← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

أثر الإيمان في حياة الإنسان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإنه لعظيم حقاً أثر الإيمان في حياة الإنسان، وكيف يغير الإيمان مسار الإنسان ليخرجه خلقاً آخر متمتعاً بصفات عالية وأخلاق سامية، إنه يحتوي على مواصفات عظيمة وقد سبق أن ذكرنا -أيها الإخوة- بعضاً من هذه الصفات التي يتصف بها المؤمن عند إيمانه وماذا يفعل الإيمان للإنسان، ومن ذلك الأمن النفسي الذي قال الله تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] فكما لا يتحسر المؤمن على الماضي باكياً حزيناً، ولا يلقى الحاضر جزوعاً ساخطاً، ولا يواجه المستقبل خائفاً وجلاً، ولا يعيش في فزع ورهبة وغموض وتوجس من المستقبل كأنه عدو شرير، بل إنه يعيش آمن النفس مطمئناً؛ لأن الإيمان مصدر أمنه. والأمن من ثمرات الطمأنينة والسكينة التي وهبها الله للمؤمنين، ولا عجب أن جعل الله الجنة دار أمن وسلام، فأهلها في الغرفات آمنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، تتلقاهم الملائكة منذ دخولهم قائلة لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]. إن أهل الجاهلية البعيدين عن الدين يعيشون في خوف وقلق وهم لازم، إنهم يخافون من المستقبل خوفاً عظيماً، فلا ترى أحدهم مرتاحاً في عيشته ولا آمناً باله، ولا مطمئنة نفسه، كما يقول الواحد منهم معبراً عن نفسه: إنني أعيش في خوف دائم في رعب من الناس والأشياء ورعب من نفسي لا أغنت عني الثروة التي أملكها، ولا المركز الممتاز الذي أتبوءه، ولا السهرات الحمراء ولا غير ذلك من مباهج الدنيا الحلال والحرام؛ فإنني أرى الأشباح من حولي وأرى الخوف فاتحاً فاه ليلتهمني، إنني تائه في الحياة مع أنني بلغت قمتها، إنها صارت عدوي رغم كل ما أملكه فيها، إنني أخاف من الحياة ذاتها هكذا يعيش الواحد من البعيدين عن الدين في ضيق الصدر، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤]. فهذا الضنك في المعيشة والضيق في العيش يذيقه الله للبعيد عن دينه المعرض عن شرعه، رغم كثرة ماله وفسحة بيته إلا أن الفسحة الحقيقية في الصدر -أيها الإخوة- لا في البيوت ولا في السيارات الفارهة. ولذلك يعيش المؤمن آمناً مطمئناً في سلام وسكينة وأمن نفسي رغم أن بيته ضيق، ورغم أن سيارته قديمة، ورغم أن ملابسه بالية؛ لأن السعادة الحقيقية ليست في المظاهر وإنما هي في الحقائق. وهذا الأمن الذي يوفره الإيمان للإنسان، فقد ضرب لنا القرآن الكريم نموذجاً حياً لأم مؤمنة صار إيمانها مصدر أمنها رغم أنها في حال خوف وقلق، ولكنها لم تخف؛ لأن الله ثبتها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] إذا خافت؛ ألقته في اليم مع أن إلقاءه في اليم بحد ذاته مصدر خوف عظيم ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] ألقيه في البحر امرأة تلقي ولدها في البحر! ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ [القصص:٧ - ٨] هذا المؤمن النبي ليكون لهم في المستقبل ﴿عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨] واستجابة الأم لصدق موعود الله الذي وعدها، والله لا يخلف الميعاد: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣]. إن الناس -أيها الإخوة- يخافون من أشياء كثيرة وأمور شتى، ولكن المؤمن سدت أبواب الخوف عنده فلم يعد يخاف إلا الله وحده؛ يخافه أن يكون فرط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فإنه لا يخافهم؛ لأنهم لا يملكون له ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]. ولما دعا أبو الأنبياء إلى توحيد الله وقام بتحطيم الأصنام وخوفه قومه من آلهتهم قال لهم متعجباً: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١] وقرر الله الحقيقة بنفسه قائلاً ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] وفسر النبي ﷺ الظلم بالشرك، ففسره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. فيتبين لنا أن أساس الأمن، ومنبع الأمن هو التوحيد والإيمان الخالص لله تعالى، وأن الشرك هو مصدر الخوف ومصدر القلق ومصدر الهم بكل نوع من أنواعه، والكفر بالله تعالى هو القلق والهم والغم والصعاب النفسية، وهو أهم أسباب الخوف والاضطراب والرعب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [آل عمران:١٥١] أي: بسبب شركهم سنلقي في قلوبهم الرعب.

стр. 6652

الفرق بين المؤمن والكافر في مسألة الرزق أيها المسلمون: إن الناس يتكلمون عن الرزق، وعن الرواتب، وعن الوظائف، وعن التجارات، وعن الأرباح، وعن الأسهم، وعن المشاريع، وعن الخاسر منها وغير الخاسر، إن الناس في قلق في القضية المادية في قضية الدخل الطرد من الوظيفة إيجاد وظيفة؛ ولكن المؤمن آمن حتى من جهة رزقه؛ فهو يعلم أن رزقه لن يفوت، وأن الأرزاق في ضمان الله الذي لا يخلف وعده، ولا يضيع عبده، وقد خلق الأرض مهاداً، وفراشاً وبساطاً، وبارك فيها، وقدر أقواتها وجعل فيها معايش، وتكفل بأرزاق العباد، وكرر وأقسم ووعد ، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:٦] قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] فهو يحلف بنفسه سبحانه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣]. إن المؤمن يعلم أنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وإن المؤمن يعلم أن الله يرزق كل أحد ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] وأنه مهما كان له رزق فسيأتيه ولا ينافي ذلك سعيه، فهو من الأسباب، والأسباب من التوحيد، ولكن مع الإيمان بالمسبب وخالقها، والاعتماد على خالق الأسباب، وأن الإنسان سيأتيه رزقه قل أو كثر؛ لكنه إذا قل لا يسخط من ربه، وإذا كثر لا يطغى على شريعة ربه. إن المؤمن يعيش بالضمانات التي ذكرها الله تعالى في كتابه من أنه هو الرزاق والعالم اليوم يريدون في اتفاقياتهم ضمانات ويبحثون عن ضمانات وهم دائماً يطلبون الضمانات؛ لأنهم خائفون من نقض العهود والمواثيق والمستقبل. فإذا كان المؤمن عنده الضمانات في هذه الآيات من ربه؛ فمم يخاف؟ وعلى أي شيء في رزقه يخشى وهو يعلم أن الله رزق الطير في أوكارها، والسباع في فلواتها، والأسماك في البحار، والديدان في الصخور؟ ولذلك كان المؤمن يذهب إلى ساحات الجهاد حاملاً رأسه على كفه متمنياً الموت في سبيل عقيدته، من خلفه ذرية ضعافاً يخشى عليهم . وأفراخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ومع ذلك هو يوقن أنه تركهم في رعاية رب كريم حقاً. أيها الإخوة! إنه لموقف صعب أن يطلب من أحدنا أن يذهب إلى ساحات الجهاد وعنده أطفال صغار!! فمن الذي يفعل ذلك ويضحي ويقدم؟! إنه الإنسان الذي يوقن بأن هناك رباً رحيماً أمره بالجهاد فهو يطيع، وتكفل له برعاية أولاده ورزقهم فهو لأجل ذلك يغادرهم، وإلا ما غادر مؤمن أولاده إلى ساحات الجهاد قط، وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهب في سبيل الله: إني عرفته أكالاً وما عرفته رزاقاً، ولئن ذهب الأكال لقد بقي الرزاق.

стр. 6653

الفرق بين المؤمن والكافر في مسألة الأجل والمؤمن آمن على أجله، فإن الله قدر له ميقاتاً مسمى، وأياماً معدودة، وأنفاساً محدودة لا تملك قوة في الأرض أن تنقص منها، قال تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح:٤] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١]. أيقن المؤمن أن الله فرغ من الآجال والأعمار وكتب ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فما الذي يغيرها الآن؟ ومن الذي يغيرها؟ وكتب على كل نفس متى تموت، وأين تموت. ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها وبهذه الحقيقة ألقى المؤمن عن كاهله هم التفكير في الموت والخوف على الحياة. وبعض الناس يحتاطون لأجل الموت، يشترون القبر، ويعمرونه، ويزينونه، ويفعلون ويفعلون ثم يموتون بأرض أخرى! إن التجهز للموت حق ولكن بالحق، باليقين بأن الإنسان ربما يموت في غير البقعة التي توقع أن يموت فيها، وأن علم ذلك مما انفرد به الله تعالى. لما هدد الحجاج سعيد بن جبير بالقتل قال له سعيد: "لو علمت أن الموت والحياة في يدك ما عبدت إلهاً غيرك". المؤمن لا يخاف الموت فهو يعلم أنه زائر لا بد من لقائه، وقادم لا ريب فيه، لا يرده الخوف منه ولا يثنيه الجزع: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:٥٤] أي: إلى الموضع الذي قدر الله أن يقتلوا فيه. ويهون الموت على المؤمن إذا عرف أنه سبيل أفضل الناس من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فلا عليه إذن إذا اقتفى أثرهم وسار في دربهم. إن الموت خطبٌ قد عظم حتى هان، وخشن حتى لان، إنه بلية عمت والبلايا إذا عمت هانت ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] هذا من جهة الحس في المؤمن. أما من جهة الاستعداد له فالموت خطب عظيم في نفسه، فهو يستعد له، ولكن هل يخاف من الموت خوفاً سلبياً يقعد به عن العمل كما يشتكي عدد من الناس؟ يقول: إن زوجتي تخاف من الموت ولا تنام بالليل، ولا لها طعام، ولا ذاقت شيئاً، وإنها قد مرضت ونحل عودها، فإذا كان الخوف من الموت خوف سلبي قعد بالإنسان عن ممارسة أي شيء. وهناك خوف إيجابي: وهو الذي يدفع للاستعداد للموت، ونحن نريد الخوف الثاني فنعظمه في أنفسنا، وأما الخوف الأول فنهونه في أنفسنا؛ لأن الموت طريق لا بد أنه مسلوك. ومتاع الدنيا أهون عند المؤمن أن يأسى على فواته، لماذا يخاف أهل الدنيا الموت؟ لماذا إذا قلت لأحدهم: فلان مات قال: أعوذ بالله؟! تعوذ بالله من الموت وهو آتيه آتيه. لماذا يخافون الموت؟ لأنه سيحرمهم من المخططات، والأرباح، والنعيم، وكل الآمال التي يأملونها سيحرمون منها، ولذلك يكرهونه ويخافونه، والمؤمن يود أن يفسح له في الحياة لا لأجل أن يعمر قصراً، أو يشتري سيارة، لكن لأجل أن يستكثر من الأعمال الصالحة، وأن يتوب توبة أخرى. الموت -أيها الإخوة- ليس عدماً محضاً ولا فناءً صرفاً، بل هو انتقال من حياة إلى حياة، ومن طور إلى طور. وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي إنها انطلاقة من قفص الجسد لتعود إليه يوم الدين، وقد كتب أحد الصالحين في وصيته أبياتاً يبين هذه الحقيقة لإخوانه بعد موته: قل لإخوان رأوني ميتاً فبكوني ورثوني حزنا أتظنون بأني ميتكم ليس هذا الميت والله أنا أنا في الصور وهذا جسدي كان ثوبي وقميصي زمنا أنا عصفور وهذا قفصي طرت عنه وبقي مرتهنا أنا عصفور وهذا قفصي: الجسد الذي ترونه ممتداً أمامكم على الفراش. لا تظنوا الموت موتاً إنه ليس إلا نقلة من هاهنا أيها الإخوة: إذا نظرنا إلى جسد الشيخ الكبير الذي تقدمت به السن، ونظرنا إلى تجاعيده وترهل هذا الجسد ولين العظام، إذا نظرت جيداً إلى جسد العجوز الفاني لعلمت أن خلقان الثوب الذي بداخله الروح لا بد أن يعنيه أن هناك انتقالاً؛ لأن هذا الثوب وهذا الجسد بعد هذا الترهل والتجاعيد لا بد أن ينتقل؛ لا بد أن يكون هناك انتقال فإذا رأيت بيتاً يهدم ويخرب فاعلم أن هناك تصميماً جديداً وبناء جديداً. ولعل من حكمة الله أن يجعل جسد الإنسان يهترئ ويذبل؛ ليتمعن المتمعنون بأن هذا الجسد الآن بعد اهترائه في سن الشيخوخة لم يعد يصلح أن يستمر ثوباً للبدن، وأن هناك تغيراً واضحاً من حال العجوز الفاني والشيخ الكبير، وأن هذا الجسد لم يعد يتحمل الاستمرار؛ فلا بد من التغيير والتغيير بالموت، ولكن الموت ليس هو الفناء وإنما تنتقل الروح من عالم إلى عالم آخر.

стр. 6654

الأمل في حياة المؤمن أيها الإخوة: إن من مصادر الأمن والسكينة لدى المؤمن الأمل الذي يضيء له الظلمات، وينير له المعالم، ويهديه السبيل وتنمو به شجرة الحياة، ويرتفع به صرح العمران، فهو قوة دافعة تشرح للعمل وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب وتبعث النشاط في الروح والبدن. فالإيمان يولد الأمل والأمل مهم في الحياة ما الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق إلا أمله في الحصاد؟ وما الذي يغري التاجر بالأسفار والمخاطر إلا الأمل في الربح؟ وما الذي يبعث الطالب على الجد والمثابرة إلا الأمل في النجاح؟ وما الذي يحبب إلى المريض الدواء المر إلا الأمل في الشفاء؟ وما الذي يدعو المؤمن إلى أن يخالف طبيعته وهواه ويتحمل المشاق في هذه الدنيا؟ إنه الأمل في جنة الفردوس، فهذا الأمل هو الذي يهون هذه الصعاب، فهو دافع النشاط ومخفف الويلات وباعث البهجة: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل إذا يأس التلميذ من النجاح -أيها الإخوة- نفر من الكتاب والقلم، وضاق بالبيت والمدرسة، ولم يعد ينفعه درس خاص ولا عام، ولا نصح يسدى ولا تهيئة المكان ولا الجو المناسب ولا ولا إلا أن يعود إليه شيء واحد يحل له كل هذه المشكلة، ألا وهو الأمل، فإذا رجع الأمل انحلت المشكلة. وإذا يأس المريض من الشفاء كره الدواء، وكره الطبيب، والعيادة، والصيدلية، وضاق بالحياة والأحياء، ولم يعد يجديه العلاج إلا أن يعود إليه الأمل، وهكذا إذا تغلب اليأس على إنسان اسودت الدنيا في وجهه، وأظلمت في عينيه، وأغلقت أمامه أبوابها، وتقطعت دونه أسبابها، وضاقت عليه بما رحبت. اليأس سم بطيء لروح الإنسان، وإعصار مدمر لنشاطه، ولا إنتاج ولا إحساس حينئذٍ. واعلموا أن اليأس ملازم للكفر، كما أن الأمل ملازم للإيمان، وليس بعجيب أن تجد أصناف اليائسين بغزارة وكثرة بين الجاحدين لله البعيدين عن شرع الله، ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] يتجلى هذا اليأس في الشدة ونزول الشر كما ذكر الله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود:٩] ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً﴾ [الإسراء:٨٣] ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩] لكن استثنى الله صنفاً واحداً فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود:١١] فلو خسر في تجارة، أو رسب في مدرسة، أو حصل له فشل في شيء فإنه لا ييئس ولا يقنط؛ لأن أمله مستمر برب رءوف رحيم، ليس اليأس فقط من الدنيا وإنما -أيضاً- السخط على الرب كما قال المعري: هذا ما جناه أبي عليَّ وما جنيت على أحد ولكن المؤمن أوسع الناس أملاً. لماذا أيها الإخوة؟ ما هو السر في أن المؤمن عنده أمل والكافر والضال يائس وقانط؟ السبب: أن المؤمن يؤمن بأن هناك إلهاً رحيماً قديراً يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويمنح الجزيل، ويغفر الذنوب، ويقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، أرحم من الوالدة بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، يفرح بتوبة عبده أشد من فرحة من أضل شيئاً إذا وجد ضالته، والغائب إذا وفد، والظمآن إذا ورد. إله يجزي الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويزيد، ويجزي السيئة بمثلها أو يعفو، إله يدعو المعرض عنه من قريب، ويتلقى المقبل عليه من بعيد، ويقول: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) إله يداول الأيام بين الناس؛ فيبدل من بعد الخوف أمناً ومن بعد الضعف قوة، ويجعل من كل ضيق فرجاً، ومن كل هم مخرجاً ومع كل عسر يسراً، فلذلك يأمل المؤمن فيه. هذا مبعث الأمل وهذا هو السر: الاعتصام بالإله البر الرءوف الرحيم العزيز الكريم الفعال لما يريد، يعيش المؤمن على أمل لا حد له، ورجاء لا تنفصم عراه، إنه دائماً متفائل، ينظر إلى الحياة بوجه غير الذي ينظر إليها الكافر، لا ينظر إلى الحياة بوجه عبوس قمطرير، فهو إذا حارب فهو واثق بالله أنه سينصره؛ لأنه مع الله والله معه ﴿إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣]. إذا مرض لم ينقطع أمل المؤمن أبداً من العافية ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]. إذا اقترف ذنباً أو جرماً المؤمن لم ييئس من المغفرة، ومهما كان الذنب عظيماً فإن عفو الله أعظم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. والمؤمن إذا أعسر وضاقت ذات يده أمل في الله ولم يزل إيمانه فيه عظيماً لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦] ولن يغلب عسرٌ يسرين ولو دخل العسر جحراً لدخل اليسر حتى يخرجه. والمؤمن إذا انتابته كارثة من كوارث الزمن ووقعت به المصيبة؛ فإن أمله في الله مازال موجوداً، كيف يكون موجوداً والولد قد مات؟ كيف يكون موجوداً والبيت قد احترق، والمال قد ذهب؟ إنه موجود في رجاء الأجر على احتساب المصيبة بالصبر ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]. نسأل الله تعالى أن يجعلنا بإيماننا آمنين مطمئنين وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين, وأن يتوب علينا إنه هو البر الرءوف الرحيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 6655

اختلاف أثر المصيبة على المؤمن عن الكافر الحمد لله إله الأولين والآخرين، ورب السماوات والأرضين، لا إله إلا هو يفعل ما يشاء خلق فسوى، وقدر فهدى، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، فعال لما يريد ، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الرحمة المهداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وأشهد أنه رسول الله حقاً والداعي إلى سبيله صدقاً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: إن أثر وقوع المصيبة على المؤمن يختلف تمام الاختلاف عن الكافر، ولنأخذ حال امرأة كانت في جاهليتها كافرة وقعت عليها مصيبة، ولما صارت مؤمنة في الإسلام وقعت عليها مصائب فاختلف حالها في إسلامها عن حالها لما كانت كافرة، تلك المرأة هي الخنساء؛ التي فقدت في جاهليتها أخاها لأبيها فقط وهو صخر فملأت الآفاق عليه بكاء وعويلاً، ونياحة وشعراً حزيناً حتى قالت: يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره بكل غروب شمس ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي هذه المرأة هي نفسها المرأة التي أسلمت وحضرت حرب القادسية مع أبنائها الأربعة فجلست إليهم في تلك الليلة الحاسمة تقول لهم: يا بني! إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رحم واحد، كما أنكم بنو رجل واحد، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائكم مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها تظفروا بالغُنم في دار الخلد. فلما أصبحوا باشروا القتال بقلوب فتية، وأنوف حمية، تدفعهم وصية أمهم بموعود ربهم إذا فتر أحدهم ذكره إخوته وصية العجوز فزأر كالليث، وانطلق كالسهم، وانقض كالصاعقة حتى استشهدوا واحداً بعد واحد، فبلغ الأم نعي أولادها الأربعة فلم تلطم خداً، ولم تشق جيباً، ولم تطلق صيحة، ولا نياحة، ولكنها استقبلت النبأ بإيمان الصابرين وفضل المؤمنين فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني معهم في مستقر رحمته. أيها أشق على النفس: الأخ لأب أم الأولاد الأربعة؟ الواحد أم الأربعة؟ ومع ذلك كان للمرأة موقف آخر يختلف تمام الاختلاف عن الموقف السابق. فما الذي تغير أيها الإخوة؟ تغير شيء واحد -أيها الإخوان- إنها النقلة من الكفر إلى الإسلام، ومن الجاهلية إلى الإيمان، ولذلك كان الكفر يأساً وكان الإسلام أملاً. الإيمان أمل بالله تعالى وهو الذي يجعل المسلم يطلب من ربه ويرجو رحمة ربه. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الإيمان، اللهم زد إيماننا، اللهم زدنا إيماناً وتقى وتوكلاً عليك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الأمن يوم الوعيد، اللهم إنا نسألك دخول جنة الخلود، اللهم اجعلنا يوم القيامة من الآمنين الركع السجود، اللهم إنا نسألك أن تقضي ديوننا، وتفرج همومنا، وتشفي مرضانا، وترحم موتانا، وتستر عيوبنا، اللهم إنا نسألك أن تكبت عدونا، اللهم دمر اليهود والنصارى واجعلها عليهم ناراً ودماراً، اللهم إنهم تمالئوا على حرب الإسلام فاكبتهم واجعل تخطيطهم تدميراً عليهم، اللهم قيض لهم من عبادك المسلمين من ينصر المسلمين عليهم يا رب العالمين، اللهم قيض من عبادك الأخيار من يقود المسلمين لجهاد الكفار ويحقق النصر يا أرحم الراحمين، اللهم عجل فرجنا يا رب العالمين. إخواني: إذا كنا مقبلين على عيد من أعياد الكفار، فإننا نذكر أنفسنا بعدم جواز مشاركتهم مطلقاً، لا الهلوين ولا الكرسمس ولا غيرها فإنها من عقيدتهم ونحن لنا عقيدتنا وإذا كان لهم دينهم فلنا ديننا ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]. ومن قدر الله أنه سيوافق دخول رمضان هذه السنة عيدهم الأكبر الذي سيكون، فسننظر كيف يعمل المسلمون حين يتعارض دخول رمضان في عبادته وجلاله مع ما يفعلونه من الكفر والفسق في عيدهم. وهذه مناسبة تمحيص كما قلنا في الخطبة الماضية، فلننظر إلى أي الفريقين سيميل المائلون.

стр. 6656

حكم الجمع بين الصلاتين في المطر ومن الأحكام -أيها الإخوة- التي يحتاج التنبيه إليها في هذا الوقت الجمع في المطر: فاعلموا رحمكم الله أن الجمع في المطر رخصة جاءت عن رسول الله ﷺ وبالذات جمع العشاء إلى المغرب جمع تقديم عند نزول المطر ويشترط للجمع بين الصلاتين شرطان: الأول: أن يكون المطر مستمراً من الصلاة الأولى إلى الصلاة الثانية. الثاني: أن يكون مطراً حقيقياً، أي: مطراً يبل الأرض والثياب؛ فإذا كان مطراً يبل الأرض والثياب، وكان مطراً مستمراً ساغ الجمع للصلاتين، ذلكم تخفيف من ربكم ورحمة. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 6657

التأثر والتفاعل في هذه المادة بيان لما كان عليه الصحابة من تأثر بمواعظ النبي ﷺ وتفاعل معها، أو دعائه أو عتابه، كما أنهم كانوا يتأثرون عند حدوث الخطأ منهم فيتراجعون عن ذلك ويتوبون إلى الله .

стр. 6658

الصحابة وشدة تأثرهم بالآيات والمواعظ والمواقف إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. في وسط هذه الجاهلية التي يعيشها المسلمون اليوم ضاعت هوية الشخصية الإسلامية، وانعدمت ميزاتها إلا من رحم ربي ، والبحث عن سمات الشخصية الإسلامية من الأمور المطلوبة لكل مسلم يريد أن يسير إلى ربه على نور من الله في صراط مستقيم، وللشخصية الإسلامية -أيها الإخوة- سمات بارزة، وعلامات مميزة، ونحن في هذه الخطبة سنتعرض لواحد من سمات هذه الشخصية. إن الشخصية المسلمة سريعة التأثر والانفعال من أدلة القرآن والسنة سريعة التأثر مع المواقف التي جاء في القرآن والسنة ذكر لها سريعة التأثر والانفعال إذا ما حدث خطأ من الأخطاء سريعة التأثر والانفعال إذا ما وقع المسلم في ذنب من الذنوب سريعة التأثر والانفعال عند رؤية أحوال المسلمين سريعة التأثر والانفعال لمواعظ الله ورسوله، ونحن اليوم نذكر أمثلةً لهذا التأثر والانفعال في عصر صحابة رسول الله ﷺ ، تلك الشخصيات التي رباها رسول الله ﷺ على منهج الله، فمشت بخطىً ثابتة مستقيمة على منهج الله ورسوله، نذكر هذه الأمثلة في وقت تبلدت فيه إحساسات المسلمين، وانعدم التأثر والانفعال لكثير من المواقف التي ينبغي أن يقف المسلم حيالها وقفة التأثر والانفعال الدافعة إلى العمل لا عند حدود البكاء وذرف العين فقط.

стр. 6659

تأثر الصحابة من قوة بلاغة رسول الله ﷺ كان أول تأثر صحابة رسول الله ﵊ عندما عرض عليهم رسول الله ﷺ الدعوة، عندما عرض عليهم نصوص القرآن والسنة، ولذلك كانت الصفوة المختارة عندما تسمع كلام الله تتأثر مباشرةً؛ فترق القلوب؛ وتدخل تلك النفوس في دين الله. وهذه الأحاديث التي سأتلوها الآن هي في الصحيحين أو أحدهما عن ابن عباس أن ضماداً قدم مكة فقيل لـ ضماد: إن رسول الله ﷺ مجنون أو دخل فيه جن أو مصاب بمرض، وكان هذا الرجل طبيباً يداوي الناس من الأمراض فقال: لعل الله أن يشفيه على يدي، فلما جاء إلى رسول الله ﷺ قرأ عليه ﷺ هذه الكلمات الجامعات: (إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله أما بعد، فقال ضماد: أعد كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوت البحر -يعني: وسط البحر وعمقه من شدة تأثيرهن- ثم قال: هات يدك أبايعك، فبايعه ثم قال له ﵇: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي). يذهب إليهم داعية إلى الله. أيها الإخوة تأثر هذا الصحابي من أي شيء؟ ما هي الكلمات التي نقلته من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام؟ إنها كلمات جامعات لكنها وجدت في قلبه مكاناً فتأثر لها، فدخل في دين الله، اعتنق الإسلام بعد الكفر. عتاة اليوم من الكفرة والمرتدين الذين يتسمون بالإسلام لو عرضت عليهم مثل هذه الكلمات يا ترى هل سيستجيبون ويتأثرون أدنى تأثر؟! وعند سماع المواعظ كانت نفوس صحابة رسول الله ﷺ ترق رقة عجيبة لكلمات يسمعونها من رسول الله على المنبر. مثلاً: عن أنس ﵁ قال: (خطب رسول الله ﷺ خطبةً ما سمعت مثلها قط! قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) لو تعلمون ما أعلم من عذاب الله، وتفاصيل العذاب كيف يعذب أهل النار وكيف يحرقون؟! لو تعلمون ما أعلم من أهوال المحشر ومن شدة الحساب لو تعلمون ما أعلم من عظمة الصراط وشدة المشي عليه والكلاليب التي تتخطف الناس فيهوون في جهنم لو تعلمون ما أعلم. يقول ﵊: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) الرسول ﷺ أراه الله جهنم بعينه، ما اطلع على هذا من الصحابة أحد، فقال لهم هذه الكلمات التي يعبر فيها عما رآه: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) ماذا فعل الصحابة؟ هل قالوا: ما دمنا لم نر ما رآه ﵊ فلماذا نتأثر كما تأثر؟ لا، هذه الكلمة دفعتهم إلى التأثر حالاً، فقال أنس ﵁: (فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين) ذلك الأزيز: الصوت الذي يرتفع من الصدر بالبكاء، صوت يتأزز من الصدر من البكاء لهذه الكلمة التي أخبرهم بها ﵊. يا إخواني عندما نسمع المواعظ اليوم هل نتأثر بها كما كان صحابة رسول الله يتأثرون؟! هل نغطي وجوهنا كما غطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم؟! هل تنخنق العبرات، وتذرف الدموع، وتخرج الأصوات كالأزيز الذي يغلي به المرجل من الصدور للتأثر من هذه المواعظ؟! لقد تبلدت إحساساتنا والله، إن على قلوبنا غلافاً سميكاً لا تنفذ من خلاله آيات الله وحديث رسوله ﷺ في المواعظ، يجب أن نرقق هذه القلوب -أيها الإخوة- بشتى أنواع المرققات حتى نصل إلى الدرجة التي إذا سمعنا فيها المواعظ تأثرنا.

стр. 6660

تأثر الصحابة بدعاء رسول الله ﷺ كان أصحاب رسول الله إذا سمع أحدهم دعاءً طيباً ولو لميت تأثر به. يقول الراوي: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يبكي: (اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار -ماذا قال الصحابي لما سمع هذه الدعوات؟ هي لميت مات، ماذا قال الصحابي- حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت) يقول الصحابي: تمنيت أن أكون ذلك الميت. لماذا تمنى أن يكون ذلك الميت؟ لأنه تأثر -أيها الإخوة- من هذه الأدعية التي دعا بها رسول الله ﷺ لذلك الميت، يتأثرون حتى من الدعاء ولو لميت يتمنى أن يكون مكانه لهذه الأدعية التي دعا بها ﵊.

стр. 6661

تأثر الصحابة عند حثهم على الصدقة والإنفاق الصحابة رضوان الله عليهم كثير منهم كانوا فقراء لا يملكون شيئاً خصوصاً في بداية الدعوة، عندما يسمع الصحابة الأوامر التي تحث على أفعال الخير وهم لا يملكون شيئاً، عندما يسمعون الأحاديث تحث على الصدقة وهم لا يملكون دنانير يتصدقون بها، كيف كانوا يتصدقون؟ كان تأثرهم -يا إخواني- من الأحاديث وهذه الكلمات التي تحث على الصدقة يحملهم على فعل أمر عجيب حتى يدركوها، ماذا كانوا يفعلون؟ قال الصحابي: [أمرنا بالصدقة. قال: كنا نحامل -أي: يؤجر أحدنا نفسه لرجل عنده متاع ليحمله له- فإذا حمله له أخذ أجرة التحميل فتصدق بها] ما عنده دنانير ماذا يفعل؟ يذهب يؤجر نفسه فيحمل هذه الأحمال، يأخذ أجرة التحميل فيتصدق بها! أناس تأثروا من هذه الأحاديث التي تدفع إلى الصدقة، ما عندهم شيء، هكذا كانوا يفعلون.

стр. 6662

تأثر الصحابة بعد ارتكاب خطأ ما وإذا اعتدى أحدهم على مسلم، ضعفت نفسه في موقف، عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال -في حديث طويل يرويه الإمام مسلم منه-: (وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكةً -ضربها بكفه على صفحة وجهها، تأثر كيف يذهب الذئب بغنمة! بشاة! كيف يذهب بها؟ أين أنتِ؟! أين حراستكِ؟! أين رعايتك للغنم؟! تأثر فضربها بيده على صفحة وجهها، فماذا كان موقف الصحابي لما أخطأ في حق هذه المرأة المسلمة؟ - فأتيت رسول الله ﷺ -هذه الضربة كما أثرت في وجه المرأة أثرت في نفس الضارب- فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي -كيف تفعل هذا الفعل؟ كيف تضرب على الوجه؟! كيف تضرب أصلاً؟ ماذا فعل الصحابي عندما عظم رسول الله ﷺ هذا الأمر؟ - قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ -أيهما أغلى: الشاة أم المرأة الراعية، الأمة عند الرجل؟ الأمة عند الرجل أغلى، وفائدتها عنده عظيمة، لكن لما تأثر ما صار عنده مانع أن يعتقها- قال: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة). كثير من المسلمين اليوم يعتدون بالضرب على إخوانهم المسلمين الآخرين المستضعفين من الخدم، وحتى إخوانهم الصغار، يا ترى هل إذا أخطئوا يتأثرون مثل تأثر هذا الصحابي؟ هل إذا أخطئوا تنطلق منهم كلمات التأسف، الاعتذار، أم أن أحدهم تأخذه العزة بالإثم فيرفض أن يتفوه بكلمة واحدة يعتذر بها عما فعله؟

стр. 6663

خوف الصحابة من فوات الطاعة عليهم الصحابة حتى النساء كانوا يتأثرون إذا خافوا أن تفوتهم الطاعة، عن جابر بن عبد الله قال في الحديث الطويل في الحج: ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة فوجدها تبكي، فقال: (ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن) الناس يذهبون إلى الحج، أنا لا أستطيع أن أذهب، أنا حائض. هذا الحيض خوفها فوات العبادة، خوفها فوات موسم الحج، موسم الفضل العظيم، عائشة ﵂ تبكي في بيتها، تخاف أن يفوتها هذا الموسم، ماذا تفعل؟ حاضت، لا تعلم الحكم، فبكت تأثراً وخوفاً من فوات الطاعة، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال بكلمات المربي الذي يعالج الحرج في نفوس أتباعه، قال لها: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج) أعطاها الحكم، فرج الهم الذي كان بها، خافت عائشة. اليوم -أيها الإخوة- كم من مواسم الطاعات تفوتنا؟ صغيرها وكبيرها، تفوتنا مواسم الطاعات، هل نحدث أي نوع من الأسف؟ هل نبكي على فوات صلاة الجماعة؟

стр. 6664

تأثر الصحابة من عتاب رسول الله ﷺ عندما كان رسول الله ﷺ يعاتب أصحابه على الخطأ كانوا يتأثرون من المعاتبة أشد التأثر لدرجة عظيمة. عن أسامة بن زيد ﵄ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة -قوم من الكفار- فأدركت رجلاً، فلما رفع أسامة عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فطعنته - أسامة يظن أن الرجل قال: لا إله إلا الله؛ اتقاء السيف، فقال: وماذا تنفعه؟ فطعنه فقتله- فوقع في نفسي من ذلك -هذا الفرق أيها الإخوة بين كثير من المسلمين اليوم وبين الصحابة- فوقع في نفسي من ذلك -كانوا إذا صار لهم أمر شك أنه خطأ يأتي فوراً ويعاتب نفسه إذا ظن أن الأمر فيه شيء، الناس اليوم تمر عليهم أمور وهو متأكد من تحريمها ولا يحدث في أنفسهم شيء مطلقاً، وقع في نفسه شيء، ربما أنه أخطأ، ماذا يعمل؟ إلى المرجع مباشرةً: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]- قال أسامة: فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : قال لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها متعوذاً، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟) أقالها خوف السلاح أم لشيء آخر؟ فما زال يكرر ذلك، وفي رواية قال رسول الله ﷺ : (أقتلته؟ قال: نعم. قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ فيقول أسامة: يا رسول الله! استغفر لي. قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ فيقول أسامة: يا رسول الله! استغفر لي. فجعل لا يزيده على أن يقول: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟) ماذا حدث -أيها الإخوة- في هذا الموقف؟ لما عاتبه على خطئه وبخه توبيخاً شديداً، وذكره بالحساب، ماذا تمنى الصحابي؟ ماذا قال؟ ما هي الكلمات التي عبر بها عن الحرج العظيم في نفسه؟ قال: (فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ) تمنيت أني ما دخلت في الإسلام إلا بعد هذا الخطأ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، تمنيت أني ما أسلمت إلا في ذلك اليوم؛ لأنه عظم عليه هذا جداً. اليوم كثير من المجرمين يفعلون جرائم متعددة، وكبائر كبيرة جداً، لو سمعوا وعظم ذلك عليهم وقرعوا على أفعالهم، وأقيمت عليهم الأدلة على شناعة ما فعلوا ماذا يحدث لديهم من التأثر؟ أي تأثر يحدث في نفوسهم؟ فرق أيها الإخوة، هذه النفسيات اختلفت، فالناس نفوسهم اختلفت تماماً. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم واجعلنا من أهل العزة والبصيرة، من الذين يتأثرون إذا تليت عليهم آيات الله، وتزيدهم إيماناً. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه غفور رحيم.

стр. 6665

رجوع السلف عن الخطأ بعد التبيين لهم الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وأكبره تكبيراً، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ووعظ الأمة فأثر فيها، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه. وعندما تقام الحجة على أناس ممن أخطئوا في تصوراتهم، وتقام الحجة على أهل الشبهات كانوا يرجعون، وكانوا يفيئون، حتى أهل البدع منهم، من أراد الله به خيراً كان يتأثر من كلام الصحابة، ورجوع ثمانية آلاف من الخوارج لما بين لهم ابن عباس ﵁ الحجة دليل على هذا. وروى مسلم ﵀ عن يزيد الفقير قال: [كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس هذا هو منطوق الخوارج ومفهومهم، نريد أن نحج -نأتي بالعبادة- ثم نخرج على الناس بالسيف ونقتل المؤمن والصالح والمحسن هذا المنطق الأعوج. قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم وهو متكئ على سارية، فقال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين. قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله! ما هذا الذي تحدثون والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢] و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢]-لأن الجهنميين قوم يخرجون من النار بشفاعة رسول الله ﷺ ، فما هذا الذي تقولون؟ - قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ الذي يبعثه الله فيه؟ المقام المحمود، قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج -يعني: من النار- قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه إلى أن قال: فرجعنا فقلنا: ويحكم! أترون الشيخ يكذب على رسول الله؟ فرجعنا -فرجعنا عن رأينا الفاسد، ورجعنا عن تلك المصيبة العظيمة التي وقعنا فيها- فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد] أو كما قال أبو نعيم. فإذاً كان هؤلاء إذا أقيمت عليهم الحجة وأزيلت الشبهة، من أراد الله به الخير منهم كانوا يرجعون، وكثير منهم رجعوا، الأكثرية رجعوا، المسلمون اليوم ممن ينتسبون إلى الإسلام من أصحاب الشبهات لو أقيمت عليهم الحجة، هل يرجعون؟ الأكثرية رجعوا في عهد الصحابة، اليوم القلة، قلة جداً هي التي ترجع وتتأثر من الحجة عندما تقام عليها، عندما تسمع يا أخي الحجة أقيمت عليك ماذا يبقى لك بعد ذلك؟ وعندما كانت المرأة تجهل شخصية الرسول ﷺ ثم تعرف تلك الشخصية وقد أخطأت في حقها تتأثر تأثراً عظيماً. أتى رسول الله ﷺ على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: (اتقي الله واشكري) فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله، ما كانت تعلم أنه رسول الله، فألقت كلمة: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت، كيف تكون علامات الميت من الاصفرار والذبول؟ هذه العلامات أخذت المرأة، أخذها مثل الموت، لماذا أخذها مثل الموت؟ لأنها عرفت هذه الكلمة العظيمة أمام من ألقتها، استعظمت الكلمة التي ألقتها. اليوم تقول للناس شيئاً فيستهزئون به وينكرونه، فإذا قلتم لهم: يا جماعة إن هذا حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ماذا يحدث لهم؟ هل يتأسفون؟ هل يأخذهم مثل الموت أو أدنى من ذلك؟ إذا عرفوا كلام من الذي استهزئوا به، ولا نقول أيها الإخوة: إن التأثر يقتصر على الحزن وذرف الدموع فقط، بل كان تأثرهم في أحيان فرحاً، يتأثرون من الفرحة، والحديث الصحيح لما جاء رسول الله ﷺ المدينة، فرح الناس بمقدمه فرحاً عظيماً حتى جعلت الولائد والإماء يقلن: جاء رسول الله، جاء رسول الله. جاء المربي، جاء المعلم، جاء صاحب الوحي الذي سينقل لهم مباشرةً وحي الله ، فرحوا بمجيء المعلم، فرحوا بمجيء الواعظ. اليوم الناس في مجالسهم لو جاءهم واعظ أو معلم هل يفرحون بمقدمه؟ هل يفرحون بمجيئه؟ هل تشتعل أنفسهم سروراً وغبطةً ويقولون في أنفسهم: الحمد لله، جاء من يرشدنا ويعلمنا. أم تعلوا وجوههم قترة وغبرة، ويتوارون من المجلس من سوء ما رأوا، ويريدون اللهو؟ إذاً -أيها الإخوة- الانفعال من سمات الشخصية الإسلامية، هذا الإحساس المرهف، هذه النفسية الرقيقة التي تتأثر لأدنى المواقف وأدنى الكلمات، حال إخواننا المسلمين اليوم في العالم يرثى له من التشريد والتقتيل والسجن والمجاعات، وأنواع الأوبئة والأمراض والاضطهاد، وأحوال الأقليات الإسلامية في العالم، من الذي يتأثر لها التأثر العملي -أيها الإخوة- الذي يؤدي إلى الدعم وإلى الإنفاق في سبيل الله؟ أشياء وأمور كثيرة جداً. نسأل الله بأسمائه الحسنى أن يجعلنا وإياكم ممن يتأثرون بالوحي، وممن ينتفعون بهذا التأثر إلى أعمال البر وأعمال الخير بجميع أنواعها. وصلوا على نبيكم ﷺ فإن الله تعالى أخبر أنه من صلى عليه فإنه يصلي عليه بتلك الصلاة عشر مرات، وأخبر ﵊ أن من صلى عليه في يوم الجمعة وليلة الجمعة فله أجر عظيم، فصلوا عليه -أيها الإخوة- سائر هذا اليوم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 6666

المرأة المسلمة على عتبات الزواج [١ - ٢] يتحدث الشيخ في هذه المادة عن المشاكل والعقبات التي تحدث للمرأة وهي على عتبة الزواج، ومن ذلك: تظاهر المتقدم للزواج بالالتزام ثم يتبين العكس، وكذلك تحدث عن البحث عن زوج أو زوجة بطريقة صحيحة، وحذر من انفتاح المرأة عبر الهاتف بالكلام مع الرجال، كما تكلم عن المفاسد التي تحدث بعد الزواج من الرجل الفاجر، وفي الأخير ذكر وصية أمامة بنت الحارث لابنتها عند زفافها.

стр. 6667

مشكلة عدم قناعة الزوج بزوجته وكذا العكس الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد: فهذه فرصة طيبة أن نلتقي من رواء حجاب لنتذاكر سوياً في مسألة من المسائل المهمة التي تحتاج إليها المرأة المسلمة، وسيكون حديثنا - إن شاء الله - عن المرأة المسلمة على عتبة الزواج، وهذا موضوع عبارة عن جزء من موضوعٍ أطول منه وهو الكلام عن العلاقات الزوجية في الإسلام، وعن أسباب السعادة الزوجية، ولكن سنخصص هذه الليلة بالحديث عما قبل الزواج. لقد جعل الله الزواج نعمة من النعم التي أنعم بها علينا، فكان من آياته أن جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بين الزوج وزوجته مودة ورحمة ، حتى تتكون الأسرة المسلمة التي يتألف منها المجتمع المسلم، ولقد كان الإسلام ديناً عظيماً عندما شرع الله فيه من الأسباب التي تكفل الاستقامة والإنتاج في الأسرة المسلمة، وحمى الله هذا المجتمع الذي يقوم على الكتاب والسنة من الرذيلة والفواحش بأنواعها، وأوجد العلاج للمشاكل أو المشكلات التي تحدث، وقبل ذلك شرع من أسباب سد الذرائع ما يمنع وقوع هذه المشكلات أصلاً، والمرأة المسلمة تحتاج إلى الزواج لعفاف نفسها، والقيام بدورها في إنجاب الأولاد وتربيتهم، والقيام بشأن الزوج والبيت، والتقرب إلى الله بهذه الأمور جميعاً، يقول الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وهذا الأمر منه مفيدٌ جداً في حماية المرأة المسلمة من أنواع الانحراف. ولذلك نجد أن من أسباب المشكلات الحادثة في الحياة الزوجية مشكلة معينة؛ وهي قضية عدم قناعة كلٌ من الزوجين بالآخر، نجد أن من أسباب هذه المشكلة عدم غض البصر، فإذا داومت المرأة على النظر إلى الرجال الأجانب حتى انطبعت في مخيلتها صورٌ كثيرة للرجال، فأنَّى لها أن تقنع بمن يتقدم إليها أو بزوجها إذا كانت متزوجة؟! وقل العكس بالنسبة للرجل أيضاً، عندما يفتح الرجل بصره على أشكال متنوعة من النساء، في مسلسلات وعلى صفحات المجلات، وفي الشارع وفي الطريق والأماكن العامة فإنه لا بد أن يحصل عنده نوعٌ من عدم القناعة بزوجته في الغالب، أو إذا أراد أن يتقدم لخطبة امرأة فإنه لا يزال يقارن بين الصور التي نظر إليها وبين الصورة التي يراها أمامه، وفي الغالب فإن الصور التي رآها ستتميز بوجه من الوجوه عن الصورة التي ينظر إليها بعد زواجه أو أثناء خطبته، ولذلك كان من حكمة الله ومن رحمته أن جعل غض البصر أمراً واجباً حتى تسد جميع منافذ الشيطان. ومن صفات المرأة المسلمة المتعلقة بمرحلة ما قبل الزواج: الحياء، وهو لازم ومطلوب للمرأة في جميع أوقات حياتها، ولكنه مهمٌ جداً خصوصاً للفتاة في سن الشباب، فإن الإسلام يكره المرأة الخراجة الولاجة المزاحة المتبذلة التي لا تقر في بيتها، كما قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ولذلك عندما وُصِف ﷺ في حيائه بأنه أشد حياءً من العذراء في خدرها، وهذا دالٌ على شدة حيائه ﷺ ؛ لأن المرأة في تلك الحالة تكون في أشد درجات الحياء، وبعض الفتيات قد تحاول إظهار نفسها أمام بنات جنسها بشخصية غير شخصيتها الحقيقية بنوع من التبذل لتشتهر بينهن، ولكن هذا الظهور بهذا المظهر المتكلف يساعد أو يسبب زوال أو تخفيف الحياء في نفسها، ولا بد أن تحافظ المرأة المسلمة على غض بصرها وعلى حيائها، حتى تهدى إلى الزوج المسلم وهي في كامل درجات الصيانة والعفاف، ولا يكون عندها دافعٌ أصلاً لمد عينيها إلى أمور أخرى. كثيرٌ من الفتيات يتقن للزواج ولكن الذي يحصل عند البعض إضاعة الأوقات بالأماني، وإشغال الذهن بفارس الأحلام، فيضيع وقت ثمين من غير طائل، والإنسان مسئول عن تفكيره مسئول عن الأمور التي يشغل بها ذهنه، ولذلك يكون إشغال المرأة نفسها بدعاء الله أن يرزقها زوجاً صالحاً هذه عبادة، بدلاً من أن تضيع الوقت وتسرح في الأفكار وهي تفكر في طبيعة القادم الجديد، وهذا أمر نجده في الواقع موجوداً يسبب تشتت الفكر، وانشغال المرأة بالخيال عن الواقع الذي تعيش فيه، وتنشغل بالخيالات عن التفكيرات الجادة التي من المفروض أن تكون منشغلة بها، ومن التبذل الذي ذكرته أن تكون الفتاة في نوع من الصيانة، فمثلاً: لا تعرض نفسها على الرجال، ونجد في سيرة الصالحات أن هناك وسائط تتم بين المرأة والرجل المتقدم، ومسألة تخطي الأبوين من المسائل التي لا تحمد عقباها في العادة، والزوج في العادة هو الذي يبحث عن زوجة. وأما الزوجة فلا مانع من أن يبحث وليها عن زوج صالح لابنته أو لأخته، وهذا واقع في سير الصحابة رضوان الله عليهم، وأن يعرض الرجل ابنته أو أخته على الرجل الصالح هذا كان من سنن السلف، لكن لا أن تعرض المرأة نفسها. ولا داعي للاستدلال بالواهبة نفسها للرسول ﷺ في هذا الأمر، ورسول الله ﷺ له خصوصيات.

стр. 6668

مأساة امرأة مسلمة مع زوج فاجر السبب الذي من أجله نطرق هذا الموضوع وهو موضوع " المرأة المسلمة على عتبة الزواج " لأننا نسمع قصصاً كثيرة في الواقع تدل على أن هناك نقصاً في الوعي من بعض النساء في موضوع اختيار الزوج أو الموافقة عليه. فمثلاً أذكر لكن -أيتها الأخوات الكريمات- نموذجاً أو أكثر من أمور واقعية حصلت عند بعض النساء اللاتي تزوجن، حتى يتضح لكن ما أريد الوصول إليه من وراء عرض هذا الموضوع، امرأة تقول: تزوجت من رجل كان يظهر في البداية الخير والاستقامة، قدم إلي هدايا، لاطفني ولاطف أهلي، سألنا عنه قالوا: إنه إنسان طيب وأخلاقه طيبة، وبعد الزواج تبين ما يلي: تارك للصلاة، يستهزئ بي وبديني وحجابي، أعطاني مهلة لأنزع الحجاب وأكشف وجهي على إخوانه، وأقدم الضيافة لأصحابه الرجال الأجانب، يقوم بنزع الحجاب عن رأسي بالقوة، حرمني من المناسبات الطيبة ولقاء أخواتي في الله، وحضور المحاضرات الإسلامية، مزق كتبي، وكسر الأشرطة الإسلامية التي لدي، يضربني باستمرار ويشتمني ويهينني حتى أمام أهله، ويقول: أنا أخذتك من الشارع، ومرة انفرد بي في غرفة وضربني حتى سال الدم، أسقطت مرتين أحدهما طفل له أربعة أشهر دفناه، الإسقاط كان نتيجة الضرب، يسافر إلى الخارج - بانكوك - لديه خطابات من نساء هناك، وصور بين أوراقه، يسافر للبلاد البعيدة للفاحشة، وللبلاد القريبة لشرب الخمور، ويتذرع بأن لديه أعمالاً تجارية، وهو يتعاطى المخدرات، لا ينفق علي وأعطاني مرة مائة ريال وقال: هذا مصروف السنة، اشتريت كثيراً من أغراض البيت من مالي الخاص حتى الحلويات أوفرها مما يضيفني إياه الناس من أجل الأولاد، يستهزئ بالدين ويقول: ما عليك مني، إذا أراد ربي أن يهديني هداني لا دخل لك بي، أنا ربي يحاسبني، أنا قلبي نظيف، (البيرة) التي أشربها فيها (١%) كحول، وإذا سألته: لماذا كنت سكراناً الليلة الماضية؟ قال: كنت أمثل عليك، إذا رآني أصلي وأدعو ربي قال مستهزئاً بي: أنت شحاذة ما عندك إلا الشحاذة من الله، يطلق في كل حين، أنا أظن أني أعيش معه في الحرام. هذا نموذج من النماذج الموجودة في المجتمع نسأل الله العافية، لكن نقول: أيتها الأخوات! كيف وصل الأمر أصلاً إلى هذه الدرجة، وكيف حصل هذا أصلاً؟ ما حصل إلا لنتيجة نقص الوعي لدى مثل هذه المرأة المسكينة، طيبة متدينة لكن ليس هناك أسس تنظر من خلالها عند الموافقة على الزوج، ليس هناك وعي في البحث والسؤال، ليس هناك طرق صحيحة يعمل بها، ولذلك تكون النتيجة كوارث مدمرة، واكتشافات لمصائب، ولكن بعد فوات الأوان، اكتشافات في مراحل متأخرة جداً وكثير من الأحيان يريد أهل الفتاة أن يستمر الوضع لكي يستروا على ابنتهم ولا يريدون المشاكل وقد لا يكون الوضع في بيتهم مهيأ أصلاً لرجوع الفتاة وهم أرادوا أن يزوجوها، وينتهي هذا العبء والحمل، فيكون الرجوع مسألة صعبة جداً وقد تستمر المسكينة في هذه الحياة والسنوات تمضي وهي في هذا الذل والبؤس. بعض النساء لا يعرفن أضرار الزواج من الشخص الفاسق الفاجر، ويكتفين بالسؤال الأول من أول وهلة، فقد يكون الشخص المسئول هو قريب لهذا المتقدم، وقد تكون خالته أو عمته وبالطبيعي فإنهن سيثنين عليه، فليست الأقارب الخلّص هنّ اللاتي تعتمد شهادتهن أصلاً في الرجل. وأضرار الزواج من الكافر المرتد تارك الصلاة المستهزئ بالدين لا تحصى ولا تعد، وهذه نماذج ذكرناها نتيجة طبيعية حتمية لمن تتزوج برجل لا يخاف الله، ولو كان الشخص ذا أخلاق طيبة، ولكن يكون لديه انغماسٌ في الحرام كأن يعمل بوظائف محرمة كوظائف البنوك مثلاً، فهل يكون من الأمر المحمود أن تأكل من الحرام، وأن تطعم أولادها من الحرام، وتشرب من الحرام، وتلبس من الحرام وهكذا؟ وأي خيرٍ وأي بركة يكون في حياتها وحياة أولادها وبيتها وهي أهملت عندما عرفت بأن هذا وضع الزوج ولكن قالت: أقدم عليه؟! يجب أن تكون المحاولة قائمة، والجهد مستمر لكشف المزيفين، وهذه طائفة من الناس يعلمون أن المرأة في الغالب تريد المتدين، ولذلك قد يظهرون التدين والالتزام لأجل الزواج فقط، قد يصلي في المسجد لأجل الزواج فقط، وينبغي أن يكون سؤال المرأة عبر أوليائها، أو عبر نساءٍ أخريات حتى تصل المسألة إلى أناس ثقات عندهم معلومات كافية عن وضع هذا الرجل، وقضية التحري مطلوبة ومهمة في هذا العصر الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبح الوصول إلى معلومات صحيحة أمراً متعسراً، لذلك كان لا بد من دراسة الموضوع دراسة كافية، وعدم التسرع، وكثيراً ما تكون المرأة هي الخاسرة في مثل هذه القضايا. هناك خطأ يحصل أحياناً لا بد من الإشارة إليه، وهو: أن بعض النساء قد يحصل عندها جرأة في السؤال عن الشخص، فتتصل هي مباشرة بمديره في العمل، أو تتصل مباشرة بأصدقائه، وتسأل بنفسها تريد أن تصل إلى معلومات، ولكن هذا الأمر ينافي مسألة الحياء التي سبق أن ذكرناها في البداية، وليس من المناسب أن تقوم المرأة بسؤال الرجال، يمكن أن تصل إلى الرجال عن طريق أوليائها، أو عن طريق صاحباتها المتزوجات من أزواج ثقات، فإنها تستطيع أن تصل في النهاية للمعلومات لكن بطريقة سليمة، ومسألة انفتاح المرأة على الرجال في الهاتف والكلام في الاجتماعات مسألة لا تحمد، وكثيراً ما كان لها نتائج سلبية جداً.

стр. 6669

مسألة تظاهر الرجل بالالتزام قبل الزواج أريد أن أقول أيضاً: إن المتقدم أحياناً قد يزور أهل الفتاة، فإذا أذن المؤذن انطلق إلى المسجد ويريهم أنه يصلي، فعندما يدخل بها يظهر على حقيقته ويظهر على تركه للصلاة، ثم تقول إحدى النساء المسكينات: لا يصلي ويقول: ما عليك مني أنا سأعاقب بالنار لوحدي، أو يقول: لا يدخل النار أحد إلا أنا؟! ويقول متباهياً لزملائه في العمل: إذا أذن المؤذن فسوف أذهب إلى النوم أو أنشغل بأي شيء. ولا يحصل هذا الانشغال إلا إذا جاء وقت الصلاة، وهنا ينبغي عدم الانخداع بالمظاهر، أو الأشياء التي تبدو للوهلة الأولى، لا بد أن يكون هناك وعي في مسألة البحث في حال المتقدم، أحياناً يحصل المحذور ويصبح ويصير العقد على شخص، وبعد العقد يتبين حال الشخص، ولكن قبل الدخول هنا لا بد أن تكون المرأة لها موقف، وكونه حصل العقد هذا نصف المشوار، والرجوع في هذا الوقت أسهل بكثير جداً من الرجوع بعد الدخول، اسمعن إلى هذه القصة: امرأة ملتزمة في الدين عقدت على شخص، ظهر لهم في البداية أنه إنسان متدين، وكانت تخرج معه أحياناً ولاحظت مرة من المرات أن الرجل إذا ظهر صوت الموسيقى في السيارة لا يهتم بخفض الصوت، فبدأت تخاف أن هذا الرجل غير متدين، الحسن البصري ﵀ يقول: [ما أخفى إنسان شيئاً في صدره إلا وأظهره الله على صفحات وجهه أو فلتات لسانه] هذه قاعدة مهمة جداً أرجو أن تنتبهن لها أيتها الأخوات، لذلك فإن مثل هذا الشخص قد يُكشف وهذه المرأة لما رأت الشخص عنده نوع من التهاون بهذه الأشياء أرادت أن تستدرج الرجل وكان لديها شيء من الذكاء واستطاعت أن تصل به إلى النتيجة، فسألته: ما رأيك بالمغني الفلاني؟ ثم قالت له: أنا أحب أغاني فلان، وسردت له ما تعرفه عن هذا المغني في جاهليتها، وهذا الرجل كان طبعاً في البداية مستغرب من الحديث، ولما حصل الاسترسال في الكلام عن أمور من الجاهلية وقع الرجل ثم انفتح، وقال: الحمد لله، أنا كنت أظنك متشددة ومتزمتة ولكن -الحمد لله- أخيراً ظهرنا مثل بعض، وانفتح الرجل وصار يتكلم عن المعاصي والمنكرات، والأغاني والمسلسلات، وعما يراه ويسمعه، وظن بأن المرأة مثله وهي تقول وتومئ برأسها تستدرجه: نعم ثم. وبعد ذلك أوصلها إلى البيت فاتصل أهلها بعد ذلك، وقالوا للرجل: إن البنت لا تريدك. ولكن الوصول إلى هذه المرحلة أصلاً خطر، لكن نقول للمرأة وللفتاة: لو حصل هذا لا يعني إكمال المشوار وقد تبين لك بعد العقد أن الرجل ليس من أهل الدين، وأنه لا يكافئك بالدين، فإذاً ليس من الخير الاستمرار معه، وطلب الفسخ والطلاق في هذه الحالة هو الشيء الذي من المفروض أن يحصل. هناك بعض النساء يقلن في أنفسهن أمراً وهو أنها تقول: أنا معتادة الآن على عيوبه وسأحاول أن أهديه إن شاء الله، ولعل الله أن يهديه على يدي، ولعله يهتدي ويتأثر مني، هذا الكلام في الغالب لا يحصل لأسباب، منها: أن الرجل هو الأقوى، وهو المؤثر، وهو صاحب الشخصية وصاحب القوامة على المرأة، ولذلك من الصعب أن يتأثر الرجل بالمرأة، نحن لا ننكر أن هناك حالات متعددة يتأثر فيها كثيرٌ من الرجال بنسائهم، وكانت المرأة سبب هداية الرجل، وتأثر رجالٌ من تدين نسائهم، وكانت المرأة فاتحة خير كبير على الرجل، لكن أقول: إن المرأة عليها ألا تتساهل، ولا تقدم على مثل هذا إلا إذا كانت القرائن قوية جداً في إمكان إصلاح هذا الرجل، كأن يكون رجلاً مؤدٍ للواجبات على خلق حسن رجل عفيف، لكن قد يكون عنده بعض المعاصي البسيطة أقصد بالنسبة لغيره، كأن يستمع الغناء لكنه ليس متعلقاً به، إنسان قد يكون في ثوبه شيءٌ من الإسبال لكنه يقبل النصيحة، إذا توفرت القرائن على أن الرجل من الممكن إصلاحه، وتبين من مناسبات كثيرة أنه لين العريكة، وأنه يتقبل، وأنه إنسان على بداية الالتزام، فعند ذلك نستطيع أن نقول لهذه المرأة: توكلي على الله، واعزمي واستخيري الله في هذا الشخص ولا مانع من الإقدام عليه ما دام أنه يتأثر ويقبل النصيحة، وليس معانداً ولا متعجرفاً، فعند ذلك قد يكون هذا القرار فيه شيء كبير من الصواب.

стр. 6670

البحث عن زوج بطريقة صحيحة هناك مشكلات كثيرة تحدث الآن في موضوع الزواج منها: كيف يتم الربط بين الشاب الصالح والفتاة الصالحة؟ طبعاً أهل الزيغ والضلال عندهم أساليب عجيبة في تعرف الفتيات على الرجال ولذلك تجدين -أيتها الأخت المستمعة- صفحات بعض المجلات عبارة عن صفحات للتعارف، وتنشر في بعضها الصور أو بدون صور مربع خالٍ وتحته بيانات ومعلومات: فلانة الفلانية العمر كذا البلد كذا المستوى التعليمي كذا وتريد رجلاً كذا، وكذلك رجال يكتبون في (صفحات التعارف) كما يسمونها، وهذه طريقة من أفشل الطرق، وكون هذه المرأة تعرض نفسها بهذا الشكل شيء مزرٍ، وكون الواسطة أو الوسيلة التي يتم بها هذا هي وسيلة من وسائل الفساد والمجون؛ مجلات سيئة وتافهة هي التي تصل الرجال بالنساء وهذه لا شك أنها وسيلة من وسائل الفساد. والحقيقة أن كثيراً من النساء لا يعرفن إلى أين يتوجهن بحل لمشاكلهن، ولذلك نجد كثيراً من الفتيات خصوصاً في مرحلة المراهقة يتصلن لمحرري الصحف، أو بمحرري بعض الزوايا، أو بعض الصفحات في بعض المجلات والجرائد، وأحياناً ينطلقن من إخلاص ومن إرادة لمعرفة الحل ولكن يتجهن إلى الفسقة من أمثال هؤلاء المحررين طالبات حل مشاكلهن، وأنَّى لهذا الفاسق وأنَّى لهذا المفسد الذي يكتب بيده ما يغضب الله في صفحات الجرائد والمجلات أنَّى له أن يقدم الحل الشرعي لمثل هذه الفتاة الواقعة في مشكلة؟! ويجب على المرأة أن تتجه لأهل الخير والصلاح، ويجب أن يقوم الصالحون والصالحات بدور الدلالة على الخير، يجب -مثلاً- أن يقوم بعض الأزواج وزوجاتهم بعمل حلقات للوصل بين الصالحين والصالحات، فمثلاً: يقوم الزوج من جهته بجلب المعلومات عن رجال صالحين يريدون الزواج، وتقوم الزوجة بحلقة الوصل مع النساء، فإذا عرف الزوج أن أحد إخوانه يبحث عن زوجة يخبر زوجته وهي تبحث له فيمن تعرف، هذه من الطرق الطيبة التي يجب أن تشجع وأن تكثر. أما ما يحدث من بعض الفتيات اللاتي لا يتقين الله في مسألة البحث عن الزوج بطريقة غير شرعية، مثل: الهاتف، فيتصلن بالرجال الأجانب، أو يقبلن من الرجال الأجانب الاتصال بهن وتستمر الفتاة في الكلام في الهاتف، وترتبط بعلاقة مع هذا الشخص عبر الهاتف، وكثيراً ما يكون هذا الرجل لعاباً مستهزئاً متحايلاً يريد أن يوقع هذه المسكينة فريسة له، ويؤمنها في الزواج منها، وبأنه يحبها حباً شريفاً عفيفاً، وأن آخر هذه العلاقة التلفونية ستنتهي بزواج سعيد، هذا الكلام المعسول ينطلق من الكثيرين من الفجار عبر أسلاك الهاتف، وكثير من الفتيات خصوصاً في المراحل المبكرة من العمر ينخدعن بمثل هذا الكلام فتنجر للكلام مع الرجل، وتفتح صدرها له، وتفشي له بالمعلومات الخاصة عن أهلها وبيتها، وعن شخصيتها، وعن رغباتها وأحلامها، وعن تفكيرها، ويلعب بها ذلك الخبيث بالهاتف. وفي كثير من الأحيان بل هو الأكثر وهو الغالب أن هذه العلاقات تنتهي نهاية مأساوية، ويلعب بها ثم يتركها فتتورط وقد عرف اسمها، ورقم هاتفها وعنوان بيتها، وما كان الهاتف في الغالب أبداً وسيلة خيرٍ مطلقاً للتزويج. شوهد رجل متزوج لكن فيه فسق وفجور تزوج امرأة متحجبة، وكان يبحث عن المتحجبة، فاندهش أحد الناس ممن يعرفه وقال له: عجباً لك يا فلان! أنت إنسان غير معروف بالاستقامة والصلاح، فلماذا تحرص على المرأة المحجبة؟ ولماذا تريد الزواج بامرأة متدينة؟ فقال: أنا أريد إذا ذهبت إلى البيت أن أجد زوجتي في البيت، وليست خارجة مع شخص آخر، وهذا شيء حقيقي، كثير من الناس يريدون الاستقرار في البيت مع أنهم يقومون بعمل المعاصي والمنكرات، ولذلك الرجل الذي يستخدم الهاتف في إقامة الاتصالات والعلاقات هذا في داخله يحتقر تلك المرأة التي يتصل بها وتستجيب له، وهو يعلم -فعلاً- بأن هذه المرأة لا تصلح أن تكون زوجة، ولا تصلح أن تكون ربة أسرة وربة بيت؛ لأنها ليست أمينة، لو كانت أمينة لما حصل هذه الاستجابة منها، ولذلك فإن الورطات الحاصلة كثيرة في موضوع قضايا الاتصال بالهاتف.

стр. 6671

رؤية الخاطب لمخطوبته والعكس هناك أيضاً فيما يتعلق بموضوع المرأة المسلمة على عتبة الزواج موضوع رؤية الخاطب للمخطوبة والمخطوبة للخاطب، ورؤية الخاطب للمخطوبة والمخطوبة للخاطب من سنة نبينا محمد ﷺ ، وأمر ﵊ ذلك الرجل، فقال: (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) وفي رواية: (اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) وكان في أعين الأنصار شيءٌ من الصغر فأمره أن يذهب فينظر حتى يرتاح لها ويطمئن لشكلها؛ لأن هذا الزواج ليس لعباً وله ما بعده. وأحياناً تتحكم بعض العادات الاجتماعية في تطبيق هذه السنة، وتصبح الرؤية مستحيلة عند بعض الناس الذين لديهم عادات عجيبة، وتقاليد ليست من الإسلام، فإننا نرى بعض الآباء -مثلاً- مع الأسف لا يمكن أن يسمح للخاطب أن ينظر إلى ابنته أبداً، لكن في نفس الوقت ليس عنده أي مانع أن يأخذ البنت بالسيارة إلى السوق لتمشي في السوق متبرجة أو بغطاء شفاف ينظر إليها الغادي والرائح، سبحان الله! في الحرام لا مانع عندهم أن يرى الرجال الأجانب بناتهم أو أخواتهم، لكن إذا جئنا للحلال وإذا جئنا إلى السنة يقولون: لا يمكن أن ينظر، هذه عاداتنا، وهذه تقاليدنا. فإذا تأكد الأب أو الولي بأن الخاطب جادٌ وأنه من أهل الصلاح والاستقامة، فإنه لا بد له أن يمكنه من تطبيق هذه السنة ومن تطبيق الأمر الذي جاءت به السنة وهو نظر الخاطب إلى المخطوبة، وعلى فرض أن هذا الأمر لم يتم وأن الأب ظل مصراً على رأيه فلا أقل من أن تأخذ المخطوبة وصفاً كاملاً ودقيقاً للمتقدم كما يأخذ هو ذلك عن طريق أمه أو خالته أو عمته من النساء اللاتي ذهبن يخطبن هذه المرأة له، وهنا يباح من الأمور في الوصف ما لا يباح في غيره، هنا موضوع زواج وموضوع ارتباط بين شخصين، لا بد أن يكون هناك بينة قبل الإقدام عليه، وهذا عمر وهذه معيشة، وزمن طويل. وهذا حديث يبين كيف كانت استجابة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ في قضايا التزويج، كانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيمٌ لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا، فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: زوجني ابنتك، فقال: نعم يا رسول الله! وكرامة رسول الله ﷺ ونعم عينه، فقال رسول الله ﷺ : إني لست أريدها لنفسي، قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: لـ جليبيب وجليبيب رجل من الصحابة لكنه لم يكن غنياً، ولا وجيهاً، فقال الرجل: يا رسول الله! أشاور أمها، وهذا يعني أن الأم لها رأي في الموضوع، فأتى الرجل لزوجته الأم، فأتى أمها فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك، فقالت: نعم، ونعمت عينه، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لـ جليبيب، فقالت: أجليبيب؟! لا لعمر الله لا نزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، قالت: أتردون على رسول الله أمره؟! ادفعوني فإنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ فأخبره قال: شأنك بها. فزوجها جليبيباً، ثم خرج جليبيب ﵁ في غزوة فاستشهد، فكانت هذه المرأة من النساء الخيرات اللاتي عرف عنها الخير قبل زواجها وبعد زواجها، وهذا الحديث صحيح رواه الإمام أحمد في المسند. والشاهد هو قبول إشارة الرجل الطيب الخبير الصالح بالرجل المناسب للزوجة، هذا مما يوفر كثيراً من العناء، ولا بد للفتاة -عندما يتقدم إليها رجل- من أمرين: الاستشارة والاستخارة، والاستشارة هي مرحلة قبل الاستخارة، فإن معرفة المرأة للرأي ومعرفة ماذا يقول الناس الثقات في أمرها وأمر المتقدم إليها تساعد كثيراً في توضيح الرؤيا وفي اتخاذ القرار، ثم تكون الاستخارة في اللجوء إلى الله . بعض النساء تقول: هل أصلي صلاة الاستخارة مرة واحدة فقط أم أستطيع أن أصلي أكثر من مرة؟ فنقول: ذكر أهل العلم أنك تستطيعين أن تصلي أكثر من مرة صلاة الاستخارة حتى يحصل الارتياح أما ما يقوم به بعض الناس أو بعض الفتيات من أن تستخير لأختها أو البنت تستخير لأمها فلا أصل له في السنة، والاستخارة تكون من المرأة صاحبة الأمر، لا يستخير أحد عن أحد، وإنما يقوم بالاستخارة الرجل أو المرأة صاحبة الشأن: (إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة) الحديث.

стр. 6672

التفاؤل عند الدخول في الحياة الزوجية ولا بد من الدخول في الحياة الزوجية بنفسية التفاؤل، لا نفسية الخوف والتشاؤم، وهنا نريد أن نذكر مشكلة بسيطة تحدث أحياناً وهي: أن هذا الخاطب أو هذه المخطوبة يكون ماضيها ليس بالحسن، ماضٍ فيه بعض المعاصي والمنكرات، وهنا تتحرج المرأة أو قد يتحرج الرجل: هل يجب عليه أن يخبر الفتاة أو أهل الفتاة بماضيه؟ ثم تقول هي في نفسها: هل يجب علي أن أخبر هذا الرجل بأنني كنت مثلاً أعاكس بالهاتف؟ فنقول: لا يشترط ذلك أبداً، وما دام ستره الله وسترها فليستر ولتستر على نفسها هذا إذا حصلت التوبة إلى الله، وانقطع ذلك المنكر، وتبدلت تلك الحياة السيئة بحياة طيبة صالحة، فما دامت التوبة حصلت فإنه لا يصلح أبداً ولا يشترط مطلقاً أن يصارح كلٌ منهما الآخر بما كان منه في الماضي، شيء حصل وانتهى والله يغفر ويتجاوز. وهو عليه ألا يسمع كلام الناس فيها خصوصاً عن الماضي إذا تابت إلى الله، وهي كذلك إذا تأكدت من صلاحه واستقامته الآن، وأنه قد تاب توبة صالحة فإنها لا تسمع لكلام المجرحين فيه. وهناك أمور قبل الزواج تكون أحياناً عقبات، مثل: المرأة الموظفة ما هو رأي الزوج في الوظيفة؟ هل يريد منها أن تترك الوظيفة أو أنه يسمح لها بالاستمرار في الوظيفة؟ المرأة تدرس في الكلية أو في الثانوية: هل يسمح الزوج لها بالاستمرار في التعليم أم لا؟ أولاً: هذه المسألة لا داعي لأن توضع وكثير من الناس يخطئون فيضعون شرط إكمال المرأة للوظيفة أو التعيين أو الدراسة قبل صلاح الرجل وتدينه، قبل التأكد من أي شيء، أول شيء يقال للرجل: المرأة تريد أن تعمل في الوظيفة أو تريد أن تستمر في التعليم وهكذا. ولكنني أقول في نفس الوقت: إن الأمور ينبغي أن تكون واضحة من البداية، فبعض الناس يقولون: نتزوج وبعد ذلك لا نختلف، أو نزوجه ثم لا نختلف، أو هو يقول: أتزوج ثم لا أختلف. لا، ينبغي أن تكون الأمور واضحة من البداية، قد يتفق هو وإياها مثلاً على ترك الوظيفة، أو يتفق هو وإياها على الاستمرار في الوظيفة، وتفادياً لحصول الاختلافات في مسألة الراتب فإنه لا بد أن تكون الأمور واضحة أيضاً، فهو قد يتفق معها على أن تستمر في الوظيفة على أن تعطيه جزءاً من الراتب مقابل عدم تفرغها التام لشئون البيت، وإذا اصطلحت هي وإياه على أي شيء كان طيباً، وإذا شترطت هذا الشيء في العقد كان لازماً للرجل، فإذا لم تشترطه في العقد فإنه ليس بلازم، فإن له أن يمنعها من الدراسة أو الوظيفة إذا لم يكن ذلك شرطاً في العقد. المقصود هو أن تكون المسائل واضحة حتى لا تحدث مشاكل في المستقبل، وفي الوقت الذي نقول فيه للمرأة: المهم الزواج، قدمي الزواج على أي شيء، وما دام الرجل صالحاً نقول للرجل: لا تجعلها عقبة، تزوجها ثم حاول أن تقنعها بالحسنى والتجربة -تجربة الحياة الزوجية- ستبين لها على أية حال ما هو الأصلح، وإذا كان الزوج عاقلاً والزوجة عاقلة فإنهما -إن شاء الله- لن يختلفا على أي مسألة من هذه المسائل في الغالب.

стр. 6673

عقبات في طريق الزواج

стр. 6674

رفض الزواج برجل قد تزوج ثم طلق أو رجل عنده أولاد أحياناً يتقدم المرأة رجل سبق له الزواج، فبعض الناس يجعلون هذا عقبة، يقولون: سبق لك الزواج وطلقت! يمكن أنك إنسان سيئ؛ لماذا طلقت؟ ولماذا لم تكمل الحياة مع زوجتك الأولى؟ ولماذا ولماذا؟ لكن الحقيقة أن الرجال يختلفون فمنهم -فعلاً- من يكون طلق زوجته لأنه إنسان سيئ لا يمكن أن تعيش معه وطلبت الطلاق وطلقها، وفي بعض الأحيان يكون الرجل هو المظلوم وتكون المرأة لا يمكن أن يُعاش معها وأن يصبر عليها فطلقها لسوء في خلقها أو في دينها، فيجب هنا أن يتأكد لماذا طلق الرجل؟ فإذا كان رجلاً معروفاً بالصلاح معروفاً بالاستقامة وسبب الطلاق هو أنه لم يصبر منها على السوء في دين أو خلق، أو لم يتفاهما بدون أسباب شرعية، لم يحصل اتفاق، أو تقابل نفسي، فعند ذلك لا يصح أن تجعل قضية أن الرجل سبق له الزواج، وتجعل هذا الأمر عقبة في طريق قبول هذا الشخص في تقدمه لإحدى النساء، وتزداد المشكلة عندما يكون للرجل أولاد من امرأة سابقة، فبعض النساء تقول: لا أريد الرجل لا يمكن أوافق عليه، لماذا؟ تقول: عنده أولاد، أنا ما عندي استعداد أن أربي أولاد غيري، نقول: التكافل من دين الإسلام، وإذا كان الرجل طيباً وصالحاً لم يتقدم أحسن منه أو لم يتقدم أحد والمرأة قد تكون في سن متقدمة نوعاً ما، فلماذا ترفض؟ لأن عنده أولاد، أليست تؤجر على تربية أولاد زوجها ولو من امرأة أخرى؟ صحيح أن المسألة فيها إشكالات اجتماعية، صحيح أن القضية ليست مثل أن يتقدم إنسان لم يسبق له الزواج ولا يوجد عنده أولاد، لكن لا يعني أن الإنسان الذي يأتي وعنده أولاد يشطب عليه ويوضع في القائمة السوداء لمجرد أنه سبق له الزواج أو مجرد أن عنده أولاداً.

стр. 6675

موافقة المرأة الزواج برجل عنده عيوب خَلْقية ثم ترفضه كذلك من الإشكالات التي تحدث أن المرأة قد توافق على الرجل في البداية وفيه بعض العيوب -مثلاً- تكون امرأة متحمسة وتطلب صاحب الدين -مثلاً- فيكون الرجل فيه بعض العيوب الخلقية على سبيل المثال، قد يكون فيه عيب في خلقته قد يكون إنسان ضعيف ذات اليد ليس ميسوراً وهي من عائلة غنية، وقد تكون أيضاً جميلة وهو فيه عيب، ففي البداية بعض الفتيات يتحمسن فيوافقن، نقول: إذا كان الحماس صادقاً فإن الله سيوفقها وإياه، ولكن أحياناً يكون حماساً في القبول لكن دون مصارحة حقيقية للنفس، فإذا خف حماس المرأة بعد الزواج بدأت تنظر لماذا أغفلته سابقاً، وبدأت تقول: هاه هذا غير مكافئ لي، هذا غير مساوٍ لي، أنا أستحق أحسن من هذا الرجل وهكذا، فيجب أن تصدق المرأة مع نفسها قبل الموافقة. والرجل ما دام صالحاً وذا دين وخير فإن الدين والصلاح والخلق الحسن أهم من بعض العيوب الخَلْقِيَّة، ولكن مع ذلك نقول للمرأة: أنت أعرف بنفسك، إذا كنت تعرفين بأنك لن تصبري على الحياة معه في المستقبل فلا بد من اتخاذ الموقف الصحيح من الآن.

стр. 6676

رفض المرأة الزواج برجل متزوج هناك أمر آخر وهو أن لدى بعض النساء موقف معين من زواج الرجل بامرأة أخرى، ونحن نقول: ما دامت المرأة تقر بما أنزل الله وتعترف به فهذا هو الأساس، أما كونها يوجد عندها غيرة فهذا شيء طبيعي وقد حصل مع نساء الرسول ﷺ ، ولكن ينبغي ألا تتراجع المرأة تحت مصارف الغيرة فتنكر شرع الله أو تبغضه، فإن المسألة إذا وصلت إلى هذا الحد فإنه يخشى عليها من الكفر والعياذ بالله، وبعض النساء يتحمسن في البداية وتقول: أنا راضية بقضاء الله، وإذا أردت أن تتزوج أنا ما عندي مانع إلخ، فإذا تزوج حصلت المشاكل بعد ذلك، فيجب أن تنطلق المرأة من الإيمان بما أنزل الله في كتابه، وليقينها بأن ما فرض الله هو الخير للناس، وينبغي ألا تكون الدعوة القائمة عند البعض بأننا لا نرى مانعاً من الزوجة الثانية، وأننا لا نرى إشكالاً فيه، وأننا وأننا وبعد ذلك يحصل شيء آخر. أحياناً يكون من المشاكل التي توجد على عتبة الزواج أن يتقدم شخص متزوج بامرأة أخرى، وقد يكون المتقدم إليها بلغت سناً لا بأس به، وامرأة بنصف رجل خير من امرأة بلا رجل، وامرأة بربع رجل خير من امرأة بلا رجل، ولذلك بعض الأشياء الاجتماعية الموجودة الآن مما تأثرنا به من الكفار ينبغي أن يزال، وينبغي أن تكون الحياة طبيعية كما كانت عند القدامى، ينبغي أن تكون حياة طبيعية في حالة إقدام الرجل على الزواج بامرأة أخرى، كذلك عندما يتقدم لامرأة وهي تحتاج إلى رجل ويكون عنده زوجة يجب ألا تكون الزوجة الأولى عائقاً أيضاً، ويرفض الشخص لمجرد أنه متزوج، إذا كانت المرأة المتقدم لها لم يتقدم لها شخص آخر نحن نقول: لا يشترط وليس بلازم أن كل امرأة يتقدم لها إنسان متزوج عنده زوجة لا بد أن توافق عليه، نقول: هي حرة، هي لا تريد رجلاً متزوجاً ليس هناك إشكال، لكن أحياناً لا يتقدم أحد، لا يوجد إلا هذا الرجل، فهل يُرفَض لأنه متزوج بامرأة أخرى؟ خصوصاً وأنه لا يجوز في الشرع أن تسأل الزوجة أو المخطوبة، تقول للخاطب: لا أتزوجك حتى تطلق زوجتك، هذا الشرط حرامٌ؛ لأنه ﵊ نهى عن هذا، ونهى أن تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صفحتها، ولذلك المسألة هذه مع ما فيها من الدقة والحساسية لكن الرضا بما أنزل الله عامل مهم في حل كثير من المشاكل.

стр. 6677

تكبر الزوجة على الزوج كذلك من الإشكالات التي تحصل في البداية قضية التكبر، المرأة قد تتكبر أحياناً على الرجل بسبب علمها، قد تكون أعلم منه حتى في الأمور الشرعية، وهذا ليس بعيب في الرجل أن تكون زوجته أعلم منه، هذا شيء حصل في التاريخ الإسلامي، شيء طبيعي أن تكون بعض النساء عندهن قدرة علمية، واستيعاب وحفظ، وجلد في القراءة بما يجعلها أعلم من الزوج، لكن الخطأ والمصيبة أن يحصل عندها الكبر نتيجة لإحساسها بأنها أعلم منه، وقد يكون أحياناً بسبب نسبها، ترى أنها أنسب وأرفع وأحسب منه فيحصل عندها كبر في هذا الجانب، وقد يكون بسبب ثراء أهلها ومحدودية دخله هو، وقد يكون بسبب جمالها وترى أنه إنسان غير مكافئ لهذا الجمال، وأنه إنسان فيه نوع من الدمامة فتتمرد عليه وتقع في المحرمات من عصيان الزوج ورفض طلباته ونحو ذلك، وهنا تكون المسألة قد وصلت إلى حد المعصية والمخالفات الشرعية، وبعض النساء اللاتي تكون عندها شهادة وزوجها ما عنده شهادة جامعية مثلاً؛ يحصل عندهن هذا النوع من الكبر ومن التعالي ومن شوفة النفس أو الحال، وتبدأ في التمرد وإملاء رغباتها على زوجها. نحن الآن نتكلم مع النساء ولو تكلمنا مع الرجال لقلنا كلاماً مشابهاً في تكبر الرجل على زوجته، أو ظلمه لها. من الأمور المهمة في هذا الجانب في قضية ما قبل الزواج أو على عتبة الزواج: لا بد أن تكون المرأة المسلمة عاملاً مساعداً في تيسير الزواج وتسهيله، فمثلاً: الأهل قد يطلبون مهراً عالياً وثياباً وذهباً وخدامة ونحو ذلك، ينبغي أن تكون الفتاة المسلمة المتدينة عاقلة، فتقنع أهلها بأنه لا داعي لكل هذه الطلبات، وأنها لا تريد كل هذا المهر، ولا كل هذا الذهب، ولا كل هذه الثياب، خصوصاً إذا كان الزوج ليس بمستطيع ولا مقتدر، بل إنه سيستدين لأجل الوفاء بهذه الطلبات. وهذه قصة جميلة سمعتها من رجل عن زوجته قال: في بداية الزواج عندما تقدمت طلبوا ذهباً بكذا وكذا، فقلت: لها أن تنزل إلى السوق وتختار ما تشاء، هذه الفتاة العاقلة لما نزلت إلى السوق وأهلها يقولون لها: تريدين هذا الطقم؟ فتنظر في ثمنه، فإذا كان مرتفعاً تقول: لا يعجبني، ثم يرونها طقماً آخر فتنظر في ثمنه فإن كان مرتفعاً تقول: هذا ما أعجبني وهكذا، حتى تصل إلى طقم معقول القيمة لا بأس بثمنه تقول: نعم، هذا هو الذي أريده، فهنا تكون الحكمة، لا بد أن تكون الفتاة عاملاً مساعداً في تيسير الزواج، الأهل لهم ضغط صحيح، وإذا صمموا ولا بد فهي قد توافق ظاهرياً وبعد الزواج تتنازل لزوجها عن أشياء مما غرمه من الديون ودفعه إليها فيرد به دينه، هذا أيضاً من العقل والحكمة.

стр. 6678

رفض الزوج بسبب تعلق المرأة بصديقاتها ومن المشاكل أيضاً التي تحدث على عتبة الزواج أن بعض الفتيات عندما يعقدن على أزواج يبدأ عندهن شعور في كره الزوج؛ لأنه يكون لها أحياناً أخوات ملتزمات وهي متعلقة بهن تذهب معهن وتأتي إليهن زيارات متبادلة وحلقات علم ارتباط قوي وتعاون وثيق وهكذا، فيأتيها الشيطان ويحسسها بأن هذا الزوج سيأخذها عن صويحباتها، ثم تبدأ تفكر وتقول: كيف أعيش بدونهن؟ كيف سأبتعد عنهن؟! كيف سأبتعد عن فلانة وفلانة؟ كيف سيحدث في هذه العلاقات الحميمة؟ كيف كيف؟ فتبدأ تكره الزوج وتكره الزواج وتقول: لا أريده، هذه المشكلة ناشئة من أسباب، منها: عدم تقدير أبعاد الأمور، وعدم الإحساس بالمسئولية، تقديم استئناس سنة أو سنتين على حياة كاملة، وأولاد وعفة، وإنشاء بيت إلخ، هي الآن عاشت معهن هذه الفترة فهل تضمن أنها ستعيش معهن إلى النهاية؟ ألسن سيتزوجن وينشغلن بالزوج والبيت؟ وما هو الأهم؟ هذا التفكير هو الذي يجعل الأمور ترجع وتستقر في الميزان الصحيح. ثم إننا نقول للزوج: إن عليه ألا يقطع زوجته عن صويحباتها، ولا يحرمها من زيارتهن وصلتهن، وهو ﵊ كان يسرب إلى عائشة صديقاتها يلعبن معها في بداية الزواج ليراعي نفسية زوجته. وسبق أن تكلمنا عن موضوع التعلق الذي يحصل بشكل غير طبيعي وقد يصل إلى حدٍ غير شرعي من بعض الفتيات بزميلاتهن، فبقاء هذا التعلق يؤدي إلى كره الزوج في المستقبل؛ لأن قلبها ما زال متعلقاً بشخصيات أخرى، بشكل غير طبيعي ينتج عنه كره للزوج، وهذه حالة عسى ألا تكون ظاهرة ولا كثيرة.

стр. 6679

اشتراط المرأة أن يكون الزوج عالماً من الأشياء التي ينبغي أن تذكر هنا أن بعض الفتيات المتدينات يشترطن في الأزواج شروطاً عجيبة، فنسمع مثلاً أن فتاة تريد أن يكون الشخص حافظاً للقرآن الكريم، أو لـ صحيح البخاري، أو العقيدة الطحاوية إلخ. طبعاً الرجال الذين يحفظون القرآن أو يحفظون صحيح البخاري أو إلخ، هؤلاء ليسوا كثيرين، وإنما هم قلة، وكونك تشترطين مثل هذه الشروط تقولين: لا أتزوج إلا طالب علم حقاً، وينبغي أن يكون قد قرأ كذا وكذا وأن يكون حفظ كذا وكذا هذا يعني أنه يمكن ألا تتزوجي نهائياً؛ لأن المتدينين أصلاً الآن ليسوا كثيرين جداً، فكيف وأنت تشترطين بالإضافة إلى الالتزام والتدين شروطاً عالية في قضايا العلم والحفظ، وبعضهن تقول: تصور! أنا بعد ما تزوجت اكتشفت أن زوجي ما سمع أشرطة كذا وكذا للشيخ فلان الفلاني، ولا قرأ كتاب كذا وكذا، تصور! أنه لا يدري شيئاً عن مسألة الذهب المحلق، تصور! تصور وبعضهن قد تلجأ إلى إعطاء الرجل المتقدم أسئلة مثل المسابقة لكي يحلها ويتبين مدى علمه. طيب هذا الرجل يمكن أن يذهب إلى أي شخص آخر ليحلها له مثلاً، وكونه قد يبحث في بعض الكتب ليأتي بالحل، هذه طريقة عقيمة وطريقة لا تدل على وعي جيد، ونقول: بعض الفتيات عندهن فرصة للقراءة والاطلاع أكثر من الرجال، فهي تمكث في البيت لفترة طويلة تتمكن فيها من القراءة واستماع الأشرطة، التلخيص، الحفظ إلخ. أما الشاب فقد يكون مشغولاً بالدعوة، يخرج من البيت كثيراً، لا يجلس مثلما تجلس هي، فإذاً لا داعي للشروط التعجيزية التي تدل على أن هذه الفتاة تعيش في جهة والواقع في جهة أخرى، بعض الشباب قد لا يحفظ الأربعين النووية، وهي تقول: أريد كذا وكذا، والخلاصة أن بعض الفتيات تريد رجلاً على شرط البخاري ونحن نقول: يكفي أن يكون زوجاً على شرط الحديث الصحيح. نعم، لا بأس باستطلاع رأي الشخص المتقدم عن طريق الثقات، مثلاً: كيف عقيدته؟ ما مدى التزامه بالسنة؟ ما مدى تمسكه بالدليل، ما مدى علمه مثلاً؟ لا بأس أن يُسأل عن هذه الأمور، لكن أنه يحصل تدقيق شديد جداً في قضايا عميقة لا تقدح في التزام الشخص ولا في تدينه فهذا ليس من الحكمة في شيء.

стр. 6680

جهل المرأة ببعض الأحكام الشرعية من الأمور المطلوبة أيضا على عتبة الزواج أن تعرف المرأة شيئاً من الأحكام الشرعية في الزواج، كحقوق الزوج، وأحكام العشرة الزوجية، وتقرأ مثلاً في شروط النكاح، وآداب الخطبة وما يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، وآداب الزفاف ونحو ذلك هناك جهلٌ عند كثير من الفتيات في الأحكام الشرعية مما يجعل أموراً كثيرة يقع فيها الحرج بسبب الجهل، فينبغي قبل الإقدام على الزواج أن تعرف المرأة أموراً تتعلق بهذا الجانب، وينبغي أن ننبه إلى مزلق الخوض في بعض الأشياء التي تتعلق بكيفية معاشرة الزوج لزوجته قبل أن تصل المرأة إلى مرحلة الزواج أصلاً، فإن التعمق في هذه المسائل غير محمود العواقب إذا لم يأت وقته المناسب.

стр. 6681

حكم عقد النكاح للمرأة وهي حائض من الاعتقادات الشائعة عند الناس عدم جواز عقد نكاح الحائض، فترد أسئلة تقول: هل إذا كانت المرأة عندها الدورة أو العادة هل يجوز عقد النكاح؟ نقول: نعم، لا بأس بعقد النكاح وهي حائض ولكن عندما يدخل بها زوجها يستحسن وينبغي أن تكون طاهراً.

стр. 6682

المرأة ودورها في البيت كذلك دور المرأة في البيت فيه غبش عند الكثيرات، ما هو دور المرأة الحقيقي؟ بعض الفتيات قبل الزواج تكون في مجال دعوة وطلب للعلم بكثافة ثم تتزوج وليس في ذهنها دورٌ واضح فيما ينبغي أن تكون عليه الزوجة، فعندما تبدأ في حقوق الزوج والبيت والطبخ والتنظيف والحمل والولادة والرضاع تتأفف، وتشعر أنها تقوم بأشياء تافهة، وأنها ليس عندها وقت للدعوة وطلب العلم، لكن عندما تنظر المرأة في حديث الرسول ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت) حديث صحيح. انظري -أيتها الأخت- ما نبه عليه هذا الحديث، بعض النساء لا يقمن وزناً للصبر على آلام الحمل والولادة، هذه أمور أجرها عند الله عظيم، لماذا الاستخفاف بها؟ وللأسف أن بعض النساء لا يصبرن على آلام الحمل والولادة وبعضهن تأخذ حبوب منع الحمل تقول: لا أريد آلاماً، لا أريد مشقات، وبعضهن تريد أن تلد بالعملية، ولو لم يكن هناك سبب لذلك مع ما فيها من المخاطر تقول: لا أريد آلاماً، هذه الأشياء التي دخلت علينا من الكفار وهي قضية أن المرأة لا تريد أن تتحمل أي ألم وهذا خطأ، المرأة خلقت لهذا، والله يقول: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] فهو مقرر في الكتاب العزيز بأن هذا الحمل وهذه الولادة فيها ضعف وفيها مشقة، والصبر على الآلام فيه أجر عظيم، والله يعلم كم يحطُّ عن المرأة من السيئات بآلام الطلق وحده لو احتسبت ذلك عند الله الله أعلم كم يحطُّ عنها من السيئات وكم يكتب لها من الحسنات إذا هي احتسبت ذلك عند الله.

стр. 6683

وصية أمامة بنت الحارث لابنتها نختم كلامنا بوصية أمامة بنت الحارث رحمها الله تعالى لابنتها حين زفت إلى زوجها، هذه الوصية العظيمة الجامعة التي تدل على حكمة هذه المرأة وعلى بعد نظرها، وعلى تجربتها وخبرتها رحمها الله. تقول: أي بنية إن الوصية لو كانت تترك لفضل أدب أو لتقدم حسب لزويت ذلك عنك ولأبعدته منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل. انظرن إلى هذا المدخل الجميل الذي فيه فتح النفس لتدبر الكلام. أي بنية! لو أن امرأة استغنت عن زوجٍ لغنى أبويها وشدة حاجتهما لها كنت أغنى الناس عن ذلك، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال. أي بنية! إنك قد فارقت الحِمَى الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك مليكاً فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً. أما الأولى والثانية: فالصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة -بعض الرجال لا يصبر على المرأة لكثرة طلباتها، ولا يحتملها لكثرة عصيانها- تقول: فإن في القناعة راحة القلب، وفي حسن المعاشرة مرضاة الرب. وأما الثالثة والرابعة: المعاهدة لموضع عينيه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. فإذاً تحرص المرأة على تجميل نفسها لزوجها، وعلى تطييب رائحتها له مما يجذب الرجل كثيراً إليها. وأما الخامسة والسادسة: فالتعاهد لوقت طعامه، والتفقد لحين منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، ولذلك المرأة العاقلة تحسن وضع الطعام لزوجها في المواعيد، يكون طعامها جاهزاً، وإذا كان مرهقاً يكون فراشه معداً، وتأخذ الأولاد وتشغلهم حتى يستريح الزوج وينام. وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير. الله أكبر! على هذه الوصية الثمينة، تدبير البيت والمال، وحسن التدبير في العيال. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشين له سراً، ولا تعصين له أمراً، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، واتقي مع ذلك كله الفرح إن كان ترحاً، والاكتئاب إن كان فرحاً، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكبير. يجب أن تشارك المرأة زوجها في شعوره. وإنكِ أشد ما تكونين له إعظاماً أشد ما يكون لك إكراماً، وأشد ما تكونين له موافقة أطول ما يكون لك مرافقة، واعلمي -يا بنية- أنك لا تقدرين على ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاك، وتقدمي هواه على هواك فيما أحببت أو كرهت، والله يضع ويصنع لك الخير، وأستودعك الله. والسلام عليكن ورحمة الله وبركاته.

стр. 6684

أنواع الشهداء للشهيد في سبيل الله أعظم الرتب وأعلاها عند الله، وأنفس المقامات وأبهاها، وهم أنواع؛ شهيد الدنيا والآخرة، وشهيد الدنيا، وشهيد الآخرة، وشهداء الآخرة أنواع ذكرها الشيخ وفصل في ذلك تفصيلاً جميلاً، وتحدث أيضاً عن أحكام شهداء الآخرة في الدنيا من حيث التغسيل والتكفين.

стр. 6685

الشهداء ثلاثة أنواع إن الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون) َ) [آل عمران:١٠٢]. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن الشهادة من أعظم الرتب وأعلاها، وأنفس المقامات وأحسنها وأبهاها، ذلك لما لأهلها عند الله تعالى من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والدرجة العالية. والشهيد -أيها المسلمون- على ثلاثة أقسام: الأول: شهيد الدنيا والآخرة، والثاني: شهيد الدنيا، والثالث: شهيد الآخرة. فشهيد الدنيا والآخرة: هو الذي يقتل في قتال مع الكفار مقبل غير مدبر؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، دون غرض من أغراض الدنيا. جاء عن أبي موسى ﵁ قال: (إن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال مستفهماً: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال ﵊: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). أما شهيد الدنيا فهو من قتل في قتال مع الكفار وقد غل في الغنيمة أو قاتل رياءً أو عصبية عن قومه، أو لأي غرض من أغراض الدنيا ولم يكن قصده إعلاء كلمة الله، فهذا وإن طبقت عليه أحكام الشهيد في الظاهر من دفنه في ثيابه ونحو ذلك لكنه ليس له في الآخرة من خلاق، ونحن نعامل الناس على حسب الظاهر في الدنيا، والله الذي يعلم الحقائق وهو الذي يتولى حسابهم يوم القيامة.

стр. 6686

أنواع شهداء الآخرة شهيد الآخرة الذي يكون له أجر شهيد في الآخرة لكنه في الدنيا يطبق عليه ما يطبق على الميت العادي فهذا أصناف منهم المقتول ظلماً من غير قتال، وكالميت بأنواع من الأمراض ونحو ذلك، وكالغريق في البحر الذي ركبه وكان الغالب فيه السلامة بخلاف من ركبه وكان الغالب عدم السلامة، أو ركبه لإتيان معصية من المعاصي ونحو ذلك، فأما الاستشهاد في ساحة القتال فإن أجره عظيم جداً، وهو قمة مراتب الشهادة، ولا يمكن لأي نوع آخر من الشهداء أن يصل إلى هذا المقام، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٠ - ١٧١] وقال ﷺ : (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه). وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي وسنده صحيح، فترجى هذه الشهادة لمن سألها مخلصاً من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة لقوله ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق؛ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ولذلك كان لا بد من سؤال الله الاستشهاد في سبيل الله بصدق لتحصيل هذا الأجر العظيم، ولو مات الإنسان حتف أنفه. - وكذلك من أنواع شهداء الآخرة: الموت غازياً في سبيل الله لقوله ﷺ : (ما تعدون الشهيد فيكم قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قالوا: فمنهم إذاً يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد). - عباد الله ومن أنواع شهداء الآخرة: الموت بالطاعون، قال ﷺ : (الطاعون شهادة لكل مسلم) وقال -أيضاً- لما سئل عن الطاعون: (إنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد) وقال ﵊: (يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء. فيقال: انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دماً، ريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك). وكذلك فإن من أنواع شهداء الآخرة من مات بداء البطن لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: (إن شهداء أمتي إذاً لقليل -ثم ذكر أنواعاً- ومن مات في البطن فهو شهيد) وعند عبد الله بن يسار قال: كنت جالساً وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة فذكروا أن رجلاً مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : (من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره، فقال الآخر: بلى، وفي رواية: صدقت). - وكذلك من أنواع شهداء الآخرة الموت بالغرق والهدم لقوله ﷺ : (الشهداء خمسة: المطعون -الذي أصيب بالطاعون- والمبطون -الذي قتل بداء البطن ومات بسبب مرض في بطنه، وأمراض البطن كثيرة ومنها: الكوليرا- والغرق -الذي مات غريقاً- وصاحب الهدم -الذي انهدم عليه بيته، الذي يسكن فيه، أو وقع عليه جدار أو حائط، مات بسبب الهدم، وكثير من الذين يموتون في الزلازل كذلك- وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله). - ومن أنواع شهداء الآخرة موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها لحديث عبادة بن الصامت: (أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة فما تحوز له عن فراشه -أي: تنحى- فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قال: قتل المسلم شهادة. قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء -التي تموت وفي بطنها ولد- والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة يجرها ولدها بسرره إلى الجنة) والسرة: ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، هذا هو السرر، الحبل السري يجرها به ولدها إلى الجنة، وهذا مخصوص بالمسلمة التي تموت في حمل صحيح، ولذلك استثنى العلماء من هذا الحديث من ماتت بحمل من زنا والعياذ بالله. - وكذلك من شهداء الآخرة الموت بذات الجنب كما قال ﷺ : (وصاحب ذات الجنب شهيد) وهو ورم يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع، أورام في الجانب يموت بسببها الإنسان، ونرجو -إن شاء الله- أن يكون كل مسلم مات بالسرطان من شهداء الآخرة الذين لهم أجر شهيد، الميت من ذات الجنب شهيد. - وكذلك من أنواع شهداء الآخرة الموت بداء السل لقوله ﷺ : (القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة) قال في الحديث: (والسل شهادة، والبطن شهادة) فالذي يموت بالسل شهيد إن شاء الله. وكذلك الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه قال ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد) وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله -وليس الأمر للوجوب- قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) رواه مسلم. وعن مخارق ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يأتيني يريد مالي؟ قال: ذكره بالله، قال: فإن لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه من حولك من المسلمين، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإن نأى السلطان عني وعجل علي؟ -هذا اللص قاطع الطريق عجل علي ولم يكن هناك وقت للاستنجاد- قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك). - ومن الشهداء -أيضاً-: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس، قال ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد -الذي يقتل دفاعاً عن عرضه- ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) وقال ﵊: (من قتل دون مظلمته فهو شهيد). والموت في الرباط في سبيل الله من أعظم الميتات وأطيبها، قال ﵊: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان). وأما من مات على عمل صالح قبض عليه فإنه من علامات حسن خاتمته، قال ﷺ : (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة). - أيها المسلمون وإن من أعظم أنواع الشهادة -أيضاً- الموت بالحرق لقوله ﷺ : (الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله) وقال: (والحرق شهيد) فالذي يموت محترقاً فهو من أنواع الشهداء، ولا يصح التساهل في إطلاق لفظ الشهيد على الأشخاص، فالله أعلم من الذي يموت شهيداً في سبيله. نسأل الله تعالى أن يحسن خاتمتنا، وأن يتوب علينا، وأن يوفقنا لعمل الصالحات وترك المنكرات، وحب المساكين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 6687

أحكام شهداء الآخرة في الدنيا الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا الله رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله إن النبي ﷺ حذرنا وهو يحذر أمته من كل شر من خطورة النار، فقد روى البخاري ﵀ عن أبي موسى قال: احترق بيت بـ المدينة على أهله، فحدثت النبي صلى الله علي وسلم بشأنهم، فقال: (إنما هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) ونظراً لشناعة الاحتراق كان النبي ﷺ يستعيذ من الموت بها، لا لأنه ليس له أجر شهيد بل لشناعتها في الدنيا، فكان رسول الله صلى الله علي وسلم يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً) رواه النسائي وأبو داود وهو حديث صحيح، لكن إن حصل ومات بالحرق فإن له أجر شهيد كما تقدم، والله يفعل ما يشاء، وهو أعلم بمصائر العباد، وهو مقدر الأقدار . وهؤلاء الأصناف الذين تقدم ذكرهم من شهداء الآخرة ماذا يفعل بهم من جهة الأحكام في الدنيا؟ قال العلماء: لا يغسل الشهيد -أي: قتيل المعركة مع الكفار- سواء كان مكلفاً أو غير مكلف إلا إن كان جنباً أو امرأة حائضاً، أو نفساء طهرت من حيضها أو نفاسها، وإن سقط من دابته، أو وجد ميتاً، أو سقط من شاهق في القتال، أو رفسته دابة في القتال، أو عاد إليه سهمه الذي أطلقه بالخطأ فالصحيح أنه يغسل إذا لم يكن ذلك من فعل العدو، لكن إن قتله العدو فلا يغسل ويبقى أثر الشهادة عليه، ومن قتل مظلوماً بأي سلاح كقتيل اللصوص ونحوه يلحق بشهيد المعركة في أصح الروايتين في مذهب الإمام أحمد ﵀، وقال بعض العلماء بتغسيله، وكذلك الغريق والمبطون والمرأة التي ماتت في الولادة فإنهم شهداء في الآخرة يغسلون باتفاق الفقهاء. وأما الميت المحترق فقد ذهب العلماء إلى أن من احترق بالنار يغسل كغيره من الموتى إن أمكن تغسيله؛ لأن الذي لا يغسل إنما هو شهيد المعركة، ولو قتل في المعركة محترقاً أو أحرق العدو حصناً للمسلمين ونحو ذلك كان شهيداً لا يغسل، أما المحترق خارج المعركة فهو من شهداء الآخرة لا تجري عليه أحكام شهداء الدنيا فإنه يغسل، فإن خيف تقطعه بالغسل يصب عليه الماء صباً ولا يمس، فإن خيف تقطعه بصب الماء لم يغسّل، ولكن ييمم إن أمكن كالحي الذي يؤذيه الماء، وإن تعذر غسل بعض دون بعض غسل ما أمكن غسله، وييمم الباقي كالحي سواء. وهذا المحترق يصلى عليه صلاة الجنازة، لأنه لا وجه لترك الصلاة عليه فإنه يصلى عليه ولو صار رماداً، يجمع رماده ويصلى عليه، وقال بعض أهل العلم بعدم الصلاة عليه واشترطوا حضوره أو حضور أكثره فإنه إذا صار رماداً لا يصلى عليه، ومذهب الإمام أحمد ﵀ الصلاة عليه وإن صار رماداً. عباد الله إذاً الذي يموت محترقاً له أجر شهيد، ويغسل إن أمكن وإلا ييمم ويصلى عليه. وكل ما تقدم من الكلام كما يظهر لكم كانت مناسبته حضور هذا الحريق الذي سمعنا عنه في منى، وقد احترق أكثر خيامها بسبب ذلك الحريق، والله يقدر ما يشاء ويفعل ما يريد، ولا شك أن المصاب الذي حصل إنما هو مصاب لكل مسلم قلبه حي، فأما المسلم الذي في قلبه دغل فلا يكاد يكترث، وأما المسلم الذي قلبه حي فإنه يحس أن المصيبة مصيبته هو، وعزاؤنا فيهم أمور منها: أنهم ماتوا محترقين، ومن مات محترقاً له أجر شهيد. وثانيا: أنهم ماتوا محرمين في عبادة وعمل صالح، فاجتمع لهم علامة من علامات حسن الخاتمة، والله تعالى يصطفي من عباده ما يشاء، وإن كان الأمر في الظاهر شراً بالنسبة إلينا فإنها إن شاء الله نعيم لهم في قبورهم، ورحمة لهم من ربهم، وثواب جزيل يكتب في صحائف أعمالهم، وخاتمة حسنة نرجو لهم بها الشهادة عند ربهم، فالحمد لله على كل حال، والحمد لله على ما قضى وقدر، ونسأل الله لهم الرحمة والمغفرة. اللهم ارحم شهداء حريق الحج، اللهم ارحم شهداء حريق الحج، اللهم ارحم شهداء حريق الحج، اللهم أعظم لهم الأجر والثواب، اللهم ثقل موازينهم، اللهم وآتاهم أجر حجهم الذي قصدوه، اللهم إنا نسألك لهم الرحمة والمغفرة، ولأهليهم الصبر على مصابهم فيهم، اللهم إنا نسألك حسن العزاء فيهم، اللهم إنا نسألك قبول حج من حج من المسلمين، ونسألك أن تخلف بخير للقاعدين من المسلمين، اللهم إنا نسألك رفع الدرجات، وزيادة الحسنات، وتكفير السيئات. اللهم إنا نسألك النصر للإسلام والمسلمين، اللهم عجل فرج المسلمين، اللهم عجل فرج المسلمين، اللهم عجل فرج المسلمين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الأمن في أوطاننا ودورنا، اللهم إنا نسألك النصر على أعدائنا، اللهم إنا نسألك قضاء ديوننا، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا حقوقك التي علينا يا رب العالمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 6688

أهمية الإيمان باليوم الآخر إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، والبشر لا يمكن أن تستقيم لهم حياة أو نظام أو علاقة أو أعمال إلا بالإيمان باليوم الآخر؛ وهنا يتحدث الشيخ عن أهمية الإيمان باليوم الآخر وآثاره على حياة المسلم، مع ذكر فوائد الإيمان به.

стр. 6689

الإيمان باليوم الآخر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون) َ) [آل عمران:١٠٢]. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني: جعل الله اليوم الآخر بعقابه وثوابه نهايةً لهذا العالم الذين نعيش فيه، والله حكمٌ عدلٌ لا يظلم أحداً، جعل الجنة أهلاً لمن أطاعه، وجعل النار عقاباً لمن عصاه، وأخذ العهد على نفسه أن يثيب من أطاعه وألا يظلمه شيئاً، وأخذ العهد على نفسه أن يجعل الكفار المشركين في النار خالدين مخلدين، فقال : ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:١٤]. أيها الإخوة: واليوم الآخر نعمة عظيمة من نعم الله، والإيمان به ركن من أركان الإيمان، وهو أن تؤمن بالله واليوم الآخر وبالرسل والكتب والنبيين وبالقدر خيره وشره، والذي لا يؤمن باليوم الآخر عاقبته سوداء، ومصيره إلى جهنم -والعياذ بالله- وقد كابر في هذه المسألة المشركون كثيراً، وناقشوا رسول الله ﷺ فيها طويلاً، وكان أحدهم يأتي بالعظم البالي فيفته بين يدي رسول الله ﷺ ، ويقول: أتزعم أن ربك يعيد هذا؟ ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩] فأنكر الكفار اليوم الآخر. إن الكفرة العصاة لا يستطيعون أن يتحملوا التفكير في أن هناك يوماً آخر، وأن هذه الأعمال التي تعمل في الدنيا لا بد من الجزاء والحساب عليها، وأهل الشهوات لا يستطيعون أن يتحملوا في أدمغتهم وأذهانهم شيئاً اسمه اليوم الآخر؛ ولذلك فهم يسارعون إلى نفيه ويتكبرون ويستكبرون في الاعتراف به، وبعضهم يتناساه ويتغافل عنه ولا يفكر به نهائياً؛ لأن التفكير في المصير أمر مؤلم خصوصاً بالنسبة لأولئك العصاة الذين حادوا عن منهج الله ، والله الحكيم العليم يعلم أن البشر لا تسمح حواسهم أبداً على هذه الأرض، ولا يستقيم لهم نظام، ولا تحكم أمورهم وعلاقاتهم وأعمالهم إلا باليوم الآخر الذي يكون وراء هذه الحياة الدنيا. وبدون اليوم الآخر فإن هؤلاء البشر -كما هو حادث الآن- سينطلقون في شهواتهم في كل اتجاه، ويتكالبون على المتاع المحدود -متاع الحياة الدنيا- وترى المصارعة والتصارع بين الأفراد والأنظمة، والأجناس والطبقات يغير بعضهم على بعض، وينطلق الكل في الغابة كالوحوش الكاسرة يأكل القوي الضعيف، والظالم يأكل المظلوم وهكذا، لشيء واحد وهو أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، والله يبتلي البشر ليعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو في شك.

стр. 6690

انعكاسات وآثار الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم أيها الإخوة: إن الإيمان باليوم الآخر له انعكاساته وآثاره في حياة المسلم، الإيمان باليوم الآخر هو الذي يهيئ الاهتمامات، ويجعل التعلق بالدنيا أمراً لا مجال له عندما يعلم الإنسان أن هذه الدنيا زائلة، وأن الآخرة مقبلة، وأن هذه الأيام والأنفاس ستنقضي لا محالة، وأنه سيقدم على الله في يوم يعرض فيه على ربه لا تخفى منه خافية؛ فنتيجة للإيمان بهذا اليوم، وبأن هناك حشراً وحساباً وصراطاً وجنةً وناراً، عذاباً وجزاءً، نتيجةً لهذا ستنشأ سلوكيات لم تكن لتنشأ لولا الإيمان باليوم الآخر، وستنشأ هناك أعمال لله لم تنشأ لو لم يكن هناك إيمان بالله واليوم الآخر. وسيتسع تصور المسلم للحياة وللكون عندما يؤمن ويوقن بأن هناك يوماً آخر، وسيعلم بأن الموت في هذه الحياة ليس نهاية كل شيء، وأن هناك أشياء أخرى أعظم مما يجري الآن بكثير، ولا يمكن المقارنة أبداً، ستنفتح عيناه عليها في اليوم الآخر. وأما أولئك الكفرة الذين لا يؤمنون باليوم الآخر فإنهم يحشرون تصوراتهم وأنفسهم وقيمهم في جحر ضئيل ذليل حقير هو الحياة الدنيا، فالكفار -الآن- يعملون وينشطون ويجدون ويخترعون، ويبنون ويعمرون، ويعملون متناوبين آناء الليل وأطراف النهار؛ لأنهم يظنون أن هذه الحياة هي الحياة فقط، وأنه لا شيء بعد ذلك، وأن هذا العمر هو العمر فقط، وأنه لا عمر بعد ذلك، فلأجل ذلك هم يستغلون كل لحظة من هذه الحياة وهذه الأيام وهذا العمر؛ لكي يتمتعوا ويتقدموا، ولكي يأخذوا حظهم من هذه الحياة الدنيا، ولذلك ليس عندهم أي تفسيرٍ فيما وراء هذه الحياة الدنيا: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] لهي الحياة الحقيقة كما أخبر الله ، وهي الحياة الدائمة، وحياتنا هذه لا تساوي شيئاً بالنسبة للحياة في اليوم الآخر. هذا اليوم الذي يبدأ بانقلابات في هذا الكون ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٦]. ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه:١٠٥]. ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧]. ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر:٢١]. ولما تقع الواقعة: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ [الواقعة:٢ - ٦] وفي ذلك اليوم: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] فيقدم الله ويجيء مجيئاً يليق بجلاله وعظمته إلى ساحة القضاء للفصل بين العباد، فيُحاكمون بين يدي الجبار، والملائكة صفوفاً صفوفاً في عظم خلقتهم التي خلقهم الله عليها، فيكون الموقف عظيماً، ويكون المشهد جسيماً، وتكون العاقبة هناك فعلاً لأهل الإيمان وأهل الكفران. أيها الإخوة: نحن لم نر الجنة ولا النار، ولا الصراط، ولا الشمس وهي تدنو من رءوس الخلائق، لم نر هذه الأشياء؛ فهي لذلك بعيدة عن الحس، ولكن حس من؟ حس الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، أما حس المؤمن فهو عندما يقرأ هذه الآيات في القرآن، وعندما تتلى على مسامعه أحاديث رسوله ﷺ فإنه يحس أن الجنة والنار فعلاً أقرب إليه من شراك نعله، يحس أنها قريبة جداً وأن الآزفة قد أزفت، وأن الموعد قد اقترب؛ فهو لأجل ذلك يعمل لآخرته ويكدح ويجد أكثر مما يعمل أهل الدنيا لدنياهم، فإذا كان أهل الدنيا يجعلون هذا اليوم الأربعة والعشرين ساعة يجعلونه على مراحل ومراتب؛ لكي لا يخلو يوم من العمل ولا ساعة من الساعات، حتى في الليل فهم يعملون في نوبات متواصلة لأجل البناء والتعمير كما يزعمون في الدنيا. بالمقارنة أهل الآخرة يقول الله في شأنهم، هم يعملون -أيضاً- في نوبات ليلية: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩] ساجداً وقائماً لأي شيء؟ ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] والله مدح المؤمنين بأنهم يصدقون بيوم الدين، ومدحهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٣].
следующие страницы →