Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
نصيحة لطالب العلم
أخي طالب العلم! قد يطول بك البحث في مسألة حتى يكاد صبرك ينفد، وتحس بالضيق، فاعلم أن بعد الهم فرجاً، وكان شيخ الإسلام إذا استعصت عليه المسألة يكثر من ذكره لربه ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.
حتى ينبلج له فجر الصواب في تلك المسألة، فلا تضق يا طالب العلم إذا ضاقت بك الأحوال في بداية طلبك، فتشعر أنك تقرأ بلا فائدة ولا مردود، وتشعر بالسآمة والملل يدفعانك لترك القراءة وإغلاق الكتاب، اصبر فلن تلبث المعلومات أن تأخذ مكانها في ذاكرتك، وتتلاقى أطراف المسائل في ذهنك، فيبدأ عطاؤك بإذن الله كالغيث نافعاً مباركاً ينفع الله به نفسك والعباد.
стр. 6372
نصيحة للداعية إلى الله
أخي الداعية إلى الله! قد توصد بعض قلوب المدعوين أبوابها في وجهك، وقد تحاول وتحاول دون ما فائدة، فتصاب بضيق شديد وإحباط كبير، فلا تحزن إن الله معك ما دمت تدعو إلى سبيله، وذلك ما استقمت على الجادة، وتذكر صبر نوح على قومه، ينوع عليهم وسائل الدعوة ليلاً ونهاراً تسعمائة وخمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله.
أخي يا من تحاول أن تكون ربانياً تربي الناس بصغار العلم قبل كباره! قد تستغلق عليك بعض الأذهان، ولا تفهم المراد ولا تعي المطلوب، أو يذهب ما تريد أن ترسخه سريعاً، وقد تقع الأخطاء المخالفة لبعض أساسيات المنهج والتصور الصحيح في نفوس من تعاشرهم، وقد تواجه حالات من الاستعصاء في الانقياد وتتكرر الأخطاء في مسائل طال عليها التنبيه، وتكرر فتحس باليأس ولا جدوى، فلا يركبنك الهم، واعلم أن مع العسر يسراً، وأن فرج الفهم والتطبيق قريب، وتذكر موقف رسول الله ﷺ في قصة حاطب وكعب
стр. 6373
نصيحة للتاجر والموظف
أخي التاجر! قد تحل بك خسارة في تجارتك، أو كساد في بضاعتك، وتتراكم عليك الديون، ويطالبك التجار الآخرون، وينزل بك من الهموم والأحزان خطوب جسام، والخسارة تلو الخسارة، ولا تدري أين تذهب بوجهك من الديانة، فلا تحزن وإن صبرت واتقيت فسيفرج الله همك، ويذهب حزنك وغمك، ويجعل لك من الضيق مخرجاً، ويبدل حالتك بعد العسر يسراً.
قال الشافعي ﵀:
صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا من راقب الله في كل الأمور نجا
أخي العامل أو الموظف! قد تمر بك ساعات شدة، قد تفصل من عملك، أو تفقد وظيفتك فينزل بك الكرب ويركبك الهم، وأسئلة تدور في خلدك: ماذا ستفعل؟ وكيف تعيش؟ ومن أين تكسب اللقمة التي تضعها في أفواه أولادك؟ وما مصيرهم؟ ولكن اعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه يرزق الطير في جوها، والنملة في جحرها، وأن الله لا يضيع عباده، واتق الله في جميع أمورك حتى يجعل الله لك فرجاً ويرزقك من حيث لا تحتسب.
وأنبه هنا -أيها الإخوة- وأقول لبعض الناس الذين تركوا أعمالاً محرمة مثل بعض أعمال البنوك ووظائفها ولم يعثروا على وظائف، وبقوا فترات طويلة بدون عمل، حتى وقع بهم الشك والحيرة: أين قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]؟ ويقول: إني اتقيت الله فخرجت من العمل المحرم ولكني لم أجد عملاً.
يا أخي! إنك اتقيت الله في عمل واحد من أعمال حياتك وهو خروجك من العمل المحرم، ولكنك ربما لا تزال مقيماً على أعمال كثيرة محرمة، ربما أنك تمشي إلى معصية الله، وتنظر إلى ما حرم الله، وتسمع ما حرم الله، فكيف بعد ذلك تقول: إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وأنا ما جعل الله لي مخرجاً؟! أنت لم تتق الله إلا في شيء واحد، أين تقوى الله في بقية الأشياء؟! إذاًَ: أخلص لله واترك جميع المعاصي، والله لا بد أن يجعل لك مخرجاً وفرجاً؛ لأنه وعد في الآية، لكن تقوى الله واسعة وعامة
стр. 6374
نصيحة للشباب
أخي أيها الشاب الذي تتعرض للفتن من كل جانب، وتتلقى العنت والمشاق في الصبر على الشهوات، وأنت تصبر عن الحرام وتدافع تلك الخطوات، ويحيط بك هم الحصول على الفتاة الملتزمة، وهم توفير المهر والزينة، اصبر فإن الله مع المحسنين، وكما فرج الله لغيرك فسيفرج لك، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]
стр. 6375
وصايا متفرقة
أخي، يا من اضطر لطلاق زوجته في ذات الله وإرضاءً لله! قد يجتمع عليك جيش الهموم، فهمٌ يحيط بك مما خسرت وتكلفت في ذلك الزواج، وهمٌ يحيط بك: هل ستجد امرأة صالحة أخرى تتزوجها؟ وهمٌ يحيط بك: هل كانت المطلقة قد خلفت لك أولاداً من يعتني بهم؟ وهمٌ يحيط بك من موقفك أمام الناس وإذا هم همزوك ولمزوك وأساءوا القول في جانبك، فلا تحزن ما دمت قد فعلت ذلك إرضاءً لله، فإن الله يقول في سورة الطلاق في نهايات الآيات: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١] ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق:٧] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٣ - ٤] نهايات عجيبة تنتهي بها آيات الطلاق لماذا؟ لأن الطلاق شيء كبير، وفيه هَمٌ عظيم لمن اتخذ ذلك القرار إرضاءً لله ، إن الله سيجزيه على عمله ذلك ويعوضه خيراً.
أخي، يا من وقعت في ورطة فلم تعرف كيف الخلاص، وحاولت الفكاك ولكن ولات حين مناص! تذكر في لحظاتك هذه قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
أخي، يا من ابتلاه الله في جسده! فهو يئن تحت وطأة المرض، ويتلوى من الوجع على فراش الإصابة، تحيط بك هموم الآلام بأنواعها.
ويا من ابتلاه الله في حبيبه أو ولده فهو يحس حرارة الابتلاء في كبده، لا تيأس فإن فرج الله بالشفاء لآت، وإن لم يحصل الشفاء فهو ابتلاء ترفع به الدرجات في الجنات، وتضاعف الحسنات ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤].
ومن رحمة الله أن جعل طعم البلاء يخف على الإنسان كلما امتد زمن البلاء، فأنت ترى المريض المزمن في مرضه اللحظات التي يعيشها الآن أهون عليه من اللحظات التي كانت عندما بدأ المرض؛ لأنه قد تعود مع أن المرض لم يخف بل إنه ربما يشتد؛ لكن الله يصبره، وعلى قدر البلاء تنزل المعونة.
تعودت مس الضر حتى ألفته وأسلمني طول البلاء إلى الصبر
ووسع صدري للأذى كثرة الأذى وكان قديماً قد يضيق به صدري
وكذلك الداعية إلى الله عندما يبتلى بأذى الناس ربما يجزع في المرات الأولى، ولكن يوسِّع صدره على الأذى كثرة الأذى، وعلى قدر البلاء تنزل المعونة
стр. 6376
إن النصر مع الصبر
وأخيراً! معشر المسلمين المخلصين، الذين تعملون لإعلاء دين الله وكلمته: لقد طال هذا الليل واسود جانبه، وأرقنا فعل الجاهليات بأهل الإسلام، لا تيأسوا، فإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرا يقول الله : ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ * ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١٠٩ - ١١٠] فهذه سنة الله في الدعوات؛ أن الخطوب تشتد عليها والأخطار من كل جانب، حتى يفعل جميعهم كل الإمكانيات فلا تفيد، وبعد أن يفقدوا الأمل ويصلوا إلى نقطة يحسون ألا نصر عندها إذا بنصر الله يأتي، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠].
متى أتى النصر؟ أتى النصر عندما اشتدت الأمور، وظنوا أنه لن يأتي ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠]، وهكذا لكي لا يكون النصر رخيصاً، فلو كان النصر رخيصاً لقام في كل يوم دعيٌ بدعوة لا تكلفه شيئاً، ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثاً ولعباً، فإنما هي قواعد في حياة البشر ومنهاج لهم.
يا فارج الهم عن نوح وأسرته وصاحب الحوت مولى كل مكروب
وفارق البحر عن موسى وشيعته ومذهب الحزن عن ذي البث يعقوب
وجاعل النار لإبراهيم باردة ورافع السقم من أوصال أيوب
إن الأطباء لا يغنون عن وصب أنت الطبيب طبيب غير مغلوب
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.
وصلى الله وسلم على النبي الأمي محمدٍ، صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.
стр. 6377
اليهود خونة العهود
اليهود شر وأبغض أمة على مر التاريخ، وقد لعنهم الله جل وعلا في كتابه، وعلى ألسنة رسله ﵈، وهنا عدة وقفات مع فلسطين الجريحة وما يجري بها من أحداث، مع بيان لموقف الأطفال وشجاعتهم ورباطة جأشهم.
فيجب أن تعلم الأمة أن ما أخذ بالقوة لا يرجع إلا بالقوة، فالجهاد هو الوسيلة الوحيدة لاستعادة الأقصى.
وقد نبه الشيخ على أهمية الإعلام الإسلامي، وتساءل عن دوره في هذه القضية، وحذّر الأمة من الغفلة، ودعاهم إلى الاستيقاظ، وحث على تربية الأبناء على الجهاد وكره اليهود الأوغاد.
стр. 6378
اليهود في القرآن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم العن اليهود ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٨٨].
اللهم العن اليهود ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة:٨٩]-أي: محمد ﷺ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
اللهم العن اليهود ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:٤٦].
اللهم العن اليهود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء:٤٧].
اللهم العن اليهود ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣].
اللهم العن اليهود ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٦٠].
اللهم العن اليهود ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:٦٤].
اللهم العن اليهود ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بن مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨].
كم مرةٍ لعنهم الله في كتابه، وكم مرةً لعنهم النبي ﷺ ؟: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
(لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها).
стр. 6379
عداوة اليهود للأمة الإسلامية
عباد الله: هذه الأمة الملعونة في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله من قبل، هي الأمة التي تعتدي اليوم على مقدسات المسلمين، وعلى دمائهم وبيوتهم وأولادهم، هي الأمة الملعونة التي لا ترقب في مؤمنٍ إلاّ ولا ذمة اليهود خونة العهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة:١٣]، ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣] اليهود ليست لهم عهود اليهود خونة العهود، هؤلاء هم اليهود لمن لم يعرف اليهود.
إن القضية قضية تاريخية، والمسألة مسألة شرعية، والقضية قضية عقدية إن اليهود لا يمكن مسالمتهم أبداً وليس لهم عهد ولا ميثاق رغم أنف الذين يريدون أن يعقدوا معهم عهداً وميثاقاً، فهم يهود مثلهم.
اليهود لا يؤمن شرهم ولا يؤمن مكرهم اليهود خلق نجس ورجس شيطاني اليهود أعوان إبليس اليهود سبب شقاء البشرية مع غيرهم من ألوان الكفر والشرك في الأرض، يقودهم إبليس إلى جهنم وبئس المصير اليهود أعداؤنا، كرههم في قلوبنا، وجهادهم عبادتنا وقربتنا إلى الله اليهود: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] هؤلاء الذين أظهر الله مكرهم وأظهر بغضهم، وكشف سترهم وسرهم، وجعلهم باستمرار أعداءً للمسلمين.
стр. 6380
وقفات مع فلسطين الجريحة
وتثبت الأحداث التي يقدرها رب العالمين استمرار عداوة اليهود للمسلمين، وكلما قارب السلم المزعوم على الانعقاد يجري الله حدثاً، فيقدم هؤلاء على إطلاق النار على المصلين في المسجد الأقصى بعد صلاة الجمعة الماضية كان المسلمون في بني خزاعة لما أغارت بنو بكر -المشركة- عليهم، استغاثوا بالله ربهم، وتوجهوا لنبيه في المدينة يطلبون المدد ويقولون:
هم بيتونا بالوتير هجداً وقتلونا ركعاً وسجداً
فَجَيَّشَ النبي ﵊ عشرة آلاف مقاتل للانتقام لهم، وكان هذا سبب فتح مكة، فمن ذا الذي ينصر المسلمين في المسجد الأقصى واليهود يطلقون النيران على المصلين؟ ولا ندري ماذا سيحدث في هذه الجمعة؟
стр. 6381
اعتداء اليهود الأنذال على المسلمين
أيها الإخوة: إن الله سبحانه يقول: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] ولما صار هذا التدافع بين المسلمين واليهود ظهرت أمور كثيرة؛ فكان قتل سبعين من المسلمين، وجرح أكثر من ألف وخمسمائة مسلم بكل أنواع الأسلحة، لم يوفر اليهود سلاحاً عندهم للمجابهة إلا واستخدموه حتى الصواريخ؛ فقد قتل مسلمٌ بصاروخ، فتشتت لحمه وتبعثر جسمه وتفرق دمه، حتى لم يعد أهله يستطيعون أن يتعرفوا عليه، وهكذا رصاص طائرات الهيلوكبتر التي تطلق على المسلمين في أرض فلسطين، فيتساقطون -فيما نرجو- شهداء عند الله .
إنزال مظلي، وفرق متخفية، وكذلك دبابات وتعزيزات وتحصينات وهكذا يخترق الجيش اليهودي أراضي المسلمين ليعلم أهل النفاق أنه ليس لليهود أمان، وأنهم لا يحترمون عهداً ولا ميثاقاً، إن التشوهات التي أصابت أجساد المسلمين من رصاص الدمدم والقنابل الانشطارية، والأشياء التي يزعمونها محرمة دولياً، والله حرم الاعتداء وسفك الدماء بأي وسيلة كانت.
ثم يحدث هذا -أيها الإخوة- في شهر رجب الذي نعيش أيامه هذا الوقت، هذا الشهر الحرام سفكوا فيه دماءنا، وهو أحد أربعة شهور هي الأشهر الحرم التي هي أعظم الشهور عند الله، هكذا لم يوقر شهر حرام، ولا دم حرام، وهكذا حصلت الاعتداءات.
стр. 6382
أمور مستفادة من الحدث
لقد أظهر هذا الحدث بشهادة الجميع حتى الكفار أموراً متعددة، لقد صرحوا بأنه فاجأ العالم بأمور كثيرة، ومن ذلك أيها الإخوة: البطولة العجيبة التي أظهرها المسلمون في أرض فلسطين، فيتصدى المسلمون لليهود المتترسين المتصفحين الذين يطلقون الرصاص الحي وغيره على المسلمين فأي شجاعة وأي جرأة تلك التي انبعثت في المسلم الذي يتصدى للرصاص بالحجارة؟! ولو كان -يا ترى- عند المسلمين سلاح فكيف سيكون الأمر؟! إذاً: هذه الأمة قابلة للعمل والإحياء، وقابلة للتصدي والجهاد، وفي أفرادها جرأة وشجاعة تنقصهم قيادة راشدة، وخطة حكيمة، وإعداد جيد، واستعداد على منهج الآية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] المسلمون لم يهربوا عندما أطلق اليهود الرصاص عليهم، بل بقوا في الشوارع يذهبون يجرون ويركضون ويغيرون مواقعهم، ويصعدون الأسطحة، يرشقون الحجارة بالمقلاع بقذائف المولوتوف بما تيسر، تقدم الأسر القتلى تلو القتلى ويصعدون الأسطحة لقلع الأعلام الإسرائيلية.
لقد ظهرت أمور عجيبة، ومن ذلك: شجاعة الصبيان، وهذه قضية بالتأكيد قد فاجأت اليهود أنفسهم، فلا ينسى العالم مشهد ذلك الصبي ذي الأربعة عشر عاماً الذي صعد السطح لكي يقلع العلم اليهودي الإسرائيلي، وطائرات الهيلوكبتر تلاحقه، وزخات الرصاص تحاصره، والقناصة الإسرائيليون من النوافذ يطلقون النار عليه، ويمضي وهو مصاب بعدما اقتلع العلم ليرقد خمساً وأربعين دقيقة في الشارع حتى يتم إنقاذه إلى المستشفى وهو ينزف.
стр. 6383
الجهاد هو الحل لاستعادة فلسطين
أيها الإخوة: لقد ظهرت شجاعة الأطفال، فإذا كان هذا شأن الأطفال، فما هو شأن الرجال؟ ولو وجدت راية إسلامية وسلاح بأيديهم ماذا كانوا سيفعلون إذاً؟! لقد ظهر التلاحم بين المسلمين، وكان اليهود ليحسبوا حساب عرب إسرائيل في حدود ثمانية وأربعين -كما يسمونها- أن يقوموا بمثل هذا العمل! فإذا بهم يتصاعدون لمؤازرة إخوانهم وراء الخط الآخر المزعوم؛ لإثبات أن الإسلام هو النسيج الذي يربط بين هؤلاء جميعاً، وهكذا قدموا أيضاً قتلى، وظهر أن الهوية الإسرائيلية التي منحها اليهود لعرب الثمانية وأربعين لم تجدِ في تغيير ولائهم، بل تصاعد المجد الإسلامي بينهم ليكونوا لحمةً مع المسلمين في الطرف الآخر، وهكذا قام المسلمون في عدد من البلدان يتظاهرون تأييداً لإخوانهم المسلمين في الداخل، وسمع كلامٌ لم يكن يسمع من قبل في قضية إعلان الجهاد، وأنه الحل الوحيد، ونبذ الاستسلام والسلام الموهوم، والعودة إلى أن الذي أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.
أيها الإخوة: إن هذا التخطيط المسبق من اليهود لهذه القضية التي حصلت، وهذه الجرائم التي صارت؛ أيقظت في نفوس المسلمين الحمية.
إن هذه الأمة التي جرى تنويمها بالأفلام والملاهي والألعاب وغير ذلك من ألوان الترف، والتي جرى تخديرها بالمغنين والمغنيات، والراقصين والراقصات، والممثلين والممثلات، والسياحات والسفريات، وغير ذلك من أنواع الملهيات، إنها لتستيقظ اليوم وهي ترى هذه الدماء في أرض فلسطين، حتى اضطرت بعض جهات الفسق إلى تغيير برامجها مواكبةً للحدث، ومراعاة لمشاعر الجماهير كما يقولون، فأصبحت -بزعمهم- أكثر جدية من ذي قبل، وهذه ملاحظة مهمة: أن تكون القضية فرضت نفسها؛ بحيث إنهم اضطروا إلى أمور من تغيير البرامج مواكبةً للحدث.
أيها الإخوة: إن مشاركة المسلمين لإخوانهم في المشاعر، والتعبيرات التي ظهرت في الشارع الإسلامي جميعه، تدل على أن مفهوم الجسد الواحد يمكن أن يعود، وكذلك فإن ارتفاع الأصوات التي تدعو إلى الجهاد تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخطوة القادمة لهذه الأمة أنه لامناص منها إطلاقاً، وأن الجهاد أمرٌ يفرض نفسه؛ لأن هذا الاحتلال لأرض الوقف الإسلامي أرض فلسطين، التي لا يجوز التنازل عن شبر منها؛ لا يمكن إزالته إلا بالجهاد، وبالانتقام لله من هذه الشرذمة الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤].
وليست القضية قضية قديمة؛ فهذا موفادي يوسف كبير حاخاماتهم وأحبارهم، يقول: إن الله ندم على خلق الفلسطينيين!! فسب الله مستمر من اليهود قديماً وحديثا، فهم أمةٌ واحدةٌ ملعونة، وخط ملعونٌ مستمر في التاريخ من أول ظهورهم، هكذا كانوا يقتلون الأنبياء، ويعيثون في الأرض فساداً، ويسبون الله تعالى.
وضعوا السم للنبي ﵊، وتآمروا عليه وعلى المسلمين، واشتركوا في المؤامرة مع كفار قريش والمنافقين، والخيانة مستمرة والقضية مستمرة، وكما حُلَّت بالجهاد في الماضي فإنها لا تحل إلا بالجهاد في الحاضر.
أيها الإخوة: لقد رأينا وقاحتهم وهم يطلبون من الفلسطينيين الكف عن إطلاق النار، وضبط النفس، أي ضبط للنفس في هذا الموضوع؟! وكيف يملك أن يضبط نفسه من يرى أفراد أسرته يقتلون، ومنزله وغرف بيوته تهدم بقذائف صاروخية؟! ثم يقولون: ضبط النفس!! ورأينا -أيها الإخوة- كيف يتآمر الإعلام الغربي النصراني الحاقد مع الإعلام اليهودي وبينهما نسب كبير في قضية طمس الصورة الحقيقية وتشويه الأحداث، فالتركيز -مثلاً- على صورٍ لفلسطينيين قلة وندرة يطلقون رصاصاً من مسدس أو بندقية؛ لكي يظهروا للعالم ويوهموا الناس أن القضية قضية حرب جيشين أي جيشين؟! ومن هو الجيش الآخر؟ معظم الناس الذين اشتركوا من المسلمين بالحجارة وبأيديهم، ولو كانت الأسلحة موجودة فعلاً بأيدي مؤمنين حقاً لتغيرت النتيجة منذ أيام، وانقلبت القضية.
стр. 6384
أهمية الإعلام الإسلامي في القضية الفلسطينية
أيها الإخوة: إن هذه الفضائع التي حدثت كان لها أثر في النفوس، ونقول دائماً: ليس في أفعال الله شر محض، فلابد أن يوجد فيه خير بوجه من الوجوه، قد يقول الناس: الخسائر ضخمة، سبعون قتيلاً وألف وخمسمائة جريح، ومنازل متهدمة، لكن نقول: الوعي الذي أحدثته هذه الدماء في الأمة كبير جداً، المكسب في الوعي وإيقاظ الإيمان والنفوس المتخدرة أكبر بكثير من الخسارة التي حصلت، والله غالب على أمره، والله يحدث في الواقع من المفاجئات ما تربك اليهود ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] بالتأكيد إنهم لن ولم يكونوا قد حسبوا لهذه المسألة تلك الحسابات، ولذلك هنا يبرز أهمية الإعلام الإسلامي الحقيقي عندما يقدم الصورة للناس.
تأملوا -أيها الإخوة- في كاميرا ذلك الفلسطيني الذي صوبها بمهارة على محمد جمال الدرة وهو يقتل بجانب والده، ووالده يتوسل لهم، لقد أقضت الصورة مضاجع العالم، لكن هذه صورة فأين بقية الصور؟ صورة واحدة فعلت هذا الفعل في العالم، والشجب والاستنكار والغثيان والاشمئزاز من أفعال اليهود، وهناك صبيان آخرون قد قتلوا مثله، لكن لم تدركهم الكاميرات، فإذا كانت هذه اللقطة التي كان اليهود سيدفعون مبالغ طائلة جداً جداً لمنع انتشارها، ومنع عرضها لو استطاعوا، فعلت هذا الفعل، فكيف كان سيحدث إذاً لو صورت المناظر الباقية؟!
стр. 6385
الانتقام من اليهود قضية متأصلة عند المسلمين
أيها الإخوة: إن اليهود يراهنون على أن القضية ستكون زوبعة في فنجان، وأننا لا نلبث أن نهدأ وننام، وأن يقوم القوم لمصافحتهم وتقبيل شواربهم، وتوقيع اتفاقية السلام، لكننا نؤمن بالله، وأنه على كل شيء قدير، وأن الله يقلب عليهم مخططاتهم، وأن الله قادر على إيقاظ الأمة التي يراهنون على عودتها للنوم من جديد.
أيها المسلمون: لقد أيقظ الحدث في نفوسنا أمراً مهماً جداً، أيقظ أمراً مهماًَ في نفوس المسلمين، وهو الرغبة في الانتقام، وهذه قضية يخشاها اليهود جداً أن يوجد عند المسلمين رغبة حية متصاعدة متدافعة للانتقام إنهم يريدون السلام لكي لا يحصل الانتقام؛ لأن دولتهم لا يمكن أن تواجه الانتقام، ولكن الانتقام رغبة متحققة متجذرة متأصلة في نفوسنا، ونفوس المسلمين الذين عرفوا الأحداث وشهدوها.
وسيستغل القضية المنافقون والعلمانيون والمشركون والباطنيون والقوميون، وأصحاب البدع الكفرية، سيستغلون قضية الحدث، وما صار في المسجد الأقصى، فهؤلاء يجب إسكاتهم، وعدم الالتفات إليهم، وإنما الالتفاف حول من يتكلم عن إسلامية القضية؛ لأن القضية لا يمكن أن توصف إلا بأنها إسلامية، وأي شعار آخر للقضية فهو كاذب؛ لأنك لو قلت: إن القضية قضية عرب، فالعرب فيهم نصارى، وفيهم كفار، ومرتدون، وزنادقة، وملاحدة واشتراكيون، فما علاقتهم بالمسجد الأقصى؟ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة:١٧].
لقد تعالت أصوات المسلمين وهي تدعو للعمل قائلةً:
طلقوا الكلام ودعوا القرطاس فكلامهم قذائف وأقلامهم رصاص
стр. 6386
تربية الأبناء على الجهاد وبغض اليهود
إذاً أيها الإخوة: لقد أحسسنا فعلاً بأجواء جهادية، وقد طار النوم عن كثيرين، واستيقظت مشاعر دفينة، وتأججت مشاعر في النفوس كانت مطموسة، وكانت مغلقاً عليها بالشهوات، وهذا هو الذي نريده؛ أن يزيل المسلمون غبار النوم عنهم.
وأن يتركوا الانغماس في الشهوات، ويقوموا لتربية أولادهم على الجهاد، هذه هي الفائدة الكبيرة من الموضوع: تربية الأولاد على الجهاد، وكره اليهود والنصارى والكفار، تربية الأولاد على الجهاد، وإحياء جذوته في نفوسهم، هذا هو المطلوب الآن، والاستعداد لما سيجد في المستقبل.
اللهم إنا نسألك أن تخزي اليهود والنصارى، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نسألك أن تحفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 6387
استيقاظ الأمة عقب الأحداث
عباد الله: إن الشعار العظيم الذي يرفعه المسلمون، ويتأجج من حناجرهم:
خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود
هو الذي يرهب اليهود حقاً.
إن اليهود لا يريدون -إطلاقاً- أن يتحول الحدث إلى عاصفة توقظ الأمة من رقادها، إنهم لا يريدون إطلاقاً أن تتعالى صيحات الجهاد، إنهم لا يريدون أبداً أن يكون المسلمون يداًَ واحدة، فقد فاجأهم الحدث حقاً في نتائجه، وما يترتب عليه.
إنني أجزم -أيها الإخوة- أنهم لم يكونوا يحسبون حساباً لتلك اللقطة التي حصلت لذلك الطفل الذي قتل بجانب أبيه، ولا لتلك الطفلة ذات الثمانية عشر شهراً التي تعمد مستوطن مجرم يهودي أن يطلق عليها الرصاص وهي في مقعد سيارة أبيها!! فماذا تفعل بنت رضيعة عمرها ثمانية عشر شهراً؟! وهل تملك أن تجري وأن تهرب أو أن تدافع عن نفسها؟! لكن هذه طبيعة اليهود، أرانا الله إياها، هذه طبيعتهم وهذا غدرهم، ثم يقولون: إن المستوطنين في كفر قاسم غير قادرين على التجول، والخروج إلى وظائفهم! مساكين!! وأما هؤلاء الذين يصلون نار الرصاص فلا عليهم شيء ولا بأس بزعمهم.
محمد أي ذنب جئت تحمله حتى قتلت على عين الملايين
يا درة المجد قد فجرت في شرف شرارة الثأر في وجه الشياطين
محمد أي جرح صغت في كبدي وما الذي بعد هذا الخطب يبكيني
كأنما طلقات الحقد في جسدي والهم يفتك بي فتك السكاكين
يا للأبوة والأشجان تخنقها والموت يبرق من أنياب تنيني
ماذا أثرت على الوجدان من شجن والقدس قبلك مغلول الذراعين
وخلف صوتك أصوات معذبةٌ من ليل صبرا وذكرى دير ياسين
وفي جفونك أحزانٌ مسطرةٌ للأرض والعرض والإحراق والهون
دموع عينيك تحكي ألف مجزرةٍ من صنع جولدا ومن أيام شارون
وفي المحيا سؤالٌ حائرٌ قلقٌ أين الفداء وأين الحب في الدين؟
أين الرجولةُ والأحداث داميةٌ؟ أين الفتوح على أيدي الميامين؟
ألا نفوسٌ إلى العلياء نافرةٌ؟ تواقةٌ لجنان الحور والعين؟
كرامة الأمة العصماء قد ذبحت وغيبت تحت أطباق من الطين
لكنها سوف تحيا من جماجمنا وسوف نسقي ثراها بالشرايين
نفديك بالروح يا أقصى وحيَّهلا بميتةٍ في سبيل الله تحييني
تهون للقدس أرواح وأفئدةٌ وكل حبة رمل من فلسطين
لكل خطبٍ عزاءٌ يستطب به لكن إذا ضاع قدسي من يعزيني
أيها الإخوة: لقد كانت حادثة قتل الطفل شرارةً فعلاً، وكذلك الأطفال الذين قتلوا، والأرواح التي أزهقت، والدماء التي سالت، والبيوت التي خربت، هكذا توقظ أقدار الله التي يجريها في الواقع القلوب الميتة، وتحيي النفوس التي طال صدؤها في مستنقع الرذائل، وتقول للمسلمين: انهضوا من الشهوات يا أيها الناس، تجرون وراء الشهوات والأقصى يحدث ما يحدث فيه من قتل المصلين!! وتنتهون بالمحرمات خمر وزنا، وفضائيات عاهرة، وأفلام، ومسرحيات، ومسلسلات، وملاهي، وهكذا يفعل بالمسلمين! فأين الخير فيكم إذاً؟!! هكذا تهتف الأحداث بنفوس المسلمين.
نسأل الله أن يجعل من هذا الشهر العظيم شهر نصر للإسلام والمسلمين، اللهم أرنا في اليهود بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل عليهم عذاباً من فوقهم، وزلزل الأرض من تحتهم، وائتهم من حيث لا يحتسبون اللهم يتم أطفالهم، ورمل نساءهم، وخرب بيوتهم، ودمر اقتصادهم، وعطل أسلحتهم إنك أنت القوي العزيز.
اللهم اجعلها عليهم ناراً ودماراً وشدةً وحصاراً.
اللهم أيقظ في نفوس المسلمين الحمية لقتالهم، واجمع كلمة المسلمين على جهادهم اللهم أفشل خطط المنافقين، ودمر النصارى والمشركين الذين يؤازرون اليهود الملاعين، اللهم شردهم وشرد بهم من خلفهم إنك يا جبار على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم آمنا في أوطاننا وسائر المسلمين يا رب العالمين، واجعلنا مدداً للجهاد يا حي يا قيوم، إنك على كل شيء قدير.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 6388
انتشار مسألة الحلف بالله تعالى بالحق والباطل
لقد انتشر الحلف بالله تعالى انتشاراً كبيراً في أوساط المسلمين، فترى أحدهم يحلف بالله تعالى في كل شيء، في الأمر المهم والأمر الحقير، وفي الأمر الحلال والأمر الحرام، ترى أحدهم تسبق شهادته يمينه ويمينه شهادته غير مبال بالله تعالى، هكذا حال كثير من الناس، كالتجار وغيرهم، فيا ترى ما هي أسبابه؟ وما هي أحكامه وأنواعه؟ هذا ما تكلم عنه الشيخ حفظه الله، ثم تحدث عن كفارة اليمين وأحكامها، وبين خطورة هذا الأمر وعدم جواز التمادي فيه.
стр. 6389
انتشار الحلف بالله تعالى وأسبابه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخواني المسلمون: إن من أهداف خطبة الجمعة إيضاح المشاكل التي وقع فيها الناس مما يمس الإسلام بصفة عامة والعقيدة السمحة بصفة خاصة، ونحن اليوم إذا دققنا النظر في أحوال المجتمع وجدنا بأن الآفات التي تنخر في عقيدته كثيرة، وبأن الظواهر المحرمة قد انتشرت وعمت، ومن هذه الظواهر التي سنتكلم عنها إن شاء الله، ونبين علاقتها بالعقيدة الإسلامية، واستهان الناس بهذا الأمر الخطير ونبين جزءاً من أحكامه الفقهية بشكل مبسط؛ لعل الأمر يتضح عند الكثيرين إن شاء الله، وهذه القضية -أيها الإخوة- هي انتشار مسألة الحلف بالله تعالى بالحق والباطل.
فأنت ترى ألسنة الناس منطلقة بالقسم بالله ، بالأمر المهم وفي الأمر الحقير، وفي الأمر الحلال وفي الأمر الحرام، ترى أحدهم تسبق شهادته يمينه ويمينه شهادته غير مبالٍ بالله تعالى، وترى التجار يحلفون بالله تعالى أنهم قد أعطوا في السلعة كذا وكذا، وأن مشتراهم كذا وكذا، وأن ربحهم كذا وكذا، وهم مع ذلك غير صادقين، بل إن المسألة -أيها الأخوة- قد تطورت حتى صار الحلف بالله في الأمور المهانة والحقيرة، فترى كثيراً من اللاعبين يقولون: والله هذا هدف، والآخر يقول: والله ليس بهدف، وهكذا فأصبح الله في نفوس هؤلاء الناس ليس له وزن ولا قيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وإذا حلَّلت معي -يا أخي المسلم- الأسباب التي أدت إلى انتشار الحلف بالله تعالى والاستهانة بهذه القضية الخطيرة عند الناس اليوم لوجدت لها عدة أسباب، منها: أولاً: أن عظمة الله تعالى في نفوس كثير من المسلمين قد تلاشت أو قاربت، أصبح الله ليس له مهابة في قلوب كثير من المسلمين، فهم يحلفون به في أي ساعة من ساعات الليل والنهار، سواء كان الأمر يستحق الحلف أو لا يستحق الحلف، وهذه قضية خطيرة لها مساس مباشر بالعقيدة الإسلامية إن من أسماء الله تعالى -أيها الإخوة- أنه العظيم، هذا الاسم العظيم الذي جهلته قلوب كثير من المسلمين، وهذا الجهل هو الدافع لانطلاق الحلف على ألسنة الناس.
ثانياً: انعدام ثقة الناس بعضهم ببعض.
ومن أسبابه: فشو الكذب بين الناس، فترى هذا لا يصدق هذا إلا بالحلف، ويقول له إذا قال له خبراً بقضية عادية بأسلوب عادي: اقسم بالله إن هذا صحيح، لأن الثقة بين الناس قد انعدمت، وفشا الكذب حتى لم يميز الصادق من الكاذب والأمين من الخائن، ومع انتشار القسم صار حتى القسم شيئاً عادياً، لا يصدق من يقسم.
هذه المسألة الخطيرة -أيها الإخوة- تحتاج إلى علاج، وتحتاج إلى تبيين شيء من أحكامها؛ لعل الله تعالى يوقظ تلك الأفئدة النائمة وتلك العقول الخامدة، التي سيطر عليها تبلد الإحساس، وانعدمت عظمة الله بين جنبتي نفوس كثير من الناس.
واعلموا -يا إخواني- أن الإفراط بالحلف أصلاً مذموم؛ لأن الله تعالى قال في القرآن العظيم: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] وحلاَّف صيغة مبالغة وهو الرجل الذي يحلف كثيراً، وقال : ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] لا تقسم عند أي شيء، احفظ اليمين، ادخر اليمين للأمر العظيم، لا تجعله ألعوبة كما جعله اليوم كثير من المسلمين.
стр. 6390
أنواع اليمين وبعض أحكامه الفقهية
واعلموا يا إخواني أن اليمين ثلاثة أنواع: ما يجري على ألسنة الناس دون قصد فترى أحدهم يسأل: هل فلان موجود؟ فيقول له بعض الناس: والله غير موجود، أو والله ذهبت البارحة للمكان الفلاني، هذا النوع من القسم لا يعتبر قسماً، ولا تنعقد به اليمين، ولا تجب فيه الكفارة، لأن المتكلم ما قصد الحلف وإنما جرى على لسانه بغير قصد، وهذا هو معنى قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] هذا هو معنى اللغو في اليمين، وهذه اليمين غير منعقدة.
أما النوع الثاني من اليمين فهو اليمين الغموس الكاذبة هذه اليمين التي يراد منها اقتطاع مال امرئ مسلم، أو أخذ حقه والاستيلاء عليه ظلماً وعدواناً اليمين الكاذبة التي قال العلماء بالإجماع: إنه ليس لها كفارة مطلقاً، لأنها أعظم بالذنب، لأن ذنبها عظيم لا يكفره كفارة مادية اليمين الغموس الكاذبة هي في عظمة ذنبها أكبر من أن تكفرها أية كفارة، ولذلك قال العلماء: إنه لا كفارة لها مطلقاً من أنواع الكفارات المادية، ولا يكفرها إلا التوبة والاستغفار، استغفار الله تعالى من هذا الجرم العظيم.
وكذلك هي التي ذكر الله تعالى أنها من صفات المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] يحلف على الكذب وهو يعلم أن يمينه كذب، وهذه الخصلة صارت خلقاً لكثير من المسلمين اليوم.
أما النوع الثالث فهي اليمين الشرعية التي يحلف بها الإنسان بالله على أمر مباح أو مشروع أو غير محرم هذه اليمين يشرع استخدام جزء منها -أيها الإخوة- كما كان ﷺ يستخدمها -مثلاً- في التأكيد على الحقائق الإيمانية، من خلال الدعوة إلى الله ، فالداعية -أحياناً- يحتاج -لكي يقوي أسلوب العرض ويؤكد ويجزم بما يقول- إلى الحلف بالله بأن هذا الأمر حق، كعذاب القبر مثلاً، أو الصراط أو المحشر أو الحساب، إلى غير ذلك من أمور العقيدة؛ فإن الحلف في أثناء دعوة الناس إلى الإسلام بعرض حقائق الإيمان عليهم لا حرج فيه؛ لأنه ﷺ قد استخدمه.
стр. 6391
الحلف لا يجوز إلا بالله تعالى أو أسمائه وصفاته
واعلموا -أيها الإخوة- أنه لا يجوز الحلف إلا بالله وصفاته، فإذا حلفت بالله أو بعلم الله أو قدرة الله أو عزة الله أو عهد الله تعالى لأن العهد من كلامه ، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠] أو حلفت بآيات الله تعالى؛ فإن الحلف بها جائز؛ لأن آيات الله هي كلامه، والكلام صفة من صفاته، والحلف بالله أو بصفاته جائز، أما الحلف بالمخلوقات فإنه لا يجوز مطلقاً، كالحلف بالكعبة مثلاً، أو الحلف بالأب، أو الحلف بالأمانة، فرسول الله ﷺ يقول: (من حلف بالأمانة فليس منا) حديث صحيح.
كثير من الناس اليوم تجده يقول: والأمانة، وأختم بأمانتي، أو وأقسم بالأمانة أنه كذا، يقول عليه الصلاة السلام: (من حلف بالأمانة فليس منا) وبعض الناس تتطور بهم أمور خطيرة تؤدي إلى الشرك والعياذ بالله، عندما تجد أحدهم يقسم بالولي الفلاني أو العبد الفلاني، وهؤلاء -أيها الإخوة- استحوذ عليهم الشيطان لدرجة أن أحدهم عندما تقول له: احلف لي بالله، يحلف لك بالله كاذباً، لكن إذا قلت له: احلف بحياة شيخك فلان، أو احلف برأس البدوي أو غيره من الأولياء، فإنك تجده لا يحلف بهذا الولي إلا إن كان صادقاً هذا شائع في بعض أمصار المسلمين، نسأل الله السلامة والبراءة من الشرك فإذا حلف إنسان بمخلوق من المخلوقات كما يجري على ألسنة كثير من المسلمين اليوم الذين يقولون في حلفهم: والنبي، مثلاً، يقولون: والنبي.
والنبي ﷺ مخلوق من المخلوقات التي خلقها الله، فالحلف به لا يجوز مع عظم منزلته التي أنزله الله إياها، لأن الحلف -أيها الإخوة- عبادة لا يجوز صرفها إلا لله، لا يجوز القسم إلا بالله، إن الله يقسم بما شاء من مخلوقاته: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] لكن العبيد لا يجوز لهم أن يقسموا إلا بالله، فإذا أقسم إنسان بغير الله فإن قسمه لا ينعقد، لا يعتبر يمينه يميناً، ولو حنث فيه فلا تجب الكفارة، أما اليمين الشرعية فهي التي لا يحلف فيها إلا بالله، ويؤكد ﵊ خطورة هذا الأمر فيقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) حديث صحيح.
стр. 6392
حكم الحلف بغير الله تعالى
وكذلك -أيها الإخوة- فإنك إن سألتني عن هذا الحالف بغير الله، كالذي يحلف بالنبي ﷺ -مثلاً- ما حاله؟ هل هو مشرك كافر خارج عن ملة الإسلام؟ أم هو باق على إسلامه؟ فأقول لك: إن الجواب في هذا فيه تفصيل: فإن هذا الحالف إن قصد أن النبي ﷺ ، أو هذا الذي يحلف به كمن حلف بالكعبة أو حلف بأبيه أو حلف بشرفه إن قصد أن هذه المحلوفات أعظم من الله أو مساوية لله بالعظمة أو ما شابه ذلك، فهو كافر مرتد مشرك خارج عن ملة الإسلام، وإن لم يقصد هذا وإنما حلف بها لجهله أو سبق لسانه لأن مجتمعه كان متعوداً عليها؛ فهذا لا نخرجه عن ملة الإسلام ولا يعتبر كافراً.
ولكن من حلف بغير الله فعليه كفارة، يقول ﷺ : (من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله) من حلف بولي من الأولياء، أو بالشرف، أو بالأمانة، أو بصنم، أو بما سوى ذلك مما يسبق على لسانه ويجري؛ فعليه أن يقول: لا إله إلا الله، من قال: والنبي، ما هي كفارة هذا الحلف المحرم؟ أن يقول بعد أن يتذكر مباشرة: لا إله إلا الله، كما ورد في الحديث الصحيح.
وكذلك -أيها الإخوة- لقد كان ﷺ يحلف بالله وصفاته، ومن صفات الله أنه يقلب القلوب، فكان ﵊ يقول: (لا ومقلب القلوب) وكان يقول: (والذي نفسي بيده) وكان يقول: (وأيم الله) وهكذا من صفات الله تعالى وأسمائه.
стр. 6393
التكفير عن اليمين وفعل الذي هو خير
وبعض الناس -أيها الإخوة- يقع عندهم إشكال فيما إذا حلفوا على أمر ليس من البر، فأحياناً يحلف إنسان فيقول: والله لا أدخل بيتك والله لا أطأ عتبة دارك والله لا آكل من طعامك أو أشرب من شرابك والله لا آخذ منك قرشاً أو والله لا أعطيك قرشاً، كمن يحلف ويقول لزوجته: والله لا أعطيك ريالاً أو فلساً، أو يقول لولده: والله لا أعطيك بعد الآن ريالاً واحداً هذا الحلف -أيها الإخوة- إذا جئت تنصح الحالف وتقول له: اتق الله في أهلك، أنفق عليهم، أعط أولادك النقود التي يحتاجونها، ادخل بيت فلان هذا، كيف تقطعه وتقطع صلته؟ فبعض الناس يقولون: ولكني حلفت، إنني حلفت ألا أفعل هذا الأمر، فكيف أفعله الآن وقد أخذت ميثاقاً غليظاً على نفسي وأقسمت بالله ألا أفعله؟ هذا الإشكال حله بسيط، مع التنبيه بأن الحلف -أصلاً- بمثل هذه الأشياء لا يرضاه الله تعالى، كيف تقسم بأن تمنع النفقة عن زوجتك؟! وكيف تقسم ألا تدخل بيت جارك؟! كيف تفعل هذا؟! هو أصلاً لا يرضاه الله، لكن وقد حدث فلا تقل إذا دعيت إلى الخير والبر لقد أقسمت، والموضوع خرج من يدي، ماذا أفعل؟ يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤] الآية والمعنى الذي قصد بهذه الآية: إذا دعيت إلى دخول بيت قد حلفت على عدم دخوله فلا تجعل الحلف بالله تعالى هو الذريعة أو ذريعة لا تجعل الحلف بالله هو عذر أو ذريعة لعدم دخول البيت وتحتج وتقول: لقد حلفت فما هو الحل؟ الحل أن تكفر عن يمينك وتدخل هذا البيت، وتكفر عن يمينك وتعطي المال للزوجة والولد، وما شابه ذلك؛ لقوله ﷺ : (لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه) متفق عليه.
أي: إن تمادي الإنسان في الحلف من هذا النوع، الحلف على ألا يفعل شيئاً من الخير، تماديه في الحلف وإصراره عليه آثم له عند الله من إخراج الكفارة وكسر اليمين، وإخراج الكفارة وفعل هذا الخير الذي منع نفسه منه بالحلف التمادي في اليمين آثم عند الله كما يقول ﷺ ، فالحل إذاً -يا أخي المسلم- أن تكفر عن يمينك، ثم تفعل هذا الشيء الذي منعت نفسك منه وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها -خلاف اليمين الذي حلفت عليه- خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك).
стр. 6394
حكم من فعل المحلوف عليه ناسياً
وكذلك -أيها الإخوة- لو أن إنساناً حلف بالله على ألا يفعل أمراً ثم فعله ناسياً، فهل تجب عليه الكفارة؟
الجواب
لا تجب عليه الكفارة؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
стр. 6395
حكم من حلف على شخص أن يفعل كذا فلم يفعله
وكذلك لو أن إنساناً أقسم بالله على إنسانٍ آخر أن يفعل أمراً ما، فقال إنسان مثلاً: أقسمت بالله عليك ألا تخرج من بيتك، أقسمت بالله عليك أن تتغدى عندي، هذا يعتبر يميناً، فلو أن الرجل الآخر خرج من بيتك، أو لم يتغدَّ عندك؛ فيجب عليك الكفارة، لو قلت: أقسمت بالله عليك يا فلان ألا ترفع هذا الشيء، فرفعه وخالف أمرك، فيجب عليك أنت الحالف الذي أقسمت بالله يجب عليك الكفارة ولذلك أوصى ﷺ بإبرار المقسم، لو أن أخاك أقسم بالله عليك في أمر ما، وقال: أقسمت عليك بالله، أو حلفت عليك بالله يا فلان أن تفعل كذا، فالسنة والمستحب في حقك كواجب من واجبات الأخوة الإسلامية أن تبر بقسم أخيك، ولا تحرجه ولا تجعله يقع في الحنث الذي يوجب الكفارة، ولكن إن حصل الأمر وخالف المحلوف عليه؛ فإنه يجب على الحالف الكفارة.
стр. 6396
حكم تكرار اليمين على شيء واحد والعكس
وكذلك لو أن إنساناً حلف بالله وأسمائه وصفاته على شيء واحد، فهل يعتبر أكثر من قسم، أم يعتبر قسماً واحداً؟ لو قال إنسان: أقسم بالله وآياته وعزته وعهده وقدرته وعلمه أنني لن أفعل كذا، ثم إنه فعل، فإن هذا الحلف يعتبر يميناً واحداً يجب فيه كفارة واحدة؛ لأن موضوع الحلف واحد، وتلك إنما جاءت من باب التأكيد، فمهما أتبع القسم بالله أو آياته وصفاته وحلف على شيء واحد فإنه يعتبر يميناً واحدة، إذا حلف به تجب فيه كفارة واحدة، أو كرر اليمين على شيء معين، فقال: والله ثم والله ثم والله إنني لن أفعل كذا ثم فعله، فيجب فيه كفارة واحدة.
ولو حلف يميناً واحدة على أشياء مختلفة فقال: والله لا آكل ولا أشرب ولا أدخل بيتك، فقال (والله) مرة واحدة، فإنها تجب كفارة واحدة حتى لو كانت عدة أشياء، أما لو قال: والله لا أدخل بيتك والله لا آكل من طعامك والله لا أقعد في بيتك فصار اليمين "والله" متعدداً في العبارات، فعند ذلك تجب الكفارة في كل حلف، أما لو أقسم يميناً واحدة على عدة أشياء فإنه لو فعلها كلها فتجب فيها كفارة واحدة.
أعيد حتى لا يحدث الالتباس: لو أنه أقسم بيمين واحدة على عدة أشياء فقال: والله لا آكل في بيتك ولا أشرب ولا أقعد، فإن حنث بها كلها فقعد وأكل وشرب، فما دام قال: (والله) مرة واحدة، كان بداية الحلف مرة واحدة؛ فعليه كفارة واحدة، أما لو قال: والله لا آكل في بيتك والله لا أدخل بيتك والله لا أقعد في بيتك فعلى كل واحدة منها كفارة، فلو حنث فيها كلها فتجب عليه ثلاث كفارات.
стр. 6397
جواز إخراج الكفارة قبل الحنث وبعده
وكذلك -أيها الإخوة- لو أن إنساناً حلف بالله تعالى ألا يفعل أمراً، أو حلف أن يفعل أمراً ما فهل يجوز له أن يخرج الكفارة قبل الحلف أم لا؟ لو قال: والله لا أدخل بيت فلان، فهل يجوز أن يخرج الكفارة قبل أن يدخل؟ رجع إلى نفسه وقرر أن يدخل؟ فهل يخرج الكفارة قبل أو بعد الدخول؟ قبل الحنث أو بعده؟
الجواب
كلاهما مشروع وكلاهما صحيح، فيجوز أن يخرج الكفارة قبل أن يحنث في اليمين إذا كان يريد أن يحنث، أو بعد أن يحنث فيه.
стр. 6398
حكم من أتبع اليمين بقوله: إن شاء الله
وكذلك فإن حلف إنسان وقال في حلفه: إن شاء الله، فإن اليمين لا تنعقد، فلو قال: والله لا أفعل الشيء الفلاني إن شاء الله، فإن أتبع الحلف مباشرة بقوله: إن شاء الله؛ فإنها لا تعتبر يميناً، ولا تجب فيها الكفارة، وهذا خاص بما إذا كان قد أتبع الحلف مباشرة بقوله: إن شاء الله، أما لو قال أحد: والله لا أفعل كذا، وبعد ساعتين أو بعد يومين قال: إن شاء الله؛ فهذه لا تؤثر، ويعتبر يميناً، ولو حنث فيه وخالف ما أقسم عليه تجب عليه الكفارة والدليل على هذا الكلام قول النبي ﷺ : (من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى) فلاحظ أنه ﵊ قال: (من حلف فقال) والفاء تقتضي المباشرة: (من حلف فقال: إن شاء الله) وكان الخليفة أبو جعفر المنصور يأخذ برأي ابن عباس: بأن الإنسان إذا قال: إن شاء الله بعد سنة يكفي، فقال له أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين! أترضى أن يبايعك الناس ويعاهدوك على الخلافة ثم إذا خرجوا من عندك قال الإنسان منهم: إن شاء الله؛ فلا يلزمه شيء؟ فرجع أبو جعفر عن رأيه لما رأى عظم الأمر.
فهذا -أيها الإخوة- خلاصة بعض الأحكام المتعلقة باليمين، قصد منها ومن عرضها تنبيه الناس إلى خطورة هذا الأمر، وأن فيها الكفارة، كما سنفصل إن شاء الله في الخطبة الثانية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 6399
كفارة اليمين وأحكامها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيله القويم.
ولما كان أمر الحلف بالله عظيماً فقد شرع الله تعالى صيانة لجنابه ، واحتراماً للحلف به، أوجب الكفارة على من يخالف الأمر الذي حلف عليه ويحنث في يمينه، فقال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩] كلها بمنزلة واحدة، أنت مخير بين الإطعام أو الكسوة أو عتق رقبة، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المائدة:٨٩] فمن لم يستطع الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة، فينتقل إلى الدرجة الثانية من الكفارة وهي صيام ثلاثة أيام، وهو مخير إن شاء أطعم وإن شاء كسا، فإن أطعم خمسة وكسا خمسة أجزأ ذلك باتفاق العلماء، ويشترط لمن يطعمهم أو يكسوهم أن يكونوا: أولاً: فقراء، فلا يجوز إعطاء الطعام الغني أو كسوة غني والفقير هو الذي لا يجد حاجته، ولا يجد ما يسد خلته وعوزه.
ثانياً: أن يكون من المسلمين بعض الناس يخرج كفارة فيلقى أقرب عامل بلدية في الشارع ويعطيه وهو لا يعرف إن كان هذا الرجل بوذياً أو هندوسياً أو مسلماً أو نصرانياً، فلا بد أن يتحرى لمن يعطي الكفارة، فيجب إعطاؤه للمسلمين.
ثالثاً: أن يكون هؤلاء قد أكلوا الطعام، ما معنى أكلوا الطعام؟ أي: أن يكونوا في سن يأكلون فيه الطعام، فمثلاً: لو وجدت عائلة فيها عشرة أشخاص كباراً فقراء، فيجوز إعطاؤهم الكفارة، لكن لو كان أحدهم طفلاً رضيعاً صغيراً، عمره شهر لا يأكل الطعام وإنما يرضع، فعند ذلك تكون قد أعطيت الكفارة لتسعة فقط والعاشر لا بد أن تبحث عنه حتى تكمل العشرة، فلا بد أن يكونوا قد أكلوا الطعام؛ لأن الله قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩].
وكذلك يتصدق الإنسان بحاجة الفقير ما يشبعه غداءً أو عشاءً، ما يشبع شخصاً واحداً، يتصدق على عشرة أشخاص بما يشبعهم، وليست صدقة وإنما هي كفارة، تجب عليه وجوباً وليس مخيراً فيها.
ويجوز أن يكون العشرة في عائلة واحدة أو في عدة عوائل، ويستحب طبخ الطعام لهم حتى لا يجدوا عناء في طبخه، ويجوز إعطاء الفقير الواحد حظه من كفارتين، لكن لا يجوز إعطاء طعام العشرة لشخص واحد أو لخمسة أشخاص، الكفارة الواحدة يجب أن تصرف لعشرة مختلفين، لكن لو كان عندك ثلاث كفارات فيجوز أن تعطي فقيراً واحداً ثلاثة أنصبة: الأولى عن الكفارة الأولى، والطعام الثاني عن الكفارة الثانية، والطعام الثالث عن الكفارة الثالثة لشخص واحد، أما لو كانت كفارة واحدة فيجب أن تبحث عن عشرة مختلفين لتعطيهم، ولا يجوز أن تعطي الواحد أكثر من نصيبه من الكفارة الواحدة.
وكذلك فإنه لا يجوز إعطاؤهم نقداً وإنما يجب إطعامهم طعاماً؛ لأن الله نص عليه فقال في القرآن: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩] ولم يقل: التصدق على عشرة مساكين، وإنما قال: فإطعام فلا بد من الالتزام بالنص والوقوف عنده وإعطائهم طعاماً، وقد يكون رب الأسرة بخيلاً، فيأخذ المال إليه ويحرم عياله من الأكل، أما عندما يكون الطعام مطبوخاً فماذا سيفعل به؟ لا بد أن يطعمهم إياه، ثم إن الله جعل للنقد مصارف أخرى على الفقراء وهي الزكاة، فلا حاجة لجعل كفارة اليمين نقداً وقد جعل الله أبواباً أخرى فيها النقد وهي زكاة الأموال.
وكذلك -أيها الإخوة- لا يجوز الانتقال من الإطعام إلى الصيام إلا بعد العجز عن الإطعام، فبعض الناس يقول: أنا أريد أن أوفر على نفسي، لماذا أخرج طعاماً لعشرة أشخاص بمائة ريال كل واحد أشتري له طعاماً بعشرة ريالات مثلاً وتكلفني مائة ريال؟ سوف أصوم ثلاثة أيام أرخص لي! هذا لا يجوز، لأن الله قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] فعلَّق الصيام على عدم الوجود، سواء عدم وجود الفقير، أو عدم وجود المال الذي تشتري به الطعام، أو عدم وجود الطعام لديك، فكثير من الناس يصومون ثلاثة أيام وهو يستطيع أن يطعم، هذا غير جائز ومحرم ولا تقبل كفارته، ولا بد أن يعيدها، فإن عجز فعند ذلك ينتقل إلى الصيام.
انظروا -أيها الإخوة- هذه الآلاف الأيمان التي تنطلق من الناس يومياً ليست سهلة، وإنما فيها أحكام كثيرة، وفيها كفارة، تصور اليوم كم من المسلمين يهملون في هذه القضية العظيمة! وكم من الآثام تتراكم فوق ظهورهم وهم يحلفون بالله مستهينين به ليلاً ونهاراً، في الأمور الحقيرة وغيرها! وفقنا الله وإياكم لهدي كتابه والالتزام بسنة رسوله ﷺ ، والوقوف عند حدوده ، وتعظيمه حق العظمة، التي هو لها أهل .
واعذروني في إطالتي أيها الإخوة، ولكن انتشار الموضوع عند الناس اليوم وخطورته تستوجب ما قلنا وأكثر من هذا، نسأل الله المغفرة في التقصير.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 6400
تربية الزوجة
إن القيام بتربية الأهل وتعليمهم من أوجب الواجبات على المسلم، فالأهل أمانة عظيمة ومسئولية يجب القيام بها وعدم التفريط فيها، والزوجة تعتبر من الأهل الذين يجب تربيتهم وتعليمهم، وقد تحدث الشيخ عن تربية الزوجة، ذاكراً هديه ﷺ في تربية نسائه وتعليمهن أمور دينهن، ثم تكلم عن الغيرة وعلاج النبي ﷺ لها.
стр. 6401
أمانة القيامة برعاية الأهل وتربيتهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ما هو وقود النار وبأي شيء تسعر؟ ما هو حطبها وبأي شيء توقد؟ إنها توقد بالناس والحجارة، إن الناس الذين يشتعلون هم وقود جهنم وحطبها.
وقد أمرنا الله تعالى في هذه الآية برعاية الأهل والقيام عليهم، وأن القيام عليهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر هو وقاية لهم من عذاب الله، وأهلك -يا عبد الله- مسئولية، كما قال النبي ﷺ : (إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيعه، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) فأهل بيتك إذاً مسئولية ستسأل عنها يوم القيامة وتحاسب، وأهل بيتك هم أمانة في عنقك، أمانة من الأمانات التي حملنا الله إياها وناءت عن حملها السماوات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها وأشفقن من حملها، لكننا حملناها نحن، ويجب علينا أن نقوم بأداء الأمانة.
стр. 6402
هديه ﷺ في تعليم نسائه وتربيتهن
وفي هذه الخطبة نتحدث عن موضوع مهم يتعلق بهذا، وهو تربية الزوجة؛ نظراً للتفريط فيه، وكثرة الإهمال، حتى شاعت الفواحش في الزوجات، وانتشرت المنكرات في حياتهن، بسبب تفريط الرجال، وعم الجهل أوساط كثير من الزوجات؛ لتقصير الأزواج في تعليمهن، وسيسألون عنهن يوم القيامة.
ما هو هديه ﷺ في تربية زوجته؟ وماذا كان يفعل مع زوجاته؟ وكيف كان يقوم بأمر تعليمهن وتأديبهن وأمرهن بالمعروف ونهيهن عن المنكر بل حتى ملاطفتهن ﷺ ؟
стр. 6403
تعليمه ﷺ لنسائه أمور العقيدة
لقد كان ﵊ يعلم زوجاته أمور العقيدة، ويخبرهن بتوحيد الله وعظمته كان شرح الأسماء والصفات يأتي في خلال الأحاديث التي يعظ بها النبي ﷺ أهل بيته، وكان ﵊ يقول فيما يقول لـ عائشة: (من حوسب يوم القيامة عذب، قالت عائشة: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٨] كيف تقول -يا رسول الله- من حوسب يوم القيامة عذب والله يقول عن صاحب اليمين الذي يؤتى كتابه بيمينه ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٨]؟ فيقول النبي ﷺ -موضحاً ومعلماً وشارحاً لهذا الأمر من أمور العقيدة لزوجته عائشة وواعظاً لها أيضاً-: ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك).
إذاً: الحساب اليسير ليس هو الحساب الذي إذا نوقشه العبد فإنه يعذب، ولكن من نوقش الحساب ومن حوسب عذب، وإنما يتجاوز الله عن المقربين وأهل اليمين فينجيهم بفضل منه وكرم، وحسابهم يسير لا يسمى حساباً، أي الذي يؤدي إلى العذاب.
стр. 6404
تعليم النبي ﷺ لزوجته الأذكار والاستعاذة من الشرور
والنبي ﷺ كذلك يعلم زوجته أذكار الصباح والمساء، وكيف تستعيذ بالله من الشرور، لما رأى القمر قد طلع قال: (يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا؛ فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) لقد فسر لها تلك الآية من سورة الفلق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٢ - ٣] وقد فسرها تفسيراً عملياً، ووضح لها المراد لما أشار إلى هذا القمر، وهو آية الليل لما ظهر في السماء، وأخبرها وأمرها أن تستعيذ بالله من شره؛ فإن الشرور تحدث في الليل وفي النهار، فهي تستعيذ بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب، ومن شر ما يحدث في الليل من الفتن، والإثم والفواحش، والشرور والآفات بأنواعها، حتى لدغ الحية والعقرب.
стр. 6405
تربيته ﷺ لنسائه على الخوف من الله
وكان ﷺ إذا ظهر سحاب في السماء أو ظهرت ريح أقبل وأدبر ودخل وخرج منزعجاً مما يرى، فكانت عائشة تقول: (الناس يستبشرون إذا رأوا السحاب، وأنت أراك تفعل ما تفعل!!) فبماذا أجابها النبي ﷺ ؟ لقد انتهز هذا السؤال ليخوفها بالله، ويبين لها كيف يكون المؤمن في عدم أمنه من مكر الله قال: (يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا) أرسل الله عليهم سحاباً وعليه ضلة، فظنوه مطراً ففرحوا واستبشروا، ولكن كانت ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها وهكذا يكون تخويف الزوجة بالله، وتوضيح عذاب الله، وأن المسلم لا يأمن مكر الله .
стр. 6406
تربيته ﷺ لزوجته على عدم جواز القول على الله بغير علم
وكذلك قد تستعجل الزوجة في الإجابة عن شيء أو تتسرع في الحكم على شيء، وهنا يعلم الزوج زوجته مفهوماً مهماً من المفهومات الإسلامية، وقاعدة عظيمة، وهي: عدم جواز القول على الله بغير علم، وعدم جواز الحكم على الأشياء بغير دليل شرعي، وعدم جواز التسرع في الإجابة عن عائشة ﵂ قالت: (أتي رسول الله ﷺ بصبي ميت من صبيان الأنصار، فصلى عليه صلاة الجنازة، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءاً ولم يدركه) حكمت بأنه عصفور من عصافير الجنة، فإما أنه ﷺ لم يكن قد أوحي إليه بشيء في أطفال المؤمنين، أو أنه أراد أن يؤدبها على تسرعها وأن يلفت نظرها لذلك، فقال لها: (أو غير ذلك يا عائشة! خلق الله الجنة وخلق لها أهلاً، وخلقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وخلقهم في أصلاب آبائهم) رواه الإمام مسلم وغيره.
فهذا من الأمور المهمة في المنهج العلمي الذي يقوم الرجل بتعليمه لزوجته.
стр. 6407
تربيته ﷺ لنسائه على حفظ اللسان
ونظراً لكثرة آفات اللسان عند النساء؛ فإن على الزوج المسلم أن يراعي ذلك في زوجته، فإن الله تعالى قد ذكرهن داخلات في القوم وذكرهن منفصلات عنهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] فهؤلاء النساء داخلات في القوم، لكن مع ذلك كرر التنبيه ، وخصصهن بالنهي أيضاً، ولذلك ترى -يا عبد الله- الغيبة والنميمة في أوساط النساء كثيرة، فماذا فعلت أنت في موعظة ومقاومة هذه الأخلاق الرديئة؛ فإن النبي ﷺ لم يكن ليرضى من زوجاته شيئاً ولو كان قليلاً يسيراً فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂، التي نقلت بأمانة حتى ما كان عليها، وما كان من أخطائها نقلته لتتعلم الأمة، عن عائشة قالت: (قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا) دافع الغيرة عند النساء قوي، ربما انزلقت في شيء من الغيبة، قالت: يكفيك من زوجتك هذه صفية أنها قصيرة، كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) لمزجته وطغت عليه من شدتها وعظمها قالت ﵂: (وحكيت له إنساناً -مثلت له حركة أو قولاً- فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا) فلا يجوز أن تمثل فعلاً لشخص، أو تحكي قولاً له على سبيل الاستهزاء والتنقص، مهما أوتيت لا تفعل ذلك، فهذا النبي ﷺ ينكر ذلك على زوجته ويوقفها لما قالت تلك الكلمة.
وروى النسائي -رحمه الله تعالى- بإسناد صحيح في كتاب عشرة النساء، عن أنس قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: ابنة يهودي - صفية بنت حيي بن أخطب بنت زعيم اليهود قتل زوجها، قتله المسلمون في المعارك التي دارت والحصارات بين المسلمين واليهود، فتزوج النبي ﷺ صفية تأليفاً لها ولقومها، ورعاية لها لما صارت عنده مسلمة من أمهات المؤمنين، فهي أمنا وإن كانت من أصل اليهود؛ لأنها أسلمت والمسلمون إخوة والمؤمنون إخوة، لا يضر ما يكون من أصلهم، قالت حفصة عن صفية: بنت يهودي.
فبكت صفية لما سمعت ذلك تأثراً، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة: ابنة يهودي.
فقال النبي ﷺ : (إنك لابنة نبي، وإن عمك نبي، وإنك لتحت نبي) إنك من سلالة موسى وهارون، فجدك موسى نبي، وأخوه هارون عمك نبي، وإنك لتحت نبي، فهذا شرف فبم تسخر عليك؟ ثم قال النبي ﷺ : (اتقي الله يا حفصة -ذهب إلى حفصة توجه إليها بالكلام مذكراً بالله- كيف تقولين هذا؟!) هكذا يكون الموقف ممن زل لسانها في حق أختها، ولو كان الدافع قوياً، ولو كانت الغيرة عند النساء، لكن المنكر يبقى منكراً وينبغي إنكاره رضي الله عن أمهاتنا، فهن أمهاتنا كلهن ﵅.
стр. 6408
إنكاره ﷺ لما يراه من المنكرات عند نسائه
ومما ينبغي على الزوج المسلم في تربية زوجته: مقاومة ما يحصل لديها من المنكرات، مما تتخذه من اللباس أو الزينة ونحو ذلك، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير -مثل الستارة- فلما رآى رسول الله ﷺ الستارة وفيها تصاوير ذوات الأرواح منقوشة عليها، وهذه ليست أصناماً، وإنما هي صور ذوات أرواح منقوشة ومرسومة على الستارة، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل، لقد كان وعظه قوياً، لم يدخل البيت، قام على الباب ولم يدخل، هكذا التربية بالفعل والقول معاً قالت عائشة: (فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه صور لا تدخله الملائكة) فبالفعل والقول يكون الإنكار على الزوجة، وليس دائماً بالضرب كما يفعل بعض الناس، ولا بتقبيح الوجه، ولا بالفحش، وإنما بالموعظة.
أيها المسلمون: قارنوا -بالله عليكم- بين هذه التصرفات النبوية، وبين ما يفعله الناس اليوم، عندما يذهبون بزوجاتهم إلى السوق فيتركون الزوجات في السوق ويعطونهن الأموال، بناءً على طلبهن أو غير ذلك، ثم تشتري المرأة ما تشتري من غير رقيب ولا حسيب، من الأمور التي فيها منكرات ومحرمات أو غير ذلك، من هذه الألبسة التي فيها تصاوير، أو صلبان، أو الآنية المطلية بالذهب والفضة، أو التماثيل التي توضع في البيوت من ذوات الأرواح للزينة، أو غير ذلك من الأمور المحرمة، التي قد تزين بها المرأة بيتها، والزوج ساكت، بل إنه لا ينتبه فضلاً عن أن يدقق، وليس هناك متابعة ولا محاسبة.
والآن القضية ليست قضية تصاوير منقوشة أو مرسومة فقط، المسألة تعدت إلى أمور محرمة تدخل البيوت، أمور فيها إهدار للعرض الذي صانه الله، والشرف والكرامة التي جاءت بهما الشريعة أمور فيها إفساد للأولاد والبيت عموماً أشياء من اللهو المحرم الذي يبعث عليه الشيطان الرجيم، كل ذلك يدخل بيتك -يا عبد الله- عن طريق الزوجة أو غيرها، وأنت لا تحرك ساكناً، ولا تمنع منكراً، فما هذه العيشة؟! أي حياة هذه؟! وعلى أي شيء تقوم؟ ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:١٠٩].
стр. 6409
تربيته ﷺ لنسائه على العبادة
كان النبي ﷺ يربي زوجاته على العبادة، وعلى قيام الليل، كان يوقظهن ﷺ (أيقظوا صواحب الحجرات، أيقظوهن، رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) هكذا كان ينذر ﵊ وكان يخوف، كان بيته شعلة من النشاط الدائم في طاعة الله ذكر بالنهار، وقيامٌ بالليل ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] وكانت المتابعة على العبادة، سواء كانت بدنية أو كانت مالية، يقول النبي ﵊: (يا عائشة! لا تحصي فيحصي الله عليك) لا تبخلي بالصدقة، لا تمنعي الصدقة، لا تقتري فيها، أطلقي يدك في الصدقة، ما بقي إلا كتفها، ما بقي إلا هذا، أما الباقي فإنه ذاهب، لكن عند الله الذي تصدقت به هو الذي يبقى ما بقي منها إلا الكتف، كان يقول لها: (لا تحصي فيحصي الله عليك ولا توكي فيوكي الله عليك) فإذاً: كانت المتابعة حتى في قضايا المستحبات، وليس فقط قضية الواجبات أو النهي عن المحرمات.
стр. 6410
مراعاته ﷺ فلتات اللسان حتى على الأعداء
وكان النبي ﷺ يراعي فلتات اللسان -كما قلنا- وأمور اللسان، حتى قضايا الفحش في الأعداء كان يراعي ذلك، كما جاء في الحديث المعروف عن عائشة قالت: (أتى النبي ﷺ ناس من اليهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم! -السام أي: الموت- فقال: وعليكم، ولم يزد، قالت عائشة: فقلت: وعليكم السام واللعنة وغضب الله.
فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة! لا تكوني فاحشة.
قالت: فقلت: يا رسول الله! أما سمعت ما قالوا؟ لقد قالوا: السام عليك.
قال: أليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش).
حتى في الأعداء لا يكون الإنسان فاحشاً ولا متفحشاً إلا فيما دعت إليه المصلحة الشرعية الواضحة، كما حصل في بعض المواقف، أما أن يطلق الإنسان لسانه بكل شيء حتى في العدو، فهذا أمر ينبغي أن ينتبه له حتى لا يتعود اللسان على هذا.
تقول عائشة: (استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال: بئس أخو العشيرة -أي: هذا الرجل فيه شر، فذمه النبي ﵊ قبل أن يرى وجهه ويدخله عليه- تقول: ثم أذن له فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله! قلت له ما قلت ثم ألنت له؟ فقال النبي ﷺ : يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه) إذاً: انتبهي يا أيتها الزوجة، لا تكوني فاحشة فتكوني مذمومة، أو تكوني مكروهة مبغوضة من خلق الله منبوذة، وإنما هو طيب اللسان وحسن المعشر.
اللهم اجعلنا من القائمين بحقوق أهليهم، واجعلنا ممن ينقذون أهليهم من نار وقودها الناس والحجارة، اللهم كف عنا نار جهنم، وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →