← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

استنباطات ابن القيم من قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل . ولما أتى ﵀ مثلاً إلى قول الله : ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢٦٦] هذا المثل ضربه الله للمرائين يوم القيامة، قال تعالى: ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة:٢٦٦] هذا المثل لأناس لهم أعمال جاءوا يوم القيامة محتاجين إليها جداً، فوجدوها هباءً منثوراً ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة:٢٦٦] فيقول ابن القيم ﵀: ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة:٢٦٦] ذكر الله في هذه الآية أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعاً، فإن منهما القوت والغذاء، والدواء والشراب، والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطباً ويابساً. ثم يقول: وهذه الجنة- أي: البستان- فيها أنهار تجري، وهذا أكمل وأعظم، وهل فقط فيها نخيل وأعناب؟ لا، بل فيها من كل الثمرات. ثم يقول: -وهذا الرجل أصاب جنته إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت، وقبل أن تحترق قد كبر سنه- يقول ابن القيم ﵀: انظر مدى تعلق قلب الرجل بهذا البستان، لو كان عنده جنة، أو بستان ليس فيه نبات ولا زرع فإنه لا يحزن عليه؛ فإذاً قلبه متعلق -أولاً- بالبستان؛ لنفاسة ما في البستان من النخيل والأعناب وأنواع الثمرات، وفيه أنهار تجري، وهذا الرجل قد أصابه الكبر. يقول ابن القيم ﵀: إذا كبر ابن آدم، اشتد حرصه، لأن ابن آدم يشيب ويشب معه اثنتان: الحرص وطول الأمل. يقول: أصابه الكبر، فالآية تعبر عن معانٍ قد لا نفقهها إذا قرأناها لأول مرة، لكن عندما يأتي مثل: ابن القيم ﵀ يبين لنا، يقول: تعلق أول شيء قلبه بسبب نفاسة البستان، وبسبب أنه كبر سنه، فعجز عن الكسب والتجارة، واشتد حرصه بطبيعة كبر السن، وثالثاً: له ذرية ضعفاء، فهو حريص أن يبقى هذا البستان للذرية، وهؤلاء الذرية ليسوا أقوياء، لكنهم ضعفاء يحتاجون إلى من يكد عليهم، ورابعاً: أن نفقته عليهم- أي: هو أبوهم- فإذا تصورت هذه الحادثة من تعلقه بالبستان أشد ما يكون، وهو في هذا التعلق أصابه إعصار فيه نار فاحترقت، كيف يكون وضع الرجل؟ هذا مثل المرائين يوم القيامة يأتون بأعمال أمام النار، الواحد يحتاج لكل عمل، وعندهم أعمال، ولكن شبَّه حال احتياجهم للأعمال يوم القيامة بحال هذا الشيخ الكبير في السن، وأصاب أعمالهم إعصار الرياء فأحرقها، وأفلسوا وهم في أشد الحاجة، وفي وقت عصيب أشد ما تكون الحاجة إلى هذه الأعمال.

стр. 7002

آية ضيافة إبراهيم وفقه ابن القيم فيها خذ مثلاً قول الله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٧] هذه الآيات استنبط ابن القيم ﵀ منها خمسة عشر أدباً من آداب الضيافة. أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون. ثانياً: قال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [الذاريات:٢٥] فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أن إبراهيم ﷺ كان قد عرف بإكرام الضيفان، فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان. ثالثاً: قوله ﴿سلامٌ﴾ بالرفع، وهم قالوا: ﴿سلاماً﴾ وهذه جملة فعلية دالة على التجدد والحدوث والتغير، لكنه قال: سلامٌ، وهذه جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات فليست متغيرة، فكان رد سلامه أفضل من سلامهم. رابعاً: أنه حذف المبتدأ من قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم، احتشم من مواجهتهم بلفظ الضيف، أي: ما قال: سلامٌ أنا لا أعرفكم أنتم غريبون عليَّ، وإنما قال سلامٌ وربطها بقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] أي: سلام على قوم لأول مرة أراهم. خامساً: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: ﴿مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] ولم يقل: أنا أنكرتكم، فهناك فرق بين أن تقول: سلام قوم غير معروفين، وهذه ألطف من أن تقول: سلامٌ عليكم قوم أنا لا أعرفكم. سادساً: أنه راغ إلى أهله لكي يأتي بالطعام، والروغان هو الذهاب في اختفاء. سابعاً: أنهم ما شعروا به إلا وقد جاءهم بالطعام مع أنه عجل مشوي، وهذا يدل على أنه كان مشغولاً بإكرام الضيف، ما ذهب واشترى وذبح واشتوى فانظر السرعة! ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ولم يقل: ثم جاء، معناها أشياء مجهزة، يأتي إليه الضيف فيجد الطعام جاهز فيقول ابن القيم ﵀: يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه، ويقول له: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فيقول له: لا. ليس هناك داعي أن تأتي بالطعام، وبعد ذلك يحلف عليهم. ثامناً: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً. تاسعاً: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم بعجل سمين، مثل أن يكون عند أحدهم خدم، فمن آداب الضيافة أن يأتي لك بالأكل بنفسه، ولا يقل للخادم: هات الطعام؟ بل يأتي بالطعام بنفسه؛ لأن في هذا زيادة في الإكرام. عاشراً: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببعضه. الحادي عشر: أنه سمين لا هزيل، ومعروف أن ذلك من أفخر أموالهم. الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه. الثالث عشر: أنه قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] وهذا في غاية التلطف في العرض. الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل، لأنه رآهم لا يأكلون. الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل، خاف منهم ولم يظهر لهم، لأن الإنسان إذا لم يمد يده على الطعام فمعنى ذلك أن في نفسه شيئاً، فإبراهيم لم يقل: لماذا لم تأكلوا؟ إذن أنتم تريدون الشر؛ بل سكت، فالله أمرهم أن يقولوا له: لا تخف، نحن ملائكة لا نأكل؛ جئنا لغرض كذا وكذا. ومسألة استنباط ابن القيم من الآيات مسألة عجيبة؛ حتى أنه قال في كتاب الجواب الكافي: وفي هذه القصة- التي هي قصة يوسف- من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.

стр. 7003

فقه الواقع عند ابن القيم كان ابن القيم ﵀ لديه إلمام تام بواقعه وعصره، ما كان يعيش بين الكتب منزوياً لا يدري عن شيء؛ بل كان لديه اطلاع جيد، وكان يعرف البدع وأهل الأهواء في عصره، وكان في عصره هجوم للنصارى على بلاد المسلمين، وهجوم للتتر، وكان ﵀ يعرف مخططات النصارى في بلاد المسلمين، انظر إليه وهو ييقول في كتابه الجواب الكافي -هذه مسألة مهمة جداً وهي أن نعلم كيف كان العلماء من قبل عندهم تكامل، لم يكونوا مغمضي الأعين عما يحدث في الواقع؛ بل كان لديهم حس ومعرفة، وإلمام واطلاع- يقول: "وإذا أراد النصارى أن يُنصِّروا الأسير المسلم، أروه امرأة جميلة منهم، وأمروها أن تطمعه في نفسها -وصارت هي التي تدخل عليه السجن- حتى إذا تمكن حبها من قلبه، بذلت له نفسها إن دخل في دينها، يقول ابن القيم ﵀ تعليقاً: فهناك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] " هذا ابن القيم ﵀ كان يعرف عن مخططات النصارى، وهذه سمة يفتقدها ويفتقر إليها كثير من أصحاب النيات الطيبة في هذا الزمان، فإنهم قد يقرءون في كتب العلم الشرعي، والأصول الشرعية، لكنهم لا يدرون شيئاً عن مخططات العلمانية، والماسونية، والشيوعية، والمذاهب الإلحادية الهدامة، لا يدرون عنها شيئاً، فقط علمهم بالقديم أما الجديد فلا. وأيضاً هناك طائفة أخرى على الضد من ذلك يتوسعون في معرفة الطوائف، ومعرفة المذاهب الفكرية الجديدة، ومعرفة المخططات والاستعمار وغير ذلك، لكنهم لا يعرفون أبداً ما هو مسطر في كتب السلف، لكن عندما يأتي واحد مثل: ابن القيم ويقول هذا الكلام، وعنده علم شرعي زائد، وإلمام بالواقع، وشيخه ابن تيمية ﵀ الذي درس على يديه، وكان يعرف مخططات التتر، ويكتب عنهم، ويحذر منهم، ويجعل الأمة تنهض نهضة عامة لتنتصر على التتر، ويقسم أيماناً أن المسلمين سينتصرون على التتر، وكان ابن تيمية يوزع حلوى النصر قبل أن تقوم المعركة، ويقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، ويعرف المخططات، ويعرف خطر النصيرية في الجبال، فيذهب إليهم ابن تيمية ﵀ ومعه جيش الإسلام فيؤدبهم علماء أجلاء عرفوا الواقع، وكان عندهم علم بالشريعة، فحصل الخير العظيم بوجودهم.

стр. 7004

موقف ابن القيم من أهل البدع وكان أيضاً مما فعله ابن القيم ﵀ تصديه لتيارات الصوفية المنحرفة من أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد الذين يقولون: الله في كل مكان في الشارع في الخلاء، وأن المخلوقين جزء من الله. كما قال قائلهم: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهبٌ في كنيسته كان ابن القيم ﵀ ممن تصدوا للتيارات المنحرفة، ويقول -مثلاً- فاضحاً لهم: سئل الشبلي من المتصوفة متى تستريح؟ قال: إذا ما رأيت له ذاكراً -أي: إذا ما رأيت أحداً يذكر الله، أستريح- لماذا؟ قال: لأني أغار، فلذلك لا أريد أحد يذكر الله -فهذا من الضلال والعياذ بالله- ثم قال: مات ابن له، فقطعت أمه شعرها، فدخل هو الحمام ونور لحيته -يعني: أزال اللحية حتى ذهب شعر هذا الضال- فقيل له: لماذا فعلت هذا؟ قال: إنهم يعزونني على الغفلة، ويقولون: آجرك الله، ففديت ذكرهم لله على الغفلة بلحيتي. وابن القيم ﵀ يذكر هذا ويسطره، ويقول: هذه ضلالاتهم فانظروا كيف عملوا! وقال: ونظير هذا ما يحكى عن فلان أنه سمع رجلاً يؤذن، فقال: طعنة وسم الموت، لأنه لا يريد أن يسمع لفظ الجلالة، وسمع كلباً ينبح، فقال: لبيك وسعديك، وسمع الشبلي مرة رجلاً يقول: جل الله، فقال: أحب أن تجله عن هذه ويا عجباً ممن يعد هذا في مناقب رجل! يقول ابن القيم: عجيب أن هذا يعد في مناقب فلان وفلان، ويزين به كتابه وهكذا، وكذلك تكلم على سمنون -وهو من المتصوفة - وكان من غروره أن قال: وليس لي من هواك بدٌ فكيف ما شئت فامتحني يقول: يا ألله! مثلما تريد أن تعمل فيَّ أنا مستعد، وأنت فقط اعمل الذي تريد، ويقول: اللهم اجعلني سقف البلاء على خلقك، إذا أردت أن تنزل بلية على الخلق أنزلها عليَّ فأنا مستعد أن أتحمل، فابتلاه الله بحصوة في الكلية، أو بعسر البول، فكان يقفز مثل القرد من الألم، ويطوف على صبيان المكاتب، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب.

стр. 7005

نبذة عن إغاثة اللهفان تبين تصدي ابن القيم للتصوف المنحرف كتاب ابن القيم ﵀ إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان فيه ذكر كثير، ورد كبير على الصوفية وعلى طرقهم المنحله، فقال في إحدى القصائد التي نقلها عن مبلغ علم الصوفي بالشريعة: إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قد قال الصحابة والألى تبعوهمُ في القول والأعمالِ أو قلت قال الآل آل المصطفى صلى عليه الله أفضل آل أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام العالي أو قلت قال صحابهم من بعدهم فالكل عندهم كشبه خيالِ كل هؤلاء لا يعجبون الصوفية، ولا يأخذون بهم لا بالكتاب ولا بالسنة، ولا بأقوال الأئمة، وإنما يأخذون كما قال: ويقول: قلبي قال لي عن سره عن سر سري عن صفا أحوالي عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي عن شاهدي عن واردي عن حالي عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي عن سر ذاتي عن صفات فعالي هذا هو كلام الصوفية. دعوى إذا حققتها ألفيتها ألقاب زور لفقت بمحالِ تركوا الحقائق والشرائع واقتدوا بظواهر الجهال والظلال

стр. 7006

نبذة من النونية في ذم التأويل وكذلك تجد ابن القيم ﵀ عندما يرد على الأشاعرة المنحرفين في مسائل الصفات، يهزأ بهم بما يشعر السامع بضلالهم فعلاً، ليس بالسب والشتم، وإنما انظر إليه وهو يقول في النونية المسماة بـ الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، هذه القصيدة بلغت ستة آلاف بيت، نظمها من البحر الطويل، كلها منافحة عن الكتاب والسنة، ودعوة للكتاب والسنة، ورد على المبتدعة، تقرأ وأنت تشعر أن الرجل يتكلم من قلبه، وليس شاعراً يؤلف من خياله، فانظر مثلاً وهو يرد على الجهمية في الاستواء؛ لأن الجهمية قالوا: استوى بمعني: استولى، قال: أمر اليهود بأن يقولوا حطة فأبوا وقالوا: حنطةً لهوان اليهود قال الله لهم: قولوا: حطة، بمعنى: اللهم حط عنا ذنوبنا، فأضافوا النون، وقالوا: حنطة! استهزاءً وسخرية. وكذلك الجهمي قيل له: استوى فأبى وزاد اللام للنكران أي: قال: استولى. ثم يقول ابن القيم: نون اليهود ولام جهمي هما في وحي رب العرش زائدتان

стр. 7007

كلام ابن القيم عن المرجئة من النونية وقال في المرجئة الذين يقولون: من قال: لا إله إلا الله إيمانه صحيح، ومهما فعل فهو مسلم، وإذا ارتكب كبائر فهي معاصي لكنه لا يكفر مهما فعل، لأنه قال: لا إله إلا الله، وهذه العقيدة خطيرة، لأنه يمكن أن يقول أحدهم: لا إله إلا الله ورجله فوق المصحف، وتقول: هذا مسلم، وهو ينقض لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله لها شروط، وليست كلمة تقال هكذا يقول ابن القيم ﵀: وكذلك الإرجاء حين تقر بالـ ـمعبود تصبح كامل الإيمانِ على زعم المرجئة. فارم المصاحف في الحشوش وخرب الـ ـبيت العتيق وجد في العصيانِ واشتم جميع المرسلين ومن أتوا من عنده جهراً بلا كتمانِ وإذا رأيت حجارةً فاسجد لها بل خِرّ للأصنام والأوثانِ وأقرَّ أن الله ﷻ ووحده الباري لذي الأكوانِ وأقرَّ أن رسوله حقاً أتى من عنده بالوحي والقرآن فتكون حقاً مؤمناً وجميع ذا وزرٌ عليك وليس بالكفرانِ ثم يقول: هذا هو الإرجاء عند غلاتهم من كل جهمي أخي الشيطانِ يقول: هذه عقيدة المرجئة تكفر وتفعل ما تريد، لكن المهم أن تقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فتصبح مسلماً.

стр. 7008

مقتطفات متفرقة من حياة ابن القيم

стр. 7009

مميزات مؤلفات ابن القيم تتميز مؤلفات ابن القيم ﵀ بأنه يأتي بالوجوه العظيمة سواءً كان في البيان، أو في الرد، بل إنه أحياناً يأتي في مسألة يقول: استدل المخالفون بكذا، ويأتي بعشرين وجه، إذا قرأتها تقول: الآن اقتنعت، وتقول: مستحيل أن أحداً يرد عليها، ثم يقول ابن القيم: أما الجواب عن الوجه الأول، كذا وكذا، والجواب عن الوجه الثاني كذا وكذا، والجواب على الوجه الثالث كذا وكذا، فينسفها كلها بعد أن تكون قد اقتنعت بها.

стр. 7010

حث ابن القيم على طلب العلم كذلك مثلاً: كان يبين فضل العلم، ويريد أن يقول للناس: يأ يها الناس! اهتموا بالعلم، ولا تهتموا بجمع الأموال، ولا تشغلكم الدنيا عن العلم، فمثلاً يقول: العلم أفضل من المال لعدة وجوه: أولاً: أن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء. ثانياً: أن العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله، فالذي عنده مال يسهر على حراسة المال، لكن العلم هو الذي يحرس صاحبه من الوقوع في الضلال، والزيغ والبدع وهكذا. ثالثاً: أن المال تذهبه النفقات، والعلم يزكو مع الإنفاق، ويزداد ويرسخ. رابعاً: أن صاحب المال إذا مات يفارقه ماله، والعالم يدخل معه علمه في قبره. خامساً: أن العلم حاكم على المال، والمال لا يحكم على العلم، فالعلم يحكم في المال الزكاة تحكم في العلم المواريث تحكم في العلم النذور تحكم في العلم وهكذا، لكن المال لا يحكم في العلم. سادساً: أن المال يحصل للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والعلم النافع لا يحصل إلا للمؤمن. سابعاً: أن العالم يحتاج إليه الملوك فمن دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة العالم الحقيقي لا يقف على أبواب السلاطين، جاء سليمان بن عبد الملك إلى مكة ليحج، فسأل هو وولداه على مسألة في الحج، ودخل على عطاء بن أبي رباح الرجل الأسود الأعمى الأفطس الأعرج المشلول -دخل عليه سليمان بن عبد الملك، فوجد عطاء يصلي، وأطال في الصلاة ولم يعبر سليمان الخليفة، وانتظر سليمان حتى فرغ عطاء من الصلاة، فسأله، فما التفت إليه عطاء وإنما أجابه على السؤال ووجهه إلى القبلة، فلما خرج سليمان قال لأبنائه: يا بني! اطلبوا العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود، هذا عطاء بن أبي رباح العبد الأسود لما كان صغيراً وجد مشوهاً، وكان فيه هذه العيوب الخلقية، فقالت له أمه- والأم تحب الولد-: يا بني! اطلب العلم، فإن شكلك ومنظرك لا يمكن أن ينظر إليك الناس؛ لكن اطلب العلم، فطلب العلم من صغره، فصار قاضي مكة، وكان يأتي إليه الأجلاء يطلبون عنده العلم، وكان من خلقته أنه مرة كان يدعو الله، ويقول: اللهم اعتق رقبتي من النار، فمرت به عجوز، فقالت: وأي رقبة لك يا بني، بمعنى أن رأسه داخل في جسده، هذا الرجل أصبح قاضي مكة، إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين. ثامناً: المال يدعو إلى الطغيان والفخر، والعلم يدعو إلى التواضع والعبودية. تاسعاً: غنى العلم أجل من غنى المال غنى المال أمر خارجي عن الإنسان لو ذهب في ليلة لأصبح الإنسان فقيراً، لكن لم نر أن عالماً نام ثم استيقظ في الصباح ووجد نفسه ليس عنده علم، لكن يمكن أن تجد شخصاً مليونيراً نام في الليل، ورأى في البورصة تحققت أحلامه فيقوم اليوم الثاني وعليه ديون الدنيا. إذن عندما يأتي أحد الناس ويقول: هذه أوجه التفاضل بين العلم والمال، فالعاقل يقتنع حقيقةً.

стр. 7011

حث ابن القيم على ذكر الله عندما يتكلم ابن القيم ﵀ عن الأذكار مثلاً يقول: إن العبد مطالب أن يذكر الله ولو ذكره في أربع مواطن لدل على صدق العبد: ١ - عند النوم. ٢ - أول ما يستيقظ من النوم. ٣ - في الصلاة. ٤ - عند الأهوال والشدائد، لأن الإنسان عند الشدائد يذكر أقرب شيء لنفسه، فلو كان يذكر الله أول ما تحصل له الشدة، فهذا يدل على أنه مرتبط بالله .

стр. 7012

تفاؤل ابن القيم وهذا الرجل مما يمتاز به أنه من العلماء العاملين، فمثال ذلك: أنه يدعو الناس إلى التفاؤل -كما وردت به السنة- ونبذ التشاؤم، وهذه قصة وقعت له، يقول في آخر كتاب مفتاح دار السعادة: وأخبرك عن نفسي بقضية من ذلك، وهي أني أضللت بعض الأولاد يوم التروية بـ مكة وكان طفلاً، فجهدت في طلبه والنداء عليه في سائر الركب إلى وقت يوم الثامن، فلم أقدر له على خبر، فأيست منه، فقال لي إنسان: إن هذا عجزٌ، اركب وادخل الآن إلى مكة فتطلبه، فركبت فرساً، فما هو إلا أن استقبلت جماعةً يتحدثون في سواد الليل في الطريق، وأحدهم يقول: ضاع لي شيء فلقيته، والتفاؤل هو أنك تسمع قولاً، أو ترى شيئاً حسناً فتتفاءل منه، فقد يجري الله بقدره بهذا التفاؤل أن يحدث لك ما تريده أنت، فـ ابن القيم يبحث عن الولد، فيقول: فسمعت إنساناً يقول: ضاع لي شيء فوجدته، ثم قال: فلا أدري انقضاء كلمته أسرع أم وجد الطفل مع بعض أهل مكة في محملة عرفته بصوته.

стр. 7013

مساهمة ابن القيم في حلول المشاكل الاجتماعية والأمراض النفسية ولـ ابن القيم ﵀ إسهام كبير في حلول المشاكل الاجتماعية والأمراض النفسية، فمثلاً: كلامه في الوسوسة موجود في إغاثة اللهفان وغيره، وهو كلام عظيم جداً، والوسوسة مرض خطير، وأيضاً: مرض الهوى والعشق وهو مرض قاتل وخطير جداً؛ ولذلك ألف ابن القيم ﵀ كتاب الجواب الكافي لعلاج هذا المرض، وهذا الكتاب عبارة عن سؤال وهو: ماذا تقول سادة العلماء أئمة الدين برجل ابتلي ببلية، وعلم أنه إذا استمرت عليه، أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما يزداد إلا توقداً وشدةً، فما الحيلة إلى دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ رحم الله من أعان مبتلى، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أفتونا مأجورين؟ فيذهب ويصنف كتاباً في علاج هذا المرض؛ من أجل سؤال، ثم ينصحه فيقول: أولاً: ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواء، وشفاء العي السؤال، ثم يتكلم عن الرقية، ثم يتكلم عن الدعاء وأهمية الدعاء في علاج مرض العشق والهوى، وكيف يكون الدعاء صادقاً، ودعاء الله بأسمائه الحسنى، وموانع الدعاء، وشروط الدعاء، وآداب الدعاء، وحسن الظن بالله، وإيثار الآخرة على الدنيا، ويتكلم عن عذاب القبر، وأن على المسلم أن يرجو الله، ويتكلم عن أضرار الذنوب؛ لأن العشق والهوى يملأ الإنسان بالذنوب، ويقول: الذنوب مثل السم في الجسم وينتج عنها حرمان العلم والوحشة والقلق والمهانة عند الله وعند الخلق، والذل، وإفساد العقل والقلب، والدخول تحت اللعنة، ويتكلم عن عقوبة العصاة في الآخرة، وحدود الله في العصاة في الدنيا الزنا واللواط، ويتكلم عن الحدود، وعن عاقبة قوم لوط، وكيف فعل الله بقوم لوط، ويتكلم عن خطورة عشق الصور، وماذا تودي بالإنسان؟ وأنها تقذف به إلى الشرك، فكان هذا منهجه في علاج مشكلة الهوى والعشق.

стр. 7014

شهرة ابن القيم بضرب الأمثال كان ﵀ مشهوراً بضرب الأمثال، فمثلاً يقول في قضية التوكل: ينبغي أن يوكل المرء أمره إلى الله، ويشعر أنه إذا وكل أمره إلى الله كأنه دخل حصناً حصيناً، والأعداء لا يستطيعون أن يصلوا إليه، وكذلك حال الإنسان في الإنفاق وهو يتوكل على الله وينفق، يقول: مثل ملك قال لأحد رعيته: إذا أنفقت، أعطيك بدل الذي أنفقته من خزائني أضعافه، فإذا علم صدق الملك، ووثق به، واطمئن إليه، وعلم أن خزينة الملك لا تنفذ، فما الذي يمنعه من الإنفاق، ثم يمثل المتوكل بحال الطفل الرضيع، الذي لا يعرف من الدنيا إلا ثدي الأم، فلا يهتدي إلا إليه ولا يقبل على غيره، وكذلك ينبغي أن يكون المتوكل على الله مثل الطفل الذي يقبل على ثدي أمه. ومن أمثاله أيضاً: يقول: السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمراتها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية، فثمرته حنظل، وإنما يكون الجذاد يوم المعاد، ثم يقول: إن هذه الشجرة ينبغي أن تسقى بماء الإخلاص والمتابعة لتكون الثمار طيبة في الآخرة. وعندما يتكلم ابن القيم في مدارج السالكين عن منازل من أعمال القلوب، تنذهل وتندهش حقيقةً من القدرة التي أوتيها هذا الرجل -رحمه الله تعالى- فمثلاً عندما يتكلم عن المحبة يقول: الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر بالمحبوب سبيله، ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليله، وحرك بها النفوس إلى أنواع الكمالات إيثاراً لطلبها وتحصيله، والمحبة هي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها إلى آخره.

стр. 7015

قدرة ابن القيم على التحليلات النفسية ابن القيم ﵀ صاحب فكر مدقق، وكان يفكر في الواقع حتى يربط بين الحيوانات وبين البشر، وله تحليلات نفسية جميلة جداً لا ترقى إليها إلا كبار العقول في هذه المسألة. يقول: من الناس نفوسهم حيوانية لا هم لهم إلا في الأكل والشرب، وليس عندهم اهتمام بالشريعة. ومن الناس نفوسهم كلبية لو صادف جيفة تشبع ألفاً، وقع عليها، وكلما أتى واحد نبح، لا يريد أن يأتي إليها. ومن الناس طبعه طبع الخنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها، لكن إذا وقع على قيء جاء عليه، يقول: هذا مثله مثل إنسان يرى في الناس أشياء طيبة وخصال طيبة، ثم يرى بعض العيوب فينسى كل الأشياء الطيبة ويأتي على العيوب. ومنهم على طبيعة الطاووس ليس له إلا التزين والتطيب والتريش، وليس له وراء ذلك من شيء. ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوانات وأغلظها كبداً. ومنهم مثل: العقرب والحية لا يستريح إلا إذا نفث سمه في غيره؛ ولذلك إذا ما آذى أحداً من الخلق، يظل متوتراً طيلة اليوم، حتى يؤذي واحداً من الخلق فيستريح، مثل: العقرب الذي يفرغ سمه في الناس. وكذلك يقول: انظر إلى حديث الرسول ﷺ : (السكينة والوقار في أهل الغنم، والخيلاء والفخر في أهل الإبل) يحلل تحليلات؛ فمثلاً: الغنم والبقر وغيرها ترى رأسها إلى أسفل، والجمل رأسه إلى فوق ورقبته طويلة لا تجد البعير رأسه في الأرض، ولذلك البادية الأعراب أصحاب الإبل عندهم كبر وخيلاء وفخر، وأهل الغنم -أحياناً- تجد عندهم نوعاً من السكينة والتواضع. وكذلك يقول: من الناس من نفوسهم حمارية، لم تخلق إلا للكد والعلف، وليس عندهم بصيرة، صمٌ بكمٌ عميٌ؛ لذلك ضرب الله الذي لا ينتفع بالعلم مثل الحمار يحمل أسفاراً. وقال: من الناس من طبيعته فأرية فاسدٌ بطبعه، مفسدٌ لما جاوره، مثل: الفأر. ولما تكلم عن النمل، قال ﵀: ومن عجيب أمرها أن تقتل الملوك الظلمة المفسدة، ولا تدين بطاعتها، وتأتي بمجموعات وتتعاون، وكل نملة تجتهد في صلاح العامة غير مختزنه شيئاً من الحب لنفسها. ثم يتكلم عن الحمام، فيقول: القيمون على الحمام يعتنون بأنسابها اعتناءً عظيماً، فيفرقون بين ذكورها وإناثها حتى لا يحصل اختلاط في النسب، والقيمون على الحمام لا يحفظون أرحام نسائهم، ويحتاطون كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون، ويتكلم عن الحمام وعن مشابهة طباع الحمام لطباع النساء منها: من لا ترد يد لامس، وأخرى لا تنام إلا بعد طلب حثيث، وأخرى لا تمكن منها ذكراً إلا زوجها، وأخرى إذا غاب زوجها رضيت بأي أحد، وأخرى لا تمتنع على أحد، ومنها من إذا طارت البيضة أفسدتها، وذكر أموراً كثيرة جداً تدل على فقهه بالواقع ﵀.

стр. 7016

وفاة ابن القيم ﵀ كانت وفاة ابن القيم رحمه الله تعالى ليلة الخميس، الثالث عشر من شهر رجب، وقت أذان العشاء سنة ٧٥١هـ بعد أن أكمل ستين سنة رحمه الله تعالى. اللهم اغفر لهذا العلم من أعلام المسلمين، اللهم وسع له في قبره ونوره له، واجعله له روضةً من رياض الجنة آمين.

стр. 7017

ابن جرير الطبري [٢،١] العلماء ورثة الأنبياء في إقامة الحق على العباد وتبيينه، ونشر الهدى والتحذير من الزيغ والضلال. وفي هذا الدرس تناول الشيخ شخصية أحد علماء أهل السنة الكبار، والمشهور بشيخ المفسرين، وهو ابن جرير الطبري فذكر اسمه وكنيته، حياته ونشأته، رحلته في طلب العلم، كتبه ومؤلفاته، زهده وذكاؤه، صفاته الخَلْقية والخُلقية، موته ورثاؤه مواضيع كثيرة من حياة هذا الإمام المجتهد تجدها في طيَّات هذا الموضوع.

стр. 7018

فضل العلم والعلماء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد قال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال النبي ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، وقد بعث النبي ﷺ معلماً، وسار العلماء الربانيون على نهجه ﵊ في تعليم الأمة، وتعلم هذا العلم، وهذه الأمة -ولا شك- تفتخر بماضيها وحاضرها. وهؤلاء العلماء الذين كانت لهم أيادٍ بيضاء على هذه الأمة بتوفيق من الله لا بد أن يتعرف عليهم أبناء هذا الدين، ليكونوا لهم قدوة ولينسب الفضل إلى أهله، ويعرف الفضل لذويه، ولا شك أن هذا من العدل ومن حسن العهد الذي هو من الإيمان، وإذا كانت الأمم الكافرة تبجل عظماءها، وتعقد الذكريات السنوية لحياتهم إحياءً لذكراهم وترجمة لهم وذكراً لمناقبهم وأطوار حياتهم وشرح مآثرهم، بل يسمون ما لديهم من المدارس والجامعات والمؤسسات بهؤلاء العظماء؛ فإن أمة الإسلام أولى بأن تحفظ الجميل لأهله، ونحن لسنا بحاجة إلى بدع ولا أعياد، ولا احتفالات لهؤلاء، فإن العلماء رحمهم الله تعالى قد عرفوا الفضل لأهله، فسطروا تواريخ هؤلاء العلماء وسيرهم وحياة كل واحدٍ منهم، وذكروا مآثرهم ومناقبهم وفضائلهم ومصنفاتهم وتلاميذهم وشيوخهم، كلها مسطرة بحيث أن المسألة لا تحتاج إلا إلى جهد في القراءة والاطلاع للتعرف على مآثر هؤلاء العلماء، ولكن يبقى أنه لا بد من نشر فضائل هؤلاء العلماء في الدروس وغيرها مما يلقى على الناس، حتى يتعرف الناس على علمائهم، ولا شك أننا أمة لنا ماضي وحاضر، وأننا ممتدون عبر الأجيال، ونحتاج إلى ربط الماضي بالحاضر، ولسنا مقطوعين عما مضى أو أبناء هذا الزمان فقط؛ ولذلك يشعر الإنسان بالتآلف والاتصال عندما يقرأ في سير هؤلاء العلماء. وحديثنا هذه الليلة عن الإمام المفسر العلم الكبير أبي جعفر الطبري رحمه الله تعالى والذي عاش ما بين عام: (٢٢٤هـ - ٣١٠هـ) في الدولة العباسية، حيث عاصر عدداً من خلفائها، فإنه ولد في خلافة المتوكل، وبعده المنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي ومات في خلافة المقتدر، ولا شك أن هذا العصر ليس مثل عصر هارون الرشيد الذي يعتبر أوج الدولة العباسية، ولكن من جهة الحركة العلمية لا شك أنه عصر نشط للغاية، ومزدهر جداً؛ لأن معظم العلوم الشرعية كانت قد أسست، والمذاهب الفقهية قد ظهرت، والتدوين والتصنيف قد نشط جداً، ففي هذا العصر كان قد جمعت الصحاح والسنن. وفي القرنين الثالث والرابع بلغت العلوم الشرعية والمذاهب الفقهية درجة كبيرة من الاستقرار والانتشار والتوسع، وصنفت الكتب في المسائل، وكانت هذه الفترة التي تلت فترة التأسيس تتطلب أدوات كثيرة لمن يطلب العلم من هذه المصنفات والمشايخ المنتشرين في طول البلاد وعرضها. عاش ابن جرير الطبري ﵀ في القرن الثالث والرابع، وظهر في هذه الفترة كبار العلماء، مثل: الشافعي ﵀ (٢٠٤هـ)، وأحمد بن حنبل (٢٤١هـ) وداود الظاهري (٢٧٠هـ)، وخرج بعدهم طلابهم كـ المزني والبويطي وابن سريج والمروزي وأبو حامد وابن المنذر والقفال الشاشي والاصطخري من فقهاء الشافعية وتلاميذ الشافعي، وتلاميذهم كانوا قد ظهروا في تلك الفترة أيضاً، وفي المذهب الحنفي عرف الجصاص والخصاف والطحاوي وأبو الحسن الكرخي، وفي المذهب المالكي إصبغ وأبو بكر الأبهري والقاضي أبو الفرج، وفي مذهب الإمام أحمد ﵀ عرف أبو بكر المروزي والأثرم وإبراهيم الحربي والخلال والخرقي وهؤلاء كلهم من أعلام المذهب الحنبلي. وفي هذه الفترة كانت بلدان العالم الإسلامي تعج بالإنتاج الوفير وتخريج فطاحل العلماء في شرق الدولة الإسلامية من بخارى وسمرقند، وفي فارس التي من مدنها شيراز وخراسان وأصبهان، والطبرستان التي ينتسب إليها الطبري ﵀، وهمدان، وكذلك في العراق في بغداد والبصرة والكوفة، والشام في دمشق والقدس وبيروت، وفي الحجاز في مكة والمدينة، وفي اليمن في صنعاء وزبيد، وفي مصر في القاهرة والاسكندرية، وفي المغرب في القيروان ومراكش، وفي الأندلس في أشبيلية وقرطبة وطُلَيطُلة، كل هذه المدن الإسلامية في الشرق والغرب والوسط كانت تعيش في فترة ازدهار علمي كبير. ولا شك أن هذا كان من أسباب خروج علماء فطاحل، فإذا كان الجو العلمي مهيأ، والعلم منتشر ومزدهر، وإذا كانت المصنفات كثيرة، وإذا كانت الوسائل والسبل مفتوحة؛ فلا بد أن يخرج علماء كبار، فإذا قارنا ذلك بحالنا في هذه الأيام؛ لعرفنا لماذا نحن متخلفون في هذا الجانب عن الركب كثيراً، ولماذا لم يظهر علماء كبار كثر في هذا الزمان؟ فإن حركة البحث العملي وانتشار العلم والعلماء -الجو العلمي- لا يقارن مطلقاً بما كان عليه في الماضي، ولكن عندما يوجد ولو في إحدى الجامعات جو علمي نشط، وحركة بحث وتأليف ورسائل ومشايخ وعلماء، فعند ذلك تتهيأ الفرصة لخروج علماء، وهذه مسألة مهمة أن الأمة تحتاج إلى علماء، ولا بد لها منهم، فلماذا لم يتخرج علماء كبار أو كثر؟ ولماذا لا زالت الأمة فيها عجز كبير جداً في قضية العلماء حتى أن العلماء الكبار الثقات معدودون على أصابع اليدين؟ فالأمة تحتاج إلى علماء كثر، فأعداد المسلمين في العالم كثر للغاية أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك العلماء أقل من أي وقت مضى، ولا شك أن من الأسباب تهيئة الجو العلمي؛ لأن العلماء لا يخرجون من فراغ، ولكن لا بد من وجود جو علمي يخرجون من خلاله، ولذلك فإن احتساب بعض الناس الأجر في تهيئة الأجواء العلمية لخروج العلماء؛ يكون فيه أجر عظيم حتى لو لم يكونوا هم بأنفسهم علماء.

стр. 7019

الطبري اسمه وكنيته ونسبه ومولده هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري رحمه الله تعالى يكنى بـ أبي جعفر، وعرف بذلك واتفق المؤرخون عليه مع أنه لم يكن له ولد يسمى بجعفر، بل إنه لم يتزوج أصلاً، ولكنه تكنى التزاماً بآداب الشرع الحنيف، فقد كان النبي ﷺ يطلق الكنى على أصحابه، وكان يكني الصغار، ويقول: (يا أبا عمير ما فعل النغير) ونحوها، وذلك لإشاعة روح المسئولية والتحمل عند الصغير والشعور بشعور الكبير، وهذا لا شك أنه يساعد في نضج الطفل ونموه، ونقله من عالم الطفولة إلى عالم الرجولة، ولعله يكون لنا وقفة في عدم زواج ابن جرير ﵀. وأما نسبه إلى طبرستان فإنه لا خلاف فيه أيضاً عند المؤرخين، وطبرستان ولاية كبيرة في بلاد فارس تقع بين جرجان والديلم على بحر قزوين وتظم قرى كثيرة، ومن قرى طبرستان قرية آمل التي ولد بها أبو جعفر الطبري ﵀، ولذلك أحياناً يقال في نسبه: الآملي نسبة إلى آمل البلد التي تقع مدينة في طبرستان. وأيضاً ينسب إلى بغداد، فيقال: البغدادي؛ لأنه سكن بغداد واستوطن بها، ونشر فيها علمه. وإذا قيل: هل أبو جعفر الطبري عربي أم لا؟ بعض المؤرخين ذكر أنه عربي، وبعضهم ذكر أنه ليس بعربي، وقد سكن بلاد الفرس -بلاد الأعاجم- قبائل من العرب بعد الفتوحات الإسلامية، سكنت بأكملها في خراسان ونيسابور وطبرستان، يتكلمون الأعجمية، ولكن أصولهم عربية نتيجة أن القبائل العربية نزحت أو ذهبت واستقرت في تلك البلدان، وكان هذا لعله من خطط الخلفاء الراشدين في نشر الإسلام في تلك الأصقاع، وأن يوجد هناك مجموعة من العرب المسلمين، وقد حمل العرب الإسلام في البداية ونشروه، فلا عز لهم إلا به. فمهما قيل عن الطبري ﵀ هل هو عربي أو ليس بعربي فالمسألة: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) فـ الطبري ﵀ عربي اللسان، عربي العلم من جهة اللغة، ولا فرق بينه وبين أي عربي من ناحية اللغة العربية الفصحى، فمن طالع تفسيره يعرف مدى تضلع الرجل في علم اللغة العربية. ولد ﵀ -كما سبق ذكره- في عام (٢٢٤هـ) وقيل في غيرها، ولعل سبب الاختلاف هو عندما قال: كان أهل بلادنا يؤرخون بالأحداث دون السنين، يقولون: العام الذي حصل فيه زلزال كذا أو حرب كذا أو طاعون كذا ونحو ذلك، فكان القدامى يؤرخون بالأحداث أكثر من تاريخهم بالأعداد والأرقام والسنين، فأُرخ مولدي بحادث كان في البلد، فلما نشأت سألت عن ذلك الحادث، فاختلف المؤرخون، فقال بعضهم: كان في آخر سنة (٢٢٤هـ)، وقال بعضهم: بل كان في سنة (٢٢٥هـ). والفرق يسير، والمشهور في ولادته سنة (٢٢٤هـ).

стр. 7020

نشأة الطبري وطلبه للعلم نشأ الطبري ﵀ نشأة جيدة للغاية؛ لأنه تربى في أحضان والده، وأبوه ﵀ كان قد تفرس فيه الذكاء والنباهة والحفظ من البداية، ولعل من الأسباب أيضاً: أن أباه رأى رؤيا في المنام أن ولده أبا جعفر كان بين يدي النبي ﷺ ، ومع الولد مخلاف مملوء بالأحجار، وأنه يرميها بين يديه -بين يدي النبي ﵊ فلما قص والد أبي جعفر الرؤيا على صديق له، عبرها له بأن ابنه إن كبر نصح في دين الله وذب عن شريعة الله، فازداد أبوه حرصاً عليه في طلب العلم، وربما أنه كان يقص هذه الرؤيا على ولده، لكي يستشعر الولد ذلك وتكون حافزةً له في طلب العلم. وهذه النشأة لا شك أنها ساعدته كثيراً في طلب العلم، ففي آمل نشأ وترعرع في كنف أبيه، وهيأ له الأسباب، ولذلك حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وصلى بالناس إماماً وهو ابن ثمان سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين، ووهب نفسه للعلم في مقتبل شبابه، وظهرت عليه ملامح النبوغ ومخايل التفتح والذكاء الخارق والملكات الممتازة، وأدرك أبوه طبيعة ولده. الآن عندنا أولاد أذكياء في المجتمع الإسلامي، ما عقمت نساء المسلمين أن يلدن أذكياء وحفاظاً نابغين، لكن أين الوسط الذي يحتضنهم؟! وأين الموجهين الذين يوجهونهم لطلب العلم؟! وأين الحرص عليهم منذ نعومة أظفارهم؟! فيوجد إهمال كبير للأطفال في مجتمعنا، وغاية ما يفعله الأب أن يسلم ولده للمدرسة، ثم لا يتابع الولد في غمرة انشغالاته، وقد يكون الولد نابغة فعلاً وحافظ وذكي للغاية ولكن لا يوجد توجيه، وربما يذهب نبوغ الولد في الألعاب واللهو، وربما يتوجه إلى الشر بعد فترة، ويستخدم ذكاءه في الشر، ويصبح من كبار المجرمين؛ لأن كبار المجرمين أذكياء، ولكن انحرفوا بسبب عدم وجود التربية. فمن الفروق بيننا وبينهم: أن الأب إذا رأى ولده غير عادي كان يهتم به، ويعتبره امتداداً له، ولو كان الأب ليس بعالم وليس بنابغة ولا مشهور ولا معروف بالعلم، لكنه يعرف أن ولده هذا امتداد له في المستقبل يرفع به رأسه، ويكسب به أجراً من ربه. ولذلك مثل والد أبي جعفر لما أحس أن ولده شخصية غير عادية، وأن فيه نبوغ وحفظ غير طبيعي؛ فإنه سعى لتهيئة كل الأسباب ليتوجه الولد للعلم، فالطفل في أول أمره لا يعرف مصلحته، فإذا ما وُجِدَ توجيه ودفع إلى حفظ القرآن والسنة، وإلى حفظ المتون وإلى غشيان حلق العلم، وإلى ثني الركب عند العلماء، فإن الولد لن يتعلم، فالاعتناء بالأولاد الصغار في الماضي كان ينشئ العلماء. الاعتناء بالصغار من أكبر ما يستفاد من طفولة العلماء، فحياة العلماء في مرحلة الطفولة ينبغي أن نستفيد منها في اعتنائنا بأولادنا، ولو كان الواحد فينا أمياً أو عامياً أو كان نصف متعلم أو طويلب علم، أو لم يرتق إلى مرتبة طالب علم أصلاً، فإن ولده ربما يكون هو عالم المستقبل، فإذا كان التعامل مع الولد بهذه النفسية والتوجه؛ فلا شك أن النتيجة ستكون عظيمة. وعلى طريقة العلماء يبدأ الولد عند الكُتَّاب حفظ القرآن يحفظ أشياء من السنة، ويحفظ متوناً، وبعد ذلك يلزم بعض الحلق التي تناسب سنه، وقد كان يوجد في كل بلد حلق يتوجه إليها الصغار، ثم إذا شبَّ أخذ العلم عن أهل بلده، ثم انطلق في أرجاء المعمورة راحلاً مرتحلاً في طلب العلم.

стр. 7021

رحلة الطبري في طلب العلم بعد أن بلغ الطبري ﵀ مبلغاً في أول شبابه بدأ رحلته العلمية إلى البلدان المجاورة في بلاد فارس، وتنقل بين مدن طبرستان، كانت عادتهم، أولاً: يأخذ عن مشايخ بلده، وإذا انتهى؛ يبدأ فيما حوله من البلدان، فاتجه بعد ذلك أبو جعفر إلى الري وما جاورها ليأخذ عن علماء الحديث واللغة والتفسير، يتنقل كالنحلة من شيخ إلى شيخ من عالم إلى آخر، فأول ما كتب الحديث ببلده، ثم بـ الري وما جاورها وأكثر عن الشيوخ. وأكثر في أول أمره عن شيخين، هما: محمد بن حميد الرازي، والمثنى بن إبراهيم الأبلي، ويقول: كنا نكتب عند محمد بن حميد الرازي فيخرج إلينا في الليل مرات، ويسألنا عم كتبناه ويقرؤه علينا، وكنا نمضي إلى أحمد بن حماد الدولابي، وكان في قرية من قرى الري، بينها وبين الري قطعة نأتي إلى الشيخ محمد بن حميد الرازي نجلس عنده، ثم نمضي إلى الدولابي، وإذا انتهينا من درس الدولابي؛ يكون قد حان موعد درس الرازي وبينهما مسافة -أي: قريتين- قال: ثم نغدو كالمجانين حتى نصير إلى ابن حميد فنلحق مجلسه نغدو كالمجانين -أي: من السرعة في العدو للحاق بدرس الشيخ، فمن شيخ في قرية، إلى شيخ في قرية، ثم العودة إلى الشيخ الأول بهذه السرعة، كل ذلك ينم عن وجود دافع قوي للتحصيل؛ حتى أن الواحد لا يكاد يلحق في حضور كل هؤلاء، فيكون وقته مزدحماً بدروس العلماء، والنبي ﷺ قال: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال) منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها، وإذا كان الطبري ﵀ عنده هذه النهمة في طلب العلم؛ فلذلك لن يهدأ له بال حتى يطوف ويحصل، ومن شيخ إلى شيخ، ومن حلقة إلى حلقة، ومن درس إلى درس. وهكذا امتدت الحياة لهذا الإمام ﵀ ليذهب إلى أمصار مختلفة، ويأخذ الحديث من أفواه الأئمة مباشرة.

стр. 7022

ابن جرير وطلب العلم في العراق بعد ما انتهى ابن جرير من الري ذهب إلى بغداد، ليلحق بالإمام أحمد ﵀؛ ليأخذ عنه الحديث، لكن الذي حصل أن الإمام أحمد ﵀ توفي سنة (٢٤١هـ) قبل أن يصل ابن جرير إلى بغداد، ففاته الإمام أحمد ﵀، لكنه أقام في مدينة السلام حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، يأخذ عن محدثيها الحديث، والفقه عن فقهائها على مختلف المذاهب، وبعد أن انتهى من بغداد انحدر إلى البصرة، فسمع الحديث من محدثي البصرة من محمد بن موسى الحرشي، وعماد بن موسى القزاز، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وبشر بن معاذ، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن المعلّى. بعدها انتقل من البصرة إلى واسط، فسمع من شيوخ واسط، ثم انتقل إلى الكوفة، فأخذ عن كبار علماء الكوفة: من أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني، وهناد بن السري المحدث المشهور، وإسماعيل بن موسى وغيرهم يقال: إنه سمع من أبي كريب مائة ألف حديث، وأخذ القراءات عن سليمان الطلحي. بعد أن جمع علم البصرة والكوفة وواسط رجع إلى بغداد ثانية فإنه لم يرتو منها بعد، لكن الإنسان يأخذ أهم الموجود، ويريد أن يلحق علماء البلد الآخر، فإذا انتهى رجع إلى ما كان قد تركه في البلد الأول؛ خشية أن يفوته علماء البلد الثاني، أو يموت أو يذهب قبل أن يلحق على علمه. أقام بـ بغداد مدة، فدرس علوم القرآن عامة وعلم القراءات خاصة، وتلقى فقه الشافعي على الزعفراني، وكتب عنه كتاباً في الفقه، ودرس في بغداد على أبي سعيد الاصطخري، وعرف أبو جعفر الطبري في بغداد في هذه الفترة وبدأ يشتهر، وأقر له أهل العلم بالفضل، وبدأ نبوغه يظهر. فإذاً: يظهر الإنسان بعلمه بعد مرحلة التأسيس، وليس هناك ظهور قبل التأسيس، وكان عمر ﵁ يقول: [تفقهوا قبل أن تَسُودُوا أو تُسَوَّدُوا] لأن الإنسان إذا صار في منصب أو صار سيداً قبل أن يتفقه؛ فإن هذا المنصب سيمنعه عن الطلب من عدة جهات. أولاً: ربما يستحي وهو في هذا المنصب أن يجلس مع الصغار ليطلب العلم. ثانياً: أن المنصب له أشغال كثيرة، ولو تزوج وولد له أولاد أو صار في منصب صار في شغل في تجارة في وظيفة لها أشغال ومتطلبات، فلن يكون عنده وقتاً كافياً لطلب العلم، بخلاف ما لو كان منذ أول أمره قبل الارتباطات والمسئوليات يطلب العلم، فإذا صار سيداً أو صار في مكانة، ثم لم يتفقه افتضح بين الناس؛ لأنه ليس عنده شيء يعطيه ربما يسأل ربما يؤتى إليه، أو ربما يجعل حكماً في قضية، أو ربما يلجأ إليه في شيء ما عنده علم، فيفتضح بين الناس، وربما يحكم بشيء مخالف للشرع، أو يتاجر مثلاً في أشياء وهو ما فقه علم البيوع، فيرتكب محرمات في أثناء التجارة. على أية حال، لا بد من مرحلة التأسيس والتفقه من الصغر، ثم إن النبوغ بين الناس والاشتهار بالعلم يكون بعد أن يؤسس نفسه. بدأ الطبري ﵀ يعرف بالعلم في بغداد بعدما رجع إليها في المرة الثانية، فبدأ يتكلم ويذكر اسمه في المجالس، وبدأ الإنصات لأقواله، والواحد إذا صار في درس الشيخ، فإن طلاب الشيخ ليسوا سواء، فهناك المعيد الذي يعيد الدرس بعد الشيخ، لمن يحتاج إلى إعادة لما كتب، أي: الذي جاء متأخراً وفاتته الحلقة. تلاميذ الدرس رتب: هناك تلاميذ متقدمون، وهناك متوسطون وهناك مبتدئون، وهؤلاء التلاميذ المتقدمون لا شك أنهم قد يسألون عن أشياء مما ذكره الشيخ، أو من بعض المسائل، ويكون لهم رتبة فينبغون، وطريقة الحلق تساعد على نبوغ الطالب وتدرجه من مرحلة إلى مرحلة، وتبوئه مكانه الصحيح بين طلبة العلم.

стр. 7023

الطبري وطلبه العلم في الشام ومصر لم يكتف الطبري ﵀ بهذه الرحلة، وإنما رحل إلى الشام وكان فيها من أهل العلم من فيها، وذهب إلى السواحل والثغور من مدن الأجنان للحروب التي كانت مع الدولة البيزنطية، وأخذ القرآن برواية الشاميين، عن العباس بن الوليد المقرئ البيروتي وأقام بـ بيروت، حيث كانت بيروت حاضرة من حواضر العلم، ويكفي أنه كان يوجد فيها الأوزاعي التي فيها إلى الآن حي يعرف بحي الأوزاعي نسبة إلى ذلك العالم الأوزاعي الذي كان في بيروت، وهو من كبار علماء الشام رحمه الله تعالى. فجلس في بيروت فترة من الزمن، ثم ذهب بعد ذلك إلى مصر، وكان مشتاقاً للقاء علمائها، وكان فيها من العلماء كبار، فقد أخذ فيها مذهب مالك على أبي محمد عبد الله بن وهب، وأخذ فيها على يونس بن عبد الأعلى، وأخذ فيها على محمد وعبد الرحمن وسعد أبناء عبد الحكم، ودرس فيها فقه الشافعي على الربيع بن سليمان المرادي، وإسماعيل بن يحيى المزني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، بين مذهبي مالك والشافعي أقام في مصر فترة ثم رجع إلى الشام. أقام بـ الشام فترة ثم رجع إلى مصر، يلحق بالعلماء قبل أن يموتوا، يحصل أشياء، ثم يرجع يقضي ما فاته في البلد الأول وهكذا. ذهب إلى مصر مرة ثانية سنة (٢٥٦هـ) والتقى بـ يونس بن عبد الأعلى الصدفي، وأخذ عنه قراءة حمزة وورش، وكذلك فإنه درس بـ مصر العروض وأصبح عروضياً، يعرف بحور الشعر وأوزانه، فكان لا بد من التعامل باللغة العربية والشواهد من أشعار العرب، خصوصاً في التفسير، حيث أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، فتعرف أي معنى استعمله العرب لهذه الكلمات. بعد ذلك دب فيه الحنين إلى وطنه، فترك مصر، ورجع إلى وطنه.

стр. 7024

العودة إلى طبرستان ثم الرحيل إلى بغداد بعد هذه الرحلة الطويلة يحن الإنسان إلى أهله وبلده وأقربائه، وفي الطريق مر بـ بغداد وكتب فيها شيئاً ثم عاد إلى طبرستان، عاد رجلاً آخر يختلف تماماً عن الشخص الذي خرج منها، رجع صاحب علم وتجربة وخبرة، فالأسفار تربي الشخص على أشياء كثيرة، ثم إن الترحال في هذه البلدان كما قال الشاعر: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجدِ فلا شك أن هذه الأسفار كانت تصقل شخصيات هؤلاء العلماء، غير الفوائد العلمية الكثيرة التي كانوا يحصلونها، وهي الهدف الأساسي من الرحلة، فهنا يمكن أن يشعر الإنسان أو يشم شيئاً من فرح أهله به بعدما رجع ولدهم إليهم بهذه المنزلة العظيمة والعلوم الجليلة التي حصلها، ولما مكث بـ طبرستان فترة أشبع فيها ما حصل له من الحنين إلى أهله وبلده، رجع إلى البلد التي يمكن أن يفيد فيها الآن أكثر، وهي بغداد حاضرة العلم في ذلك الزمان، ومقصد ومهوى أفئدة كثير من طلبة العلم، فاشتهر اسمه في العلم، وشاع خبره بالفهم والتقدم، ولكنه لم ينس بلده طبرستان وأهله وأقربائه، فرجع مرة ثانية في سنة (٢٩٠هـ) فمكث قليلاً، ثم رجع إلى بغداد، وهنا حط رحاله وألقى ترحاله واستقر فيها، وانقطع عن التدريس والتأليف في بغداد إلى أن ودع الحياة.

стр. 7025

مرحلة التصنيف والتدريس عند الطبري إن التسلسل التاريخي للعالم تجد أنه يبدأ يدرس ويصنف بعدما يرحل ويجمع ويحفظ، فتكون حياة العالم فيها مراحل: الطفولة التي هي حفظ القرآن والسنة ومتون في اللغة والمواريث والمصطلح ثم بعد ذلك يأخذ عن مشايخ البلد، ثم مشايخ البلاد التي جاورها يرحل ويجمع ويحصل ويحفظ ويكتب وينسخ، ثم يرجع بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة إلى بلده أو إلى البلد التي فيها جو علمي وطلبة علم كثيرين، ويجلس فيها ويكون له درس أو دروس، تكون المرحلة الأخيرة من حياة العالم التدريس والتصنيف، وهذا هو الخط العام لحياة العلماء التدريس والتصنيف. رجع إلى بغداد ﵀ بعدما اكتملت شخصيته العلمية، وحصل ما حصل، وجمع ما جمع، واستقر فيها إلى سنة (٣١٠هـ) حيث توفي باذلاً وقته للعلم، فاتحاً بابه لطلبة العلم، عاكفاً على تصنيف كتبه ومؤلفاته. صار الطبري ﵀ بتوفيق الله تعالى ثم بفضل ذلك الأب الذي دفعه للعلم منذ صغره، ثم بهذه النهمة والجمع والترحال صار موسوعة ودائرة معارف، فهو صاحب عقل منظم، كان يمتاز بالتنسيق، وأنت لا تجد مؤلفاً من المؤلفين المكثرين إلا وعنده جانب التنسيق والترتيب ناضجاً، ولذلك يستطيع أن يصنف، فالتصنيف يحتاج إلى عقلية ترتب وتنسق. وكان مدرساً في غاية الجودة في التدريس، ولذلك كان عنده طلاب كثيرين، الطالب إذا أحس أن الشيخ يعتني به؛ ويحسِّ خلقه معه، يفتح صدره له؛ ويقبل الطلاب عليه، والمجاهد ينفع الأمة بالجهاد، والغني ينفع الأمة بالمال، والعالم ينفع الأمة بالتدريس والتصنيف، وهناك طلاب يُعتبرون صدقات جارية لأنه يعلم من بعده، والأجر للمعلم الذي علَّم الطالب الأول، ولذلك النبي ﷺ أكثر الأمة أجراً، وكذلك المصنف يطلق عليه (ولد العالم المخلد) فالإنسان إذا اعتنى بتربية ولده، وعاش ولده صالحاً يدعو لأبيه؛ ينتفع الأب بدعاء ولده؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم؛ انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) فالولد الصالح طيلة حياته يدعو لأبيه ويعمل أعمال بر لأبيه، وتكتب أعماله مثل أجورها في صفحة أبيه، هو الذي رباه، وإذا انتهى الولد انتهى مورد الأجر بهذا الأب، لكن يعتبر تصنيف العالم يعتبر ولداً مخلداً؛ لأنه طيلة وجود هذا الكتاب يكون الأجر يدر على مؤلفه ومصنفه. فتأمل الآن مثلاً كتاب مثل كتاب تفسير الطبري الذي هو أساس الكتب، وأعظم كتاب في التفسير على الإطلاق باعتراف علماء الأمة، وكل من بعد ابن جرير عالة عليه في التفسير، كما أن أعظم كتاب في الحديث هو صحيح البخاري، فأعظم كتاب في التفسير هو تفسير الطبري، طيلة رجوع العلماء وطلبة العلم والناس إلى هذا الكتاب، فإن ابن جرير يجري عليه عمله في قبره إن شاء الله، ويصل إليه مداد الأجر وافراً وهو في قبره، فتصنيف العالم ولده المخلد. ولم يكف ابن جرير ﵀ عن التعلم وهو في مرحلة التصنيف والتدريس، فالإنسان دائماً في تعلم فوائد جديدة، والعجيب في شخصية هذا الرجل أنه كان صاحب همة عالية جداً. وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ إذا كانت النفوس كبار الهمم عالية، تعبت في تحقيق مطلوبها الأجسام، فاستمر ابن جرير ﵀ حتى بلغ السادسة والثمانين من عمره لم تفتر عزيمته، ولم يخف نشاطه، ولم يجف قلمه حتى مات وهو في السادسة والثمانين وحتى في مرحلة الشيخوخة بدأ بتصنيف عدة كتب، وقطع في كل منها شوطاً ولم يتمها، كـ فضائل علي وفضائل أبي بكر وفضائل عمر وفضائل العباس والموجز في الأصول وتهذيب الآثار وهو من أعظم كتب الحديث لكنه لم يتمه، كذلك ألف في الأصول كتاب الآذر، ولكنه لم يخرج منه شيئاً، وأراد أن يعمل كتاباً في القياس فلم يعمله، لكن خذ الكتب التي عملت كـ التفسير وتاريخ الطبري مثلاً. يقول أبو القاسم الحسين بن حبيش الوراق: كان قد التمس مني أبو جعفر أن أجمع له كتب الناس في القياس -لأن التصنيف يحتاج فيه العالم إلى اطلاع على مصنفات ومؤلفات من كتب قبله في نفس الموضوع- فجمعت له نيفاً وثلاثين كتاباً، فأقامت عنده فترة مديدة، ثم كان من قطعه للحديث بشهور ما كان، فردها علي، وفيها علامات عليه بحمرة قد علم عليها، أي: قد اطلع، وعلم بعلامات. قبيل مرض الوفاة كانت الهمة متجهة للتصنيف وزيادة التأليف، وهذه الهمة الجبارة لا شك أنها وليدة ذلك الإيمان القوي الحافز والدافع، ونتيجة التربية، ونتيجة ما قذف الله في قلب هذا الرجل من حب العلم، والنهمة التي رزقها الله إياها، إذا رزق الله طالب العلم نهمة في الجمع؛ فإنه لا يقف عند حد. لم يؤلف الطبري ﵀ في فنٍ واحدٍ، أو كان متخصصاً في فن واحد فقط، بل جمع مختلف العلوم الشرعية واللغوية وغيرها، فهو إمام في اللغة إمام في التاريخ إمام في الحديث إمام في التفسير إمام في القراءات وهكذا. سمع ابن جرير الحديث من كثيرين، بعضهم من شيوخ البخاري ومسلم، وحدث عنه خلائق، وهو من جهة أجيال المحدثين يعتبر من جيل الترمذي والنسائي، مع العلم أن جيل الترمذي بعد جيل البخاري، وجيل البخاري بعد جيل ابن المديني، وجيل ابن المديني بعد جيل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وهكذا، فالإمام أحمد من جيل وعلي بن المديني ويحيى بن معين من هذه الطبقة، والطبري ﵀ -كما قلنا- برع في جميع الفنون: فقه مقارن اختلاف العلماء تاريخ لغة نحو صرف عروض بيان مناظرات طب جبر رياضيات نظم شعر، وهكذا كله بعد التفسير، والحديث، والعقيدة والأصول.

стр. 7026

أقوال أهل العلم في الطبري قال الخونساري: له مصنفات مليحة في فنون عديدة، تدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان من الأئمة المجتهدين. قال الخطيب البغدادي: وكان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه بمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله تعالى، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في التاريخ وهو تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة واختيار من أقاويل الفقهاء وتفرد بمسائل حفظت عنه. ونقل ياقوت الحموي وصفه عن أبي محمد عبد العزيز بن محمد الطبري قال: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ ما لا يجهله أحدٌ عرفه، لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحدٍ من هذه الأمة، ولا ظهر من كتب المصنفين وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له. وهذا توفيق من الله، هناك علماء صنفوا لكن مصنفاتهم ذهبت، أحرقت واندثرت ولم يهتم بها أحد، أولادهم باعوا كتبهم، وتاجروا بها، وهناك مذاهب انقرضت وكانوا فقهاء كبار أيام ما كانوا، لكن لم تخدم مذاهبهم، والله يهيئ من يشاء لمن يشاء، فبعض العلماء مذاهبهم حملت وسارت بها الركبان، وصنفت فيها المصنفات، وبعض العلماء مذاهبهم اندثرت، أو بقيت منها أقوال في كتب الفقه مثلاً، وبعض المصنفات اندثرت وماتت، وبعض المصنفات حية، وابن جرير ﵀ من هذا الصنف من العلماء الذين كتب الله لهم ولمصنفاتهم القبول والانتشار، وما يوجد أحد من العلماء في ذلك الوقت انتشر له مثلما انتشر لـ ابن جرير ﵀ على تنوع ما ألف فيه من فنون العلم. وقال ابن خزيمة وهو الإمام المحدث المشهور إمام أهل السنة: "ما أعلم تحت أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ". ويقول الذهبي: الإمام العلم الفرد الحافظ أبو جعفر الطبري، أحد الأعلام، وصاحب التصانيف، كان ثقة صادقاً حافظاً رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة وغير ذلك.

стр. 7027

مؤلفات الطبري مؤلفات الطبري كثيرة جداً، ومن المؤلفات التي عرفناها جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المعروف بـ تفسير الطبري وقد طبع مرات عديدة، وتاريخ الأمم والملوك المعروف بـ تاريخ الطبري، واختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام، والخفيف في أحكام شرائع الإسلام في الفقه وهو مختصر كتاب: لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام المعروف بـ اختلاف الفقهاء في علم الخلاف، وهو كتاب واسع اختصره في كتاب الخفيف، فإذاً: اللطيف والخفيف هما كتابان للطبري في الفقه. وكتاب تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار هذا كتاب في الحديث طبع منه أربعة مجلدات وبقي منه بقايا وهو من الكتب العظيمة. كذلك ألف كتاب آداب القضاة، وآداب النفوس، والقراءات وتنزيل القرآن، والبصير في معالم الدين، وفضائل علي، وفضائل أبي بكر، وفضائل عمر، وفضائل العباس، وكتاب في تعبير عبارة رؤية في الحديث، ومختصر مناسك الحج، ومختصر الفرائض، والموجز في الأصول، والرمي بالنشاب حتى الرمي بالقوس وطريقة الرمي يقال: إنه للطبري ﵀، والرسالة في أصول الفقه، والمسترشد وكتاب اختيار من أقاويل الفقهاء، هذه بعض الكتب التي ألفها صاحب القلم السيال والنفس الطويل ابن جرير رحمه الله تعالى. يقول الخطيب البغدادي راوياً: إن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة، وإذا ضربت أربعين سنة في إنتاج كل يوم أربعين ورقة يكون الناتج ستمائة ألف ورقة؛ لأن الله أمد في عمره ستة وثمانين سنة، اطرح منها الطفولة والجمع والترحال والرحلات إلى أن استقر بـ بغداد أربعين سنة هذه فترة تدريس وتصنيف، كل يوم يؤلف أربعين ورقة هذه ستمائة ألف ورقة. يقول ياقوت الحموي: وحدث عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني في كتابه المعروف بكتاب الصلة وهو كتاب وصل به تاريخ ابن جرير -أي: كمل مما انتهى إليه ابن جرير في التاريخ - أن قوماً من تلاميذ ابن جرير حصلوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة، وهذا شيء لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق. تصنيف الطبري ليس كما يقولون كلام حشو، هذا لا يأتي إلا بعد جمع غزير، ما كان إنتاج الطبري بالغث. الآن تجد بعض المُحْدَثِين الجدد يؤلف المجلدات، لكن إذا نظرت في الزبدة أو العلم الحقيقي إذا أخرجت العبارات الإنشائية والكلام الذي فيه ما فيه، يمكن أن يصفى لك مختصر كتاب فيه أوراق. أما ابن جرير ﵀ فكان كتابه زبداً، ليس فيه حشو، كان علمه المصنف في الكتب سميناً محيطاً بموضوع البحث. وبعض الكتب عادت عليها عواجل الدهر وحوادث الأيام، ونكبات التاريخ، واحترق ما احترق، وتلف ما تلف، وغرق ما غرق، وضاع ما ضاع، فقد القسم الأكبر، وما وصلنا الآن هو الأقل مما تركه ابن جرير ﵀، لكن يكفي تفسير الطبري ثلاثين مجلداً، وتاريخ الأمم والملوك ثمانية مجلدات، وقطعتين من اختلاف الفقهاء، لكن -مع الأسف- المستشرقين هم الذين اهتموا بـ تاريخ الطبري وبمؤلفاته، تهذيب الآثار فيها مسند عمر ومسند علي ومسند عبد الله بن عباس وله فيها مسانيد أخرى للصحابة كثيرة. ولنعلم أن ابن جرير ﵀ لم يكن يحبس نفسه بين أربعة جدران، لا يعلم عن العالم، ولا يساهم في شيء، لا. كان محتكاً بالحياة والمجتمع والأمة والأحداث، ولم يكن في برج عاجٍ فقط يصنف، كان له طلاب ثم هذه الرحلة الطويلة التي رحلها أكسبته خبرة وتجارب في الناس والأحوال والأحداث. رزق ﵀ بطلاب وتلامذة أقوياء، كان يملي عليهم ويحدثهم ويقرئ القرآن والقراءات، ويصلي إمام بالجماعة، ويقصده الناس لسماع قراءته وتجويده، والصلاة خلفه، فالرجل لم يكن مثل بعض الناس الآن لا تعرف عنهم شيئاً ألبتة إلا من كتبهم، إنما لا تاريخ، لا سيرة، لا حياء، لا إيمان، لا دروس، لا خطابة، ولا مساهمة في حل مشكلات الناس، لم يكن الطبري ﵀ كذلك، كان إماماً مدرساً مصنفاً مناظراً له أتباع، أخذوا علمه، وحملوا فقهه، ونشروا مذهبه، وكان يحنو على تلاميذه وطلابه ويعاملهم معاملة كريمة.

стр. 7028

ذكاء ابن جرير الطبري وحفظه كان ﵀ صاحب ذهنٍ وقاد، ووهبه الله ذكاءً عظيماً، وكان والده قد اكتشف فيه هذا الذكاء منذ صغره، فاعتنى به، وخصص له بعد ذلك لرحلته في طلب العلم موارد أرض أنفقها على ولده، لتكون عوناً له على الرحلة والسفر والتفرغ لطلب العلم. ومما يدل على ذكائه ﵀ ونبوغه أنه تعلم علماً كاملاً في ليلة واحدة، وهو علم العروض، وهو العلم المتعلق بأوزان الشعر، فإنه قال: لما دخلت مصراً لم يبقَ أحد من أهل العلم إلا لقيني، وامتحنني في العلم الذي يتحقق به، فجاءني يوماً رجل، فسألني عن شيءٍ من العروض، ولم أكن نشطت له قبل ذلك، وتفرغت لفهمه، فقلت له: علي قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العروض، فإذا كان في غدٍ؛ فصل إلي، وطلبت من صديق لي العروض -كتاب العروض - للخليل بن أحمد، فجاء به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي، وأصبحت عروضياً، فتعلمه في ليلة واحدة. وقد سبق أن ذكرنا أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وصلى بالناس إماماً وهو ابن ثمان سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين، ولا شك أنه كان حافظاً غاية في الحفظ. وقال عنه تلميذه: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ ما لا يجهله أحد عرفه، لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة ولا ظهر من كتب المصنفين، وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له، كان يتكلم في حدود علمه عن شيخه رحمه الله تعالى. وقال أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المفلس الفقيه لما ذكر فضائل العلماء: "والله إني لأظن أبا جعفر الطبري قد نسي مما حفظ إلى أن مات ما حفظه فلان طول عمره". أي: أن الأشياء التي نسيها أبو جعفر تعادل الأشياء التي حفظها فلان طيلة حياته. وقال ثعلب: قرأ علي أبو جعفر الطبري شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس عنده بمدة طويلة. أي: أنه قبل أن يشتهر كان قد انتهى من قراءة شعر الشعراء على ثعلب -اللغوي المشهور- فقال أبو العباس ثعلب يوماً: من بقي عندكم يسأل الطلاب؟ -أي: في الجانب الشرقي من النحويين- فقال أحدهم: ما بقي أحد، مات الشيوخ، فقال: حتى خلا جانبكم؟ قلت: نعم، إلا أن يكون الطبري الفقيه، فقال لي: ابن جرير؟ قلت: نعم. قال: ذاك من حذاق الكوفيين، قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثير. يقول: هذه الشهادة منه شيء عظيم؛ لأنه كان شديد النفس، شرس الأخلاق، وكان قليل الشهادة لأحد بالحذق في علمه، فإذا شهد لـ أبي جعفر؛ فمعنى ذلك أنه فعلاً مبرز وعظيم في هذا الجانب. وكان أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني قريباً من هذا في الشدة وعدم الانبساط، قال أبو جعفر: حضرت باب داره -دار أبي كريب - مع أصحاب الحديث، فاطلع من باب خوخةٍ له - أبو كريب كان من كبار المحدثين لكن لم يكن منبسطاً مع الطلاب- وأصحاب الحديث يتوسلون إليه ليدخلوا؛ ليحدثهم، فقال: أيكم يحفظ ما كتب عني؟ فالتفت بعضهم إلى بعض: من الذي يحفظ ما كتب عن الشيخ في الفترة الماضية؟ ثم نظروا إلي -يقول الطبري - وقالوا: أنت تحفظ ما كتبت عنه؟ قلت: نعم. فقالوا للشيخ: هذا فسله، فقلت: حدثتنا في كذا بكذا، وفي يوم كذا بكذا، وأخذ أبو كريب في مسألته يسأله عن الدقائق إلى أن عظم في نفسه، فقال له: ادخل إلي، فدخل إليه وعرف قدره على حداثته ومكنه من حديثه، وكان الناس يسمعون به، فيقال: إنه سمع من أبي كريب أكثر من مائة ألف حديث، فـ الطبري ﵀ ما استعد لهذا الموقف، ولكنه كان يحفظ المرويات.

стр. 7029

صفات الطبري الخَلْقية وعاداته بالنسبة لصفات الطبري الخَلْقِية وعاداته ﵀ فقد كان أسمراً يميل إلى الأدمة، أعين -أي: واسع العينين- نحيف الجسم، طويل القامة، فصيح اللسان، أسود الشعر، وبقي السواد في شعر رأسه ولحيته إلى الوفاة، وظهر فيه بعض الشيب ولم يغيره، وكان يأكل الخبز من الدقيق الأبيض بعد غسل القمح أو نزع قشره؛ لأن مذهبه أن الشمس والنار والريح لا تطهر نجساً، وكان يأكل العنب والتين والرطب، ويشرب حليب الغنم التي ترعى بعد أن يصفى ويوضع على النار، حتى يذهب منه جزءٌ، ويصنع الثريد من الخبز، ويضاف إليه الصعتر -وهو الذي يعرفه الناس الآن بالزعتر- وحبة البركة والزيت، وكان يأكل الحصرم في وقته، وهذا من اعتداله ﵀ في أكله، وكان يأكل اللحم الأحمر الصرف بعد أن يطبخه بالزبيب، ويتجنب اللحم السمين، ويقول عنه: إنه يلطخ المعدة، كما كان يتجنب السمسم والعسل، وكان يتجنب أكل التمر، ويظن أن التمر يلطخ المعدة، ويضعف البصر، ويفسد الأسنان، ويفعل في اللحم كذا وكذا، يعني هذا من مرئياته وتجاربه الخاصة. ومن اللحم اللطيف لحم الكتف الذي كان يأكله النبي ﷺ ، ومن اللحم الغليظ لحوم العضلات ولحم الفخذ مثلاً، ولما عاتبه أحد أصحابه وهو أبو علي الصواف، وقال له: أنا آكل التمر طول عمري ولا أرى إلا خيراً وأنت لماذا لا تأكل التمر؟ فرد عليه الطبري فقال: وما بقي على التمر أن يعمل بك أكثر مما عمل، قال: انظر إلى نفسك، وكان الصواف قد وقعت أسنانه، وضعف بصره، ونحف جسمه، وكثر اصفراره، وكان الطبري ﵀ يتجنب الثلج؛ لأنه يؤذي الحلق، وكان يداوي نفسه ويتعالج بالأدوية، ويعتمد على كتاب فردوس الحكمة الذي ألفه علي بن زين، وسمعه منه مباشرة وكان يصف الأدوية من هذا الكتاب للناس. ومن آداب الطبري في الأكل: أنه كان إذا تناول اللقمة سمى ووضع يده اليسرى على لحيته ليقيها من الدسم، فإذا حصلت اللقمة في فيه أزال يده، ويتناول الطعام لقمة لقمة من جانب واحد من القصعة، وكان من وجوه القوم في مدينة السلام، وقال عنه محمد بن إدريس الجمال: حضرنا يوماً مع أبي جعفر الطبري وليمة، فجلست معه على مائدة، فكان أجمل الجماعة أكلاً وأظرفهم عشرة، كان قدوة ﵀ حتى في طعامه. وكان الطبري إذا جلس لا يكاد يسمع له تنخم ولا تبصق ولا يرى له نخامة، وإذا أراد أن يمسح ريقه؛ أخذ ذؤابة منديله -طرف المنديل- ومسح جانبي فيه. والآن بعض الناس تراه في المجلس يتنخم ويبصق، ويأتي بجميع الأصوات ويتجشأ في عرض المجلس، وهذا مخالف للأدب. وقال هذا الرجل الذي يصفه: ولقد حرصت مراراً أن يستوي لي، مثل ما يفعله، فيتعذر علي اعتياده، أي: يمكن أن يحصل لي بعض المرات بتكلف، إنما ما استطعت أن يصبح لي عادة، قال: وما سمعته قط لاحناً ولا حالفاً بالله ، لغته مستقيمة وما كان يحلف بالله تعالى هيبة من القسم.

стр. 7030

تنظيم الوقت عند الطبري من الأمور المهمة والمهمة جداً لطالب العلم حتى وللعالم، وكان يفعله ابن جرير ﵀ هو تنظيم الوقت، فكان يجمع بين التدريس والتصنيف والنوم والعبادة، فكان ينام قيلولة الظهر قبل الظهر، ويصلي الظهر ثم يبدأ بالتصنيف إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ويجلس في المسجد يدرس القرآن، إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس والمذاكرة بين يديه إلى صلاة العشاء الآخرة، ثم يدخل إلى منزله، فإذا دخل منزله بعد المجلس، فلا يسمح لأحدٍ بالدخول عليه، لاشتغاله بالتصنيف إلا في أمرٍ مهم، مع المحافظة على حزبه من القرآن الكريم، وكان يقرأ كل ليلة ربعاً أو حضاً وافراً. قال ابن كامل: وقد قسَّم ليله ونهاره في مصلحة نفسه ودينه والخلق كما وفقه الله ، فأنت إذا نظرت إلى تنظيم الوقت تجده أنه يعتمد على الصلوات، وهذه ميزة في الصلوات الخمس، والله لما شرع لنا الصلوات كان من ميزتها تنظيم الوقت؛ لأنه يصبح عندك محطات في اليوم والليلة، بين الظهر إلى العصر، من العصر إلى المغرب، من المغرب إلى العشاء، بعد العشاء، قبل الفجر، بعد الفجر، الصلوات محطات تعين على تنظيم الوقت، وكان العلماء ﵏ يستغلون ذلك. فهذا أبو جعفر ﵀ عنده قيلولة وراحة بدن، وإن كان لا يكثر من ذلك، وعنده تدريس، وعنده تصنيف، وعنده عبادة، فتقسيمه لوقته من أروع ما يكون، ما كان ﵀ يفتح بابه لكل طارق، ويجعل وقته نهباً لكل من يأتي؛ لأن بعض الشباب الآن مثلاً وقته غير محدد في شيء، فهو ملك للآخرين، فقد يضيع في أي شيء، في لهو أو في نوم، فإذا طُرِقَ عليه الباب؛ خرج معه، إذا أتاه شخص في أي وقت تحدث معه، وأسهب وأطال وذهب الوقت. إن الذي يحافظ على وقته يحتاج إلى شيء من الحزم، وذلك ليس من الكبر والتطاول على عباد الله، ولا سوء الأدب مع الخلق وردهم، أو الصلف معهم، لا. وإنما شيء من الحزم، هذا عامل مهم جداً في تنظيم الوقت. يقول: وكان إذا دخل منزله بعد المجلس، فلا يسمح لأحد بالدخول عليه لاشتغاله بالتصنيف إلا في أمر مهم. هل التصنيف والتدريس كانا يمنعانه من العبادة؟ كلا، كان عنده وقت للعبادة وقيام الليل وقراءة حزب من القرآن الكريم يومياً، وهذا عامل مهم جداً؛ لأن بعض الناس ربما يكون له شيء من الجلد في القراءة وطلب العلم، لكن يقسو قلبه بسبب ضعف الصلة بالله تعالى. فالمهم كما يتضح من برنامج أبي جعفر الطبري اليومي هناك موازنة وتوزيع الأوقات على المهمات، وتوزيع الأوقات على الواجبات، والأخذ من كل شيء بشيء ونصيب، فيعمل في جميع مجالات الخير؛ تدريس، نفع الخلق، حق الطلاب الموجودين، التصنيف للأجيال المستقبلة، العبادة لحظ نفسه وعلاقته بربه، والنوم لحظ جسده، ترتيب رائع.

стр. 7031

صفات الطبري الخُلقية بالنسبة لصفاته الخُلقية ﵀؛ كان على جانب عظيم من مكارم الأخلاق، أكسبته محبة الناس والمشايخ والتلاميذ، فيصف تلميذه أخلاق أستاذه يقول: كان أبو جعفر ظريفاً في ظاهره، نظيفاً في باطنه، حسن العشرة لمجالسيه، متفقداً لأحوال أصحابه، مهذباً في جميع أحواله، جميل الأدب في مأكله وملبسه، وما يخصه في أحوال نفسه، منبسطاً مع إخوانه حتى ربما داعبهم أحسن مداعبة، وربما جيء بين يديه بشيء من الفاكهة، فيجرى في ذلك المعنى ما لا يخرج من العلم والفقه والمسائل حتى يكون كأجد جدٍ وأحسن علم، وكان يتمسك بما عليه أهل السنة والجماعة كما سيأتي. ومما حصل من حسن خلقه مع خصومه أنه كان يحضر عند داود بن علي الظاهري يسمع منه، ويناقشه في العلم، حتى حضر مرة عنده وناقشه في مسألة من العلم، فضاق أحد أصحاب داود وكلمه كلاماً فضاً، فقام الطبري من مجلسه، وبدأ بتصنيف كتاب للرد على داود ومناقشة مذهبه، وأخرج منه مائة ورقة، فلما مات داود؛ قطَّع الطبري كتابه، فقام محمد بن داود للرد على أبي جعفر، وتعسف عليه وأخذ في سبه، إلى أن جمعتهم المصادفة في منزلٍ، فلما عرفه الطبري؛ رحب به، وأخذ يثني على أبيه ويمدحه، ويصفه بالصفات الكريمة؛ مما حمل ابن داود على تقطيع كتابه، فقطع الكتاب وأتلفه ومزقه؛ بسبب حسن استقبال أبي جعفر له، وثنائه على أبيه، فامتص غضبه ونقمته، وحوله من عدو له إلى صديق.

стр. 7032

زهد الطبري وعفته كان الطبري ﵀ فيه زهدٌ وورع وخشوع وأمانة، وصدق نية، وأفعاله كانت حقائق، وكان عازفاً عن الدنيا، تاركاً لها ولأهلها، مترفعاً عن التماسها كما تجد ذلك في كتابه آداب النفوس. ومن زهده وعدم جريه وراء الدنيا وتعلقه بها، يقول صاحبه الفرغاني: أرسل الوزير العباس بن الحسن إلى ابن جرير يقول: قد أحببت أن أنظر في الفقه، أي: أريد كتاباً يناسبني في الفقه، وسأله أن يعمل له مختصراً، فعمل له أبو جعفر بن جرير كتاب الخفيف، وأنفذه إلى الوزير، فوجه إليه بألف دينار، والدينار أربع غرامات وربع من الذهب، اضربها الآن في خمسين ريالاً تقريباً للغرام، يساوي مائتين وخمسة وعشرين ألف ريال، فلم يقبلها، فقيل له: تصدق بها، فلم يفعل. وأراد الخليفة المقتدر أن يكتب كتاباً في الوقف، تكون شروطه متفق عليها بين العلماء -الوقف فيه اختلافات كثيرة بين الفقهاء والمذاهب الأربعة، فأراد هذا الخليفة عمل كتاب فيه شروط الوقف، تجمع فيها ما اتفقت عليه المذاهب- فقيل للخليفة: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري لسعة علمه بأقوال الفقهاء، فطلب منه ذلك، فكتب له كتاباً في الموضوع، فاستدعاه الخليفة إليه وقرب منزلته عنده، وقال له: سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي، قال: لا بد من أن تسألني حاجة أو شيئاً، فقال: أسأل أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا المتسولين يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع؛ لأن ذلك يشوش على المسلمين، ويجعل أمر المسجد مضطرباً، ودخول المتسولين إلى مقصورة الجامع يجعل الأمر مشوشاً ويطغى طلب هؤلاء للدنيا في مكان العبادة. وقال أبو بكر بن كامل قال لنا أبو جعفر: لما وردت مصر في سنة (٢٥٦هـ) نزلت على الربيع بن سليمان الفقيه، فأمر من يأخذ لي داراً قريباً منه، وجاءني أصحابه -أصحاب الربيع - وقالوا: تحتاج إلى قصرية -أي: أنت الآن نزلت في بلد، ماذا تحتاج من الأثاث في المنزل حتى تكون مرتاحاً وتسكن في البيت- تحتاج إلى قصرية، وزير، وحمارين، وسدة، فقلت: أما القصرية فإنه لا ولد لي لأنه لم يكن متزوجاً ﵀ وما حللت سراويلي على حلال ولا حرام قط، وأما الزير فمن الملاهي، وليس هذا من شأني، وأما الحماران، فإن أبي وهب لي بضاعة أستعين بها في طلب العلم، فإذا صرفتها في ثمن حمارين؛ فبأي شيء أطلب العلم! قال: فتبسم، فقلت: إلى كم يحتاج هذا؟ فقالوا: يحتاج إلى درهمين وثلثين -أي: ثمن هذا المتاع- فأخذوا ذلك مني، وعلمت أنها أشياء متفقة، وجاءوني بإجانة -إناء تغسل فيه الثياب- وحب -وعاء ماء وهو المسمى بالزير- وأربع خشبات قد شدوا وسطها بشريط، وقالوا: الزير للماء، والقصرية للخبز، والحماران والسدة تنام عليها من البراغيث، فنفعني ذلك وقد كثرت البراغيث، فكنت إذا جئت؛ نزعت ثيابي وعلقتها على حبل قد شددته واتزرت، وصعدت إلى السدة خوفاً منها -من هذه البراغيث- فالرجل يسافر في طلب العلم، ويتحمل النفقات، وينزل في أماكن قد لا تناسب ولكن لطلب العلم. وقال الفرغاني: رحل ابن جرير من مدينة آمل -اسم لمدينة في طبرستان التي ينسب إليها الطبري أو الآملي - لما ترعرع وأذن له أبوه بالسفر، وكان طول حياته ينفذ إليه بالشيء بعد الشيء -يرسل له نفقات- فأين ما كان الولد مسافراً يرسل إليه بنفقة ليستعين بها على الرحلة، فسمعت أبا جعفر الطبري يقول: أبطأت عني نفقة والدي، واضطررت إلى أن فتقت كمي القميص، فبعتهما. لكي يطلب العلم.

стр. 7033

عفة لسان الطبري وأما بالنسبة لعفته في لسانه ونظافة ذلك، فإنه كان ﵀ عفيف اللسان، يحفظه عن كل إيذاء، والنبي ﷺ قال لـ معاذ: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فأخذ بلسانه، وقال: كف عليك هذا -ثم قال له في آخر الحديث- وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) وقد سبق أن ذكرنا قصة داود بن علي الظاهري عندما ناقشه ابن جرير الطبري في المجلس، ذاك يأتي بحجة والآخر يرد على حجة الآخر، وابن جرير رد أثناء المناقشة ووقف الكلام على داود، فما استطاع أن يأتي داود برد، فشق ذلك على أصحاب داود، فشيخهم أحرج وأفحم في المناقشة، فقام رجل من تلاميذ داود وتكلم بكلمة موجعة لـ أبي جعفر، لماذا أفحم شيخه؟ فأعرض عنه ولم يرد عليه ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] وترفع عن جوابه، وقام من المجلس، وصنف كتاباً في هذه المسألة والمناظرة، أدب المناظرة وأدب الحديث نتيجة الموقف؛ شيء رائع ومفيد، أما أن ندخل في مهاترات مع شخص قليل الأدب؛ فهذا ليس من أخلاق أهل العلم. وقال أبو بكر بن كامل: "سألت أبا جعفر عن المسألة التي تناظر فيها هو والمزني، فلم يذكرها". رفض أن يحدث بها؛ لأنه كان أفضل من أن يرفع نفسه، أو أن يذكر ظفره على خصم في مسألة. وكان أبو جعفر يفضل المزني، فيطريه ويذكر دينه، مع أنه فاق المزني وأفحمه. وتناظر الطبري مع عبد الله بن حمدان في الدينور -بلد ينسب إليها فيقال: الدينوري- عند رجوعه إلى طبرستان، وأغرب أبو جعفر عليه ثلاثة وثمانين حديثاً، أي: أتى له بثلاثة وثمانين حديثاً لا يعرفها ابن حمدان، وأغرب عليه ابن حمدان بثمانية عشرة حديثاً فقط، مع محافظة الطبري على أدب المناظرة وحفظ اللسان ويكتفي بالقول: هذا خطأ من جهة كذا ومثلي لا يذاكر به فيخجل -أي: الآخر- وينقطع.

стр. 7034

عفة الطبري في سؤال الآخرين وكان الطبري عفيف النفس أكثر من ذلك، فهو مع زهده لا يسأل أحداً مهما ضاقت به النوائب، وينفق على نفسه مما تنتجه أرضه في قريته التي تركها له أبوه بـ طبرستان، ويعف عن الناس، ومما يدل على عفة نفسه الأبية هذه الأبيات التي وصف بها نفسه، فقال: إذا أعسرت لم يعلم رفيقي وأستغني فيستغني صديقي حيائي حافظٌ لي ماء وجهي ورفيقي في مطالبتي رفيقي ولو أني سمحت ببذل وجهي لكنت إلى الغنى سهل الطريقِ وهذا الخُلق عظيم؛ العفة عن سؤال الآخرين والترفع عن مد اليد للآخرين، وعدم الطلب من الآخرين، كما كان الشافعي ﵀ يقول: أمت مطامعي فأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهونُ وأحييت القنوع وكان ميتاً ففي إحيائه عرضي مصونُ ولما تقلد الخانقان الوزارة، وجه إلى أبي جعفر الطبري بمال كثير؛ فأبى أن يقبله، فعرض عليه القضاء؛ فامتنع، فعاتبه أصحابه، فقالوا: لماذا لا تقبل القضاء وأنت تعدل، وذلك أحسن أن يتولاها شخص يجور فيها؟ وقالوا له: لك في هذا ثواب، وتحيي سنة قد درست وذهبت واندثرت، وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم، فانتهرهم، وقال: قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك؛ لنهيتموني عنه، فما بالكم تطلبون مني! فانصرفوا خجلين، وهذا من ورعه ﵀، لا يريد أن يدخل في القضاء؛ خوفاً أن يجور في حكم، أو يرتكب ظلماً. وفي قضية التعفف والطلب من الناس وعدم مد اليد إلى الآخرين حصلت قصة عجيبة جداً ولطيفة للغاية، جمعت بين أربعة من المحمدين أحدهم الطبري في طلب العلم، كان من الرحلات الجميلة أن يترافق طلبة العلم للدراسة والسماع في بلدٍ من البلدان. اجتمع أربعة من كبار العلماء في ذلك الوقت هم: محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة إمام التوحيد، جمعتهم الرحلة في طلب العلم بـ مصر، كانوا مجتمعين في مكان واحد، فلم يبق عندهم شيء ألبتة، وأضر بهم الجوع، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم تحت وطأة الجوع الشديد على أن يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام. ما كانوا يسألون حتى أضر بهم الجوع، فليس في البيت شيء مطلقاً، ولا يوجد عند أحدهم قرشاً، ولا يرضى أحدهم أن يذهب ويسأل الناس طعاماً، ويقول: أعطونا رغيفاً أو أسلفونا رغيفاً فهم في غاية العفة، لكن ما هو الحل؟ أن يبقوا على هذه الحالة إلى أن يموتوا من الجوع؟ فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى، فقد كان من أولياء الله الصالحين، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الاستخارة فاندفع في الصلاة يدعو الله تعالى، فإذا هم أثناء صلاة ابن خزيمة بالشموع وبرجل من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا الباب، فنزل عن دابته، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو ذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فقالوا: هو ذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن هارون؟ فقالوا: هو ذا، فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة فقالوا: هو ذا يصلي، فلما فرغ دفع إليه الصرة وفيها خمسون ديناراً، ثم قال: إن الأمير كان قائلاً بالأمس -نوم القيلولة- فرأى في المنام خَيّالاً يقول: إن المحمدين -الأربعة كل واحد اسمه محمد- طووا كشحهم جياعاً في بلدك، فأنفذ إليهم هذه الصرار وأقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إلي أمدكم، يقول: الأمير يقسم عليكم بالله إذا انتهت أن تعلموه ليزيدكم. انظر! ما سألوا أحداً، ولا خرج محمد بن إسحاق بن خزيمة إلى الشارع يسأل الناس، لكن بصلاحهم وإخلاصهم؛ أرى الله الأمير رؤيا فيها قائل يقول له في المنام: أعط الصرار لهؤلاء، فرزقهم الله. وكان الطبري رحمه الله تعالى يكره البطر من الغني، والمذلة من الفقير، وكان يقول في شعره: خلقان لا أرضى طريقهما بطر الغنى ومذلة الفقرِ فإذا غنيت فلا تكن بطراً وإذا افتقرت فته على الدهرِ وقال عبد العزيز بن محمد: كان إذا أهدى إليه مهدٍ هدية مما يمكنه المكافأة عليه، قبلها وكافأه، وإن كانت مما لا يمكنه المكافأة عليه -الهدية عظيمة لا يمكن أن يكافئ بمثلها- ردها واعتذر إلى مهديها. ووجه إليه أبو الهيجاء بن حمدان ثلاثة آلاف دينار، فلما نظر إليها، عجب منها، ثم قال: لا أقبل ما لا أقدر على المكافئة عنه، ومن أين لي ما أكافئ عنها؟ فقال: ما لهذا مكافئة إنما أراد التقرب إلى الله ، فأبى أن يقبله ورده إليه. وكان أبو الفرج الأصفهاني يختلف إلى الطبري ليقرأ عليه كتبه، فطلب الطبري حصيرة لغرفة صغيرة له، فدخل أبو الفرج وأخذ قياس الطول والعرض للغرفة، وعمل لها الحصير متقرباً بذلك له، فلما جاء به ووقع موقعه الحصير، أخذ الطبري أربعة دنانير ودفعها إلى أبي الفرج، فأبى أن يأخذها، وأبى أبو جعفر أن يأخذ الحصير إلا بها، وأهدى إليه جاره أبو الحسن المحرر فرخين؛ فأهدى إليه ثوباً. إذاً: شيء لا يقدر أن يكافئ بمثله؛ يرفض أن يأخذه أصلاً. وأهدى أبو علي محمد بن عبيد الله الوزير إلى أبي جعفر برمانٍ، فقبله وفرقه في جيرانه، ولم يأخذ منه شيئاً، فلما كان بعد أيام؛ وجه إليه بوعاء فيها عشرة آلاف درهم، وكتب معها رقعة وسأله أن يقبلها، وقال الوزير لمن حملها: إن قبلها وإلا فاسألوه أن يفرقها في أصحابه ممن يستحق، فلما دخل عليه وأوصل إليه الرسالة، قال أبو جعفر ﵀: يغفر الله لنا وله، اقرأ ﵇، وقل له: ارددنا إلى الرمان -الرمان كان أحسن- أهون من عشرة آلاف درهم، فقال له الرسول: فرقها في أصحابك على من يحتاج إليها ولا تردها، فقال الوزير: هو أعرف بالناس إذا أراد ذلك، وأجاب عن الرسالة، وبعد مدة جاءه مال ضيعته التي كان يعيش من ورائها فاشترى به بضاعة، وأرسلها إلى الوزير وفيها ما قيمته أربعون ديناراً من الذهب.

стр. 7035

تواضع الطبري وعفوه وأما تواضعه وعفوه رحمه الله تعالى؛ فإنه كان يدعى إلى الوليمة فيمضي إليها ولا يتكبر، ويُسأل في الوليمة، فيجيب ويكون حضوراً مشهوداً من أجله. إذا كان في الوليمة أبو جعفر الطبري، تجد الناس يتقاطرون، ويعظم مقدار الوليمة، وصاحب الوليمة يسر بإتيان أبي جعفر. ووصفه عبد العزيز بن محمد، فقال: كان جميل الأدب في مأكله وملبسه، منبسطاً في أحوال نفسه، منبسطاً مع إخوانه حتى ربما داعبهم أحسن مداعبة. ومن مداعباته لأصحابه وإخوانه وطلابه: كان أحد أتباع الطبري اسمه أبو الفرج بن الثلاج يتعسف في كلامه، وقال عن طعام يقال له: طباهجة -طعام يصنع من بيض وبصل ولحم- فبدل أن يقول: طباهجة، قال: طباهقة، فلما سئل؟ قال: ألا ترى أن العرب تجعل الجيم قافاً، فقال أبو جعفر: فأنت إذاً أبو الفرق بن الثلاق! لأنه أبو الفرج بن الثلاج، فصار يعرف بأبي الفرق بن الثلاق ويمزح معه بذلك. وكان الطبري ﵀ لا يحمل حقداً ولا ضغينة؛ وله نفسٌ رضية، يتجاوز عمن أخطأ معه، ويعفو عمن أساء إليه. قال أبو بكر بن كامل: لما حضرت أبا جعفر الوفاة فسألته أن يجعل كل من عاداه في حل، لأجل شخص كان قد عادى الطبري ووقع فيه، ففعل وقال: كل من عاداني وتكلم فيَّ فهو في حل إلا رجل رماني ببدعة، لأنهم اتهموا أبا جعفر الطبري بأنه متشيع، وأنه ليس من أهل السنة. فإنه رحمه الله تعالى بريء من بعض الأشياء التي رمي بها، وما من عالم إلا وله كبوة، أو يخطئ في أشياء، ومر معنا في حياة الأئمة شيء كثير.

стр. 7036

عقيدة الطبري وردوده على الآخرين وأما من جهة عقيدته ﵀؛ فإنه كان سلفياً واضح السلفية، ويعلن مخالفته لـ أهل الاعتزال، ورد على القدرية، ورد على الروافض، وتبرأ ممن سب أصحاب النبي ﷺ ، ولما جاء إلى بلد منتشر فيها سب الشيخين أبي بكر وعمر ألف كتاباً في مناقب أبي بكر الصديق، وألف كتاباً في مناقب عمر بن الخطاب، وكان سلطان البلدة يؤيد السب، ومع ذلك ألف الطبري الكتابين، فلما علم بذلك سلطان البلدة؛ أرسل بطلب ابن جرير الطبري للحبس، كيف يخالف مذهب السلطان؟ وكان هناك رجل في المجلس وقد علم أن السلطان يطلب ابن جرير ليحبسه، فذهب وأخبر الطبري، فانتهز الطبري الفرصة وخرج من البلد كما فعل موسى ﵇: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢٠ - ٢١] ولما علم السلطان بذلك الذي سرب الخبر؛ ضربه ألف سوط بسبب ذلك، وقدر الله أن يحضر هذا الشخص إلى الطبري بعد أن صار شيخاً مسناً، فأكرمه الطبري واعترف له بالفضل، وكان وفياً معه. ومن ردوده أيضاً تأليفه لكتاب في حديث غدير خم والرد على من لمزه وضعفه، وكان ﵀ وسطاً، لا مع النواصب ولا مع الروافض، لا هو بالذي يغلو في أهل البيت، ولا هو بالذي يعادي أهل البيت. ومن المواقف التي حصلت له: موقفه مع طبيب نصراني ذمي: كان الطبري ﵀ يعاني من ذات الجنب، مرض كان يعتاده يذهب ويأتي، وينقض عليه أحياناً، فيعالج نفسه منه ويتداوى، فلما علم الوزير علي بن عيسى بمرض الطبري؛ بعث له طبيباً نصرانياً ليعالجه، فسأل الطبيب أبا جعفر عن حاله، ما هو برنامجك اليومي؟ ماذا تفعل؟ وسبق أن ذكرنا البرنامج اليومي لـ أبي جعفر الطبري، وكيف كان وقته كله في التدريس والتصنيف والعبادة فأخبره بحاله، فعرَّفه حاله، وما استعمل لأجل العلاج وأخذه لعلته، وما انتهى إليه في يومه ذاك، فقال الطبيب: ما عندي فوق ما وصفته لنفسك شيئاً، أي قال: ما شاء الله عليك! أنت تفهم المرض وتفهم الدواء؛ لأنه -كما ذكرنا- كان حاذقاً بالطب، وعنده كتاب في الطب قد قرأه على مؤلفه، وكان يأخذ منه الوصفات والأدوية، وكان معتدلاً في طعامه، ويأكل الثمار في أوقاتها، ومع ذلك كان وقته ممتلئلاً بهذه الطاعات، فقال الطبيب: ما عندي فوق ما وصفته لنفسك شيئاً، ثم قال العبارة الخالدة: "والله لو كنت في ملتنا؛ لعددت من الحواريين الذين هم رسل المسيح ﵇".

стр. 7037

الطبري ومنهجه في التفسير اشتهر ابن جرير الطبري ﵀ بأنه إمام المفسرين؛ لأنه ألف كتابه المشهور في التفسير، وتفسير الطبري من أنواع التفسير بالمأثور، وهو أسلم أنواع التفسير وأقربه إلى الحق؛ لأنه نقول عن السلف؛ أحاديث عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين، فبدأ الطبري ﵀ بكتابة هذا التفسير وقال في المقدمة: فإن من قسيم ما خص الله به أمة محمد ﷺ من الفضيلة، وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظه ما حفظ جل ذكره وتقدست أسماؤه عليهم من وحيه وتنزيله. حفظه الله وجعله دلالة على صدق نبوته ﷺ ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة، وحجة بالغة إلى أن قال: فجعله لهم في دجا الظلام نوراً ساطعة، وفي سدف الشبه شهاباً لامعاً، وفي مضلة المسالك دليلاً هادياً، وإلى سبيل النجاة والحق حاديا، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦]. ولقد بَيَّنَ ﵀ أهمية مكانة القرآن في المقدمة وأهمية التفسير. يقول ياقوت الحموي في معجم الأدباء: وكتاب التفسير -يعني للطبري - كتاب ابتدأه بخطبة ورسالة التفسير، تدل على ما خص الله به القرآن العزيز من البلاغة والإعجاز والفصاحة التي نافى بها سائر الكلام، ثم ذكر من مقدمات الكلام في التفسير، وفي وجوه تأويل القرآن، وما يعلم تأويله، وما ورد في جواز تفسيره، وما حضر من ذلك، والكلام في قول النبي ﷺ : (أنزل القرآن على سبعة أحرف) وبأي الألسنة نزل، والرد على من قال: إن فيه أشياء من غير الكلام العربي، وتفسير أسماء القرآن والسور وغير ذلك مما قدمه، ثم تلاه بتأويل القرآن حرفاً حرفاً - الحموي يذكر منهج الطبري في التفسير- فذكر أقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من تابع التابعين، وكلام أهل الإعراب من الكوفيين والبصريين وجملاً من القراءات، واختلاف القراءة فيما فيه من المصادر واللغات والجمع والتثنية، والكلام في ناسخه ومنسوخه، وأحكام القرآن -فقه الحلال والحرام- والخلاف فيه، والرد عليهم من كلام أهل النظر فيما تكلم فيه بعض أهل البدع، والرد على مذاهب أهل الإثبات ومبتغي السنن إلى آخر القرآن انظر إلى هذا التفسير فقد حوى كل هذه الأشياء الآثار والقراءات ووجوه الإعراب والموازنة بين الآراء، والترجيح الذي عند ابن جرير، الناسخ والمنسوخ، والأحكام وما تتضمنه من الأحكام الفقهية، يسوق الخلافات ويرد على أهل البدع بمذهب أهل السنة والجماعة، ولذلك فكتاب ابن جرير في التفسير هو أساس كتب التفسير كلها، فكل من جاء بعد ابن جرير فهو عالة عليه في التفسير، ولا يوجد في الإسلام تفسير مثله ألبتة. اتجهت همة المستشرقين إلى طبع عدد من كتب الطبري ﵀ وإخراجها، إلا أن هذا التفسير والحمد لله تعالى قد نشره رجل مسلم، فتولى آل الحلبي أصحاب المطبعة بـ مصر مصطفى بن محمد البابي الحلبي طباعة هذا الكتاب، يقول كلاماً مؤثراً ومهماً في مقدمة الطبعة: إني طالما رأيت علماء الغرب المسيحيين مولعين بالبحث عن الكتب الإسلامية القديمة العهد، ومجتهدين في الحصول على ما فيها من العلوم، ويسمى المشتغل منهم بذلك مستشرقاً -أي: دأبه البحث عن الكتب الشرقية- ومن أهم ما كانوا يجدون في البحث عنه تفسير القرآن للإمام محمد بن جرير الطبري، حتى إن الواحد منهم إذا سمع بوجود قطعة من التفسير المذكور في بعض دور الكتب، يستخدم كل وسيلة للاطلاع عليها، وهم كفرة، لكن روح البحث العلمي يجعل الواحد منهم ينفق أموالاً طائلة؛ ليحصل على قطعة من تفسير الطبري، ونسخ ما يهمه منها، ولا يبالي بصرف الوقت والمال في سبيل ذلك، وكنت -هذا موقف مسلم متحرق- يقول: وكنت أذوب خجلاً وأسفاً عندما أرى بعض الكتب العربية سبقنا أهل أوروبا إلى طبعها ونشرها، ولم يصل إلينا إلا من أيديهم شيء مخجل يؤسف له، كتبنا كتب أهل السنة وكتب علمائنا نحن المسلمين لا تصل إلينا إلا من طريق الكفار هم الذين أخذوا المخطوطات واعتنوا بها وجعلوا لها دوراً، وجعلوا لها مكتبات، وجعلوا لها مواداً حافظة وقائمين عليها، وهم الذين نشروا وحققوا كثيراً منها. قال: وكنت أذوب خجلاً وأسفاً عندما أرى بعض الكتب العربية سبقنا أهل أوروبا إلى طبعها ونشرها، ولم يصل إلينا إلا من أيديهم، بعد فترة من الزمن كدسوها وبعد ذلك أخرجوها لنا -حجبوها عنا فترة طويلة، ومنها ما نشر إلا مؤخراً في هولندا وألمانيا وغيرها من البلدان- مع أننا أحق بالمسابقة في نشر كتبنا، ولم يجئ هذا إلا من تساهل أفراد الأمة الإسلامية في ما هم أحق به، ولما كنت ممن وفقني الله لنشر بعض الكتب محبة في الخير وتسهيل السبيل إليه، بادرت بطبع كتاب تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري الذي مضى على وفاة مؤلفه ألف وإحدى عشرة سنة محبة في نشر العلم، وخوفاً من أن يسبقنا الأوروبيون لطبعه وإظهاره للعالم، فالحمد الله الذي جعل ظهور تفسير ابن جرير الطبري على أيدي المسلمين وليس على أيدي المستشرقين. الطبري رحمه الله تعالى له منهج خاص في تفسيره حيث يذكر الآية أو الآيات من القرآن ويذكر القول في تأويل قول الله تعالى، ويذكر الآية والتأويل -يعني: التفسير- ثم يعقبها بذكر أشهر الأقوال التي أثرت عن الصحابة والتابعين من سلف الأمة في تفسيرها، ثم يورد بعد ذلك روايات أخرى متفاوتة الدرجة للثقة والقوة في الآية كلها أو في بعض أجزائها، بناءً على خلاف في القراءة، أو اختلاف في التأويل -يعني: التفسير- ثم يعقب على كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار، ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النهج عارضاً ثم ناقداً ثم مرجحاً، فطريقة الطبري ﵀ ما كانت سرداً، وإنما كان فيها تنقيح وتحقيق، وهو من كتب التفسير بالمأثور الملتزم باللغة العربية، مع أن الرجل قيل: إن أصله فارسي، فمن العجائب أن يخرج علينا بهذا الكتاب وهذا المشرب الصافي الذي لا يختلف عن أي عربي فصيح.

стр. 7038

فقه الطبري أتقن الطبري ﵀ المذاهب، وليس فقط مذهب الشافعي كما يعدونه شافعياً ويذكرونه في كتب طبقات الشافعية، لكنه رحمه الله تعالى لم يحصر همته في مذهب معين، ويمكن أن يقال: إنه مجتهد، وصل إلى رتبة الاجتهاد وغير متقيد بمذهب معين، وقد تفقه أكثر شيء على فقه الشافعي، لكنه مجتهد لا يحصره مذهب معين، وشيوخه في الفقه لا يحصرون، فقد درس المذهب الشافعي والحنفي والظاهري والمالكي من مذاهب الفقهاء والأئمة وبعض الذين اندثرت مذاهبهم كذلك كان رحمه الله تعالى. درس المذاهب جميعها في الفقه، وفقه الشافعي على الخصوص، واتخذ مذهباً له أفتى به في بغداد عشر سنين، وأحصى المسائل واستجلى الغوامض، وأمعن في التثقيف والتدقيق، ولم يلبث أن أدى به البحث والاجتهاد إلى مذهب انفرد به وأودعه في كتبه المطولة والمختصرة. إذاً: تطور أمره إلى أن صار له مذهب مستقل، لا يمكن أن يقال: إنه شافعي تماماً، وإنما هو مجتهد يأخذ ما أدى إليه اجتهاده، ويمكن أن يقال: كان هناك مذهب يقال له: المذهب الجريري نسبة إلى ابن جرير الطبري؛ لأنه كان في النهاية صاحب مذهب مستقل، وله أصوله وقناعاته في أصول الفقه التي أقام عليها هذا المذهب.

стр. 7039

تاريخه المشهور بتاريخ الطبري أما بالنسبة للتاريخ فقد ذكرنا أشهر كتبه هو تاريخ الأمم والملوك، وهذا الكتاب عندما أراد ابن جرير رحمه الله تعالى أن يؤلفه كان شيئاً أعجب من العجب، قال لتلاميذه: تنشطون لتاريخ العالم -نكتب جميعاً- من آدم إلى وقتنا هذا تاريخ العالم، فقالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ما ذكره في التفسير، أي: يحتاج إلى ثلاثين ألف ورقة، فأجابوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فقال الطبري: إنا لله وإنا إليه راجعون! ماتت الهمم. فاختصره في نحوٍ مما اختصر به التفسير، أي: في ثلاثة آلاف ورقة، فـ تفسير الطبري الآن عشرين مجلداً وهو عُشُر الكتاب الأصلي الذي كان يتمنى أن يكتبه، وتاريخ الطبري الذي عندنا هو عشر الكتاب الأصلي الذي كان يتمنى أن يكتبه، يقول: إنا لله! ماتت الهمم، أي: كانت همته أن يكتب التاريخ في ثلاثين ألف ورقة، ويكتب التفسير في ثلاثين ألف ورقة. بالنسبة لـ تاريخ الطبري ﵀ فإنه تضمن الحديث عن الزمان في ضوء العقيدة الإسلامية، والأقوال في قدر جميع الزمان، وأن الله تعالى خلق الزمان والليل والنهار، وهو القادر على فنائه، ولا يبقى إلا الله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن. وتحدث الطبري ﵀ عن ابتداء الخلق، وأن أول ما خلق الله القلم، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وخلق إبليس وأخباره، ثم القسم الأول تاريخ العالم قبل الإسلام بدأه بخلق آدم ونزوله من الجنة، وقصته مع إبليس، وهبوطه إلى الأرض، والروايات الواردة في ذلك، والأحداث التي وقعت في زمن آدم، وقتل قابيل هابيل، والروايات الواردة، وموت آدم، وسنه حين مات، ثم أولاد آدم إلى نوح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأيوب وشعيب ويوسف وإلياس وموسى وداود وسليمان وصالح ويونس وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعرض لأخبار أممهم من خلال تاريخ أنبيائهم، وأرخ بصفة خاصة لبعض الأمم، مثل: ملوك الفرس -العهد الساساني- وعلاقتهم بالعرب والروم، وملوكهم في عهد النصرانية إلى الإسلام، واليهود وأنبيائهم وقصصهم وتاريخهم وملوكهم ودولهم، وأخيراً العرب، وتحدث عن عاد وإهلاكهم، وثمود وعتوهم، وجرهم وهم أصهار إسماعيل ﵇، وأخبار العرب بالجاهلية، وملوك اليمن وعلاقتهم بـ الحبشة ثم بالفرس، وأشهر حكماء العرب، وأجداد النبي ﵊ الذين يرجع إليهم نسبه الشريف من عدنان إلى عبد المطلب، وطائفة من أخبار النبي ﵊ قبل البعثة، وحال قريش ومكة، ثم بعد ذلك بدأ في نسب النبي ﵊ وأخباره وأخبار آبائه وأجداده وأنسابه وأزواجه يعني: السيرة النبوية. هذا قسم ضخم من الكتاب، ثم تاريخ العالم بعد الإسلام ابتداءً من نزول الوحي العهد النبوي، البعثة النبوية، السيرة، العهد الراشدي، العهد الأموي، العهد العباسي، وطبعاً الطبري ﵀ مات في خلافة بني العباس. وكان له مصادر في تاريخه، لكن هنا ملاحظة مهمة: وهي أن الطبري ﵀ ينقل روايات في التاريخ فيها أحياناً كذابين أو متهمين بالرفض، كذلك بعض الأخبار التي في بعض الروايات التي في تفسيره إسرائيليات أو أخبار ساقطة، وهو ألفه على مذهب: (من أسند فقد حمل) أي: أنا أتيت لك بالإسناد وحملتك التبعة، وأنت فتش وأنت أنا جمعت لك ورتبت وصنفت وهيأت، وأنت يا أيها الباحث بعد ذلك انتق وفتش، فلا يقال: لماذا وضع إسناداً فيه رجلاً وضاعاً؟ لماذا وضع إسناداً فيه رافضياً؟ لماذا وضع إسناداً فيه كذا؟ يقال: لأن الطبري ﵀ من طريقته الجمع، لكنه جيد للغاية في التصنيف والترتيب.

стр. 7040

موت الطبري ﵀ في بغداد عاش الطبري ﵀ حياة مباركة إلى أن بلغ ستة وثمانين عاماً في سبيل العلم ونشره، واستوطن في آخر عمره بغداد، وأقام بها والتف حوله الطلاب والعلماء يملي الكتب ويصنف، ويعبد الله حتى أسلم روحه إلى بارئها في السادس والعشرين من شوال عام (٣١٠هـ) في خلافة المقتدر بالله العباسي ودفن بـ بغداد. قال ابن كثير: ولما توفي اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد، وصلوا عليه بداره، ومكث الناس يترددون إلى قبره يصلون عليه، ورؤيت له منامات صالحة، ورثي بمراثٍ وقصائد جميلة. وقال ابن الأعرابي ﵀ وهو من أئمة أهل السنة في اللغة: حدث مفظع وخطب جليلٌ دق عن مثله اصطبار الصبورِ قام ناعي العلوم أجمع لما قام ناعي محمد بن جريرِ فهوت أنجمٌ لها زاهراتٌ مؤذنات رسومها بالدثورِ وتغشى ضياءها النير الإشراق ثوب الدجنة الديجورِ وغدا روضها الأنيق هشيماً ثم عادت سهولها كالوعورِ الروض: الزهر صار هشيماً. يا أبا جعفر مضيت حميداً غير وانٍ في الجد والتشميرِ بين أجر على اجتهادك موفور وسعي إلى التقى مشكورِ مستحقاً به الخلود لدى جنة عدنٍ في غبطة وسرورِ نسأل الله أن يغفر له ويرحمه، وأن يعلي درجته ومنزلته، ونسأله سبحانه أن ينفع الأمة بعلمه، وأن يجعلنا ممن شملهم برحمته وفضله، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.