Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
شروط جواز أخذ الوالد من مال ولده بغير إذنه
فإذا قلت: هل هناك شروط لأخذ الأب من مال ولده؟ قال ابن قدامة: فصلٌ: ولأبٍ أن يأخذ من مال ولده ما يشاء ويتملكه مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ومع عدمها، وهذا رأي الحنابلة، صغيراً كان الوجه أم كبيراً بشرطين: أحدهما: ألا يجحف بالابن ولا يضر به، ولا يأخذ شيئاً تعلقت به حاجته.
الثاني: ألا يأخذ من مال ولده فيعطيه الآخر، نص عليه أحمد.
فإذاً: ما هي الشروط؟ أولاً: أن يكون فاضلاً عن حاجة الولد، فلا يجوز للأب أن يقول للولد: اخرج من بيتك واجلس في الشارع، هات سيارتك واذهب على رجليك مسافة ساعتين حتى تصل إلى مكان العمل، أو هات ملابسك ويتركك عارياً.
فالابن يحتاج لأولاده وزوجته مبلغاً معيناً، وما فضل عن حاجة الولد وحاجة زوجته وأولاده فللأب أن يأخذ منه.
لا ضرر ولا ضرار.
وكذلك من الشروط: ألا يأخذ من ولد ويعطي للولد الآخر.
فالأب واجب عليه أن يعدل في العطية لأولاده من ماله هو، فمن باب أولى ألا يأخذ من ولد ويعطي للثاني، فهذا يوغر صدور الأولاد على بعض.
وكذلك ألا يكون في مرض موت أحدهما.
وكذلك ألا يكون الأب كافراً والابن مسلماً؛ لأنه إذا كان الأب كافراً فلا يمكَّن في مال الولد، فالإسلام يعلو ولا يعلى كما قال العلماء.
وكذلك أن يتملك عيناً موجودة، فلا يتملك دين ابنه، فالابن إذا أقرض شخصاً لا يجوز للأب أن يقول: أنا تملكت الدين الذي لك عند فلان.
إذاً: ينبغي أن يكون عيناً موجودةً.
فإذاً: بعض العلماء قالوا: الأب يأخذ على حسب الضرورة والحاجة، وبعضهم قال: حتى بغير حاجة، لكن من الشروط أن يكون فاضلاً عن نفقة الولد وما تقدم من الشروط أيضاً.
стр. 6617
حكم مطالبة الابن لأبيه بدين عليه
فهل يجوز للابن أن يطالب الأب بالدين؟ أي: أب استلف من ابنه، فهل للابن أن يطالب أباه بالدين، يقول: اقترضت مني فأعد إليَّ مالي.
ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي أن له ذلك؛ لأنه دينٌ ثابت، فجازت المطالبة به كغيره، وأما الحنابلة فقد قال ابن قدامة ﵀: ليس للولد مطالبة أبيه بدينٍ عليه، وهو مقتضى قول سفيان بن عيينة، واحتجوا بحديث: (أنت ومالك لأبيك).
لكن لو فرضنا أنه يريد أن يطالبه فلا يكون برفع دعاوى عند المحاكم، وإنما يقول: يا أبتِ أنا أحتاج إلى المال الذي اقترضته مني إذا أمكن، أي: بكل لطف يطالب به، فحتى على القول بجواز المطالبة فليس معنى ذلك أن يرفع عليه دعاوى ويشهر به ويؤذيه، ويلاحقه في بيته والأماكن التي يذهب إليها.
لذلك -أيضاً- لا تقطع يد الأب فيما أخذ من الولد، ولو بغير علم الولد، وهذا أجمعوا عليه.
стр. 6618
حكم إنفاق الولد الموسر على أبيه وزوجته
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجلٍ عجز عن الكسب وليس له شيء، وله زوجة وأولاد ماذا على ولده الموسر، الذي عنده زوجة وأولاد؟ فقال: على الولد الموسر أن ينفق على أبيه وزوجة أبيه.
يعني: حتى الابن مكلف أن يعطي أباه نفقته ونفقة زوجته التي ليست أمه، وعلى إخوته الصغار ولو كانوا من أم ثانية، وإن لم يفعل ذلك كان عاقاً لأبيه، أليس الولد ميسراً؟ إذا لم يفعل ذلك كان عاقاً لأبيه، قاطعاً لرحمه، مستحقاً لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجلٍ له ولد وطلب منه ما يمونه، قال: إذا كان موسراً وأبوه محتاج فعليه أن يعطيه تمام كفايته، وكذلك إخوته إذا كانوا عاجزين عن الكسب فعليه أن ينفق عليهم إذا كان قادراً على ذلك، ولأبيه أن يأخذ من ماله ما يحتاجه بغير إذن الابن وليس للابن منعه.
إذاً: أجمع العلماء على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد.
стр. 6619
شروط وجوب الإنفاق على الوالدين
ما هي شروط وجوب الإنفاق؟ أولاً: أن يكونوا فقراء لا مال لهم، ولا كسب يستغنون به.
وثانياً: أن يكون ما ينفقه عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه.
وثالثاً: أن يكون المنفق وارثاً.
стр. 6620
حكم إنفاق الابن الموسر على أبيه الفقير القادر على العمل
مسألة: إذا لم يكن للأب مال، لكنه ما يزال فيه قوة وهو قادر على العمل فهل يقال للأب: لا تطلب من ولدك، بل اذهب اعمل واشتغل، أو أنه يجب على الابن أن ينفق على أبيه إذا كان الأب ليس عنده مال ولو كان الأب قادراً على العمل؟
الجواب
يجب أن ينفق عليه ولو كان الأب قادراً على العمل.
قال ابن قدامة ﵀: ولا يشترط في وجوب نفقة الوالدين نقص الخلقة ولا نقص الأحكام، قال: وهذا ظاهر كلام الخرقي: فإنه أوجب نفقته مطلقاً إذا كانوا فقراء وله ما ينفقه عليهم.
فإذاً: لو كان الأب ليس عنده مال وكان قادراً على العمل يجب على الابن أن ينفق عليه.
لكن لو كان له عقارات تكفيه، هل يجب على الابن أن ينفق عليه؟ لا.
لا يجب عليه.
стр. 6621
حكم استئذان الوالدين في السفر
стр. 6622
حكم استئذان الوالدين في السفر للجهاد
وكذلك من أحكام بر الوالدين قضية السفر للجهاد، فقد صرح الحديث الصحيح بوجوب إذن الوالدين للجهاد.
فقد جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، قال: (أحيٌ والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد) رواه البخاري ومسلم.
وفي حديثٍ آخر: (أقبل رجلٌ إلى نبي الله ﷺ ، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: فهل من والديك أحدٌ حيٌ؟ قال: نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم.
قال: ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) رواه مسلم.
قال النووي ﵀: هذا كله دليلٌ لعظيم فضيلة برهما، وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قاله العلماء: إنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما، فإن كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه.
وسألت الشيخ ابن باز ﵀، قلت: يا شيخ! إذا كان أبوه كافراً تاركاً للصلاة بالكلية، قال: هذا مرتد ليس له إذن ولا يستأذنه، وإذا كانت أمه مسلمة تصلي يجب عليه أن يستأذن أمه.
هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، لكن إذا التقى الصفان أو استنفر الإمام الناس للخروج، أو دهم العدو البلد، لم يعد هناك استئذان للأبوين، بل يخرج للدفاع وللجهاد.
وما معنى الإذن؟ لأن بعض الأبناء يريدون الجهاد فيظل يلح على والديه حتى يملا منه، ويقولا له: اذهب، فتجده يقول: أنا فرحان؛ لأنهم وافقوا.
ماذا قال العلماء في هذا؟ قال الإمام أحمد ﵀: إن أذنت لك من غير أن يكون في قلبها حرجٌ أو كراهةٌ وإلا فلا تغز -انتبه معي- لأن بر الوالدين فرض عين.
وكنت يوماً واقفاً عند باب الحرم فجاء رجل يقول للشيخ ابن عثيمين: يا شيخ! أنا أريد أذهب أجاهد، فهل يجب أن أستأذن أبواي؟ قال: نعم.
قال: أليس الجهاد فرض عين؟ فقال الشيخ ابن عثيمين: أليس بر الوالدين فرض عين؟ ولا ننس قبل ذلك أن أهل الأعراف قيل فيهم: إنهم أناس خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم وأمهاتهم فماتوا في الجهاد، فمنعهم القتل في سبيل الله من دخول النار، ومنعهم عقوق آبائهم من دخول الجنة، فوقفوا على الجبل بين الجنة والنار، هذا جبل الأعراف.
стр. 6623
حكم استئذان الوالدين في السفر لطلب الرزق
ماذا بالنسبة للسفر في طلب الرزق؟ إذا كان في سفره مصلحة للإنفاق على نفسه وعياله لا يمكن تحصيلها في البلد، أي: بحث عن وظيفة في البلد فلم يجد وظيفة مطلقاً، وعنده زوجة وأولاد، فجاء يريد السفر لطلب الرزق ببلد ثانية فقال أبوه: لا تسافر، فعند ذلك لا تجب طاعتهما، فهذا المضطر لا بأس، ويمكث فقط قدر الحاجة.
أما إذا وجد في البلد عند أبويه ما يغنيه فلا يجوز الخروج بغير إذن أبويه.
ولو قال: في البلد أجد آلافاً وهناك أجد ملايين، فنقول: إذا كانت تكفيك الآلاف فلا يجوز أن تسافر إلى الملايين، وإنما يبقى عند أبويه إذا منعاه من السفر والخروج.
стр. 6624
حكم استئذان الوالدين في السفر لطلب العلم
ماذا بالنسبة للسفر في طلب العلم؟ نقول: طلب العلم الذي لا يتحصل إلا بالسفر، وهو يحتاجه -لاحظ هذين الشرطين- يخرج بغير طاعتهما، أما إذا كان يستطيع تحصيله في البلد فلا يجوز الخروج بغير إذنهما.
والآن فيه كتب، وأشرطة، ونشرات، وهاتف، ويمكن للإنسان أن يسأل.
إذاً: لا بد أن تدقق في شرط عدم إمكانية تحصيله في البلد.
قال النووي: وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام ﵀: وقد حَرُم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما شق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهم على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفرٍ يخافان فيه على نفسه أو عضوٍ من أعضائه.
إذاً: كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك -انتبه معي، هذا الضابط مهم في قضية أسفار الولد بغير إذن الوالدين- ويشتد فيه الخطر، لا يحل للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه، لماذا؟ لأنهما سيخشيان ويشفقان ويتضرران ويقلقان عليه إذا خرج.
أما إذا كان السفر لا يشتد فيه خطر يحل له الخروج إذا لم يضيعهما، فإذا كان له حاجة، والسفر غير خطير، والأبوان عندهما ما يكفيهما، وعندهما من يخدمهما، والسفر غير خطير، ليس سفر الجهاد -مثلاً- فيجوز له الخروج بغير إذنهما، كما ذكر في بدائع الصنائع.
ماذا بالنسبة لمنع الوالدين ولدهما من الطاعات؟ مثلاً: شخص يريد أن يحفظ القرآن، فقالا له: لا.
أو يريد أن يدرس في مسجد فقالا له: لا.
أو قال: أريد أن أصبح إماماً، فقالا: لا.
أو يريد أن يصحب الأخيار، فقالا: لا، فما هو الموقف؟ سأل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ سائلٌ فقال: إنني أشتغل منذ عدة سنوات بتحفيظ القرآن الكريم في مكان بعيد عن المدينة التي يسكن فيها والداي، ولهذا يطلبان مني أن أترك التدريس وأعمل مع أحد إخواني الذين يسكنون عندهما، وأنا متردد في هذا الأمر؛ لأنني أخشى أن أترك التدريس، فيضيع الطلاب وينسوا ما حفظوه من القرآن الكريم، فما تنصحونني جزاكم الله خيراً؟ فأجابه ﵀: ننصحك بالاستمرار في تحفيظ القرآن الكريم، لقول النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، ولما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين -طبعاً ما في سفر خطير هنا- ولا تلزمك طاعة والديك في ترك ذلك لقول النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) ويشرع لك الاعتذار إليهما بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، وبالله التوفيق.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: إذا أمرني والداي بأن أترك أصحاباً طيبين وزملاء أخياراً وألا أسافر معهم لأقضي عمرة، مع العلم بأني في طريقي إلى الالتزام، فهل تجب عليَّ طاعتهما في هذه الحالة؟ فأجاب: -هذا سؤال يعرض لكثير من الشباب الآن- ليس عليك طاعتهما في معصية الله، ولا فيما يضرك، لقول النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) وقوله ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فالذي ينهاك عن صحبة الأخيار لا تطعه، لا الوالدان ولا غيرهما، ولا تطع أحداً في مصاحبة الأشرار أيضاً، لكن تخاطب والديك بالكلام الطيب وبالتي هي أحسن، كأن تقول: يا والدي! كذا، ويا أمي! كذا، هؤلاء طيبون، وهؤلاء أستفيد منهم، وأنتفع بهم، ويلين قلبي معهم، وأتعلم العلم، وأستفيد، فترد عليهم بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، لا بالعنف والشدة.
وإذا منعوك فلا تخبرهم بأنك تتبع الأخيار وتتصل بهم -اكتم الأمر- ولا تخبرهم بأنك ذهبت مع أولئك إذا كانوا لا يرضون بذلك، لكن عليك ألا تطيعهما إلا في الطاعة والمعروف، وإذا أمروك بمصاحبة الأشرار، أو أمروك بالتدخين، أو بشرب الخمر، أو بالزنا، أو بغير ذلك -طبعاً لا تستغربوا؛ لأن هناك آباء فسقة، قد يقول أحدهم لولده: لماذا لم تتعرف على بنت إلى الآن؟! ويقول للبنت: لماذا تتحجبي عند الخروج؟ ويشد الحجاب عنها وهي في الشارع، فهذه حال بعض البنات المسكينات، أو يريد من ابنته أن تذهب وتتعرف وتختلط، ويغضب إذا لم تختلط بالرجال الأجانب، وهذا من الفسق والفجور، والعياذ بالله-.
قال: فلا فلا تقطعهما ولا غيرهما في ذلك للحديثين المذكورين آنفاً، وبالله التوفيق.
فإذاً: عرفنا الآن ما هي الفتوى في قضية منع الولد من مصاحبة الأخيار، ومن حضور حلق العلم، وتحفيظ القرآن، ورحلة العمرة إلخ.
قال بعض العلماء: فإن كان في بلده من يفيده -يعني: هذا العلم- فلا يخرج إلا بإذنهما.
وأجاز بعض العلماء للطالب الذي عنده أهلية، وقدرة على أن يصبح مفتياً -مثلاً- أو مجتهداً ولا يستطيع تحصيل درجة الفتوى والاجتهاد إلا بالسفر من البلد، أن يخرج بغير إذنهما إذا كان السفر غير خطيرٍ، وكان عندهما ما يكفيهما، ومن يقوم عليهما بالخدمة.
стр. 6625
حكم طاعة الوالدين في مخالفة الأحكام التكليفية
فلنقسِّم الموضوع في النهاية إلى طاعة الوالدين في ترك الواجب، وفعل المحرم، وفي المباحات، وفي ترك المستحبات، وفعل المكروهات.
стр. 6626
حكم طاعة الوالدين في ترك الواجبات
أما بالنسبة لترك الواجبات، فقد روى البخاري عن الحسن قال: [إن منعته أمه عن العشاء في جماعة شفقةً عليه فلا يطعها] لأن صلاة العشاء في الجماعة من الواجبات.
وسئل الأوزاعي ﵀ عن رجل تمنعه أمه من الخروج إلى الجمعة والجماعة؟ قال: ليطع ربه وليعص أمه.
إذاً: لا يجوز طاعة الوالدين في ترك واجب.
وإذا كان الأب والأم في بلاد الكفر، ولا يستطاع إقامة شعائر الدين فيها، والولد قد كبر ومن الممكن أن ينفصل عن الأبوين، ويستقل بنفسه، وعنده قدرة على الوظيفة، قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في هذه المسألة: الواجب على المسلم أن يحذر الإقامة في بلدٍ يدعوه إلى ما حرم الله، أو يلزمه بذلك ترك الصلاة، أو حلق اللحى، أو إتيان الفواحش مثل الزنا والخمور، فيجب عليه ترك هذه البلاد والهجرة منها؛ لأنها بلاد سوء، فلا يجوز الإقامة فيها أبداً، بل يجب أن يهاجر منها، وأن خالف وعصى والديه؛ لأن طاعة الله مقدمة، وطاعة الوالدين إنما تكون في المعروف، فكل بلدٍ لا يستطيع إظهار دينه فيه أو يجبر على المعاصي فيه يجب أن يهاجر منها.
ما حكم منع الأب ولده من حج الفريضة؟ قال ابن مفلح الحنبلي ﵀: لا يجوز لوالدٍ منع ولده من حجٍ واجب، ولا تحليله منه، فإذا قال له تحلل وارجع، فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يجوز للولد طاعته فيه.
وقال ابن قدامة: ليس للوالد منع ولده من الحج الواجب، ولا تحليله من إحرامه.
وقد سألت الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فقلت: يا شيخ! هذا شاب يسأل ويقول: إن أباه هدده وقال: لو ذهبت إلى الحج -وهو حج الفريضة- لأعاقبنك بعد رجوعك وأضربنك ضرباً مبرحاً، وهدده وتوعده بالعقوبة الشديدة.
فقال الشيخ ﵀: العقاب ظني فيذهب، ويكفيه الله شره.
стр. 6627
حكم طاعة الوالدين في ترك المستحبات
وننتقل إلى قضية طاعة الوالدين في ترك المستحبات.
المستحبات متعددة، فهناك سنن راتبة، وهناك صلوات نافلة أخرى، وصيام نفل، وحج نفل، فما هو الحكم في هذه القضية؟ أما السنة الراتبة مثل حضور الجماعات في المساجد، وركعتي الفجر، والوتر وما أشبه ذلك، فإن دعواه لحاجتهما المرة بعد المرة فليطعهما، يعني: مرة دعواه وهو يصلي سنة راتبة، فعليه أن يقطع ويطيع، لكن لو قالا له: ممنوع أن تصلي السنن الرواتب أبداً، فلا يلزمه طاعتهما.
قال الطرطوشي ﵀: وأما إن كان ذلك على الدوام واللزوم فلا طاعة لهما فيه؛ لأن فيه إماتة لشعائر الإسلام، وسئل الإمام أحمد عن رجلٍ يصوم التطوع فسأله أبواه أو أحدهما أن يفطر، قال: يروى عن الحسن أنه قال: -طبعاً الإمام أحمد كان يفتي بأقوال التابعين كثيراً-: [يفطر وله أجر البر وأجر الصوم].
وقال: إذا أمره أبواه ألا يصلي إلا المكتوبة -هذه حالة أخرى- فقال: يداريهما ويصلي.
قال الشيخ تقي الدين: ففي الصيام كره الابتداء فيه إذا نهاه، واستحب الخروج منه، وأما الصلاة، فقال: يداريهما ويصلي.
أما الخروج من الصلاة أثناء الصلاة فإنه يقطع الصلاة، فإذا كان يصلي صلاة نافلة فنادته أمه إذا كان في نهاية الصلاة أنهاها بسرعة وأجاب والدته، لكن إذا كان في أول الصلاة، وخشي أن تغضب أمه، حيث أنها نادته مرة وثنتين وثلاثاً، وهو في أول الصلاة، فإنه يقطع الصلاة النافلة ويجيبها لحديث جريج.
فبالجملة منع الولد من المستحبات عموماً كالسنن النوافل، وعلم النافلة، وحلق الرأس في الحج والعمرة، ليس لهما حقٌ في ذلك، ولا يلزم طاعتهما مع المدارة.
стр. 6628
حكم طاعة الوالدين في فعل المشتبهات
قال الطرطوشي: لا طاعة لهما في ترك سنة راتبة، وترك ركعتي الفجر والوتر إذا سألاه ذلك على الدوام.
أما فعل المشتبهات، فقد يكون أبوه عنده كسب فيه شبهة، والابن يأكل منه، فقد قال العلماء: الأولى أن يتورع ويداريهما، فإن أكل أو أخذ فلا حرج عليه إن شاء الله.
فإن كان تركه لأكل الطعام، وتركه لأخذ المال مؤثراً فيهم، -يعني: الأب كسبه مشبوه، والابن لو امتنع لتأثر الأب وترك الكسب المشبوه- يجب على الابن الامتناع والترك حتى يجعل الأب يترك المشبوه، لكن لو كان لا يترك ويأمر ولده بالأكل، قال بعض العلماء: يأكل.
الآن المشبوه ممكن ينتج من اختلاط الحلال بالحرام، أبوه يضع الأموال في البنك ويأخذ ربا ويخلطها بالإيجارات تبع العقارات، فدخل أبيه فيه الحلال والحرام متداخل، والآن يعطيه نفقة، ويعطيه مال من هذا ويقول: كل من طعامي هذا.
فماذا يفعل؟ قال بعض العلماء: لا يجوز، وقال بعضهم: إذا زاد الحرام على الثلث لا يجوز، وقال بعضهم: إن كان الأكثر الحرام لا يجوز.
وقال بعضهم: جائز مطلقاً ولعله هو الأقوى في المذهب، لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.
وهذه المسألة الإمام أحمد ﵀ تردد فيها، ورفض أن يفتي وقال: ما أحسن أن يداريهم، يعني: ما يأكل ويحاول أن يداريهم، قال السفاريني ﵀: والذي استقر عليه المذهب عدم الحرمة، بل يكره ذلك، يقول: الكسب المختلط من الحلال والحرام الذي استقر عليه المذهب عدم الحرمة، بل يكره ذلك، وقوة الكراهة فيه وضعفها بحسب كثرة الحرام أو قلته.
وإذا كان الولد له كسب مستقل فليأكل من كسبه، وإذا كان لا كسب له فليأكل من كسب أبيه.
لكن إذا كان كسب الأب كله حرام؟ وكان الولد محتاجاً وليس له نفقة إلا من مال أبيه، فإنه يأخذ وليس عليه إثم، لكن لا يتوسع كما قال علماؤنا، بل يأخذ الكفاية فقط، وإذا علم الحرام بعينه يجتنبه ويأخذ من الآخر، قد يقول لك: أخذته رشوة من الحرام، ويقول: خذ يا ولد المصروف فالابن إذا عرف أن هذا بعينه الحرام لا يأخذه، بل يأخذ من مالٍ آخر.
стр. 6629
حكم طاعة الوالدين في فعل المباحات وتركها
طاعة الوالدين في المباحات، ما حكمها؟ مثلاً: قال: يا ولد! يجب أن تأكل هذا النوع من الأكل، ويجب أن تتزوج هذه المرأة، فلا يجب الطاعة في هذه الحالة، ولا التزوج ممن لا يرغب، وإذا كان الشخص لا يجب عليه أن يطيع في أكلةٍ تنغصه ساعة، فكيف يجب عليه أن يطيع في الزواج بامرأةٍ لا يريدها تنغص عمره كله؟! قال الإمام أحمد ﵀: إن كان الرجل يخاف على نفسه، ووالداه يمنعانه من التزوج فليس لهما ذلك.
لو قال: يا ولد! لا زواج إلا بعد التخرج، والولد يستطيع أن يتزوج قبل التخرج، وهو يخشى على نفسه الحرام فلا تلزم طاعة أبويه.
قال الشيخ تقي الدين: ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإذا امتنع لا يكون عاقاً.
وإذا قال له: يا ولد! طلق زوجتك، لماذا؟ قال: هي لم تأتِ لي بالحذاء إلى عندي، قلت لها: هاتي الحذاء فلم تأتِ به، فخلاصة مسألة طلاق الزوجة: أنه إذا كان الأب عدلاً، وكانت المرأة فيها سوء في الدين أو الخلق فيلزمه طاعة أبيه، فـ عمر أمر ولده بطلاق زوجته، وأمره ﵊ أن يطيع أباه عمر؛ لأن عمر عدل، ليس عنده هوى في القضية هذه، لكن إذا كان الأب صاحب هوى، والزوجة صاحبة دين وخلق حسن فلا يلزمه الطلاق.
وإذا أصرت عليه أمه يطلق زوجته للغيرة والزوجة حسنة الدين والخلق، يقول ابن تيمية: هذه من جنس هاروت وماروت في السعي في التفريق بين الزوجين، فلا يطعهما، ولا يحل له أن يطلقها لقول أمه، بل عليه أن يبر أمه وليس تطليق امرأته من برها.
إذاً: هذا بالنسبة لقضية طلاق الزوجة، وقد سئل ابن تيمية عن امرأة وزوجها متفقين، وأمه تريد الفرقة، فلم تطاوعها البنت، فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها؟ قالت: يا بنت! تطلقي من زوجك، واطلبي الخلع، أو نكدي عليه إلى أن يطلقك.
فأجاب ابن تيمية ﵀ وقال: إذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت، فلا طاعة لها في ذلك، ولو دعت عليها.
اللهم إلا إذا كانا مجتمعين على معصية، أو يكون أمره للبنت بمعصية الله، فالأم تتدخل تريد أن تطلق البنت؛ لأن زوجها يأمرها بالمعصية.
стр. 6630
حكم طاعة الوالدين في فعل المحرمات
إذا كان الوالدان يأمرانه بالخروج لشراء منكر، فقد أفتى الإمام أحمد في رواية الحارث في رجل تسأله أمه أن يشتري لها ملحفة للخروج، تقول: اذهب اشترِ لي عباية، قال: إن كان خروجها في بابٍ من أبواب البر، كعيادة مريض أو قرابة أو لأمرٍ واجب لا بأس، وإن كان في غير ذلك فلا يعينها على الخروج.
وسئل الإمام أحمد سؤالاً لطيفاً: أب يقول لولده: ادخل عليَّ الغرفة، والغرفة مفروشة حريراً، فقال: يلف البساط من تحت رجليه ويدخل.
فيلف البساط ولا يطأ عليه إذا كان من حرير ويدخل.
وأفتى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بعدم جواز طاعة الوالدين في حلق اللحية.
стр. 6631
إذا تعارض بر الأب مع بر الأم فما الحل ؟
إذا تعارض بر الأب مع بر الأم ماذا يفعل؟ يحاول التوفيق بشتى الوسائل، لكن لو قالت أمه: لا تبر أباك، فإن أباك طلقني، ولو زرته فإني سأدعو عليك إلى قيام الساعة، فيزوره ويخفي الزيارة، أو قال الأب للابن: لو زرت أمك وخالك وجدك وجدتك أغضب عليك إلى قيام الساعة، فيزورهم ويخفي أمر الزيارة.
لكن إذا كان لا يستطيع الإنفاق إلا على الأب أو الأم؛ لأن المال قليل عند الولد، فمن يقدم؟ يقدم الأم، فإذا أراد أن يحج عن أبيه وأمه اللذين ماتوا من غير حج الفريضة يقدم الحج عن الأم.
وهكذا في هذه المسألة.
وقد أفتى الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال: لا نرى أن يتوكل لأمه على أبيه، أي: في المحاكم، فإذا قالت أمه له: وكلتك في المحكمة تترافع ضد أبيك بطلب نفقة أو كذا، فنقول: لا نرى أن يتوكل لأمه ولو كانت أمه مظلومة، ولكن يشير على أبيه في دفع الضرر.
إذاً: لا يتوكل عنها في المحاكم.
بهذا انتهى الوقت وقد وصلنا تقريباً إلى نهاية الموضوع.
ونسأل الله ﵎ أن يغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا.
стр. 6632
لماذا نحب الرسول [٢] ؟
إن الناس تجاه محبة رسول الله ﷺ واتباع هديه وسنته قد انقسموا إلى أقسام عدة؛ فمنهم المستهزئ بسنة المصطفى ﷺ ، ومنهم المتبع لبعض هديه التارك للهدي الآخر وهلم جرا، وإن من علامة حب الرسول ﷺ ذكره بالصلاة عليه في المواطن المستحب ذكره فيها.
стр. 6633
أحوال الناس تجاه رسول الله وسنته وهديه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة! إن لرسول الله ﷺ حقاً عظيماً علينا، رسول الهدى الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فبلغ رسالة الله للناس، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وأقام الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فاعتدلت الملة على الصراط المستقيم بعد أن كانت عوجاء، فتح الله به قلوباً غلفا، وآذاناً صما، وأعيناً عميا، ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، وما ترك شراً إلا وحذرنا منه، وكان ﷺ أعظم الأمة أجراً؛ لأن الدال على الخير كفاعله، ولا يعمل منا أحدٌ اليوم عملاً صالحاً إلا ولرسول الله ﷺ أجر المثل، بالإضافة لأجره هو ﷺ .
هذا الرسول -أيها الإخوة- كما ذكرنا في مناسبة سابقة، لابد أن نحبه حباً عظيماً، وطريقة أهل السنة والجماعة في محبة رسول الله ﷺ حقٌ بين باطلين، طريقة الوسط بين الغلو ورفعه فوق المنزلة التي أنزله الله إياها، وبين الجفاء وهو: قسوة القلب وعدم محبته ﷺ المحبة الكافية، فضلاً عن كرهه أو سبه كما يفعل اليوم كثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد كافأ الناس -أيها الإخوة- رسول الله ﷺ مكافأة شنيعة، فمنهم من يستهزئ به أو بشخصه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومنهم من يستهزئ بمظهره أو لباسه ﷺ ، فأنت تذكر للناس صفة مظهره أو لحيته أو ثوبه ﵊، فتجد ألسنة المستهزئين قد انطلقت بلا عنان، تكيل الشتائم والسباب بشكل مباشر أو غير مباشر لصفة هذا النبي الكريم، وبعض الناس بلغ من تقصيرهم أنهم أخذوا أطرافاً من سننه وتركوا الباقي، فقالوا: هذه سنن أساسية، وهذه لبابٌ يجب أن نأخذ بها، وتركوا أشياء كثيرة مما سوى ذلك، وزعموا أنها قشور لا يجب على المسلم أن يأخذ بها، خالفوا قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
مظهر المسلم اليوم يختلف اختلافاً كبيراً عن مظهر رسول الله ﷺ ، أخلاق المسلمين اليوم، وعقائد المسلمين اليوم، وسير المسلمين اليوم تختلف اختلافاً كلياً عن سيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه وشمائله، وقع التقصير -أيها الإخوة- بشكل يدعو إلى الأسى والأسف، هل هذه هي المكافأة التي يكافئ بها المسلمون نبيهم ﷺ على تلك الخدمات الجليلة التي أداها ﵇ لهم ولدينهم؟!
стр. 6634
فضل الصلاة والسلام على النبي ﷺ
إننا -أيها الإخوة- نحتاج إلى مراجعة حساباتنا وتصرفاتنا تجاهه ﷺ ، ونحن قد ذكرنا في درس ماض محبة رسول الله ﷺ والطريق إليها، ونخصص هذه الخطبة إن شاء الله لبيان حق واحد من حقوقه ﵇ وهو: الصلاة على النبي ﷺ فضلها وأهميتها ومواطنها، وقبل أن نبدأ -أيها الإخوة- أذكركم بأن من آداب خطبة الجمعة، الإنصات للإمام، وعدم رفع الصوت من قبل المأمومين حتى ولو كان الرفع بالصلاة عليه ﷺ ، وإنما تكون الصلاة عليه إذا ذكر في النفس، سراً كما قال العلماء.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، فأمر الله بالصلاة والسلام، ولهذا قال النووي ﵀: والمشروع الجمع بين الصلاة والسلام معاً، وعدم إفراد كلٌ منهما لوحده، هذا هو المستحب مصداقاً لما جاء في الآية، إلا ما ورد الدليل بتخصيص أحدهما، وصلاة الله تعالى على نبيه ﵊، كما قال أبو العالية فيما جاء عنه بإسناد حسن: هو ثناؤه عليه ، الصلاة من الله: ثناء الله تعالى على نبيه ﷺ ، ومن الملائكة ومن المؤمنين الدعاء له ﵊.
وقد عد رسولنا ﷺ الذي يترك الصلاة عليه بخيلاً، فقال: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ علي).
رواه أحمد، وهو حديث صحيح، ولذلك قال العلماء: بأن الصلاة عليه ﷺ واجبة لابد منها، وأتى جبريل النبي ﷺ فقال: (يا محمد! أما يرضيك أن ربك يقول: إنه لا يصلي عليك من أمتك أحد صلاة، إلا صليت عليه بها عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك تسليمة إلا سلمت عليه بها عشراً، فقلت: بلى أي ربي) رواه أحمد وهو حديث صحيح.
وقال رسول الله ﷺ : (أتاني آت من عند ربي ، فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها) أربع مكافآات لمن يصلي على رسول الله ﷺ ، عشر حسنات تكتب، وعشر سيئات تمحى، وعشر درجات ترفع، ويرد عليه بمثل ما صلى على رسوله ﷺ .
رواه أحمد وهو حديث صحيح.
ولأجل هذه النعمة التي أنعم الله بها على نبيه ﷺ ، فقد سجد ﵇ شكراً لربه على هذه النعمة كما جاء في الحديث الصحيح، وأخبر ﵇ أيضاً، بقوله: (ما من عبدٍ يصلي عليّ إلا صلت عليه الملائكة، مادام يصلي علي، فليقِل العبد من ذلك أو ليكثِر) ولابد من الإكثار، وهذا حديث حسن.
بل إن الله قد خص ملائكة معينين وظيفتهم السياحة في الأرض لتبليغ الرسول ﷺ سلام أمته عليه، فقال ﵊ في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام أحمد وغيره: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) بل إنه أكثر من ذلك، يقول ﵊ في الحديث الحسن الذي رواه الطبراني عن عمار بن ياسر مرفوعا: (إن لله تعالى ملكاً معيناً أعطاه الله سمع العباد، فليس من أحد يصلي عليّ إلا أبلغنيها، وإني سألت ربي ألا يصلي عليّ عبد صلاة إلا صلى الله عليه عشر أمثالها).
وقال ﵊ موضحاً أكثر: (أكثروا الصلاة عليّ، فإن الله وكل بي ملكاً عند قبري، فإذا صلى علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد! إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة) ملك أعطاه الله أسماء العباد يبلغ رسول الله ﷺ سلام كل واحد باسمه، وهذا حديث حسن.
وقال ﵊: (ما من واحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇ حديث حسن، رواه أبو داود رحمه الله تعالى.
فترد الروح إليه ﷺ لكي يرد على المصلي منا عليه صلاته وسلامه، فأي أجر وأي فضل أعظم من هذه الأشياء.
ولقد بلغ من فضل الله علينا أنه جعل صلاتنا على رسوله ﷺ تبلغ الرسول ﷺ أينما كان المصلي عليه في أي مكان من أقطار الأرض، فقال ﵊: (حيث ما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني) سواء كنت عند قبره أو كنت في هذا المكان، أو كنت في أقصى الأرض، فإذا صليت على رسول الله بلّغ الله تعالى صلاتك لرسوله ﷺ .
стр. 6635
المواطن التي يشرع فيها الصلاة على النبي ﷺ
إننا -أيها الإخوة- نحتاج إلى مراجعة حساباتنا وتصرفاتنا تجاهه ﷺ ، ونحن قد ذكرنا في درس ماض محبة رسول الله ﷺ والطريق إليها، ونخصص هذه الخطبة إن شاء الله لبيان حق واحد من حقوقه ﵇ وهو: الصلاة على النبي ﷺ فضلها وأهميتها ومواطنها، وقبل أن نبدأ -أيها الإخوة- أذكركم بأن من آداب خطبة الجمعة، الإنصات للإمام، وعدم رفع الصوت من قبل المأمومين حتى ولو كان الرفع بالصلاة عليه ﷺ ، وإنما تكون الصلاة عليه إذا ذكر في النفس، سراً كما قال العلماء.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، فأمر الله بالصلاة والسلام، ولهذا قال النووي ﵀: والمشروع الجمع بين الصلاة والسلام معاً، وعدم إفراد كلٌ منهما لوحده، هذا هو المستحب مصداقاً لما جاء في الآية، إلا ما ورد الدليل بتخصيص أحدهما، وصلاة الله تعالى على نبيه ﵊، كما قال أبو العالية فيما جاء عنه بإسناد حسن: هو ثناؤه عليه ، الصلاة من الله: ثناء الله تعالى على نبيه ﷺ ، ومن الملائكة ومن المؤمنين الدعاء له ﵊.
وقد عد رسولنا ﷺ الذي يترك الصلاة عليه بخيلاً، فقال: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ علي).
رواه أحمد، وهو حديث صحيح، ولذلك قال العلماء: بأن الصلاة عليه ﷺ واجبة لابد منها، وأتى جبريل النبي ﷺ فقال: (يا محمد! أما يرضيك أن ربك يقول: إنه لا يصلي عليك من أمتك أحد صلاة، إلا صليت عليه بها عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك تسليمة إلا سلمت عليه بها عشراً، فقلت: بلى أي ربي) رواه أحمد وهو حديث صحيح.
وقال رسول الله ﷺ : (أتاني آت من عند ربي ، فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها) أربع مكافآات لمن يصلي على رسول الله ﷺ ، عشر حسنات تكتب، وعشر سيئات تمحى، وعشر درجات ترفع، ويرد عليه بمثل ما صلى على رسوله ﷺ .
رواه أحمد وهو حديث صحيح.
ولأجل هذه النعمة التي أنعم الله بها على نبيه ﷺ ، فقد سجد ﵇ شكراً لربه على هذه النعمة كما جاء في الحديث الصحيح، وأخبر ﵇ أيضاً، بقوله: (ما من عبدٍ يصلي عليّ إلا صلت عليه الملائكة، مادام يصلي علي، فليقِل العبد من ذلك أو ليكثِر) ولابد من الإكثار، وهذا حديث حسن.
بل إن الله قد خص ملائكة معينين وظيفتهم السياحة في الأرض لتبليغ الرسول ﷺ سلام أمته عليه، فقال ﵊ في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام أحمد وغيره: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) بل إنه أكثر من ذلك، يقول ﵊ في الحديث الحسن الذي رواه الطبراني عن عمار بن ياسر مرفوعا: (إن لله تعالى ملكاً معيناً أعطاه الله سمع العباد، فليس من أحد يصلي عليّ إلا أبلغنيها، وإني سألت ربي ألا يصلي عليّ عبد صلاة إلا صلى الله عليه عشر أمثالها).
وقال ﵊ موضحاً أكثر: (أكثروا الصلاة عليّ، فإن الله وكل بي ملكاً عند قبري، فإذا صلى علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد! إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة) ملك أعطاه الله أسماء العباد يبلغ رسول الله ﷺ سلام كل واحد باسمه، وهذا حديث حسن.
وقال ﵊: (ما من واحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇ حديث حسن، رواه أبو داود رحمه الله تعالى.
فترد الروح إليه ﷺ لكي يرد على المصلي منا عليه صلاته وسلامه، فأي أجر وأي فضل أعظم من هذه الأشياء.
ولقد بلغ من فضل الله علينا أنه جعل صلاتنا على رسوله ﷺ تبلغ الرسول ﷺ أينما كان المصلي عليه في أي مكان من أقطار الأرض، فقال ﵊: (حيث ما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني) سواء كنت عند قبره أو كنت في هذا المكان، أو كنت في أقصى الأرض، فإذا صليت على رسول الله بلّغ الله تعالى صلاتك لرسوله ﷺ .
стр. 6636
الصلاة على النبي ﷺ آخر التشهد في كل صلاة
ومن المواضع التي يشرع فيها الصلاة عليه ﷺ ، الموضع الأول: وهو أهمها وآكدها في الصلاة عليه في آخر التشهد، وهي الصلاة الإبراهيمية المعروفة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، ولهذه الصلاة صيغ كثيرة، يستحب للإنسان المسلم أن ينوع في ذكرها في صلاته، فمن هذه الصيغ قوله ﵊: (صلوا عليّ واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل ومحمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ومن هذه الصيغ قولوا: (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد) والصيغ كثيرة ذكرها أهل العلم في موضعها.
стр. 6637
الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول من كل صلاة
والموضع الثاني أيها الإخوة: الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد الأول من الصلاة، بعد التشهد الأول من الصلاة يسن الصلاة على رسول الله كذلك، ليس فقط في التشهد الأخير كما يعلمه عامة الناس، وإنما حتى في التشهد الأول للحديث الوارد عند أبي عوانة والنسائي: أنه ﵊ كان يصلي على نفسه في التشهد الأول وغيره، الفرق بينهما أن الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير واجبة، أما الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد الأول فهي سنة، إن تركها الإنسان فلا حرج، ولكن يسن له أن يصلي على رسول الله ﵊ حتى بعد التشهد الأول قبل أن يقوم إلى الركعة الثالثة.
стр. 6638
الصلاة على النبي ﷺ في دعاء القنوت
وكذلك من المواضع: الصلاة عليه في آخر دعاء القنوت في صلاة الوتر أو غيره إذا قنت الإنسان، لما جاء في حديث عبد الرحمن بن عبد القاري، أنهم كانوا على عهد عمر يلعنون الكفرة في النصف من شعبان، ثم يصلي على النبي ﷺ الإمام، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين، وذكر بعض العلماء أن هذه الصلاة مقيدة بقول الراوي أو بقوله أحياناً، أي: قوله في النصف الثاني من هذا الشهر.
стр. 6639
الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة
وكذلك يستحب الصلاة على رسول الله ﷺ ، أو قل: هي جزء من صلاة الجنازة، وهو الموضع الآخر، فإنه قد قال الزهري ﵀: سمعت أبا أمامة سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب -وأبو أمامة صحابي صغير- إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت.
ففي التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة يصلى على رسول الله ﷺ ، وإسناده صحيح.
стр. 6640
الصلاة على النبي ﷺ بعد إجابة المؤذن
والموطن الخامس أيها الإخوة: بعد إجابة المؤذن، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة الحديث) بعد الانتهاء من الترديد مع المؤذن يصلى على النبي ﷺ .
стр. 6641
الصلاة على النبي ﷺ عند الدعاء
ومن الأماكن والمواطن كذلك: الصلاة عليه ﷺ عند الدعاء، وقد بلغ من خطورة هذه المسألة أنه ﵊ قال في الحديث الحسن المروي عن أنس مرفوعاً: (كل دعاء محجوب-لا يقبل- حتى يصلى على النبي ﷺ يحجب الدعاء، يعلق بين السماء والأرض، كما ذكر ابن القيم ﵀ في جلاء الأفهام، حتى يصلي الداعي الذي يدعو ربه على رسوله ﷺ .
ولذلك كان للصلاة عليه في الدعاء مراتب، فمنها: الصلاة عليه قبل الدعاء، وبعد حمد الله، بعدما تحمد الله وتدعوه بأسمائه الحسنى، وقبل أن تسأل حاجتك تصلي على الرسول ﷺ ، لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله تعالى والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ، ثم ليدع بعد ما شاء).
والمرتبة الثانية: أن يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره، والمرتبة الثالثة: أن يصلي عليه في أول الدعاء وآخره، ويجعل حاجته متوسطة بينهما، المهم أنه لابد من قرن الدعاء بالصلاة عليه ﷺ .
стр. 6642
الصلاة على النبي ﷺ عند الهم والشدائد
ومن المواطن كذلك: الصلاة عليه عند الهم والشدائد وعند طلب المغفرة، فعن أبي بن كعب قال: (قلت: يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟) قال ابن القيم ﵀: وقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية ﵀ عن هذا الحديث، فقال: كان لـ أبي دعاء يدعو به، دعاء خاص، فقال لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! أنا أدعو وأثناء دعائي أصلي عليك، فكم النسبة التي أخصص لك الصلاة عليك فيها في دعائي؟ فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، فقلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذاً يكفى همك ويغفر لك ذنبك).
فإذاً: هذا الصحابي أبي بن كعب صار دعاؤه كله لرسول الله ﷺ ، فقال ﵊ له: أنه إذا فعل هذا يكفى الهم، ويغفر له ذنبه، فصار إذا نزل بالإنسان هم يستحب له الإكثار من الصلاة على رسول الله ﷺ .
стр. 6643
الصلاة على النبي ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه
ومن المواطن المعروفة كذلك: عند دخول المسجد والخروج منه، فقد كان ﷺ إذا دخل المسجد قال: (بسم الله، اللهم صل على محمد-ويضيف إليها- اللهم افتح لي أبواب رحمتك)، وإذا خرج قال: (بسم الله، اللهم صل على محمد-ويضيف إليها- اللهم إني أسألك من فضلك).
стр. 6644
الصلاة على النبي ﷺ عند اجتماع القوم وقبل تفرقهم
وعند اجتماع القوم وقبل تفرقهم، قال ﷺ : (ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر لله، وصلاة على النبي ﷺ إلا قاموا على أنتن جيفة) خذ أكثر جيفة نتناً وأشدها تعفناً، ثم تصور أنك إذا جلست في أي مجلس، وقمت من ذلك المجلس بغير ذكر الله وصلاة على نبيه ﷺ ، فإنك تقوم على هذا النتن الصادر من هذه الجيفة، وقال ﵊ في الحديث الصحيح أيضاً: (أيما قوم جلسوا فأطالوا الجلوس، ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله تعالى أو يصلوا على نبيه، كانت عليهم ترة من الله -حسرة- إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) عذاب من الله، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
أيها الإخوة! فكروا في مجالسنا اليوم التي نجلس فيها، كم من المجالس التي نجلس فيها ونقوم من غير ذكر لله ولا صلاة على رسوله ﷺ ، وإنما تكون مجالسنا غيبة ونميمة، وتفكهاً في أعراض الناس، والجهر بالسوء من القول، والنكت والضحك، والاستهزاء بعباد الله الصالحين، والكلام في أخبار فلان وفلان من الناس، أو الكلام في عروض التجارة وأنواعها، ولكننا قلما نقوم من مجلس فنذكر الله تعالى ونصلي على رسول الله ﷺ .
لو لم نخرج من هذه الخطبة أيها الإخوة إلا بهذه الفائدة لكانت فائدة عظيمة، نتواصى فيما بيننا يا إخواني، أننا إذا جلسنا في أي مجلس كان، جلس الإنسان مع أهله، أو أصدقائه، أو مسئول، أو موظف، أو فصل دراسي، أو في دكانه، ألا يقوم من ذلك المجلس إلا وقد ذكر الله وصلى على نبيه ﷺ ، ولو مرة على الأقل، هذه سنة لابد أن تحيا، ولابد أن يذكر بها بعضنا بعضا.
وقال ﵊ مبيناً خطورة ترك الصلاة عليه: (من ذكرت عنده -في مجلس، أو حتى ولو قراءة- فخطئ الصلاة عليّ، خطئ طريق الجنة) حديث صحيح رواه الطبراني عن الحسين ﵁.
ولذلك جاء في حديث جبريل لما قال لرسول الله ﷺ : (ومن ذكرت عنده يا محمد! ﷺ فلم يصل عليك، فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين).
ولذلك قال أبو جعفر الطحاوي ﵀: تجب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه، شفهياً أو تحريرياً، وهذه مسألة وقع فيها تقصير عند كثير من المسلمين، فإنهم إذا جاءوا يكتبون اسم رسول الله ﷺ ، فإنهم لا يصلون عليه عند الكتابة، ولا يكتبون الصلاة عليه، وبعضهم يكتب بين قوسين صاد، وبعضهم يكتب صلعم، هذه لا تغني شيئاً مطلقاً، كأنها غير موجودة، لابد كما ذكر العلماء أنك عندما تكتب اسم رسول الله ﷺ أن تصلي عليه عند كتابتك فتكتب: ﷺ ، أو ﵊ ونحو ذلك من الألفاظ.
بل لقد بلغ من دقة بعض العلماء، وهو عبد الرحمن بن مهدي من المحدثين أنه قال: كنا في عجلة من أمرنا ونحن نكتب الحديث، ولم يكن عندنا وقت لكتابة ﷺ لأننا نكتب عن الشيخ، والشيخ يسرع في الحديث فتركنا فراغاً بيضنا له، فإذا انتهى مجلس الإملاء ذهبنا فملأنا الفراغات كلها ﷺ ، وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: بحسب أهل الحديث خيراً أنهم كلما كتبوا حديث رسول الله صلوا عليه وسلموا.
فكان أهل الحديث -أيها الإخوة- المشتغلين بحديث رسول الله ﷺ تقع لهم هذه الفائدة أكثر مما تقع لغيرهم، جعلنا الله وإياكم من أهل الحديث وأتباع السنة، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 6645
الصلاة على النبي ﷺ في الصباح والمساء
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين.
فإكمالاً لما كنا نتكلم عنه، فإن من أذكار الصباح والمساء -أيها الإخوة- الصلاة على رسولكم ﷺ ؛ لأنه ﵊ قال في الحديث الحسن الذي يرويه الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعاً: (من صلى علي حين يصبح عشراً، وحين يمسي عشراً، أدركته شفاعتي يوم القيامة).
стр. 6646
الصلاة على النبي ﷺ في كل اجتماع
ومن المواطن كذلك: كل اجتماع فيه ذكر لله، سواء كان تفسيراً أو حديثاً أو فقهاً وما شابه ذلك، لابد أن يقرن بالصلاة عليه ﷺ كغيره من المجالس، بل إنه في هذا المجلس يكون التكرار فيه أكثر.
стр. 6647
الصلاة على النبي ﷺ في تكبيرات صلاة العيد
ومن المواطن التي يصلى فيها عليه ﷺ : الصلاة عليه في تكبيرات صلاة العيد، لما روي عن عبد الله بن مسعود في صفة صلاة العيد، لما جاء يعلمها للوليد بن عقبة، وكان عنده صحابيان جليلان، قال ابن مسعود وهو يعلم هذا الرجل -وكان أميراً على بلده-: كيف يؤم الناس في صلاة العيد؟ يقول له: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح في الصلاة وتحمد ربك، وتصلي على النبي ﷺ ، ثم تدعو وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، إلى آخر الحديث، فقال حذيفة وأبو موسى ﵄: صدق أبو عبد الرحمن، الكلام كما قال أبو عبد الرحمن ابن مسعود، قال المخرّج لكتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ ، الجهضمي: إسناده حسن.
فإذاً أيها الإخوة! إذا صففنا في صلاة العيد التي فيها تكبيرات، فإذا كبرنا الأولى والثانية والثالثة، بين كل تكبيرة وتكبيرة يصلون على النبي ﷺ ، ويدعون ما شاءوا.
стр. 6648
الصلاة على النبي ﷺ على الصفا والمروة
ومن المواطن كذلك: الصلاة عليه فوق الصفا والمروة؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ قال: [إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعاً، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم أتوا الصفا، فقولوا: من حيث ترون البيت -تقف وأنت تنظر إلى البيت- فكبروا سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمد لله وثناء عليه، وصلاة على النبي ﷺ ، ومسألة لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك].
قال المخرِّج في المصدر السابق: إسناده صحيح.
стр. 6649
الصلاة على النبي ﷺ عند قبره
ومنها كذلك أيها الإخوة: الصلاة والسلام عليه عند قبره، إذا جاء الإنسان ليزور القبر إذا كان في المدينة دون شد الرحال والسفر من أجل القبر، نذهب للصلاة في المسجد، ونية السفر الذهاب للصلاة في المسجد، فإذا وصلنا إلى هناك، وكنا على مقربة من قبر رسول الله ﷺ ، فإنه يستحب لك يا أخي المسلم أن تأتي قبر رسول الله ﷺ ، فتقف أمامه وتفعل كما فعل ابن عمر، عن عبد الله بن دينار قال: [رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ ، فيصلي على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر]، أخرجه في الموطأ، قال في المصدر السابق: إسناده صحيح.
وعن عبد الله بن دينار قال: [رأيت ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه] هذا الحديث قال عنه في المصدر السابق: إسناده صحيح.
هذه من المواطن التي ورد فيها الصلاة على نبي الله ﷺ ، فكثرة الصلاة وتعددها وتنوعها واختلافها يدل على دخولها أي: الصلاة على الرسول ﷺ في أمور كثيرة من الدين، نظراً لأهميتها وعظمها وفضلها.
فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من أهل الصلاة عليه ﷺ ، وأن يرزقنا وإياكم شفاعته، واتباع سنته ظاهراً وباطناً في الصغيرة والكبيرة.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم واجعلنا من المسلمين لك المخبتين لك، الأوابين الأواهين التوابين، وارزقنا ذكرك آناء الليل وأطراف النهار، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ذات بيننا، اللهم واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
стр. 6650
جنة الدنيا [٢]
الإيمان مصدر سعادة المؤمن، كما أن الكفر أصل شقاء الكفار، فمع الإيمان أمان ورزق، وطمأنينة وسكينة، وصبر على البلاء مع الرضا بالقضاء، ومع الكفر شقاء وجزع، وحيرة وقلق وهلم جرا، وهذا تجده واضحاً مبيناً في هذه المادة فتابعها لترى الفرق بين المؤمن والكافر.
стр. 6651
أثر الإيمان في حياة الإنسان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإنه لعظيم حقاً أثر الإيمان في حياة الإنسان، وكيف يغير الإيمان مسار الإنسان ليخرجه خلقاً آخر متمتعاً بصفات عالية وأخلاق سامية، إنه يحتوي على مواصفات عظيمة وقد سبق أن ذكرنا -أيها الإخوة- بعضاً من هذه الصفات التي يتصف بها المؤمن عند إيمانه وماذا يفعل الإيمان للإنسان، ومن ذلك الأمن النفسي الذي قال الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] فكما لا يتحسر المؤمن على الماضي باكياً حزيناً، ولا يلقى الحاضر جزوعاً ساخطاً، ولا يواجه المستقبل خائفاً وجلاً، ولا يعيش في فزع ورهبة وغموض وتوجس من المستقبل كأنه عدو شرير، بل إنه يعيش آمن النفس مطمئناً؛ لأن الإيمان مصدر أمنه.
والأمن من ثمرات الطمأنينة والسكينة التي وهبها الله للمؤمنين، ولا عجب أن جعل الله الجنة دار أمن وسلام، فأهلها في الغرفات آمنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، تتلقاهم الملائكة منذ دخولهم قائلة لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦].
إن أهل الجاهلية البعيدين عن الدين يعيشون في خوف وقلق وهم لازم، إنهم يخافون من المستقبل خوفاً عظيماً، فلا ترى أحدهم مرتاحاً في عيشته ولا آمناً باله، ولا مطمئنة نفسه، كما يقول الواحد منهم معبراً عن نفسه: إنني أعيش في خوف دائم في رعب من الناس والأشياء ورعب من نفسي لا أغنت عني الثروة التي أملكها، ولا المركز الممتاز الذي أتبوءه، ولا السهرات الحمراء ولا غير ذلك من مباهج الدنيا الحلال والحرام؛ فإنني أرى الأشباح من حولي وأرى الخوف فاتحاً فاه ليلتهمني، إنني تائه في الحياة مع أنني بلغت قمتها، إنها صارت عدوي رغم كل ما أملكه فيها، إنني أخاف من الحياة ذاتها هكذا يعيش الواحد من البعيدين عن الدين في ضيق الصدر، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤].
فهذا الضنك في المعيشة والضيق في العيش يذيقه الله للبعيد عن دينه المعرض عن شرعه، رغم كثرة ماله وفسحة بيته إلا أن الفسحة الحقيقية في الصدر -أيها الإخوة- لا في البيوت ولا في السيارات الفارهة.
ولذلك يعيش المؤمن آمناً مطمئناً في سلام وسكينة وأمن نفسي رغم أن بيته ضيق، ورغم أن سيارته قديمة، ورغم أن ملابسه بالية؛ لأن السعادة الحقيقية ليست في المظاهر وإنما هي في الحقائق.
وهذا الأمن الذي يوفره الإيمان للإنسان، فقد ضرب لنا القرآن الكريم نموذجاً حياً لأم مؤمنة صار إيمانها مصدر أمنها رغم أنها في حال خوف وقلق، ولكنها لم تخف؛ لأن الله ثبتها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] إذا خافت؛ ألقته في اليم مع أن إلقاءه في اليم بحد ذاته مصدر خوف عظيم ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] ألقيه في البحر امرأة تلقي ولدها في البحر! ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ [القصص:٧ - ٨] هذا المؤمن النبي ليكون لهم في المستقبل ﴿عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨] واستجابة الأم لصدق موعود الله الذي وعدها، والله لا يخلف الميعاد: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣].
إن الناس -أيها الإخوة- يخافون من أشياء كثيرة وأمور شتى، ولكن المؤمن سدت أبواب الخوف عنده فلم يعد يخاف إلا الله وحده؛ يخافه أن يكون فرط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فإنه لا يخافهم؛ لأنهم لا يملكون له ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥].
ولما دعا أبو الأنبياء إلى توحيد الله وقام بتحطيم الأصنام وخوفه قومه من آلهتهم قال لهم متعجباً: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١] وقرر الله الحقيقة بنفسه قائلاً ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] وفسر النبي ﷺ الظلم بالشرك، ففسره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
فيتبين لنا أن أساس الأمن، ومنبع الأمن هو التوحيد والإيمان الخالص لله تعالى، وأن الشرك هو مصدر الخوف ومصدر القلق ومصدر الهم بكل نوع من أنواعه، والكفر بالله تعالى هو القلق والهم والغم والصعاب النفسية، وهو أهم أسباب الخوف والاضطراب والرعب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [آل عمران:١٥١] أي: بسبب شركهم سنلقي في قلوبهم الرعب.
стр. 6652
الفرق بين المؤمن والكافر في مسألة الرزق
أيها المسلمون: إن الناس يتكلمون عن الرزق، وعن الرواتب، وعن الوظائف، وعن التجارات، وعن الأرباح، وعن الأسهم، وعن المشاريع، وعن الخاسر منها وغير الخاسر، إن الناس في قلق في القضية المادية في قضية الدخل الطرد من الوظيفة إيجاد وظيفة؛ ولكن المؤمن آمن حتى من جهة رزقه؛ فهو يعلم أن رزقه لن يفوت، وأن الأرزاق في ضمان الله الذي لا يخلف وعده، ولا يضيع عبده، وقد خلق الأرض مهاداً، وفراشاً وبساطاً، وبارك فيها، وقدر أقواتها وجعل فيها معايش، وتكفل بأرزاق العباد، وكرر وأقسم ووعد ، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:٦] قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] فهو يحلف بنفسه سبحانه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣].
إن المؤمن يعلم أنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وإن المؤمن يعلم أن الله يرزق كل أحد ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] وأنه مهما كان له رزق فسيأتيه ولا ينافي ذلك سعيه، فهو من الأسباب، والأسباب من التوحيد، ولكن مع الإيمان بالمسبب وخالقها، والاعتماد على خالق الأسباب، وأن الإنسان سيأتيه رزقه قل أو كثر؛ لكنه إذا قل لا يسخط من ربه، وإذا كثر لا يطغى على شريعة ربه.
إن المؤمن يعيش بالضمانات التي ذكرها الله تعالى في كتابه من أنه هو الرزاق والعالم اليوم يريدون في اتفاقياتهم ضمانات ويبحثون عن ضمانات وهم دائماً يطلبون الضمانات؛ لأنهم خائفون من نقض العهود والمواثيق والمستقبل.
فإذا كان المؤمن عنده الضمانات في هذه الآيات من ربه؛ فمم يخاف؟ وعلى أي شيء في رزقه يخشى وهو يعلم أن الله رزق الطير في أوكارها، والسباع في فلواتها، والأسماك في البحار، والديدان في الصخور؟ ولذلك كان المؤمن يذهب إلى ساحات الجهاد حاملاً رأسه على كفه متمنياً الموت في سبيل عقيدته، من خلفه ذرية ضعافاً يخشى عليهم
.
وأفراخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ومع ذلك هو يوقن أنه تركهم في رعاية رب كريم حقاً.
أيها الإخوة! إنه لموقف صعب أن يطلب من أحدنا أن يذهب إلى ساحات الجهاد وعنده أطفال صغار!! فمن الذي يفعل ذلك ويضحي ويقدم؟! إنه الإنسان الذي يوقن بأن هناك رباً رحيماً أمره بالجهاد فهو يطيع، وتكفل له برعاية أولاده ورزقهم فهو لأجل ذلك يغادرهم، وإلا ما غادر مؤمن أولاده إلى ساحات الجهاد قط، وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهب في سبيل الله: إني عرفته أكالاً وما عرفته رزاقاً، ولئن ذهب الأكال لقد بقي الرزاق.
стр. 6653
الفرق بين المؤمن والكافر في مسألة الأجل
والمؤمن آمن على أجله، فإن الله قدر له ميقاتاً مسمى، وأياماً معدودة، وأنفاساً محدودة لا تملك قوة في الأرض أن تنقص منها، قال تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح:٤] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١].
أيقن المؤمن أن الله فرغ من الآجال والأعمار وكتب ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فما الذي يغيرها الآن؟ ومن الذي يغيرها؟ وكتب على كل نفس متى تموت، وأين تموت.
ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها
وبهذه الحقيقة ألقى المؤمن عن كاهله هم التفكير في الموت والخوف على الحياة.
وبعض الناس يحتاطون لأجل الموت، يشترون القبر، ويعمرونه، ويزينونه، ويفعلون ويفعلون ثم يموتون بأرض أخرى! إن التجهز للموت حق ولكن بالحق، باليقين بأن الإنسان ربما يموت في غير البقعة التي توقع أن يموت فيها، وأن علم ذلك مما انفرد به الله تعالى.
لما هدد الحجاج سعيد بن جبير بالقتل قال له سعيد: "لو علمت أن الموت والحياة في يدك ما عبدت إلهاً غيرك".
المؤمن لا يخاف الموت فهو يعلم أنه زائر لا بد من لقائه، وقادم لا ريب فيه، لا يرده الخوف منه ولا يثنيه الجزع: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:٥٤] أي: إلى الموضع الذي قدر الله أن يقتلوا فيه.
ويهون الموت على المؤمن إذا عرف أنه سبيل أفضل الناس من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فلا عليه إذن إذا اقتفى أثرهم وسار في دربهم.
إن الموت خطبٌ قد عظم حتى هان، وخشن حتى لان، إنه بلية عمت والبلايا إذا عمت هانت ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] هذا من جهة الحس في المؤمن.
أما من جهة الاستعداد له فالموت خطب عظيم في نفسه، فهو يستعد له، ولكن هل يخاف من الموت خوفاً سلبياً يقعد به عن العمل كما يشتكي عدد من الناس؟ يقول: إن زوجتي تخاف من الموت ولا تنام بالليل، ولا لها طعام، ولا ذاقت شيئاً، وإنها قد مرضت ونحل عودها، فإذا كان الخوف من الموت خوف سلبي قعد بالإنسان عن ممارسة أي شيء.
وهناك خوف إيجابي: وهو الذي يدفع للاستعداد للموت، ونحن نريد الخوف الثاني فنعظمه في أنفسنا، وأما الخوف الأول فنهونه في أنفسنا؛ لأن الموت طريق لا بد أنه مسلوك.
ومتاع الدنيا أهون عند المؤمن أن يأسى على فواته، لماذا يخاف أهل الدنيا الموت؟ لماذا إذا قلت لأحدهم: فلان مات قال: أعوذ بالله؟! تعوذ بالله من الموت وهو آتيه آتيه.
لماذا يخافون الموت؟ لأنه سيحرمهم من المخططات، والأرباح، والنعيم، وكل الآمال التي يأملونها سيحرمون منها، ولذلك يكرهونه ويخافونه، والمؤمن يود أن يفسح له في الحياة لا لأجل أن يعمر قصراً، أو يشتري سيارة، لكن لأجل أن يستكثر من الأعمال الصالحة، وأن يتوب توبة أخرى.
الموت -أيها الإخوة- ليس عدماً محضاً ولا فناءً صرفاً، بل هو انتقال من حياة إلى حياة، ومن طور إلى طور.
وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
إنها انطلاقة من قفص الجسد لتعود إليه يوم الدين، وقد كتب أحد الصالحين في وصيته أبياتاً يبين هذه الحقيقة لإخوانه بعد موته:
قل لإخوان رأوني ميتاً فبكوني ورثوني حزنا
أتظنون بأني ميتكم ليس هذا الميت والله أنا
أنا في الصور وهذا جسدي كان ثوبي وقميصي زمنا
أنا عصفور وهذا قفصي طرت عنه وبقي مرتهنا
أنا عصفور وهذا قفصي: الجسد الذي ترونه ممتداً أمامكم على الفراش.
لا تظنوا الموت موتاً إنه ليس إلا نقلة من هاهنا
أيها الإخوة: إذا نظرنا إلى جسد الشيخ الكبير الذي تقدمت به السن، ونظرنا إلى تجاعيده وترهل هذا الجسد ولين العظام، إذا نظرت جيداً إلى جسد العجوز الفاني لعلمت أن خلقان الثوب الذي بداخله الروح لا بد أن يعنيه أن هناك انتقالاً؛ لأن هذا الثوب وهذا الجسد بعد هذا الترهل والتجاعيد لا بد أن ينتقل؛ لا بد أن يكون هناك انتقال فإذا رأيت بيتاً يهدم ويخرب فاعلم أن هناك تصميماً جديداً وبناء جديداً.
ولعل من حكمة الله أن يجعل جسد الإنسان يهترئ ويذبل؛ ليتمعن المتمعنون بأن هذا الجسد الآن بعد اهترائه في سن الشيخوخة لم يعد يصلح أن يستمر ثوباً للبدن، وأن هناك تغيراً واضحاً من حال العجوز الفاني والشيخ الكبير، وأن هذا الجسد لم يعد يتحمل الاستمرار؛ فلا بد من التغيير والتغيير بالموت، ولكن الموت ليس هو الفناء وإنما تنتقل الروح من عالم إلى عالم آخر.
стр. 6654
الأمل في حياة المؤمن
أيها الإخوة: إن من مصادر الأمن والسكينة لدى المؤمن الأمل الذي يضيء له الظلمات، وينير له المعالم، ويهديه السبيل وتنمو به شجرة الحياة، ويرتفع به صرح العمران، فهو قوة دافعة تشرح للعمل وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب وتبعث النشاط في الروح والبدن.
فالإيمان يولد الأمل والأمل مهم في الحياة ما الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق إلا أمله في الحصاد؟ وما الذي يغري التاجر بالأسفار والمخاطر إلا الأمل في الربح؟ وما الذي يبعث الطالب على الجد والمثابرة إلا الأمل في النجاح؟ وما الذي يحبب إلى المريض الدواء المر إلا الأمل في الشفاء؟ وما الذي يدعو المؤمن إلى أن يخالف طبيعته وهواه ويتحمل المشاق في هذه الدنيا؟ إنه الأمل في جنة الفردوس، فهذا الأمل هو الذي يهون هذه الصعاب، فهو دافع النشاط ومخفف الويلات وباعث البهجة:
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
إذا يأس التلميذ من النجاح -أيها الإخوة- نفر من الكتاب والقلم، وضاق بالبيت والمدرسة، ولم يعد ينفعه درس خاص ولا عام، ولا نصح يسدى ولا تهيئة المكان ولا الجو المناسب ولا ولا إلا أن يعود إليه شيء واحد يحل له كل هذه المشكلة، ألا وهو الأمل، فإذا رجع الأمل انحلت المشكلة.
وإذا يأس المريض من الشفاء كره الدواء، وكره الطبيب، والعيادة، والصيدلية، وضاق بالحياة والأحياء، ولم يعد يجديه العلاج إلا أن يعود إليه الأمل، وهكذا إذا تغلب اليأس على إنسان اسودت الدنيا في وجهه، وأظلمت في عينيه، وأغلقت أمامه أبوابها، وتقطعت دونه أسبابها، وضاقت عليه بما رحبت.
اليأس سم بطيء لروح الإنسان، وإعصار مدمر لنشاطه، ولا إنتاج ولا إحساس حينئذٍ.
واعلموا أن اليأس ملازم للكفر، كما أن الأمل ملازم للإيمان، وليس بعجيب أن تجد أصناف اليائسين بغزارة وكثرة بين الجاحدين لله البعيدين عن شرع الله، ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] يتجلى هذا اليأس في الشدة ونزول الشر كما ذكر الله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود:٩] ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً﴾ [الإسراء:٨٣] ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩] لكن استثنى الله صنفاً واحداً فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود:١١] فلو خسر في تجارة، أو رسب في مدرسة، أو حصل له فشل في شيء فإنه لا ييئس ولا يقنط؛ لأن أمله مستمر برب رءوف رحيم، ليس اليأس فقط من الدنيا وإنما -أيضاً- السخط على الرب كما قال المعري:
هذا ما جناه أبي عليَّ وما جنيت على أحد
ولكن المؤمن أوسع الناس أملاً.
لماذا أيها الإخوة؟ ما هو السر في أن المؤمن عنده أمل والكافر والضال يائس وقانط؟ السبب: أن المؤمن يؤمن بأن هناك إلهاً رحيماً قديراً يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويمنح الجزيل، ويغفر الذنوب، ويقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، أرحم من الوالدة بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، يفرح بتوبة عبده أشد من فرحة من أضل شيئاً إذا وجد ضالته، والغائب إذا وفد، والظمآن إذا ورد.
إله يجزي الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويزيد، ويجزي السيئة بمثلها أو يعفو، إله يدعو المعرض عنه من قريب، ويتلقى المقبل عليه من بعيد، ويقول: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) إله يداول الأيام بين الناس؛ فيبدل من بعد الخوف أمناً ومن بعد الضعف قوة، ويجعل من كل ضيق فرجاً، ومن كل هم مخرجاً ومع كل عسر يسراً، فلذلك يأمل المؤمن فيه.
هذا مبعث الأمل وهذا هو السر: الاعتصام بالإله البر الرءوف الرحيم العزيز الكريم الفعال لما يريد، يعيش المؤمن على أمل لا حد له، ورجاء لا تنفصم عراه، إنه دائماً متفائل، ينظر إلى الحياة بوجه غير الذي ينظر إليها الكافر، لا ينظر إلى الحياة بوجه عبوس قمطرير، فهو إذا حارب فهو واثق بالله أنه سينصره؛ لأنه مع الله والله معه ﴿إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣].
إذا مرض لم ينقطع أمل المؤمن أبداً من العافية ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠].
إذا اقترف ذنباً أو جرماً المؤمن لم ييئس من المغفرة، ومهما كان الذنب عظيماً فإن عفو الله أعظم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
والمؤمن إذا أعسر وضاقت ذات يده أمل في الله ولم يزل إيمانه فيه عظيماً لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦] ولن يغلب عسرٌ يسرين ولو دخل العسر جحراً لدخل اليسر حتى يخرجه.
والمؤمن إذا انتابته كارثة من كوارث الزمن ووقعت به المصيبة؛ فإن أمله في الله مازال موجوداً، كيف يكون موجوداً والولد قد مات؟ كيف يكون موجوداً والبيت قد احترق، والمال قد ذهب؟ إنه موجود في رجاء الأجر على احتساب المصيبة بالصبر ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦].
نسأل الله تعالى أن يجعلنا بإيماننا آمنين مطمئنين وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين, وأن يتوب علينا إنه هو البر الرءوف الرحيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 6655
اختلاف أثر المصيبة على المؤمن عن الكافر
الحمد لله إله الأولين والآخرين، ورب السماوات والأرضين، لا إله إلا هو يفعل ما يشاء خلق فسوى، وقدر فهدى، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، فعال لما يريد ، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الرحمة المهداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وأشهد أنه رسول الله حقاً والداعي إلى سبيله صدقاً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: إن أثر وقوع المصيبة على المؤمن يختلف تمام الاختلاف عن الكافر، ولنأخذ حال امرأة كانت في جاهليتها كافرة وقعت عليها مصيبة، ولما صارت مؤمنة في الإسلام وقعت عليها مصائب فاختلف حالها في إسلامها عن حالها لما كانت كافرة، تلك المرأة هي الخنساء؛ التي فقدت في جاهليتها أخاها لأبيها فقط وهو صخر فملأت الآفاق عليه بكاء وعويلاً، ونياحة وشعراً حزيناً حتى قالت:
يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره بكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
هذه المرأة هي نفسها المرأة التي أسلمت وحضرت حرب القادسية مع أبنائها الأربعة فجلست إليهم في تلك الليلة الحاسمة تقول لهم: يا بني! إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رحم واحد، كما أنكم بنو رجل واحد، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائكم مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها تظفروا بالغُنم في دار الخلد.
فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية، وأنوف حمية، تدفعهم وصية أمهم بموعود ربهم إذا فتر أحدهم ذكره إخوته وصية العجوز فزأر كالليث، وانطلق كالسهم، وانقض كالصاعقة حتى استشهدوا واحداً بعد واحد، فبلغ الأم نعي أولادها الأربعة فلم تلطم خداً، ولم تشق جيباً، ولم تطلق صيحة، ولا نياحة، ولكنها استقبلت النبأ بإيمان الصابرين وفضل المؤمنين فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني معهم في مستقر رحمته.
أيها أشق على النفس: الأخ لأب أم الأولاد الأربعة؟ الواحد أم الأربعة؟ ومع ذلك كان للمرأة موقف آخر يختلف تمام الاختلاف عن الموقف السابق.
فما الذي تغير أيها الإخوة؟ تغير شيء واحد -أيها الإخوان- إنها النقلة من الكفر إلى الإسلام، ومن الجاهلية إلى الإيمان، ولذلك كان الكفر يأساً وكان الإسلام أملاً.
الإيمان أمل بالله تعالى وهو الذي يجعل المسلم يطلب من ربه ويرجو رحمة ربه.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الإيمان، اللهم زد إيماننا، اللهم زدنا إيماناً وتقى وتوكلاً عليك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الأمن يوم الوعيد، اللهم إنا نسألك دخول جنة الخلود، اللهم اجعلنا يوم القيامة من الآمنين الركع السجود، اللهم إنا نسألك أن تقضي ديوننا، وتفرج همومنا، وتشفي مرضانا، وترحم موتانا، وتستر عيوبنا، اللهم إنا نسألك أن تكبت عدونا، اللهم دمر اليهود والنصارى واجعلها عليهم ناراً ودماراً، اللهم إنهم تمالئوا على حرب الإسلام فاكبتهم واجعل تخطيطهم تدميراً عليهم، اللهم قيض لهم من عبادك المسلمين من ينصر المسلمين عليهم يا رب العالمين، اللهم قيض من عبادك الأخيار من يقود المسلمين لجهاد الكفار ويحقق النصر يا أرحم الراحمين، اللهم عجل فرجنا يا رب العالمين.
إخواني: إذا كنا مقبلين على عيد من أعياد الكفار، فإننا نذكر أنفسنا بعدم جواز مشاركتهم مطلقاً، لا الهلوين ولا الكرسمس ولا غيرها فإنها من عقيدتهم ونحن لنا عقيدتنا وإذا كان لهم دينهم فلنا ديننا ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦].
ومن قدر الله أنه سيوافق دخول رمضان هذه السنة عيدهم الأكبر الذي سيكون، فسننظر كيف يعمل المسلمون حين يتعارض دخول رمضان في عبادته وجلاله مع ما يفعلونه من الكفر والفسق في عيدهم.
وهذه مناسبة تمحيص كما قلنا في الخطبة الماضية، فلننظر إلى أي الفريقين سيميل المائلون.
следующие страницы →