Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.
стр. 6896
المحافظة على سلامة القلب
الواحد والعشرون: أن الله جعل القلب ملك الجوارح، ومعدن معرفته ومحبته وعبوديته، وامتحنه بسلطانين وجيشين وعونين وعدتين، فالحق والزهد والهدى سلطان، وأعوانه الملائكة، وجيشه الصدق والإخلاص، ومجانبة الهوى، والباطل سلطان، وأعوانه الشياطين، وجنده وعدته اتباع الهوى، والنفس واقفة بين الجيشين ولا يسلم جيش على الباطل إلا من ثغرة القلب، فهي تعاكس القلب وتصير مع عدوه.
стр. 6897
أن يعلم أن اتباع الهوى رق وغل
الثاني والعشرون: أن الهوى رقٌ في القلب، وغلٌ في العنق، وقيد في الرجل، ومتابعه أسير؛ لأنه يكون في رقه، فمن خالف الهوى عتق من الرق وصار حراً، وخلع الغل من عنقه، والقيد من رجله، وصار بمنزلة رجل شاهدٍ لرجل بعد أن كان فيه شركاء متشاكسون.
رب مستور فدته شهوة فتعرى جسره فانتهكا
صاحب الشهوة عبدٌ فإذا غلب الشهوة أضحى ملكا
وقال ابن المبارك:
ومن البلاء وللبلاء علامة أن لا ترى لك عن هواك نزوعُ
العبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع مرة ويجوعُ
стр. 6898
إجابة الدعوة
والثالث والعشرون: أن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبره، فيقضى له من الحوائج من رب العالمين أضعاف أضعاف ما فاته من هواه، فهو كمن رغب عن بعرة وأعطي بدلاً منها ذُرة، ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة، والعيش الهنيء الشيء الكثير لو تركه للهوى؛ فإن ترك الهوى كان أسهل بكثير، وما يفوت بالهوى ليس بشيء بالنسبة لما يبقى من عز الطاعة، وتأمل يوسف ﵇ لما قوت على نفسه لذة الحرام مع امرأة العزيز، وخالف هواه، ماذا أعقبه الله؟ بسط الله تعالى له نساءً وخدماً ومجداً وعزاً في السلطان بعد خروجه من السجن، لما قبض نفسه عن الحرام بسط الله له يده في السلطان فصار عزيز مصر.
ومن الرؤى والمنامات الصالحة لـ سفيان الثوري ما رآه عبد الرحمن بن مهدي بعد موت سفيان الثوري -وهم علماء من زمان العلماء، وهؤلاء طلاب عند العلماء وأهل العبادة والزهد والورع والعلم والدين إخوة في الله، الواحد يشتاق للآخر جداً، وإذا مات صعب عليه وتمنى لو يراه في المنام، تمنى لو يكون له خبراً عن حاله- وعبد الرحمن بن مهدي لما مات سفيان الثوري رآه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله ﵎، فحاسبني حساباً يسيراً ثم أمر بي إلى الجنة، فبينا أنا أجول بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حساً ولا حركة إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد؟ فقلت: سفيان بن سعيد، قال: تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوماً؟ -تحفظ أنك يوم من الأيام قدمت الله على هواك؟ - قلت: إي والله، فتأخذني النثار من كل جانب، والنثار ما يلقى على العروس عادة أو على الحضور قال: فأخذني النثار من كل جانب.
стр. 6899
أن يعلم أن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا والآخرة
الرابع والعشرون: أن مخالفة الهوى توجب للعبد شرف الدنيا وشرف الآخرة، وعز الظاهر وعزة الباطن، ومتابعة الهوى تصيره عبداً ذليلاً محتقراً عند الله وعند الناس، ويوم القيامة إذا نودي آخر الجمع: يا أهل الكرم ليقم المتقون؛ فيقومون إلى محل الكرامة، وأتباع الهوى ناكسو رءوسهم في حر الهوى وعرقه وألمه بينما المتقون في ظل العرش.
فنسأل الله أن يكفينا دواعي الهوى، وأن يخلف عنا سبل الردى، وأن يجعل التوفيق لنا رائداً، والعقل لنا مرشداً، وأن يجعلنا ممن يتعظون، ومن الذين يتعلمون قبل أن يعملوا، وكذلك فإن هذا الأمر وهو اتباع الهوى جدير بأن يدرس ويفكر فيه وأن يكون العبد على حزن، والله منه نسأل أن يوفقنا لكل خير.
стр. 6900
لغتنا الجميلة هل نعود إليها؟ [٢]
شاع لدى الكثير من أهل الإسلام التقليل من قيمة اللغة العربية، وقيمتها، وأهميتها، وسعتها.
وأصبح التفاخر بالتحدث باللغات الأجنبية الأخرى.
وأنها لغات العلم والتقدم، وأصبح الناس يلوكون بألسنتهم هذه اللغات، وذلك لأنهم لم يدركوا دور اللغة.
إن لغتنا الأصيلة هي أم اللغات، وأشرفها، وأوسعها، والمتقدم يسود بكل ما يملك، فهكذا كنا فمتى نعود.
هذا هو ما تحدث عنه الشيخ، ذاكراً ميزات اللغة العربية، موضحاً حكم تعلم اللغة الأجنبية.
стр. 6901
سيادة اللغة للأقوى
عباد الله: لما كنا سادة وقادة، كان العالم لنا تبعاً، وكانت لغتنا هي اللغة السائدة، وكانوا يتعلمونها رغماً عنهم، ولا يمكن لهم تقدمٌ إلا بتعلمها، أقبلوا عليها يتعلمونها زرافات ووحدانا، وجاءوا من إيطاليا وغيرها إلى الأندلس ليتعلموا اللغة العربية في الأندلس، وبعثوا البعثات إليها.
يقول بعض المستشرقين: إن أرباب الفطنة والتذوق من النصارى سحرهم رنين الأدب العربي، فاحتقروا اللاتينية، وصاروا يكتبون بلغة القوم القاهرين.
حتى قال أحد القساوسة من النصارى: وا أسفاه! إن الجيل الناشئ من المسيحيين لا يحسنون أدباً أو لغةً غير الأدب العربي واللغة العربية، وإنهم ليلتهمون كتب العرب ويجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان.
وكتب الفارو مقران في عام (٨٥٤م) إلى أحد أصدقائه رسالة يقول فيها: إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا بحب اللغة العربية، يبحثون عن كتبها، ويقتنونها، ويدرسونها في شغف، ويعلقون عليها، ويتحدثون بها في طلاقة، ويكتبون بها في جمال وبلاغة، ويقولون عليها الشعر في رقة وأناقة، يا للحزن! مسيحيون يجهلون من كتابهم وقانونهم ولاتينيتهم، وينسون لغتهم نفسها، ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولةً لأخيه مسلِّماً عليه، وتستطيع أن تجد جمعاً لا يحصى يظهر تفوقه وقدرته وتمكنه من اللغة العربية.
ثم انقلب الزمان وتغير الحال وانعكست القضية، حق لهم أن يتركوا لاتينيتهم لأجل العربية؛ لأنها أقوى وأعلى وأثمن وأبلغ وأقوى، ولكن هل يحق لنا أن نترك عربيتنا لإنجليزيتهم وهي الأضعف والأتفه والأدنى والأضيق؟! ليس عيباً عليهم أن يتعلموا عندنا في الأندلس، ولكن العيب عندما نستخدم لغتهم وهي الأضعف.
стр. 6902
المؤامرة على اللغة
علم أعداء الإسلام أن اللغة العربية هي الجزء المشترك من كيان الأمة، وهي الوطن المعنوي الواحد لحركة اللسان المعبرة عن حركة الفكر والوجدان، وأن مقياس رقي الأمم وانحطاطها في رقي اللغة وانحطاطها؛ هجموا على اللغة العربية، وأخذوا تراثنا ومخطوطاتنا إلى مكتباتهم وجامعاتهم، عندما أدركوا أن اللغة تربط بين المسلمين وتوحد بينهم، كان المسلم ينتقل من المغرب إلى أقصى المشرق وهو يتكلم باللغة العربية الفصحى، وكل واحد يفهمه، كلهم يفهم بعضهم بعضاً؛ لأن اللغة واحدة، فلما احتل الكفار الدولة الإسلامية، وقسموها شنوا الحرب على اللغة العربية الفصحى، وفرضت لغة الغزاة على الشعوب الإسلامية المغلوبة.
أولاً: جعلوا لغتهم هي اللغة الإجبارية في المدارس، من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية فما فوق، واعتبروها اللغة الأساسية في البلاد مع إهمال اللغة العربية، حتى ينشأ جيلٌ من أبناء المسلمين يتكلم بلغة الغزاة ويهجر لغته الأصلية، وصار طالب العمل والوظيفة لا يستطيع أن يجد وظيفة إلا إذا كان يتقن لغة الغزاة اتقاناً جيداً، حتى صارت الأجيال في بلاد المسلمين لا تحسن النطق بالعربية وتجيد لغات الغزاة، وابتعدت الأجيال عن الدين نتيجة لذلك، حتى صار الواحد يفتح المصحف ولا يحسن تلاوته، ولا قراءة حديث النبي ﷺ ، فضلاً عن مقطوعة شعرية، أو قصة كتبت بالعربية.
انظروا إلى حال المسلمين في شمال أفريقيا، ماذا فعلت بهم فرنسا وأفريقيا؟ والشعوب الإسلامية في روسيا والصين لقد دمرت اللغة العربية تدميراً تاماً فهم يتكلمون فرضاً باللغة الروسية.
وهكذا في كثير من البلدان أزيحت اللغة العربية عن مسرح الحياة، ثم قاموا بعد ذلك بشن الهجمات، ومن ذلك محاولة نشر اللهجات العامية الإقليمية، والتشجيع على أن تكون اللهجة العامية هي التي تكتب بها العلوم والآداب والمعاملات، وأن العامية سهلة وتجيدها كل المستويات، والفصحى قواعد صعبة وألفاظ معقدة، هكذا خيَّلوا لنا؛ فصارت اللغة العامية هي الدارجة الباهية، حتى نصير مثل الألمان والإنجليز والفرنسيين، الذين انفصلوا بلغات مختلفة عن اللغة اللاتينية الأم هكذا كان المخطط، وأعطيت اللهجة العامية صيغة اللين والسهولة، ووصفت بأنها القادرة على التعبير عن كل أفكار أفراد المجتمع، وفتح المستشرقون الباب للدراسات، ونشروا الأبحاث في المجلات، وقاموا بتلك الحركة الخبيثة لترك الفصحى إلى العامية، فقام وليم جيمس، وسلدن مور وغيرهما من هؤلاء الأخباث الأنجاس ولويس ماسنيون، وبعضهم أسماؤهم على شوارع في بلاد المسلمين، قاموا بالدعوة إلى العامية، وتلقفها من المحسوبين على المسلمين من أمثال: لطفي السيد وعبد العزيز فهمي وتوفيق الحكيم وسلامة موسى وزكي نجيب محمود، وغيرهم فقاموا بإشاعة اللهجة العامية، وهدم اللغة العربية، وتغيير قواعد اللغة العربية، وتغيير الخط العربي، وتغيير قواعد الإملاء، وحذف بعض القواعد، وأيدهم نصارى العرب من أمثال سعيد عقل وأنيس شريحة ولويس عوض، ولا غرابة أن يتشجع نصارى العرب ويتحمسوا إلى هذه الفكرة، وسُخّرت الأفلام والمسلسلات والمقالات والمجلات لهذه الأغراض الخبيثة، وأثيرت النعرات القومية، فإذا كان المسلمون من أصل هندي أثاروا قضية الحضارة الهندية القديمة، وآدابها ولغتها السنسكريتية، ونبشوا قبور المقبرة السنسكريتية وأخرجوا العظام البالية؛ ليقولوا: هذه لغتكم الأصلية، وأثاروا النعرة البربرية في أبناء المغرب العربي، والقومية الطورانية في أبناء تركيا المسلمين، والنعرة القبطية في أبناء مصر، وأحيوا أمجاد الفراعنة وآثارهم لقطع الشعب عن أصالته العربية الإسلامية، وفي بلاد الشام أثاروا الحضارة الفينوقية، والقومية الكردية في الأكراد، وغير ذلك؛ لتقطيع أوصال الأمة، وفرض أتاتورك على المسلمين في تركيا كتابة اللغة بالأحرف اللاتينية، ومنع الأذان بالعربية، والكتابة بالعربية، والتدريس بالعربية، واللباس الذي يميز المسلمين, فصار حالهم كما ترون اليوم لا يقدر المسلم أن يفتح القرآن ويقرأ، ولا يفهم بعضنا بعضاً إذا التقينا في الحج، وإنما يكون الكلام مع المسلم بالإشارات.
ذهبت اللغة العربية، وقام طه حسين وأذنابه ومن معه بحركة إلغاء الإعراب، وإشاعة قاعدة: سَكِّنْ تسلم، وإلغاء الحركات الإعرابية، كرفع الفاعل، ونصب المفعول به كيف سيعرف المسلم معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]؟ الله: لفظ الجلالة مفعول به مقدم منصوب هو الذي يُخشَى، والعلماء: فاعل فهم الذين يَخشَون، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة:١٢٤] من الذي ابتلى؟ إبراهيمَ: مفعول به مقدم، ربُّهُ: فاعل مؤخر، فإذا ألغينا الحركات الإعرابية كيف سنفهم من الذي ابتَلى؟ ومن الذي ابتُلِي؟ ومن الذي يَخشى؟ ومن الذي يُخشى؟ وقام سوق السخرية بمدرسي اللغة العربية، وأصبحت رواتبهم من أدنى الرواتب إن لم تكن أدناها، ويظهر مدرس اللغة العربية في الأفلام بمظهر الحزن والسخرية، وتطلق النكت المضحكة اللاذعة للسخرية، وقُلّلت حصص اللغة العربية، وحذفت في بعض المدارس بالكلية، مع أن قواعد اللغة الإنجليزية تدرس في الجامعات، فالتخصص -علمي أو أدبي- تدَّرس فيه قواعد اللغة الإنجليزية، واللغة العربية حذفت بالكلية، بل إنه وصل الحال المزري أن تدرَّس في بعض الجامعات حصص قليلة للغة العربية وتدرِّس قواعد اللغة العربية باللغة الإنجليزية، فلا يقال: هذا فاعل، وإنما يقال: هذا ( Object) وهذا ( Subject ) وهذا (
الجواب
dverb ) وهذا ( pronouns ) وهكذا تدرس قواعد اللغة العربية باللغة الأعجمية، ولما قام بعض المخلصين بتعريب المصطلحات والكلمات، قامت السخرية بالترجمة، أو بالتعريب، وقالوا: أتريدون؟ ترجمة الـ ( Sandwich ) إلى شاطر ومشطور وبينهما طازج؟ سبحان الله! من الذي قال أن هذه ترجمة ( Sandwich )؟ ما هو الشاطر؟ أليس السكين؟ والمشطور هو الشطيرة؟ كيف تكون ترجمة ( Sandwich ) سكين وشطيرة؟ عندنا كلمة واحدة نقولها شطيرة أو فطيرة، وإذا كان ( Sandwich ) هو اسم الشخص الذي اخترع الفكرة، ( Bantlwoni ) ( وبنطلوني) اسم الذي فصَّل هذا أول ما فصّله، فبأي شيء يتبجحون علينا والقضية قضية أسماء؟! وأشيعت المفردات الأجنبية في كتب اللغة العربية والمدارس العربية والجامعات العربية، مع أن لها بدائل واضحة وسهلة، أدخلت كلمة ( Biology ) مع أننا بسهولة نقول: علم الأحياء، و ( Ficology ) مع أننا بسهولة نقول: علم وظائف الأعضاء، و ( Sociology ) مع أننا نقول بسهولة: علم النفس، وهكذا لكنَّ رنين الكلمة الذي يوحي بالتقدم والحضارة عند المنهزمين من أبناء جلدتنا صاروا يرطنون بهذه الألفاظ في كلامهم؛ ليدللوا على أنهم متقدمون وحضاريون ومواكبون للمخترعات والمكتشفات والحضارة الغربية.
نعم.
لو قالوا أسماء الأشخاص، وأسماء البلدان، وأسماء الأدوية التي لا حيلة فيها لقبلنا ذلك، وقلنا: نأخذ الأعلام كما هي.
стр. 6903
الحفاظ على اللغة العربية
أيها الإخوة: يقول الشافعي رحمه الله تعالى في تعليقه على تسمية التُجّار بالسماسرة، والسماسرة ليست لغة عربية، قال: سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تُجّاراً، ثم سماهم رسول الله ﷺ بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمي رجلٌ يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً، لا نحب أن نسمي التاجر إلا تاجراً، ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالأعجمية.
وقال شيخ الإسلام ﵀: وما زال السلف يكرهون تغيير شعار العرب حتى في المعاملات، وهو التكلم بغير اللغة العربية إلا لحاجة، فمن فقه العالم أن يراعي قضية الحاجة، كما نقل ذلك عن مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه.
يقول محمد بن أحمد الخوارزمي البيروني: والله لئن أُهجى بالعربية أحب إليَّ من أن أُمدح بالفارسية.
لقد رُميت اللغة العربية بسهام الأعداء والأبناء، فوصفوها بالصعوبة ونعتوها بالغموض والجمود، وحاولوا تهميشها في واقع الحياة، وتباهوا برطانة الأعاجم، وعزف كثير من الطلاب عن دراسة اللغة العربية، وتبرموا من مناهجها الدراسية، وانحدر مستوى مادة القواعد العربية والنحو والصرف، وكثرت الأخطاء في كلام الخطباء والكتاب، حتى أنك لا تكاد ترى رسالة في دائرة أو شركة إذا كتبت بالعربية إلا وهي مملوءة بالأخطاء.
وادُّعي أن اللغة العربية لا تصلح لمواكبة التطور العلمي والتقني، وقال القائلون: ارحموا أولادنا وأطفالنا كيف لا تصلح؟! هل تعجز اللغة العربية عن اختيار اسم لمخترع من المخترعات؟!
وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً وما ضقت عن آي به وعظاتِ
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةٍ وتنسيق أسماءٍ لمخترعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامنٌ فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
وقام فريق منا يلوون ألسنتهم بالإنجليزية والأعجمية لتحسبوه من الحضارة والتقدم، وما هو من الحضارة والتقدم في شيء، كيف يفلح قومٌ يتكلمون بغير لغتهم، ويفكرون بغير لغتهم، ويدرسون بغير لغتهم، ويكتبون بغير لغتهم؟!
стр. 6904
أثر اللغة العربية على الإنجليزية
ثم هذه الإنجليزية التي يتفاخرون ويتظاهرون ويتمظهرون بها، دقق في ألفاظها سترى أثر اللغة العربية فيها، وسترى أنهم نقلوا منَّا الكلمات بالنص، وبعضها بتغيير طفيف، فمثلاً: كيس في اللغة العربية وفي الإنجليزية ( cais ) وقط ( Cat ) كاف ( Kiev ) صك ( Sheet ) يقول الناس اليوم: (شيك) وهي كلمة عربية، كفن ( Coffin ) قطن ( Cotton ) وكَفَرَ باللغة العربية أي: غَطّى وستر، وسمي الكافر كافراً؛ لأنه يُغطّي حقيقة التوحيد بالكفر، وعندهم ( Caver )، كذلك كلمة صِفر ( Cipher ) والمسلمون هم الذين اخترعوا الصفر وبذلك أسدوا للاتينيين نعمة عظيمة، وكانوا يكتبون الأرقام الطويلة المكتوبة الآن على الساعات بالأرقام اللاتينية، وإذا أراد أن يكتب رقماً طالت كتابته، فلما اخترع الصفر اختصرت لهم الأرقام.
يقول الواحد منا: سنذهب إلى (السِّيف) وإلى الشاطئ، وهو يظن أنها كلمة إنجليزية مع أن ( Seif ) هي شاطئ في اللغة العربية، وقد جاء في حديث أبي هريرة في البخاري: (حتى إذا أتينا سيف البحر) أي: شاطئ البحر وماذا يقول الإنجليزي عن السكر؟ أليس ( Sugar ) وماذا يقولون عن التعريفة؟ ( Tariff ) وماذا يقولون عن الكوب؟ ( Cup ) وعن الكأس ( Glass ) وقومنا يقولون: هات القلص، وهم أخذوها منَّا (كأس وكوب) والله قد ذكر الكوب والكأس في القرآن الكريم، فهم أخذوها منا، ويقول الأطباء: ( Serb ) وهم قد أخذوها منا أي: شراب.
ويقولون: اللغة العربية ليست لغة علمية وتقنية.
ولكن انظروا إلى الألفاظ المتعلقة بالعلوم في لغتهم، فمثلاً: (
الجواب
lgebra) أليست من ألفاظ الرياضيات والألفاظ العلمية؟ من أين أخذوها؟ أخذوها من عندنا نحن.
كذلك: (
الجواب
lgorithm) أي: العلامة الخوارزمي، ويقولون: (
الجواب
lphabetical Order ) وليس عندهم ألف، لكنهم يقولون عن نظام ترتيب الحروف: (
الجواب
lphabetical) لأنهم أخذوا الألف منا نحن، كذلك أشعة (ألفا، بيتا) كلمات علمية، من أين أخذوها؟ أليست الألف والباء حروفنا نحن؟ ثم يتباهى المتفرجون الذين يقلدون الغرب منَّا باستعمال كلماتهم، وإذا صدق أن الإنفلونزا هي أنف العنزة، لأنه يسيل دائماً، فواعجباً لما يستعمل الناس اليوم من الكلمات الأجنبية كقولهم (استيشن) أي: يكفي، وكذلك يستعمل الطلاب في الجامعات (كويز سكاشن)، ثم يجمعون جمع تكسير وجمع تشويه، والذين يعملون في المطارات، وهذه رحلة عليها ( OVER ) ألا تستطيع أن تقول كلمة بالعربية بدلاً من (كنكشن)؟ ألا تستطيع أن تقول بدلاً منها كلمة بالعربية؟ ألا يوجد في اللغة العربية كلمات مرادفة؟ انتهينا من الأسماء وأسماء المخترعات، وسلمنا بأخذها كما هي، لكن هذه هي الكلمات التي نقولها طلاباً وموظفين وأطباء ومدراء، ويتكلم العربي مع العربي في الشركة باللغة الإنجليزية.
стр. 6905
أثر فرض المستعمر لغته على الشعوب المستعمرة
يقول مصطفى صادق الرافعي ﵀: هل أعجب من أن المجمَّع العلمي الفرنسي يؤذن في قومه بإبطال كلمة إنجليزية كانت في الألسنة من أثر الحرب الكبرى -أي: العالمية- ويوجب إسقاطها من اللغة جملة، وهي كلمة: (نظام الحصر البحري) وكانت مما دخل على الفرنسيين من النكبات مع نكبة الحرب العظمى، فلما ذهبت تلك النكبات رأى المجمَّع العلمي الفرنسي أن الكلمة الإنجليزية نكبة على اللغة الفرنسية يجب التخلص منها، ورآها كأنها جندي دولة أجنبية في أرض دولة مستقلة بشارته وسلاحه وعلمه.
ثم يقول الرافعي ﵀ وهو من كبار الأدباء الذين أنجبتهم مصر أرض الكنانة: ما ذلت لغة شعب إلا ذلوا، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمَرة، ويركَبَهُم بها، ويشعرهم عظمته فيها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عمل واحد: أما الأول: فحبس لغتهم في لغته سجناً مؤبداً.
وأما الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً.
وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يضعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع.
إن اللغة هي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها، وهي عمقها وعاطفتها وتفكيرها، فهي نسبٌ للعاطفة والفكر، حتى أن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم، فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة؛ لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء، وإنك ترى الواحد منا اليوم -مع الأسف- الكلمة الأجنبية أسبق إلى لسانه من الكلمة العربية، وإذا أراد أن يلقي تراجعاً، وقف فترة يفكر ويبحث عن الكلمة العربية المرادفة، ويعصر ذهنه، لأن مفردات الثروة اللغوية ضعيفة، فإن اللغة الفرنسية مفرداتها حسب القاموس تقريباً خمسة وعشرون ألف كلمة، واللغة الإنجليزية بالمصطلحات وبالمولدات وبالأشياء الجديدة وما أكثرها! مائة ألف كلمة، وكلمات اللغة العربية: أربعمائة ألف كلمة، فإنك تجد للسيف أسماء عدة، حتى الكلب له في اللغة العربية أسماءً عدة، وعندهم الكلمة الواحدة تحتمل معاني كثيرة لا علاقة ولا رابطة بينها وبينها.
يذهب أولادنا إلى الخارج لدراسة اللغة الأجنبية في الخارج، وتقول له: يوجد هنا تدريس لغة أجنبية.
فيقول: لا، أنا أريد أن أسكن مع عائلة أجنبية في الخارج لأتعلم اللغة وأصبح طليق اللسان بها.
وفتح باب الهجرة إلى الغرب مثل كندا وغيرها؛ لامتصاص عقول المسلمين وعصارة المسلمين لصالحهم وتقدمهم، وإذابة المهاجرين المسلمين في مجتمعاتهم، إنها أهداف مزدوجة.
ذهب رجل مسلم مع زوجته المحجبة وأولاده إلى السفارة الأجنبية، يطلب الهجرة، فقال له الملحق في تلك السفارة بصراحة نحن لا يهمنا لا أنت، ولا زوجتك المحجبة، لا نطمع فيك ولا في زوجتك المحجبة، ولا في أولادك الذين عندهم شيء من الثقافة المشرقية، لكننا نسمح لك، لأن أحفادك لنا، ولأننا نوقن أن أحفادك لنا نحن وهكذا حصل، فماذا سيفعل الذي يترك بلاد المسلمين والعرب إلى الغرب؟ وبعضهم مضطر إلى هذا، فيذهب إلى هناك ويعلم ولده حصة في اللغة العربية في مركز إسلامي، أو معهد إسلامي، ويبقى الولد سنوات وهو يتهجى الكلمات ولسانه طلقٌ بلغة القوم، وإذا طلبت من الواحد من أولاد المبتعثين الذين عاشوا سنين في الخارج أن يتكلم بالعربية، كأنه يكسر أحجاراً، قال أحد الدعاة لبنت صغيرة من بنات هؤلاء: قولي لي حكاية في اللغة العربية.
فقالت: كانت هناك بنت، (بنت هناك كانت، وكان لها ثنتين قطز، الجمع) ثم تخلت عن العربية ولم تستطع أن تكمل الحكاية باللغة العربية، هذا هو حال أولاد المسلمين في الخارج، إنها مأساة.
جاءني رجل يسأل عن مشكلة اجتماعية، ويعترف بأنه ارتكب جرماً عظيماً عندما تزوج من امرأة أمريكية في الخارج، وقال لي: انظر إلى هذا، وكان بجانبنا رجل من الصالحين يقرئ ولده القرآن، وقال: ولدي الصغير لا يستطيع أن يقرأ مثل هذا، وهو عربي، والآن عرفت الجريمة التي أجرمتها في حق ولدي.
ولما تركنا أولادنا أمام التلفزيون مستمعين طيلة الوقت، صار الولد عاجزاً عن تركيب الجمل والتعبير، كان الأولاد في السابق يجتمعون أمام البيوت وفي الحارات، ويؤلفون قصصاً، ويتكلمون، أما الآن فإن أولادنا أمام الشاشات وألعاب الكمبيوتر، والقدرة على الكلام تلاشت، يصاب الولد بالارتباك في تفكيره وحركة أصابعه، ولم يحسن إمساك القلم بعد، ونحن ندرسه بلغتين في الروضة، ويكتب مرة من اليمين إلى الشمال، والحصة التي بعدها من الشمال إلى اليمين، فيبقى في غاية الارتباك.
يأتي العمال البنغاليون الذين قدموا إلينا، وجلسوا عشر سنين وخمس عشرة سنة، ولم يتعلموا من اللغة إلا شيئاً يسيراً، والواحد منا إذا ذهب إلى الخارج تعلم رغماً عنه، وفي مدة يسيرة (ستة أشهر) يتقن اللغة الإنجليزية والألمانية، والألماني في الشارع في ألمانيا يرفض أن يكلمك باللغة الإنجليزية ولو كان يعرفها، بل يفرض عليك أن تتكلم بالألمانية، ولائحات الشوارع واللافتات كلها بالألمانية، ولا مجال للغة الدخيلة، ولا اللغة الأجنبية عندهم، والفرنسي لا يتكلم معك بالإنجليزية، ويعتبره غزواً ثقافياً وعيباً، ونحن يأتي أخونا المسلم من الهند يعيش بيننا، ولا يتعلم إلا (أنت فيه روح، أنا فيه روح، خلي يولي) عبارات عجيبة! ويعود إلى بلده وهو لا يحسن العربية، ولا يتكلم بالعربية، ولا يكتب بالعربية، بل الأعجب من ذلك أن يأتي العامل البنغالي إلينا وهو لا يعرف لا الإنجليزية ولا العربية، لا يعرف إلا لغته الأصلية، فيرجع من عندنا وقد تكلم باللغة الإنجليزية، لأننا عودناهم، وانظر إلى أسماء الشركات (دسكو، مسكو، فسكو) وأسماء المحلات، والألفاظ التي حدثت، نعجز عن أن نقول (للتلفون) هاتف! أو للبيجر نداء! أو عن الراديو مذياع! ونحو ذلك، عندنا كلمات لكننا نحن كلمناهم وعودناهم، ورضخنا للأجنبي نتكلم معه، ولو ذهبنا إلى بلده، فلن يعترف بلغتنا إنها هزيمة وضعف ومصيبة كبيرة، وأهل العلم كانوا يرون تعزير من يروج الأشعار باللهجة العامية لقد صارت عندنا عقدة الأجنبي عقدةً عظيمةً.
نسأل الله أن يردنا إلى الحق رداً جميلاً، ونسأله أن يجعلنا من أهل العربية وأهل كتابه المبين، ومن أهل سنة نبيه ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 6906
ميزات لغتنا الأصلية
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين عباد الله: إن هذه القضية من القضايا الأساسية المهمة التي ينبني عليها توحد شخصية الأمة، وفهم الكتاب العزيز، والسنة النبوية الشريفة، إنها قضية دين ومبدأ ومصير، وليست قضية هامشية، ولا جانبية، ولا فرعية.
أيها المسلمون: ما عرفنا ميزات لغتنا، ضيعنا لغتنا، لم نعرف ميزات اللغة في ثراء ألفاظها، لم نعرف ميزة الاشتقاق في هذه اللغة، إنها ميزة عظيمة فالكلمة جذر الكلمة ثم أسرة هذا الجذر، تأخذ الفعل الماضي والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة، واسم التفضيل، كله من كلم جذر واحد، لكن هل هذا عندهم في لغاتهم الأجنبية مثل ما عندنا؟ كلا والله! ليس عندهم ذلك.
فنحن نقول: دَرَسَ يَدْرسُ مَدْرَسةَ دَارِس مُدَرِّس، وكلها من جذر واحد، وهم يقولون: ( School - Student Wilson ) كلمات مختلفة.
ولغتنا أسهل في التعلم، وإن قالوا: عندنا اختصارات، فنقول: ونحن عندنا اختصارات، عندنا (باب النحت) في اللغة، فنحن نقول: الحمدلة، الدمعزة، البسملة، الحوقلة، وإن قالوا: إن المصطلحات العلمية تقتضي الاختصار بالأحرف، فنحن نقول: ونحن ماذا يضيرنا لو استعملنا (ص.
ب) لصندوق البريد، و (س.
ت) للسجل التجاري، و (ن.
ق) لنصف القطر في الهندسة، وهكذا استعملنا من سائر المختصرات إذا كان ولا بد أن نختصر.
وانظروا إلى تكامل حروفنا في مخارجها وتوزعها على المخارج، من أقصى الحلق إلى الشفتين في الأمام، وأطراف اللسان، واللسان ذاتها الحروف موزعةً عليها توزيعاً عجيباً، ولذلك نحن نستطيع أن ننطق سائر الحروف التي لديهم من كمال مخارجنا، ونقول: (تي وبي) لكن هل منهم من يستطيع أن ينطق بسهولة (ع، ح، غ، ق، ص، ط)؟ لا يستطيعون إلا بصعوبة، فمخارجنا أكمل من مخارجهم، ولقد قلت للعلج الذي درسني اللغة الإنجليزية مرةً: هل تستطيع أن تتنحنح؟ فقال: نعم، وتنحنح، وظهر حرف الحاء في نحنحته، فقلت له: وهل تستطيع أن تقول: محمد؟ فقال: (مهمد) وهو قد أتى قبل قليل بالحاء في نحنحته، وهو عاجز أن يقولها في كلمة.
وفي لغتنا كمال الحروف، فعندنا المفرد والمثنى والجمع، أما اللغة الإنجليزية فليس فيها المثنى، وعندنا أنتَ وأنتِ للدلالة على المذكر والمؤنث، وهم يقولون: ( You ) ولا تعرف هل يخاطب رجلاً أم امرأة، ويقولون: دكتور و ( Teacher ) ولا تعرف هل هو رجل أو امرأة، ونحن عندنا تاء التأنيث، والألف المقصورة للتأنيث، وعندنا علامات التأنيث للتفريق بين الذكر والأنثى، فلا تعجب أن يكون أولئك فيهم ظاهرة الخنوثة في لغتهم وفي أخلاقهم!
стр. 6907
حكم تعلُّم اللغة الأجنبية
أيها الإخوة: سيطول الكلام ولم ينفصل بعد في ذكر مزايا اللغة العربية ومقارنتها باللغة الأجنبية، ولا أرى أن الوقت يتسع لذلك، ولكنني سأختم بمسألة: إذا قال قائل: هل تريد أن تقول بتحريم دراسة اللغة الأجنبية؟ ف
الجواب
كلا -أيها الإخوة- لأننا نعرف يقيناً أننا في مرحلة استضعاف، ونقدِّر عصرنا حق قدره، ونعرف أن المراجع والجامعات والابتعاث ولغة الخطابات والشركات والكمبيوتر (الحاسب الآلي) كل ذلك باللغة الإنجليزية، ونعرف أننا نحتاج إلى تعلمها، وأننا لن نتمكن من اقتباس العلوم إلا بذلك، وعندنا الدليل على جواز تعلم اللغة غير العربية للحاجة.
روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده، قال زيد: (ذُهِبَ بي إلى رسول الله ﷺ ، فأعجب بي، فقالوا: يا رسول الله! هذا غلامٌ من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك النبي ﷺ ، وقال: يا زيد! تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن اليهود على كتابي.
قال زيد: فتعلمت كتابهم، وما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب -أي: إليهم).
إذاً: تعلم اللغة الأجنبية للحاجة جائز، ولكن الحاجة تقدر بقدرها، فإذا لم يوجد حاجة لتدريس الأطفال في الروضات فلا ندرسهم، وعلينا أن نقدر المرحلة التي يدرسون فيها، ولا مانع عندنا من أخذ الحكمة من أي مكان، ثم قد ذكرنا أن العلماء قالوا: لا بأس بالكلمة بعد الكلمة، فلو أن أحد الناس قال مرة ( Ok ) لا ننكر عليه ونقول جريمة وحرام، لكن أن تصير اللغة عادة لأهل المصر في المكاتب وفي الشوارع وفي البيوت، فتجد العرب يتكلمون مع العرب باللغة الإنجليزية دون داعٍ يصبح ذلك عادةً ومظهراً، فهذا الذي ينبغي إنكاره أيها الإخوة.
ثم ينبغي نشر اللغة العربية والكتب الشيقة السهلة للطلاب، واستخدام وسائل العرض الحديثة والمكافآت والحوافز، ومجامع اللغة العربية تعمل، وتتخذ القرارات على مستويات عليا في تعميم إنتاج المجامع العربية، وقد وجدت تجارب جيدة، لكنها لم تعمم، وكذلك ينبغي أن تعقد الدورات والدروس في المساجد وغيرها، وحتى الأب يدرب ولده وهو يمشي معه في الشارع، ويقول: اعرب لي كذا، وإذا كان الأب لا يحسن شيئاً فكيف سيربي ولده على اللغة العربية في كل جملة تمر عليه؟ إذا كانت تبدأ بفعل فابحث عن الفاعل وارفعه، وعن المفعول وانصبه، وإذا بدأت باسم فهو المبتدأ فارفعه، وابحث عن الخبر وارفعه كذلك.
ويجب أن نستخدم اللغة في كل شي، كإشارات الشوارع، ولوحات الدكاكين، والملصقات والمنتجات، ووصفات الأدوية، وغير ذلك، وكلما وجدنا سبيلاً لإشاعة اللغة أشعناها، وإذا وجدت الحاجة لدراسة اللغة الأجنبية درسناها، ولكن أن ننقل العربية إلى لغة كوريا آكلي الكلاب، فإن هناك مشروعاً لنقل اللغة الإنجليزية والمصطلحات العالمية أولاً بأول إلى اللغة الكورية، وهكذا يفعل اليابانيون وغيرهم، ونحن سادة الدنيا، ونحن أفضل أهل الأرض، وديننا أفضل الأديان، ولغتنا أفضل اللغات.
اليهود أحيوا العبرية وهي ميتة، ونبشوها من القبور عظاماً بالية، ويكتبونها على صدورهم وسيارات الإسعاف، وكل شيء تجده عندهم مكتوباً، لأنهم يريدون قومية مستقلة، ولغة مستقلة، ونحن أولى بذلك منهم.
اللهم إنا نسألك أن ترينا الحق حقاً وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلاً وترزقنا اجتنابه.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم وفق أبناءنا في اختباراتهم وامتحاناتهم، واجعلها عوناً على طاعتك يا رب العالمين، وجنبهم فيها المحرمات يا أرحم الراحمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 6908
الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم [٢]
إذا وقع الظلم فتلك مصيبة تتدارك بحلول وضعها الشرع، وهذه الحلول منها ما هو بيد الظالم، ومنها ما هو بيد المظلوم، وتختلف الحلول في الأجر رتبة ودرجات، وهي مهمة يجب التعرف عليها، وفي هذه المادة تعرف بعض ذلك، فتابعها لعل الله أن ينفعك بها.
стр. 6909
موقف المظلوم من الظالم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، والحمد لله ولي المتقين، وناصر المظلومين والمستضعفين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
أيها المسلمون! لقد تحدثنا في الخطبة الماضية عن الظلم وحكمه وشدته، وأثره وعقوبته في الدنيا والآخرة، وتتمة الموضوع اليوم عن موقفنا من الظلم، ماذا يكون، وكيف ينبغي أن يكون؛ سواء بالنسبة للمظلوم أو بالنسبة للظالم أو بالنسبة لبقية الناس.
فاعلموا -رحمكم الله تعالى- أن الله قال في كتابه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٠ - ٤٣].
لقد تضمنت هذه الآيات أمرين: الأمر الأول: الانتصار من الظالم، والثاني: عفو المظلوم.
وقد عنون البخاري رحمه الله تعالى بكليهما في صحيحه، فقال: باب الانتصار من الظالم، لقوله جل ذكره: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ [النساء:١٤٨] وقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩] قال إبراهيم ﵀: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا.
أي: أن الله مدح المؤمنين بأن فيهم قوة للانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين؛ بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، ومع هذا إذا قدروا عفوا، كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم؛ فعفا عنهم مع قدرته على البطش بهم ومؤاخذتهم ومقابلتهم بمثل صنيعهم.
وكذلك عفا النبي ﷺ عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به لما اخترط سيفه عليه والنبي ﷺ نائم، فاستيقظ ﵊، فوجد السيف مصلتاً فوق رأسه، فانتهر الرجل، فخاف وهاب وارتعش، فوقع السيف من يده، وأخذه النبي ﷺ في يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه.
وكذلك عفا ﷺ عن زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمد بن مسلمة ﵁، والتي سمت الشاة يوم خيبر، وأكثرت السم في الذراع، فأخبره الذراع ﵊ أنه مسموم، فدعاها فاعترفت، فقال ﷺ : (ما حملك على ذلك؟ قالت: أردت إن كنت نبياً لم يضرك، وإن لم تكن نبياً استرحنا منك، فأطلقها ﷺ وعفا عنها).
ولكن لما مات بشر بن البراء صاحبه من جراء أكله السم، قتلها به ﷺ قصاصاً، والآيات والأحاديث في عفو المظلوم عن الظالم كثيرةٌ، ولكنه ندبٌ لمن قدر على رد المظلمة وعن الانتقام أن يعفو، العفو مع القدرة قوةٌ في حسن وحسنات يأخذها الذي عفا من الله يوم القيامة، والله يعطي بلا حساب.
وإذا أصر على الانتقام فلا بأس بذلك وهو مباح، ومن عدل الله في البشرية أن أباح لهم القصاص، وأباح لهم أن ينتقموا بمقدار ما ظلموا، فبعد أن ذكر الله تعالى المرتبة الأولى التي هي العفو مع القدرة ذكر المرتبة الثانية وهي جواز الانتقام، فقال : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤١] أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم إذا أرادوا الانتقام، ولا حرج عليهم في ذلك، سواء كان الظلم كثيراً أو قليلاً، ولو كان ظلم الضرة لضرتها جاز للزوج أن يمكن المظلومة من أخذ حقها ولو كان كلاماً، كما جاء في سنن النسائي وابن ماجة من حديث خالد بن سلمة الفأفاء عن عبد الله البهي عن عروة قال: قالت عائشة ﵂: ما علمت حتى دخلت عليّ -أي: فلانة من ضراتها- بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله ﷺ : حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكرٍ درعها، ثم أقبلت عليّ فأعرضت عنها حتى قال النبي ﷺ : (دونك فانتصري) فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها قد يبس في فمها ما ترد عليّ شيئاً، فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه.
стр. 6910
دعاء المظلوم على ظالمه
وأما الدعاء على الظالم فإنه جائز، وهو من باب القصاص والانتصار فلا بأس أن يدعو المظلوم على الظالم، ولكن إذا رأى أن من المصلحة له وللظالم ألا يدعو عليه دعاءً تحصل به كارثةٌ على الظالم دون منفعةٍ للمظلوم.
وأرى ألا يدعو عليه وأن يؤخر ذلك إلى الآخرة ليأخذ حقه أو يعفو ويأخذ من الله أجراً عظيماً؛ لأنه هو الأفضل في حقه، وحديث: (من دعا على من ظلمه فقد انتصر) رواه الترمذي وفيه ضعف.
стр. 6911
جواز أخذ المظلوم ما له من الظالم إذا وجده
ومن باب انتصار المظلوم أخذ ماله وحقه من الظالم إذا وجده، كما عنون عليه البخاري ﵀: باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، وقال ابن سيرين: يقاصه وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:٤٠] لكن يشترط في القصاص واسترجاع الحق واسترداد ما أخذه الظالم أن يكون مماثلاً لما أخذه وألا يعتدي.
ولذلك قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:٤٠] قال: الظالمون هم المبتدئون بالمعصية أو المجاوزون الحد في الانتقام، كمن زاد في السب، كما أخبر النبي ﷺ : (المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتدِ المظلوم) أي أن إثم ما قالاه جميعاً على البادئ، لأنه هو الذي بدأ إلا إذا اعتدى المظلوم، وزاد في السب، فعند ذلك يكون إثمه عليه، والحديث رواه مسلم ﵀ في صحيحه.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ [النساء:١٤٨] قال: لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحد إلا المظلوم على الظالم.
ولو قال: اللهم انصرني عليه، وخذ لي حقي منه، فهو أحسن من الدعاء عليه بأمورٍ لا يستفيد منها المظلوم، كما إذا دعا عليه بشلل أطرافه ونحو ذلك، إلا إذا كان عدواً للإسلام وظالماً للناس لو قعد أو شُلًَّ لاستراح الناس منه، فهو يدعو عليه لمصلحة المسلمين.
أما لحقه الشخصي فإن الأفضل أن يدعو عليه بمثل قوله: اللهم انصرني عليه، وخذ لي حقي منه، فهو أحسن من الدعاء عليه بأمورٍ لا يستفيد منها المظلوم.
وكذلك من نزل بمن لم يضيفه، والضيافة واجبة وللضيف حقه، فمن نزل بمن لم يضيفه، فله أن يقول بين الناس: فلانٌ منعني الضيافة، فيكون من جواز الجهر بالسوء من القول، لأنه مُنِعَ حقه، ولذلك فلا بأس أن يُفشيه بين الناس انتصاراً ممن ظلمه بمنعه حقه، وهو الضيافة، ولكن لو سكت فهو أفضل وأحسن.
стр. 6912
المظلوم بين درجة العفو العليا وحقه في الانتقام
والآيات الأخيرة التي سنذكرها في آيات الظلم هي الآيات التي ذكرها الله مجتمعةً في سورة الشورى، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى:٤٢] أي: إنما الحرج والعنت على الذين يبدءون بالظلم.
وأما عفو المظلوم فإنه مريحٌ لقلبه ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣] أي: من صبر على الأذى وستر السيئة، فإنه يكون قد فعل أمراً مشكوراً، وفعلاً حميداً، له عليه ثوابٌ جزيل، وثناءٌ جميل من الله تعالى؛ كما في الكلمات الحكيمة: صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، واعفُ عمن ظلمك.
قال الفضيل بن عياض ﵀: إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلاً فقل: يا أخي! اعفُ عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله ، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر فانتصر؛ لأن بعض الناس لا يحسن الانتصار، بل يظلم ويتجاوز في الانتقام، فيقول الفضيل: أوصه فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وتأخذ حقك فقط فافعل، إن كنت تحسن أن تنتصر فانتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه بابٌ واسع، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور.
وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل هادئاً مطمئناً لا يخشى أنه تجاوز، ولا يحتاج إلى التفكير في شيء، لأنه لم ينتقم أصلاً، وصاحب الانتصار يُقلب الأمور، ويكون قلقاً، ويقول في نفسه: هل يا تُرى تجاوزت؟! هل يا تُرى اعتديت؟! ونحو ذلك، وهذه المرتبة مرتبة العفو هي التي تليق بالأكابر، وهي التي ينبغي أن تكون مرتبة الدعاة إلى الله والعلماء والقدوات بين الناس كما جاء عند الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه أبو بكر بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله! كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، فقال ﵊: إنه كان معك ملكٌ يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال: يا أبا بكر! ثلاثٌ كلهن حقٌ: ما من عبدٍ ظلم بمظلمةٍ فأغضى عنها لله إلا أعزه الله بها ونصره، وما فتح رجلٌ باب عطية يريد بها صلةً إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجلٌ باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة).
وقد روى هذه القصة الإمام أبو داود أيضاً فقال: (بينما رسول الله ﷺ ومعه أصحابه، وقع رجلٌ بـ أبي بكر فآذاه فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثانية فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله ﷺ حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدت عليَّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : نزل ملكٌ من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان) والحديث صحيحٌ بطرقه كما في السلسلة الصحيحة.
قال ابن كثير ﵀: وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى وهو مناسبٌ للصديق ﵁، لأنه في المقام العالي، فهو الذي لو وزن إيمان الأمة بإيمانه لرجح إيمانه؛ فاللائق به أن يعفو، وألا يرد، وهكذا شأن الكبار.
стр. 6913
ما يجب على الظالم
أما ما يجب على الظالم فإنه ينبغي عليه أولاً أن يتقي الله تعالى ويحذر من الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وليس ظلمةً واحدة.
الظلم ظلمات يوم القيامة؛ بمعصية الظالم لربه، وظلمه لأخيه، وفتح باب الظلم للناس.
الظلم ظلمات لأنه ربما يمرض المظلوم؛ بل قد يموت كمداً وقهراً.
فعلى الظالم أن يتقي الله تعالى.
انظروا ماذا كان يفعل عمر ﵁ الذي حمى أرضاً للمسلمين من أراضي أهل المدينة؛ سوَّرها وحماها، وجعلها محمية لأجل مصلحة المسلمين لرعي إبل الصدقة وإبل بيت المال وشياه بيت المال التي تُؤخذ من أصحاب بهيمة الأنعام من الزكوات، وكذلك خيل الجهاد في سبيل الله، وجعل هذه المحمية مصلحة لعموم المسلمين، ومع ذلك كان يخشى ﵁، فقد روى البخاري ﵀ عن أسلم مولى عمر: أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يُدعى هنياً على الحمى فقال: [يا هني! اضمم جناحك عن المسلمين -انتبه أيها الغلام القائم على المحمية واكفف يدك عن ظلم المسلمين- واتقِ دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة -أي صاحب القطعة القليلة من الإبل وصاحب الغنم القليلة أدخلهما في المرعى المحمي- وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان -خصهما بالذكر لكثرة أموالهما، والنعم الإبل، وكانا من مياسير الصحابة، فقال للغلام: إذا لم يتسع المرعى إلا لأحد الفريقين فأدخل أصحاب الغنم القليلة والإبل القليلة لأنهم أولى- قال عمر: فإنهما -أي: ابن عفان وابن عوف - إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخلٍ وزرع -عندهما عوض من أموالٍ أخرى- وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين؛ أفتاركهم أنا لا أبا لك -أتظنني أتركه في تلك الحالة- فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق -فربما يكون هناك مصارف أولى للمجاهدين والبعيدين ونحو ذلك- قال عمر: فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم -بعض الناس يرون أني قد ظلمتهم بأرض المحمية- إنها لبلادهم؛ قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله -فهو يحتاج إلى أرض المحمية لخيل الجهاد- ما حميت عليهم من بلادهم شبراً] رواه البخاري ﵀.
فليتق الله الظالم وليضع نصب عينيه دعوة المظلوم؛ فإن النبي ﷺ أوصى معاذاً فقال: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) رواه البخاري.
وأخبر في الأحاديث الأخرى أنها ترفع على الغمام، ويقول الله: لأنصرنك ولو بعد حين، ثم على الظالم أن يتحلل من المظلوم، كما قال ﵊: (من كانت له مظلمة لأخيه -في عرضه أو شيءٍ غير العرض كالمال وغيره- فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري.
وأوضح ذلك رواية مسلم: (المفلس الذي يأتي يوم القيامة بأشياء كبيرة من العبادات والحسنات، ويأتي وقد شتم هذا ظلماً، وقذف هذا ظلماً، وأكل مال هذا -أي: ظلماً- وسفك دم هذا -أي: ظلماً- وضرب هذا -أي: ظلماً- فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاته، فطرحت عليه، ثم طرح في النار).
стр. 6914
على الظالم ردُّ الحق أو مثله إن كان له عوض
كيف يتحلل الظالم من المظلوم؟ قال العلامة السفاريني: حق الآدمي إما يكون مما ينجبر بمثله من الأموال والجراحات وقيم المتلفات أولا -أي: إما أن يكون هناك عوض لحق الآدمي المغصوب أو لا يكون له عوض، فإن كان له عوض فلا بد من رده- فإن غصب مالاً رده، وإن تلف رد مثله، وإن غصب شيئاً استعمله رده ورد الفرق، فإن تلف رد مثله كمن سرق سيارة واستعملها ونحو ذلك أو غصب بيتاً وسكن فيه رده ورد الفرق مع التوبة إلى الله .
стр. 6915
ماذا يفعل الظالم إن كان الحق مما ليس له عوض ؟
ولكن إذا كان لا ينجبر؟ ليس له مثيل كمن قذف شخصاً، أو فعل الفاحشة غصباً أو اغتاب أو نم، فهذه ليست معوضة بقيمة مادية، فعليه أن يندم ويقلع عن الذنب، فالذي اغتاب عليه أن يستغفر للمغتاب، والذي قذف عليه أن يكذب نفسه، والذي زنا بزوجة غيره عليه أن يحسن إلى ذلك الزوج، وإذا اغتابه استغفر له ودعا له بظهر الغيب، ولا يحتاج إلى إخباره؛ لأنه لو أخبره لربما زادت العداوة، والشريعة لا تأمر بهذا، وربما يسكت الذي اغتيب يوم القيامة إذا رأى في صحيفته استغفار الذي اغتابه، فيسكت عن المطالبة بالحق، ولعل ذلك هو السبب الذي قيل من أجله: إن عليه أن يُكثر من الاستغفار لمن اغتابه ولا يخبره -كما قال ابن المبارك: لا تؤذه مرتين- ويدافع عن عرضه في المجالس التي يُهاجم فيها، فكما أنه هاجمه يدافع عنه.
هذا الذي اغتاب، وأما الذي قذف أو زنى بزوجة غيره، فهل يلزمه الاعتراف وطلب التحلل، فالجواب يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فإن كان الاعتراف أصفى للقلوب في قضية القذف اعترف له بأنه قذفه وطلب المسامحة، وإن كانت المسألة ستزيد شراً يكتفي بتكذيب نفسه عند من قذفه من الحاضرين والدعاء للذي قذفه.
وقال شيخ الإسلام ﵀: سُئلت مرةً عن رجلٍ تعرض لامرأة غيره فزنى بها، ثم تاب من ذلك، وسأله زوجها وحقق معه، فطلب أن يحلف، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموساً، وإن لم يحلف قويت التهمة، وإن أقر جرى عليه ما يجري عند القاضي، وجرى من الشر أمرٌ عظيم، قال: فأفتيته أن يضم إلى التوبة فيما بينه وبين الله تعالى الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار أو الصدقة عنه ونحو ذلك مما يكون ذاباً إيذاءه له في أهله، فإن الزنا له تعلق بحق الله تعالى وحق زوجها، وليس هو مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال، بل هو من جنس القذف، والفقيه الذي يجمع النفوس لا يفرقها.
فعند ذلك إذا لم يعلم الزوج فعليه أن يتوب التوبة العظيمة بينه وبين الله مع الإحسان إلى من ظلمه، وإذا علم طلب منه أن يحلله، وأما الذي يغصب فإنه يرد المغصوب، فإن مات صاحب المال، رده إلى ورثته، ولكن يبقى شيء، وهو حق صاحب المال في الانتفاع به في المدة التي غصب فيها المال، فماذا يفعل؟ فإنه يحسن إلى ذلك الرجل بالدعاء له والصدقة عنه ونحو ذلك؛ لعل هذا الرجل إذا جاء يوم القيامة ورأى في صحيفته استغفاراً وأجراً من الذي غصبه المال يسكت عن المطالبة بحقه، ولا يقول: رب ظلمني بأخذ مالي، وحرمني من الانتفاع منه في بقية عمري؛ أداه إلى ورثتي لكنه حرمني من الانتفاع به بقية عمري، فلعله يسكت إذا رأى في صحيفته استغفاراً وحسناتٍ من الذي ظلمه، هذا شيءٌ مما يتعلق بأحكام تحلل الظالم من المظلوم، نسأل الله تعالى أن يعافينا.
اللهم عافنا من الظلم، وباعد بيننا وبين الظلم يا رب العالمين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأفسحوا لإخوانكم يفسح الله لكم.
стр. 6916
موقف الناس من الظالم والمظلوم
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً رسول الله الصادق الوعد الأمين، صلى الله عليه وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ها قد عرفنا -أيها الإخوة- ما هو موقف المظلوم، وما هو موقف الظالم؛ فما هو موقف بقية الناس؟ قال ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجلٌ: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره) رواه البخاري.
وعن البراء قال: (أمرنا النبي ﷺ بسبعٍ -ومنها- ونصر المظلوم).
وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) أي: لا يتخلى عنه ولا يتركه إلى الظالم، ولا يتركه إلى من يؤذيه؛ بل ينصره ويدفع عنه الظلم.
إذاً لا بد من الوقوف بجانب المظلوم، فيأثم من عرف بالمظلوم وقدر على نصرته ولم ينصره، لأن نصرة المظلوم واجب، وحرام على من رأى أخاه المسلم مظلوماً وهو قادرٌ على نصرته أن يتركه ويسلمه ولا يمنع عنه الظلم.
ويجب كذلك كف يد الظالم كما قال أبو بكر ﵁ في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعت رسول ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه) والأخذ على يديه إذا لم يفد معه القول، فإذا قدر وقوي على منعه ولو بالقوة منعه.
ولا شك أن على صاحب السلطان من هذا الواجب النصيب الأكبر، وعلى كل صاحب سلطةٍ -مثل رجل الأمن مثلاً- واجبٌ عظيم في هذا المجال، وإذا نصر المظلوم نصره الله يوم القيامة، والمحتسب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا نصر المظلوم ينصره الله يوم القيامة.
стр. 6917
على الناس ألا يعينوا الظالم
وأما إعانة الظالم فهي من المصائب العظيمة، فمن الواجب على الناس أن يقولوا للظالم: يا ظالم! ويعرفوه بأنه ظالم ويمتنعوا عن إعانته، وقد أخبر النبي ﷺ أن من أعان الظلمة لا يرد عليه الحوض، فالذي يُعين الظلمة يحرم من ورود حوض النبي ﷺ ، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، وينبغي على الناس كذلك ألا يقلدوا الظلمة في الظلم، ولا يقولوا: إن ظلم الناس ظلمنا، وإن أحسنوا أحسنا ويوطنوا أنفسهم إن أحسن الناس أن يحسنوا وإذا أساء الناس أن يتجنبوا إساءتهم.
وعلينا بدعاء الله تعالى كما كان النبي ﷺ يقول: (واجعل ثأرنا على من ظلمنا) حديثٌ حسن رواه الترمذي، وكان يقول ﵊: (وانصرني على من يظلمني وخذ منه بثأري) رواه الترمذي وهو حديثٌ حسن، وكان ﵊ يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم) وهذا من دعائه عند خروجه من البيت.
стр. 6918
على الناس ألا يتعصبوا على الباطل
وبعض الناس تأخذه العصبية فيعين صاحبه أو قريبه أو من هو من قبليته على الطرف الآخر، وانظروا إليهم في حوادث السيارات، وكيف يفعلون في وقوفهم بغض النظر عن الظالم والمظلوم، وقد قال ﵊: (من أعان قومه على ظلمٍ فهو كالبعير المتردي ينزع بذنبه) رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح.
ولينظر المسلم -أيها الإخوة- في ميتة المظلوم، وبعض الناس يحتقرها، لكنها عظيمة عند الله، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بينما امرأةٌ فيمن كان قبلكم تُرضع ابناً لها، إذ مر بها فارسٌ متكبرٌ عليه شارةٌ حسنة، فقالت المرأة: الله لا تمت ابني هذا حتى أراه مثل هذا الفارس على مثل هذا الفرس، قال: فترك الصبي الثدي، ثم قال: اللهم لا تجعلني مثل هذا الفارس، قال: ثم عاد إلى الثدي يرضع، ثم مروا بجيفة حبشية أو زنجية تجر فقالت: أعيذ ابني بالله أن يموت ميتة هذه الحبشية أو الزنجية، فترك الثدي فقال: الله أمتني ميتة هذه الحبشية أو الزنجية! فقالت أمه: يا بني سألت ربك أن يجعلك مثل هذا الفارس فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وسألت ربك ألا يميتك ميتة هذه الحبشية أو الزنجية، فسألت ربك أن يميتك ميتتها، فقال الصبي: إنك دعوت ربك أن يجعلني مثل رجلٍ من أهل النار، وإن الحبشية أو الزنجية كان أهلها يسبونها ويضربونها ويظلمونها فتقول: حسبي الله! حسبي الله!) رواه الإمام أحمد، ورجاله ثقات، وأصل القصة في الصحيح.
стр. 6919
المؤمن كيس فطن لا يَخدع ولا يُخدع
وكل ما تقدم لا يمنع الإنسان أن يكون فطناً وألا يُخدع بشخصٍ يدعي الظلم، فالمؤمن لا يخدع ولا يُخدع، وليس كل من تظاهر بأنه مظلوم كان كذلك، كما في الحديث الصحيح الذي رواه مالك في الموطأ أن رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم، فنزل على أبي بكر الصديق أثناء خلافته، فشكا إليه أن عامل اليمن -أمير أبي بكر الصديق على اليمن - قد ظلمني، فكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم فقدوا عقداً ل أسماء بنت عميس -امرأة أبي بكر الصديق - فجعل هذا الرجل المقطوع اليد والرجل يطوف معهم -يبحثون عن العقد- ويقول: اللهم عليك بمن بيّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغٍ زعم أن الأقطع جاءه به، فأخذوه فاعترف به الأقطع أو شهد عليه به، فأمر به أبو بكر الصديق فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر: [والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته].
فكذلك المؤمن لا يُخدع، ويأخذ الأمر بالظاهر، ويحمل أمر الناس على أحسنه، لكن إذا ظهرت الريبة تعامل المعاملة الصحيحة.
نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الظلم، اللهم انصرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من بغى علينا، وخذ بثأرنا منه يا رب العالمين، اللهم إن اليهود قد ظلموا المسلمين، اللهم صب عليهم سوط عذابك، الله اجعل أموالهم وديارهم إرثاً للمسلمين.
اللهم عجل بالانتقام منهم يا رب العالمين، اللهم أفشل خططهم، اللهم أفشل خططهم، اللهم كما أفشلت خطتهم فأفشلها مراراً وتكراراً يا رب العالمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 6920
مصيبة عام ٢٠٠٠ [٢]
لقد بلغ اليهود والنصارى من التمكن المادي ما لا يخفى، وهم يعدون للاحتفال بمسيحهم المزعوم، والمسلمون غافلون عما قد ينتج عن ذلك من أحداث، وفي هذه المادة تحدث الشيخ عن أحكام تهم المسلم تجاه المكر اليهودي، وحكم أعيادهم والتعامل معهم.
стр. 6921
المستقبل للإسلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فقد تحدثنا في الخطبة الماضية عن بعض اعتقادات اليهود والنصارى المتعلقة بقرب نهاية الألفية الثانية, وكيف بنوا بعض ما سيفعلون على أساطير وعلى عبارات أخذوها من العهدين القديم والجديد بزعمهم, بعضها مما حرفوه وبعضها مما أُسيء فهمه، أو يساء تطبيقه من قبلهم, ولا يخلو من هذا أو هذا وإلا فإن المستقبل للإسلام, وقد أخبرنا الله عنهم أنهم قد حرفوا كتبه فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩].
وإذا كانوا يعتمدون على أمور محرفة، وتنبؤات كهنة وعرافين وغير ذلك, فإننا ولله الحمد لا نعتمد إلا على ما هو صحيح كل الصحة، مما جاء في القرآن والسنة النبوية الصحيحة, واليهود والنصارى يحركون بالأساطير ويتحركون إلى عالم الحقيقة، ويزيدهم افتتاناً ما حصل لهم من القوة المادية في هذا الزمان, ويستعملون النبوءات لنصرة دينهم, و ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١].
ومهما طغى هؤلاء فإنه سيأتي الوقت الذي يقصم الله فيه ظهورهم, لأن الله قد كتب على اليهود الذل حيث قال سبحانه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢].
وهذا الاستثناء المذكور في الآية: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢] قد قام لهم في هذا الزمان؛ فإذا انقطع ذلك الحبل رجعوا مرة أخرى إلى ما كانوا فيه من الذل والمسكنة ولا شك, فهذه المرحلة بالنسبة لهم مرحلة عابرة، وهؤلاء القوم في هذا الزمان يأتون بتلك النبوءات التي لا ندري عن مصادرها الحقيقية, ويعملون على تحقيقها، ويؤسسون الجمعيات واللجان والمؤسسات لتجعل من هذه النبوءات واقعاً, فبأي شيء قابلنا نحن المسلمين هذه الاستعدادات من قبلهم.
стр. 6922
اليهود يعملون بجد لتحقيق أهدافهم وأساطيرهم
إن عدداً من المسلمين، بل الأكثر لا يدرون شيئاً عما يحيكه اليهود والنصارى من المؤامرات, وعدد آخر من المسلمين اتجهوا إلى الاستسلام للواقع بهذا الذل الذي صاروا فيه, وبعضهم صار يعتمد على أخبار آخر الزمان في الهروب من الواقع البائس الذي يعيش فيه, ويقرأ بعض المسلمين تآليف فيها مجازفات علمية، وتطبيقات سخيفة على الواقع, ثم يتم الهروب من الواقع البائس عبر هذه الأشياء المقروءة، كالكتاب المسمى بـ عمر أمة الإسلام وقرب ظهور المهدي ﵇ , فيكون قصارى الأمر الاكتفاء بمعرفة قرب نهاية العالم وظهور المهدي.
ويا ترى ماذا فعل أصحاب النبي ﷺ وهو الذي قال لهم: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وقال: (إن كادت لتسبقني) ماذا فعلوا عندما عرفوا قرب قيام الساعة: هل توقفوا عن العمل؟ هل توقفوا عن الدعوة؟ هل توقفوا عن الجهاد؟ هل استسلموا؟ كلا.
وإنما قاموا يعملون بجد ونشاط لنشر الإسلام في الأرض وهذا هو واجبنا.
أما الاستسلام والقول بأننا ننتظر المهدي ﵇ ونقعد, فليس هذا لعمر الله من دين الإسلام في شيء, والأئمة العظام كالإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة أهل السنة رووا أحاديث المهدي, ولم ينقل عنهم حتى تحري تطبيقها والتنقيب عن زمانها, وبعض المسلمين اليوم مشغولون غاية الشغل بقضية وقت ظهوره، أو وقت نهاية العالم وخرابه, فنقول: بأي شيء تعبدنا الله؟ أليس بعبادته والعمل لدينه؟ ألا نستحي ونخجل عندما نرى الكفار الذين لا مستقبل لهم في منظورنا الشرعي يعملون ويجتهدون في تحقيق نبوءات محرفة, ونحن عندنا الأصول ونسكت ونقعد!! أيها الإخوة: لقد سبق الكلام عن شيء من أساطير هؤلاء والتي من أهمها قيام دولتهم التي يعبرون عنها بحسب ما عندهم للاستعادة الأبدية لأرض كنعان من قبل شعب اليهود, وقد تحقق لهم قيام هذه الدولة بغض النظر عن صحة النبوءات والأقوال التي عندهم, لكنهم عمدوا على تحقيق هذه النبوءات في الواقع, ثم احتلال القدس وجعلها عاصمة موحدة لدولتهم؛ لأن في التلمود نصاً يقول بزعهم: أن القدس ستتوسع في آخر الزمان حتى تصل إلى دمشق , وسوف يأتي المنفيون ويقيمون خيامهم فيها, وكذلك هي عندهم المكان الذي سيفيض الخير من السماء, ومنها يوزع على بقية العالم, فقام هؤلاء اليهود بتطبيق ذلك عملياً بغض النظر عن صحة هذه النصوص كما قلنا, لكنهم عملوا هذا هو الشاهد.
وكذلك أعادوا ويعيدون بناء هيكل سليمان المزعوم الذي سيقيمونه على أنقاض المسجد الأقصى, وهذه هي المرحلة الثالثة، مرحلة بناء الهيكل الذي يقول فيه أحد طواغيتهم المعاصرين: لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل.
فإذا أقاموا الدولة ثم احتلوا القدس -وهم الآن على أعتاب إقامة الهيكل- فإنهم قد نجحوا في إقناع النصارى أن مصلحتهم أن تقام دولة يهود، وأن يتخذوا القدس عاصمة لهم, وراجت هذه القضية جداً حتى ساند النصارى اليهود في قضية احتلال القدس، وجعلها بالتدريج عاصمة ومسكناً لهم.
ومن الأمور التي اشتبكت بين اليهود والنصارى في القضية: أن الإنجيليين يقولون: بأن المعركة الأخيرة ستكون في سهل صغير في فلسطين الذي يسمى بـ سهل مجيدو وينسبون إليه حصول معركة هرمجدون المشهورة عندهم, ويروجون الآن أنها بين النصارى والمسلمين، وينشرون الأفلام السينمائية الكثيرة التي أنتجت حول هذا الموضوع, وبنى اليهود السور، وقضية الشمعدان السباعي، والتابوت الذي يقولون بأنه لا يعرف مكانه إلا نفر قليل منهم في أثيوبيا , والمذبح قد عمل, والبقرة الحمراء قد ولدت، وخيمة العهد قد نسجت, وهكذا قاموا بتنفيذ النبوءات التي لديهم, ولسنا ننكر أن بينهم تيارات متعارضة فعندهم هؤلاء الذين يسمون بالأصوليين بالإضافة إلى العلمانيين وبينهم تضاربات, يعملون على خطين ولكن في النهاية المسلمون هم الضحية وهم المستهدفون, فالأصوليون يريدون إعادتها بالقوة, وهدم الأقصى وبناء الهيكل بالقوة وطرد المسلمين بالقوة من القدس , وأما الآخرون فإنهم يرون إقامة ذلك بالسلام وكذلك يهدفون إلى احتلال منطقتنا اقتصادياً والهيمنة عليها تكنولوجياً، وفي النهاية الهدف هو السيطرة على المسلمين.
قال ابن القيم ﵀ معلقاً على بعض ما لديهم: "ومن تلاعبه بهم -أي: من تلاعب الشيطان باليهود- أنهم ينتظرون قائماً من ولد داود النبي, إذا حرك شفتيه بالدعاء ماتت جميع الأمم, وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به, وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال, فهم أكثر أتباعه, والأمم الثلاث تنتظر منتظراً يخرج في آخر الزمان فإنهم وعدوا به في كل ملة" إذاً: كل من المسلمين والنصارى واليهود ينتظرون منتظراً في آخر الزمان, لكن اليهود والنصارى يعملون لنصرة هذا الذي سيخرج فيهم كما يزعمون, والمسلمون مع الأسف قاعدون لا يعمل منهم إلا النفر القليل, وبعضهم كما قلنا يخدرون أنفسهم بالقراءة في بعض نبوءات المستقبل, وتطبيقات سخيفة للنصوص على الواقع, فأين ما أمر الله به من العمل للإسلام والقيام بحمله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
إن هناك خشية من شن المتطرفين من اليهود -وكلهم متطرفون ولكن في اتجاهات شتى- بهجمات على المساجد الإسلامية في نهاية الألفية, والقيام بتدمير المسجد الأقصى؛ لإقامة الهيكل، والعلمانيون منهم يخشون من ذلك؛ لأنه يؤدي في نظرهم إلى تفجير المنطقة، وقيام حرب ليست محسوبة النتائج بالنسبة لهم, وهم يفضلون أن يهيمنوا بالسلم -بزعمهم- هيمنة اقتصادية ومالية وتقنية، ولذلك فقد حذر هؤلاء من بني قومهم من القيام بشيء من العنف، ليس لأجل سواد عيوننا, وإنما لأنهم يرون أن هذا استعجال, وما الذي سيحدث؟ الله أعلم بذلك.
هل سينتصر الأصوليون والإنجيليون من اليهود والنصارى ويحققون ما يقولون عنه بالقوة، ويهدمون الأقصى، ويقيمون الهيكل؟ الله أعلم بذلك.
وإذا حدث فهو شر في الظاهر، ولكنه قد يكون خيراً من جهة اشعال جذوة الجهاد في سبيل الله، وقيام المسلمين بالحمية حينئذٍ, أو أن الذي سيحدث هو أن يكسب العلمانيون منهم الجولة في قضية السيطرة على الموقف بالسلام والتعايش بين أهل الملل كما يقولون، وهؤلاء الذين ينادون بالإخاء العالمي, والسلام العالمي, والملة الإبراهيمية, ويريدون تحطيم عقيدة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] وتحطيم عقيدة: (ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار) وتحطيم عقيدة: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧].
فهؤلاء على أي حال يريدون تحطيم المسلمين سواء كان بالعنف أو باللين, ونحن ينبغي علينا أن نعود إلى ربنا وأن نقوم بحقه علينا, وأن نعلم ماذا يريد أولئك القوم أن يفعلوا وأن نعد أنفسنا إعداداً عقدياً وإيمانياً وعلمياً ونفسياً لأي طارئ.
стр. 6923
احتفال النصارى بالعيد الألفي
أيها الإخوة: إن هذه الألفية التي سيحتفلون بها هي عيدهم وليس لنا به شأن على الإطلاق, ولكن مع الأسف! يشارك كثير من المسلمين الكفرة بالاحتفال في الأعياد, وإذا كنا نرى مشاركة أبنائنا وبناتنا في عيد الحب (الفلنتاين) أو في (الهلوين) أو في رأس السنة أو في غير ذلك من أعياد الكفار, فكيف سيكون الحال في هذا العيد القادم الذي هو عندهم عيد ألفي, عيد كبير وعظيم وضخم, قد حشدوا له من الإمكانات العظيمة لنقله وتعميمه على العالم، وإذا كان كثير من المسلمين قد اغتروا ببهرج أعداء الله وخاصة النصارى في أعيادهم الكبرى، كالكرسمس، وعيد رأس السنة الميلادية, ويحضرون احتفالات النصارى بها في بلادهم ويسافرون إليهم, وبعض المسلمين ينقلونها إلى بلادهم ويقيمونها، فإن البلية الكبرى والطامة العظمى -أيها الإخوة وهذا هو الشاهد الكبير من الموضوع- ما يجري حالياً من استعدادات عالمية على مستوى النصارى للاحتفالات الكبرى بنهاية الألفية الثانية، والدخول في الألفية الثالثة، وإذا كانت الأرض تعج باحتفالات النصارى في رأس كل سنة ميلادية فكيف سيكون احتفالهم بنهاية هذه الألفية؟! إن هذا الحدث سيحولونه إلى مناسبة ضخمة جداً، لن يحتفلوا به في قبلة ديانتهم الفاتيكان؛ بل سينقلونه إلى بيت لحم في بلاد المسلمين, وسينتقل إليها أئمة النصارى من جميع الأنواع: الإنجيليون منهم، والمعتدلون بزعمهم، والعلمانيون؛ لإحياء تلك الاحتفالات الألفية التي تنشط جميع الوسائل المرئية والمسموعة للحديث عنها في هذه الأيام, إن هؤلاء الملايين الذين يتوقع حضورهم إلى ذلك المكان برئاسة يوحنا بولس الثاني، كبير الشرك النصراني في هذا الزمان، إلى موقع الاحتفال بتعميد المسيح بزعمهم، حيث عمده يوحنا المعمدان -أي: يحي ﵊ في نهر الأردن سيشارك فيه كثير من المسلمين مع الأسف الشديد، بل إن الحجوزات من قبل المسلمين في هذه المناسبة قائمة على قدم وساق، سينتظرون نهاية الشهر الكريم أو قبل نهاية الشهر الكريم للانطلاق إلى تلك الاحتفالات الشركية والكفرية التي حذرنا النبي ﷺ منها أشد تحذير, وأخبر الأمة أنها ستتبع من كان قبلها من اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب ستدخله هذه الأمة وراءهم.
стр. 6924
حكم هذه الأعياد في الشريعة الإسلامية
إن هذه الأعياد التي جاء التحذير منها في الكتاب العزيز وفي السنة النبوية والتي اعتنى الشارع الحكيم اعتناء بالغاً بتبيين بطلانها، وتحريم احتفالنا معهم بها, سيخالف هذا الحكم كثير من المسلمين، والنبي ﷺ قال: (لكل قوم عيد وهذا عيدنا أهل الإسلام) فكيف يجوز لنا أن نشارك غيرنا باحتفال شركي, احتفال هو من ميزات تلك الأمة الضالة التي أخبرنا النبي ﷺ عنهم بقوله: (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضُلاّل).
أيها المسلمون! إن القضية تحتاج بحق إلى استعداد عقدي لتلك المواجهة, وإن المسألة تحتاج منا بحق إلى وقفة جادة في طريق التشبه بالكفار لقطعه, فقد أصبح التشبه بالكفار من أمراض المسلمين في هذا الزمان, نسأل الله أن يرزقنا اعتقاد صحيحاً, وأن يباعد بيننا وبين التشبه بالضالين والمغضوب عليهم, وأن يجعلنا سلماً لأوليائه وحرباً على أعدائه, نعادي من عادى الله، ونوالي من والى الله, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 6925
حكم مشاركة الكفرة في أعيادهم
الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه, وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له, شرع لنا من الدين ما رضي به ، وصلى الله وسلم على محمد بن عبد الله, وأشهد أنه رسول الله، صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والشفاعة العظمى يوم الدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: إن ربنا قد قال في محكم تنزيله: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا﴾ [المائدة:٤٨] وقال : ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧] أي: عيداً يختصون به, ولذلك فإنه لايجوز لنا مطلقاً أن ندخل في أعيادهم ونحضرها ونهنئهم بها, أو نقبل تهنئتهم لنا بأعيادنا, وكذلك ليس لنا أن نشاطرهم فرحة، ولا أن نشاركهم بهدية، ولا أن نهنئهم تهنئة، ولا أن نقبل منهم تهنئة, ولا أن نحضر لهم مجلساً لعيدهم أبداً, لأنه رمز كفرهم، وقضية الأعياد، قضية عقدية دينية وليست قضية عامة من قضايا العادات والتقاليد, وإن ظن ذلك بعض من لا علم لديه.
عباد الله: إن المسلم الغيور ليحذّر أهله وأطفاله من أي نوع من أنواع الفرح أو المشاركة بأعياد أولئك القوم, ونحن نعلم أننا في آخر الزمان، وأن طغيان الكفرة قد حصل, ورقة الدين عند المسلمين قد حصلت, ولكن لا يجوز لنا الاستسلام أبداً, لقد ألف علماؤنا الكتب الكثيرة في بيان تحريم مشابهة الكفار في أعيادهم -كتباً مستقلة أو فصولاً في كتب- وقد ألف شيخ الإسلام ﵀ كتابه العظيم، إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم , وألف الذهبي ﵀ رسالته: تشبيه الخسيس بأهل الخميس ويقصد بأهل الخميس أولئك الضلاّل من النصارى الذين يحتفلون به، وما حدث من تشبه بعض المسلمين بهم في ذلك المقام.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في كتابه بعد أن عد أموراً من احتفالاتهم: وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم لما رأيت طوائف من المسلمين قد ابتلي ببعضها، وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله -ويقصد الدين المحرف طبعاً- ولست أعلم جميع ما يفعلونه، وإنما ذكرت ما رأيت من المسلمين يفعلونه وأصله مأخوذ عنهم.
وبعض أعيادهم تحول في العصر الحاضر إلى اجتماع كبير له بعض خصائص عيدهم القديم، يشارك كثير من المسلمين في ذلك دون علم, أعياد مأخوذة من الكفرة، كأولمبيات اليونان، ومهرجانات الفرس، وكثير من المسلمين يتشبهون في قضية المهرجانات بتلك الأعياد المجوسية، مع أن هذه اللفظة جاءت من قبل أولئك المجوس الكفرة، هي أعيادهم يطلقون عليها مهرجانات.
وكما قلنا -أيها الإخوة- فإن أولئك النصارى الذين قد أعدوا العدة لاحتفالهم الكبير في هذا الوقت قد ملئوا الدنيا ضجيجاً, ويريدون منا أن نشاركهم باسم الإنسانية تارة، وباسم العولمة تارة وباسم الكونية تارة، وباسم التآخي بين الأديان تارة، وباسم الانفتاح على الطرف الآخر وتلقي ثقافته تارة, وباسم السِلم العالمي تارة، وباسم الملة الإبراهيمية تارة، وهكذا يريدون أن يضيعوا تميّز المسلم بعقيدته, يريدون أن يفقدونا المبدأ المذكور في قوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] فيريدون منا أن نضيع البينة، وأن نفقد البينة وأن نغتر وننخدع.
إن هذه الاحتفالات التي ستنقل بالصوت والصورة الحية من أقصى الأرض إلى أدناها ستقوم بها وسائل إعلامهم، وهي أقوى وأقدر مما عند المسلمين بكثير, وستشارك في ذلك القنوات الفضائية، ستنقل مناسبات الكفر كعيد ميلاد المسيح الذي يسمى بالكرسميس في الخامس والعشرين من ديسمبر، وبعده بقليل عند الأقباط, يجددون فيه الذكرى بزعمهم، ويقدمون الهدايا في العيد، كانوا يسمونها باسم القديس نيكولس ثم حَلَّ البابا نويل محل القديس نيكولس، فتنتشر هدايا الأطفال في المتاجر والمحلات ويُدخلها المسلمون.
أطفالهم يعرفون جيداً من هو بابا نويل وهداياه فلا حول ولا قوة إلا بالله, ونصارى فلسطين من القديم يجتمعون ويتجاورون ليلة عيد الميلاد في بيت لحم؛ لإقامة قدّاس منتصف الليل, ومن شعائرهم احتفالهم بأقرب يوم أحد ليوم الثلاثين من نوفمبر, وهو عيد القديس أندرواس بزعمهم, أول أيام قدوم المسيح ﵇ عندهم, ويصل العيد ذروته بإحياء قداس منتصف الليل، وتزين الكنائس، ويغني الناس أغاني عيد الميلاد، تباً لهم يدخلون المعازف وآلات اللهو في دور عبادتهم، ويتقربون إلى الله بزعمهم بالأغاني والموسيقى والاعتقادات الباطلة, كإحراق كتلة من جذع شجرة عيد الميلاد.
ثم يحتفظون بالجزء غير المحروق, يقولون: إن ذلك يجلب الحظ, وعيد رأس السنة تحتفل به الطوائف عندهم، تنقل الاحتفالات وستستحوذ على معظم الأخبار والبرامج التي تبث، والنصارى في تلك الليلة لهم خرافات كثيرة, وهم الذين يوصفون بصناع الحضارة الحديثة، ولكن يقولون: الذي يحتسي آخر كأس من قنينة الخمر بعد منتصف تلك الليلة سيكون سعيد الحظ، وإن كان عازباً فسيتزوج الأول من رفاقه في تلك السهرة.
ومن الشؤم دخول منزل ما يوم عيد رأس السنة دون أن يحمل المرء هدية، ويعتقدون بأن كنس الغبار إلى الخارج ليلة يوم رأس السنة يكنس معه الحظ السعيد, وأن غسل الثياب والصحون في ذلك اليوم من الشؤم, وغير ذلك من الاعتقادات الباطلة.
стр. 6926
التحذير من مشاركة النصارى في احتفالاتهم
أيها المسلمون! لقد جاءت الأخبار بأن الأقمار الصناعية تستعد لبث احتفالات ذلك اليوم بدءاً من الثالث والعشرين من ديسمبر ويمتد حتى التاسع من يناير, بزعمهم أو بزعم النصارى العرب أنهم سيأخذون في الحسبان احتفالات الأرمن واحتفالات المسلمين بعيد الفطر.
إذاً هم سيؤخرون مدة الاحتفال أو يطيلون مدة الاحتفال لكي يستطيع المسلمون بعد الصيام وعيد الفطر أن يشاركوهم في ذلك، وستقوم شركات التكنولوجيا المتطورة بتقديم أحدث إنتاجها من عروض الليزر على جدران الأبنية العالية، وستقام الشاشات الرقمية العملاقة التي ستنقل احتفالات العالم لحظة بلحظة على مدار الساعة، وهكذا تقدم تلك الاحتفالات على الملأ, وسيراها أبناء المسلمين وأطفالهم ويقولون: نراعي وجود خيمة إفطار رمضانية، ونمنع شرب الخمر حولها, وبعد ذلك ماذا سيحدث في الليل إذا انتهى الإفطار؟ وماذا سيحدث بعد عيد الفطر؟ وقد وصلت أسعار وجبات العشاء في ذلك اليوم إلى مبالغ خيالية ومما يتوقعون حدوثه أيضاً: ازدياد حالات الانتحار إلى عشرة أضعاف في رأس السنة وبعض طوائف النصارى يعدون العدة لعمل ما في أرض فلسطين وقد باعوا ممتلكاتهم وذهبوا إلى هناك، ولعلهم يريدون القيام بهجوم أو انتحار جماعي، ولكل مذهب كفر طريقة يعبر بها عن احتفالاته أو عن إتيانه هذه المناسبة لديه.
أيها الإخوة: إننا سنرى ونسمع -إن عشنا- أموراً كثيرة من الكفر والضلال، ومن الخنا والفجور، والفحشاء والسكر والعربدة, ونسأل الله أن يحفظنا ويحفظ بلادنا وسائر المسلمين من كل سوء.
اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين, اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً بعقيدته ودينه, اللهم ارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر, اللهم إن نعوذ بك من التشبه بالكفار, ونعوذ بك من الخزي في دار البوار يا عزيز يا غفار, اللهم اغفر ذنوبنا واغسل حوبتنا إنك سميع الدعاء.
اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا، في هذا الموقف العظيم، والساعة العظيمة، واليوم المبارك أن تخزي الروس والنصارى يا رب العالمين، اللهم ابطش بهم، اللهم أنزل بهم عذابك الذي لا يرد عن القوم المجرمين, أنزل بهم بأسك، وفرق شملهم، وشتت جمعهم، وزلزل الأرض من تحتهم، وأنزل عليهم عذاباً من فوقهم, وأرنا فيهم عجائب قدرتك, اللهم قتّلهم تقتيلاً، وشردهم تشريداً، اللهم قض دولتهم، اللهم اهدم ملكهم، اللهم اهزم جيوشهم، اللهم إنهم فتكوا بإخواننا في الشيشان وأنت على كل شيء قدير, اللهم إنك العزيز الجبار وهم لا يعجزونك, اللهم إنهم لا يعجزونك، اللهم فخذهم أخذ عزيز مقتدر, اللهم انصر إخواننا المستضعفين في الشيشان، واجمع كلمتهم على الحق والإيمان يا رحيم يا رحمن, اللهم سدد رميتهم، ووحد صفوفهم، واجمع كلمتهم على التوحيد يا أرحم الراحمين.
عباد الله: بعد كل ما سمعنا يجب علينا وعلى كل فرد منا أن يُحذر مما سيحتفل به النصارى واليهود، وأن يستعمل التوعية في تحذير إخوانه من مكرهم، إن هذا واجب علينا، وعلينا التصدي لأي محاولة منهم لإدخالنا في احتفالاتهم، وأن نكون على يقظة تامة ووعي كامل بما سيفعلونه, إنهم يوزعون أناجيلهم ويدعوننا لكفرهم ليلاً ونهاراً , ويريدون أن نشاطرهم في احتفالاتهم ولكننا أصحاب عقيدة، وأصحاب مبدأ، وأصحاب دين، إننا مسلمون أولاً ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك إلى آخر الحياة.
فهذه المسئولية مسئوليتنا جميعاً ونحن على مقربة من شهر رمضان نسأل الله أن يرزقنا بلوغه، وأن يتم علينا النعمة بصيامه وقيامه, وأن يجعلنا قبله وبعده من التائبين ومن عتقائه من النار, سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 6927
الأسئلة
أيها الإخوة: إن هذه الألفية التي سيحتفلون بها هي عيدهم وليس لنا به شأن على الإطلاق, ولكن مع الأسف! يشارك كثير من المسلمين الكفرة بالاحتفال في الأعياد, وإذا كنا نرى مشاركة أبنائنا وبناتنا في عيد الحب (الفلنتاين) أو في (الهلوين) أو في رأس السنة أو في غير ذلك من أعياد الكفار, فكيف سيكون الحال في هذا العيد القادم الذي هو عندهم عيد ألفي, عيد كبير وعظيم وضخم, قد حشدوا له من الإمكانات العظيمة لنقله وتعميمه على العالم، وإذا كان كثير من المسلمين قد اغتروا ببهرج أعداء الله وخاصة النصارى في أعيادهم الكبرى، كالكرسمس، وعيد رأس السنة الميلادية, ويحضرون احتفالات النصارى بها في بلادهم ويسافرون إليهم, وبعض المسلمين ينقلونها إلى بلادهم ويقيمونها، فإن البلية الكبرى والطامة العظمى -أيها الإخوة وهذا هو الشاهد الكبير من الموضوع- ما يجري حالياً من استعدادات عالمية على مستوى النصارى للاحتفالات الكبرى بنهاية الألفية الثانية، والدخول في الألفية الثالثة، وإذا كانت الأرض تعج باحتفالات النصارى في رأس كل سنة ميلادية فكيف سيكون احتفالهم بنهاية هذه الألفية؟! إن هذا الحدث سيحولونه إلى مناسبة ضخمة جداً، لن يحتفلوا به في قبلة ديانتهم الفاتيكان؛ بل سينقلونه إلى بيت لحم في بلاد المسلمين, وسينتقل إليها أئمة النصارى من جميع الأنواع: الإنجيليون منهم، والمعتدلون بزعمهم، والعلمانيون؛ لإحياء تلك الاحتفالات الألفية التي تنشط جميع الوسائل المرئية والمسموعة للحديث عنها في هذه الأيام, إن هؤلاء الملايين الذين يتوقع حضورهم إلى ذلك المكان برئاسة يوحنا بولس الثاني، كبير الشرك النصراني في هذا الزمان، إلى موقع الاحتفال بتعميد المسيح بزعمهم، حيث عمده يوحنا المعمدان -أي: يحي ﵊ في نهر الأردن سيشارك فيه كثير من المسلمين مع الأسف الشديد، بل إن الحجوزات من قبل المسلمين في هذه المناسبة قائمة على قدم وساق، سينتظرون نهاية الشهر الكريم أو قبل نهاية الشهر الكريم للانطلاق إلى تلك الاحتفالات الشركية والكفرية التي حذرنا النبي ﷺ منها أشد تحذير, وأخبر الأمة أنها ستتبع من كان قبلها من اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب ستدخله هذه الأمة وراءهم.
стр. 6928
موقف المسلم من أعياد الكفار
السؤال
ما هو موقفنا من أعياد الكفار القادمة في احتفالات عام (٢٠٠٠)؟
الجواب
هذه المسألة سبق ذكرها في الدرس لكن نعيد الإجمال والتأكيد على بعض النقاط لأهميتها, فأقول: الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن هذه الأعياد القادمة وهي الاحتفالات الألفية قد يقدم فيها بعض الكفار على أعمال تتعلق بعقيدتهم في عام (٢٠٠٠) مثل اعتداءاتهم على مقدسات المسلمين، كالمسجد الأقصى وغيره, أو إقامة صروح كفر يعتقدون إقامتها في هذا الوقت, أو انتظار غائب يعتقدون أنه يأتي وينزل في هذا الوقت, والعلمانيون منهم -إن صح التعبير- لا يريدون أن تحدث مفاجآت وينقلب السحر على الساحر كما يقولون، وتحدث مواجهات بين المسلمين والكفار ليست محسوبة النتائج، فلا يريدون عمل مواجهة بالقوة؛ لكنهم يريدون إغراقنا بمعتقداتهم وأعيادهم, وإشراكنا في احتفالاتهم رغماً عنا, حين يغرقون المناطق في العالم بما ينقلون في فضائياتهم في العالم بشعائر احتفالاتهم وطقوسهم، وتلك المظاهر من البهجة والسرور التي يظهرونها، بالإضافة إلى الفحش والمنكرات، والرقص والحفلات الغنائية، والفرق العالمية والموسيقية، وعروض الليزر والأنوار الكثيرة، والألعاب النارية ونحو ذلك من هذه الأشياء.
لكن البعض منهم يمكن أن يعملوا أعمالاً فيها استعمال للقوة أو انتحار جماعي لبعض فرقهم الدينية، بناءً على أسس يعتقدونها إذا ما جاء المسيح أو ما حصل ما ينتظرونه، أو أن يعملوا انتحاراً جماعياً, لكن الغالب أن هذا العيد سيمضي عندهم بقضية مجون وخلاعة، وكفر وشرك، وإظهار المعتقدات الباطلة، والكنسية، والطقوس، والوثنية وغيرها, ونحن ينبغي أن نستعد لأي مفاجأة لكن اتجاههم العام الآن يشعر بهذا، إغراق العالم بأجواء الاحتفالات.
وأكثر منه إحداث مواجهة عسكرية مع المسلمين مثلاً، لأنه ربما لم يأت الوقت المناسب بزعمهم لذلك, لكن الله غالب على أمره ولا يعلم الغيب إلا الله، والله يفعل ما يشاء، يمكن يحدث أي شيء، ولذلك فالمسلم يجب أن يكون مستعداً نفسياً بجميع أنواع الاستعداد, وعلى رأس ذلك التسلح بالإيمان والتوحيد، منافاة للشرك والكفر ومعادة أهله، والابتعاد عن التشبه بهم, فما هو موقفنا من أعيادهم القادمة في الاحتفالات الألفية؟ أولاً: اجتناب حضورها, لما جاء من الأدلة الكثيرة المانعة من ذلك وفي دين الإسلام، وما جاء فيه من الأدلة وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: [لا تتعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذا عمر نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم! أليس موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟! أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم! وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشاركهم في ذلك العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك، واستجلب سخط الجبار عليه؟ وقال عبد الله بن عمر ﵁: [من بنى في بلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة] والشاهد عند قوله: [حشر معهم] وعلق عليه ابن تيمية فقال: وهذا يقتضي أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار وإن كان الأول ظاهر لفظه.
وإذا قلنا لا نحضر، فإن ذلك يقتضي أيضاً ألا نشاهد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] قال المفسرون: أعياد الكفار لا نحضرها ولا نشاهدها لا بأشخاصنا، ولا بالصوت والصورة المنقولة، وهذا الذي قلناه قبل قليل وأحذرك أن تترك نساءك وأطفالك يرون الاحتفالات المنقولة فضائياً؛ لأن هذا فيه إدخال الفرح على نفوس الأطفال بمناسبة الكفر, والأعياد الشركية والانجذاب والتعلق بذلك, ولذلك أولادك يمكن أن يعجبوا بالكفار واحتفالاتهم وأعيادهم، بل يطلبون منك أن تأتي لهم بشجرة عيد ميلاد, أو تأتي لهم بحلويات خاصة مما يفعلونه, أو بابا نويل! ما يأتي به بابا نويل، هذا كله يمكن أن يحدث نتيجة المشاهدة, وتركهم يشاهدون ذلك عبر القنوات، وهذه القضية يجب الاهتمام بها أشد الاهتمام.
ثم إننا نجتنب موافقتهم في أفعالهم، قال شيخ الإسلام ﵀: لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام ولا لباس، ولا اغتسال ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة.
لا نأخذ إجازة ولا نعطل الأعمال، ولا نغلق الدكاكين ولا المحلات، ولا الشركات ولا المؤسسات، لا في المعيشة ولا في العبادة ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء ولا بيع ما يستعان به على ذلك, لا تبيع لهم الديك الرومي بمناسبة أعيادهم، ولا شجرة ميلاد، ولا زينات وأضواء وأنوار من النوع الذي يستخدمونه، وكذلك لا تبيعهم حلويات من النوع الذي يستعملونه، وهو شيء مثل العكاز وشيء مثل غيره من الأشياء المعروفة لديهم.
قال شيخ الإسلام ﵀: ولا بيع ما يستعان به على ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم -صبيان المسلمين- من اللعب الذي في الأعياد، ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام.
قال الذهبي ﵀: فإذا كان للنصارى عيد، ولليهود عيد، كانوا مختصين به، فلا يشركهم فيه مسلم كما لا يشاركهم في شرعتهم ولا قبلتهم.
وقد ذكر ابن التركماني الحنفي ﵀: النكيرة والتحذير ممَّن يوسع النفقة على عياله في أعياد النصارى، وأن من لم يتب فهو كافر مثلهم فيما نقل عن بعض علماء الحنفية.
وقال بعض أصحاب مالك: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيراً.
فإذا كان عندهم يوم النيروز يأكلون فاكهة معينة فجاء مسلم وفعل مثلهم بقصد التشبه، فكأنما ذبح خنزيراً.
بل قال مالك: "يكره الركوب معهم في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم؛ لنزول السخط واللعن عليهم, فالله يسخط ويغضب وينزل اللعنة على هؤلاء الذي جعلوا له ولداً وزوجة، وجعلوه ثالث ثلاثة, والله لا يرضى الكفر" وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم فكره ذلك؛ مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه.
وكذلك فإننا لا نهدي لهم ولا نعينهم على عيدهم ببيع أو شراء كما تقدم، حتى قال أبو حفص الحنفي: من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى.
ومعلوم أن هؤلاء الكفرة المشركين من النصارى من ضمن ما يفعلونه من طقوسهم صبغ البيض (الملون) , فالذي يبيعهم بيضاً ليصبغونه فهو مشارك لهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي للنصارى شيئاً في عيدهم مكافأة لهم، ورآه من تعظيم عيدهم وعوناً لهم على مصلحة كفرهم، ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئاً من مصلحة عيدهم، لا لحماًَ ولا إداماً ولا ثوباً، ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم, لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن عونهم على كفرهم، وينبغي نهي المسلمين عن ذلك.
وابن التركماني قال: فيأثم المسلم بمجالسته لهم وبإعانته لهم بذبح وطبخ وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم.
لو قال لك نصراني: أوصلني إلى مكان الاحتفال فلا يجوز لك ذلك, أو يقول: أعرني سيارتك أحضر حفلة عيد الميلاد، فلا يجوز لك أن تعيره سيارتك, ومع بالغ الأسف فإن كثيراً من المسلمين من الباعة يتساهلون في هذه القضية، ويبيعون على الكفار هدايا من الأعياد من الزهور والعطور حتى بطاقات التهنئة، كالكرسميس يبيعونها عليهم، وبعض ألبستهم التي تفعل في أعيادهم، وشجرة عيد النصارى, وهدايا بابا نويل , وحلويات على شكل صليب أو على شكل عكاز كما يفعلونه، وبعض المتاجرين يرون أنه من باب استغلال أرباح الموسم، والنصارى الآن يشترون, بع واربح وإنما يأكلون في بطونهم ناراً، وسيصلون سعيراً, وهذا من إعانتهم على عيدهم، وإسهام لإظهار شعائرهم وإشهارها.
ثم إنه يجب ألا نعين أي مسلم يتشبه في عيدهم كما قال شيخ الإسلام ﵀: وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك, بل يُنهى عن ذلك, فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته.
لو أن مسلماً قال: ليلة رأس السنة عندي حفلة, فلا يجوز لك حضورها ولا إتيانها، ويجب أن تنهاه عنها, قال: من صنع دعوة مخالفة للعادة.
لماذا طول العام لم يصنع الاحتفال فلما كان على ليلة (٢٠٠٠م) فعل هذه الحفلة؟ لماذا خصها في هذا اليوم ولو كان مسلماً؟ قال: ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعيادة مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته.
جاء إليك شخص بمناسبة عام (٢٠٠٠) وقال: هذه هدية فهو يقصد هذا التاريخ وهذا العيد, فلا تقبل هديته وترد عليه وتقول له: لا أقبل، هديتك مردودة عليك, لأنك أهديتني بمناسبة أعياد الكفار, اتق الله.
أيها الإخوة: المشكلة أن هؤلاء القوم سيحاولون التنسيق ما بين أعيادنا وأعيادهم، ويقولون: نضع خيمة رمضانية إلى جانب الكنيسة، أنتم تسهرون في ليلة في رمضان ونحن في أعياد, ونحن نهنئكم على رمضان، وأنتم تهنئوننا على الأعياد ونحن ممكن أن نحضر معكم الإفطار, ونأتي على مائدة رمضان، أنتم تحضرون معنا عشاء عيد الميلاد: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩].
فلا تطع هؤلاء الكفرة فيفتنوك عما أنزل على نبيك ﷺ .
قال شيخ الإسلام: لم يتقبل هديته خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم، ولا يب
стр. 6929
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
إن الله يرضى عن عباده بقدر ما في قلوبهم من التقوى والخشية، فأكرم الناس أتقاهم لله وأخشاهم له، أما اختلاف الناس إلى شعوب وقبائل فهو من أجل أن يتعارفوا فيما بينهم ويتواصلوا، وقد كانت الجاهلية قديماً -أيضاً- وحديثاً تبني أسسها ودعائمها على التمييز بين البشر وتعبيد العباد للعباد، ولكن جاء الإسلام ليهدم هذا الأساس الجاهلي ويضع للناس ميزاناً للتفاضل بينهم، وهو ميزان التقوى.
стр. 6930
ما يستنبط من قوله: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
الجواب
=٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
الجواب
=٦٠٠٠٤٩٣> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
الجواب
=٦٠٠٣٦٠٢> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أحمد الله إليكم -أيها الإخوة- الذي وفقنا وإياكم لحضور مجالس الذكر والانتفاع بمائدة القرآن، فإن مثل هذه الحلق من الأشياء التي يرضى الله عن أصحابها، ويحفها بملائكته جل وعلا، ويسطرها لهم في صحائف حسناتهم إن شاء الله تعالى، لما في هذه الحلق من زيادة العلم والدين وزيادة الإيمان في قلوب المؤمنين: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].
وقد تكلمنا- أيها الإخوة- في المرة الماضية عن بعض آفات اللسان أثناء تفسير سورة الحجرات، وكانت هناك أسئلة كثيرة، ولذلك سنقتصر الكلام في هذا الدرس على قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ثم نجيب بعد ذلك على الأسئلة.
ونسأل الله ألا نتجاوز إن شاء الله الساعة الثامنة حتى لا نطيل على الإخوة، ومن أراد من الإخوة أن يذهب فله ذلك، فلا يشعر بالإحراج والأمر متسع إن شاء الله، وبإمكانه أن يسمع المحاضرة بعد ذلك.
стр. 6931
الفائدة الأولى: المطابقة في تمثيل المغتاب بآكل الميتة
ذكرنا -أيها الإخوة- في التعليق على قول الله جل وعلا: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] أن هذا مثل، وقلنا: إنه مثل ضربه الله جل وعلا للذي يغتاب الناس وينهش أعراضهم، مثله ربنا بالذي يأكل لحم إنسان ميت.
وهذا المثل الذي ضربه الله فيه مطابقة من حيث التمثيل فهو تمثيل بديع جداً، فكما أن الإنسان عندما يموت لا يحس بمن ينهش لحمه لغياب روحه عن جسده، فكذلك الشخص الذي يُغتابُ ويُنهشُ عرضُه غير موجود، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، لأنه غائب كما أن الميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه، لأن روحه قد فارقت جسده.
وكما أن الميت يعجز عن رد آكله، فكذلك الذي يغتاب يعجز عن رد من يغتابه.
والذين يأكلون لحوم البشر يتفكهون ويتلذذون بأكلها حسب مزاجهم الفاسد، كذلك أصحاب المزاج الفاسد من البشر الذين يغتابون الناس أيضاً يتلذذون ويتفكهون بنهش أعراض البشر.
стр. 6932
الفائدة الثانية: تحريم الغيبة
أيضاً يؤخذ منه فائدة تحريم الغيبة، لأن أكل لحم الموتى حرام، بل هو كبيرة من الكبائر، ولاحظ أن المثل يشمل أشياء كثيرة جداً، ليست البلاغة هي الموجودة فيه فقط، وإنما -أيضاً- الحكم، لأن المشبه يأخذ حكم المشبه به، فالمشبه به هنا أكل لحم الموتى، وأكل لحم الموتى حرام، وهو كبيرة من الكبائر، ولذلك أيضاً الغيبة حرام، وقال بعض العلماء: إنها كبيرة من الكبائر، لأن الله مثلها وشبهها بأكل لحم الميت وهو من الكبائر، والفائدة الأخرى أيضاً: تشنيع هذه الصورة في نفوس المؤمنين، فمن فوائد هذا التشبيه أن نفس الإنسان المسلم تكره سماع الغيبة وتكره الاغتياب، لأنها تسمع هذا التمثيل البشع: ﴿يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢].
فهذه الأمثال- أيها الأحبة- لا يعقلها إلا العالمون، والله أمرنا أن نتدبر الأمثلة، فقال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٥] لعلهم يتفكرون، لأولي الألباب ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
تجد العجب العجاب في كتابة الذين يكتبون عن الأمثال مما فتح الله عليهم مثل ابن القيم رحمه الله تعالى عندما يفسر آيات فيها أمثال.
стр. 6933
ما يستنبط من قوله: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ)
وفي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].
ثلاثة أشياء متوالية، فيها تصحيح عجيب لسلوك الإنسان، كيف ذلك؟ يقول أحد أهل العلم في التفسير: تأمل كيف أن الله حرم الظن السيئ بالمؤمنين، فالظن الجزاف الذي لا يعتمد على شيء حرمه الله جل وعلا، ثم لما حرم هذا الظن، حرم سلوك السبيل الذي يؤكد هذا الظن، وهو: التجسس، لأن الإنسان عندما يتجسس، فإنما يحاول أن يؤكد ظناً عنده؛ فحرم الله سوء الظن، وحرم السبيل لتأكيد هذا الظن، وهو التجسس، وحرم الغيبة التي هي التكلم بما تأكد له من التجسس.
حرم الله ثلاثة أشياء متوالية: حرم الله سوء الظن -غير الظن الذي هو على قرار- ثم حرم سلوك السبيل لتأكيده وهو التجسس، ثم حرم التكلم عنا المسلم بما فيه حتى لو علمه وتيقن به، وذلك بتحريم الغيبة، وهذا كله لحماية أفراد المجتمع المسلم من جميع الآفات والشرور.
стр. 6934
ما يستنبط من قوله: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] الذكر والأنثى هما- كما نعلم- آدم وحواء، وهذه الآية تفسرها آية في مطلع سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء:١].
(نفس واحدة) هي: آدم، (خلق منها زوجها) من هذه النفس التي هي آدم خلق حواء، (وبث منهما) من هذا الرجل والمرأة (رجالاً كثيراً ونساء).
والناس من جهة الذكر والأنثى أنواع كما أنهم من جهة اللون أنواع، ففيهم الأبيض والأسود والأسمر والحنطي إلى غيره، كذلك من جهة الشكل الخارجي، فهناك الطويل والقصير والسمين والنحيل، فكذلك من جهة الذكر والأنثى الناس أربعة أصناف: فمنهم من خلقه الله من ذكر وأنثى، وذلك مثل عامة البشر تقريباً، ومنهم من خلقه الله بلا ذكر ولا أنثى، وهو آدم ﵇، ومنهم: من خلقه الله تعالى من أنثى بلا ذكر وهو عيسى ﵇ خلقه الله من أنثى بلا ذكر، ومنهم من خلقه الله من ذكر بلا أنثى كحواء، فقد خلقها الله من ذكر بلا أنثى.
وهناك كلام مهم للعلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان عند تعليقه على قول الله : ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات:١٣] فإنه وضح الفوارق بين الذكر والأنثى، ووضح ما ينبني عليها من الأحكام الشرعية التي جعلت الطلاق والقوامة بيد الرجل، والحمل ورعاية الأبناء الصغار عند المرأة، فليراجع فإنه كلام جميل.
стр. 6935
قوله: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ)
следующие страницы →