Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
نقائص وعيوب في الشخصيات (ضعف جانب الرجولة)
أيها الإخوة! يوجد في شخصياتنا نقائص وعيوب، فمن ذلك بالنسبة للرجال: ضعف جانب الرجولة، جانب الرجولة من الخصال المهمة، والله وصف خيرة عباده بأنهم رجال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩] والذين اتصفوا بالصفات الحميدة يصفهم بأنهم رجال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] وقال الله عن الذاكرين في المساجد؟ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨] كان أحدهم إذا رفع المطرقة، فأذن المؤذن ألقاها وراء ظهره.
قال أحد السلف: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده يزن للناس خفضه -خفض الميزان، ترك البيع والشراء- وأقبل إلى الصلاة.
قال عمرو بن دينار: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة، وخمروا متاعهم -يعني: غطوا المتاع- فنظر سالم إلى أمتعتهم -دكاكين مغطاة، وأكوام البضاعة مغطاة- فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، متاعه في السوق لوحده، الناس في المسجد، فتلا هذه الآية ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧] ثم قال: هم هؤلاء.
стр. 6302
الرجولة من أسباب الثبات
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣] ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة:٢٣] ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] أنت تقرأ الآية وتتأمل وتتملى في هذا الرجل الذي وصف بالرجولة جاء يسعى ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] أما في قصة موسى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] من هو الرجل الذي يكون من صفاته الشخصية إغاثة الملهوف والسعي إلى نصرة المظلوم وإنقاذ الآخرين -الذين هم في خطر- فذهب إليه خفية مع المشوار بعيد؛ لأنه جاء من أقصى المدينة ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص:٢٠] فإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم، وإنقاذ حياة الدعاة إلى الله ، والسعي في تخليصهم وإبعاد الأذى والشرور والأخطار عنهم، هذه من صفات الرجولة التي ينبغي أن تتصف بها شخصياتنا، الرجولة التي تسبب القيام لله بالحق، وغضبة لله في أماكن المنكرات وإذا انتهكت محارم الله، فإن الرجل يغضب لله، والمرأة كذلك تغضب لله فتغير في مكانها.
стр. 6303
معاني الرجولة عند الناس
مع الأسف إن كثيراً من معاني الرجولة قد فقدت بين الناس، وظن بعضهم أن الرجولة هي تطويل الشوارب وحلق اللحى، أو الأخذ بالثارات وقتل الأبرياء، وبعض الناس يظن أن الرجولة هي التدخين، وبعضهم يظن أن الرجولة هي رفع الصوت والصياح وفرض الرأي بالقوة أو البطش بالعضلات، لكن الرجولة شيء آخر، هذه قضايا ضعف ومعاصي وآثام، فالمهم أن الإسلام يحتاج إلى رجال شخصياتهم قوية، قال عمر: تمنوا.
فتمنى كل واحد شيئاً، قال: لكني أتمنى ملء هذه الحجرة رجالاً أمثال أبي عبيدة، أخوض بهم الغمار، وأحمل بهم الأمم على الإسلام، فالرجولة ليست سناً أكثر مما هي صفات وشمائل وسجايا وطباع.
وماذا نفعت الرجولة الذين قال الله فيهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]؟ وكأني بهذا الدين في هذا الزمان يهتف بأبنائه: أليس منكم رجل رشيد يحملني ويقوم بأمري؟
стр. 6304
تكميل الشخصية المسلمة بالتربية والصقل
شخصياتنا -أيها الإخوة- تحتاج إلى صقل وتربية وتكميل، وتكميلها بتربيتها، فتنظر إلى الجهل الذي في شخصيتك فتحل محله العلم، تنظر إلى القسوة والجفاف الموجود وتحل محله الإيمان والتقوى التي طريقها العبادة وممارسة الشعائر التعبدية والإقبال على الفرائض أولاً (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) وإتباع ذلك بالمستحبات والنوافل ثانياً (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) وهذا هو أشرف حديث في الأولياء، وقد رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى معلقاً في صحيحه، وهو صحيح بمجموع طرقه.
стр. 6305
تكميل الشخصية المسلمة بالتأثر والتفاعل مع الواقع
شخصياتنا إذا أردنا أن نكملها فينبغي أن نحرص على أن تكون هذه الشخصيات شخصيات متأثرة ومتفاعلة، والتأثر والتفاعل ميزة مهمة ينبغي أن توجد في شخصياتنا؛ لأن التفاعل مع الواقع يؤدي إلى الاستفادة والأخذ والتلقي، والتلمذة والتقبل والاقتداء، وهذا مهم في تقدم الشخصيات.
بعض الناس الآن إذا نظرنا في الواقع -وهم قلة- إذا جئته سنة بعد سنة وجدت التغير ملموساً، التقدم حاصل، إجازة بعد إجازة وجدت الرجل علمه زاد، عبادته زادت، أخلاقه ارتفعت وارتقت، وبعض الناس مثلما هو، (مكانك قف!) ما زالوا في نفس المكان، لم يتقدموا في شيء، لا علمهم زاد، ولا أخلاقهم تحسنت، ولا عبادتهم كثرت، فهم لا زالوا في نفس المستوى الذي عهدتهم فيه، كما خبرتهم، هم هم ما تغير فيهم شيء! واعلموا -رحمكم الله- أن وجوه أهل الإيمان والعبادة تزدان وتزداد حسناً وبهاءً، ووجوه أهل الشر والمعصية تسوء وتزداد قبحاً ودمامة، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ﵀ في كتابه العظيم الاستقامة فقال: وأنت ترى وجوه أهل الطاعة إذا تقدموا بالسن وكبروا ازدادت نظرة وجمالاً وعليها نور، وترى أهل المعصية والشر والبدعة يكون أحدهم في مقتبل عمره شاباً وسيماً أو أمرداً جميلاً، لكن لا يزال يواقع الفواحش ويقع فيها ويزاول المنكرات أو يستمر على البدع فيقبح وجهه في الكبر، تراه قبيحاً ذميماً، مع أنك لو رأيت صورته في شبابه ومقتبل عمره؛ لوجدته ربما يكون جميل الخلقة، فهكذا الطاعة تحسن المظهر، والمعصية تشوه المظهر.
ولذلك ترى أكثر أهل البدع حالهم في القبح والدمامة معروف، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى منهم في هذا الكتاب أهل الرفض قال: هم أقبح الناس منظراً، بل أثبت في كلامه أن بعضهم قد مسخوا قردة وخنازير، فقد مسخ الله اليهود قردة وخنازير من آثار المعاصي، وقبح حتى صورهم الظاهرة، ومسخهم في أسوء البهائم منظراً: قردة وخنازير.
نحن نحتاج -كما قلت- إلى قضية التأثر والتفاعل حتى نتقدم، يا أخي! عائشة ﵂ لما حاضت في الحج تأثرت، تظن أنه الأجر فاتها حتى بكت، ودخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، وسألها فأخبرته أنها حاضت، فقال: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، إن حيضتك ليست بيدك) والآن تجد الكثير من الناس يظنون أن الحيض يمنع الإحرام، يقولون: وصلنا الميقات وما أحرمت المرأة التي معنا لماذا يا عباد الله؟ قال: لأنها حائض، لكن الحيض لا يمنع الإحرام.
وكثير من العامة يظنون أن عقد النكاح في الحيض لا يصلح، ولذلك يقولون: هل يجوز أن تعقد وعليها العادة الشهرية؟ نقول: نعم، وما المانع؟ الله حرم الوطء لكن ما حرم العقد، حرم الوطء في الحيض ولم يحرم العقد.
على أية حال تأثرت عائشة ﵂ لهذا، انظر الآن تأثرت بأمر ليس بيدها وليس بتقصير منها، لكن انظر الآن إلى هذه الشخصيات الموجودة في المجتمع، تخرج أوقات العبادات وتفوت مواسم الخيرات، وتذهب فرصة ثمينة للأجر ولا تجد في نفوسهم تأثراً أو ندماً أبداً، مع أن التفريط منهم وما هم مثل عائشة، تلك ﵂ تأثرت وبكت على شيء ليس بيدها، وهؤلاء لا يتأثرون ولا يبكون على تفريط وتضييع واضح مع أن الفرص بأيديهم.
وكذلك الإنسان إذا كانت شخصيته فيها تأثر وتفاعل إذا نبه للخطأ، إذا علم أنه أثم يستحي من الله، يرجع لأن عنده تأثراً، يتفاعل مع الكلام، يتأثر بالنصيحة، بالتوجيه، بالإنكار، لكن الناس إحساساتهم متبلدة، هذا أسامة بن زيد، ذهب يجاهد ويقاتل بسيفه مع صغر سنه رضي الله تعالى عنه، أدرك رجلاً من الكفار، فرفع عليه السيف، فقال الرجل: لا إله إلا الله، لكن أسامة طعنه، فشعر بشيء من الحرج، وحاك في نفسه شيء، ذهب إلى النبي ﵊ فقص عليه القصة، فقال له: (قال: لا إله إلا الله وقتلته؟ قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ) أي: لأن الإسلام يجب ما قبله، قال: تمنيت أنني دخلت الإسلام بعد الحادثة.
قال له في رواية: (فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قلت: يا رسول الله! استغفر لي.
قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: فجعل لا يزيد على أن يقول: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟).
هذا رجل خارج في الجهاد ظن أن فعله صحيح، هذا رجل كافر أنكى بالمسلمين، فرفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله.
وبعض الناس الآن إذا عاتبته على منكر واضح لم يفعله باجتهاد خاطئ لا، وإنما منكر واضح جلي، حكمه وفتاوى العلماء معروفة عنده، لكن تجد أنه لا يتحرك فيه شيء ولا يتأثر، بل قد يستهزئ، وعلى أحسن الأحوال يأتيك باعتذارات باردة أو يقول لك: هذا ليس شأنك هذا هو حالهم إذا أنكرت عليهم منكراً الآن.
فنقول: إن شخصياتنا يجب أن تكون متأثرة، جانب الاستقبال فيها قوي حتى نتقدم ونتفاعل، النبي ﵊ لما جاءه قوم من الأعراب مجتابي النمار، مقطعة ثيابهم، ورأى ما بهم من الفاقة والفقر المدقع؛ تأثر ﷺ وحزن وقام خطيباً بالناس، وأمر بلالاً فأذن وجمع الناس، ثم أمرهم بالصدقة وحثهم عليها، فجاء الناس بصدقاتهم، منهم من جاء بصرة كادت يداه أن تعجز عنها، بل قد عجزت، ومنهم من جاء بما عنده حتى أن بعض الصحابة قالوا: كنا نحامل، أي: يذهبون إلى السوق يشتغلون حمالين -كما ثبت في الحديث الصحيح- واحد ما عنده صدقة، ما عنده مال، والنبي ﵊ قال: (تصدقوا) أمرهم بالصدقة، وهذا ما عنده مال، من أين يأتي بالمال؟ وهو لا يريد أن يفوت الأجر، يريد أن يتصدق وأن يلبي رغبة النبي ﵊ وطلبه، فيذهب إلى السوق ويشتغل حمالاً ويأخذ الأجرة ويتصدق منها أو يتصدق بها! فكان عندهم تأثر لو نصحوا، لو قيل لهم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، انفروا خفافاً وثقالاً للجهاد في سبيل الله؛ لرأيت الاستجابة حاصلة، لكن نحن المشكلة في شخصياتنا أن جانب التأثر والتفاعل ضعيف، وعليه فالاستقبال ضعيف، فمهما جاءت موجات النصائح والإنكار والتعليم لا تجد أثراً، أو أن الأثر ضعيف والموجة مشوشة، فلا نعمل إلا شيئاً يسيراً، وقد نبخل بالأموال مع أن أحدنا إذا أحيل إلى التقاعد، وصار يأخذ راتباً أقل مما كان يأخذه وهو على رأس العمل، أو فصل من وظيفته أو استغني عن خدماته وذهب إلى وظيفة ثانية راتبها أقل؛ يصير مهموماً وحزيناً، ولا بد أن يعمل عملاً آخر لماذا؟ قال: لا أريد زوجتي وأولادي يعلمون أن هناك تغيراً في المستوى المعيشي.
أجل والفقراء والمسلمون والمجاهدون والمنكوبون الذين ليس عندهم مستوى معيشي أصلاً ما هو دورك بالنسبة لهم؟ هذا مستعد أن يعمل عملاً ثانياً وثالثاً، وإضافياً، يفتح مؤسسة ويشتغل من أجل ألا يتغير المستوى المعيشي، هو أصلاً ما ربى أهله على الزهد؛ ولذلك لما اختلف المستوى المعيشي صار عنده نكبة في البيت ومصيبة، وقامت الزوجة والأولاد عليه من جميع الجهات، كيف تخرج الولد من مدرسة خاصة وتدخله مدرسة حكومية؟ كيف تأتي لنا بسلعة من كذا وكذا وأين الذي كنت تأتي به من قبل؟ كيف نشتري تايوانياً وكنا نشتري أمريكياً؟ كيف نفعل فالآن طبعاً الخطأ منه أصلاً؛ لأنه ما عودهم على شيء دنيوي ولا رباهم على الزهد، ولذلك لما تغيرت الأحوال صار هناك ضائقة ومشكلة.
على أية حال أنا أقول: نحن في الأمور الدنيوية نعطي لأنفسنا أحسن الأشياء، ونأكل في أفخر المطاعم، ونطبخ الولائم في المطاعم، نفعل أشياء، نشتري، نبذخ على أنفسنا، لكن إذا دعا داعي الصدقة لغيرنا من المسلمين؛ رأيت الإمساك والشح! معاوية بن الحكم السلمي صحابي جليل، كان في البادية، وجاء ليتعلم عند النبي ﷺ ، وقص عليه قصة، قال: (يا رسول الله! كانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية -موضع بقرب المدينة - فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون -أغضب- لكنني صككتها صكة- رأيت الشاة نقصت من الغنم؛ فضربت الجارية- فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة).
هذا الصحابي تأثر لما لامه الرسول ﵊ على ضرب الجارية، والناس اليوم يضربون الخدم.
يحدثني أحد الأطباء في مستشفى من المستشفيات يقول: يا شيخ! تكلموا في خطبة الجمعة، انصحوا الناس إن عندنا حالات محزنة، خادمات تأتينا فيها كسور، وهذه فيها جروح، والتي تأتي وقد أوشكت على الموت والهلاك مما يفتري بها رب البيت، يعني في الإذلال والإهانة والضرب.
فالشاهد -أيها الإخوة- أن هذا الصحابي الجليل تأثر، واليوم نحن نعتدي ونقسو ونفعل ونفعل، ذلك بلا شك لخلل في شخصياتنا.
стр. 6306
تكميل الشخصية المسلمة بالعلم والعبادة والأخلاق
الشخصية الإسلامية تكميلها -كما قلنا- بالعلم والعبادة والأخلاق والآداب، والعلم كثير، وعلى رأسه العلم بالله وأسمائه وصفاته وتوحيده ، العلم بالإيمان، العلم كيف نعبد الله؟ إذا عرفنا الله بالتوحيد فكيف نعبده؟ فنحتاج إلى تعلم الفقه، فإذا أردنا بعد ذلك أن نعامل الخلق فنحتاج إلى معرفة أحكام البيوع، ومن اغتنى احتاج إلى معرفة أحكام النكاح؛ لأنه سيتزوج.
ولذلك العلماء لما رتبوا أبواب الفقه؛ رتبوها ترتيباً موضوعياً فبدءوها بالإيمان والعقيدة، ثم قالوا: إذا عرف الله؛ يحتاج أن يعرف كيف يعبده، فوضعوا كتاب الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم قالوا: إذا عرف العبادات؛ يحتاج أن يعرف المعاملات، فوضعوا البيوع، ثم قالوا: إذا اغتنى من البيوع؛ إنه يحتاج أن ينكح؛ فوضعوا النكاح بعد البيوع، ثم قالوا: إذا نكح؛ فإنه ربما يطغى ويضرب ويقتل ويجرح؛ فوضعوا كتاب القصاص والحدود والشهادات وما يتبع ذلك.
فالمهم شخصياتنا فيها جهل وتحتاج إلى تكميل بالعلم، فيها قسوة تحتاج إلى أن نهذبها بالعبادات، وفيها اعوجاجات تحتاج إلى تقويم بالأخلاق الحسنة، والآداب في التعامل مع الناس، فإذا كملت الشخصية وصارت شخصية لها هيبة، وهذه الهيبة ضرورية في الدعوة وإنكار المنكر، جاء في صحيح مسلم عن سعيد بن جبير قال: (مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم) يعني: كل سهم خطأ يعطوه لصاحب الطير، طبعاً لا يجوز اتخاذ شيء فيه روح غرضاً وهدفاً (فلما رأوا ابن عمر قادماً تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً).
فالآن شخصية ابن عمر المتكاملة بالعلم والعبادة والدين والأخلاق صار لها هيبة، أي أن تكميل الشخصية يسبب هيبة، هذه الهيبة مهمة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والموضوع سيطول بنا إذا جلسنا نتكلم في تكميل الشخصية الإسلامية، وقد سبق محاضرة بعنوان "وسائل تكوين الشخصية الإسلامية" تكمل هذا الموضوع.
стр. 6307
جوانب يغفل عنها بعض الناس
بعض الناس كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ينتهون عن المحرمات لكن يفرطون في الواجبات، يقول: ما يزني ولا يأكل الربا ولا يشرب الخمر ولا ولا ولكن هناك واجبات مثل صلة الرحم، وحقوق الجار مفرط فيها، هذه من النقائص الموجودة في كثير من الشخصيات، حتى أن بعض المحسوبين على الالتزام تجده لا ينظر إلى النساء، لا يشاهد الأفلام، لا يسمع الأغاني، لا يسبل الثياب، فهو في المحظورات عنده شيء من الاهتمام، لكن في الواجبات مثل صلة الرحم، وبر الوالدين، وحقوق الأخوة، هناك تفريط واضح.
ولذلك أقول: ليس تكميل الشخصية فقط في مسألة الامتناع عن المحظورات وأخذ النقاط القوية، بعض الناس يظن أنه لا بد أن تكون الشخصية فيها نقاط قوة، فيظن أن الرحمة والشفقة والرقة واللين ليست من ضمن نقاط القوة في الشخصية الإسلامية، مع أنها في الحقيقة من ضمن نقاط القوة العظيمة في الشخصية الإسلامية، ولنأخذ عدداً من الأمثلة نختم بها الموضوع، وهذه أشياء نقلها ابن رجب ﵀ في كتابه العظيم جامع العلوم والحكم: كان عند العرب الأوائل عيب على المرأة أن تحلب الشاة، وكان يستقبحون ذلك، ويحلبها الرجل، وإذا غاب الرجل الزوج أو الأب يحلب لهم الجار، فكان أبو بكر الصديق يحلب لأهل الحي أغنامهم، فلما استخلف وصار أمير المؤمنين قالت جارية منهم -يعني من نساء الحي- بعد أن صار أبو بكر خليفة: الآن لا يحلبها.
تقول: لقد صار قائد الدولة وأمير المؤمنين يسير الجيوش ويتحمل المسئوليات هل يلتفت إلى غنمنا ويحلبها؟ الآن لا يحلبها، فسمع بذلك أبو بكر ﵁ فقال: بلى، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله.
وكان عمر ﵁ يتعاهد الأرامل، فيسقي لهن الماء بالليل، رآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل طلحة إلى بيت هذه المرأة نهاراً، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى! صار الواحد الآن إذا وجد أباه أو أمه أو جده مشلولاً لا يزيل عنه الأذى؟ وهذا عمر ﵁ يزيل الأذى عن امرأة عجوز مقعدة عمياء ويأتي لها بما يصلحها، فقال طلحة لنفسه: [ثكلتك أمك يا طلحة! عثرات عمر تتبع!!].
وكان أبو وائل ﵀ يطوف على نساء الحي وعجائزهم كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن.
وقال مجاهد: [صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني] فقضية الرفق والشفقة واللين وخدمة الآخرين بعض الناس يغفلون عنها، ويظنونها ليست من نقاط القوة في الشخصيات، وبالعكس فإنها من نقاط القوة العظيمة في الشخصية.
السلام على الصبيان، في البخاري عن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله.
فأين هذه الشخصيات التي فيها هذا الجانب المتكامل في العلم والعبادة والأخلاق والآداب، وحتى جوانب الرفق واللين والعطف والشفقة والرحمة بالصبيان موجودة؟ فإذاً -أيها الإخوة- هذه الشخصية الإسلامية تحتاج إلى تكميل، وقد ذكرنا أهمية الموضوع وبعض الجوانب التي نحتاجها لتكميل شخصياتنا، واستعرضنا بعض قصص السلف في الموضوع، والجوانب المشرقة في ذلك التاريخ العظيم الذي جله مشرق ونور وضاء، منارات يهتدي بها الخلف من تاريخ وشخصيات السلف.
إن الواقع الموجود الآن -واقع المسلمين- يحتاج في بعض الجوانب والأحوال إلى تخصص، أي: كثرت الثغرات، من جهة العلم هناك نقص في العلم، يحتاج هذا النقص إلى شخصيات تتفرغ للعلم، من جهة الإغاثة هناك حاجة ماسة للإغاثة لدرجة أنها تستدعي تخصص أناس في هذا الجانب، في قضايا الجهاد الحاجة تستدعي لتخصص أناس في هذا الجانب، حتى مساعدة الشباب في الزواج على النساء الخيرات يحتاج إلى تخصص أناس في هذا الجانب، البحث عن عوائل فقيرة، وإنكار المنكر الخ، والسؤال هو: هل التخصص الذي يفرضه وتدعو إليه الحكمة يتنافى مع التكامل المطلوب؟ طبعاً
الجواب
لا يتنافى، والسبب: أن المسلم ينبغي أن يكون عنده حد أدنى في كل شيء، فمثلاً: ما يمكن واحد أن يقول: أنا ما علي من العلم، سأشتغل بالإغاثة أو الجهاد أو مساعدة الفقراء خطأ، يجب أن يكون هناك حد أدنى من العلم وهو ما تصح به عباداتك ومعاملاتك، إذا أردت أن تنكح فإنك تحتاج إلى أن تعرف أحكام النكاح، وإذا أردت أن تبيع؛ ينبغي أن تعرف أحكام البيوع، أما الصلاة فلا بد أن تعرف أحكام الصلاة والطهارة والزكاة، هذه أشياء فيها ممارسة دائمة، وإن كنت قادراً وكان عندك مال؛ تحتاج أن تعرف أحكام الحج، هناك أشياء لا بد أن تعرفها الآن، وهناك أشياء يمكن أن تعرفها في المستقبل إذا احتجت إليها، إذا أردت أن تنكح، إذا أردت أن تطلق، إذا أردت أن تبيع، فتوفر الحد الأدنى في كل جانب مهم، وبذلك تبقى الشخصية الإسلامية في نوع من التكامل، لا يقول أحدنا: أنا أطلب العلم وما علي من الصدقات ولن أتبرع بشيء.
نقول: هذا الذي تقوله خطأ واعوجاج، أين إخراج الشح من نفسك ببذل الصدقات، صحيح أنك لا تذهب للعوائل وتبحث عنها وتوصل الأشياء بنفسك، لكن قدم.
فإذاً: وجود الحد الأدنى يبقي التكامل مع وجود التخصص المطلوب.
ثانياً: لا بد أن نقر بالجوانب الأخرى، يعني صاحب التخصص يقر بالحاجة إلى الأشياء الأخرى، ولا يقول: أنا مجالي فقط ومجال غيري ليس مهماً، لا.
كل واحد يبدع في مجاله بحسب إمكاناته وقدراته التي أعطاها الله إياه، وكذلك يشارك بما يستطيع في الجوانب الأخرى، فمثلاً: المشتغل بالجهاد أو غيره قد توجد لديه أوقات للتعلم فهل يقول: ما دام ليس هناك قتال، فأنا لا أتعلم لأنه ليس من اختصاصي ولا هو من شئوني، هذا شغل العلماءـ لا.
هذا خطأ وانحراف، فنقول: أنت يا صاحب التخصص! ينبغي عليك أن تشتغل في المجالات الأخرى ما دام عندك إمكانية، وما دامت الفرصة متاحة لك، وبذلك نحافظ على أكبر قدر من التكامل المطلوب مع الاختصاص المطلوب.
стр. 6308
الأسئلة
стр. 6309
علاج الشخصيات الهزلية
السؤال
أنا شاب عرف عني الهزل بين الشباب، فما جلست مجلساً إلا ابتليت بداء التعليق، وقد حاولت جاهداً أن أزيلها ولكني وجدت أن الأمر أصبح عادة ولا أستطيع تركها فأرشدني؟
الجواب
الشخصيات الهزلية دليل على خلل في الشخصية، وهذه الطبيعة لها أسباب منها: أن يكون قد نشأ على ذلك في بيته وأهله، فهم كلهم هزليون، وكل مسألة فيها ضحك ونكت، وما هي آخر نكتة؟ إضافة إلى تربية المدارس والفصول والطلاب مع بعضهم البعض، والناس في الدوائر والوظائف فتجدهم يبحثون عن آخر نكتة، فهذا مما يربي الهزل، وكذلك بعض النفوس -لهذه الشخصيات- عندها قدرة على إضحاك الآخرين، فبعض الشباب -مع الأسف- بدلاً من أن يساعدوا أخاهم الهزلي على أن يتخلص من هزليته، يجعلون الفرصة متاحة له أن يكمل فيها هزليته أكثر؛ ولذلك كلما جاء بحركة ضحكوا، كلما جاء بنكتة ضحكوا، وكلما جاء بتعليق أغرقوا في الضحك، فيحس أن له قبولاً بينهم، ولذلك فهو يكثر منها، ثم إن بعضهم قد يقصده للضحك، يذهب إليه يقول له: ما عندك آخر شيء وآخر كذا، وهذا من هنا ينغز، وهذا من هنا، أي: يجعلون فيه مداخل من أجل استجلاب ما عنده من الحركات المضحكة والكلام المضحك، وهذا من خطأ الذين حوله، فهناك مسئولية ملقاة عليه وهي: أولاً: ألا يكذب؛ لأنه ويل لمضحك القوم (ويل لمن يكذب ليضحك به القوم).
وثانياً: ألا يتخذ الإضحاك نفسه ميزته وأن يكون مضحك القوم، فهذه ميزة سخيفة وليست في الحقيقة تقضي على كل جانب جدي في شخصيته، وكيف يتقبل الناس منه علماً حتى يقول: واحد هذا إذا نصحني، والله ما أدري هذا فعلاً سامعها من شيخ أو هذه من ألاعيبه؛ بسبب أنه تكونت عنه فكرة أنه شخصية هزلية.
فإذاً لا يكذب ولا يجعل وظيفته مضحكة قوم.
ثالثاً: أنه لا يقهقه أو يأتي بما يجعل الآخرين يكثرون الضحك فيجعل قلوبهم ميتة؛ لأن كثرة الضحك تميت القلب، وعليه أن يجاهد نفسه ويكون جاداً، ويتجنب أن يتصدر المجالس ويتكلم، وما دام أنه لن يقول خيراً ولكن سيضحك الناس فليسكت، وعلى إخوانه ممن حوله أن يساعدوه على التخلص من هذا، ولا أقصد -طبعاً- أن يصل من مرحلة الهزل والضحك إلى مرحلة العبوس، والجمود والتكشير، وإن كان التكشير صار الآن مفهومه بعكس المعنى "إنا نكشر في وجوه أقوام" أي: يتبسم.
على أية حال لا نريد هذه النقلة المعيبة لكن نريد الاعتدال.
стр. 6310
دعائم الشخصية الإسلامية في هذا العصر
السؤال
ما هي دعائم الشخصية الإسلامية في هذا العصر الذي صارت الأمة فيه مهزومة ويذبحون ذبح النعاج؟
الجواب
أولاً: قضية الوعي لا بد أن تكون متوفرة في الشخصية الإسلامية، وكذلك معرفة ما يدور وما يحاك.
ثانياً: قضية العزة، لا بد أن تكون الشخصية الإسلامية عزيزة، لا تلين لأهل الكفر، ولا تخنع وتذل لأهل بدعة أو تلاطف وتجامل على حساب الدين، لا بد أن يكون هناك عزة، قضية الولاء والبراء من المفاهيم العقدية التي تصون الشخصية الإسلامية وتجعل الإنسان داعية بشخصيته وبأفعاله.
стр. 6311
أسباب الملل والكسل السريع
السؤال
كثير من الناس يسعى لتكميل شخصيته؛ لكن ما يلبث أن يدب فيه الملل والكسل؟
الجواب
من الأسباب: أنه هجم هجمة واحدة قوية أكثر مما يتحمله بدون فترات راحة وتخفيف، وإنما أخذها شدة واحدة، فهو في هذه الحالة سينقطع به الطريق؛ لأنه حمل نفسه أشياء لا تطيقها، فالنفس تتحمل يوماً أو يومين، أسبوعاً أو أسبوعين، شهراً أو شهرين ثم تمل النفس، ولذلك لو أن واحداً لا يقوم الليل أبداً وأراد أن يقوم الليل من هذه الليلة، فأحسن شيء أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وبالنسبة للقرآن الصحابة كانوا يختمونه في أسبوع، فيقول: أنا سأنهيه في أسبوع، ممكن أن يكون مع الحماس والكلام الذي سمعه في الموضوع أو قرأ في الفضائل أن يفعل ذلك في الليلة الأولى، لكن هل تتحمل نفسه هذا؟ لا تتحمل نفسه، ولا تطيق ذلك.
أو يقول: ما هو أفضل الصيام؟ صيام داود، أصوم يوماً وأفطر يوماً، من غد أصوم يوماً وأفطر يوماً، هو ما تعود على الصيام، يريد أن ينتقل إلى هذه المرحلة مباشرة، طبعاً نحن لا نريد أن نميت الهمم ونقول: يا فلان! إن كنت تستطيع أن تفعل فلا تفعل لا.
المستطيع يفعل، النبي ﵊ قال لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (فإنك إن فعلت ذلك؛ نفهت نفسك) تعبت عينك، ونفهت نفسك، أي: كلت وملت.
ولكن يرفق ما دمنا في النوافل، أما الواجبات فليس فيها تنازل أبداً ولا تساهل ولا شيء اسمه تدرج بمعنى: أول شيء نصلي العشاء في المسجد وبعد ذلك نصلي المغرب ثم نصلي العصر ثم نصلي الفجر في الخطة الخمسية إن شاء الله، هذا الكلام لا يصلح، هذه واجبات لا بد من اليوم أن يقوم الإنسان بها، نحن نتكلم عن النوافل ونقول: يرفق الشخص بنفسه ويتدرج.
стр. 6312
حكم طاعة الكافر في مجال العمل
السؤال
هل يجب على الإنسان المسلم طاعة الرجل الكافر في مجال العمل؟
الجواب
نقول: يجوز ذلك إذا كان في مجال العمل، وليس له علاقة في التنازل عن الدين، افرض أنك ابتليت برئيس كافر فقال لك مثلاً: اضغط الزر، اكتب هذا التقرير، احضر اجتماع العمل.
كذلك ليس هناك ارتكاب لمحرم، مثل أن يقول لك: احضر اجتماعاً مختلطاً أو اسمع هذا المقطع الموسيقي، أو مثلاً اكتب هذا الشيء الذي فيه ضرر بالناس أو المسلمين، ففي هذه الحالة يكون هذا حراماً.
نعم أن تسعى لأن تكون أحسن منه أو تكون أنت في مكانه هذا مهم، لكن إلى ذلك الوقت؛ فإن التعامل معهم في حدود العمل المباح جائز.
стр. 6313
حكم الإعجاب بالكفار
السؤال
بعض الناس أصيبوا بالمسخ في الشخصيات نتيجة الإعجاب بالكفار؟
الجواب
صحيح أن بعض شبابنا صار معجباً بالكفار والفسقة، والناس يعجبون بهم، لأنه ليس هناك قدوات بارزة في الساحة، ثم الناس أنفسهم شخصياتهم هزيلة، فصار كل فاسق يعجب به، يسهل عليهم أن ينخدعوا بالفاسق والماجن والمطرب مع أنه إنسان تافه، حتى لو قرأت كلامه أو سيرته الذاتية لوجدته فاشلاً، لماذا دخل الفن والموسيقى لأنه فاشل، لا يستطيع أن يدخل الطب ولا الهندسة ولا العلوم ولا الصيدلة ولا كذا، فاتجه إلى معهد الفن والموسيقى، فصارت حركاتهم ترفع وكلامهم يعرض، فصار الناس لهزالة شخصياتهم يتبعون ذلك.
ثم إني قلت: إن كثيراً من الناس الذين سافروا إلى الخارج والبعثات مسخوا مسخاً، وصاروا خلقاً آخر.
أحدهم ذهب إلى ألمانيا وعاش هناك وتزوج ألمانية، ثم جاء أهله ليزوروه -أمه وأبوه- في ألمانيا بعد سنين طويلة، فقالت له زوجته: اسمع، إذا جلسنا مع بعض؛ فممنوع تتكلم مع أهلك بالعربي، تكلم بالألماني، تسمع أو لا؟ -طبعاً هي قالتها بالألماني تسمع أو لا- فلما حضروا، جاء واستقبلهم في البيت بالألماني، وجلس يحييهم بالألماني، وكان هناك واحد يترجم؛ لأنه مسكين، شخصيته هزيلة ومهزوزة أمام هذه المرأة الكافرة التي تسلطت عليه، فصار المجلس من أضحك ما يكون، هذا يتكلم بالألماني وقريبه يترجم، ثم يرد عليه الأب والأم بالعربي ويترجم المترجم هذا من الأمثلة.
وبعضهم يذهب ثم بعد سنوات يرجع فيقول له الناس: هاه يا فلان! أين صلاة الفجر، الصيام، السحور؟ يقول: لا، أنتم ما عرفتم أن هذا يضعف الخلايا، نحن عرفنا أشياء، هذا الصيام يعمل كذا وكذا، فنقول: صار المسخ في العبادات وكذلك في اللغة، فتراهم يستخدمون لغة الكفار حتى في محادثاتهم الشخصية، لا يوجد كافر في مجلس، فتجد اثنين من الشباب جالسين في المكتب يرطنون بلغة الأعاجم لماذا؟ ما هي المصلحة؟ ما هي الحاجة؟ وكثير منهم يلبس عليه بقضية دعوة الكفار، يقول: لا بد أن نطور لغتنا ونحسن، سأسمع إذاعة كذا وأسمع كذا، وأقرأ آخر كورس لغة، وأقرأ في كتب، وليس هناك شيء من الدعوة.
بعض الناس والله من إخلاصهم ربما يسلم ناس على أيديهم وهم لا يعرفون لغة القوم، لكنه جاء بهذا الكافر إلى إمام المسجد أو على شخص يعرف لغة، أو على مركز توعية الجاليات مع أنه لا يعرف لغة هذا، لكن من إخلاصه أسلم ناس، فهو بلغة الإشارات والكلمات التي يعرفها تسبب في إسلام ناس، وهذا الأخ الذي جاء هنا جالس يقول: أتعلم لغتهم وأسافر إلى الخارج وأتحدث مع الكفار.
يقول: لأن هذه الأشياء "الأكسنت" ما اسمها؟ هل هي هكذا أو لا؟ عندما يقولون اللغة، لا بد أن نكتسبها.
لماذا يا أخي؟ هم يتكلمون بالعربي معنا؟ وإذا تكلموا يتكلموا الفصحى؟ لماذا نحن لا بد أن نتعلم اللكنة ونتكلم مثلهم؟ فالمهم أنا أقول: إنها من جوانب مسخ الشخصية الحاصلة.
стр. 6314
معاملة الكفار بالحسنى والتضييق عليهم
السؤال
كيف نجمع بين قول النبي ﵊: فاضطروهم إلى أضيقه، وبين معاملتهم بالحسنى؟
الجواب
طبعاً هذا يشير إلى حديث (فاضطروهم إلى أضيقه) يعني: إذا مشيت أنت وهو في الطريق، ولا تقول للكافر: تفضل أنت تدخل قبلي أو اخرج قبلي أو يقدم له شيئاً، لا، أنت لا تقدمه في شيء، يقول: كيف نجمع بين هذا وبين معاملتهم بالأخلاق الحسنة؟ نقول: أولاً: إذا كنا نريد أن نعاملهم بالأخلاق الحسنة؛ لا بد أن يكونوا من غير المعادين لنا والمحاربين في الدين ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨] فإذاً الإحسان إليهم ومعاملتهم بالحسنى عندما لا يكون محارباً لنا في الدين.
ثانياً: لا ينبني على ذلك إذلال للمسلم؛ لأن بعض الناس يجعل الإحسان في المعاملة إذلالاً له، يصبح ذلاً للإسلام، يذل الدين في عين الكافر بسبب هذه المعاملة، ليست معاملة بالحسنى.
ثالثاً: أن تعامله بالحسنى في مجال الدعوة؛ لتكسب قلبه، لكن أن تقول: أزوره في بيته، وأحضر معه في مناسباته حتى أكسب قلبه، هذا شيء خاطئ إذا كنت تظن أن هذه المعصية ستؤدي إلى طاعة وهي دعوة، يجب أن تكون وسيلتك في الدعوة شرعية كلين الكلام، تبسمك في وجهه صحيح، وتقديم الحجج والبراهين والمنطق في الكلام الشرعي طبعاً هذا مطلوب.
ثم إكرامه بوليمة أو شيء تدعوه إليه لتكسب قلبه نعم، لكن بعض الناس يفعلون ذلك دون أن يكون له قصد في الدعوة، يا أخي بدل أن تدعو هذا الكافر وتعمل له وليمة انظر إلى إخوانك المسلمين الذين يحتاجون إلى كل قرش فما بالك ترغب عنهم لتعطي ذاك؟ والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 6315
مجالات لخدمة الإسلام
إن دين الله منصور، لكنه يحتاج إلى بذل الأسباب الشرعية القولية والفعلية من قبل الدعاة إلى الله، فلابد لكل داعية وطالب علم أن لا يحتقر نفسه وأن يعرف ما يصلح أن يخدم به الدين، فالدعوة إلى الله لها مجالات متعددة منها ما هو فرض كفائي، ومنها ما قد يتعين على بعض الناس في بعض الأوقات والأماكن وهكذا.
стр. 6316
طاقات معطلة عن العمل للدين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام، هو دين الله القويم، ومنَّ علينا بإرسال أفضل الأنبياء والمرسلين، بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، وداعياً إلى الله بإذنه، فتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وانقضت معظم أوقات المسلمين في البحث عن اللذات، والعمل للدنيا، وانشغل جمهور المسلمين عن الآخرة بأنواع من الملاهي، والشُغل بالنفس، فصار العمل لدين الله قليلاً أو نادراً، فلا شك أن هذه علامة ضعف وخطر، وهي من أسباب تقهقرنا وتخلفنا نحن المسلمين، إننا لا نرى جمهور المسلمين يعملون للإسلام، ولا يحملون هم الإسلام.
ثم إننا إذا نظرنا إلى واقع الدعاة إلى الله أو المحسوبين على قطاع الدعوة إلى الله، والمتمسكين بالإسلام أو الذين ينتسبون إلى التمسك بالدين؛ لوجدنا أن هناك خللاً كبيراً أيضاً وتفريطاً عظيماً، وكما أن هناك غثاء في الأمة فهناك غثاء أيضاً في هذا القطاع الذين ظاهرهم التمسك بالدين.
وذلك أن كثيراً من الشباب قد اتجهوا في الآونة الأخيرة لأنواع من الملاهي والانشغال عن العمل للدين، وصار همهم هو أنفسهم، وعملهم للدنيا، ودراستهم للدنيا، وسعيهم للوظائف، وبناء البيوت وتحصيل الأموال وغير ذلك، والانشغال بالأثاث والمتاع والرياش، وحتى الأماكن التي يذهب كثير منهم إليها، ويسافرون إليها ليست لتحصيل مصلحة في الدعوة لدين الله ولا لتحصيل علم شرعي، ولا لتربية النفس على الطاعة وإنما هي أشياء من ضياع الوقت واللذات، حتى أن كثيراً منهم يذهبون في رحلات للصيد ويصيدون من الدواب أحقرها وأسوأها.
فصارت الهمة متدنية حتى فيما يصيدون، لم تعد كثير من تلك الجموع همها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدعوة إلى الله أو طلب العلم، وتراخى كثير من الذين كانوا من القدوات والعاملين للإسلام في يوم من الأيام حتى صاروا في آخر الركب في مؤخرة الناس، وتحول كثير من الطيبين إلى طاقات معطلة، لا تستفيد منها الأمة ولا تعمل لرفع شأن الدين، وأصيب عدد آخر منهم بالإحباط، وهم يقولون: ما هو السبيل وماذا عسانا أن نفعل؟ وعدد منهم قد أشغلتهم الأحداث عن التمعن في الدين والتفكر فيه وانساقوا وراء أغراض لأعداء الإسلام، انشغال عن حقيقة الدين واتباع للتوافه أو لأشياء يحسبونها عظيمة، وهي عند الله هينة لا خطر لها.
وانطلت خدع أعداء الدين على عدد من هؤلاء؛ فصاروا يهتمون لا أقول بالقشور أو تحسبون أني أتكلم عن السنن؟ لا.
معاذ الله، فإن من صلب ديننا التمسك بالسنة والعمل من أجلها، لكن المسألة -أيها الإخوة- صارت عند كثير من المسلمين وعند كثير من هؤلاء الذين كانوا يعملون للإسلام ويضحون من أجله، صار الانشغال بالتوافه واللعب واللهو، أو الدخول في أشياء من النقاشات والجدل العقيم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
وصارت حتى المجتمعات والأندية التي يجلسون فيها خالية من ذكر الله، ومن العلم الشرعي وطرح الأفكار الجادة والأطروحات التي من شأنها رفع شأن الدين، وصارت القضية خلافات وجدل وأخذ ورد، وتفسخات في الجسد الإسلامي الذي ينبغي أن يكون جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
إن الذي يبحث وراء انشغال الكثيرين بالأمور التافهة أو بالأمور الدنيوية والمتاع الزائل، يجد أنهم لا يشعرون بالواجبات الشرعية التي أوجب الله عليهم القيام بها، الواجبات الدينية غير سائرة في الدماء، وليست خاطرة على البال في الوقت الحاضر، بل كانت تخطر في وقت عند البعض ثم أزيحت الآن، وليس هناك قلق يزعج نفوس هؤلاء وعقولهم إلى التفكير في وسائل جادة لخدمة الدين، ولا شك أن الواجبات الدينية والوظائف الشرعية كثيرة، لكنها غائبة عن أذهان الكثيرين، فمثلاً: من الوظائف الشرعية الإمامة والخطابة، والأذان، والقضاء، والفتيا، والجهاد، وكشف سُبل العدو، والحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله ، والقيام على سد حاجات الفقراء، وإغاثة المنكوبين من المسلمين، فالواجبات الشرعية كثيرة جداً في هذا الزمن؛ لأن الثغرات المفتوحة في المجتمعات الإسلامية عموماً متعددة وواسعة، وتحتاج إلى همم كثيرة وجهود متظافرة للقيام بسد الخلل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ودفع عجلة العمل الإسلامي إلى الأمام، والنهوض بشأن هذا الدين ليعود إلى ممارسة دوره في الواقع.
стр. 6317
فروض الكفاية واهتمام العلماء بها
وهذا يقودنا أيها الإخوة! إلى مسألة مهمة ومفهوم مهم جداً؛ ألا وهو قضية فروض الكفاية، إن كثيراً من الشباب لا يدركون لهذا المفهوم حقه، وربما لم يطلعوا أصلاً على كلام العلماء في هذه القضية، هناك واجبات كثيرة في المجتمع الإسلامي وبلدان المسلمين، كلنا آثمون بتركها جميعاً إلا من سعى للقيام بها، وكأن الواحد يظن أن صلاحه في نفسه أو بعده عن بعض المنكرات والمعاصي هو الواجب عليه، وأنه لا يجب عليه أكثر من ذلك، لا يجب عليه أكثر من الامتناع عن سماع الأغاني، والامتناع عن الإسبال، والامتناع عن بعض المنكرات والمعاصي التي كان يفعلها في السابق، هذا كل ما من شأنه، والمداومة على صلاة الجماعة ومصاحبة بعض الأخيار ممن هو على شاكلته فقط.
لكن المسألة أعمق من هذا بكثير، وكما قال ذلك الرجل الصالح: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦] يا ليت قومي يعلمون بالثغرات الموجودة والواجبات الشرعية في سدها، يا ليت قومي يعلمون بمعنى: فرض الكفاية الذي دندن حوله العلماء كـ ابن تيمية ﵀ والشاطبي والقرافي والموقري والعز بن عبد السلام ونحوهم، هؤلاء العلماء الذين عاشوا في فترة أو في أزمة صار فيها شأن المسلمين إلى تضعضع وانحسار، وشعروا بالثغرات الموجودة فتكلموا في كتبهم، وبالذات مواضع أصول الفقه من كتبهم على هذه الواجبات الشرعية، فروض الكفاية، الذي دعا العلماء إلى توضيحها شعورهم بوجود العجز في الأمة، وشعورهم بوجود الثغرات التي ليس هناك من يقوم بتغطيتها.
ولذلك تكلموا في مسألة فروض الكفاية، والكلام عنها الآن في هذا الوقت من الأشياء المهمة والمهمة جداً؛ لأن الكلام عن فروض الكفاية هو الذي يشعرنا بتخاذلنا، وهو الذي يشعرنا بضعفنا وتقصيرنا فلعلنا نتحمس للقيام بالدور المطلوب.
стр. 6318
تعريف العلماء لفرض الكفاية
العلماء يُعرفون فروض الكفاية: بأنها إيقاع الفعل مع قطع النظر عن الفاعل، المهم أن الفعل يقع، بغض النظر عمن أنجزه، ويقولون: فعل البعض يكفي في سقوط الإثم عن الباقين.
فرض الكفاية: إذا فعله البعض كفى وسقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا كلهم، والذي يقوم بفعل فرض الكفاية مأجور، ويُسقط الإثم عن الباقين.
стр. 6319
أمثلة على فروض الكفاية
ومن الذين تكلموا عن موضوع فروض الكفاية الشافعي ﵀ واستدل بقوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة:٣٩] النفير للجهاد والقيام به واجب، هذا فرض على الأمة يجب أن تقوم به لحماية الثغور ونشر الدين، وتحطيم الطواغيت ومقارعة جيوش الكفر لئلا يكون هناك فتنة ويكون الدين كله لله، ولئلا يوجد عوائق تحول دون انتشار الدين.
الجهاد واجب إذا قام به البعض سقط عن الباقين، استدل الشافعي بقوله تعالى ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة:٣٩] أي: أنه إذا لن تنفر الأمة أثمت كلها، ويعذبهم الله عذاباً أليماً، فهو فرض على الأمة -فرض الكفاية- فرض عام على الأمة يجب أن تقوم به, فإذا قام به بعضهم بكفاية سقط الإثم عن الباقين وثبت الأجر لمن انتدب لإيقاعه وإلا أثم، من الذي يأثم؟ أثم من كان يستطيع القيام به فلم يفعل، لأن بعض فروض الكفاية يوجد من المسلمين أناس عجزة لا يستطيعون القيام بها، فإذا لم تقم الأمة بها أثم الجميع، ولكن من المقصود بالجميع؟ المقصود القادر على أن يقوم بالعمل ولم يقم به، وليس المشلول والأعمى، فإنهما لا يأثمان إذا تركوا الجهاد لأن الله عذرهم، وإذا نفر الكفاية حصل المطلوب وأنُقذت الأمة من الإثم، ومن كلام العلماء في فرض الكفاية: أنه ليس فرض الكفاية أن يقوم به البعض كما اتفق أي: على أي صورة حتى لو لم تكون صحيحة مجزئة، وإنما يجب أن يكون هذا البعض قادراً على تحقيقه، فيمكن مثلاً أن يقوم بعض الناس بإنكار المنكرات، لكن عددهم قليل جداً لا يكفي، فهل يكون الإثم قد سقط عن الباقين؟
الجواب
لا.
ليس القضية أن يقام به بأي طريقة، بل لا بد أن يقام به بطريقة صحيحة كافية تغطي العجز وتقوم بالمطلوب، إن لم يحصل فإن البعض الذين قاموا بالجزء من العمل لا يُسقطون الإثم عن الباقين، هم مأجورون ولكن لأنه مازال يوجد عجز فالباقون كلهم آثمون حتى يقوموا بهذا الواجب.
ومن أمثلة فروض الكفاية التي ضربها أهل العلم مثلاً: صلاة الجنازة، إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، رد السلام إذا رد السلام واحد أجزأ عن الجماعة، وقال الإمام أحمد ﵀ عن فرض الكفاية: واجب على الجميع، ويسقط إذا قام به من تقوم به الكفاية ويأثمون إذا تركوه جميعاً، وهذا الإثم مقيد بالاستطاعة والطاقة فغير المستطيع والقادر لا يأثم، ونص على ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ومن القواعد المهمة في فروض الكفاية -هذا الكلام مقدمة قبل الدخول في مسألة المجالات أو الحقول لخدمة الإسلام- لأن المسألة الآن مهمة في تنشيط الكسالى، وإعادة الذين انحرفوا عن جادة العمل وركنوا إلى الدعة والكسل إلى حقل الدعوة والعمل مرة أخرى، وهذه مسألة مهمة.
стр. 6320
قواعد فروض الكفاية
قواعد فروض الكفاية:
стр. 6321
سقوطه عن العاجز
الأول: أن العاجز يسقط عنه.
стр. 6322
أن فروض الكفاية تتعين على البعض
الثاني: أن فروض الكفاية تتعين على بعض الناس في بعض الأوقات، وذكر شيخ الإسلام ﵀ في المجلد التاسع عشر في: مجموع الفتاوى قال: وفروض الكفايات تتنوع تنوع فروض الأعيان، يعني مثل الفروض التي فيها صلاة وصيام وحج مثلاً، كذلك فروض الكفايات تتنوع بتنوع فروض الأعيان، ولها تنوع يخصها وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره، إذا وجد أحد في موقع ورأى ثغرة في المسلمين يجب عليه أن يقوم بها إذا لم يكن هناك من يقوم بها غيره، ربما تجد منكراً أمامك أنت الذي رأيته، سيفوت لو ذهبت تستدعي غيرك مثلاً، يجب عليك أن تنكر أنت بالقواعد والضوابط الشرعية ما لم يترتب عليه منكر أكبر إلى آخر ذلك، المهم أنه في بعض الأحيان والأوقات يكون فرض الكفاية متعيناً على هذا الشخص المعين في الوقت المعين في المكان المعين.
قال شيخ الإسلام: فقد تتعين في وقت ومكان وعلى شخص وطائفة، قد تكون متعينة على شخص، قد تكون متعينة على طائفة وفي وقت آخر أو مكان آخر على شخص آخر أو طائفة أخرى كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهاد والفتيا والقضاء وغير ذلك.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ بعده كلاماً في المستحبات، وأنها تتنوع بشكل أبلغ، وأنه قد يستحب في حق فلان شيء أكثر مما يستحب في حق فلان، الذي صوته جميل يستحب في حقه الأذان أكثر من غيره، صاحب الحفظ والإتقان في القراءة ومراعاة أحكام الصلاة يتعين في حقه الإمامة أكثر من غيره، وصاحب الفصل بين المتخاصمين والعلم بالقضاء والقدرة على تمييز الحق من الباطل فهذا متعين عليه القيام بالقضاء أكثر من غيره.
الشخص الذي عنده قدرة على الحفظ والفهم يتعين عليه التفرغ لطلب العلم أكثر من غيره، صاحب الرأي السديد في القتال وصاحب النجدة والمروءة والمسارعة والقوة الجسدية والعقلية والمهارات القتالية يستحب في حقه الجهاد أكثر من غيره وهكذا، وحتى صاحب القدرة على التجارة الذي ينفع المسلمين وليس الذي يغوص في التجارة وينسى العلم والدعوة، وينسى الدين! لا.
وإنما صاحب القدرة على القيام بسد حاجة المسلمين من المال بأن يكون ماهراً بالتجارة قادراً عليها مثلاً، فهذا يتعين في حقه أكثر من غيره، من غير المجربين والذين ليس لهم سابق خبرة بالتجارة.
ومن الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀: الجهاد واجب على الكفاية، لكن وجوبه على المرتزقة الذين يُعطون مال الفيء للجهاد أوكد، الجيوش النظامية الإسلامية التي تُعطى من مال الفيء يعطون مرتبات من بيت المال، لأجل التفرغ للقتال، الجهاد عليهم أوكد هذا كلامه ﵀.
فإذاً القضية تتعين على طائفة أو على شخص في زمان أو مكان، هذه القضية تختلف باختلاف الأحوال، وقال ﵀: وكذلك أهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة صورة ومعنى، صورة: أي: يحفظون النصوص، القرآن والأحاديث، والمعنى: الفقه في النصوص، وأهل العلم الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة صورة ومعنى، مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عموماً على الكفاية، واجب عيني على كل مسلم أن يعلم كيف يحج إذا أراد الحج، وكيف ينكح إذا أراد الزواج، وكيف يطلق إذا أراد الطلاق، وكيف يبيع إذا أراد التجارة، هذا واجب عيني على كل واحد أن يعلم، لكن على أصحاب العلم الذين لهم نظر ثاقب وفهم وفقه ودقة وحفظ الإلمام بالأشياء العلمية والتبحر في العلم هذا عليهم أوجب من غيرهم، وجوب ذلك عيناً وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه، أو رزقوا عليه أوجب منه على غيرهم، لأنه واجب بالشرع عموماً، وقد يتعين عليهم لقدرتهم عليه وعجز غيرهم، وهذا من أوجه التعيين.
ويدخل في القدرة استعداد العقل وسابقة الطلب.
وقال شيخ الإسلام ﵀: فروض الكفاية قد يتعين على بعض الناس في بعض الأوقات، ومن قواعد فروض الكفاية: أنه يلزم السلطان ما لا يلزم غيره بشأن فروض الكفايات، أي: واحد عنده قدرة وقوة يلزمه من فروض الكفايات مالا يلزم غيره، هذا شيء طبيعي بدهي، فإن لم يقم به صاحب القدرة أو السلطان وجب على غيره من المسلمين القادرين أن يقوموا به.
ولذلك ابن تيمية ﵀ في وقت غزو التتار قام بعدد من فروض الكفاية مثل إقامة بعض الحدود هو وتلاميذه ﵀، كانوا يجلدون شُرَّابَ الخمور، أقاموا الحدود لما لم تقم في البلد وصارت فوضى؛ نتيجة هجوم التتار وذعر الناس وخوفهم واضطربت الأمور.
كان هو وتلاميذه رحمه الله تعالى ممن يقيمون شرع الله في البلد، وكانوا يقومون بوظيفة السلطان في الحدود؛ لأن أمر الحدود إلى السلطان، لكن لما ذهبت مع ذلك الواقع المختل قام بها شيخ الإسلام ﵀ وتلاميذه، وأقاموا بعض الحدود.
стр. 6323
إذا تزاحمت الفروض قدم أوكدها
وكذلك فإن فروض الكفايات إذا تزاحمت فما هو الحل؟ قال شيخ الإسلام ﵀: إذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما في الوقت نفسه فيقدم أوكدهما إذا صار هناك فرضا كفاية لا تستطيع أن تجمع بينهما أو واجبان عموماً لا تستطيع الجمع بينهما فأنت تقوم بالأوكد والأوجب منهما في هذه الحالة، ولايكون الآخر عليك واجباً، ولذلك لا تأثم بتركه، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا بد من ارتكاب أحدهما، فإنك ترتكب الأدنى لدفع الأسوأ، ترتكب المحرم الأخف لدفع المحرم الأثقل والأسوأ، وفي هذه الحالة لا تكون آثماً بارتكاب المحرم الأخف.
стр. 6324
متى يسقط فرض الكفاية
متى يسقط فرض الكفاية؟ ذكر القرافي رحمه الله تعالى: أنه لا يشترط في فرض الكفاية تحقق الفعل ولكن غلبة الظن تكفي، أي: إذا غلب على ظنك أن هناك طائفة قد قامت به أو شخص آخر قام به سقط عنك، وإذا غلب على ظنك أنه لم يقم به أحد وهذا مفيد في علاج قضايا المنكرات، بعض الناس يقول: ربما يوجد غيري يقوم بها، ربما غيروه وأنا ما أدري، ربما قام به أحد وغيره، نقول: ما الذي يسقط عنك المسئولية أمام الله ؟ إذا غلب على ظنك أن طائفة أو شخصاً قد قام به سقط عنك، وإذا غلب على ظنك أنه لم يقم به أحد فإن التعيين باقٍ عليك، يتعين عليك القيام به.
стр. 6325
أن فرض الكفاية حسب الاستطاعة
وكذلك من قواعد فروض الكفايات: أن فرض الكفاية حسب القدرة والاستطاعة، بعض الناس عنده قدرة أكثر من غيره، ولذلك فإن بعض أصحاب الاستطاعة أو القوة والقدرة يكون إثمهم عند الله ومسئوليتهم أشد من غيرهم من الضعفاء، والدخول في المجالات التي تمكن من القيام بفرض الكفاية إذا تعين طريقاً واجب، يجب الدخول فيها لأجل القيام بفرض الكفاية، وكان هناك عدد من العلماء لهم وجهة نظر في تولي الولايات، مثل: إسماعيل بن علية ﵀ فإنه أخذ ولاية الصدقات، تولى ولاية الصدقات وظيفة في بيت المال، يجمع الصدقات ويصرفها في مستحقيها، هذا اجتهاده ﵀ وإن أنكر عليه من أنكر لكن رأيه دخل فيها لأجل إقامة هذا الفرض، وكذلك خالد بن الوليد لما قُتل الثلاثة الأمراء الذين عينهم النبي ﷺ تقدم هو لسد الثغرة وحمل اللواء كل على حسب طاقته وكل بحسب موقعه.
من الأشياء اللطيفة التي أشار إليها الشاطبي ﵀ في المسألة الحادية عشرة في المجلد الأول من كتاب: الموافقات في مسألة فروض الكفاية، بعد أن ساق الأدلة في قضية فروض الكفاية: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] على أحد المعنيين في تفسير الآية ذكر أن القيام بالشيء هو بحسب القدرة والاستطاعة، وأن الذي يأثم هو صاحب القدرة والاستطاعة إذا لم يقم، واستدل بحديث أبي ذر: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأَمَرَنَّ على اثنين، ولا تولين على مال يتيم) وقال الشاطبي ﵀: وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنها، أي: تولي مال اليتيم من فروض الكفاية لئلا يضيع، وكذلك الإمارة من فروض الكفاية، لا يصبح الناس فوضى لا سراة لهم.
قال: ومع ذلك فقد نهاه عنه، لأنه يعلم أنه لا يطيق القيام بهذه المسئولية، فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذر في حرج الإهمال ولا من كان مثله، يعني: إذا لم يقم بهما العجزة أصلاً على القيام ليس عليهم حرج ولا يدخلون في الحرج، قال: وعلى هذا النهي جرى في تقليل كثير من فروض الكفايات فقد جاء عن مالك أنه سئل عن طلب العلم أفرض هو؟ قال: أما على كل الناس فلا، أي: الزائد عن الفرض العين، كل واحد عليه أن يعلم إذا أراد أن يطلق كيف يطلق، إذا أراد أن يبيع كيف يبيع، لكن طلب العلم كله والتفقه في الدين ليس بفرض، لما سُئل مالك قال: أما على كل الناس فلا، وقال أيضاً: أما من كان فيه موضع للإمامة فالاجتهاد في طلب العلم عليه واجب.
عموماً: الشاطبي ﵀ أشار إلى نكتة بديعة في القضية وهي مسألة تهيؤ الناس لأداء فروض الكفاية، قال: الذين ليس عندهم قدرة للقيام بها يجب عليهم أن يدفعوا غيرهم على القيام، وأن يساعدوا غيرهم للقيام بها، قال: ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام به.
أبٌ ما يستطيع أن يطلب العلم ولمس في ولد من ولده القدرة، إذاً يجب عليه أن يدفعه لهذا لأجل سد الثغرة الموجودة عند الناس في قضية الإمامة في العلم والفُتيا والتعليم، ولذلك قال ﵀: فإذا فُرض أن واحداً من الصبيان ظهر عليه حسن إدراك، وجودة فهم، ووفور حفظ لما يسمع، ميل به نحو ذلك القصد الذي هو طلب العلم، وجهنا الصبي هذا لطلب العلم، وهذا واجب على الناظر فيه من حيث الجملة؛ مراعاة لما يرجى فيه من القيام بمصلحة التعليم، إذاً يجب على ولي الصبي أن يوجهه لهذا المجال إذا أَنَسَ من الولد القدرة، يجب أن يدفعه إلى هذا المجال أو إلى هذا الحقل لأجل أن يغطي في المستقبل، إذاً هذه قضية بعض الأشياء المتعلقة بفروض الكفاية.
وقد كان السلف ﵏ قد قاموا بذلك خير قيام، وكان كل واحد يقوم على قدر طاقته، هذا شبير في معركة القادسية واحد من المسلمين قزم قصير كانوا ربما استهزءوا به، تقدم واحد من فرسان الفرس للمبارزة والتحدي ما خرج إليه أحد، فهذا المسلم القصير قام وخرج حتى ضحك به ذلك الرجل وأمسكه وأنزله من الفرس ودقه في الأرض، ولكن تعلقت قدم ذلك الفارس بشيء فسقط على الأرض فقعد عليه شبير فذبحه بسيفه والناس ينظرون بين تكبيرة المسلمين وتأوهات الفرس الملاعين، كانوا يستشعرون أهمية القيام بالقضية، هذا كان على مستوى الضعفاء.
أما على مستوى الوزراء: انظر مثلاً في ترجمة الوزير ابن هبيرة ﵀ يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسين هذا الرجل العظيم ولد في ربيع الآخر سنة (٤٩٩هـ) وكان معاصر لـ نور الدين الشهيد، والرجل هذا نشأ فقيراً محتاجاً فدخل في بعض أعمال الخليفة حتى صار وزيراً، لكن الرجل هذا ما ضاع في متاهات المناصب والقصور والغنى والثراء، وإنما حافظ على دينه.
ولذلك لما تولى الوزارة مازال يطلب العلم وقد كان يطلبه وهو شاب، وتخرج على عدد من العلماء، صنف كتاباً وهو في الوزارة، وهذا الكتاب المشهور باسم: الإفصاح عن معاني الصحاح، اعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله، بحيث أنفق على ذلك مائة وثلاثة عشر ألف دينار، وحدث به واجتمع خلق عظيم لسماعه عليه، وبُعث إلى الأطراف بنسخ منه حتى السلطان نور الدين الشهيد واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم يدرسون منه في المدارس والمساجد، ويعيده المعيدون ويحفظ منه الفقهاء.
لكنه ما غصبهم عليه أو أنه استغل منصبه لفرض كتابه بالقوة أبداً، لكن كان يستعين بحكم منصبه بالفقهاء ويستقدمهم على نفقته ويتيح المجال لمناقشة ما في الكتاب والتصحيحات، وهو رجل عالم قبل أن يكون وزيراً، وكان هذا الرجل من فقهه يقول: لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء فإن الله سمى هارون وزيراً، وجاء عن النبي ﷺ أن وزيريه أبو بكر وعمر، وقال: (إن الله اختارني واختار لي أصحاباً فجعلهم وزراء وأنصاراً) ولا يصح أن يقال عني: أني سيد فهؤلاء السادة.
وهذا الشخص لما ولي الوزارة وكنيته أبو المظفر ابن هبيرة ﵀، بالغ في تقريب خيار الناس من الفقهاء والمحدثين والصالحين، واجتهد في إكرامهم وإيصال النفع إليهم، وارتفع به أهل السنة غاية الارتفاع، وقال مرة في وزارته: والله لقد كنت أسأل الله تعالى الدنيا لأخدم بما يرزقنيه الله منها العلم وأهله، فسعيه للمال أو المنصب من أجل خدمة أهل العلم، وكان مع كونه وزيراً يُنفق أمواله في سبيل الله.
ولذلك قال مرة: ما وجبت عليَّ زكاة قط، وقال ابن الجوزي: كان يتحدث بنعم الله عليه ويذكر في منصبه شدة فقره القديم فيقول: نزلتُ يوماً إلى دجلة وليس معي رغيفٌ أعبر به، وكان من ورعه لا يلبس ثوباً فيه الإبريسم وهو الحرير على القطن ولو كان مخلوطاً بالقطن، فإن شك في ذلك سل طاقته ونظر في نسجه هل دخل فيه الحرير أم لا! ونظر هل القطن أكثر أم الإبريسم، إذا دخل فيه شيء من الحرير نظر أيهما أكثر، فإن استويا لم يلبسه.
قال: ولقد ذكر يوماً في بعض مجالسه فقال له بعض فقهاء الحنابلة: يا مولانا! إذا استويا جاز لبسه في أحد الوجهين عند أصحابنا، قال: إني لا آخذ إلا بالأحوط، والشاهد أنه كان مُكرماً لأهل العلم ويقرأ عنده الحديث، وعلى الشيوخ في حضوره ويجني من البحث والفوائد ما يكثر ذكره، وكان مقرباً لأهل العلم والدين كريماً طيب الخلق، وكان شديد الإيثار لمجالسة أرباب الدين والفقراء، بحيث كان يقول لبعض الفقراء: لأنت أخي والمسلمون كلهم إخوة، وكان أكثر ما يحضره الفقراء والعميان إذا مد السماط، فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا بقي رجل ضرير يبكي، ويقول: سرقوا مداسي ومالي غيره، والله ما أقدر على ثمن مداسي، وما بي إلا أن أمشي حافياً وأصلي، فقام الوزير من مجلسه ولبس مداسه وجاء إلى الضرير فوقف عنده وخلع مداسه والضرير لا يعرفه وقال: إلبس هذا وأبصره على قدر رجلك؟! فلبسه وقال: نعم.
لا إله إلا الله كأنه مداسي قال: خذه، فأعطاه إياه.
الرجل هذا لما مات رحمه الله تعالى من شدة كرمه وحلمه وخُلقه الحسن وخِدمته للمسلمين غُلقت أسواق بغداد وخرج جمع عظيم في الأسواق وعلى السطوح وعلى شاطئ دجلة وكثر البكاء عليه ﵀.
الشاهد من الكلام: أنهم كانوا يبذلون للدين على قدر طاقاتهم ومناصبهم وولاياتهم واستطاعتهم وأموالهم، وربما يكون الواحد ما عنده شيء فكان يوقف نفسه لأحد العلماء، كما جاء في سيرة القرافي أنه لما دخل بلداً جاءه شاب قال: وقفت نفسي عليك هذا اليوم، ماذا تريدني أن أفعل فعلت، كانوا يعملون ولو لخدمة العلماء إذا لم يجد ما يقدمه قام في خدمة أهل العلم، فهذا يكون مبلغاً في حلقة حديث لأنه صاحب صوت قوي مشترك في التبليغ، الأعرابي يشترك في تثبيت الإمام أحمد، حتى اللصوص في السجن سعوا في تثبيته رحمه الله تعالى، كل واحد كان يبذل ما يستطيع، هذه القضية الغائبة الآن عنا، كل واحد يبذل ما يستطيع.
ابن أم مكتوم الأعمى ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ لما خرج في غزوة قال: أقيموني مع السارية وأعطوني العلم لأني أعمى ما أفر، ما أرى ما حولي أمسك لكم العلم، والشاهد -أيها الإخوة- أننا نحن الآن في مشكلة كبيرة وهي قضية عدم خدمة الإسلام من المواقع التي نحن فيها، والواحد إذا كان في موقع صغير احتقر نفسه قال: مالي شيء ولا أستطيع أن أخدم الإسلام في شيء، احت
стр. 6326
إشارات في بعض مجالات خدمة الإسلام
والآن ندخل في موضوع: فرص لخدمة الإسلام ولنسم هذا الدرس: فرص لخدمة الإسلام.
إشارات سريعة لبعض المجالات التي يمكن للإنسان أن يقدم فيها خدمات للدين، أن يخدم الدين ويقوم بحمل الدين، مع التذكير مرة أخرى.
стр. 6327
طلب العلم
أيها الإخوة! لئلا نحقر أنفسنا الآن لا شك أن أعظم مجالات خدمة الدين طلب العلم، وقد تكلمنا سابقاً في موضوع طلب العلم، وطرق تحصيله والمنهج في ذلك، والحفظ والرحلة وبعض آداب الطلب، ولا شك أن تحصيل الدين والعلم من أعظم الخدمات التي تقدم لدين الإسلام، لأن المسلمين لا يمكن لهم الانتصار مطلقاً وهم يعيشون حالة جهل عام بدينهم، وهناك الملايين الملايين من المسلمين الذي يجهلون أبسط الأشياء والأساسيات في الدين الإسلامي.
فيجب على كل واحد منا أن يقوم بما يستطيع القيام به في التعلم وتعليم الغير، وربما يكون طالب علم في مكان فإذا انتقل إلى قرية صار شيخاً، لما يُوجد من التقصير عندهم.
فعلى الإنسان أن يقدر الأمر حق قدره، وأن يقوم بالمسئولية، وهناك أشياء كثيرة يمكن معرفتها بالكتب، الواحد إذا لم يكن عنده فقه أو لم يكن عنده طاقة في الحفظ، فيمكن أن يعمل أشياء كثيرة يخدم بها العلماء، كما حصل لذلك الشاب مع القرافي ﵀ حيث وقف نفسه عليه، خدمة العلماء، القيام بشئونهم سواء ما يتعلق بالعلم أو بتوفير الوقت لهم لأجل تحصيلهم للعلم والتعلم، وكفايتهم الأرزاق مثلاً أو القيام بشئونهم الخاصة حتى يتوفر لهم الوقت.
وكان مع الإمام أحمد ﵀ محمد بن نوح شاب ما عنده فقه، ليس ذا فقه وعلم كبير، لكن كان مع الإمام أحمد في محنته، كان يصبره ويصبر معه، محمد بن نوح ﵀، ولما مات في طريقه إلى المأمون صلى عليه الإمام أحمد ودفنه، وأثنى عليه ثناءً عاطراً، فالقيام مع أهل العلم في أحوالهم وفي شئونهم فضيلة.
стр. 6328
مساعدة أهل العلم وطلابه
كذلك مساعدة طلبة العلم وأهل العلم -مثلاً- يمكنك يا أخي المسلم! أن تجرد بعض المطولات في الكتب قراءة، ما تحتاج إلى قضية فقه وتثقيف وحفظ لا تطيقه إذا قلت أنني لا أطيقه، واستخراج العبر والعظات وجمعها في أوراق مستقلة وتقديمها لطلبة العلم، يمكنك أن تحضر خطبة أو عناصر موضوع تفيد به طالب علم أو محاضراً أو خطيباً من الخطباء، ألا تستطيع ذلك؟ بلى ولا شك، استخرج القصص في الصدق، القصص في ذم الكذب، القصص في الزهد، القصص في العبادة على سبيل المثال، قصص في تربية الأولاد من سيرة السلف هذا تستخرجه من كتب السير وغيرها.
انظر -مثلاً- إلى الفهرس الموجود في آخر كتاب: نزهة الفضلاء مختصر كتاب: سير أعلام النبلاء، وسر على منواله في تجميع هذه القصص والشواهد والأشياء الجيدة التي تساعد بها غيرك من المفوهين أو القادرين على الإلقاء إذا لم تكن أنت صاحب قدرة على الإلقاء.
وإذا كنت صاحب قدرة على الترجمة من لغة إلى أخرى، فإن عليك القيام بترجمة بعض الرسائل الصغيرة إلى الأعاجم الذين يتكلمون باللغات المختلفة، إذا استطعت، هناك أشرطة عند بعض الجاليات لما راجعها بعض طلبة العلم وجدوا فيها بدعاً وخرافات وشركيات، وتوزع عليهم وتعطى لأجل أنه لا يوجد غيرها، ويأتيكم الحجاج كل سنة مئات الألوف من أنحاء العالم، ماذا فعلنا من أجلهم؟ ماذا قدمنا لهم؟ ماذا خدمناهم في قضية تعليم الدين؟ وهم قد جاءوا إليك لا تكلف أنت بالنفقة للذهاب، حضروا عندك، لو أردت أن تكلمهم تزورهم، ربما تنفق الآلاف المؤلفة والأوقات لتلف حول العالم من أجل أن تزورهم، وهم قد حضروا عندك فماذا فعلنا إذاً لتعليمهم ولتثقيفهم؟ زيارتهم، معرفة ظروفهم، تقديم النصائح التي تصلح شأنهم، مراسلتهم ومواصلتهم بعد الحج.
هناك أيضاً من المجالات العلمية بعض الكتب العلمية التي ليس لها فهارس يمكنك عمل فهارس لها، وهذه قضية لا تحتاج إلى مزيد من العلم أو الفقه حتى تقوم بها، ثم توزع على طلبة العلم الذين عندهم مثلاً هذه الكتب حتى يستفيدوا منها، وأشرطة بعض المشايخ التي شرحوا فيها المتون الفقهية هذه لو أنك قمت بتفريغها وإصلاح شأنها، وعرضها على الشيخ، ولسنا ندعو أبداً إلى قضية تسرع الشباب في التأليف، هذه من الأشياء التي فيها خطر عظيم، أو نقول: أنزلوا إلى ميدان تحقيق الأحاديث والتخريخ، فتخرج علينا بعد ذلك كميات من الأوراق الغثائية المملوءة بالأشياء العجيبة؛ نتيجة لتسرع بعض هؤلاء الشباب في التأليف والكتابة والتحقيق والتخريج وهم ليسوا بأهل ولا درسوا قواعد الجرح والتعديل، ولا تخرجوا على علماء هذا الشأن، علماء الحديث، ثم بعد ذلك يكتب عليه تخريج وتحقيق فلان، فهذا من المصائب، وتكثير الأغلفة والعناوين دون فائدة، وينتج من المفاسد إضاعة كتب كثير من أهل العلم الحقيقية، فنحن نقول: خدمة كتب العلماء أو السعي إلى خدمة العلماء أنفسهم أو طلبة العلم.
هناك مشاريع علمية كثيرة لو أراد الشخص أن يعمل مشاريع علمية يمكن أن يدل عليها، سواء كان طالب علم أو كان إنساناً ما عنده علم لكن يريد أن يخدم في مجال طلب العلم.
وكذلك ترجمة بعض المقالات التي تفيد المسلمين من العلوم الأخرى الطبية أو الإنسانية أو الإدارية التي يسمونها العلوم الإنسانية مثلاً، دون أن يضطر الإنسان إلى الوقوع في معاصي أو يدخل في متاهات، لأن بعض الذين يراجعون هذه الكتب يطلعون على صور منحرفة وسيئة أو مقالات منحرفة، ربما تنطلي عليهم، فيحتاج الإنسان إلى شيء من الثقافة الإسلامية التي تبين له حكم الإسلام في هذه النظريات الوافدة أو الحديثة.
стр. 6329
المشاركة في الدورات العلمية
والمجالات كثيرة إذا أردنا أن نسرد من غير ترتيب، فنقول: المشاركة في الدورات العلمية التي تقام مثل فصل الصيف تقام فيه دروس ودورات علمية، يأتي مشايخ أو علماء إلى المنطقة أو بعض المساجد في بعض المناطق، فأين الناس الذي يزعمون الاهتمام بطلب العلم؟! وأنهم يريدون المنهج لطلب العلم! وأنهم حريصون على طلب العلم! فإذا جاء الشيخ أو العالم وبدأ في تدريس الكتاب رأيت هؤلاء يصدون عنك صدوداً، وقد تبخروا كما يتبخر الماء فوق النار، ويختفي هؤلاء الأشخاص فجأة بعد ما كانوا يطالبون ويلحون يقولون: نريد حِلق علم، نريد مشايخ، نريد علماء يأتون وبعد ذلك يهربون إذا جاء هؤلاء الصادقون المخلصون أو طلبة العلم.
الإنسان يتتلمذ على طلبة العلم إذا ما وجد العلماء، فيحصل خيراً كثيراً، وربما يكون عند بعض طلبة العلم من القدرة على الشرح أكثر مما عند بعض العلماء الكبار، أو ربما يستطيع أن يبسط القضية للمبتدئين بتبسيط جيد، فعند ذلك التخرج على هؤلاء يكون من الأفكار أو الأشياء الصائبة، وتقوم كثير من الهيئات الخيرية الإغاثية أو التي تساعد الفقراء في البلد، يحتاجون إلى تجميع الصدقات وتجميع الطعام من الولائم، والذهاب به إلى هؤلاء الفقراء، وإلى بيوتهم والتعرف على بيوت الفقراء، والقيام بإعانة الهيئات الرسمية في كل ما من شأنه دعم الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 6330
خدمة الحجاج
وكذلك كما سبق أن أشرنا في قضية خدمة الحجاج حتى في غير القضايا العلمية، لما صار هناك زحام في عرفة انتدب بعض الشباب أنفسهم بتوزيع بعض العصير والماء البارد على الحجاج، الحجاج كثيرون جداً، فكان لذلك أثر كبير على الناس، ليست القضية فقط تقديم العلم وإنما حتى تقديم الأشياء الأخرى التي فيها سد جوعة وزوال عطش.
стр. 6331
إهداء الهدايا وتوزيع الكتيبات
وإهداء الهدايا الجميلة كثير من هؤلاء الذين قلنا: أنهم يخرجون إلى البر، ولو كانوا يخرجون لضياع الوقت ولتزجية الوقت ماذا عليهم أنهم لو اصطحبوا معهم من هذه الأشياء الموجودة في المكتبات والمطبوعة ما يفيد الناس في دينهم، وما يستمعون به إلى الدروس المفيدة والمحاضرات القيمة؟ أين هؤلاء الذين يقيمون الدروس لأهلهم في البيت ويشرحون لهم الأحكام المتعلقة بالعبادات كالطهارة والصلاة، ويشرحون لهم شيئاً مبسطاً في العقيدة الإسلامية، ويذكرونهم من خلالها بالتوحيد وما يناقضه من الشرك، ويذكرونهم أيضاً باليوم الآخر؟!! لأنه لا يمكن فصل قضية البعث والنشور والتذكير باليوم الآخر عن مسألة العقيدة فهي من صلب العقيدة، فلا ينصرف الذهن إلى مسائل الأسماء والصفات ونترك قضايا اليوم الآخر لا نذكر بها الناس، لا شك أن هذا قصور كبير في تعليم الناس العقيدة.
стр. 6332
السفر إلى الخارج للدعوة وغير ذلك
كذلك بعض الذين يسافرون إلى الخارج لنقل: إنهم عصاة يسافرون إلى بلاد الكفار للسياحة، لو أنه صنع أشياء لتكفير ذنوبه مثلاً، ونحن لا نحثه على الذهاب أصلاً لكن من باب تكفير بعض الذنوب على الأقل أن يشارك في شيء من دعم المسلمين هناك، أو اصطحاب بعض ما ينفعهم إلى هناك، ثم لو خرج مضطراً لعلاج أو خرج لمصلحة شرعية كدعوة إلى الله مثل بعض الذين يذهبون ليؤمون المساجد في المراكز الإسلامية في رمضان أو في غيرها؛ أو يذهبون مع البعثات العلمية التي توفدها بعض الجامعات في هذا البلد، تقوم جامعة الإمام مثلاً بدور مشكور وعظيم جداً في إرسال البعثات إلى بلاد المسلمين مثل الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي سابقاً أو غيرها.
وأنشطة كثيرة تقوم بها بعض الهيئات الخيرية كما قد تقوم به في ألبانيا وغيرها، وهذه لا شك تحتاج إلى سواعٍ وإلى جهود وطاقات إدارية، وطاقات تنظيمية، وطاقات تجمع التبرعات وتقوم بالاتصالات، وهذه أشياء ينبغي أن يكون هناك شباب يقومون بها، وحتى لو رافق الإنسان أهله في رحلة داخل البلد وذهب معهم للصيد في الطائف أو أبها أو الباحة أو المناطق التي يغشاها الناس لاعتدال الجو فيها فسيلاقي هناك من المصطافين الكثير، وحتى الذين يأتون هنا في أوقات الإجازات إلى الشواطئ يجب أن نستشعر دورنا تجاههم، وأن نقوم بدورنا في النصح والتوجيه وإقامة الصلاة لهم مثلاً بأماكن قد لا توجد فيها مساجد، أو القيام بنصحهم إذا ارتكبوا منكرات، أو ارتفعت الأصوات في الغناء ونحو ذلك، وعقد درس لهم قد يستفيدون منه في تبيان بعض أحكام السفر أو غير ذلك من الأشياء الوعظية.
стр. 6333
سد الثغرات والقيام بالواجب
المسلم خير أينما حل انتفع به، وهو كالشجرة إذا رمي رمى بالتمر، فهو صابر على ما يصيبه من البلاء والأذى من الناس السفهاء من أجل تعليم الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك كثير من القرى والهجر محتاجة إلى إقامة المواعظ والدروس، وهناك مجال للتعاون مع كثير من الهيئات لأجل القيام بما يحتاج إليه هؤلاء، والمساجد قد تحتاج إلى عناية وصيانة، تحتاج إلى تنظيف وإصلاح أشياء، ينبغي أن يكون هناك في كل حي وفي كل مسجد من الناس ممن حوله من يقوم بهذه المهمات، ويوجد هناك حلقات تحفيظ قد يغيب مدرس التحفيظ، يكون هناك من يقوم مقامه، إذا غاب الإمام يكون هناك من يقوم مقامه، إذا غاب الخطيب يكون هناك من يخطب بدلاً منه.
إذاً: سد الثغرة والقيام بما يجب، ومن الخطأ أننا نسمع أحياناً أن جماعة من الناس في مسجد لم يحضر الخطيب، فصلوا صلاة الظهر ما فيهم واحد يستطيع أن يمسك مصحفاً ويصعد المنبر، ويحمد الله ويثني عليه ويتشهد بالشهادتين، ويقرأ آيات من المصحف ويجلس، ويقوم الخطبة الثانية يفعل شيئاً مشابهاً ويدعو للمسلمين وينزل، ومع ذلك تجد تراجعاً عن القيام بمثل هذه الأدوار؛ والسبب ولا شك أنها هزيمة نفسية وعدم جرأة مطلوبة ومحمودة في هذا الموطن، وتخاذل عن القيام بفرض الكفاية.
مسجد في البلد كيف لا تصلى فيه صلاة الجماعة؟ وهناك كثيرون من غير المسلمين من العمال الأجنبيين الموجودين يحتاجون إلى من يكلمهم بلغتهم، ويتحرك بينهم لتوعيتهم، وخصوصاً أنه يوجد عندهم كثير من التقبل، وكذلك المستشفيات التي فيها أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى مزيد من التصبير كأصحاب العاهات والشلل، العاهات المزمنة أو الدائمة، وكذلك ربما يكون هناك مجال للتعاون مع مستشفيات الأمل أو غيرها.
стр. 6334
زيارة الإخوان وطلاب العلم
ماذا بالنسبة للزيارات الأخوية؟ زيارة الإخوان في الله حتى لو كانوا في بلد آخر والتعرف عليهم والتعاون معهم والتناصح، وزيارة المشايخ وطلبة العلم في بيوتهم أو في مكاتبهم، لا شك أن مثل هذه الأشياء مما يُملأ به الوقت وهي فرص لعمل الخير.
стр. 6335
المراسلة عبر الكمبيوتر
وكذلك فإننا نحتاج أيها الإخوة! إلى سد عدد من الثغرات مثل مراسلة بعض الذين يكتبون في ركن التعارف، ونصحهم خصوصاً أنهم في الغالب يريدون تعرف الشاب بالفتاة أو الفتاة بالشاب، وقد آتت كثير من الثمار الدعوية في هذا المجال أكلها، ووجد هناك من الناس من جرب الاتصال بالكمبيوتر عبر جهاز الموديم في بعض الأجانب الذين عندهم أجهزة في بلدان أخرى، ودعوتهم إلى الإسلام وقد أثمرت بعض هذه الجهود.
يوجد أيضاً أيها الإخوة! ثغرات في الأحياء، التعرف على الجيران، جذبهم إلى المساجد، نصحهم وتقديم ما ينفعهم وينفع أسرهم.
стр. 6336
تصميم أشياء شرعية وإخراجها
وعندنا إشكالات في قضايا تحتاج إلى تصميم وإخراج، ما أكثر المنكرات الموجودة في ألعاب الأطفال، وفي أفلام الكمبيوتر، ألا يكون هناك من أولي الألباب من أصحاب القدرة والطاقات المكدسة الموجودة التي تسرح وتمرح وتلعب بالألعاب من يصمم أشياء تنفع أطفال المسلمين من شرح العبادات مثلاً؟ أو عرض تفسير سور قصيرة ونحو ذلك من الأشياء، بدلاً من ترك هذه الأشياء تغزو عبر الأجهزة أدمغة أطفالنا.
стр. 6337
دعوة الأعاجم والتجمعات
وكذلك فإن الإنسان المسلم يمكن أن يُوصل خيره إلى مجموعات كبيرة من العمال الأعاجم إذا أتاهم بواحد فقط منهم، يستطيع أن يتفاهم معه، قد اصطحبه وعقد معه آصرة الأخوة الإسلامية، وقام بتعليمه وإيصال الخير له، وهذا الرجل يكون رسولاً إلى بني قومه، وقد يأتيك بأسئلة من عندهم، وأنت بدورك تتصل بأهل العلم للمجيء بالإجابات عليها، ألا يكون هناك ممن ينتدب نفسه للإتيان إلى محلات الانتظار كصالونات الحلاقة والمستوصفات وأماكن النقل الجماعي والدوائر التي يكون فيها كثرة مراجعين ينتظرون؛ مستشفيات جوازات وغير ذلك، ويقوم بالإتيان بهذه الكتب التي طبعت ورخصت رسمياً، لكي تعطى لهؤلاء الأشخاص ليستفيدوا منها، فيكون هناك نشر عظيم للخير.
هناك من العوائل من يكون لهم ديوانيات أو مجتمعات خاصة للأسرة خاصة بالعائلة، ألا يكون هناك من ينتدب نفسه لعمل مجلة لهذه العائلة، فيها أخبار العائلة والأسرة، ومن سار ومن حضر ومن تزوج ومن توفي ونحو ذلك، ومن سافر ومن رجع ومن تخرج ثم تطعم هذه المجلة بالفتاوى والمقالات المناسبة وأشياء مفيدة وخيرة؟!
стр. 6338
استغلال المناسبات الاجتماعية
وهناك أيضاً مجال للمشاركة في المجلات، كتابة المقالات الإسلامية وإرسالها، هذه أشياء وأشياء كثيرة جداً، وهناك مجال أيضاً لقضية استغلال المناسبات الاجتماعية، كالعقيقة وغيرها وإذا حضر الإنسان يكون مفيداً في المجلس.
بعض الناس إذا أتوا إلى مجلس يكونون في غاية التقوقع، ما يقدم شيئاً ويترك المجال للعابثين لاستلام وإدارة زمام هذا المجلس، وهو قادر على أن يقوم بإلقاء كلمة أو فتح حوار مناسب.
أيها الإخوة! إن هناك عدداً من المناسبات الاجتماعية التي يمكن استغلالها لخدمة الدين وتعليم الناس وعلى الأقل إزالة ما فيها من المنكرات، كولائم الأعراس أو دعوة العقيقة وغيرها، كم نحن نهدي هدايا بمناسبات مختلفة، إذا جاء إنساناً مولود أهديناه هدية، وإذا نزل إنسان بيتاً جديداً أهديناه هدية، وإذا تزوج أهديناه هدية، وإذا رجع من سفر قد تخرج مثلاً أهديناه هدية، لماذا لا نرفق مع الهدية شيئاً مفيداً يقرؤه أو شيئاً طيباً يستمع إليه؟ ويمكن كذلك أن تؤخذ هذه الكميات من الأشياء التي سبقت وأن قرئت، والأشياء التي سبق وأن سمعت وصارت مستخدمة وهي عرضة للتلف لأن تؤخذ ويعاد توزيعها إلى من يستمع إليها ويقرأ فيها، وكذلك فإن الشاب الداعية إلى الله ينبغي أن لا تخلو سيارته أو جيبه من شيء يقدمه لغيره، إذا التقى مفاجأة في مناسبة من المناسبات أو سوق أو دكان ونحو ذلك بما يفيد الآخر، وهذا يعتمد ولا شك على حنكة هذا الداعية وتقديره للواقع، فإنه إذا ذهب إلى مكان يتوقع أن يوجد فيه منكر من المنكرات اصطحب معه فتوىً لأهل العلم في الموضوع نصح بها ذلك الشخص أو قدمها إليه، أو دلالة على خير يدل بها بعض الناس إلى خير، كما إذا زار بعض أرباب الأموال مثلاً قدم إليهم نصيحة عن المجالات التي يمكن أن يضعوا فيها أموالهم في خدمة الدين، والأماكن الموثوقة التي يمكن أن يعطوا تبرعاتهم وزكواتهم وصدقاتهم إليها.
стр. 6339
أصحاب الوظائف ودورهم في الدعوة
ولا ننسى أن هناك كثيراً من الأماكن التي لا يصل إليها النصر ولا يصل إليها الخير، وكأنها موقوفة على أهل الرذيلة والفساد، ولكن إذا كان الإنسان مجتهداً في الدعوة إلى الله فيمكن أن يصل إليها، وأن تكون بؤرة خير، والمدرس في مدرسته يستطيع أن يعمل للإسلام وهو في فصله يعمل للإسلام، والطبيب في عيادته يعمل للإسلام، ويستطيع الموظف في الدائرة أن يعمل للإسلام يستطيع الإنسان في أي موقع من المواقع أن يعمل للإسلام، وأصحاب الوظائف الدينية عليهم المسئولية الكبرى كأئمة المساجد والخطباء الذين لا بد أن يقدموا للناس ما يفيدهم، حتى من الأشياء التي ربما لا تكون شرعية بحتة، وإنما هي داخلة في الدين، لكن ليست مما يتعلق بالعلم الشرعي، كبعض النصائح أو الأشياء المفيدة طبياً واقتصادياً أو اجتماعياً مثلاً.
وكذلك هناك أشياء تحتاج إلى تجارة وضبط كأوقاف المسلمين التي ضاعت في كثير من المحلات والأماكن، وعندنا مجالات واسعة للعمل للدين حتى في الورش والمحلات التي ربما لا يغشاها إلا بعض الناس من أصحاب الأجور المتدنية، أو يعملون فيها، هؤلاء لنا واجب معهم، يذهب الواحد منا لإصلاح سيارته في الورشة أو يشتري طعاماً من المطعم، ونحو ذلك ربما يرى منكراً أو فرصة للخير والأمر بالمعروف يسأل هذا العامل عن اسمه، أمسلم أو كافر، فإن كان مسلماً نصحه بنصيحة أو علمه شيئاً أو سأله عن بعض أحوال بلده.
فربما قال له شيئاً فيه بدعة فعلمه أنها بدعة مثلاً، أو إذا كان كافراً دعاه إلى الإسلام ألقى كلمة: (لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) على الأقل يقيم الحجة.
стр. 6340
المجالات النسائية
وعندنا مجالات كثيرة منها المجالات النسائية، النساء عليهن أيضاً مسئوليات عظيمة، المرأة تعلم المرأة التي لا تجيد تلاوة القرآن، وتعلم المرأة الأخرى تلاوة القرآن حتى لا نقع في حرج أن تجلس أو تتعلم امرأة عند رجل أجنبي ولو من وراء حجاب ثم تزين صوتها وتجوده، نقول: عندنا من النساء من يكون عندها علم بالتجويد وإتقان للتلاوة، على هؤلاء النساء فرصة ومسئولية كبيرة في تعليم النساء الأخريات.
وكذلك الرجال كل واحد يعلم النساء من محارمه طريقة التلاوة الصحيحة وأحكام التلاوة التي لا بد منها، أما أن يوجد عند أمك وأختك وخالتك لحن جلي في القراءة يُفسد المعنى ويغيره، وأنت لا تغير شيئاً ولا تحرك ساكناً فلا شك أن هذا من العجز والتفريط العظيم جداً.
وهؤلاء النساء في مراكز تحفيظ القرآن عليهن واجبات كثيرة، وداخل الأسر والعوائل، يمكن أن تلقى المرأة المتعلمة الملتزمة بالدين درساً لقريباتها، ونشر الحجاب.
المدرسات في المدارس نصائح مهمة جداً ربما تكتشف طالبة عندها عن منكر كصور، مراسلات، معاكسات هاتفية وأشياء من هذا القبيل، يجب عليها أن تقوم بواجب النصح والتحذير وتأليف القلوب على الدين، وأن إهمال القضيةلمجردإلقاء المنهج وأخذ الراتب لا شك أنه قصور عظيم في فهم مسئولية المرأة المسلمة، المسئولية عن هذا الدين: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف: ٤].
следующие страницы →