← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

حكم توبة المصاب بمرض الإيدز المقدم: إنسان علم أنه مريض بهذا المرض ثم انكسر ورجع وتاب إلى الله هل توبته مقبولة؟ الشيخ: لا شك أن الله يقبل التوبة عن عباده، فإذا تاب قد يقول قائل: هذا الآن في مرض الموت ما ينفعه شيء، لكن هذا كلام غير صحيح، ما دام أن الروح ما بلغت الحلقوم فإن التوبة تنفعه ما لم يغرغر، توبة العبد تقبل ما لم يغرغر: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] فلماذا لا يغفر الله له؟ (يا عبادي إني أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم).

стр. 6827

حكم اشتراط الربا والتعامل به السؤال المقدم: جزاكم الله خيراً، نأخذ هذا الفاكس قبل أن نستقبل المكالمات، وقبل أن نجيب على الفاكس نأخذ عبد الرزاق من بلجيكا لكي لا نبقيه على الهاتف المقدم: الأخ عبد الزاق! السلام عليكم. السائل: وعليكم السلام ورحمة الله. المقدم: الله يحييك يا أخي. السائل: جزاكم الله خيراً. المقدم: ولك بالمثل. السائل: يا أخي أنا لي سؤال؟ المقدم: تفضل يا أخ عبد الرزاق. السائل: أنا أقطن في بلجيكا، وعندي نقود في بنك، والبنك ليس بنكاً إسلامياً، وما يؤدى لي من ربا أرسله إلى إخوتي وإخواني في أفغانستان، فهل يمكنني ذلك أم ماذا أفعل؟ المقدم: سنرى الإجابة إن شاء الله ونسمعها من الشيخ السائل: جزاكم الله عنا خيراً. المقدم: حياك الله أهلاً وسهلاً يا أخي. المقدم: فضيلة الشيخ: الأخ عبد الرزاق من بلجيكا كان قد سأل سؤالاً يقول: إن عنده نقوداً موضوعة في بنك ربوي وأن المبالغ التي تحصل من الربا لهذه النقود هو يرسلها إلى إخوانه في أفغانستان كما ذكر فما حكم هذا الفعل؟ الشيخ: لا يجوز لمسلم أن يطالب بالربا، ولا أن يشترطه، فلا يجوز أن يشترطه ولا أن يطالب به والمرابي ملعون، الآكل والمؤكل، وكل من يعين على هذه العملية كالكاتب. وأما بالنسبة لرجلٍ وضع ماله في بنك ربوي لم يجد إلا هو، لم يجد لحفظ المال من الضياع والسرقة إلا هذا البنك فما حكم وضعه فيه؟ ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، إذا لم يوجد مكان آخر حلال ولو تجارة حلال متيسرة يضعه، وأصلاً حتى بعض التجار يحتاجون إلى السيولة لدفع الرواتب وغيرها للموظفين، فإذا اضطر إلى وضعه في البنك الربوي فهذه الضرورة لا يجوز أن يأخذ ربا ويقبضه ويستلمه ويتصرف فيه، فالآن هو جعل المال في هذا المصرف الربوي إعانة لهذا البنك على الربا، ومعروف أن البنوك الربوية تقرض من أموال الناس للناس الآخرين، وتأخذ النسب الأكثر وتسلف بالنسب الأكثر وهكذا، ولذلك لو قلنا الآن وضعه في المصرف الربوي ضرورة، فأخذ -المال عليه- الربا عليه لا يجوز، فلو وضعوه له ولم يشترطه ولم يطالب به، جاء إلى الحساب فوجد الحساب زائداً على المبلغ الأصلي ماذا يفعل؟ يأخذه ويتخلص منه ولا يدخل في جيبه شيئاً ولو يسيراً من هذا المال، لا يدفع به الضرائب، ولا يدفع به الظلم عن نفسه، ولا يشتري كما يقول بعضهم يقول: نحن الربا ما نأخذه للأكل لكن للملابس والبنزين والمحروقات سبحان الله العظيم! من أين يفلسفون لأنفسهم هذه الأشياء؟! وبعض المتساهلين المفسدين يشجعونهم على هذا فيقول: شيء بسيط (٥%) لا يضر. شخص قال: هذا مصرف فيه مسلمون وكفار فقال: أنا آخذ نصف الربا، الذي هو تبع الكفار، وتبع المسلم هذا، سبحان الله العظيم! من الذي أفتاهم في هذا؟ الربا لا يجوز لا مع المسلم ولا مع الكافر فالشاهد إذا أخذه يتخلص منه بأي طريقة، وبالنسبة للمعطى له هو مالٌ ضائعٌ لا صاحب له، الحرام على الآخذ أما إذا تخلص لغيره فإن هذا بالنسبة لغيره مالٌ ضائع لا صاحب له.

стр. 6828

مشكلة أسرية بسبب الفهم الخاطئ للطهارة المقدم: نأخذ هذا الفاكس سريعاً؛ لأنه يبدو أن هناك أسرة مهددة بالانهيار بسبب عجيب سيسمعه المشاهدون الكرام من خلال سؤال هذا السائل يقول: زوجتي لم تقتنع حتى الآن بأن الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر في غاية البساطة، وهي تجلس مدة لا تقل عن خمسة وعشرين دقيقة متواصلة بعد قضاء الحاجة حتى تتطهر، وفي حالة الطهارة من الحدث الأكبر ثلاث ساعات، فيقول: أرجو التوجيه والتشديد عليها؛ لأن هذا الأمر يجعلني في حيرة هل أستمر معها أم ماذا أفعل، عندي منها ثلاثة أطفال فأحياناً لا تعمل شيئاً سوى الطهارة، ويقول كلاماً كثيراً: البيت مهدد بالانهيار بسبب سوء فهم هذه المرأة لمعنى الطهارة ماذا نقول لها يا شيخ محمد؟ الشيخ: الحمد لله. أولاً: هذه المرأة لماذا تصر على هذه الفترة الطويلة؟ الجواب لإزالة النجاسة؛ لأنها تخشى ألا يقبل الله صلاتها ولا يقبل طهارتها وهكذا. فنقول: بماذا كلفنا الله في النجاسة؟ أن نزيلها، والإزالة بأي وسيلة على الراجح وعلى رأس ذلك الماء، فإذا كان يكفي ثلاث غسلات لا نلجأ للرابعة والخامسة؛ لأن هذا إسراف وضياع للماء وضياع للوقت أيضاً، وإذا كان لا يحصل إلا بخمس فبخمس وهكذا، فإذا زالت عين النجاسة، ولم يعد هناك لون ولا جرم لها، ومعلوم أن علامات النجاسة: اللون، والرائحة، والطعم، لم يعد هناك جرمٌ وزال أثر النجاسة أكدنا أن العضو كله قد بلل بالماء، ماذا بقي؟ الذي يبقى تعذيب النفس، وطاعة إبليس، والله نهى عن طاعة إبليس، ونهى أن تتبع سبل الشيطان: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] وهذا الشيطان يوسوس لها أن طهارتها غلط وصلاتها غلط وإلخ. ثم هذه قضية لا تقف عند حد إزالة النجاسة والقعود فيها ساعات، بل ربما تدخل أشياء في المخرج وتعذب نفسها، ثم تعيد غسل العضو عشرات المرات، ثم تخرج من الحمام وتقف في الصلاة فتكبر عشرات المرات، وتقرأ الفاتحة عشرات المرات، وهكذا تعيش في الوسوسة، ولذلك نقول: كفى تعذيباً للنفس وتعذيباً للزوج وإهمالاً للأولاد في هذه القضية، ماذا تريد؟ طاعة الله؟! تطيعه بإزالة النجاسة على الوجه الذي أمر به ، وقد جاء واحد من الناس وقال لعالم من العلماء: أنا أنغمس في الماء وأشك في أني قد اغتسلت، فما حكمي؟ قال: لا صلاة عليك اذهب، قال: ولم يا شيخ؟ لماذا لا صلاة عليَّ فأنا مسلم؟! قال: الذي ينغمس في الماء ينغمس من رأسه إلى قدمه ثم يشك أنه قد اغتسل فهذا مجنون؛ والمجنون مرفوع عنه القلم، وبالتالي لا صلاة عليك، فنقول: يكفي إزالة النجاسة والوضوء، والرسول ﵊ ماذا قال في الطهارة وفي الوضوء؟ قال: (الوضوء ثلاثاً، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم) ثلاثة أشياء: أساء، وتعدى، وظلم، والواجب إهمال الوسواس ولا بأس أن تعرض نفسها على طبيبة نفسانية تعالج لها شيئاً من هذا.

стр. 6829

حكم التطيب بالزعفران حال الإحداد وحكم صلاة السنن في السفر المقدم: بارك الله فيكم. نأخذ الأخ أبي ثنيان من السعودية حتى لا نبقيه على الهاتف تفضل يا أبا ثنيان! السلام عليكم. السائل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. كيف الحال يا شيخ مسعود؟ المقدم: الله يحييك يا أخي. السائل: مساك الله بالخير يا شيخ محمد. الشيخ: حياك الله يا أخي. السائل: عندي ثلاثة أسئلة يا شيخ مسعود: سؤالي الأول: المرأة التي تحد ما حكم استعمال الزعفران بالنسبة لها؟ السؤال الثاني: بالنسبة للسنن الرواتب في السفر ماذا ورد عن الرسول ﷺ فيها هل تصلى في السفر السنن الرواتب؟ والسؤال الثالث يا شيخ: بالنسبة للمحلات التجارية إذا أجرتها على نفس العامل بنسبة معينة طبعاً أعطيه ثلاثة أشهر مدة للتجربة فيقول: أنا والله أعطيك كل شهر أربعة آلاف ريال فما أدري هل فيها شيء؟ المقدم: سنسمع إن شاء الله. السائل: جزاك الله خيراً يا شيخ. سؤال الحلقة التي فاتت يا شيخ مسعود أنا سألت الشيخ عبد الله بالنسبة للوفاء بالوعد وبالنسبة لإكرام الضيف؟ فقال: إكرام الضيف سنة فما أدري هل الحديث عن الرسول ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) يدل على الوجوب؟ فلو يتفضل الشيخ محمد يفصل لنا في المسألة لأن الخط في الأسبوع الماضي انقطع عني. المقدم: هذه لعلي آخذ الوقت المحدد من الإخوان وأعطيكم خبر إن شاء الله. السائل: جزاك الله خيراً يا شيخ. السلام عليكم. المقدم: حياك الله يا أخي. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الأخ أبو ثنيان من السعودية كان قد سأل ثلاثة أسئلة: سؤاله الأول المرأة التي في فترة الإحداد هل لها أن تستعمل الزعفران؟ الشيخ: المرأة في الإحداد تجتنب الزينة كالحلي بجميع أنواعه، والحناء، والمكياجات طبعاً، وكذلك تجتنب الخروج من البيت إلا لحاجة، وتجعل خروجها نهاراً إذا احتاجت، مثل المستشفى والمحكمة مثلاً. والزعفران هو من الطيب وذات الحداد لا تتطيب، ولذلك قال ابن مفلح ﵀ في الفروع: وتجتنب الزعفران كطيبٍ. ومعنى ذلك أن الزعفران العلماء يعدونه من الطيب، والطيب كلما يتطيب به عادة مثل العود وغيره، وليس كل ما له رائحة طيبة؛ لأن النعناع وقشر البرتقال والليمون له رائحة طيبة لكنه لا يستعمل في الطيب، إنما ما يتطيب به هو الطيب، طبعاً ما يستعمل في الطيب عند العقلاء، لأنه -الآن- يوجد طيب برائحة شمام، وطيب بروائح البطيخ وما أدراك! على أية حال كل ما عده الناس طيباً في العرف عند العقلاء فهو طيب، والزعفران عند العلماء من الطيب، ولذلك تجتنب الزعفران. سؤاله الثاني: عن السنن الرواتب في السفر هل يصليها الإنسان؟ من السنة أن يترك الإنسان السنن الرواتب في السفر إلا سنة الفجر وقيام الليل، فإنه يصليها، أما سنة الظهر القبلية والبعدية، وسنة المغرب البعدية، وسنة العشاء البعدية فإنه يتركها ولا يصليها، لكن هذا لا يعني أنه لا يصلي أي نوافل، كتحية المسجد وصلاة الاستخارة، وركعتي الوضوء، وبين الأذان والإقامة ركعتان، فإذا دخل المسجد وكان مسافراً يصلي ولا مانع، لكن هذه السنن الرواتب بالذات غير سنة الفجر الراتبة يتركها، هذه السنة.

стр. 6830

قصر الصلاة في السفر المقدم: جزاكم الله خيراً، معنا الأخ عبد الله القحطاني من السعودية السلام عليكم يا أخ عبد الله. السائل: السلام عليكم. المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله. السائل: ممكن أسأل يا أخي؟ المقدم: تفضل حياك الله. السائل: أخي الحبيب أريد أن أسأل الشيخ محمد -الله يحفظكم- في رجل مسافر من الدمام إلى الطائف في خمسة أيام أقل أو أكثر وسيذهب بعدها إلى جدة، أي: لديه إجازة حوالي عشرين يوماً تقريباً سيكون في سفر؟ فهل يقصر أم ماذا يفعل؟ المقدم: سنسمع الجواب إن شاء الله. السائل: يا شيخ مسعود أريد منك ربع دقيقة بالنسبة للفتاة التي سألتك عن التوبة يا حبذا الشيخ يوجهها إذا كان لها قريب أو أحد تثق به أن يكون على علم ببعض الأمور، مثل هؤلاء الفتيات يكون قد تم تسجيل أشرطة كاسيت، أو أشرطة فيديو أو من هذا القبيل، فعندما يكون لها قريب إما أخت أو أخ قريب منها. حتى لا تكون تحت ظرف التهديد الله يحفظك. المقدم: جزاك الله خيراً. السائل: بارك الله فيكم. المقدم: جزاك الله خيراً يا أخ عبد الله، شكر الله لك يا أخي. المقدم: جزاكم الله خيراً، الأخ عبد الله القحطاني يا شيخ محمد سؤاله شبيه بسؤال الأخ أبي ثنيان الذي سأل عن السنن قبل قليل لكنه عن الصلاة بشكل عام يقول: رجل مسافر إلى الطائف سيبقى في الطائف خمسة أيام ثم يذهب إلى جدة عنده إجازة سيوزعها بين المدن، كيف يصلي هذا الصلاة يقصر أم ماذا يفعل؟ الحمد لله عند جمهور أهل العلم مالك والشافعي وأحمد وبه كان يفتي شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ أن المسافر إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام وعند الإمام أحمد (إحدى وعشرين صلاة) إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام في بلد يذهب إليه فإنه في حكم المقيم، وبناءً عليه فإنه يتم الصلاة لا يجمع ولا يقصر، وأما إذا سيجلس أربعة أيام أو أقل من أربعة أيام فإنه يجوز له أن يقصر، والأفضل ألا يجمع فإذا جاء إلى بلد يجلس فيه يوماً يومين ثلاثة يقصر بغير جمع، ولو جمع جاز ذلك على الراجح، وله دليل من السنة. المقدم: جزاكم الله خيراً، إذاً: سمع الأخ عبد الله ووفقه الله في سفره وجميع المسلمين.

стр. 6831

الحلف بالطلاق الأخ أحمد إبراهيم من الشارقة معنا على الهاتف نقول: السلام عليكم يا أخ أحمد. السائل: السلام عليكم. المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله. السائل: كيف حالك يا مولانا؟ المقدم: حياك الله وأهل الشارقة جميعاً. السائل: يعطيكم العافية. المقدم: ممكن ترفع لنا الصوت قليلاً يا أخ أحمد. السائل: هناك مشكلة عائلية: رجل حلف على زوجته لأنها تكثر الخروج من باب البيت، فحلف عليها بنية التهديد بالطلاق إذا خرجت من دون إذنه، فهل إذا خرجت تعتبر طالق أم أنه على حسب النية؟ المقدم: هل تذكر اللفظ ماذا قال؛ لأن هذا مهم جداً؟ السائل: إذا خرجت من البيت بدون إذني فأنت طالق. المقدم: طيب لعلنا نسمع الإجابة إن شاء الله. شكراً يا أخ أحمد، نجيب على الأخ أحمد يا شيخ، تفضل في الإجابة على سؤال الأخ أحمد الذي هو رجل حلف على زوجته الذي سمعناه الآن قال: إذا خرجت من البيت بدون إذني فأنت طالق هل يقع عليها الطلاق لو خرجت؟ الشيخ: أما بالنسبة للمسألة مجملة عموماً فإن قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة ملخصه: أن الحالف بالطلاق على شيء معين أن يقع أو لا يقع يرجع الأمر فيه والحكم إلى نيته، فإن قصد إيقاع الطلاق أنها طالق لو فعلت أو أنها طالق إذا لم تفعل، ثم لم تفعل أو فعلت على المسألتين، فإذا نوى المنع ولم ينو الطلاق ولم يدر في باله عندما تكلم فإنه يمين تجب فيه الكفارة، وإذا نوى أنها لو خرجت بغير إذنه فهي طالق فخرجت بغير إذنه فهي طالق تقع طلقة. أما بالنسبة لهذا الأخ المعين الذي سأل فيرجع إلى القاضي الشرعي في الشارقة ويعرض عليه مسألته ويأخذ الجواب؛ لأن المسائل المعينة لا بد فيها من الرجوع إلى القاضي. أما بالنسبة لفائدة في ذكر الحكم أو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فهو هذا، ثم إن خرجت ناسية للفائدة أيضاً لا يقع الطلاق، ثم أيضاً إن أراد أن يخرج نفسه من هذا المأزق فيمكن أن يأذن لها بالخروج مستقبلاً، وأما إذا خرجت يرجع إلى القاضي لينظر نتائج ما فعل، والنصيحة: ألا يلجأ الأزواج إلى هذا الأسلوب في منع زوجاتهم، عنده الموعظة بالحسنى، والشرع علمه ماذا يفعل: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]؛ لأن تعليق الأسرة في مهب الريح بمثل هذه العبارات مصيبة كارثة.

стр. 6832

التفصيل في تحري دخول رمضان في البلاد الغربية المقدم: معنا الأخ عبد العزيز من أمريكا السلام عليكم. السائل: وعليكم السلام يا شيخ. المقدم: حياك الله يا أخ عبد العزيز. السائل: الله يحييك ويهديك. المقدم: الحمد لله تسرك. السائل: أخبارك يا شيخ محمد. الشيخ: الحمد لله حياك الله يا أخي. السائل: أنا أحد طلابك في المرحلة الابتدائية. الشيخ: حياك الله. السائل: أخبارك طيبة؟ المقدم: الله يحييك تفضل يا أخ عبد العزيز. السائل: يا شيخ محمد بعض الطلاب المبتعثين في أمريكا هنا، يقولون: هل نصوم رمضان كل واحد تبعاً للبلد الذي ينتمي له أم هل نتحرى الهلال أو ماذا؟ ما الحكم في المسألة هذه وأشكل علينا هذا الموضوع؟ وهناك موضوع آخر بالنسبة لبعض الشباب الله يهديهم ويهدينا يأتون هنا إلى أمريكا يقعون في بعض المعاصي التي توجب النصيحة، ويعملون أعمالاً ليست من ديننا، ولا من تقاليدنا، ولا من آدابنا فنرجو منك توجيهاً ونصيحة للشباب. المقدم: بارك الله فيك يا أخ عبد العزيز، وشكر الله لك يا أخي، ولو أنك أنت قلت: ما أنت مبسوط إلا لما رأيت الشيخ محمد. السائل: لا انبسطنا زيادة. المقدم: شكراً أخي عبد العزيز. المقدم: يا شيخ محمد عندنا حوالي دقيقتين أو ثلاث نجيب خلالها على الأخ عبد العزيز والأخت أم عمر إن أذنتم الله يجزيكم الخير ويعنيكم يا شيخ. الأخ عبد العزيز يقول: في رمضان هل يصوم الناس هناك كل مع بلده أم ماذا يفعلون؟ الشيخ: إذا كانت لديكم رؤيا شرعية فأنتم تتحرون الهلال وتثبتونه شرعاً وتسيرون على هذه الرؤية، وإذا لم يكن لديكم رؤية شرعية في البلد الذي أنتم فيه فتصومون على أوثق بلد فيه رؤيا شرعية، فمثلاً يرى هنا في المملكة يتقدم الرائي لإثبات الرؤية الشرعية، ويثبت ذلك بالطريقة المعروفة المعتمدة فبناءً عليه إذا ثبت شرعاً فيلزم المسلمين الصوم عند جمهور العلماء يلزمهم جميعاً، برؤية الرجل الثقة يدخل الشهر عند كل المسلمين. وأما باعتبار اختلاف المطالع وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لكل قوم رؤيتهم، ففتوى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وكذلك هيئة كبار العلماء أنه إذا كانت لديهم رؤية شرعية في بلدهم ساروا عليها، وإلا ساروا على الرؤيا الشرعية في البلد الذي يثبت فيه بالطريقة الموثوقة المعروفة، وهناك يا شيخ مسعود من يروج الآن من هؤلاء المتعفنين والمتعفنة عقولهم الذين يسمون أنفسهم بالمستنيرين لقضية أنه لا رؤية، وأن العمل بالحساب، ويخالفون نصاً واضحاً عن النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته) ويقولون: الرؤية فيها أخطاء والحساب ليس فيه أخطاء، والرؤيا رؤي البشر وهذه شغل أجهزة، وكأن أجهزتهم معصومة، هذا حديث عن النبي ﵊ في صحيح البخاري: (صوموا لرؤيته) تضربون به عرض الحائط لأجل الأجهزة؟! سبحان الله!! وأظن قبل عامين ثبتت الرؤية شرعاً والحسابات قالت خلاف ذلك، وهذا في القرن الحادي والعشرين وليس في العصر القديم فالأولى أن نسير على الدليل.

стр. 6833

حكم جمع الجمعة إلى العصر والتبرع بثواب الصلاة لشخص حي المقدم: معنا الأخت أم عمر من السعودية السلام عليكم يا أم عمر. السائلة: السلام عليكم. المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله. السائلة: ممكن أسأل فضيلة الشيخ. المقدم: تفضلي. ارفعي صوتك قليلاً من أجل أن نسمع، لو سمحتي. السائلة: أول السؤال نحن النساء هل يمكن أن نجمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة حال السفر، ونقصر الصلاة أم لا؟ المقدم: سنسمع الإجابة إن شاء الله. السائلة: سؤال ثاني: هل يمكن أن يصلي الإنسان صلاة نافلة وغيرها لشخص من الأحياء كالأقارب أو الأصحاب، يعني: كصلاة المسجد الحرام والمسجد النبوي ويهديها لشخص من الأحياء. السؤال الثالث: المرأة المتوفي عنها زوجها وهي في عدة فهل من الضروري أنها تقضي العدة في منزلها ولا تخرج، أم هل يباح لها أنها تخرج في أوقات الضرورة. المقدم: سنسمع إن شاء الله. السائلة: جزاك الله خيراً. المقدم: بارك الله فيك وحياك الله. المقدم: الله يجزيك خيراً. أختنا أم عمر تقول في سؤالها الأول: هل يمكن جمع العصر مع الجمعة في السفر؟ الشيخ: مذهب جمهور العلماء أنه لا يجمع العصر إلى الجمعة قالوا: لأن الجمعة ليست ظهراً والجمع قد ثبت في السنة بين الظهر والعصر، والجمعة تختلف عن الظهر في عدد الركعات، والجهر بالصلاة والخطبة، والوقت أيضاً على الراجح إذاً: لا يجمع العصر إلى الجمعة. المقدم: بقي عندنا أقل من دقيقة نقول: إذا صلى الإنسان في مكان فاضل في الحرمين مثلاً وأهداها لشخص حي أو ميت هل يجوز هذا؟ الشيخ: هذا عمل غير مشروع أن الإنسان يصلي ويهدي ثواب صلاته إلى حي آخر، والإنسان ليس بغني عن الحسنات، ما هذا الدافع العجيب عند بعض الناس يريد يفعل ويهدي كأنه مستغنٍ هو، وأن حسناته كالجبال وما عنده سيئات، هو أحوج إليها، ويدعو للميت كما علمنا النبي ﵊: (أو ولد صالح يدعو له). المقدم: الله يحفظكم، الحقيقة سؤال أخير المتوفى زوجها هل لا بد أن تبقى في البيت فترة العدة. الشيخ: سبق الجواب أنها تبقى في البيت أربعة أشهر هجرية وعشرة أيام، ولا تخرج إلا لحاجة، وتجعل خروجها نهاراً. المقدم: شكر الله لكم يا شيخ محمد، باسم المشاهدين الكرام نشكر فضيلة الشيخ محمد بن صالح المنجد على هذه الجلسة.

стр. 6834

مفسدات القلوب واتباع الهوى [١ - ٢] إن اتباع الهوى مفسد للقلب فهو عن الخير صاد، وللعقل مضاد؛ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها، ومن الأفعال فضائحها، ويجعل شر المروءة مدلوكاً، ومدخل الشر مسلوكاً. وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن اتباع الهوى وجهاده، وأقوال العلماء فيه، وأسبابه وأضراره وعواقبه وعلاجه.

стр. 6835

جهاد الهوى الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: الهوى وما أدراك ما الهوى، المفسد العظيم من مفسدات القلوب، هو عن الخير صاد، وللعقل مضاد؛ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها، ويظهر من الأفعال فضائحها، ويجعل ستر المروءة مدلوكا، ومدخل الشر مسلوكا، والهوى مطية الفتنة، والدنيا دار المحنة، فانزل عن الهوى تسلم، وأعرض عن الدنيا تغنم، ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي، ولا تفسدنك دنياك بحسن العوافي، فمدة اللهو تنقطع، وعارية الله ترتجع، ويبقى عليك ما ترتكبه من المحارم وتكتسبه من الجرائم. والهوى حجاب بين العبد وربه، فيه حطت النار، واستحق به غضب الجبار، وحرم أتباعه منازل الأبرار، ولهذا عظمت منزلة مخالفته، فلم يجعل الله للجنة طريقاً غير مخالفته، ولم يجعل للنار طريقاً غير اتباعه، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١] قيل: هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة فيتركها -أي المعصية- لله. بل شرع الله له -للهوى- الجهاد، فجهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه، قال رجلٌ للحسن: يا أبا سعيد! أي الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك. قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أعظم من جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً؛ حتى يخرج إليهم -أي: للكفار- وبدون جهاد الهوى والنفس لا يمكن الخروج إلى جهاد الكفار، فلا بد أن ينتصر عليها أولاً. فإذا كان هذا شأن الهوى فلابد من معرفته ليحذر ومعرفة أسبابه وطرق التخلص منه، وهذا موضوع الحديث في هذه الليلة بمشيئة الله: معنى الهوى لغةً واصطلاحاً والآيات والأحاديث الواردة فيه، وموقف التشريع من الهوى، وخطر الهوى، وما يتعلق باتباع الهوى والأهواء في التشريع وفي العقائد مما يضاد التشريع ويضاد العقائد ويضاد الأحكام الفقهية أيضاً، ونتحدث كذلك عن علاج الهوى. ولقد تحدث الشاعر عن قوم رأى معاشرهم جنحوا بـ طبيعتهم في كل تيار في اتباع الهوى وقال عنهم: تهوى نفوسهم هوى أجسامهم تهتك بكل دناءة وصغارِ تبعوا الهوى فهوى بهم وكذا الهوى ملئ الهوان بأهله فحذارِ فانظر بعين الحق لا عين الهوى فالحق للعين الجلية عاري عار: يعني ليس عليه غطاء. قاد الهوى الفجار بل قالوا له دأبت عليه مقادة الأبرار

стр. 6836

تعريف الهوى لغة واصطلاحاً الهوى في اللغة: مصدر هويه يهواه، من باب علم أي: أحبه واشتهاه. والهوى في الأصل: العشق في الخير أو الشر، وما تريده النفس، وجمعه: أهواء، وهوي إذا أحب. قال ابن القيم ﵀ في تعريف الهوى: الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه، وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح، فالهوى مستحس لما تريده هذه النفس كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغي ذم الهوى مطلقاً، ولا مدحه مطلقاً، كما أن الغضب لا يذم مطلقاً ولا يحمد مطلقاً، وإنما يذم ما فيه إفراطٌ من النوعين، وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار، وهناك غضب لله وهناك غضب للنفس، ذاك محمود وهذا مذموم، وكذلك الهوى هناك هوى فيما يحبه الله عندما تصبح النفس تهوى ما يحبه الله هذا هوى محمود: (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) لكن الهوى المذموم أكثر، والمقصود أن الهوى من جملة السلوك الفطرية عند الإنسان، وهذا أمرٌ ضروريٌ وملازم وليس مكتسباً، ولذلك لا يذم مطلقاً ولا يمدح مطلقاً، وهنا يأتينا إشكال؛ وهو أننا وجدنا آيات في القرآن الكريم مفادها ذم الهوى مطلقاً فما هو وجه التوفيق بين هذا وبين ما تقدم؟ قال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥] وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] وكذلك ما جاء في السنة وكلام الصحابة والعلماء كما سيأتي. قال ابن القيم ﵀ في كلام له في رفع هذا الإشكال: ولما كان الغالب على متبع هواه وشهوته أنه لا يقل فيه عن حجم المنتفع به -يعني: المنتفع بهواه، أي أن الإنسان يمكنه أن يوجه الهوى توجيهاً ينتفع به منه- لكن لما كان الغالب على متبعي الهوى أنهم لا يقفون عند حد الانتفاع بل يتعدون -أطلق ذم الهوى؛ لأن الغالب هو استعماله واتباعه فيما يضر، ولذلك أطلق في عدد من النصوص ذمه بدون تفصيل لعموم غلبة الضرر، مثل الشهوة والغضب، فأنت ترى في كثير من النصوص ذم الشهوة مطلقاً، وهناك شهوة مباحة ومستحبة وهناك غضب محمود وذلك لأنها غالباً لا تنفع وإن لم تكن كلها أضرار، وبهذا يحصل التوفيق وتفهم القضية ويندر من يقصد العدل في هذه الأمور ويقف عندها؛ ولذلك لا تكاد تجد الهوى في الكتاب والسنة إلا مذموماً، وعندما ذكر الهوى في السنة بذم جيء به مقيداً، كما جاء في الحديث الذي صححه بعض أهل العلم وضعفه بعضهم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) فإذا كان هواك تبعاً لما جاء به النبي ﵊ كان هوى محموداً.

стр. 6837

الهوى في الكتاب والسنة وعندما كان صاحب الهوى منه إما محباً للخير حاضاً عليه، وإما مريداً للشر حاضاً عليه، وتجد أن الله يصف الهوى في أكثر الآيات للكفار: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ [الأنعام:١٥٠] ﴿قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام:٥٦] ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] والمقصود بهذه الآيات نوع من الكفار هم أهل الكتاب: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٤٨] ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى:١٥] ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣]. وقد جاء في الحديث نسبة الهوى إلى صاحبه كما قال: (والعاجز من أتبع نفسه هواها) مع تقصيره في طاعة الله واتباعه للشهوات لا يستعد ولا يعتذر ولا يرجع بل يتمنى العفو والجنة، مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار. (العاجز من غلبت عليه نفسه فأعطاها ما تشتهيه). قال الحسن: [إن قوماً لهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لقوا حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب فإنه لو أحسن الظن أحسن العمل. ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣]] وجاء في الحديث الصحيح في الحوار بين حذيفة وعمر لما روى حذيفة ﵁ حديث عرض الفتن على القلوب عوداً عوداً، وكيف يصبح قلب المؤمن في النهاية بعد التمحيص أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والقلب الآخر الذي نكتت فيه نكتة من المعصية على نكتة أخرى من معصية أخرى على ران يعلو القلب، قال: (والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) فأضاف الهوى إلى القلب، وأضاف الله الهوى دون أن ينقصه إلى الكفار لأن أهواءهم ليست على الحق بخلاف المؤمن فإن هواه موافق للحق، وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر، فالكافر هواه كله باطل، والمؤمن قد يرتقي هواه حتى يصير تابعاً لما جاء به النبي ﵊، فإذا مال إلى شيء كان ذلك الشيء سنة وطاعة وعلى أدنى الأحوال مباح فهوى المؤمن إذا ارتقى يصبح موافقاً لما في الكتاب والسنة. ومما ورد من استعمالٍ في الهوى الذي لا يذم ما تقدم كما في حديث عائشة ﵂ قالت: (كنت أغار على اللاتي يهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] وأيضاً قال الله له: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] قالت عائشة: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك). وفي صحيح مسلم في قضية الأسرى بعد معركة بدر قال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وعمر -لوزيريه- مستشيراً: (ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ بهم الفدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان -نسيب لـ عمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء قمة الكفر وصناديدها، قال عمر: فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت). إذاً: مال إلى قول الصديق، وسماه هوى مع أنه أخذ به لمصلحة الإسلام في ظنه، وليس لأجل اتباع الهوى المخالف للحق، فكان ذلك الاجتهاد من النبي ﵊ وصاحبه: نأخذ ما ننتفع به من المال منهم ليس لجيوبنا بل لمصلحة الإسلام، ولعل الله أن يهديهم فيموتوا على الإسلام بدلاً من أن نقتلهم على الكفر، هوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر الصديق، فنزل القرآن مصوباً لرأي عمر ﵁؛ لأنه ليس له أي مدخل في الدنيا، وإنما ضرب الرقاب إثخاناً لهؤلاء الكفار لتنكسر شوكتهم، وقدم على أخذ الأموال وإطلاق هؤلاء الذين ربما يعودون في الجيش القادم ضد المسلمين وتأمل قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه) فقوله ﷺ : (والقلب يهوى ويتمنى) ليس في الشر فقط بل في الخير أيضاً، ولهذا قال بعده: (ويصدق ذلك الفرج ويكذبه) ما هو المنهي عنه بالنسبة لنا الآن وأي هوى الذي ننهى عنه؟ لو نظرنا في المواضع التي نزلت في الكتاب العزيز لعرفنا أننا نهينا عن اتباع الكفار كما تقدم، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] هل هذا مثل الذي يتبع هواه؟ ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] وهذا الاتباع فيه التقصي للشيء من كل وجه؛ لأن الاتباع في الأصل المشي خلف الشيء، فالذي يكون متبعاً لهواه يتأمل دقة العبارة في القرآن وبلاغة القرآن: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨] إذا قلت: فلان اتبع فلاناً، أي: مشى وراءه، واحدة واحدة، حذو النعل بالنعل، فقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] فكأن الهوى هو القائد وهم يسيرون خلفه فيتبعونه، فحيثما مال بهم الهوى مالوا، وحيثما قادهم انقادوا وهكذا. وقد جاءت السنة بهذا التعبير عن أبي أمية الشعباني قال: (سألت أبا ثعلبة القشري فقلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف) هل قوله: (عليكم أنفسكم) يعني: عليه نفسه وما له دخل في الناس إذا رأى منكراً أو خطأ؟ هل هذا معنى الآية؟ كلا، ولذلك قال: (إني سألت النبي ﵊ عنها -فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنياً مفترةً -تقدم على الآخرة- وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه -لا أحد يرضخ لأحد، كل واحد يرى نفسه أنه شيخ المشايخ وأعقل العقلاء وأحكم الحكماء وأذكى الأذكياء، ولا أحد يتنازل عن ذلك- فعليك بنفسك ودع عنك العوام) الآن يطبق عليك عندما لا يوجد مجال إلا هذا فسدت الدنيا وفسد الجو المحيط والبيئة وكل واحد متبع هواه والشر منتشر والدنيا مقدمة، وكل إنسان معجب برأيه فلا فائدة إذاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أغلقت الأبواب سيأتي وقت يمر على البشرية بهذه الطريقة وبهذه الصفات، فعليك نفسك عندئذٍ، فنحن الآن نقترب من هذه المرحلة؛ لكن -الحمد لله- ما وصلنا إليها ولا زلنا نرى نتيجة من الدعوة، ونتيجة من النصيحة، ونتيجة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك تأثر من بعض الناس وإن كانوا أقلية؛ لكن هذا موجود، وهناك أناس من المؤمنين سيصلون إلى مرحلة هذه حالها، قال: (فإن من ورائكم أيام صبر، الصبر فيها مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، قالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم). وقال النبي ﷺ : (إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى) وهو حديث صحيح فقيد الهوى بمضلات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، كل إنسان في نفسه هوى وشهوة، فهل يعاقب لأن في نفسه هوى وشهوة؟ هل يطلب من كل إنسان أن يستخرج الهوى والشهوة من نفسه وينبذها خارجاً؟ الجواب لا. ولا يستطيع، يعني: لا يأثم على وجودها وليس مطالباً بإخراجها لأنه لا يمكن انتزاع الهوى والشهوة من النفس وإسقاطهما، ولذلك قال شيخ الإسلام: "ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليها، بل على اتباعه والعمل به" إذا صار يتبع شهوته في كل شيء، ويتبع الهوى في كل شيء فالعقوبة على الاتباع لا على نفس الشهوة، وهذا كلام دقيق موزون، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة لله وعملاً صالحاً، وكان في جهاد: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] ولهذا قال النبي ﷺ : (ثلاث مهلكات: شحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء

стр. 6838

موقف الشريعة من الهوى ما هو موقف الشريعة من الهوى؟ عندما خلقت النفس في الأصل جاهلة ظالمة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] فلجهلها تظن أن شفاءها في اتباع هواها، وإنما هو أعظم داءٍ فيه تلفها، وتضع الداء موضع الدواء، والدواء موضع الداء، وكله بسبب الظلم والجهل والهوى فيتولد بذلك عللٌ وأمراض، كيف لو أن إنساناً داوى نفسه بشيء ٍيجلب له المرض، وداء المنية كانت هي الداءُ، كيف سيكون حاله؟ فيتولد من ذلك عللٌ وأمراض، وهي مع ذلك تبلغ نفسها وتلوم ربها بلسان الحال، وقد تصرح باللسان ولا تقبل النصح في ظلمها فتقول النفس لله: أنت قدمت علي، وأنت كتبت، وأنت كذا وأنا بريئة، وأنا مغصوبة وأنا مجبورة مع أنها تملك الإرادة في الاختيار وفيها قوة الممانعة والمداهنة. فهاتان الخصلتان: الظلم والجهل هما أساس كل شرٍ عند الإنسان، ولا يظن ظان أن ظلم الإنسان وجهله يكون في حق غيره بل إن أول من يتضرر بهذا هي نفسه التي بين جنبيه، والتشريع إنما جاء لإصلاح الإنسان في دنياه وآخرته ولصلاحه كذلك، وأما هواه المبني على الظلم والجهل فلا يمكن أن يحقق له سعادة في الدنيا ولا في الآخرة، فإذا علمت حقيقة التضاد بين الهوى والشرع، وحقيقة الظلم والجهل في النفس، وأن والهوى مركب فيها، وأن التشريع جاء لإصلاحها فمن المتوقع أن يحدث هناك تعارض بين الشرع وبين النفس، لأنك تهوى وتجهل وتظلم، والشرع يريد صلاحاً وإصلاحاً وعدلاً فمن المتوقع أن يحدث اصطدام بين الشرع والنفس، وهذا الحق والشرع واتباع الهوى نقيضان لا يجتمعان، فحيث يأتي الأمر باتباع الشرع، يأتي النهي عن اتباع الهوى، هاتوا دليلاً من القرآن الكريم نجد فيه أن الأمر باتباع الشرع جاء مقروناً بالنهي عن اتباع الهوى، هاتوا دليلاً من القرآن الكريم؟ وهنا تصريح باتباع الشرع وأعقبه بالنهي عن اتباع الهوى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]. والشرع يأتي مناقضاً للهوى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] وجاء هذا التحذير للأنبياء السابقين: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] قال الشاطبي: "حصر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما". يعني: لا يوجد إلا شريعة وهوى ولا يوجد شيء ثالث، وإذا كان كذلك فهما متضادان، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده وهو الباطل، فاتباع الهوى مضاد للحق. وقال شيخ الإسلام ﵀ في فصل تعارض العقل والنقل في الوجه السادس والستون: أخبر سبحانه أن كل حكم خالف حكمه الذي أنزله على رسوله فهو من أحكام الهوى لا من أحكام العقل، وهو من أحكام الجاهلية لا من أحكام العلم والهدى، فقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٤٩ - ٥٠] فأخبر : أنه ليس وراء ما أنزله إلا اتباع الهوى، فإذا رغب عن اتباع ما أنزله الله سيقع حتماً في اتباع الهوى، وإذا تعدى ما أنزل الله؛ حتماً سيقع في اتباع الهوى الذي يضل عن سبيله وليس وراء حكم الله إلا حكم الجاهلين -وقد كان شيخ الإسلام يحارب في جبهة المنطق وعلم الكلام يحاربهم ويقف ضدهم فكان يقنعهم يقول يعني: غير النصوص الشرعية اتباع الهوى- فهذه الأشياء التي تخالفون إنما هي قواعد فلسفية بل هي اتباع هوى ضلال، وكل هذه الآراء والمعقولات المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ هي من قضايا الهوى وأحكام الجاهلية وإن سماها أربابها بالقواطع العقلية والبراهين اليقينية -كما فعل الأشاعرة - وتحاكموا إليها، والنص إذا خالف القواطع العقلية والبراهين اليقينية يؤول ويسمى بغير اسمه. كتسمية المشركين أوثانهم وأصنامهم آلهة، وتسمية المنافقين السعي في الأرض بالفساد، وصد القلوب عن الإيمان إصلاحاً وإحساناً وتوفيقا. وقال الشيخ ابن باز ﵀ في نصيحة له لعموم المسلمين قال في أولها: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يرى هذا الخطاب من المسلمين سلك الله به السبيل إلى المسلمين، وأعاذني وإياكم من طريق المغضوب عليهم والضالين آمين، قال في نصيحته: وكل من أعرض عن القرآن والسنة فهو متابعٌ لهواه عاصٍ لمولاه، مستحقٌ للنقد والعقوبة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] وقال تعالى في نقص الكفار: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣].

стр. 6839

اتباع الهوى يطمس نور القلب ويصد عن الحق واتباع الهوى -والعياذ بالله- يطمس نور القلب ويصد عن الحق، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] فاحذروا -رحمكم الله- من اتباع الهوى والإعراض عن الهدى وعليكم بالتمسك بالحق والدعوة إليه، والحذر ممن خالفه لتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة. وهذه القضية -أيها الإخوة- متفقة مع فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وبدون مخالفة الهوى تفسد السماوات والأرض، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ولهذا كان من مقاصد الشرع تعبيد الناس لرب العالمين وتخليصهم من رق الهوى وأسره. قال الشاطبي ﵀: المقصد الأصلي من وضع الشريعة في هذه الأحكام، إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبدٌ لله اضطراراً. الآن نحن هل نستطيع الخروج عن الكون إطلاقاً؟! لا. فنحن عبيد غصباً عنا من هذه الناحية، فهل يمكن أن تخرج عن نواميس الله الكونية؟ لا يمكن، فأنت رغماً عنك عبد، لكن ممكن أن تعصي الله وممكن أن تفعل المنكرات والمحرمات، والشرع جاء ليجعلك متبعاً لهدى الله اختياراً كما أنك عبدٌ له اضطراراً، فالآن الكفار عبيد لله بالاضطرار، فإذا أراد أن يمرضهم أمرضهم رغماً عنهم، وإذا أراد أن يحضرهم أحضرهم غصباً عنهم، وإذا أراد أن يميتهم قبض أرواحهم رغماً عنهم، فهم عبيدٌ رغماً عنهم، من هذه الجهة جهة اضطرار، لكن الشريعة لا تريد العبودية من جهة الاضطرار فقط، بل تريد أيضاًَ أن تكون عبداً من جهة الاختيار، فيصلي لله بنفسه، ويزكي بنفسه، ويذكر بنفسه، ويدعو بنفسه، ويترك الحرام اختياراً منه، فيؤجر، حتى يعبد الله اختياراً كما أنه يعبده اضطراراً. فالشريعة جاءت بتعبيد النفس لله، ولذلك تجد أن الشريعة لا تأمر بأشياء تهواها النفس أصلاً، ليس هناك أوامر كثيرة في القرآن الكريم والسنة تقول: لا تنسوا الأكل، عليكم بالأكل والمأكولات، وعليكم بالشرب، يا أيها الناس! الشرب والشراب، من شرب فله كذا كذا حسنة، انكحوا ومن نكح فله كذا كذا، اشتروا وحصلوا الأموال، من حصل الأموال فله كذا، لماذا لم تأت الشريعة بنصوص من هذا النوع؟ وإنما تجد شيئاً شاقاً وثقيلاً على النفس؛ فكم من نصٍ ورد في الصلاة وكم من نص ورد في الجهاد! لأنها ثقيلة على النفس، لكن الأشياء الخفيفة التي تهواها النفس بطبيعتها هل تجد فيها آيات كثيرة؟! هل تجد آيات كثيرة تحث على الأكل والشرب والنوم والنكاح والبيع والشراء؟ لا. لماذا؟ لأن هوى العبد معه، فلا يحتاج إلى مؤكدات ومحفزات ومرغبات فيه، لكن الأشياء التي تخالف حظ النفس كالصلاة والجهاد والصيام وإخراج الأموال والصدقات والبذل والتضحية وردت فيها النصوص الكثيرة والمرغبات؛ لأن الشريعة تريد أن يكون العبد متبعاً لمولاه لا متبعاً لهواه، وأن يكون عبداً اختياراً كما هو عبدٌ اضطراراً.

стр. 6840

أقوال العلماء في الهوى قال ابن القيم ﵀: ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم، وكان كل وقتٍ تحدث عليه حوادث جعل فيه حاكمان: حاكم العقل، وحاكم الدين، وأمره أن يرفع حوادث الهوى دائماً إلى هذين الحاكمين، وأن ينقاد لحكمهما. والمقصود العقل المتبع الموافق للشرع وليس العقل المخالف للشرع، فالمخالف للشرع ليس بعقل في الحقيقة، وإنما سمي العقل عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره. وقال الماوردي ﵀ في كلام نفيس له: فلما كان الهوى غالباً، وإلى سبيل المهالك مورداً؛ جُعل العقل عليه رقيباً مجاذباً، يلاحظ عثرة غفلته، ويدفع ذاكرة خطوته، وخداع حيلته؛ لأن سلطان الهوى قوي، ومدخل مكره خفي، ومن هذين الوجهين يؤتى العاقل حتى تنفذ أحكام الهوى عليه؛ قوة السلطان وخفاؤه. أما الوجه الأول: فهو أن يقوى سلطان الهوى بكثرة دواعيه حتى يستولي عليه -أي: على العقل- مغالبة الشهوات، فيكل العقل عن دفعها، أي: أن أي إنسان واحد يمكن أن يكون عنده عقل يدفع به الشهوة، لكن إذا كثرت الشهوات سيتعب العقل من الدفع والدرء فيخف سلطانه ويقوى الهجوم فيضعف عن المنع فيقع، مع أنها واضحة في العقل أنها غلط، قال: وهذا يكون في الأحداث أكثر، وعلى الشباب أغلب، لقوة شهواتهم، وكثرة دواعي الهوى المتسلط عليهم، وإنهم ربما جعلوا الشباب عذراً لهم، وفعلاً تجد بعض الناس يقول: يا أخي! نحن شباب، وبعض الآباء أيضاً يعذرون أبناءهم الشباب بهذه فإذا عوتب بتصرف ولده الخطأ قال: هذا شاب مراهق، هذه الفترة لا بد منها، وماذا يعني لا بد منها؟ كأن يقول: لا تؤاخذ هذا الولد الشاب، فيقول الماوردي إنهم ربما جعلوا الشباب عذراً لهم، كما قال محمد بن البشير: كلٌ يرى أن الشباب له في كل مبلغ لذةٍ عذرا كلما أراد أن يتبع لذة محرمة هونت عليه القضية أنه شاب، يقول: مازال شاباً صغيراً اصبر عليه، الآن يلعب ويلهو في الحرام لأنه شاب. قال: وحسم ذلك أن يستعين بالعقل على النفس النفورة. أي: نحن في تربية الشباب لا بد أن نقوي عندهم داعي العقل الذي يعني: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: طريق الخير وطريق الشر، فيعرف الحق والباطل، الطاعة والمعصية، يعرف ما يضره وما ينفعه، على الأقل يعرف الشيء الذي يضر والشيء الذي ينفع، هذا الميزان والقوة التي في النفس، وقوة العقل إذا نميناها عند الشباب يصير عنده مركز تحكم قوي وعنده مقاومة قوية، أما إذا كان داعي العقل عنده ضعيف ولا يميز بين ما يضره وينفعه وليس عنده تلك القوة والسلطان، فعند ذلك إذا اجتمعت عليه الشهوات غلبت عقله الضعيف المسكين. قال: وحق ذلك أن يستعين بالعقل على النفس النفورة، فيشعرها ما في عواقب الهوى من شدة الضرر، وقبح الأثر، وكثرة الإجرام، وتراكم الآثام، أي: يقال له: فكر! أنت الآن عندما تذهب تتابع الفتيات بالحرام ثم تقع في الزنا والفاحشة، أليس ذلك ضرراً عليك؟ هتكت عرضاً والله يغار أن تنتهك حرماته فتسببت في إنجاب ولد حرام فضيحة عليك وفضيحة عليها، وسمعتك تتلوث، وتجلب لنفسك المرض، وتفعل وتفعل، يعني: هذه الأشياء فيها تربية، وداعي العقل، هي أن تفكر وتستعمل العقل، فكر ما حالك في القبر؟ يوم القيامة وأنت في تنور من نار، وفي عذاب الزناة، فماذا تختار؟ لقد قال النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) وأخبر أن الطريق إلى الجنة احتمال المكاره، لا يمكن اختراق الجنة إلا عبر المكاره، ولابد أن تتحمل لتصل، والطريق إلى النار اتباع الشهوات، لا أحد يصل إلى جهنم إلا على جسرٍ من الشهوات؛ لأنه قال: (حفت النار بالشهوات) الذي يدخل النار لابد أن يكون متبعاً للشهوات، حفت الجنة بالمكاره، ولن تنال إلا على جسر من التعب باتباع الهدى وترك الهوى واجتنابه. إذاً: لابد أن نركز على هذا حتى يثمر العقل، فنقول للشباب والشابات ذكوراً وإناثاً: فكر بالعواقب والنتائج والمآلات، هذه المسألة فإذا انقادت النفس للعقل بما أُشعرت من عواقب الهوى لم يلبث الهوى أن يصير العقل مشهوراً وفي النفس مقهورا، ثم له الحظ الأوفر في الثواب الصالح وثناء المخلوقين، فالشاب يقول: أنا لو اتبعت الهدى فسأنال ثواب الله وثواب المخلصين، وإذا اتبعت الهوى يحصل علي كذا، في الدنيا فضيحة ومرض الخ، وفي الآخرة سخط الله والعذاب الأليم. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]. وقال الحسن البصري: أفضل الجهاد جهاد الهوى. وقال بعض الحكماء: أعز العز الامتناع من ملك الهوى. وقال بعض البلغاء: خير الناس من عصى هواه بطاعة ربه. وقال بعض الأدباء: من أمات شهوته أحيا مروءته. وطبعاً ليس المقصود بإماتة الشهوة المباحة والمستحبة، كلا، هي توجيه وعملية تنظيم وضبط الغريزة. وقال بعض العلماء كلاماً بليغاً: ركب الله الملائكة من عقل بلا شهوة، وركب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما فمن غلب عقله على شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته على عقله، فهو شر من البهائم. وقيل لبعض الحكماء: من أشجع الناس وأحراهم في الظفر في مجاهدته؟ قال: من جاهد الهوى طاعة لربه، واحترس في مجاهدته من ورود خواطر الهوى على قلبه. قد يدرك الحازم من رأى المنى بطاعة الحزم وعصيان الهوى قال الماوردي: وأما الوجه الثاني: فهو أن يخفي الهوى مكره حتى تتموه أفعاله على العقل، يعني: ليس كل حرام يأتي إلى الإنسان واضحاً وصريحاً، الهوى يستعمل أسلوب اللف والدوران والإخفاء والتدبير والتمويه والتغريب في قالبٍ يحبه الناس. والهوى يموه فيتصور القبيح حسناً، والضار نفعاً، وهذا يدعو إليه أحد شيئين: إما أن يكون للنفس ميلٌ إلى ذلك الشيء، فيخفى عنها القبيح لحسن ظنها، وتتصوره حسناً لشدة ميلها، ولذلك قال النبي ﷺ : (حبك الشيء يعمي ويصم) أي: يعمي عن الرشد ويصم عن الموعظة، وضبطها شيخٌ لي في النحو قرأت عليه: يعمي ويصمي. وقال علي ﵁: الهوى عمى. وأما السبب الثاني: فهو اشتغال الفكر في تمييز ما اشتهى، فيطلب الراحة في اتباع ما تسهل حتى يظن أن ذلك أوثق الأمرين، وأحمد الحالين، اغتراراً بأن الأسهل محمود والأعسر مذموم، فلا يعدم أن يتورط بخدع الهوى، وريبة المكر، في كل حسن ومكروه. ولذلك قال عامر بن الطلق: الهوى يقظان والعقل غلب فهذا سبب نجاح عملية التمويل، فالهوى يقظان والعقل راقد والنفس تطلب الأسهل. وقال سليمان بن وهب الهوى أمنع، والرأي أنفع. وقيل في المثل: العقل الوزير الناصح، والهوى وكيل فاضح. كيف نتغلب على السبب الأول وعلى السبب الثاني؟ التغلب أن يجعل فكر قلبه حكماً على نظر عينه، فإن العين رائد الشهوة، والشهوة من دواعي الهوى، والقلب رائد الحق، والحق من دواعي العقل. وقال بعض الحكماء: نظر الجاهل بعينه، ونظر العاقل بقلبه، يعني أن الجاهل يبنى أنه حسن أو لا بالشيء السطحي الظاهر أمام العين، العاقل أو الذي سوف ينجو ينظر بعقله لا بعينه، ولذلك ممكن يكون أعمى وهو نادر، ثم يتهم نفسه في فوات ما أحبت وتشتيت ما اشتهت، إذاً من الطرق الكبيرة لمعالجة الهوى أن تنظر أين ميل نفسك، إذا رأيتها تميل في اتجاه معين اتهم نفسك وشك فيها أنها تريد هذا وهو محرم، أو فيه أمر لا يرضاه الله، ولذلك مالت إلى نفسك، فخالف الأصل فاتهم نفسك فيما أحبت وما اشتهت. ثم انظر إذا صرت بين أمرين أيهما أثقل على النفس، فإن النفس عادة تريد الأسهل؛ لأن النفس عن الحق أنفر، وللهوى آثر؛ ولذلك قال العباس: إذا اشتبه عليك أمران فدع أحبهما إليك وخذ أثقلهما عليك، والثقيل يبطئ النفس وتظهر القضية بشكل أوضح مع البطء. وقال علي ﵁: [من تفكر أبصر، والمحبوب أسهل شيء تسرع النفس إليه، وتعجل بالإقدام عليه، فيكون استدراك ولا ينفع التفكير بعد العمل، ولا الاستبانة بعد الفوز -إذاً: خرجنا الآن بأمرين فانظر ما تميل إليه نفسك فخالفه- وإذا تعرضت لأمرين فانظر أثقلهما عليك فرجح أن يكون فيه الصواب وأخفهما على نفسك فشك ورجح أن هذا فيه الخطأ والباطل]. إذا نظرنا إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] أي: اتخذ دينه هواه، لا يهوى شيئاً إلا ركبه، فهؤلاء الكفار لا يؤمنون بالله، ولا يحرمون ما حرمه، ولا يحللون ما أحله، إنما دينهم اتباع الهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] لا يهوى شيئاً إلا ركبه، ولا يخاف الله، هذه بعض عبارات المفسرين في تفسير هذه الآية، حتى كان الواحد من العرب الكفار يعبد حجراً، فإذا رأى حجراً أحسن منه طرح الأول وعبد الثاني، لماذا؟: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] أفرأيت -يا محمد- من اتخذ معبوده هواه فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحق الذي له ملكية كل شيء ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] فليس في علمه طريق حقٍ يسير فيه. وحق الهوى أن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما وجد الهوى ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله، ألا ترى أنه جعل الضلالة والحيرة فيمن أضله عن علم: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] وهذا أشد شيء، ألا ترى أن العاشق من شدة إعجابه يكاد يعبد المعشوق. ألا ترى أن أهل البدع لبس عليهم وأضلهم الله وبعضهم على علم، هل تظن أن شيوخ أهل البدع لم يطلعوا على كلام أهل الس

стр. 6841

التوحيد والهوى متضادان التوحيد والهوى متضادان، كما قال ابن القيم: فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه حتى في هواه، وإنما بعث رسول الله ﷺ لكسر الأصنام وعبادة الله، وليس مراد الله كسر الأصنام المجسدة وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلب أولاً -لاحظ العبارة- الرسول ﵊ بعث لكسر الأصنام، هناك أصنام في القلب، وأصنام في الواقع، فمن القصور الشديد تكسير الأصنام التي في الواقع وفي الخارج وترك الأصنام التي في الداخل، وكل واحد عنده هواه صنماً في قلبه يعبده ويتبعه، يتبع هواه، ولذلك قالوا: صنم كل إنسان هواه، وتأمل قول الخليل لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] كيف تجده مطابقاً للتماثيل التي يهواها القلب؟ ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان:٤٤] وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] وسنأتي على شرح هذا المثل إن شاء الله. فاتبع هواه في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات والنذر فمثله في الخسة كمثل الكلب في أخس أحواله، وفي عدم التأثر بالمواعظ والبقاء على الضلالة، إن تحمل عليه وتزجره يلهث، أو تتركه من غير زجر يلهث، ولذلك قيل: كل حيوان يلهث من تعبٍ أو عطشٍ سوى الكلب فإنه يلهث بكل حال من الراحة والشدة والعطش والشبع والري والجوع، الكلب يلهث في كل حال، قال: وكذلك متبع هواه يلهث على غرض نفسه، ويتعطش إلى الدنيا وإلى الحظ العاجز ولا يلتفت إلى الوعظ ولا إلى غيره, فانظر حب الدنيا ما يفعل بالعلماء: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] عالم ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] نزول هائل جداً، من عالم إلى كلب. كيف ولماذا؟ آتيناه آياتنا لكنه أعرض عنها وانسلخ، والسلخ الفصل التام وانظروا إلى التعبير القرآني! انسلخ بحيث لا تقع مماسة مع أي شيء انسلخ ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٦] هذا الانحدار كيف يصبح قبيحاً جداً، فعلى الإنسان ألا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالاً منه، فإن الحيوان يميز بطبعه بين مواقع الضرر ومواقع المنجى، وترى بعض الحيوانات لا يأكل أشياء؛ لأنه يعلم أن هذا ضرر عليه إن أكله، والإنسان قد أعطي عقلاً فالواجب عليه أن يميز بين ما يضره وما ينفعه، وكيف يكون الحيوان البهيم أحسن حالاً منه؟ والبهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح ما لا يناله الإنسان مع عيشٍ هنيءٍ خالٍ عن الحزن والهم، البهيمة لا تصوم في الحقيقة، ولا تعاني من هم ولا غم، ولذلك تساق إلى منحرها وهي منهمكة على الشهوات لفقدان العلم بالعواقب، ولا تعرف ماذا يحدث بعد الذبح؟ والآدمي لا يناله ما ينال الحيوان لقوة الفكر الشاغل، فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس منه حق الآدمي الذي هو خلاصة العالم ولأعطي الإنسان من القوة للشهوات كالبهيمة وأكثر من ذلك. ثم لنتأمل حديث الصحيحين في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله نحن نتكلم عن الهوى في النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، وعرفنا ماذا قال تعالى في موضوع الهوى وعرفنا قول الله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] ثم عرفنا من مثال الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه، نأتي على حديث في الصحيحين في موضوع الهوى ونتأمل الأحوال التي تتعلق بالهوى، وموقع ابن آدم منها: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) إذا تأملت السبعة كما يقول ابن القيم ﵀ الذين يظلهم الله في العرش يوم لا ظل إلا ظله، وجدتهم نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى فإن الإمام العادل صار عادلاً عندما خالف هواه، وإلا لبطش وسرق ونهب وضرب، والشاب المؤثر لعبادة الله نشأ في طاعة الله، وما استطاع أن يصل إلى هذا إلا بمخالفة هواه، والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد لولا مخالفة هواه لصار قلبه معلقاً بالمسارح والأغاني والأسواق، وصور النساء والأشكال الجميلة، وكذلك المتصدق لولا مخالفة هوى النفس الداعية للشح والبخل ما أخرج، فكيف وقد أخرج إخفاءً حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وذلك الذي دعته المرأة الجميلة فخالف هواه مخافة لله، وهذا الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه إنما أوصله إلى هذه المرحلة التي يخشع بها لهذه الدرجة مخالفة الهوى. فلذلك كان حر الموقف بعيداً عنه، وشدة الموقف زائلة عن هؤلاء.

стр. 6842

أسباب اتباع الهوى

стр. 6843

التربية من الصغر على اتباع الهوى هناك أسباب تنشأ منذ الصغر وتكبر مع الإنسان، فعدم التعود على ضبط الهوى من الصغر سبب في التمادي في اتباع الهوى؛ لأن الإنسان قد يلقى من أبويه صغيراً حباً مفرطاً وحناناً زائداً؛ بحيث يطغى هذا الحب والحنان على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لا بد منها لتنظيم الضرائر والنوافع ومقاومة الهوى، وكثير ما يلاحظ تفريط بعض الآباء والأمهات في هذا، من حيث ترفيه الولد وجعله يفعل ما يشاء ويرخي له العنان ليختار ما يشاء، وتلبى كل رغباته، وهذه تربية فاسدة. يا أخي: إذا لم نحرم الأولاد من شيء أبداً، ولم نقف في طريقهم لنيل مطلوب نفسي عندهم أبداً، ونلبي كل ما يطلبون، ولا نقف عائقاً في طريق ما يشتهون، نكون قد أضررنا بهم، وربيناهم على اتباع الهوى منذ الصغر، ولذلك القضية في اتباع الهوى تنشأ منذ أن يقوم الأب بترفيه الولد وإعطائه ما يريد من البداية، يريد مالاً أعطيناه، يريد جوالاً أعطيناه، يريد دشاً ركبناه له، يريد سيارة أعطيناه، والبنت نفس الشيء تريد أن تتسلى على الدش ورسيفر والجوال، نحن تحت الخدمة. إذاً: نحن منذ أن ننشئ أطفالنا ويكبروا ويصبحوا شباباً على مبدأ: (خذ) وبالذات إذا كان الأب مقتدراً وغنياً، بل يقول لك: أنا أقطع لقمتي لأعطي ولدي، جزاك الله خيراً، لكن ماذا تعطيه؟ لقمة يأكلها بالحلال فهذا حسن، لكن إذا قلت: أعطيه أي لعبة، فهل فكرت هل هذه اللعبة حلال أو حرام؟ يريد أن يعمل شيئاً، هل فكرت أن هذا الشيء حلال أم حرام؟ وإذا نام عن صلاة الفجر قالوا: دعوه يرتاح مسكين تعبان، فنحن الذين ربيناهم على اتباع الهوى في ذلك، وجعلناهم يمشون على هذا المبدأ منذ الصغر. قال الشيخ محمد قطب في منهج التربية الإسلامية: والأم التي ترضع طفلها كلما بكى لكي يسكت، أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكي تضره بذلك؛ لأنها لا تعينه على ضبط رغباته، ولا تعوده على ذلك الضبط من صغره فلا يتعود في كبره، ومن منا تتركه ظروفه الصعبة في حياته لرغباته يشبعها كما يشاء، وذلك فضلاً عن أن المسلم بالذات ينبغي أن يتعلم الضبط، ويتعوده منذ باكر عمره؛ لأن الجهاد في سبيل الله لا يستقيم بالنفس التي لا تستطيع ضبط رغباتها فتنساق معها، وكيف يمكن الجهاد بغير ضبط الشهوات والرغبات، حتى وإن كانت في دائرة المباح الذي لا حكم فيه في ذاته؛ لكنه قد يصبح إثماً فيما يشغل عن الجهاد المباح يصبح إثماً حينما يشغل عن الجهاد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤] فكل ما ذكرته الآية ليس محرماً في ذاته، فالمساكن ليست حراماً في ذاتها، وتجارة تخشون كسادها ليست حراماً في ذاتها، كلا، لكنه صار فسقاً وحراماً حين أصبح سبباً في القعود عن الجهاد في سبيل الله، وحين رجحت كفته في ميزان القلب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، فما الوسيلة للاستقامة على دين الله إلا ضبط هذه الرغبات والاستغناء عنها حين تحول بين الإنسان وبين سبيل الله. ألا ترون أن صحابية جليلة أخبرتنا بأنهم كانوا يُصوِّمون صبيانهم الرضع في عاشوراء، أي: على أقل يوم في السنة وإذا بكوا أعطيناهم اللعب من العهن ينشغلوا بها حتى وقت المغرب. حتى الرضع كانوا يصومونهم في عاشوراء. قال: والضبط مقدرة يتدرب الإنسان عليها، وعادة يتعلمها، وكلما تدرب عليها وهو صغير كان أقدر عليها، وأكثر تمكناً منها فيجدها حاضرة في أعقابه حين تفجعه الأحداث؛ لأنه متدرب، كما قال بعضهم: إنه كان يرافق شيخاً فأراد في طريقه أن يشرب من بئر فقال: اصبر إلى البئر التي تليه، فلما وصل البئر التي تليها أراد أن يشرب قال: اصبر إلى البئر التي تليها، وهكذا ثم تركه يشرب في النهاية وقال: عود نفسك أنه ليس كل ما دعت النفس مباشرة تستجيب، أحياناً احرمها من بعض الأشياء بما لا يضرها، لكن بحيث يرق ذلك في نفسك قدرة على الاستغناء عن الشيء المباح في حالة عدم وجوده. ومن أسباب فشل أولادنا في المجتمع أنه متعود أن يلبى له كل طلب، إذا خرج المجتمع ووجد الحياة صعبة وأنه في الوظيفة يحرم من أشياء، ويخصم منه أشياء، ويطرد من أشياء ويجد كلمة غليظة فلا يتحمل العمل؛ لأنه تعود على إعطاء كل شيء على هواه، وكذلك تجد بعض أولاد الأغنياء إذا افتقر أبوه فجأة أو مات وضاعت الأموال لا يستطيع أن يعيش، متعود على مستوى ثانٍ، والبنت إذا خرجت من عند أبٍ يدللها بأي شيء إلى زوج قليل ذات اليد لا تستطيع أن تعيش، فتطلق بعد وقت قصير، لنفس السبب.

стр. 6844

مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم ثانياً من أصل أسباب اتباع الهوى: مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم، ذلك أن العواطف والدوافع تنمو بالمجالسة وطول الصحبة، فمن لزم مجالسة أهل الهوى، وأدام صحبتهم فلا بد أن يتأثر منهم، لا سيما إن كان ضعيف الشخصية وعنده قابلية للتأثر بمن حوله دون تساؤل، ولذلك كان السلف ينهون عن مجالسة أهل الأهواء، والمقصود بهم أهل البدع الذين يتبعون أهواءهم في العبادة، وأهل البدعة أناس أصحاب عبادة لكن يتبعون أهواءهم في العبادة فلا ينضبطون بأدلة الشريعة ويخترعون عبادات ويضلون بها. قال: أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون. وقال الحسن بن سيرين: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوهم.

стр. 6845

ضعف اليقين والمعرفة بالله ثالثاً: من أسباب اتباع الهوى: ضعف المعرفة الحقة بالله والدار الآخرة، فإن الله أسرع الحاسبين وله الحكم والذي لا يقدر ربه حق قدره، لا يبالي إذا أغضبه وإذا عصاه وإذا خالف أمره، ليس توقير الله وتعظيمه في قلب هذا الشخص كبيراً، ولذلك لا يبالي بمخالفته، ولذلك فإن الله وعظ هؤلاء فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] لو قدروا الله حق قدره ما اتبعوا الكفر والهوى وخالفوا وعصوا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].

стр. 6846

التقصير في دعوة أهل الأهواء إلى الله رابعاً: تقصير الآخرين بالقيام بواجبهم نحو صاحب الهوى يؤدي إلى المزيد من اتباعه؛ لأن صاحب الهوى إذا رأى استحساناً ممن حوله وسكوتاً، وعدم إنكار، وعدم اعتراض، فإنه يلجأ لذلك تماماً، ويزيد ويمضي حتى يتمكن الهوى من قلبه ويسيطر على سلوكياته وتصرفاته، ولذلك جاء الإسلام بالأصل العظيم في النهي عن المنكر وقول كلمة الحق، وأن الإنسان لا يبالي في الله لومة لائم، وأن يقول الحق ولو على نفسه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء:٦٣] فلما يرى المبتدع أن الناس يقولون للمنكر: لا فإنه يرتدع ويكف ويخفف أو يختفي. أما إذا جاهر وانتشر فإن البعض يتبعه، وخاصة حب الدنيا والركون إليها مع نسيان الآخرة، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨].

стр. 6847

الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى خامساً: الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى.

стр. 6848

أضرار اتباع الهوى وعواقبه ماذا سيترتب من الأضرار والعواقب على اتباع الهوى فلابد من إدراك ذلك فإن قال قائل: ما هي أضرار الهوى وأخطاره حتى نعرف هذه العواقب؟

стр. 6849

اتباع الهوى أصل الضلال فالجواب أولاً: إنه أصل الضلال ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] وفي هذا ظن.

стр. 6850

الصد عن فهم القرآن الثاني: أن الهوى من موانع الانتفاع بالقرآن، ولذلك قال الله عن متبعي الأهواء ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦].

стр. 6851

مشقة التخلص منه ثالثاً: والهوى يعمي ويصم، والتخلص منه صعب. قال الشاطبي في الموافقات: مخالفة ما تهوى النفس شاقٌ عليك، وصعبٌ خروجها عنه، ولذلك بلغ الهوى في أهله مبالغ لا يبلغها غيره، وكفى شاهداً على ذلك حال المحبين، أي: صار العشاق مثل المجانين، عندما اتبعوا أهواءهم فلو تنظر في كتاباتهم وأفعالهم تجدها كأفعال المجانين، وكذلك حال من بعث إليهم رسول الله ﷺ من المشركين فقد أصروا على باطل حتى قدموا نفوسهم وأموالهم في بدر قتلاً وفي غير بدر!! لهذه الدرجة مستعدين أن يقدموا نفوسهم وأموالهم ضد الحق؛ لأن الحق يخالف أهواءهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤].

стр. 6852

فساد القلب رابعاً: اتباع الهوى يفسد القلب، ويحول بينه وبين السلامة. قال ابن القيم ﵀: إن سلامة القلب لا تتم إلا لخمسة أشياء، يعني: لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، فما هو القلب السليم؟ وسليم من ماذا؟ سليم أي: سالم، قال: حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض الاتباع، وهذه الخمسة حجبٌ عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة لا تحصى أفرادها، ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم.

стр. 6853

إفساده لما قاربه وخامساً: أن الهوى ما قارب شيئاً إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة، أي: إذا وقع الهوى في العلم صار طالب العلم مبتدعاً، وصار صاحبه من أهل الأهواء، وإن وقع الهوى في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة، وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم والصد عن الحق، وإذا وقع الهوى في الحكمة خرج ذلك إلى الجور، وإن وقع في الولاية والعدل -أي: الهوى- أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين، فيولي بهواه ويعدل بهواه، وإن وقع في العبادة خرجت عن كونها طاعة، فما قارن الهوى شيئاً إلا أفسده.

стр. 6854

الانسلاخ من الإيمان وسادساً: أنه يخاف على من اتبع الهوى أن ينسلخ من الإيمان وهو لا يشعر؛ لأن النبي ﷺ خشي علينا من مضلات الهوى كما في الحديث المتقدم وكذلك أخبرنا عن الذي انسلخ من آياته واتبع هواه كيف هلك.

стр. 6855

أنه من المهلكات وسابعاً: أن اتباع الهوى من المهلكات، ولذلك قال: ثلاث ملهيات، وثلاث مهلكات. ومن المهلكات هوى متبع، إذاً اتباع الهوى يؤدي إلى الهلاك.

стр. 6856

غلق باب التوفيق وثامناً: يغلق عن العبد أبواب التوفيق، ويفتح عليه أبواب الخذلان، فتراه يلهج بأن الله لو وفقه لصار له كذا وكذا، وقد سد عن نفسه طرق التوفيق باتباع الهوى. قال الفضيل بن عياض: [من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق]. لكن اتبع هواه فصرف الله عنه التوفيق، لا يوفقه باتباع الهوى. وقال بعض العلماء: الكفر في أربعة أشياء: في الغضب، والشهوة، والرغبة، والرهبة، ثم قال: رأيت منهن اثنتين: رجلٌ غضب فقتل أمه -يقول: أنا اطلعت على قصة واقعية أن رجلاً وصل به الغضب لدرجة أنه قتل أمه- ورجلٌ: عشق فتنصر. أي: وقع في الشهوة والهوى حتى أخرجه ذلك عن الإسلام إلى النصرانية، مثلما حصل لذلك الذي كان مجاهداً مع الجيش الإسلامي وهم يحاصرون حصناً للكفار، فاطلعت امرأة من الحصن نصرانية فعشقها من أول نظرة، فدعته فطلب الدخول فأدخلته، فطلب أن يتزوجها، قالت: حتى تتنصر، فتنصر ودخل في النصرانية. قال: وكان رجلٌ يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال: أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بهوى اللذات والدينِ يقول: أهوى هوى الدين أحب الدين، وفي نفس الوقت واللذات تعجبني، فكيف لي بهوى اللذات والدين؟ كيف أجمع بينهم، المشكلة أن بعض الناس يتصور أنه ممكن الجمع بينهما، وهذا من المحال، لا يمكن؛ لأنها متضادة كما قلنا في أول الدرس أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بهوى اللذات والدينِ والمرأة تسمع فقالت: دع أحدهما تنل الآخر.

стр. 6857

التكبر عن الطاعة وتاسعاً: النقصان والتلاشي في الطاعة، تلاشي الطاعة من النفس باتباع الهوى؛ لأن صاحب الهوى يعز عليه ويكبر في نفسه أن يطيع غيره، حتى لو كان خالقه، وبعض الناس الذي أوقعه في الكفر أنه لا يريد أن يستمع أي أمر ولو من الخالق، استكباراً؛ لأن الهوى تمكن من قلبه وملك عليه نفسه، فصار له أسيرا، وموقعاً له في الغرور، والإنسان ليس له قلبان في جوفه، بل إما أن يطيع ربه وإما أن يطيع نفسه وهواه والشيطان.

стр. 6858

الاستهانة بالذنوب والمعاصي عاشراً: الاستهانة بالذنوب والآثام، فإن المتبع للهوى يقسو قلبه، وإذا قسا القلب استهان واستهتر بالذنوب والآثام، ولذلك قيل: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مر على أنفه فقال به هكذا.

стр. 6859

البعد عن الحق وقبوله النصيحة الحادي عشر: يبعد عن قبول الحق والاستماع للنصيحة.

стр. 6860

الابتداع في الدين والثاني عشر: الابتداع في دين الله، وذلك أن صاحب الهوى يميل إلى ما ابتدع وما استحسن ولذلك قال حماد بن سلمة: حدثني شيخٌ لهم تاب -يعني الرافضة - قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً أو فهوينا شيئاً جعلناه حديثاً. والابتداع هو الضلال وكل ضلال في النار، كما أخبر النبي ﷺ .

стр. 6861

التخبط وعدم الهداية إلى الطريق المستقيم الثالث عشر: التخبط وعدم الهداية إلى الطريق المستقيم، فصاحب الهوى لا يوفق للحق؛ لأنه أعرض عن مصدر الهداية والتوفيق، وصار مستمعاً لهواه لا للكتاب والسنة، فكيف يوفق للطريق الصحيح؟ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].

стр. 6862

إضلال الآخرين والرابع عشر: أن من أضرار اتباع الهوى ما يتعدى للآخرين وليس فقط على النفس، ولذلك فهو يضل الآخرين ويبعدهم عن الطريق، ولذلك قال : ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١١٩] ليضلون يعني يضلون غيرهم. إذاً: هذا من أضرار اتباع الهوى أنه يتعدى إلى الآخرين.

стр. 6863

فساد العقل والرأي والخامس عشر: أن من نصر هواه فسد عقله ورأيه؛ لأنه خان الله فأفسد عليه عقله. قال المعتصم يوماً لبعض أصحابه: يا فلان! إذا نصر الهوى ذهب الرأي. وقال ابن القيم: وسمعت رجلاً يقول لشيخنا -يعني ابن تيمية ﵀ إذا خان الرجل في نقص الدراهم سلبه الله معرفة النقد. الآن هناك أناس يميزون بين الدراهم الزائفة والدراهم الصحيحة، وكان الواحد منهم يأخذ دينار الذهب أو درهم الفضة بمجرد مسكه ووزنه في يده وصوته وهو يضرب في بعضه يعرف هل هذا صحيح أم مزور، وهذه خبرة؛ فقال: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد. فقال الشيخ: هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم واتبع هواه فإن الله يسلبه المعرفة والعلم.

стр. 6864

التضييق في القبر والسادس عشر: أن من فتح لنفسه في اتباع الهوى ضيق عليه في قبره وفي معاده، وقد نبه الله إلى هذا في قوله عن الذين تجردوا للحق: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] فلما كان في الفضل الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق في الدنيا جازاهم على ذلك نعومة الحرير وسعة الجنة، ولذلك قال أبو سليمان الداراني في الآية: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] أي: بما صبروا عن الشهوات.

стр. 6865

الصرع عن النهوض يوم القيامة والسابع عشر: أن اتباع الهوى يصرع العبد عن النهوض يوم القيامة إلى السعي مع الناجين، كما صرعته الدنيا بمرافقته لأهل الأهواء. قال محمد بن أبي الورد: "إن لله يوماً لا ينجو من شره منقادٌ لهواه" ما هو هذا اليوم؟ إنه يوم القيامة، والدليل على أن يوم القيامة له شر قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان:١١] ﴿يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧] فالذي يتبع الهوى لا ينجو من شر ذلك اليوم. قال محمد بن أبي الورد: إن لله يوماً لا ينجو من شره منقادٌ لهواه، وإن أبطأ الصرعى نهضة يوم القيامة صريع شهوته أي: أن صريع شهوته أبطأ الناس قياماً من الصرع.
следующие страницы →