Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
تصميم أشياء شرعية وإخراجها
وعندنا إشكالات في قضايا تحتاج إلى تصميم وإخراج، ما أكثر المنكرات الموجودة في ألعاب الأطفال، وفي أفلام الكمبيوتر، ألا يكون هناك من أولي الألباب من أصحاب القدرة والطاقات المكدسة الموجودة التي تسرح وتمرح وتلعب بالألعاب من يصمم أشياء تنفع أطفال المسلمين من شرح العبادات مثلاً؟ أو عرض تفسير سور قصيرة ونحو ذلك من الأشياء، بدلاً من ترك هذه الأشياء تغزو عبر الأجهزة أدمغة أطفالنا.
стр. 6337
دعوة الأعاجم والتجمعات
وكذلك فإن الإنسان المسلم يمكن أن يُوصل خيره إلى مجموعات كبيرة من العمال الأعاجم إذا أتاهم بواحد فقط منهم، يستطيع أن يتفاهم معه، قد اصطحبه وعقد معه آصرة الأخوة الإسلامية، وقام بتعليمه وإيصال الخير له، وهذا الرجل يكون رسولاً إلى بني قومه، وقد يأتيك بأسئلة من عندهم، وأنت بدورك تتصل بأهل العلم للمجيء بالإجابات عليها، ألا يكون هناك ممن ينتدب نفسه للإتيان إلى محلات الانتظار كصالونات الحلاقة والمستوصفات وأماكن النقل الجماعي والدوائر التي يكون فيها كثرة مراجعين ينتظرون؛ مستشفيات جوازات وغير ذلك، ويقوم بالإتيان بهذه الكتب التي طبعت ورخصت رسمياً، لكي تعطى لهؤلاء الأشخاص ليستفيدوا منها، فيكون هناك نشر عظيم للخير.
هناك من العوائل من يكون لهم ديوانيات أو مجتمعات خاصة للأسرة خاصة بالعائلة، ألا يكون هناك من ينتدب نفسه لعمل مجلة لهذه العائلة، فيها أخبار العائلة والأسرة، ومن سار ومن حضر ومن تزوج ومن توفي ونحو ذلك، ومن سافر ومن رجع ومن تخرج ثم تطعم هذه المجلة بالفتاوى والمقالات المناسبة وأشياء مفيدة وخيرة؟!
стр. 6338
استغلال المناسبات الاجتماعية
وهناك أيضاً مجال للمشاركة في المجلات، كتابة المقالات الإسلامية وإرسالها، هذه أشياء وأشياء كثيرة جداً، وهناك مجال أيضاً لقضية استغلال المناسبات الاجتماعية، كالعقيقة وغيرها وإذا حضر الإنسان يكون مفيداً في المجلس.
بعض الناس إذا أتوا إلى مجلس يكونون في غاية التقوقع، ما يقدم شيئاً ويترك المجال للعابثين لاستلام وإدارة زمام هذا المجلس، وهو قادر على أن يقوم بإلقاء كلمة أو فتح حوار مناسب.
أيها الإخوة! إن هناك عدداً من المناسبات الاجتماعية التي يمكن استغلالها لخدمة الدين وتعليم الناس وعلى الأقل إزالة ما فيها من المنكرات، كولائم الأعراس أو دعوة العقيقة وغيرها، كم نحن نهدي هدايا بمناسبات مختلفة، إذا جاء إنساناً مولود أهديناه هدية، وإذا نزل إنسان بيتاً جديداً أهديناه هدية، وإذا تزوج أهديناه هدية، وإذا رجع من سفر قد تخرج مثلاً أهديناه هدية، لماذا لا نرفق مع الهدية شيئاً مفيداً يقرؤه أو شيئاً طيباً يستمع إليه؟ ويمكن كذلك أن تؤخذ هذه الكميات من الأشياء التي سبقت وأن قرئت، والأشياء التي سبق وأن سمعت وصارت مستخدمة وهي عرضة للتلف لأن تؤخذ ويعاد توزيعها إلى من يستمع إليها ويقرأ فيها، وكذلك فإن الشاب الداعية إلى الله ينبغي أن لا تخلو سيارته أو جيبه من شيء يقدمه لغيره، إذا التقى مفاجأة في مناسبة من المناسبات أو سوق أو دكان ونحو ذلك بما يفيد الآخر، وهذا يعتمد ولا شك على حنكة هذا الداعية وتقديره للواقع، فإنه إذا ذهب إلى مكان يتوقع أن يوجد فيه منكر من المنكرات اصطحب معه فتوىً لأهل العلم في الموضوع نصح بها ذلك الشخص أو قدمها إليه، أو دلالة على خير يدل بها بعض الناس إلى خير، كما إذا زار بعض أرباب الأموال مثلاً قدم إليهم نصيحة عن المجالات التي يمكن أن يضعوا فيها أموالهم في خدمة الدين، والأماكن الموثوقة التي يمكن أن يعطوا تبرعاتهم وزكواتهم وصدقاتهم إليها.
стр. 6339
أصحاب الوظائف ودورهم في الدعوة
ولا ننسى أن هناك كثيراً من الأماكن التي لا يصل إليها النصر ولا يصل إليها الخير، وكأنها موقوفة على أهل الرذيلة والفساد، ولكن إذا كان الإنسان مجتهداً في الدعوة إلى الله فيمكن أن يصل إليها، وأن تكون بؤرة خير، والمدرس في مدرسته يستطيع أن يعمل للإسلام وهو في فصله يعمل للإسلام، والطبيب في عيادته يعمل للإسلام، ويستطيع الموظف في الدائرة أن يعمل للإسلام يستطيع الإنسان في أي موقع من المواقع أن يعمل للإسلام، وأصحاب الوظائف الدينية عليهم المسئولية الكبرى كأئمة المساجد والخطباء الذين لا بد أن يقدموا للناس ما يفيدهم، حتى من الأشياء التي ربما لا تكون شرعية بحتة، وإنما هي داخلة في الدين، لكن ليست مما يتعلق بالعلم الشرعي، كبعض النصائح أو الأشياء المفيدة طبياً واقتصادياً أو اجتماعياً مثلاً.
وكذلك هناك أشياء تحتاج إلى تجارة وضبط كأوقاف المسلمين التي ضاعت في كثير من المحلات والأماكن، وعندنا مجالات واسعة للعمل للدين حتى في الورش والمحلات التي ربما لا يغشاها إلا بعض الناس من أصحاب الأجور المتدنية، أو يعملون فيها، هؤلاء لنا واجب معهم، يذهب الواحد منا لإصلاح سيارته في الورشة أو يشتري طعاماً من المطعم، ونحو ذلك ربما يرى منكراً أو فرصة للخير والأمر بالمعروف يسأل هذا العامل عن اسمه، أمسلم أو كافر، فإن كان مسلماً نصحه بنصيحة أو علمه شيئاً أو سأله عن بعض أحوال بلده.
فربما قال له شيئاً فيه بدعة فعلمه أنها بدعة مثلاً، أو إذا كان كافراً دعاه إلى الإسلام ألقى كلمة: (لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) على الأقل يقيم الحجة.
стр. 6340
المجالات النسائية
وعندنا مجالات كثيرة منها المجالات النسائية، النساء عليهن أيضاً مسئوليات عظيمة، المرأة تعلم المرأة التي لا تجيد تلاوة القرآن، وتعلم المرأة الأخرى تلاوة القرآن حتى لا نقع في حرج أن تجلس أو تتعلم امرأة عند رجل أجنبي ولو من وراء حجاب ثم تزين صوتها وتجوده، نقول: عندنا من النساء من يكون عندها علم بالتجويد وإتقان للتلاوة، على هؤلاء النساء فرصة ومسئولية كبيرة في تعليم النساء الأخريات.
وكذلك الرجال كل واحد يعلم النساء من محارمه طريقة التلاوة الصحيحة وأحكام التلاوة التي لا بد منها، أما أن يوجد عند أمك وأختك وخالتك لحن جلي في القراءة يُفسد المعنى ويغيره، وأنت لا تغير شيئاً ولا تحرك ساكناً فلا شك أن هذا من العجز والتفريط العظيم جداً.
وهؤلاء النساء في مراكز تحفيظ القرآن عليهن واجبات كثيرة، وداخل الأسر والعوائل، يمكن أن تلقى المرأة المتعلمة الملتزمة بالدين درساً لقريباتها، ونشر الحجاب.
المدرسات في المدارس نصائح مهمة جداً ربما تكتشف طالبة عندها عن منكر كصور، مراسلات، معاكسات هاتفية وأشياء من هذا القبيل، يجب عليها أن تقوم بواجب النصح والتحذير وتأليف القلوب على الدين، وأن إهمال القضيةلمجردإلقاء المنهج وأخذ الراتب لا شك أنه قصور عظيم في فهم مسئولية المرأة المسلمة، المسئولية عن هذا الدين: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف: ٤].
стр. 6341
السفر إلى بلاد أخرى ومجال الدعوة فيها
ونحن ندخل المحلات التجارية وقد يكون فيها أشياء كثيرة تحتاج إلى نصح أصحابها أو استبدالها بأشياء طيبة فلا نتكلم ولا ننبس ببنت شفة، لا شك أن ذلك من الأشياء التي تُوجع القلب، عندما تحين الفرصة للسفر إلى بلاد أخرى فيها جاليات إسلامية لنصحهم، وهذه مهمات فبعض الناس عنده هواية للسفر، نقول: هناك مجالات للسفر إلى بلاد المسلمين فيها جهل عظيم تحتاج إلى إغاثة وعمل مشاريع ولو صغيرة، تحتاج إلى إقامة دروس، الذين طافوا تلك البلدان تأثروا جداً باستقبال أهلها لهم عندما علموا أنهم من بلاد الحرمين ومهبط الوحي، وتأثروا لما قدموا لهم من النصائح وتجمعوا عليهم بأعداد كبيرة يسألون عن أشياء في أساسيات الدين.
فإذا كان هؤلاء عندهم قدرة وعندهم رغبة في الإفادة فعلاً، ويقولون: لابد من السفر نقول: إذاً اذهبوا إلى تلك الأماكن فإن في العمل فيها خير عظيم جداً، ولو اصطحب معه بعض التبرعات لإقامة مسجد أو حفر بئر أو عمل شيء، المشاركة مع غيره في خدمة طبية أو علاج اصطحب معه من الأدوية المتداولة التي لا شك أن الناس يحتاجون إليها في كل مكان، كأدوية الحرارة والصداع مثلاً وغير ذلك.
ألا يكون في تقديمها أيضاً أجر ومساعدة وسبق لنشاط الجمعيات التنصيرية في بلدان المسلمين؟!! هذه الجهود ولو كانت بسيطة وفردية، لكن الله يبارك فيها ولا شك أيها الإخوة.
وكذلك فإن الإنسان المسلم يحاول دائماً أن يبرز الخير، وأن يعلن عن دين الإسلام وعن الأحكام الشرعية، إذا جاءت مناسبات عشر ذي الحجة، رمضان، عاشوراء، يوم عرفة، أشياء فيها فضائل يحتاج الناس فيها إلى تذكير في المساجد أو غيرها، وإعطاء الناس ما كتبه أهل العلم في فضائل هذه الأيام مثلاً، نحن الآن مقبلون على عشر ذي الحجة، إشاعة أهمية عشر ذي الحجة بين الناس، وأجر العمل في هذه العشر، والناس كثير منهم فيهم خير أو رغبة في الخير أو على الأقل يفتحون لك المجال للكلام، يستمعون إليك.
فأين عملك أنت في هذه المناسبة؟! كل واحد في موقعه، نكون في مواقع مختلفة، يمكن أن نذكر في تلك المواقع أناساً يحتاجون للسؤال عن أشياء من الدين لا يجدون، لكن أنت لو فتحت المجال وسألوا وأنت تنقل لهم فتاوى أهل العلم.
стр. 6342
لا تحتقر الجهود والدعوات العامة
وأعود وأقول أيها الإخوة! لا يصح أن نحتقر أنفسنا أو مجهوداتنا، ويجب أن نقدم، وهذه قصة شاب أبكم لا يتكلم، قصة لا شك أن فيها عبرة، كان يذهب إلى أماكن الورش، الأماكن التي فيها الصناع والعمال من هؤلاء المسلمين الذين كثير منهم لا يعلمون أشياء كثيرة عن الدين، فيعطيهم ما تيسر من الأشياء المقروءة والمسموعة التي فيها مواعظ والتي فيها تذكير وتعليم، وفي يوم من الأيام ذهب إلى ذلك المكان؛ ليقدم ما عنده فخرج إليه عامل ذو لحية واعتنقه وقبله وقال: ألا تعرفني ألا تذكرني أنت مررت بي ذات يوم وأعطيتني شريطاً قبل فترة طويلة، وكان سبب هدايتي، وهذا شاب أبكم كلامه عسير لا يتكلم، لكن شعوره بواجب التبليغ وواجب الدعوة دفعه إلى أن يقدم شيئاً.
نعود للمسألة ونقول: ماذا قدمنا للإسلام؟ هل قيامنا بهذه الفروض الكفائية موجود؟ وقد رغب في عرض بعض الأصول الشرعية للمسألة حتى لا يظن بعض الناس أن المسألة كلام، أو أن المسألة مجرد عرض للمجالات ليس لها مستند على أصل شرعي نقول: إنها مستندة على أصول شرعية موجودة في كتب العلماء، هناك وظائف إسلامية وشرعية يجب أن نعد أنفسنا للقيام بها، وتغطية هذه الثغرات الموجودة في المدن والقرى والأحياء والمساجد وأماكن الناس، وأن نعلمهم دين الله ، نحن رسل خير وهداية، ونقفو آثار الأنبياء وهكذا ينبغي أن نكون.
أما أن تذهب أوقات الشباب سدى وتذهب في مجالس الغيبة والنميمة، والشجار والعراك، والجدل العقيم والتقوقع بدون فائدة، تكديس طاقات بدون أن تنطلق في خدمة هذا الدين، وكذلك فإننا نذكر أنفسنا بقضية المسئولية في العمل، نذكر أنفسنا أن هناك واجبات كفائية لا بد من القيام بها، ونذكر أنفسنا أن الدعوة إلى الله أياً كان مجالها وأياً كانت الوسيلة التي تسلك فيها، هي مسئولية سنسأل عنها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤] سنسأل عن هذا، صحيح أن هذا شرف، الانتساب إلى الإسلام شرف عظيم، كثيرون يعبدون البقر وآخرون يعبدون الجواميس ويعبدون تمثال بوذا، ويعبدون الشيطان وبعضهم يعبدون المال، ويعبدون أهوائهم وشهواتهم، فضلك الله عليهم بأن جعلك مسلماً توحد الله ، لكن هذا الشرف له تكليف، لا بد للتشريف من تكليف، إذا شرفك الله بأن كنت من أهل الدين فماذا قدمت لرفع شأن الدين إذاً؟! فانقسم الكلام في موضوعنا السابق عن واجبات كفائية يجب السعي لسدها والإعداد، لأن السبق قد لا يكون حاصلاً الآن، لكن الإعداد لسد الثغرات.
وكذلك تنبيه على بعض الوسائل التي تستخدم في الدعوة إلى الله التي تعين على سد بعض الثغرات، لكن القضية الأساسية قضية تحقيق فروض الكفاية، على أن لا يعيب المسلمون على بعضهم، ولا يحتقر بعضهم بعضاً في المجهودات التي يقدمونها، طلبة العلم لا يحتقرون الذين يقومون مثلاً بدعوة العامة ووعظهم، مع أن الذي يقدم المواعظ ما عنده علم، لكن يستطيع بهذا التقديم بفضل الله أن ينقل أناساً من معسكر أهل الشر والضلال إلى طريق الهداية، ولا يعيب طلبة العلم ولا الوعاظ مثلاً على من يشتغل في خدمة قضايا المسلمين، وقضايا الجهاد وقضايا الإغاثة مثلاً.
الثغرات كثيرة جداً، ونحن نحتاج إلى عمل متكامل، المسلمون يكمل بعضهم بعضاً، ولا يعيب بعضهم على بعض، هناك حد أدنى من العبادة يجب أن يكون موجوداً، هناك حد أدنى من العلم، ما يصلح إغاثي ولا مجاهد أن يعمل لهذا الدين وهو ما عنده الأساسيات التي يعبد الله بها، يصلي ويصوم ويحج وينكح ويبيع خطأ لا يجوز له ذلك حتى لو كان مشتغلاً بعمل آخر غير قضية العكوف على طلب العلم.
فإذاً: أهل الحسبة والجهاد والعلم والوعظ والإغاثة، هذه الفروض الكفائية يجب أن تسد وأن يقوم لكل ثغر منها من يطيق القيام به، ويكون صاحب خبرة فيه ويستطيع أن يقدم فيه، ولا يعيب بعضهم على بعض، فبهذه الطريقة تجتمع الجهود، والقضية في النهاية نصرة الإسلام والعمل لدين الله .
стр. 6343
الأسئلة
стр. 6344
الجمع بين طلب العلم والدعوة
السؤال
إذا رأى الإنسان أن موقعه يستطيع من خلاله خدمة الإسلام ولكن نفسه تتوق لطلب العلم، فهل الأفضل له ترك موقعه والتفرغ لطلب العلم؟
الجواب
كيف كان العلماء يفعلون؟ أي: ابن المبارك ما كان يذهب للمرابطة في الثغور؟ ما فائدة طلب العلم أليس التبليغ وتعليم الناس؟!!.
فإذاً: لماذا الفصل المقيت بين المهمات المختلفة؟ ونقول: طالب العلم هذا لا يصح له مطلقاً أن يجمع تبرعات لعائلة فقيرة لماذا؟ هذا فصل مذموم، ولذلك ينبغي علينا أن نرتقي بهممنا حتى نستطيع الجمع بين أكثر من باب من أبواب الخير.
стр. 6345
خدمة الإسلام في المدارس والجامعات
السؤال
كيف نقوم بخدمة الإسلام في المدارس والجامعات؟
الجواب
نقول: لا شك أن المدارس والجامعات هي مجمع يجمع أعداداً من الطلاب، ولا شك أنه يحصل في هذه الأماكن اجتماع بهم لفترات طويلة خصوصاً عندما يكون هناك سكن داخلي مثلاً في الجامعة، فأنت لا تلتقي بهم فقط في الفصل الدراسي، تلتقي بهم في السكن وتلتقي بهم في المطعم وتلتقي بهم في أماكن مختلفة.
إذاً لا أقل من كلمة خير؛ نصيحة عابرة لهذا الشخص، فأقول: إن الشخص مادام موجوداً في مجمع من الناس، فإنه ينبغي أن يقدم ما يستطيع تقديمه في هذا المجال، ولا شك أن هذا الاحتكاك ينبغي أن يستثمر لصالح الإسلام، بأن تكون مصاحبة هذا الشخص في المدرسة والجامعة طريقة للدعوة إلى الله وهدايته أو إنقاذه من أهل الشر، ربما يكون جلوسك عنده مانعاً لأصحاب السوء من الإتيان إليه لأنهم إذا رأوك موجوداً عنده في مسكنه ما جاءوا إليه، مرة ومرتين وثلاثاً وفي النهاية يتركونه، فأنت تكون قدمت خدمة غير مباشرة عن طريق منع المنكر هذا.
стр. 6346
عوائق في طريق خدمة الدين
السؤال
إنني معلمة وأريد أن أخدم الدين في هذا المجال، فإذا كان يوجد لدي عوائق من إدارة المدرسة فماذا أفعل؟
الجواب
أقول: لا أقل من الصلة الشخصية بالطالبات، لو لم تستطيعي أن تقدمي لهن شيئاً لا في الحصة ولا في الفسحة، فلا أقل من أن يكون هناك ارتباط شخصي، والدعوة إلى الله -أيها الإخوة- هي تأثير شخصي، في كثير من الأحيان النجاح يكون وليد التأثير الشخصي؛ علاقات تقوى، إكرام الشخص، الدخول إلى قلبه، كسب محبته هذا هو الطريق للتأثير، بحيث في النهاية إذا قلت له الحكم نفذ، وإذا قلت له نصيحة قبل واستمع.
стр. 6347
لا إيثار في القرب
السؤال
إذا تساويت أنا وشخص في الطاقة أمام مجال من مجالات خدمة الإسلام، هل أتقدم لأنال الأجر أم أوثره لغيري؟
الجواب
لا، تقدم يا أخي تقدم أنت، لماذا تترك الأجر هذا ربما يكون دليلاً على عدم الحرص.
стр. 6348
الدعوة في الأهل والأقارب أولى
السؤال
كثير من الشباب فاشل في أسرته وتراه كالنحلة مع إخوته؟
الجواب
صحيح وهذا مثل جيد وتشبيه واقعي لعدد من الناس الذين عندهم هذه القضية وهي: أنهم فاشلون مع آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم، وأعمامهم وعماتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأجدادهم وجداتهم، أقرب الناس: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] هذا لا يعمل معهم شيئاً البتة، لو أنه جرب وقال: ما ما استطعت وقال: هم أكبر مني سناً ما تقبلوا، طردوني وأغلقوا فمي، وأسكتوني واحتقروني، لقلنا: أنت قمت بالواجب وبلغت وما تقبلوا منك فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد، لكن أنت مجهوداتك مع إخوانك وتنسى أهلك وأسرتك، وهذا لا ينبغي مطلقاً لشاب يفقه دين الله .
стр. 6349
الدعوة بالمراسلة
السؤال
ما رأيك في المراسلة لدعوة بعض الشباب المنحرفين؟
الجواب
وسيلة مجربة وناجحة، والشخص يمكن إذا ناقشته أن يجادلك وأن يضيع وقتك، وأن يسكتك وربما يفحمك إذا كان هو أقوى بالجدل، لكن إذا أرسلت له برسالة فإنه لن يقوم بهذا الجدال والمراء لأنه يقرأ شيئاً جامداً لا مجال للاعتراض، فربما تكون الرسالة أكثر تأثيراً مع بعض الأشخاص.
стр. 6350
سبب موت الهمم وعلاجه
السؤال
هل ترى أن قلة التوجيه وانعدامه عند بعض الدعاة هو السبب الرئيسي في موت الهمم والانشغال بالصغائر عن معالي الأمور؟
الجواب
نعم، لا شك في ذلك، لكن كونه ما وجد أحداً يُوجهه هل نعفيه من المسئولية؟ الجواب: لا.
ينبغي هو أن ينصح نفسه بنفسه، وأن يدل نفسه على الخير وأن يبحث عن أبواب الأجر وأن يقوي همته، ما معنى هذا الرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه؟ هل أحد وعظه؟ هل أحد ذكره بالله؟ هل أحد تلا عليه آيات العذاب؟ لا، هذا رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، فنريد نحن من الشباب أن يذكروا الله وهم في خلواتهم، ويذكروا أنفسهم بالمسئولية تجاه الدين، فربما يحيا في أنفسهم واعظ الله فيقومون للعمل بدلاً من الجلوس والكسل وتعطيل الطاقة.
стр. 6351
تسخير الشِّعْر في نصرة الإسلام
السؤال
أنا شاعر فكيف أجعل شعري لنصرة الإسلام؟
الجواب
وجه شعرك بأن تكتبه، تجعل هذه الأوزان والقوافي محملة بالمعاني الدينية والشرعية، وبالأحكام وبالأخلاق، وبالرقائق وبالآداب وبالذب عن الدين وبمهاجمة أعداء الدين (اهجهم وروح القدس معك) هكذا كان حسان بن ثابت يهجو كفار قريش، وكان شعره أشد عليهم من بعض سهام وسيوف المسلمين، عرض المآسي، استدرار العواطف، إيقاظ الهمم، إلهاب المشاعر، هذه أشياء يطيقها الشعراء.
فإذا وجه هذا إليهم بعض القصائد المؤثرة عن التوبة كان لها الأثر في نفوس الناس، قصائد عن التوبة وقصائد عن الموت واليوم الآخر والزهد في الدنيا وقصر الأمل، هذه كان لها آثار كبيرة على النفس، هي أبيات شعرية لكن آثارها كبيرة على النفس، بدل من الانشغال بألوان الجناس والطباق والبديع والأشياء التي هي أشبه ما تكون بالطرف الشعرية، والألغاز والأحاجي الشعرية، بدلاً من هذه لنسكب هذه المعاني الإسلامية في أشعارنا لمن كان يعمل الشعر.
стр. 6352
إقامة الحجة واجبة
السؤال
أنا طالب جامعي أعيش في مدينة تكثر فيها البدع والمعاصي، وأنا شخص ليست لدي حجة وبيان، ولا أستطيع النصح والدخول في مناقشات مع بعض السفهاء؟
الجواب
لا بد أن نقوم لله بالحجة، أن نتكلم فإذا اعترض واحد وسفه الآخر، واستهزأ الثالث يكون قد قمت بالواجب، ثم ماذا لقي الأنبياء من أقوامهم؟ هل لقوا الكلام الجميل والثناء العاطر والشكر الجزيل والإكرام؟ لا.
أكثرهم لقي الصدود والإعراض والاستهزاء، وقالوا عنه شاعر ومجنون وأفاك وبه جنة، قالوا عنهم أشياء كثيرة جداً، فإذا كان هذا سيتوقع أنه إذا نصح وعلم أنه سيقابل بالإكرام والحفاوة والترحاب، فلا شك أنه قد غابت عن باله دعوة الرسل، ثم إذا كنت لا تستطيع الكلام مطلقاً قدم شيئاً مسموعاً أو مكتوباً يستفيد منه وتقام به الحجة عليهم.
стр. 6353
كيفية الدعوة في الدول الأجنبية
السؤال
أنا شخص أدرس في آخر السنة ومسافر إلى أمريكا فما هي المجالات التي أفعلها هناك؟
الجواب
أولاً: ينبغي أن تتأكد من شرعية ذهابك إلى بلاد الكفار، وأن هناك حاجة للمسلمين في ذلك، وأن عندك عقلاً تدفع به الشهوات، وعلماً تدفع به الشبهات، وبعد ذلك تسافر فإذا سافرت فلا شك أنك ستجد من الأقليات الإسلامية هناك من تتعاون وتتناصر معهم، وتصطحب معك من الأشياء المفيدة ما يحتاجون إليه هناك، ولا شك أنك ستكون واحداً في خلية من المسلمين الذين يحمون أنفسهم من التأثيرات الكفرية في تلك البلاد، ولا شك أنك ستذكر نفسك كثيراً بقضية غض البصر عن الأشياء الموجودة هناك.
стр. 6354
بعض الثغرات التي لم تسد
السؤال
معلوم أن من فروض الكفاية دعوة أهل الكتاب، وبحكم وجود بعض النصارى فقد تجرد بعض الشباب لدعوتهم للإسلام، فهل تظن أن هذه الثغرة قد سدت؟
الجواب
لا.
لأنهم أكثر بكثير من هؤلاء الشباب الذين يدعونهم إلى الإسلام.
هذا عن بعض الفرص الدعوية، ذكرت أشياء وهناك أشياء أيضاً موجودة في كتاب كتبه بعض الأفاضل وهو إبراهيم بن عثمان الفارس عن اثنين وتسعين وسيلة أو طريقة دعوية، فأيضاً يمكن الرجوع إليه، وعنه نقلت بعض النقاط.
стр. 6355
معنى التفرغ لطلب العلم
السؤال
التفرغ لطلب العلم ماذا تعني هذه الكلمة؟
الجواب
إذا ذهب الإنسان إلى جامعة شرعية، تكون دراسته واختباراته مذاكرته وواجباته وبحوثه كلها شرعية، فهذا نوع من التفرغ، وإذا كان يأخذ مكافأة شهرية فماذا يريد أكثر من ذلك، لكن لو قال: وترك الدعوة إلى الله هل تعني ترك إنكار المنكر؟ الجواب: لا.
بطبيعة الحال، وإلا صار العلم الذي تتعلمه وبالاً عليك، ماذا استفدت من العلم إذا كنت ستترك الواجبات الشرعية.
стр. 6356
كيفية المحاسبة للنفس
السؤال
هل يشترط في معاتبة النفس أن يتحدث الإنسان مع نفسه بصوت مسموع، أم يكفي التفكير والمعاتبة داخل النفس؟
الجواب
يكفي التفكير والمعاتبة داخل النفس ولا يشترط أن يكون الكلام مسموعاً، وخصوصاً إذا كان حوله أشخاص فإنه لا يكون من الإخلاص في المحاسبة أن يرفع صوته.
стр. 6357
أهمية التقيد بالأذكار الشرعية
السؤال
هل يجوز أن يقول الإنسان بعد الأكل أو الشرب: اللهم جزاؤك الحمد والشكر، بدلاً من قولك: لك الحمد والشكر؟
الجواب
جزاؤك الحمد والشكر؛ بعض العبارات قد تكون صحيحة من ناحية المعنى، لكن لم ترد عن النبي ﷺ ، فمثل هذه الأذكار أذكار الطعام والشراب، والعطاس والسلام وغيرها، ينبغي أن تكون مقيدة بما ورد في السنة، وقد ذكر ابن حجر ﵀ بحثاً في الاستعاذة من الشيطان عند التثاؤب في كتاب الأدب من صحيح البخاري فليرجع إليه.
стр. 6358
حكم دخول الحائض المسجد
السؤال
هل يجوز للحائض أن تدخل المسجد لسماع المحاضرة؟
الجواب
قد اختلف أهل العلم في دخول الحائض إلى المسجد، الأحوط للحائض أن لا تدخل المسجد، وهذا المشهور من فتاوى علمائنا.
стр. 6359
صلاة النافلة في المسجد من أجل الأذان
السؤال
أستيقظ مبكراً لكي أصلي من الليل فلا أستطيع، ولكي أتمكن من أداء أذان صلاة الفجر أضطر للذهاب للمسجد، وأصلي هناك لكي أسبق غيري بالأذان، فهل أصلي في بيتي؟
الجواب
لا بأس أن يذهب إلى المسجد ليصلي ما تبقى له من قيام الليل لكي يكون هو الذي يؤذن.
стр. 6360
طريقة السؤال في الدرس
السؤال
أحضر حلقة تجويد ولا أجيد فهم الدرس، وأخشى أن أسأل الشيخ فأعطل زملائي وأضيع وقتهم؟
الجواب
أقول: اجعل السؤال في آخر الدرس بعد انتهاء الدرس، اسأل الشيخ حتى لا تعطل الزملاء من القراءة وحتى لا تفوت عليك الفائدة.
стр. 6361
بدعية محاسبة النفس بالكتابة
السؤال
ما حكم محاسبة النفس بالكتابة على ورقة وعمل جدول يومي؟
الجواب
هذا الجدول المعمول عند بعض الناس في بعض الأوراق ومكتوب فيه (صح وخطأ) وعلامات أو أرقام ليس من فعل السلف، وهو طريقة مبتدعة للمحاسبة، لكن الإنسان يذكر نفسه بما فعل من التقصير الذي حصل، أو بالذنوب، أو بما ترك من الواجبات، أو بما ترك من الأوراد المستحبة لكي يأتي بعوض عنها.
стр. 6362
تقديم شارب الدخان في الإمامة
السؤال
إذا اجتمع شخص يشرب الدخان وآخر يحلق لحيته فمن يتقدم لصلاة الجماعة؟
الجواب
إذا فرض أنه لا يوجد إنسان مطبق للسنة بهم، فإن الذي يتقدم هو الذي أطلق لحيته ولو كان مدخناً لأن منكره غير مستمر، بخلاف الذي حلق لحيته.
стр. 6363
كل ما خرج من السبيلين ناقض للوضوء
السؤال
هل كل خارج من السبيلين يعتبر ناقضاً للوضوء ولو حصاة صغيرة؟
الجواب
هذا المشهور من كلام الفقهاء، أن كل خارج من السبيلين فهو ناقض للوضوء حتى لو كان شعراً أو حصىً أو دوداً أو دماً فإنه يعتبر ناقضاً للوضوء.
стр. 6364
مس حلقة الدبر لا ينقض الوضوء
السؤال
هل إذا لمس الإنسان دبره ينقض الوضوء؟
الجواب
هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم فقال بعضهم: إنه ينقض لأنه فرج، وتعريف الفرج: أنه ما انفرج وأن فتحة الدبر مما انفرج، وقال في الحديث (من مس فرجه فليتوضأ) لكن الراجح والله أعلم أن لمس حلقة الدبر لا ينقض الوضوء وأن الفرج قد ورد مشروحاً ومبيناً في حديث آخر بقوله: (مس ذكره) فإذاً الراجح أن لمس حلقة الدبر لا ينقض الوضوء.
стр. 6365
الفرج بعد الشدة
الابتلاء والمحن والشدة خاصية وميزة من ميزات هذه الحياة الدنيا، فلا يكاد يوجد إنسان يسير على هذه الدنيا إلا وقد أصابه ابتلاء أو شدة أو محنة.
فالأنبياء ومن تبعهم قد ابتلوا وأصابتهم الشدائد، ثم جاءهم الفرج، لكن مع ذلك هناك فوائد للشدائد، وقد وجه الشيخ عدة نصائح لعدة شرائح في المجتمع المسلم وأوصاهم بالصبر والمصابرة، مبيناً أن بعد الشدة فرحاً، وأن مع العسر يسراً، إلخ.
стр. 6366
تفريج الكروب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة: حديثا اليوم عن موضوع من مواضيع الإيمان وأعمال القلوب، التي لا يستشعرها ولا يعيش لحظاتها إلا من أوقد الله قلبه بحرارة الإيمان، وعمَّره برياض ذكر الله والإقبال عليه، وخشيته في السر والعلانية.
إنه موضوع فيه احتساب للأجر، وفيه صبر لله وفي ذات الله ، وصبر على أقدار الله سبحانه، يقول الله في محكم تنزيله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] فمن الذي يجيب المضطر إذا رفع يديه إلى الله يطلب منه المدد؟ ومن الذي يجيب المسلم في لحظات الكرب والشدة وهو يهتف داعياً ربه منيباً إليه طالباً منه العون وتفريج تلك الهموم؟ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٦] فهذا العسر معرفة، واليسر نكرة في الآية، ولذلك قال ابن عيينة ﵀: أي: إن مع ذلك اليسر يسراً آخر، كقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢] وقال رسول الله ﷺ : (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه)، إن العباد إذا نزلت بهم الشدائد فإنهم سرعان ما يقنطون، والله جعل لكل أجل كتاباً، وجعل لهذا الهم نهاية ولهذا الكرب تفريجاً، ولكن العباد يستعجلون، والله يعجب ويضحك من قنوطهم ومن قرب فرجه.
وكتب عمر إلى أبي عبيدة يقول: [مهما ينزل بامرئ من شدة يجعل الله له بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين].
стр. 6367
تفريج الكروب عن الأنبياء والصالحين
وتأمل في أحوال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ فهذا يوسف لما صار في غيابة الجب، ثم في ضيق السجن، كرب على كرب، وهَمٌ على هَمْ، فماذا حصل بعد ذلك؟ تداركته رحمة الله ، وهي قريب من المحسنين، فأخرجته من ظلامة الجب ومن ضيق السجن إلى سعة الملك وبسط في العيش، وجمع بأهله في حال الرخاء بعد الشدة.
وهذا يعقوب ﵊ عمي من كثرة البكاء والحزن على فقد ولديه، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤]، ثم تداركته رحمة الله بعد سنوات من الشدة ومفارقة الأولاد الأحباء إلى نفسه، فجمعه الله سبحانه بهما على غير ميعاد منهم.
وهذا يونس في بطن الحوت، لما نزل به البلاء دعا ربه في مكان ما دعا به أحد من الناس ربه، في جوف البطن المظلم، فاستجاب الله دعاءه.
وهذه سيرة نبينا محمد ﷺ فيها شدائد وأهوال وكرب وهموم، ومنها شدائد المواطن التي نصره الله بها في معاركه ضد المشركين.
وهذه عائشة ﵂، لما نزل بها من الضيق الشديد عندما اتهمها المنافقون، وردد ذلك معهم الذين لم يعوا الأمور من المسلمين ولم يتثبتوا فيها، فاتهموا تلك المسلمة العفيفة زوجة رسول الله ﷺ بأنها قد وقعت في الفاحشة، وهي منها بريئة، فصار رسول الله ﷺ يدخل عليها فلا يكلمها ولا يتلطف معها كما كان يتلطف، واشتعلت الفتنة من حولها، والألسن تلوك في عرضها، وهي البريئة، حتى بكت الدموع أياماً متواصلة، حتى انقطع دمعها وكان لا يأتيها النوم، ثم جاءها فرج الله بتبرئتها من فوق السبع الطباق، وفرَّج الله همها وأذهب كربها.
وهؤلاء الثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ الذين خُلِّفوا فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، بعد أن عزلهم الرسول ﷺ عن المجتمع المسلم، ونهى الناس عن تكليمهم، فصاروا غرباء في أهلهم وذويهم، حتى وصل الحال إلى أن أمر زوجاتهم بفراقهم، فصاروا كالمبتوتين من المدينة الذين لا يتصل بهم أحد ولا يكلمهم أحد، حتى نزل فرج الله بالتوبة عليهم، فوسَّع الله عليهم بعد أن كانوا في ضيق، ونفس عنهم بعد أن كانوا في كربة.
وهؤلاء الثلاثة من بني إسرائيل الذين دخلوا في الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، ثم فرج الله عليهم بعد أن أيقنوا بالموت والهلاك.
وهذا إبراهيم وسارة نجاهما الله من الجبار الكافر الذي كان يريد أن يأخذهما.
بل إن رحمة الله واسعة تشمل الكافر لو كان في كربة عندما تنزل به إذا شاء ربك أن يفرج عنه.
فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه عن عائشة ﵂: أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد أو حفش -وهو البيت الصغير في ناحية من نواحي المسجد- قالت عائشة: فكانت تأتيني فتتحدث عندي فلا تجلس مجلساً عندي إلا قالت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟ قالت: خرجت جويرية -أي: صبية- لبعض أهلي، وعليها وشاح من أدم -وهذه القصة في الجاهلية قبل أن تسلم هذه المرأة- فخرجت صبية من الأهل الذين كانت تعيش معهم هذه الخادمة، وخرجت معها خادمتها، وكان على هذه الصبية وشاح من أدم أي: من جلد لونه أحمر، وفي الطريق وضعته هذه الصبية أو وقع منها، فمرت به حدأة فحسبته لحماً فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، جاء أهل البنت الصغيرة فبحثوا عن الوشاح فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، فطفقوا يفتشون، فعذبوني حتى بلغ من أمرهم أنهم طلبوه في قبلي -فتشوا قبلها- قالت: والله! إني لقائمة معهم وأنا في كربي إذ مرت الحديات حتى وازت رءوسنا، فألقته، فوقع بينهم فأخذوه، فقلت: هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريئة وهو ذا، ثم كان من أمرها بعد ذلك ما كان من إسلامها.
فتأمل حال تلك المرأة المسكينة -مع أنها كانت كافرة- كيف لما نزل بها الكرب فعذبت تداركتها رحمة الله بحادثة عجيبة، ليست بمعهودة؛ أن يأتي ذلك الطائر فيلقي بالقطعة التي خطفها، والله لطيف بعباده لطفه واسع ورحمته واسعة، فإنه ينقذ العباد من الضيق، ولو كان في أعتى صوره، ولا يتخلى سبحانه عن المخلوقين.
وهذه قصة نسوقها، وقد ذكرها القاضي بهاء الدين بن شداد ﵀ في كتابه: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، وهو كتاب يحكي تاريخ معارك المسلمين بقيادة صلاح الدين مع النصارى.
قال ﵀ في وقعة الرمل الذي على جانب عكا، يقول: ومن نوادر هذه الوقعة أن مملوكاً كان للسلطان يدعى سراسنقر، وهو من المسلمين، وكان شجاعاً قد قتل من أعداء الله خلقاً عظيماً وفتك بهم، فأخذوا في قلوبهم من نكايته بهم، فمكروا به وتجمعوا له وكمنوا له، وخرج إليه بعضهم، وتراءوا له يستدرجونه ليخرج من عسكر المسلمين ليقاتلهم، فحمل عليهم -وكان شجاعاً لا يخاف- حتى صار بينهم فوقع في الكمين، ووثبوا عليه من سائر جوانبه فأمسكوه، وأخذ أحد من النصارى بشعره، وضرب الآخر رقبته بسيفه، وهم يحيطون به من كل جانب، والآخر رفع سيفه فضرب رقبة المسلم؛ لأن هذا المسلم كان قد قتل قريباً لهذا الكافر، فرفع سيفه ليضربه فماذا تظن يا أخي أن يفعل الله في تلك اللحظات؟ ماذا تظن وتحسب أن يحدث وكيف ينقذ الله رجلاً في هذا الموقف؟ يقول: فوقعت الضربة في يد الماسك بشعره، فقطعت يده وخلى عن شعر المسلم فاشتد هارباً حتى عاد إلى أصحابه، وأعداء الله يشتدون عدواً خلفه، فلم يلحقه منهم أحد، وعاد سالماً ولله الحمد ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾ [الأحزاب:٢٥] فتأمل لطف الله الذي أوقع ضربة الكافر على يد الماسك بشعر المسلم حتى قطعت فاستطاع أن يفلت منهم.
وهؤلاء الذين يركبون البحر فيسافرون كان لهم في الماضي شأن عظيم، وكانت تحل بهم النكبات والعواصف، حتى تكاد أن تغرقهم، يقول العلامة: صديق حسن خان ﵀ في كتابه رحلة الصديق إلى البيت العتيق: ولما سار المركب من الحديدة سكن الهواء إلى ثلاثة أيام، ولم يتحرك المركب خطوة من محل القيام، وبعد ذلك هبت الريح الأزيز وجاء الغيل والمطر بالليل، ورجع المركب إلى عقبه، وسار إلى غير صوبه، فمكثنا بهذه الحالة في البحر إلى أيام، آيسين من الوصول إلى المأمول، وضاقت علينا الأرض بما رحبت من طول الركوب، ومخالفة الهواء وقلة المطعوم والمشروب، وبلغت الأنفس التراقي، وكانت الأيدي إلى السماء مرفوعة، فقلنا: سمع الله دعاء الآيسين، وهبت لنا ريح طيبة من رب العالمين إلى يومين، وكانت ضعيفة ولكنها أخرجت المركب من مجمع الجبال المستغرقة في الماء إلى ساحل النجاة، ولما قربنا من جدة قرب المركب ليلاً إلى جبل في الماء، ومن أخطر الأمور أن يقترب المركب إلى جبل في الماء، فاضطرب له المعلم اضطراباً شديداً، وربط أشرع السفينة، وعمل كل تدبير خطر له في البال، وأنزل الملاحون قوارب السفينة، وسعوا إلى جوانبه، وعلموا أن المركب لو سار قريباً لتصادمت بالجبال، فمضى هذا الليل في غاية الاضطراب، وتمت تلك الليلة بالاستغفار وإخلاص النية والتوبة، وكلمة الشهادة على الألسن، وسلموا أنفسهم للموت، ومنَّ الله علينا بالسلامة حتى طلع الفجر، وشاهدنا ذلك الجبل في ضوء النهار.
стр. 6368
فوائد الشدائد
وهذه الشدائد التي تصيب المسلم في حياته بشتى الصور، لا بد لها من فوائد، فإن للشدائد فوائد بالرغم من أنها مكروهة للنفس، فمنها: أولاً: أن الله يكفر بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات، ويدفع الكربُ المكروبَ إلى التوبة، ويلجأ إلى الله وينكسر بين يديه، وهذا الانكسار أحب إلى الله من كثير من العبادات؛ أن ينكسر المخلوق لله سبحانه، وأن يشعر بذله أمام الله، وأن يشعر بحاجته إلى ربه وافتقاره إلى خالقه، فينقطع إلى الخالق ويترك المخلوق، وهنا يتحقق التوحيد ويتنقى من أدران الشرك بأنواعها، ويخلص الإنسان لربه.
وقد علّمنا رسول الله ﷺ أدعية إذا نزل بنا الكرب واشتدت الأمور وضاقت علينا الأرض بما رحبت، فقد جاء في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم) وكان ﷺ إذا حزبه أمر قال: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث) وقال ﵇ لـ أسماء بنت عميس: (ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئا) وقال عليه الصلاة السلام: (من أصابه هم أو غم أو سقم أو شدة فقال: الله ربي لا شريك له، كشف ذلك عنه) وعن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: (دعوة المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت)، وقال رسول الله ﷺ : (دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لا يدعو بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له).
وهذه ألطاف الله قد تخفى على الكثيرين.
وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر وفرج لوعة القلب الشدي
وكم هم تساء به صباحاً فتعقبه المسرة بالعشي
إذا ضاقت بك الأسباب يوماً فثق بالواحد الأحد العلي
وقال أبو الحاكم علي السجستاني ﵀:
إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك خوف يمن به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها فرج قريب
اللهم فرج كرباتنا، وفرج همومنا وأحزاننا، اللهم واجعل لنا من رحمتك نصيباً موفورا، اللهم واجعلنا من عبادك الصلحاء الأتقياء الأخفياء، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 6369
نصائح لبعض شرائح المجتمع المسلم
الحمد لله على إحسانه، وهو المتنعم على عباده بأفضاله، وأشهد أن لا إله إلا هو سبحانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
كيف نستفيد من هذا الموضوع في حياتنا العملية؟ وما هي الجوانب التي قد تحدث لنا فيها الكروب؟ وماذا يكون موقفنا فيها؟
стр. 6370
نصيحة للباحثين عن الحق
أخي طالب الحق الباحث عنه! قد يتعبك البحث، وتمضي عليك الأوقات والأحداث وأنت لم تصل بعد إلى ما تطمئن إليه نفسك، فلا تيأس وواصل البحث وادع الله وقل: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف منه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
ولا يزال هذا ديدنك وأنت تدعو ربك حتى يكشف الله لك الحق، ويضيء لك الطريق الذي تسير فيه.
стр. 6371
نصيحة لطالب العلم
أخي طالب العلم! قد يطول بك البحث في مسألة حتى يكاد صبرك ينفد، وتحس بالضيق، فاعلم أن بعد الهم فرجاً، وكان شيخ الإسلام إذا استعصت عليه المسألة يكثر من ذكره لربه ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.
حتى ينبلج له فجر الصواب في تلك المسألة، فلا تضق يا طالب العلم إذا ضاقت بك الأحوال في بداية طلبك، فتشعر أنك تقرأ بلا فائدة ولا مردود، وتشعر بالسآمة والملل يدفعانك لترك القراءة وإغلاق الكتاب، اصبر فلن تلبث المعلومات أن تأخذ مكانها في ذاكرتك، وتتلاقى أطراف المسائل في ذهنك، فيبدأ عطاؤك بإذن الله كالغيث نافعاً مباركاً ينفع الله به نفسك والعباد.
стр. 6372
نصيحة للداعية إلى الله
أخي الداعية إلى الله! قد توصد بعض قلوب المدعوين أبوابها في وجهك، وقد تحاول وتحاول دون ما فائدة، فتصاب بضيق شديد وإحباط كبير، فلا تحزن إن الله معك ما دمت تدعو إلى سبيله، وذلك ما استقمت على الجادة، وتذكر صبر نوح على قومه، ينوع عليهم وسائل الدعوة ليلاً ونهاراً تسعمائة وخمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله.
أخي يا من تحاول أن تكون ربانياً تربي الناس بصغار العلم قبل كباره! قد تستغلق عليك بعض الأذهان، ولا تفهم المراد ولا تعي المطلوب، أو يذهب ما تريد أن ترسخه سريعاً، وقد تقع الأخطاء المخالفة لبعض أساسيات المنهج والتصور الصحيح في نفوس من تعاشرهم، وقد تواجه حالات من الاستعصاء في الانقياد وتتكرر الأخطاء في مسائل طال عليها التنبيه، وتكرر فتحس باليأس ولا جدوى، فلا يركبنك الهم، واعلم أن مع العسر يسراً، وأن فرج الفهم والتطبيق قريب، وتذكر موقف رسول الله ﷺ في قصة حاطب وكعب
стр. 6373
نصيحة للتاجر والموظف
أخي التاجر! قد تحل بك خسارة في تجارتك، أو كساد في بضاعتك، وتتراكم عليك الديون، ويطالبك التجار الآخرون، وينزل بك من الهموم والأحزان خطوب جسام، والخسارة تلو الخسارة، ولا تدري أين تذهب بوجهك من الديانة، فلا تحزن وإن صبرت واتقيت فسيفرج الله همك، ويذهب حزنك وغمك، ويجعل لك من الضيق مخرجاً، ويبدل حالتك بعد العسر يسراً.
قال الشافعي ﵀:
صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا من راقب الله في كل الأمور نجا
أخي العامل أو الموظف! قد تمر بك ساعات شدة، قد تفصل من عملك، أو تفقد وظيفتك فينزل بك الكرب ويركبك الهم، وأسئلة تدور في خلدك: ماذا ستفعل؟ وكيف تعيش؟ ومن أين تكسب اللقمة التي تضعها في أفواه أولادك؟ وما مصيرهم؟ ولكن اعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه يرزق الطير في جوها، والنملة في جحرها، وأن الله لا يضيع عباده، واتق الله في جميع أمورك حتى يجعل الله لك فرجاً ويرزقك من حيث لا تحتسب.
وأنبه هنا -أيها الإخوة- وأقول لبعض الناس الذين تركوا أعمالاً محرمة مثل بعض أعمال البنوك ووظائفها ولم يعثروا على وظائف، وبقوا فترات طويلة بدون عمل، حتى وقع بهم الشك والحيرة: أين قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]؟ ويقول: إني اتقيت الله فخرجت من العمل المحرم ولكني لم أجد عملاً.
يا أخي! إنك اتقيت الله في عمل واحد من أعمال حياتك وهو خروجك من العمل المحرم، ولكنك ربما لا تزال مقيماً على أعمال كثيرة محرمة، ربما أنك تمشي إلى معصية الله، وتنظر إلى ما حرم الله، وتسمع ما حرم الله، فكيف بعد ذلك تقول: إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وأنا ما جعل الله لي مخرجاً؟! أنت لم تتق الله إلا في شيء واحد، أين تقوى الله في بقية الأشياء؟! إذاًَ: أخلص لله واترك جميع المعاصي، والله لا بد أن يجعل لك مخرجاً وفرجاً؛ لأنه وعد في الآية، لكن تقوى الله واسعة وعامة
стр. 6374
نصيحة للشباب
أخي أيها الشاب الذي تتعرض للفتن من كل جانب، وتتلقى العنت والمشاق في الصبر على الشهوات، وأنت تصبر عن الحرام وتدافع تلك الخطوات، ويحيط بك هم الحصول على الفتاة الملتزمة، وهم توفير المهر والزينة، اصبر فإن الله مع المحسنين، وكما فرج الله لغيرك فسيفرج لك، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]
стр. 6375
وصايا متفرقة
أخي، يا من اضطر لطلاق زوجته في ذات الله وإرضاءً لله! قد يجتمع عليك جيش الهموم، فهمٌ يحيط بك مما خسرت وتكلفت في ذلك الزواج، وهمٌ يحيط بك: هل ستجد امرأة صالحة أخرى تتزوجها؟ وهمٌ يحيط بك: هل كانت المطلقة قد خلفت لك أولاداً من يعتني بهم؟ وهمٌ يحيط بك من موقفك أمام الناس وإذا هم همزوك ولمزوك وأساءوا القول في جانبك، فلا تحزن ما دمت قد فعلت ذلك إرضاءً لله، فإن الله يقول في سورة الطلاق في نهايات الآيات: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١] ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق:٧] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٣ - ٤] نهايات عجيبة تنتهي بها آيات الطلاق لماذا؟ لأن الطلاق شيء كبير، وفيه هَمٌ عظيم لمن اتخذ ذلك القرار إرضاءً لله ، إن الله سيجزيه على عمله ذلك ويعوضه خيراً.
أخي، يا من وقعت في ورطة فلم تعرف كيف الخلاص، وحاولت الفكاك ولكن ولات حين مناص! تذكر في لحظاتك هذه قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
أخي، يا من ابتلاه الله في جسده! فهو يئن تحت وطأة المرض، ويتلوى من الوجع على فراش الإصابة، تحيط بك هموم الآلام بأنواعها.
ويا من ابتلاه الله في حبيبه أو ولده فهو يحس حرارة الابتلاء في كبده، لا تيأس فإن فرج الله بالشفاء لآت، وإن لم يحصل الشفاء فهو ابتلاء ترفع به الدرجات في الجنات، وتضاعف الحسنات ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤].
ومن رحمة الله أن جعل طعم البلاء يخف على الإنسان كلما امتد زمن البلاء، فأنت ترى المريض المزمن في مرضه اللحظات التي يعيشها الآن أهون عليه من اللحظات التي كانت عندما بدأ المرض؛ لأنه قد تعود مع أن المرض لم يخف بل إنه ربما يشتد؛ لكن الله يصبره، وعلى قدر البلاء تنزل المعونة.
تعودت مس الضر حتى ألفته وأسلمني طول البلاء إلى الصبر
ووسع صدري للأذى كثرة الأذى وكان قديماً قد يضيق به صدري
وكذلك الداعية إلى الله عندما يبتلى بأذى الناس ربما يجزع في المرات الأولى، ولكن يوسِّع صدره على الأذى كثرة الأذى، وعلى قدر البلاء تنزل المعونة
следующие страницы →