز أن يتلاعب به المتلاعبون.
لقد سألني بعض الإخوة أن أتحدث عن بعض الصور الغير جائزة في البيع أو التي تتعلق بأمور ربوية، وأنا أعرض لكم أيها الإخوة طائفة من أنواع البيوع التي اشتهرت بين الناس، مع الكلام على حكمها، مستنداً إلى ذلك بالأدلة من كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ ، وبما وضحه أهل العلم من العلماء الثقات، وغالب هذه الأنواع التي سأذكرها كلها قد وجهت إلى اللجنة الدائمة للإفتاء أو إلى أحد الثقات من العلماء فأجاب عنها.
يسأل كثير من المسلمين عن حكم بيع التقسيط: وهو أن يشتري سلعة بأقساط إلى أجل؟
الجواب
هذا البيع كما صدرت الفتوى عن اللجنة الدائمة للإفتاء، أن البيع إلى أجل معلوم جائز إذا اشتمل البيع على الشروط المعتبرة، وكذلك التقسيط في الثمن لا حرج فيه إذا كانت الأقساط معروفة، والآجال معلومة، والدليل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] فإذا تحدد الأجل متى يجب عليه التسديد ونهاية المدة، فهذا من الشروط، ولقول النبي ﷺ : (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم) ولقصة بريرة الثابتة في الصحيحين: (أنها اشترت نفسها من سادتها بتسع أواق في كل عام أوقية) اشترت نفسها ممن يملكها بتسع أواق في كل عام أوقية -هذا هو بيع التقسيط- ولم ينكر ذلك النبي ﷺ بل أقره، ولم ينه عنه، ولا فرق في ذلك بين كون الثمن مماثلاً لما تباع السلعة نقداً أو أكثر من ذلك، فإذا كان الأجل معلوماً، والأقساط معلومة، وقيمة كل قسط معلومة، فإن البيع جائزٌ إذا توافرت فيه بقية الشروط الشرعية.
ولكن من الأمور التي ينبغي الحذر منها: أن ينصرف البائع والمشتري ولم يحددا نوع البيع الذي سيتبايعان به، فلو قال له: أبيعك هذه السيارة بأربعين ألف نقداً أو بخمسين ألف بالتقسيط إلى سنة، ولم يحددا نوع البيع، فقال المشتري: قبلت، وانصرف على أنه مخير بأي نوع بدون أن يحدد النوع هل هو نقد أو تقسيط؟ فإن هذا البيع غير جائز، فلا بد أن يحددا عند البيع هل يريد أن يشتري نقداً أو يشتري تقسيطاً، ولا يجوز أن يتركا مجلس العقد ولم يعينا نوع البيع الذي يريد كل منهما أن يتبايع به.
وكذلك لو قال له: بعتك أحد هاتين السيارتين بثلاثين ألف ريال ولم يحددا أية واحدة منهما التي وقع عليها البيع، فإن البيع كذلك غير جائز؛ لأن السلعة مجهولة، ولا بد عند البيع من تعيين السلعة، فلا يجوز أن يقول: بعتك واحدة من هاتين السيارتين، لا بد أن يحدد أي سيارة، وكذلك عندما لا يختار نوعاً من البيع هل هو نقد أو تقسيط، فإن الثمن يكون غير معلوم، وعندما يكون الثمن مجهولاً فإن البيع يكون باطلاً.
стр. 5850
النهي عن البيعتين في بيعة
كذلك إذا قال له: أبيعك داري على أن تبيعني دارك، أو أبيعك داري على أن تزوجني ابنتك بمهر كذا فإنه غير جائز؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، ومن هذا النوع أن يقول له: أبيعك السيارة بعشرة آلاف على أن تبيعني إياها بعد سنة بمبلغ كذا، فهذا أيضاً غير جائز لأنها بيعتين في بيعة، وقد نهى ﷺ عن بيعتين في بيعة، فلا يجوز أن تشترط عليه عند البيع أن يبيعك شيئاً آخر، سواءً السلعة نفسها أو سلعة أخرى، أو أن يزوجك ابنته مثلاً، فلا يجوز الربط بين هذه الأمور في عقد واحد؛ بل يجب أن يكون كل عقد منفصلاً عن الآخر.
стр. 5851
حكم بيع العينة
ومن الأمور التي تحدث في بيع التقسيط وهي غير جائزة: أن يشتري منه بأقساط إلى أجل ثم يبيعها على نفس البائع الأول بثمن أقل، هذا بيع العينة الذي نهى رسول الله ﷺ ، وأخبر بأنه حرام لا يجوز، فلو أن إنساناً اشترى من الوكالة سيارة بالتقسيط بخمسين ألف ريال إلى سنة بالأقساط أو إلى سنتين لا يجوز أن يأخذها ويبيعها على نفس الوكالة نقداً الآن بأربعين ألف ريال مثلاً فهذا حرام لا يجوز، لكن لو أخذها من المعرض واستلمها من الوكالة ثم ذهب بها إلى مكان آخر إلى الحراج إلى معرض إلى صديق له، وباعها عليه نقداً فلا بأس بذلك، يبقى عليه التقسيط يدفعه للوكالة، والسيارة يبيعها بعد أن استلمها إلى من شاء لكن غير الطرف الأول الذي اشترى منه.
ولو جاء رجل وقال: إن تبيعها أنا أشتريها منك نقداً، ويكون هذا المشتري من جهة الوكالة فإن هذا غير جائز، ولكن لو باعها من طرف آخر لا علاقة له بالبيع الأول فلا بأس بذلك وهو حلال إن شاء الله.
стр. 5852
عدم بيان الخلل والعيب في المبيع
كذلك من المنكرات التي تقع في بيع السيارات: أن يعلم البائع أن السيارة فيها العيب الفلاني وفيها الخلل الفلاني، ثم يبيعها على المشتري دون أن يبين له العيب الذي في السيارة، فهذا حرام لا يجوز، وهو آثم، والدليل على ذلك قوله ﷺ : (من غشنا فليس منا) ولا يعفيه أن يقول له: أبيعك كومة حديد بكم تشتري، أو يقول له: خذها إلى أي ورشة أو إلى أي مكان وافحصها؟ لا يعفيه؛ لأن المشتري قد لا يعلم العيب، وقد لا يكتشف الذي في الورشة العيب من أول وهلة، لأن بعض العيوب لا تظهر إلا عند الاستعمال على فترة طويلة، ولذلك لا يجوز أن يقول: خذها كومة حديد، أو خذها وافحصها، وأنا لا أقول لك إن فيها شيء، لا بد أن يبين له العيب إذا كان يعلم العيب، والدليل قوله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).
ولذلك يسأل قائل، فيقول: أنا بعت سيارتي وكان فيها عيوب لم أبينها للمشتري ماذا أفعل؟ أنا أريد أن أتوب إلى الله؟ نقول له: عليك أن تتوب إلى الله توبة صادقة، وألا تعود إلى هذا العمل مرة أخرى، وتندم وتستغفر ربك وتتوب إليه، ثم تذهب إلى من بعت السيارة إليه وتستسمح منه، وتقول له: أنا مستعد أن أرجع لك مقدار العيب الذي كتمته عنك، فإن اصطلح معك على أي شيء، سواءً سامحك، أو أخذ منك قيمة العيب الذي كتمته عنه، أو رجعتم في البيع وفسختموه، فإن ذلك من تمام توبتك، وأنت مأجور عليه إن شاء الله، ولو اختصما فالقاضي بينهما.
стр. 5853
حكم بيع ما لم يملك
ومن البيوع المحرمة أيضاً: أن يشتري البضاعة ويبيعها وهي لا زالت في مكانها من التاجر الأول، كأن يعرف إنسان أن إنساناً يحتاج إلى كفرات سيارات، فيرفع سماعة الهاتف على صديق له يعلم أن عنده كفرات، فيقول له: تبيعني الكفرات التي عندك بمبلغ كذا؟ فيقول: نعم، بعتك، وينعقد البيع ويكون بيعاً صحيحاً، ثم يرفع السماعة على الشخص الثاني الذي يعلم أنه يحتاج الكفرات، فيقول له: عندي لك كفرات تشتريها مني بكذا؟ فيقول: نعم أشتريها منك، فيقول: إذاً اذهب فاحملها من المكان الفلاني -من مكان التاجر الأول- أو تعال بعد فترة وخذها مني، ما حكم البيع الثاني؟ لا يجوز، والدليل على ذلك قوله ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك) وهذا الشخص باع الطرف الثاني بضاعة ليست عنده؛ لأنها لا زالت في مستودعات التاجر الأول.
ودليل آخر: عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ : (أنه نهى أن تباع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) فلا بد إذا أردت أن تبيع الطرف الثاني أن تتصل بالطرف الأول وتشتري منه السلعة ثم تخرجها من مخازنه وتدخلها مخزنك أنت أو بيتك وتقبضها إليك، ثم ترفع السماعة وتبيع على التاجر الثاني، أما أن تبيع على شخص آخر والبضاعة قد اشتريتها ولا زالت عند التاجر الأول لم تقبضها فالبيع غير صحيح: (لا تبع ما ليس عندك) فإن قلت لي: إن ملايين الناس يفعلون هذا، أقول لك: فكان ماذا؟ وماذا يعني؟ الحكم الشرعي على رءوس الجميع وإن اتفق أهل الأرض على بيع تعاملوا به وهذا البيع حرام فهو لا يزال حراماً، صعدت أو نزلت ذهبت شرقاً أو غرباً فالبيع حرام.
ولذلك لو ذهب إنسان إلى السوق فاشترى سلعة من شخص في أرض السوق، ثم أراد أن يبيعها، قال أهل العلم: ينقلها إلى مكان آخر ولو كانت قريبة، يأخذها ويضعها في مكان آخر -ثم إذا أراد أن يبيعها يبيعها- دلالة على أنه قبضها وأخذها واستلمها ثم بعد ذلك يبيعها.
стр. 5854
حكم بيع العملات وشرائها
وهذا سؤال أجابت عنه هيئة كبار العلماء: عن حكم بيع وشراء العملات؟ فأجابت بما ملخصه: إن بيع وشراء العملات جائز، فإذا كانت العملات من نفس النوع فإنه لا بد من التماثل والتقابض، ولو كانت العملات من أنواع مختلفة كمن يريد أن يشتري دولاراً بريال، فإنه يجوز له أن يشتري كيف شاء دولاراً بأربع ريالات بثلاثة ريالات بأربع ريالات إلا ربع، كل ذلك جائز؛ لأنها نوعين مختلفين من النقد والعملات، ولكن لا بد أن يتم الاستلام والتسليم في مجلس العقد، فلو قال: هات مائة دولار وغداً أعطيك ثلاثمائة وخمسة وسبعين ريالاً فالبيع غير صحيح، لأنه لم يسلم الثمن في مجلس العقد، ولا بد من التسليم يداً بيدٍ، ولذلك -أيها الإخوة- بلغني أن من التعاملات المتحايلة في الربا: أن يكون البنك لتاجر عندك دولارات أنا أشتري منك دولارات، كم عندك؟ مليون دولار؟ أنا أشتري منك مليون دولار، هات المليون الدولار وضعها عندي وأسلمك ثمنها أربعة ملايين ريال ولكن بعد ستة أشهر، يريد البنك أن يتحايل ليقول: ما رابينا، نحن بعنا واشترينا، ولكن يلعبون على من؟ يخدعون من؟ ملك الملوك، الله يخادعونه كما يخادعون الصبيان، طفل صغير تلعب عليه، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم بأنها حيلة للربا، فلا بد إذا أردت أن تبيع عملة أن تقبض وتسلم في نفس المجلس لا تتأخر لحظة واحدة.
стр. 5855
التجارة بالعملات في الأسواق السوداء
وهذا سؤال وجه إلى اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم التجارة بالعملات في بعض البلاد فيما يعرف بالسوق السوداء؟ فكان
الجواب
يجوز شراء العملة بعملة أخرى من غير جنسها ولو تفاوت السعر يداً بيد، ولا يمنع من ذلك المخالفة للقوانين الوضعية، فلو كانت قوانين وضعية وليس فيها مصلحة للمسلمين فإن هذه القوانين الوضعية لا تمنع بيع العملات ولو فيما يعرف بالسوق السوداء وليسموه ما يسموه، فإذا كان البيع يداً بيد فإن ذلك جائز، وهذه الفتوى برقم: [٢٠١٠] ونشرت في مجلة الدعوة السعودية في عدد رقم: [٨٤٤].
وهناك نوع آخر من البيوع وهو: أن يشتري سيارة وكالة (أ) عن طريق وكالة (ب) فما هو الحكم؟ فنقول: إذا كانت الوكالة (ب) عندها السيارة المطلوبة قد استلمتها من الوكالة (أ) ووضعتها عندها في مستودعاتها، ثم أتيت أنت واشتريتها من الوكالة (ب) فلا حرج، لكن أن تأتي الوكالة (ب) وتبيعك سيارة عند الوكالة (أ) فلا يجوز، لا بد أن يستلموها ثم يبيعوك إياها نقداً أو تقسيطاً لا بد أن يستلموها والدليل على ذلك، قول النبي ﷺ : (لا تبع ما ليس عندك).
стр. 5856
من الحيل على الربا
وكذلك من الحيل على الربا أن يأتي شخص عنده سيولة ويعلم بأن صاحباً له يحتاج سيارة، فيقول: تعال معي إلى المعرض أو الوكالة وانتقي لك السيارة التي تعجبك، فينتقي السيارة التي تعجبه، فيقول له: أنا أشتريها الآن من مالي بأربعين ألف ريال أدفعها للمعرض أو الوكالة ولا أشتريها باسمك، ثم تعطيني أنت ثمنها بالتقسيط أو بعد سنة خمسين ألف ريال.
الجواب
هذا البيع حرام، وهو وسيلة إلى الربا بل هو عين الربا، كأنه أقرضك الأربعين ألف بخمسين ألف، ذهب معك إلى الوكالة واشترى لك السيارة التي تعجبك وجعلها باسمك أنت، فهذا حرام، لكن إذا اشتريتها باسمه هو من الوكالة -هو يعلم أنك تحتاج سيارة- وقبضها وأخذ مفتاحها وأخرجها من الوكالة ثم قال: يا صاحبي، أنت تريد سيارة، هذه السيارة، تريد أن تشتري مني بخمسين ألف ريال إلى أجل أقساط؟ أبيعك.
فهذا لا حرج فيه؛ لأنه قد أخذها وقبضها واشتراها، وأنت لست ملزماً بها، أنت لو قلت: أنا لا أريد أن أشتري السيارة قد غيرت رأيي، ليس هناك إلزام عليك، ففي هذه الحالة يجوز البيع.
أيها الإخوة: هذه المسائل منتشرة بين الناس جداً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولا يفقهون، ولا يخافون الله، ليس عنده أي حرج من أي بيع أو شراء ما دام أن فيه ربح، لا يسأل ولا يستفتي عن جوازه، ولا يتفقهون في الدين، قد يكون ربا ولكن لا يهمهم هذا، ما دام أن هناك مكسباً، هذا هو همهم أن يكسبوا لا يبالون من حرام كان أم من حلال.
стр. 5857
بيع المحرمات
أيها الإخوة: اعلموا أن بيع الأشياء المحرمة لا يجوز؛ كأشرطة الأغاني، وأشرطة الفيديو المحرمة، أو آلات اللهو واللعب، كالكمنجة والعود والمزمار والطبل، كل ذلك حرام بيعه، والله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، وقد حرم المعازف فلا يجوز بيعها، وكل أولئك الذين يتاجرون بهذه الأشياء آثمون عند ربهم، يأكلون سحتاً في بطونهم يصلون به من نار جهنم يوم القيامة، إذا لم يتوبوا إلى الله ويعفو الله عنهم.
стр. 5858
حكم بيع اللحوم المحرمة
كذلك التاجر الذي يبيع مواد غذائية وهو يعلم يقيناً أن اللحم الذي يبيعه ليس مذبوحاً وإنما هو مصعوقاً أو أن فيه شوائب خنزيرية، أو لحم كلاب أو حمير، ثم يبيعها فهذا حرام لا يجوز؛ لأن هذا الشيء حرام عند رب العالمين، ولو قال: أنا أبيع هذه الأشياء على غير المسلمين، أناس يأكلون لحم الكلاب والقطط والحمير، نقول: لا يجوز؛ لأن الله حرم أكله فيحرم بيعه.
стр. 5859
حكم بيع الدم
ومن هذا الباب فإن بيع الدم الذي قال أهل العلم وجمهور العلماء بنجاسته يحرم بيعه، لكن في حالة الضرورة ماذا نفعل؟ هناك فتوى للجنة الدائمة بأن الدم أصلاً نجس، فلا يجوز التداوي به إلا إذا خشي على نفسه الهلاك فيجوز، مثل الميتة، كأن تكون في صحراء وانقطعت وأوشكت على الهلاك وكدت أن تموت، فوجدت ميتة، ما حكم الميتة؟ حرام، ما حكم الأكل منها؟ حرام، لكن للضرورة، يجوز لك أن تأكل ما يبقي على حياتك، ويسد رمقك.
وكذلك هنا: الأصل أن الدم نجس، وأنه لا يجوز التداوي به، لكن لو خشينا عليه الموت فيجوز عند ذلك، وفي الفتوى المذكورة، بل ربما يجب التداوي به إبقاءً على حياة الشخص، وأما أخذ العوض على الدم فلا يجوز؛ لأن الله إذا حرَّم شيئاً حرم ثمنه، فإن تعذر حصوله على الدم بلا عوض جاز له أن يشتري ويدفع الثمن للضرورة، لكن الذي يبيع الدم هو الذي يأثم ولا يجوز له أن يأخذ الثمن، فالمشتري للضرورة يجوز له أن يشتري، ولكن الذي يبيع حرامٌ عليه أن يأخذ الثمن، وكذلك فلو أن إنساناً يذهب للتبرع بالدم لأجل المال فلا يجوز، ولكن يتبرع لله ولإنقاذ حياة إخواننا المسلمين هذا الأصل، ولا نكون ممن يبيع جزءاً من جسده، وهذا فيه مشابهة لطبائع اليهود، يبيعون أجزاءً من أجسادهم بمال يأخذونه.
نسأل الله أن يفقهنا وإياكم في ديننا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعلنا ممن يحل حلاله ويحرم حرامه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 5860
حكم أخذ العربون
الحمد لله وحده، أشهد أن لا إله إلا هو، لم يتركنا هملاً وإنما أرسل إلينا رسولاً، وأنزل علينا كتاباً، فبين لنا الحلال وبين لنا الحرام، وقال : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] وصلوات الله وسلامه على المبعوث رحمة للعالمين، بشيراً ونذيرا، أرسله الله ليبين لنا ما أنزل إلينا من ربنا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة ﷺ .
يسأل بعض الإخوة: ما حكم أن يأخذ البائع العربون إذا لم يتم البيع؟ فأجابت اللجنة الدائمة: لا حرج في أخذ العربون في أصح قولي العلماء إذا اتفق المشتري والبائع على ذلك ولم يتم البيع، لو قال له: أريد أن أشتري منك هذا وهذا عربون، واتفقا على أنه إذا لم يتم البيع فإن العربون للبائع، فما دام أنها قد اتفقا فيجوز للبائع أخذ العربون له إذا لم يتم البيع.
стр. 5861
وضع النقود في البنوك
سأل كثيرٌ من الإخوان: عن حكم وضع النقود في البنوك؟ هذه مسألة مهمة لكثرة الحاجة إليها، والحمد لله أن أهل العلم قد بينوا هذه المسألة، ونختصرها لكم، فنقول: الأصل عدم جواز وضع النقود في البنوك؛ لأن ذلك حرام، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وأنت عندما تضع النقود تكون بذلك قد ساعدتهم في إقراضها أو الإقراض منها بالربا لأشخاص آخرين، ولكن الله رحيم بعباده، والشريعة لا تقول لك: لا تضعها في البنك ولو سرقت أو ضاعت، ولذلك أفتى علماؤنا بجواز وضع النقود في البنوك للضرورة حتى لا تسرق أو تضيع مثلاً، وقالوا: يختار أقل البنوك تعاملاً بالحرام، لأنها كلها فيها حرام، فيختار أقلها تعاملاً بالحرام حسب اجتهاده هو، قد نختلف أنا وأنت أي البنكين أبعد عن الحرام؟ لا بأس، تجتهد في وضع نقودك في أبعد الأمكنة عن الحرام فماذا تفعل بالفائدة؟ سيسجلون لك فائدة، ماذا تفعل بالفائدة؟ يقول الشيخ عبد العزيز حفظه الله: ولا يجوز اشتراط فائدة حتى ولو كان سينفقها في الخير، أنت إنسان تقي لا تريد أن تأخذ الفوائد، لكن تقول: أشترط عليهم فوائد حتى أعطي للفقراء، فلا يجوز لك أن تشترط؛ لأن الشرط حرام أصلاً، والغاية لا تبرر الوسيلة، ويقول الشيخ: فإن دفعت إليه الفائدة من غير شرط ولا اتفاق فلا بأس بأخذها لا له ولكن ليعطيها الفقراء.
وملخص الفتوى: أنك إذا دفعت إليه الفائدة من غير شرط، فلا بأس بأخذها لصرفها في المشاريع الخيرية، كمساعدة الفقراء والغرماء المديونين ونحو ذلك، لا ليتملكها أو لينتفع بها، وربما كان الأفضل أخذها وعدم تركها للكفار يستفيدون منها، وأما شراء أسهم البنوك فإنه حرام، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة:٢] وأنت عندما تشتري أسهم البنوك فإنك تكون مساهماً ومشاركاً في عمليات البنك التي منها الربا الواضح.
فإن قلت لي: ماذا أفعل بأسهم البنوك التي لدي؟ أقول لك: ليس لك إلا رأس مالك، تبيعها وتبيع على البنك الأحوط لا تبيع على مسلم آخر، وتأخذ رأس مالك وتتخلص من الباقي، وأما أسهم الشركات فكانت الفتوى فيها أن الشركة إذا كان عملها مباح كصناعة أو زراعة مثلاً فيجوز المساهمة فيها، لكن إذا اكتشفت أنها تتعامل بالربا فلا يجوز لك أن تساهم، لأن بعض الشركات لا يخاف أربابها من رب العالمين، يضعون أموال الشركة في البنوك ويأخذون الربا ويوزعون منه الأرباح على المساهمين، فإذا اكتشفت ذلك فبع الأسهم ولا تشترك معهم، والعمل في البنوك حرام، والدليل على ذلك: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) والحارس في البنك عمله حرام كما أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء والدليل: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وهو بحراسته يتعاون معهم على الإثم والعدوان.
стр. 5862
حكم العمل مع الشركات المتعاملة مع البنوك الربوية
سأل سائل أهل العلم فقال: إنني أشتغل في قسم محاسبة في إحدى الشركات، وهذه الشركة تقترض من البنك بالربا وأنا آخذ هذا المستند البنكي وأسجله في دفتر مديونيات الشركة، فما حكم عملي؟ فكان
الجواب
أنه حرام لا يجوز، لأنك فعلاً تكتب الربا، والرسول ﷺ يقول: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه).
стр. 5863
حكم الراتب المتقاضى من البنوك الربوية
جاء سؤال إلى اللجنة الدائمة للإفتاء عن رجل يقول: عملت في البنك سبعة أشهر، ثم أخبرني أحد زملائي أن العمل في البنك حرام وأخبرني بالدليل أنه حرام، فتركت البنك والتحقت بالخطوط السعودية، فما حكم الرواتب عن السبعة الأشهر الماضية؟ فأجابت اللجنة بما معناه وملخصه: إذا لم يكن يعلم أنه حرام أصلاً، واشتغل عن جهل في البنك، ثم أتاه إنسان فقال له: يا أخي، هذا حرام والدليل كذا، فلا حرج عليه فيما أخذ؛ لأنه لم يكن يعلم في الرواتب السابقة، ولا يجب عليه التصدق بها، ولو تصدق كان ذلك أفضل، لكن لا يجب عليه، وهذا بخلاف من يعلم سلفاً أن العمل في البنك حرام وهو يعمل فيه.
стр. 5864
حكم تحويل الأموال عبر البنوك
وأما تحويل الأموال عن طريق البنوك فكانت الإجابة فيها: إذا دعت الضرورة إلى التحويل عن طريق البنوك الربوية فلا حرج إن شاء الله؛ لقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] ولا شك أن التحويل عن طريقها من الضرورات العامة في هذا العصر، والمال الذي يأخذونه على التحويل ليس فائدة ربوية، وإنما هو أجرة التحويل، ثم تقول الفتوى: وإن تمكن من التحويل عن طريقٍ مباح غير البنك لم يجز التحويل عن طريق البنوك الربوية.
стр. 5865
مخالفات شرعية في بيع الذهب وشرائه
وأما مسألة بيع وشراء الذهب، فإنه يحدث فيها من المخالفات الشرعية أشياء كثيرة، فمن هذه المخالفات:
стр. 5866
الدين في الذهب
أن يأخذ الذهب ويقول له: أسدد لك غداً، فهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يداً بيد، مثلاً بمثل، سواء بسواء) تعطيه خمسة غرام وتأخذ خمسة غرام في نفس المجلس، أو تأخذ الذهب وتعطيه قيمته بالريالات في نفس المجلس، ولا يجوز أن تقول: أعطيك بعد غد.
وكذلك سأل بعضهم: إنسان أخذ مني مصاغاً بألف ريال وليس معه ما ينقدني، فقلت له: هذا حرام لا بد أن تعطيني الألف الآن، فقال المشتري للبائع: سلفني ألف ريال من الخزينة، فلما سلفه قال: خذ هذا هو الثمن.
فكان
الجواب
لا يجوز إلا نقداً، فإن قال: سلفني، لا يجوز؛ لأنه احتيال على الربا، وجمع بين سلف وبيع، ولا يجوز الجمع بين سلف وبيع في عقد واحد.
стр. 5867
بيع الذهب القديم بالذهب الجديد
كذلك لا يجوز بيع الذهب القديم بالذهب الجديد مع إعطاء الفرق كما سبق أن بينا، وإنما تبيع الذهب القديم وتستلم الثمن ثم تشتري ذهباً جديداً منه أو من غيره بدون اشتراط.
فإن قلت لي: ما هو الفرق؟ أقول لك: اذهب إلى دكاكين الذهب، وعندما تقول له: سأبيعك القديم وآخذ الثمن ثم أشتري منك أو من غيرك سيكون شراؤه منك غير شرائه عندما تقول له: خذ القديم وسأشتري منك جديداً لتعلم أن هناك فرقاً بينهما.
الخلاصة أيها الإخوة: الحالات كثيرة جداً والأسئلة لا تنتهي، وحياتنا معقدة، وقد تداخلت الأمور فيها تداخلاً كبيراً، فعليكم بسؤال أهل العلم، وقد نقلت إليكم طائفة من فتاويهم مقرونة بالأدلة.
اللهم إنا نسألك أن تطهر أموالنا من الحرام، وأن تجعل مكاسبنا وأموالنا حلالاً، اللهم اجعل ما يدخل بيوتنا حلالاً، اللهم اجعل ما نغذي به أجسادنا وأبناءنا حلالاً، وباعد بيننا وبين الحرام، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
أيها الإخوة: ونحن نفرح، وقد أذن الله بعقاب المفسدين في الأرض، من اقتص منهم على أفعالهم الشنيعة في العبث بأمن البيت الحرام، فنحمد الله على هذا التيسير لما يسر به منة وفضلاً منه بالضرب على أيدي أولئك العابثين المفسدين.
اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أراد العبث بأمن هذا البلد وأمن المسلمين فاقمعه واقطع يده واقطع دابره، اللهم اجعلنا في أمن في بيوتنا وشوارعنا وأسواقنا، اللهم ونجنا من عذابك.
стр. 5868
تربية النفس على العبادة
إن الله سبحانه قد امتدح أقواماً بأنهم من العابدين، فأثنى عليهم لاجتهادهم في عبادة ربهم، وجعل الأجر لهم كاملاً موفوراً بما صبروا على عبادة ربهم، وقد ضرب لنا -أيضاً- الأمثال في القرآن من العابدين والعابدات، فحريٌ بالمسلم أن يجتهد في العبادة، وأن يربي نفسه وأهله على العبادة؛ حتى تكون زاداً لهم يوم القيامة.
стр. 5869
طرق تربية النفس على العبادة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وتحيةٌ في هذا المجلس الذي نسأل الله أن يكون زائداً في إيماننا، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا.
أيها الإخوة: موضوعنا الليلة بعنوان: تربية النفس على العبادة.
إن الله قد امتدح أقواماً بأنهم من العابدين، فقال : ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣] فأثنى عليهم لاجتهادهم في عبادة ربهم، وجعل الله الأجر للعابدين كاملاً موفوراً بما صبروا على عبادة ربهم، وضرب الله لنا الأمثال في القرآن من العابدين والعابدات، فذكر لنا من أنبيائه الذين كانوا يسارعون في مرضاته وعبادته رغباً ورهباً وكانوا لله من الخاشعين، ولو أخذنا مثالاً واحداً على نموذج من النماذج وهو مريم ﵍، مريم التي كانت قدوة للعابدين والعابدات في القديم والحديث، التي كانت تقنت وتركع وتسجد، مريم التي وصفها الله بأنها من القانتين: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧] هذه التي اتخذت مكاناً شرقياً، شرق بيت المقدس تعبد الله، وكانت أمها قد نذرتها لخدمة المسجد فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران:٣٥] وأعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم.
ولذلك، ما أحوجنا إلى التأسي بعبادة العابدين! ولا شك أن العبادة شيء شاق ويتطلب كثيراً من الجهد والتعويد والمجاهدة لحمل النفس على العبادة، وتربية النفس على العبادة نتكلم عنها من خلال بعض نقاط ومنها: أولاً: العلم بها.
ثانياً: معرفة فضلها.
ثالثاً: المسارعة إليها.
رابعاً: الاجتهاد فيها.
خامساً: تنويعها.
سادساً: الاستمرار عليها.
سابعاً: عدم إملال النفس منها.
ثامناً: استدراك ما فات.
تاسعاً: رجاء القبول مع خوف الرد.
وكذلك من تربية النفس على العبادة: تعويدها من الصغر، وقراءة سير العباد والزهاد، والانخراط في الأوساط الإيمانية.
стр. 5870
العلم بالعبادة
العلم بالعبادة لا شك أنه ركن مهم لكي تصح؛ لأن العبادة تتحول إلى بدعة إذا كانت بناءً على جهل، فإنه لا يُعبد الله إلا بالعلم، وعلى العلم وبنور من العلم فإذا كانت العبادة من جاهل وقعت في البدع، وهذا هو سبب وقوع الكثيرين ممن أرادوا التعبد لله والتنسك وقعوا في البدع والسبب هو جهلهم.
ولذلك يخشى اللهَ من عباده العلماءُ؛ لأنهم علموا الشريعة وعلموا العبادة، وطبقوا ذلك وما رسوه، وهذا أمر بدهي ومعروف، لا يعبد الله إلا بما شرع، ولا يعبد بالبدع.
стр. 5871
المسارعة إلى العبادة
وأما بالنسبة للمسارعة إليها فإن الله يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] ومرة قال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١].
فأنت ترى أن لفظة المسارعة والمسابقة وكذلك قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] أي: السعي.
ووصف الله عباده الصالحين وهم زكريا وأهله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود في سننه: (التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة) فإنه لا تؤدة ولا انتظار وإنما هو مسارعة ومسابقة، وهذه المسارعة والمسابقة تدل على عمق الإيمان في النفس، فإنه كلما تأصل الإيمان في النفس كان العبد إلى المسارعة في مرضاة ربه أكثر، ولما دنا المشركون من المسلمين في غزوة بدر، قال النبي ﷺ : (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) قال أنس -راوي الحديث والحديث في صحيح مسلم -قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: (يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم.
فقال عمير بخ! بخ!) وهذه كلمة تطلقها العرب لتفخيم الأمر وتعظيمه (بخ بخ! فقال رسول الله: ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها) ما قصدت بهذه الكلمة إلا وأنا أرجو أن أكون من أهل هذه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض.
قال ﷺ وكلامه وحي يوحى: (فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لإن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة) قال: فرمى بما كان من التمر ثم قاتل حتى قتل ﵁.
كانوا يتسارعون إلى طاعة الله، فإذا نادى المنادي وأذن المؤذن وقد رفع أحدهم مطرقته، ألقاها وراء ظهره ثم سارع إلى الصلاة.
стр. 5872
الاستمرار على العبادة
الاستمرار على العبادة: يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي عن ربه : (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) وكلمة: (ما يزال) في هذا الحديث تدل على الاستمرارية، ويقول النبي ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة) وهذه المتابعة تفيد القيام بالشيء تكراراً ومراراً وهذا المبدأ -وهو الاستمرار على العبادة- مهم في تقوية الإيمان وعدم إهمال النفس حتى لا تركن وتأسن، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
ذلك أن بعض الناس إذا سمع خطبة أو شريطاً أو موعظة يتحمس للعبادة، قد يتحمس للعبادة ويستمر في هذا الحماس أياماً، ولكنه بعد ذلك ينطفئ حماسه ويعود إلى سابق عهده من الدعة والكسل عن العبادات والتقاعس عن الأعمال الصالحة.
ولذلك، فإن من التربية أن يعود الإنسان نفسه على الالتزام بقدر من العبادة يداوم عليها من الأعمال المشروعة، أما الواجبات فلا بد من القيام بها دائماً، لكن المستحبات مثل: قراءة القرآن، وذكر الله، ونحو ذلك، لا بد أن يعود الإنسان نفسه على القيام بشيء منها، لما (سئل النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل) أي: أن المسلم مطالب بأن يستمر، وهذا معنى المداومة.
وروى الإمام مسلم ﵀ في صحيحه (أن النبي ﷺ : كان إذا عمل عملاً أثبته فداوم عليه واستمر عليه).
стр. 5873
الاجتهاد في العبادة
أما الاجتهاد في العبادة: فإن الاجتهاد فيها من سيماء الصالحين وصفات عباد الله المقربين، وقد ذكر الله في كتابه من اجتهاد أوليائه في عبادته أحوالاً عدة، فمن ذلك قوله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٥ - ١٦] بالإضافة إلى الصلاة والصيام: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
وقال الله تعالى عن عباده الصالحين أهل الجنة: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٩].
والذي يطلع على حال السلف في تحقيق صفات العابدين، والاجتهاد في العبادات فهو شيء يبعث على العجب والإعجاب، ويقود إلى الاقتداء من أصحاب النفوس السليمة، ألم تر أن رسول الله ﷺ لما سأل أصحابه مرة فقال: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا) وجب أن يجيب؛ لأن النبي ﷺ سألهم وأبو بكر لا يريد المفاخرة بالأعمال ولا الرياء (من أصبح اليوم منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع اليوم منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة).
وفي رواية: (ما اجتمعن في امرئ في يوم إلا دخل الجنة) فإذا كنا نستطيع في يوم من الأيام أن نصبح صائمين، ونتبع جنازة، ونطعم مسكيناً، ونعود مريضاً، فإننا في هذه الحال نشعر ولا شك بنوع من السمو في الإيمان والقوة في الدين بسبب اجتماع العبادات والاجتهاد فيها، ولا شك أن الصديق لما سئل لم يكن مخططاً بأن يقوم بهذه الأعمال من أجل السؤال، وإنما كان ذلك يوماً طبيعياً عادياً من أيام الصديق، وما سبق الصديق الأمة وكان في الفضل بعد نبيها إلا بأشياء من هذا القبيل، وقد كان السلف رحمهم الله تعالى، يجتهدون في العبادة ويملئون أوقاتهم بها، وهذه عبارة كانت تقال عن جماعة من السلف، ومنهم حماد بن سلمة على سبيل المثال، قال فيه الإمام عبد الرحمن بن مهدي ﵀: لو قيل لـ حماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً، فهو بالغ للغاية والنهاية في أعمال البر والعبادة، ولا يستطيع المزيد، لأنه مشبع، ويومه مشبع بأوقات الطاعات والعبادات.
ومن الأمور -كذلك- التي تدل على أن السلف ﵏ كانوا مجتهدين في العبادة، ما نقرأ في سيرهم أنهم كان لهم سبع من القرآن يختمونه كل يوم، هذا حال الصحابة يختمون القرآن في أسبوع سبعة أقسام معروفة، وكانوا يقومون الليل وحالهم معروف في قيام الليل وقراءتهم للقرآن القراءة الكثيرة المتواصلة، حتى إن بعضهم ربما إذا أصبح رفع رجليه على الجدار ليعود الدم إلى الجسم من طول القيام، وكانوا يقومون الليل في ليالي الغزو، ففي الصباح قتال وفي الليل صلاة وقيام، يذكرون الله ويتهجدون، حتى في السجن لو أدخلوهم قاموا يصلون، يصفون أقدامهم، وتسيل دموعهم على خدودهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.
يخادع أحدهم زوجته، كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أنها نامت انسل من لحافها وفراشها لصلاة القيام، وكان بعضهم يقسم الليل على نفسه وأهله، فيوقظ بعضهم بعضاً متتابعين للصلاة، ونهارهم في الصيام، والتعلم، والتعليم واتباع الجنائز، وعيادة المرضى، وقضاء حوائج الناس.
إذاً: أوقاتهم كانت مملوءة بالطاعة وهذا شيء مهم جداً أن تكون الأوقات ممتلئة بالطاعة، لو حصل هذا لو صلنا إلى مراتب عليا، ولوصلنا إلى منازل في غاية الرفعة والسمو، وكان بعضهم يُنفق على عيال أخيه بعد موت الأخ لسنوات، فهؤلاء الذين كانوا يراعون جميع الجوانب من جهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وعبادة وصلاة وقيام، وأمور اجتماعية كالإنفاق على المحتاجين وغيرهم، هؤلاء هم أهل الجنة فعلاً.
стр. 5874
عدم إملال النفس
ومن الأمور كذلك: عدم إملال النفس: فليس المقصود من المداومة على العبادات والاجتهاد فيها إيقاع النفس بالسآمة وتعريضها للملل، وإنما المقصود عدم الانقطاع عن العبادة والموازنة بين الأمرين، وذلك بأن يكلف المسلم نفسه من العبادة ما يطيق ويسدد ويقارب فينشط إذا رأى نفسه مقبلة ويقتصد عند الفتور، يقتصد بمعنى: يمسك الواجبات ويعمل ما تطيق نفسه من المستحبات، ولو كان أقل من أيام النشاط؛ لأنها لقط أنفاس ليتابع العمل بعد ذلك.
وقد قال النبي ﷺ : (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) فإذاً: لا بد من مراعاة النفس إذا أقبلت فأعطها المجال للزيادة؛ لأن النفوس لها إقبال وإدبار، لها ارتفاع وانخفاض كما قال النبي ﵊: (لكل عمل شرة) وفي رواية: (لكل عامل شرة) أي: نهاية عظمى وقمة، (ولكل شرة فترة) تقابلها وتعقبها، وهكذا في ازدياد ونقصان فالإيمان يزيد وينقص، وارتفاع وانخفاض (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) فمن كان في حال فتوره متبع للسنة موافق، بحيث إنه قائم بالواجبات ممتنع عن المحرمات فهذا مهتد (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) من كان في حال فتوره قائم بالواجبات تارك للمحرمات فهذا على خير عظيم.
وقال النبي ﵊: (القصد القصد تبلغوا) الاقتصاد في العبادة، بمعنى: أنه يراعي نفسه، فينشط وقت النشاط ويرتاح في وقت الفتور والتعب؛ لأنه إذا حمل على نفسه حملة واحدة، شق عليها وربما تركت العبادة وانقطع به الحبل، لكن لو أنه يعمل الواجبات ويترك المحرمات، والمستحبات يأخذ ما استطاع منها، إذا نشط زاد، وإذا فتر ارتاح، هذه الطريقة المثلى في العبادة.
وقال البخاري ﵀: باب ما يكره في التشديد في العبادة: عن أنس ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لـ زينب فإذا فترت تعلقت) تقوم وتصلي في الليل، فإذا أصابها الفتور والتعب تعلقت بالحبل لتبقى واقفة وتظل قائمة، فقال النبي ﷺ : (لا -رفض هذا العمل- ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد) حكم وقواعد العبادة مهمة ولا بد من الانتباه لها وإلا فإن عاقبة كثير من الذين يشدون على أنفسهم في فورة الحماس تكون إلى الانقطاع (لا.
حلوه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد).
ولما علم النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل كله ويصوم النهار متتابعاً، سأله فأخبره وأقر أنه هذا ما يفعله، فنهاه ﵊ وعلل ذلك بقوله: (فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك) هجمت عينك أي: غارت أو ضعفت من كثرة السهر، ونفهت نفسك أي: كلت وتعبت وسئمت هذا التواصل المستمر، وقال النبي ﷺ : (عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل).
نحن نقول: إننا لا نشتكي من قضية الذين يشددون على أنفسهم في العبادات بقدر ما نشتكي من المفرطين على أنفسهم من الذين قصروا في العبادات.
أقول مرة أخرى: في هذا الزمن الواقع الذي نعيش فيه نحن لا نشتكي من الذين يشددون على أنفسهم في العبادات بقدر ما نشتكي من قلة العبادات فينا ومن تكاسلنا عن العبادات، وتراخينا في القيام بها، وتقاعسنا عن أدائها، ورغبتنا عنها وعن مواسمها، وكأننا مستغنون عن الأجر، هذا الذي نشتكي منه أكثر، لكن من باب عرض الموضوع فهذا من الشمولية فيه وإلا فإن التقصير عندنا أكثر من الزيادة، الزيادة مضرة لكن نحن نشتكي من التقصير أكثر، ونشتكي من الكسل.
стр. 5875
استدراك ما فات
وكذلك من النقاط في هذا الموضوع المهم جداً؛ لأننا لا يمكن أن ننتصر على عدو ولا أن نواجه بدون عبادة، فمن النقاط استدراك ما فات منه، فعن عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل).
وعن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها، وكان إذا فاته القيام من الليل -بسبب مثلاً غلبته عيناه بنوم أو وجع- صلى ثنتي عشرة ركعة من النهار] يعني: كان يشفع وتره، أي: يزيد ركعة.
وفي رواية: (كان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) ومن الأدلة كذلك: أن أم سلمة -والقصة في صحيح البخاري - جاءها ضيوف من الأنصار، فدخل النبي ﵊ وصلى ركعتين، وهي عندها ضيوف، وكانت لا تريد تركهم، فقالت للجارية: اذهبي إليه فقومي بجانبه فقولي له: تقول لك أم سلمة: إنك نهيت عن الركعتين بعد العصر، وأراك تصليهما، فإن أشار إليك فتأخري عنه، فجاءت الجارية ووقفت بجانب النبي ﷺ وهو يصلي فقالت له هذا الكلام، فأشار إليها فتأخرت الجارية وذهبت، وبعدما فرغ من صلاته جاء إلى أم سلمة فقال: (يا ابنة أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس -أي: بعد الظهر- فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر -السنة الراتبة بعد الظهر- فهما هاتان) هل تركها النبي ﷺ ؟ لا.
وإنما صلاها، وفي هذا الحديث فوائد منها: جواز تكليم المصلي لحاجة وأن الذي يكلم المصلي يقوم بجانبه، لا يتقدم ولا يتأخر.
وكذلك: جواز الإشارة في الصلاة.
وفوائد كثيرة أخرى ذكرها الحافظ ﵀ في الفتح، الشاهد أنه قال لها: (يا ابنة أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) وفي رواية: (وكان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاهن بعده) رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
وهذه الأحاديث تدل على مشروعية قضاء السنن الرواتب، وتدل على مشروعية قضاء صلاة الليل، فقد ذكر ابن القيم ﵀ في صومه ﷺ شعبان أكثر من غيره، لماذا كان ﵊ يصوم أكثر شعبان؟ حتى قالت: بل كله، ذكر ثلاثة أسباب في تعليقه على سنن أبي داود، وابن القيم له تعليق نفيس جداً على سنن أبي داود مطبوع مع شرح الخطابي، يقول: ليس فقه ابن القيم في زاد المعاد فقط، بل في هذا الكتاب فقه عظيم.
يقول: من أسباب إكثار النبي ﷺ من الصيام في شعبان: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فكان ربما شغل عن الصيام أشهراً فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض، كأن يخرج في سفر أو في جهاد أو أنه قد يمرض فلا يصوم ثلاثة أيام من الشهر التي كان يصومها وهو متعود عليها، فكان يقضيها في شعبان.
وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان -وهذا معروف- فلما فاته الاعتكاف مرة لعارض السفر، اعتكف في العام المقبل عشرين يوماً، ولذلك عنون عليه البخاري: الاعتكاف في العشر الأواسط، يعني: أن الاعتكاف في العشر الأواسط، من رمضان -أيضاً- مشروع، إذاً: النبي ﷺ كان إذا فاته شيء لا يضيعه ويتركه لفواته وإنما كان يستدركه، وهذا الاستدراك مهم في الاستمرار على العبادة، والحمد لله أن الشريعة فتحت لنا باب الاستدراك، حتى يحس الإنسان أنه عوض شيئاً فاته.
стр. 5876
رجاء القبول مع الخوف من الرد
وكذلك من الأمور المهمة في العبادة وتربية النفس عليها، رجاء القبول مع الخوف من الرد، فإن بعض الناس إذا عملوا أعمالاً وعبادات أصيبوا بنوع من الغرور أو الاغترار بالعبادة، وشعروا أن فيهم صلاحاً عظيماً، وأنهم صاروا من أولياء الله، ولكن المسلم يخشى ألا تقبل عبادته، فهو يجتهد ويلتزم بالسنة ومع ذلك يخشى على نفسه.
عن عائشة ﵂ قالت: (سألت النبي ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟) -يعني: يعملون أشياء ويخافون من الأعمال السيئة التي فعلوها، يعبدون الله ويتصدقون ويخافون مما عملوا من شرب الخمر والسرقة مثلاً- (قال: لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات) رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
لا يا ابنة الصديق! ليس ما ظننتيه ولكنهم الذي يسارعون في الخيرات منهم، ولكنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون:٦١] الخشية هذه من رد العمل مهمة، والمؤمن يجب أن يعيش بين الخوف والرجاء، مهما كثرت العبادة يخشى على نفسه لربما وقع في عجب أذهب أجره، أو وقع في شيء من الرياء أو الاغترار، ثم إنه مهما عبد فلا يكافئ نعمة البصر، فأي شيء يظن في نفسه؟ ومن صفات المؤمنين: احتقار النفس أمام الواجب من حق الله، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: (لو أن رجلاً يُجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة) كله عبادة متواصلة لا نوم ولا أكل ولا شرب، كله عبادات متواصلة في مرضاة الله لحقره يوم القيامة، يعني: بجانب ما يرى من الواجب عليه في النعم وحق الله يرى أن ما عمله طيلة حياته من يوم ولد إلى يوم يموت يراه لا شيء بجانب حق الله، ولذلك لا يمكن أن يكون المسلم مغتراً بالعبادة مهما كثرت عبادته؛ لأن من عرف الله وعرف النفس، يتبين له أن ما معه من البضاعة لا يكفيه ولو جاء بعمل الثقلين، وإنما يقبله الله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيب عليه بكرمه وجوده وتفضله.
ومن اللفتات الجليلة ما كان يقوله أبو الدرداء ﵁: [لئن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها إن الله يقول: ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) [المائدة:٢٧]] لو علمت أن الله تقبل صلاة واحدة، لكان عندي شيئاً عظيماً، ولشعرت بطمأنينة، ونحن نعمل ولا ندري أيقبل منا أو لا يقبل، لكن يجب أن يكون عندنا حسن ظن بالله أنه يقبلها منا، إذا صليت وصمت يجب أن يكون عندك حسن ظن بالله أنه يقبلها منك، لكن هل تقطع لنفسك أنها قبلت؟ لا.
حسن الظن بالله أنه يقبل، ورجاءً أن يقبل لا يعني: أنك تقطع لنفسك أنه قبلك، فإذا بقيت على هذا الشعور بين الرجاء وحسن الظن بالله أنه يقبل، وبين الخوف من ردها عليك وعدم قبولها، أو حبوطها، لكان المسلم يعمل ويعمل وهو على خير عظيم.
стр. 5877
التنويع في العبادة
وكذلك من الأمور المهمة في تربية النفس على العبادة التنويع في العبادة: التنويع فيها من رحمة الله بنا، أن نوع علينا العبادات، فمنها ما يكون بالبدن كالصلاة، ومنها ما يكون بالمال كالزكاة، ومنها ما يكون بهما معاً، مثل حج بيت الله الحرام، فإنه تجتمع فيه العبادتان المالية والبدنية، ومنها ما هو باللسان كالذكر والدعاء، وحتى النوع الواحد ينقسم إلى فرائض وسنن مستحبة، والفرائض تتنوع والسنن تتنوع، هذه الصلاة فيها فرائض متنوعة في الوقت، وعدد الركعات، وسنن الصلاة متنوعة، فهناك سنن رواتب وهناك ما هو أعلى منها في قول بعض أهل العلم وهو صلاة الليل، ويوجد ما هو أدنى منه وهو مثل صلاة الضحى والأربع التي قبل العصر أي: بين الأذان والإقامة قال ﷺ فيها: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) فهذه سنة، ولكن دون السنن الراتبة -الاثني عشر- في المرتبة.
وإذا التفت إلى هذا النوع من قيام الليل لوجدته أنواعاً متنوعة، فمنه تستطيع أن تصلي واحدة وثلاثاً وخمساً وسبعاً وتسعاً، وإحدى عشرة، تستطيع أن تصلي مثنى مثنى، وفي قول بعض أهل العلم في رواية: (يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً) ووردت رواية: (أنه يصلي خمساً بتشهد وسبعاً بتشهد واحد وتسعاً بتشهد واحد) فإذاً: الكيفيات تتنوع، فالتحيات -الصلاة الإبراهيمية- صيغها متنوعة، ودعاء الاستفتاح متنوع الصيغ.
هذا التنوع يمنع الملل، وهذا من رحمة الله، وكذلك الصيام فيه معنى لا يوجد في الزكاة، والزكاة فيها معنى لا يوجد في الصلاة، والحمد لله أن عبادات هذا الدين ليست نوعاً واحداً ولا متماثلاً وإنما هي متنوعة تنوعاً كثيراً، ولذلك يحصل التجدد في النفس، فلا تمل وتنجذب وتستلذ بالعبادة.
وسبحان الذي جعل أبواب الجنة منوعة على أنواع العبادات، فقد قال النبي ﷺ والحديث في البخاري: (من أنفق زوجين في سبيل الله) -من أي شيء؟ من الإبل أو من البقر أو من الغنم أو من الذهب أو من العبيد- (نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة) الحديث.
أبواب الجنة منوعة، ومنها باب الوالد: (الوالد أوسط أبواب الجنة) كما جاء في حديث أبي الدرداء، يعني: أن بر الوالدين باب من أبواب الجنة، فتنوعت أبواب الجنة على أنواع العبادات، وهناك من يدعى من هذه الأبواب، ومنهم: أبو بكر الصديق ﵁ ولعله مما يفسر ذلك الحديث المتقدم، في عيادة المريض والجنازة وإطعام المسكين والصيام، ما المقصود بباب الصيام وباب الصلاة؟ هل معناها أن المصلين يدخلون من باب الصائمين والذين لا يصلون يدخلون من باب آخر؟ كل هؤلاء الذين يدخلون من هذه الأبواب يدعون -حسب الحديث- يدعون من الأبواب المختلفة، كلهم من القائمين بالواجبات الذين يدخلون الجنة ولا شك، لكن الذي يدعى من باب الريان المكثر من الصيام النفل، والذي يدعى من باب الصلاة: الذين يكثرون من صلاة النفل، والذي يدعى من باب الصدقة المكثر من الصدقة النفل، وإلا فإنهم جميعاً يصلون الفرائض، ويصومون رمضان، ويؤتون الزكاة الواجبة.
ولكن لأن بعض النفوس تستلذ بعبادة دون أخرى، وتميل إلى نوع دون آخر، وقد تزيد فيه وتكثر منه، فالله جعل لهم باباً يدعون منه على حسب العمل الذي قد استكثروا منه في الدنيا، وإلا فجميع من يدعى ممن أدوا الفرائض بطبيعة الحال، وهناك أناس يتقنون فن الجهاد ويحبون الجهاد ولا يتركون سريةً ولا جيشاً إلا يخرجون فيه، وهكذا وأناس اشتهروا ببرهم لآبائهم وأمهاتهم، ملازمين لهم، طائعين لهم بطاعة الله، هؤلاء لهم باب يدعون منه، لكن الجميع قائمون بالواجبات تاركون للمحرمات، هذا واجب عليهم، لكن المكثر من نافلة من النوافل يدعى من بابه يوم القيامة، وهذا التنوع الاستفادة منه في جذب النفس إلى العبادة، لأن بعض الناس -مثلاً- قد يكون له جسم قوي، ويصبر على الجوع، ولا يشعر بألم الجوع كثيراً، فيجد الصيام سهلاً بالنسبة له، وآخر عنده مال كثير فالصدقة سهلة بالنسبة له، وإنسان لسانه سهل الحركة، وكل الألسنة سهلة الحركة لكن عنده أن الذكر مهم، عنده أن الذكر له مرتبة خاصة، مكانة خاصة في نفسه، فهو يكثر منه، فتراه دائماً يذكر الله ولا يمل لسانه من ذكر الله، ولا يفتر لسانه من ذكر الله، ولا يزال لسانه رطباً من ذكر الله، فهذا النوع عنده سهل، فأقول: لا بأس أن الإنسان إذا وجد نافلة من النوافل سهلة عليه أكثر من غيرها، فالأفضل له أن يستزيد منها وأن يكثر منها وهو مبشر بهذا الأجر، وهو الوارد في حديث دعاء أصحاب النوافل من أبوب الجنة التي خصصت لهم، وهناك عبادات للإنسان فيها طعم خاص، ولها أثر خاص في النفس مثل قوله ﷺ في الثلاثة الذين يحبهم الله: (الرجل يلقى العدو في الفئة فينصب له نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسوا الأرض فينزلون، فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم) هذا الرجل أصابه ألم السفر وتعب السفر مثلما أصابهم، لما أحبوا أن يمسوا الأرض، مسوا الأرض ليناموا فإذا به يتوضأ ويقوم للصلاة حتى يوقظهم لرحيلهم، هذا يحبه الله.
(والرجل يكون له جار يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ضعن) إما أن يرحل هو عن جاره أو أن يرحل الجار عنه، أو يموت واحد منهما، فهو صابر على أذى الجار، هذه عبادة لها لذة في النفس وأثر.
أتى النبي ﷺ رجل يشكو قسوة قلبه، فقال له ﷺ : (أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك؛ يلن قلبك وتدرك حاجتك) فالاعتناء باليتيم عبادة لها أثرها في النفس، ولذلك قال: (أتحب أن يلين قلبك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك).
стр. 5878
الإلمام بنصوص الترغيب في العبادة
كذلك من الأمور المهمة في العبادات أو في تعويد النفس وتربيتها على العبادة: الإلمام بشيء من نصوص الترغيب الواردة في العبادة.
فالشريعة لما فتحت الباب للعبادات وحثت عليها، كان من وسائل الحث -أيها الإخوة! - ذكر الأجور، أجور معينة للعبادات؛ لأن النفس تتحمس إذا ذكر الأجر، فلنأخذ على سبيل المثال بعض الأحاديث الواردة في أجور مرتبة على أداء بعض العبادات، ونتمعن فيها لنجد أن ذكر الأجر يحمس النفس ويشجع على العبادة، قال ﵊: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليّ من أن أعتق أربعة) أي: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، تجلس معهم يذكرون الله، ويقرءون القرآن، ويقرءون العلم، هذا أحسن من أن يعتق أربعة رقاب، مع أن عتق الرقبة فيه فضل عظيم.
(من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، حتى الفرج بالفرج) فقال: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الفجر حتى تطلع الشمس أحب إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليّ من أن أعتق أربعة) وقال ﵊: (من توضأ فقال بعد فراغه من وضوئه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) هذه كلمة مثل كفارة المجلس (كتب في رق، ثم جعل في طابع، فلا يكسر إلى يوم القيامة) يجعل في مظروف مختوم لا يكسر إلى يوم القيامة.
وقال ﵊ لإحدى زوجاته: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم) -لأنها من الفجر، وهي جالسة في مكانها تذكر الله حتى طلع النهار- قال: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته).
وفي فضل حفظ القرآن يقول النبي ﵊: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار) الإهاب هو الجلد، ويقصد به جسد الحافظ للقرآن (يأتي القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق، ويزاد في كل آية حسنة).
ومن الأحاديث: الاستعداد ليوم الجمعة، وهذا أمر فرطنا فيه كثيراً يقول النبي ﷺ : (من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع وأنصت ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنة أجر صيامها وقيامها) تكبيرة الإحرام مع الإمام التي تفوت كثيراً من الناس (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب الله له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق).
الجهاد: (لقيام رجل في الصف في سبيل الله ساعة أفضل من عبادة ستين سنة) ويقول ﷺ : (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود).
إماطة الأذى عن الطريق: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس).
عيادة المريض: (ما من امرئ مسلم يعود مسلماً إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار كان حتى يمسي، وأي ساعات الليل كان حتى يصبح) السواك والقيام من الليل: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه) - فم الملك على فم القارئ- (ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك) احتساب الأجر في الخطوات إلى المسجد والتبكير إلى المسجد: قال ﵊: (إذا تطهر الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة - من أجل الصلاة- كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه) يعني: لا تحسب الخطوات في الذهاب فقط بل حتى في العودة، الذي ينتظر بنفسه يرعى الصلاة، ينتظر كالقانت ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه.
стр. 5879
البدء في التعود منذ سن مبكرة
ومن الأمور كذلك: البدء في التعود منذ سن مبكرة للسهولة والاستمرارية؛ لأن الإنسان كلما كبر كثرت شواغله وعمت الصوارف، فإذا تعود من الصغر فإنه يسهل عليه، والآن هناك من كبار السن يعملون أنواعاً من العبادات كالقيام الطويل، والتبكير إلى المسجد ونحو ذلك، ولو نظرت في تاريخهم لوجدت أنهم قد تعودوا على هذه العبادة من سن مبكرة، وهذا ينادي علينا بأن نعود أطفالنا على العبادة منذ الصغر حتى يألفوها، وتستمر معهم سهلة إذا كبروا، وكذلك الشاب عندما يكون طري العود حدث السن، فإن تشكيل نفسه سهل، فإذا تعود العبادة منذ بدء حياته صارت سهلة عليه في المستقبل.
стр. 5880
الانخراط في الأوساط الإيمانية
وكذلك من الأمور: الانخراط في الأوساط الإيمانية، دع عنك قساة القلوب وشلل الأنس، ولكن عليك بالذين امتلأت قلوبهم إيماناً، فإذا ذكر الله وجلت قلوبهم، يحبون القراءة في المصحف، شعارهم قيام الليل، قال ﵊: (إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين) -وأفصحها بضم الراء رُفقة- (بالقرآن حين يدخلون بالليل) إذا دخلوا إلى بيوتهم من المسجد أو من شغل خارج البيت إذا دخلوا يعرفهم بأصواتهم بالقرآن (وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم بالنهار) رواه البخاري، وهذا في فضل الأشعريين.
ومن الأمور كذلك: إذا أذن المؤذن أوقفوا أعمالهم وأنهوا ما لديهم وهرعوا إلى الصلاة، إن بقاء الإنسان فيها لا شك أن فيه تربية لنفسه على العبادة، أما أن يكونوا من المتخلفين عن صلاة الجماعة، وبالذات كانوا دعاة فإنها نقيصة وعيب من العيوب.
стр. 5881
تخصيص وقت من اليوم للعبادة والأذكار
ومن الأمور كذلك ونختم به: أنه لا بد من وجود أوقات للعبادة والأذكار في اليوم، لا تُشغل بأي شيء آخر ولا تزاحم، ولا يصلح الاعتذار بأعمال الدعوة وإنكار المنكر وطلب العلم عن هذه الأوقات ولا يصلح أن نزاحم الأذكار والمواسم بأعمال أخرى هي من العبادة، لكنها تؤدي إلى إسقاط الأذكار والنوافل بالكلية، وقد يطرأ على الإنسان في بعض الأحيان شيء يشغله عن أذكار ما بعد الصلوات أو أذكار النوم أو يفوته شيء من قيام الليل، لكن أنه يشتغل بأشغال ولو كانت من باب الدعوة، أو القراءة بحيث إنها تشغله دائماً عن النوافل والعبادات والأذكار، فتجده دائماً منشغلاً عن الأذكار ليس عنده وقت للدعاء.
فهذا شيخ الإسلام ﵀ كان يخرج بطلابه إلى السوق لإنكار المنكر، ويكسرون آلات اللهو ويشقون جرار الخمر، ويخرج لتنظيم العساكر والجهاد، ويعلم ويعمل أشياء كثيرة، لكن الأمر في حياته كما يقول تلميذه ﵀: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء سقطت قوتي.
وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد لتلك الراحة إلى ذكر آخر.
هذه غدوته، ولو لم أتغد هذا الغداء، ما هو الغداء؟ من صلاة الفجر إلى أن ينتصف النهار ذكر لله، قراءة وذكر ودعاء، لو لم أتغد هذا الغداء سقطت قوتي، ولا يصلح إشغال أوقات العبادات المشروعة بأمور أخرى دائماً، أن يقول إنسان: بعد كل صلاة سأشتغل بشيء آخر، أقرأ في كتب، وينسى أن يقرأ الأذكار، ووقت ورد القرآن لا يصلح أن يُترك ويُشغل بشيء آخر لا بد أن نحافظ على هذه الثوابت في حياتنا، وأقول لشباب الصحوة: لا ينبغي أن تشغلنا الأحداث المتلاحقة عن أداء العبادات، ألم تر أن علياً ﵁ ما ترك الأذكار في ليلة صفين، قالوا ولا ليلة صفين؟ فالنبي ﷺ أوصاه هو وفاطمة أن يسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا الله أربعاً وثلاثين.
قالوا ما تركتها ولا ليلة صفين؟ -ولا في معركة- قال: ولا ليلة صفين، فبعض الشباب إذا طرأت عليهم أحداث وأحوال ينسون الأذكار وينسون الأدعية والصلوات، أقول: إذا حصل يحصل أحياناً، فقد يطرأ على الإنسان طارئ.
فقد قام النبي ﵊ مرة مسرعاً من بعد الصلاة مباشرة لأنه تذكر شيئاً، أما أن الإنسان يكون دائماً في طوارئ وأشياء تشغل عن العبادات، ولا يصبح هناك في اليوم متسع لأذكار الصباح والمساء والنوم وورد القرآن والأدعية، فهذا خطأ.
فهذه -أيها الإخوة- بعض النقاط في موضوع تربية النفس على العبادة.
ونقول مرة أخرى: لا بد من العلم بها، ومعرفة فضلها، والمسارعة إليها، والاجتهاد فيها، والتنويع والاستمرار عليها، وعدم إملال النفس ورجاء القبول مع خوف الرد، واستدراك ما فات منها، وقراءة سير العباد والزهاد، والتعود عليها منذ سنٍ مبكرة، والانخراط في الأوساط الإيمانية، وعدم إشغال أوقات الأذكار والأدعية بأمور أخرى ولو كانت من الصالحات، لأجل ألا تضيع هذه العبادة.
стр. 5882
الأسئلة
стр. 5883
مراجع المحاضرة
السؤال
ما هي المراجع لهذه المحاضرة؟
الجواب
المراجع هي كتب الحديث، وكتب ابن القيم ﵀ وليست مأخوذة من مرجع واحد.
стр. 5884
المقصود بالعلماء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
السؤال
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] من هم العلماء المقصودون، هل هم علماء الفيزياء والكيمياء؟
الجواب
لا.
المقصود علماء الشريعة، وهذا معروف، راجع التفاسير وكلام العلماء.
стр. 5885
دلائل قبول العمل
السؤال
هل هناك دلائل على قبول العمل؟
الجواب
إن من علامة الحسنة الحسنة بعدها، إذا أحسست نفسك بعد العمل أنك مندفع للعمل الآخر، وصلحت أمورك واقتربت إلى الله أكثر، فهذا دليل على قبول العمل.
следующие страницы →