Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.
стр. 6966
خروج الريح لا يوجب الاستنجاء
السؤال
إذا خرج الإنسان منه ريح فهل يجب عليه الاستنجاء؟
الجواب
لا، خروج الريح لا يوجب الغسل ولا الاستنجاء.
стр. 6967
مشكلة ثوران الشهوة عند الشباب
السؤال
أنا عندما تأتي شهوتي أفعل شيئاً فما حكم ذلك؟
الجواب
قد يشير السائل إلى استخدام العادة السرية، والأرجح من كلام العلم أنها محرمة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣١].
ولا شك أن ممارستها تسبب أضراراً، وينصح كل شاب بالزواج، بل قد يجب عليه وجوباً.
وإن كان غير مستطيع للزواج، فعليه أن يذهب مع الدعاة للعلم والتعلم والدعوة حتى لا يجد لحظة فراغ، فلا يستلقي على السرير إلا وينام من التعب، وعليه بالأعمال الصالحة فهي من أعظم العلاجات.
стр. 6968
بم تدرك صلاة الجماعة ؟
السؤال
يقول: إذا أدرك المصلي التسليمة الثانية، فهل أدرك الصلاة؟
الجواب
الصلاة لا تدرك إلا بالركوع، أي أن أجر صلاة الجماعة ما يدرك إلا إذا أدرك الركوع، والتسليمة الثانية سنة والأولى فرض على التحقيق، فإذا سلم الإنسان التسليمة الأولى، حل من الصلاة لأن تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فالتسليمة الأولى تعتبر التسليم، ويؤيد هذا القول الأحاديث الواردة في التسليمة الواحدة، فلذلك من أدرك التسليمة الثانية لا يعتبر من الذين أدركوا الصلاة، فإذا دخلت المسجد ووصلت الصف، وسلم الإمام التسليمة الأولى فلا تجلس ولا تصل معهم، بل تنتظر إلى الجماعة التي بعدها.
стр. 6969
حكم لبس السلاسل الفضية والساعات المزينة للرجال
السؤال
ما حكم لبس السلاسل للرجال؟ وإن لم تكن من ذهب؟
الجواب
يعني: لو كانت من فضة.
أجاب على هذا الشيخ عبد العزيز بن باز جزاه الله خيراً، يقول: هذا ليس بمعتاد من فعل الرجال، ولذلك لا يجوز وفيه تشبه بالتزين، وإنما يكون التزين بهذه الأشياء للنساء.
ويستثنى من هذا الحكم الخاتم لورود النص به، وأما الساعة فيجب أن ندقق فيها، والمفروض أن يكون الغرض من لبس الرجل للساعة هو المعرفة للوقت، لا لشيء آخر.
فإذا اشترى أحد الناس ساعة جميلة ومزخرفة، فهل يجوز له لبسها أم لا؟ إذا كان لبسه لها للزينة، وليس لمعرفة الوقت، فعند ذلك يكون هذا فيه تشبه بالنساء، وهذا حكمه معروف.
فلذلك ينبغي للرجال أن يتنبهوا لهذا، والمسألة تحتاج إلى زيادة تفصيل.
стр. 6970
درجة حديث (من أدرك تكبيرة الإحرام أربعين يوماً)
السؤال
يقول: ما مدى صحة حديث: (من أدرك تكبيرة الإحرام أربعين يوماً، كتبت له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من الشرك)؟
الجواب
الحديث هذا حسن كما في صحيح الجامع: (من أدرك تكبيرة الإحرام أربعين يوماً، كتبت له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من الشرك) أي: من أدركها أربعين يوماً في الصلوات المفروضة المتتالية.
стр. 6971
شكوى الصحابة لا تنقص من قدرهم
السؤال
كأني سمعتك تقول: إن بعض الصحابة قد سخر بعضهم من بعض، فإذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك ينافي رضوان الله عليهم؟
الجواب
أنا لا أعتقد ذلك، فقد ثبت أن أبا ذر ﵁ وأرضاه قال: يا بن السوداء، لبعض الصحابة، فاشتكى منه، فالصحابة من البشر، فهذا لا ينقص من قدرهم شيئاً.
стр. 6972
أحاديث الآحاد هل تفيد القطع ؟
السؤال
ذكرت أن أحاديث الآحاد ظنية لا يقينية، فهل هذا يعني عدم الجزم بها؟
الجواب
إنما قلت: بعض أهل العلم الذي قالوا: إن أحاديث الآحاد ظنية يخالفهم علماء آخرون، لكن أنا بنفسي أوجه قول هؤلاء، وأوضح ما هو مقصودهم بالفعل، إذا قالوا: إن أحاديث الآحاد تفيد الظن لا القطع، فإنهم لا يعنون أنه لا يعمل به، أنا دافعت عمن يقول بهذا القول أنه لا يعني أنه لا يعمل به، وإذا وجد الحديث الصحيح المعروف فإنه يجب العمل به.
أما من حيث المسألة فهل حديث الآحاد يفيد الظن أو القطع؟ فحديث الآحاد قسمان: قسم اتفقت عليه الأمة واشتهر واستفاض، كما في أحاديث الآحاد التي في الصحيحين، فهي تفيد القطع، لأن الأمة تلقت الصحيحين بالقبول.
أما الأحاديث الأخرى التي صححت الآن، وما استفاض عمل الأئمة فيها، فهي تفيد الظن، بعضهم يصححها، وبعضهم يضعفها.
стр. 6973
علامة الأخوة في الله
السؤال
كيف أعرف أن أُخُوَّتي مع أَخي أُخُوَّة في الله؟
الجواب
هذا سؤال مهم أيها الإخوة، لأن بعض الناس يؤاخون أشخاصاً، لكن أخوتهم ليست أخوة في الله.
إذا أردت أن تعرف هل هذه الأخوة في الله أم لا، فاسأل نفسك: لماذا أنا آخيت فلاناً؟ هل آخيته لإيمانه وتقواه، ولأعمال صالحة؛ لخشوعه في الصلاة، ولطلبه للعلم، ولدعوته إلى الله ، أم أنك آخيته لظرافته، أو شكله، أو خفة دمه؟ فإذا كان شيء من الطرف الثاني هذا، فاعلم أنك على خطأ.
стр. 6974
كيفية معاملة أهل الكفر
السؤال
كيف تكون معاملة من ينتسب إلى الباطنية، أو إلى مذاهب خارجة عن الإسلام؟
الجواب
أيها الإخوة إن قضية الولاء والبراء، الولاء بيننا وبين المؤمنين والبراء بيننا وبين الكفار، تعني أن الإنسان لا يتودد إليهم، ولا يبدي لهم البشاشة بلقياهم، ولا يتحبب إليهم، ويقطع الصلة بيننا وبينهم، لأنهم قطعوا حبل الله، لكن هذا لا يعني الإساءة إليهم، وأن أسبهم في المجامع وألعنهم بما فيهم، فإن فيه مفاسد أكبر من السكوت، ولذلك يقول الله : ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] فسب الكفار جائز لا حرج فيه، لكن إذا أدى سب الكفار إلى مفسدة أكبر مثل: أن يسبوا الله، أو يسبوا الدين أو النبي، فعند ذلك لا يجوز سبهم، فلا بد أن نفهم أن عدم الإحسان لا يعني الإساءة، وأنه إذا توفرت مفاسد كبيرة على شتمك له، فلا تسبه، ولا تشتمه، فالإنسان المسلم الداعية إلى الله حكيم في أفعاله، والحكمة تقتضي أحياناً إخفاء العداوة.
стр. 6975
ضرب الطبل في الشعر
السؤال
ما هو حكم ضرب الطبول في الشِّعر؟
الجواب
ورد النهي الكوبة في حديث عن النبي ﷺ ، والكوبة هي الطبل، فلا يجوز.
стр. 6976
مع ملتزم مبتدئ
السؤال
لدي شخص بدأ بالالتزام، فما هي المراحل التي يجب أن يتبعها باستمرار؟
الجواب
هذا يحتاج إلى جواب طويل، لكن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، فإذا كان هناك إنسان بدأ في الالتزام، فاحرص على جلب المصالح إليه، وتكثيرها، ودرء المفاسد عنه وتقليلها، فعليك ببناء الإيمان في نفسه وإبعاده عن الأجواء السامة وإزالة الشرك والجاهلية من قلبه.
стр. 6977
صلة الأرحام والمحاذير الموجودة
السؤال
الذي يريد أن يصل أقاربه، ولكنهم كثرة، فماذا يفعل إذا كان خائفاً من الفتنة؟
الجواب
إذا تبين أنه أراد أن يزور رحمه ويصلهم، وعندهم بنات، وهو لا يمكن أن يخالطهم حتى يجلسن معه، فهذا في الشريعة لا يجوز، لا يعني الأمر بصلة الرحم أن يتعدى حدود الله وينتهك محارم الله .
ويمكنه أن يتصل بهم على الهاتف، ويبلغهم السلام عن طريق فلان وفلان، وذلك إذا لم تتمكن من دخول البيت بطريقة شرعية، وإذا دخلت تعرضت للفواحش، فهناك وسائل أخرى لصلة الرحم، إذ ليست الصلة مقصورة فقط على الزيارة، فهناك الاتصال والمراسلة وإرسال السلام مع الناس، وإهداء الهدايا إليهم والطعام فكل ذلك من الصلة والإحسان إليهم، أما أن تجلس إذا دخلت عندهم مع ابنة عم أو ابنة خال متكشفة ومتبرجة، فهذا ليس من صلة رحم.
стр. 6978
مراعاة المصالح الشرعية في جرح الأشخاص
السؤال
أحياناً يطلب مني أن أتكلم عن شخص، والكلام الذي سأقوله قد يكون فيه سلبيات هذا الشخص، فهل يجوز لي أن أتكلم؟
الجواب
حدود الكلام متعلقة بالمصلحة الشرعية، فإذا كان هناك مصلحة شرعية في كلامك، فلتتكلم، إذا لم يكن هناك مصلحة شرعية، فلا تتكلم.
وإذا تكلمت عن فلان، فتكلم فقط في الجانب الذي يريده السائل.
فلو أن إنساناً مثلاً سألك عن فلان: أريد أن أشغله عندي في المعمل، أو في الدكان فتكلم فيما يتعلق بأمانته وبراعته في العمل، ولا تقل: إن هذا الرجل له علاقة بفتاة، فإنه لا دخل لهذه القضية بهذه، أنت فقط تتكلم جرحاً وتعديلاً في الجانب الذي يتعلق به السؤال.
أحد الناس سألك وقال لك: أنا أريد أزوج ابنتي على فلان، فبماذا تنصح؟ فتكلم له عن الجانب الذي يخص الزواج؛ دينه وخلقه، بعض الناس يتكلم ويعدد كل السلبيات وكل الأمور التي لا تهم، لا بد من مراعاة المصالح الشرعية.
رجل أراد أن يزوج ابنته لرجل كان فاجراً ثم تاب إلى الله ، فلا تقل له: كان يفعل، وكان يعمل، فقد تغيرت حاله وتاب إلى الله .
стр. 6979
هل تعلم العلوم الطبيعية جهاد ؟
السؤال
هل تعلم العلوم الطبيعية الدنيوية جهاد في سبيل الله؟
الجواب
العلم الدنيوي مثل الرياضيات والفيزياء، الشيخ ابن باز ينبه إلى قضية كل الناس يخطئ فيها فيقول: كل الآيات والأحاديث التي تتكلم عن العلم مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] إنما يقصد بها العلم الشرعي.
إذا وجد حسن النية في العلوم الدنيوية وكان فيها منفعة للمسلمين فهي جهاد في سبيل الله.
стр. 6980
حكم قول المدرسة للطالبة: يا شقية! يا كسلانة !
السؤال
هل تأثم المعلمة عندما تقول للطالبة: يا شقية يا كسلانة؟
الجواب
الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو الإفتاء، يقول: هذا يعتمد على النية، فإذا كان قصد المعلمة من هذا الكلام تحفيز الطالبة من أجل الدراسة جاز، أما إذا كان قصدها الاستهزاء والسخرية، فذلك لا يجوز.
بل لو نظرت إلى شكل فلان وحدثتك نفسك عنه بسخرية واستهزاء، لكنك ما أظهرت هذا الكلام فإن ذلك يعتبر استهزاءً وسخرية.
يقول الشيخ عبد الرزاق: ولا يجوز أن تسخر وتستهزئ لا في نفسك ولا في ظاهرك.
نكتفي بهذا القدر من الأجوبة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 6981
ابن القيم العالم الرباني
علماء الأمة هم وجهها الذي به تقابل الأجنبي، وهم المنارة التي تعتز بها على الخارجي، وقد هيأ الله لهذه الأمة علماء حفظ بهم الدين، وأحيا بهم سنة سيد المرسلين، فكان الحديث عنهم جزءاً من العلم، والعلم بأحوالهم حافزاً إلى الطلب، ومن هؤلاء العلماء العلامة ابن القيم، فتمتع بالحديث عنه وعن علمه وسيرته، كما تتمتع بالقراءة في كتبه العذبة
стр. 6982
نبذة مختصرة عن سيرة ابن القيم الشخصية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أيها الإخوة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الليلة سنتكلم عن ابن القيم -رحمه الله تعالى- علمٌ من أعلام المسلمين الذي كان له فضلٌ عظيمٌ في نصرة هذا الدين، وفي نشر سنة سيد المرسلين ﷺ ، وهو الذي تكلم وناظر وألف في تبيانه للإسلام، حتى غدت مؤلفاته منابع خير يتلقى منها من بعده، فأصبح الناس عالةً على كتبه، وهذا الرجل مغموط الحق عند الكثيرين، مجهول الحال عند أغلب المسلمين، ولعلنا في هذه النبذة التي نقدمها عن حياته ومنهجه وأسلوبه نكون قد قمنا بشيء بسيط من الواجب نحو هذا العلم الضخم من أعلام المسلمين.
أما ابن القيم -رحمه الله تعالى- فكنيته أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي الزرعي الدمشقي المشتهر بـ ابن قيم الجوزية ﵀.
ولد في السابع من شهر صفر من سنة ٦٩١هـ، وذكر بعضهم أن ولادته كانت بـ دمشق، وكان والده ﵀ ناظراً ومشرفاً على مدرسة الجوزية التي أنشأها وأوقفها -رحمه الله تعالى- ولأن أباه كان مشرفاً على هذه المدرسة، فكان المشرف يسمى قيماً، فاشتهر ابنه بـ ابن القيم ﵀؛ ولذلك يقال على سبيل الاختصار: ابن القيم، وإلا فإن اسمه، محمد، وكنيته أبو عبد الله، ولقبه شمس الدين، ويخطئ من يقول: ابن القيم الجوزية، وإنما الصحيح ابن قيم الجوزية، أو اختصاراً ابن القيم، وخلط كثيرون بينه وبين ابن الجوزي، وترتب على هذا الخلط إشكالات، منها: أن نسبت كتبٌ لـ ابن القيم هو منها بريء، مثل: كتاب دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه وهو كتابٌ منحرفٌ في العقيدة، وكذلك كتاب أخبار النساء لـ ابن الجوزي، وكان أبوه ﵀ وأخوه وابن أخيه من المشتهرين بالعلم والفضل.
نشأ ﵀ في جوٍ علمي، وله من الأولاد عبد الله الذي ولد سنة ٧٢٣هـ، وكانت وفاته سنة ٧٥٦هـ، وكان ولداً مفرطاً في الذكاء، فقد حفظ سورة الأعراف في يومين، وصلى بالقرآن سنة ٧٣١هـ، وأثنى عليه أهل العلم بأمورٍ كثيرة منها: غيرته في أمر الله، وذكر ابن كثير ﵀ أن هذا الولد قد أبطل بدعة الوقيد بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان، حيث كانت توقد نيران في ليلة النصف من شعبان وهي بدعة، أبطلها ولد ابن القيم ﵀ وله ولدٌ آخر اسمه إبراهيم كان علامةً نحوياً فقيهاً شرح الألفية.
стр. 6983
حياة ابن القيم العلمية والعملية
برع ابن القيم ﵀ في علوم كثيرة لا تكاد تحصى، وهي سائر علوم الشريعة، مثل: التوحيد، والتفسير، والحديث، والفقه، والأصول، والفرائض، واللغة، والنحو، وكان من المتفننين، وتفقه في المذهب، وبرع وأفتى ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان عارفاً في التفسير لا يجارى، وسمع الحديث، واشتغل بالعلم، وقال عنه الذهبي ﵀: "عني بالحديث ومتونه ورجاله، وكان يشتغل بالفقه ويجيد تقريره".
وقال ابن ناصر الدين ﵀: "كان ذا فنون في العلوم".
وقال ابن حجر: كان جريء الجنان، واسع العلم، عارفاً بالخلاف ومذاهب السلف.
وقد رحل رحلات لكنها ليست بالكثيرة، فمثلاً رحل إلى مصر، فقال في بعض كتبه: وقد جرت لي مناظرة بـ مصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، والسبب الذي لم يشتهر من أجله ابن القيم في الرحلة أنه قد نشأ بمدينة دمشق، وكانت عامرةً بالعلماء، وبالمكتبات، وبالمدارس، وأتى إليها طلبة العلم والعلماء من كل حدب وصوب؛ فلم يعد هناك داعٍ كبيرٍ للرحلة، وخيركم من يأتيه رزقه عند عتبة بابه.
стр. 6984
أسفار ابن القيم وتأليفه للكتب فيها
وقد حج ﵀ حجات كثيرة، وجاور في بيت الله الحرام، وقال عنه تلميذه ابن رجب: "حج مرات كثيرة، وجاور بـ مكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه وقد ذكر ﵀ في بعض كتبه أشياء مما حصلت له في مكة، فقال في قصة تأليف كتابه مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة قال في مقدمته: "وكان هذا من بعض النزل والتحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقاء نفسي ببابه مسكيناً ذليلاً، وتعرضي لنفحاته في بيته، وحوله بكرة وأصيلاً" فكان هذا الكتاب قد ألفه في مكة -رحمه الله تعالى.
وقال عن استشفائه بماء زمزم: "لقد أصابني أيام مقامي بـ مكة أسقامٌ مختلفة، ولا طبيب، ولا أدوية- كما في غيرها من المدن- فكنت أستشفي بالعسل، وماء زمزم، ورأيت فيها من الشفاء أمراً عجيباً".
وقال في مدارج السالكين عندما تكلم عن موضوع الرقى: لقد جربت في ذلك من نفسي وغيري أموراً عجيبةً، ولا سيما في المقام بـ مكة، فإنه كان يعرض لي آلاماً مزعجةً؛ بحيث تكاد تنقطع مني الحركة، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها على محل الألم، فكأنه حصاة تسقط، جربت ذلك مراراً عديدةً، وكنت آخذ قدحاً من ماء زمزم، فأقرأ عليه الفاتحة مراراً فأشربه، فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء، والأمر أعظم من ذلك، ولكن بحسب الإيمان وصحة اليقين، والله أعلم.
وهذا السفر مع بعده عن الأولاد والوطن، لم يكن يشغله عن طلب العلم والتأليف والنظر، فهو وإن سافر فإنه لا يحمل من الزاد إلا أمراً يسيراً، وكانت مكتبته في صدره ﵀، ومن العجيب أنه قد ألف كتباً حال سفره منها: مفتاح دار السعادة، وروضة المحبين، وزاد المعاد، وبدائع الفوائد، وتهذيب سنن أبي داود ألفها في حال السفر، وليس في حال الإقامة، وكان ﵀ مغرماً بجمع الكتب، فإنك تجد -مثلاً- في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية قد رجع إلى أكثر من مائة كتاب، وفي أحكام أهل الذمة ذكر نحو ثلاثين كتاباً، وكذا في كتابه الروح، وهذا يعني أنه كان عنده مراجع كثيرة، وكان يهتم بكتبه، وقد حصل عنده من الغرام بتحصيل الكتب أمراً عظيماً؛ حتى أنه جمع منها ما لم يجمع غيره، وحصل منها ما لم يحصل لغيره؛ حتى كان بعض أولاده من الذين أتوا من بعده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً غير ما أبقوه لأنفسهم للإفادة منه، وكذلك كان ابن أخيه قد صار عنده شيئاً من مكتبته، وكان لا يبخل بإعارتها.
стр. 6985
أعمال ابن القيم ﵀
تولى ابن القيم ﵀ أعمالاً عديدةً، منها: الإمامة في المدرسة الجوزية، والتدريس في المدرسة الصدرية، والفتوى، والتأليف.
وقد تعرض ﵀ للسجن بسبب فتاوي رأى أن الحق فيها، مثل: مسألة طلاق الثلاث بلفظ واحد، ومثل: إنكار شد الرحال إلى قبر الخليل؛ حيث يقول ابن رجب ﵀: وقد حبس مدة لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل؛ مع أن شد الرحال إلى قبر الخليل من البدع المحدثة، ولا يشرع شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وكل شد رحل لزيارة مكان عبادة، أو قبر من القبور، أو مسجد من المساجد، فإنه بدعةٌ من البدع، فما بالك بما يحدث اليوم من بعض الناس بزيارة أماكن المغضوب عليهم في رحلات سياحية، مثل: مدائن صالح التي أهلك الله قومها ومن كان فيها، والنبي ﵊ لما مرَّ بها مرَّ مطأطئ الرأس، حزيناً، مسرعاً، خائفاً من عذاب الله، واليوم يشدون الرحلات السياحية إلى تلك الأماكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 6986
أخلاق ابن القيم وتواضعه
وأما عن أخلاق ابن القيم ﵀ فقال ابن كثير: كان حسن القراءة والخلق، كثير التوجه، لا يحسد أحداً ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد، وبالجملة كان قليل النظير في مجموعه، وأموره، وأحواله، والغالب عليه الخير والأخلاق الفاضلة؛ ولهذا الطبع المتأصل في نفسه تجده يقول -مثلاً- في بعض كتبه: من أساء إليك، ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقاً كانت أو باطلاً، وتكل سريرته إلى الله كما فعل رسول الله ﷺ في المنافقين.
وأما عن تواضعه، فإنه كان أمراً عجيباً، وقد ذكر العلامة الصفدي -رحمه الله تعالى- ميميته الرقيقة التي يتحدث فيها ابن القيم عن هضمه لنفسه، ويفي بتواضعه من خلال أبيات تلك القصيدة، فيقول:
بُني أبي بكرٍ كثيرٌ ذنوبه فليس على من نال من عرضه إثمُ
بُني أبي بكرٍ جهولٌ بنفسه جهولٌ بأمر الله أنَّى له العلمُ
بُني أبي بكرٍ غدا متصدراً يعلم علماً وهو ليس له علمُ
بُني أبي بكرٍ غدا متمنياً وصال المعالي والذنوب له همَّ
بُني أبي بكرٍ يروم مترقياً إذا جنت المأوى وليس له عزمُ
بُني أبي بكرٍ لقد خاب سعيه إذا لم يكن في الصالحات له سهمُ
стр. 6987
عبادة ابن القيم وزهده
وأما عن عبادته وزهده، فإن من يقرأ مؤلفاته ﵀ يخرج بدلالة واضحة، وهو: أنه كان عنده من عمارة القلب باليقين، والافتقار إلى الله ، والعبودية أمراً عظيماً، وتجد في ثنايا كلامه من إنابته إلى ربه، والحاجة إليه ثروةً طائلةً، فكان من العلماء العاملين الذين كانوا من أهل الله وخاصته.
قال ابن رجب ﵀: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية الوسطى، وتأله ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله، ولقد امتحن وأوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة في القلعة منفرداً عنه، لم يفرج عنه إلا بعد موت شيخه ابن تيمية ﵀، وكان في مدة حبسه منشغلاً بتلاوة القرآن والتدبر والتفكير، ففتح الله عليه من ذلك خيراً كثيراً.
وحج مرات وجاور بـ مكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه.
وقال تلميذه ابن كثير: لا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكان له طريقةً في الصلاة يطيلها جداً، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان فلا يرجع، ولا ينزع عن ذلك رحمه الله تعالى.
وقال ابن حجر: كان إذا صلى الصبح، جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار، وكان يقول: هذه غدوتي لو لم أقعدها سقطت قواي، وكان يقول: بالصبر والفقه تنال الإمامة بالدين.
стр. 6988
ابن القيم وشيخه ابن تيمية
لقد حدثت حادثة في حياته -رحمه الله تعالى- كان لها أثراً عظيماً، وهي: التقاؤه بشيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام ابن تيمية -رحمهما الله تعالى- لقيه في سنة ٧١٢هـ، وهي السنة التي عاد فيها الشيخ ابن تيمية من مصر إلى دمشق، ولازمه حتى مات ابن تيمية ﵀ سنة ٧٢٨هـ، وهذا يعني أنه لازمه ستة عشر عاماً.
стр. 6989
ابن القيم قبل لقائه بابن تيمية
ذكر ابن القيم ﵀ أنه كان في مبدأ أمره مفتوناً بعقيدة الأشاعرة في الصفات، وبكلام بعض النفاة، وكان له سقطات، فلما خالط شيخ الإسلام، اهتدى على يديه، ولذلك يقول ابن القيم في نونيته:
يا قوم والله العظيم نصيحة من مشفقٍ وأخٍ لكم معوانِ
جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيرانِ
حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تجزيه يدي ولساني
فتىً أتى من أرض حران فيا أهلاً بمن قد جاء من حرانِ
من الذي جاء من حران؟ ابن تيمية ﵀ لأن ابن تيمية حراني.
فالله يجزيه الذي هو أهله من جنة المأوى مع الرضوان
أخذت يداه يدي وسار فلم يرم حتى أراني مطلع الإيمانِ
ورأيت أعلام المدينة حولها نزل الهدى وعساكر القرآنِ
ورأيت آثاراً عظيماً شأنها محجوبةً عن زمرة العميانِ
ووردت كأس الماء أبيض صافياً حصباؤه كلآلئ التيجانِِ
ورأيت أكواباً هناك كثيرةً مثل النجوم لواردٍ ظمآن
ورأيت حول الكوثر الصافي الذي لا زال يشخب فيه من زابانِ
نحن نعلم أن نهر الكوثر الذي في الجنة يصب في الحوض عبر ميزابين، فيستشهد ابن القيم رحمه الله تعالى بهذا الحديث يأخذ منه تعبيراً لكي يقول للناس: إن ابن تيمية أخذ بيدي حتى أوردني الحوض الصافي الذي يشخب فيها ميزابان الكتاب والسنة.
ميزان سنته وقول إلهه وهما مدى الأيام لا ينيانِ
والناس لا يردونه من الآلاف أفرادٌ ذوو إيمانِ
إلا من أنعم الله عليه، وإلا فإن كثيراً من الناس قد تخبطوا وضلوا، وأرادوا الحق فلم يصلوا إليه.
стр. 6990
اعتناء ابن تيمية بتلميذه ابن القيم
لقد اعتنى ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بتلميذه اعتناءً كثيراً، وكان يخصه بمزيد من التعليم والتنبه لأحواله والتربية العميقة.
ويقول ابن القيم ﵀: قال لي شيخ الإسلام ﵁، وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد، آتي بشبهة، وأقول: أريد الجواب عليها، ثم آتي بشبهة، وأقول: أريد الجواب عليها، فقال له نصيحة: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليك، صار مقاماً للشبهات.
قال ابن القيم: "فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بهذه".
وقال في مدارج السالكين: "قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- مرةً: العوارض والمحن هي كالعوارض والبرد، فإذا علم العبد أنه لا بد منها -لا بد من الابتلاء، ولا بد من المحنة- لم يغضب لورودها، ولم يغتم ولم يحزن، وإنما يعلم أن هذا ابتلاء من الله يريد الله به أن يزيد له في حسناته، ويكفر به عنه من سيئاته، ويرفع له في درجاته، فيحمد الله على المحنة".
ويرشد ابن تيمية ﵀ تلميذة إلى ترك التوسع في المباحات، يقول ابن القيم: قال لي يوماً شيخ الإسلام في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العليا، وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة -أي: أن التوسع في المباحات جائز، لكن تركها أولى؛ لأنها تصرف العبد عن الانشغال بما هو أهم وأفضل- وقد وفى ابن القيم ﵀ لشيخه وفاءً عظيماً، فإنه قد ظل يشاركه في أعماله وأحواله حتى آخر لحظة من حياته؛ حتى أنه امتحن وأوذي بسبب شيخ الإسلام، ودخل معه السجن، وجعل في زنزانة منفردة عن شيخ الإسلام، أفرد ابن القيم حتى مات شيخه رحمه الله تعالى.
стр. 6991
طريقة ابن القيم في التفقه
وأما مذهب ابن القيم ﵀ فإن كثيراً من أهل العلم ينسبونه إلى المذهب الحنبلي، ولكنك إذا دققت في أقواله وفتاويه، وجدت أنه ﵀ يسير على طريقة السلف في اتباع الأدلة، فيدور مع الدليل حيثما دار؛ سواءً كان الدليل في مذهب أحمد، أو في مذهب الشافعي، أو في غيرها، وكان عنده منهجٌ عظيمٌ- ينبغي لكل طلبة العلم أن يقتدوا به- حيث كان يبحث عن الدليل وينشده مع احترام الأئمة، فلا هو بالذي يقول: هم رجال ونحن رجال؛ بل كان يبحث عن الدليل وينشد الدليل مع احترام الأئمة، فأينما وجد الدليل ذهب إليه كان القائل به من كان، فكانت قاعدته مناشدة الدليل مع احترام الأئمة، وكثيراً ما كان يفتي بخلاف المذهب.
ومن اللطائف التي حكاها ﵀ عن شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يدرس في مدرسة لرواد الفقه الحنبلي، وكانت المدارس في ذلك الوقت توقف عليها أوقافاً حتى يصير منها صرف على المدرسة، وطلبة المدرسة، ورواتب للمدرسين، وثمن الكتب والمعيشة وهكذا، فقال بعضهم لشيخ الإسلام ابن تيمية مرةً- وكان شيخ الإسلام مجتهداً يدور مع الدليل ولا يتعصب لمذهب- قالوا له: أنت تأخذ من وقف هذه المدرسة وواقفها شرط أنها للحنابلة، فقال شيخ الإسلام ﵀: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد لا على تقليدي لهم، وأنا عالم بمذهب أحمد عارف به وبأصوله.
стр. 6992
محاربة ابن القيم للتعصب والتقليد الأعمى
لقد استخدم ابن القيم ﵀ أسلوبه الجميل في محاربة التقليد الأعمى، فيقول في فتنة التعصب والتقليد التي ذبحت كثيراً من المسلمين حتى صار بينهم اقتتال، وتفرقوا في المسجد الواحد، فصار لهم في بعض الأحوال والأوقات الماضية أربعة محاريب يصلي كل أصحاب مذهب في محرابه منفصلين، وكان بعضهم لا يزوج أفراداً من المذهب الآخر، وهذا كله نتيجة التعصب الذي ذمه الله ورسوله؛ ولذلك تجد المجددين من أهل العلم ينهون عن التعصب ويحذرون منه، يقول ابن القيم ﵀: تالله إنها فتنة عمت فأعمت، ورمت القلوب فأصمت، ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجوراً، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطوراً، ولما عمت البلية، وعظمت به الرزية، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها- أكثر الناس لا يعرفون إلا التعصب، ولا يعدون العلم إلا التعصب- فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم: إنَّا نخاف أن يبدل دينكم، أو أن يظهر في الأرض الفساد.
ولذلك كان ابن القيم يدعو في كتبه دائماً إلى اتباع الدليل، وكان يقول للناس: إذا رأيتم عَلَمَ السنة فاذهبوا إليه.
ويقول في جواب على سؤال نفاة القياس، وهو متحمس لإظهار السنة ومتابعة الدليل: الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب الله ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وألا يتحيزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا الله ورسوله بكل قول حق قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم- يقبلون قول الفريق الذي يتعصبون له- وينبذون كتاب الله وسنة نبيه.
стр. 6993
منهج ابن القيم في التأليف والفتوى
كان له ﵀ مؤلفات كثيرة؛ فكان منهجه في التأليف الاعتماد على الكتاب والسنة؛ ولذلك تجد كتبه طافحة بذكر الأدلة، وكان ينعى على من يرد الكتاب والسنة من أصحاب الطواغيت الأربعة القائلين بالمعقول ومقدمي القياس والذوق والسياسة، يقول: إن من الناس الذين يقدمون آراءهم على الكتاب والسنة أربع طوائف، فمنهم: الطائفة الأولى: المتكلمون الذين يقدمون العقل على النقل: يقدمون العقول وآراءهم على نصوص القرآن والسنة.
الطائفة الثانية: المتكبرون، الذين إذا تعارض القياس والحديث، قدموا القياس على النص.
الطائفة الثالثة: المتكبرون المنتسبين إلى التصوف، الذين إذا تعارضت عندهم أذواقهم ومواجيدهم -وهي من الشيطان- قدموها على نصوص الكتاب والسنة.
الطائفة الرابعة: الولاة والأمراء الجائرون، الذين إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة.
وكذلك كان -رحمه الله تعالى- يقدم أقوال الصحابة على من سواهم، وكانت مؤلفاته تتسم بالسعة والشمول، وكان يسير على نهج الجود بالعلم، فإذا سئل عن مسألة، أجاب عنها وأكثر بما يشبع السائل، ويجيبه جواباً شافياً، ولذلك يقول: لا يكن جوابك للسائل بقدر ما تدفع به الضرورة، مثل: نعم، ولكن عليك أن تجود بالعلم، وأشبع رغبة السائل، وأجبه ولو بأكثر مما سأل، ورسول الله ﷺ لما سئل عن ماء البحر هل هو طاهر أم لا؟ أجاب ﵊: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فالسائل سأل عن مسألة واحدة، فأجابه النبي ﷺ عن مسألتين: الأولى: طهارة ماء البحر.
الثانية: حل ميتة البحر، وهذا من الجود بالعلم، وكان يستطرد في مؤلفاته، فيذكر فوائد عظيمة، وكان يعرض كثيراً من محاسن الشريعة وحكمة التشريع، وهذا يدل على عمقه وذكائه ﵀ وكان يعنى بالاستدلال والعلل، وكانت كتاباته حيوية تفيض بالمشاعر الفياضة.
стр. 6994
ثناء العلماء على حسن تأليف ابن القيم
وكان أسلوبه جذاباً.
يقول العلامة الشوكاني ﵀: وله من حسن التصرف مع العذوبة الزائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين؛ بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبه القلوب؛ حتى قال ابن حجر ﵀: إن مؤلفات ابن القيم مرغوبة عند جميع الطوائف، ولو كانوا ممن يعادون ابن القيم فكانوا يقبلون على كتبه ﵀ وكان حسن الترتيب يسوق الأمور بسياقات حسنة، حتى في مؤلفاته كان تضرعه وابتهاله إلى الله يظهر، فمثلاً يقول ﵀ في كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين بعد أن شرح قول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم:٢٤] قال ابن القيم بعد ذلك: فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم، ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخطئة، وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طهرت منا القلوب، وصفت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجردت الهمم للتلقي عن الله ورسوله، لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق.
انظر! يقول هذا وهو من هو ﵀ في سعة علمه وتواضعه؟ وقال في فاتحة كتابه روضة المحبين: والمرغوب إلى من يقف على هذا الكتاب أن يعذر صاحبه، فإنه ألفه في حال بعده عن وطنه، وغيبته عن كتبه، فما عسى أن يبلغ خاطره المكدود، وسعيه المجهود، مع بضاعته المزجاة- أي: القليلة- التي حقيقٌ بحاملها أن يقال فيه: تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه، يقول: وهاهو المؤلف -أي: نفسه- قد نصب نفسه هدفاً لسهام الراشقين، وغرضاً لأسنة الطاعنين، فلقارئه غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وهذه بضاعته تعرض عليك، وموليته تهدى إليك، فإن صادفت كفئاً كريماً لها لم تعدم منه إمساكاً بمعروف، أو تسريحاً بإحسان، وإن صادفت غيره، فالله تعالى المستعان وعليه التكلان.
وقال في فاتحة كتاب زاد المعاد، وكتاب زاد المعاد آخر طبعة طبع فيها الآن خمسة مجلدات ألفها ابن القيم ﵀ في السفر بسبب أن رجلاً سأله عن مسألة في الحج، فتعجب ابن القيم أن رجلاً من المسلمين لا يدري عن حكم هذه المسألة، فكان ذلك دافعاً لتأليف كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد.
يقول في مقدمة الكتاب: "وهذه كلماتٌ يسيرةٌ، لا يستغني عن معرفتها من له أدنى نعمة إلى معرفة نبيه ﷺ وسيرته وهديه، اقتضاها الخاطر المكدود على عجره وبجره- أي: اقتضاه خاطري على عيوب خاطري- مع البضاعة المزجاة مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة، والقلب بكل وادٍ منه شعبة، والهمة قد تفرقت شذر مذر".
اهـ.
قارن بين هذا الكلام وبين ما يكتبه الناس -اليوم- الذين ما رسخت أقدامهم في العلم، ولا نبتت لهم ريش العلم يطيرون به، يكتب الواحد على غلاف الكتاب: شرحه وحققه وهذبه ونقحه وبسطه.
إلى آخره!! ويصف نفسه بألقاب المديح وهو لا يصل إلى مقدار أنملة ابن القيم ﵀ في العلم، ومع ذلك صار عامة كثير من الناس الذين يتطفلون على العلم في هذا الزمان يمدحون أنفسهم في كتبهم، وعلى الغلاف تجد: ألفه المدقق الفهامة البحاثة، وهو من هو لا يساوي شيئاً بجانب علمائنا، وهؤلاء يقولون: هذه كلمات يسيرة، وهي خمس مجلدات!! وكان في تأليفه ﵀ يقع له أمور مثل ما وقع له في تأليف كتاب تحفة المودود بأحكام المولود وهو كتاب، عظيم لا يُعرف أنه قد جمع في أحكام المولود مثل هذا الكتاب.
له في تأليفه قصة لطيفة جداً وهي: أن ولد ابن القيم وُلد له ولد -أي: صار لـ ابن القيم حفيد- بمعنى أنه صار جداً، فالعادة أن الجد يهدي لحفيده هدية، فـ ابن القيم ﵀ لما جاءه هذا الحفيد، ما كان عنده شيء من متاع الدنيا يهديه لحفيده، حيث كان فقيراً، فصنف هذا الكتاب وأعطاه لابنه، وقال: أتحفك بهذا الكتاب إذ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك، تكلم فيه عن العقيقة وأحكامها، وحلق شعر المولود، وختانه، وتسميته، والأسماء القبيحة والأسماء الحسنة، وأمور كثيرة جداً حتى تعرض لدقائق المسائل، مثل: إنسان لم يعق عنه أبوه وقد كبر، فهل يعق عن نفسه، أو لا؟ في مباحث أخرى مبسوطة داخل هذا الكتاب.
стр. 6995
مع مؤلفات ابن القيم
ومؤلفات ابن القيم ﵀ أحصاها بعض من ترجم له ستة وتسعين كتاباً تقريباً، أما المؤلفات المطبوع منها الآن فلا تصل إلى الثلث.
стр. 6996
تعرض مؤلفات ابن القيم للحرق
ومن الأسباب العجيبة ولله في خلقه شئون وحكم، حصل أن بعض الأمراء الذين استوطنوا دمشق في القرن الماضي -التاسع عشر- منذ مدة قريبة، كان ذا سلطان ومال، جعل يجمع مؤلفات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ويحرقها؛ لأنه كان فيه عداوة لـ ابن تيمية وابن القيم، فكان يجمع مؤلفات ابن تيمية وابن القيم ويحرقها، وابن تيمية وابن القيم في دمشق، فحصل من هذا الرجل أن بلغ به من العداوة والبغض لأولياء الله أن يأتي بالكتب ويحرقها ويشتريها بنقوده من مالكها، إذا رآها مخطوطة، اشتراها ليحرقها، فإذا لم يتمكن من إقناع المالك بحرقها اشتراها منه، وربما التمس وسائل أخرى لإتلافها بدافع الانتصار لمذهبه؛ لأن هذا الشخص كان من غلاة الصوفية، فاستخدم هذا الأمير سلطانه وماله في حرق كتب الذين تصدوا للصوفية، ومن أهمهم: ابن تيمية وابن القيم، ومع ذلك فإن الله قيض لهذا الإمام العظيم من ينشر كتبه في هذا الزمان، ومن قدر الله أن أعداء الإسلام لما غزو بلدان المسلمين اصطحبوا معهم بعد رجوعهم إلى بلدانهم كثيراً من المخطوطات؛ ولذلك تجد الآن مخطوطات لكتب ابن تيمية في لاهاي في هولندا، وتجد مخطوطات ابن القيم في ألمانيا وباريس وفي جامعة في أمريكا.
وهكذا، ولعلها حكمةٌ من الله أن يحفظها أولئك الكفرة حتى يأتي من يطبعها من أبناء المسلمين، وقضية أن يعدو أهل الباطل على كتب أهل الحق فيحرقوها، هذه قضية طويلة؛ ولذلك تجد بعض الطوائف الضالة التي حكمت بعض بلدان المسلمين في بعض الأزمان والأوقات، كانوا يأتون إلى المكتبات العامة، فيخرجون المخطوطات التي تتكلم عن طوائفهم، وتبين باطل هذه الطوائف، فيحرقون هذه الكتب، ولكن الله ناصر دينه.
стр. 6997
كلام الكوثري على ابن القيم وبيان خطئه في ذلك
ومع الأسف! لقد ظهرت عداوة لـ ابن القيم ﵀ ليس في حياته فقط والتي سجن وأوذي في مواضع عديدة، ولكن بعدما مات، ففي هذا القرن ظهر في مطلعه شخصٌ غريبٌ، كان متخصصاً في شتم ابن القيم وشيخه ابن تيمية -رحمهما الله- وهو الكوثري، حيث يقول: ولقد سئمت من تتبع مخازي هذا الرجل المسكين الذي ضاعت مواهبه في البدع!! يقصد ابن القيم.
وقال: ابن قيم الجوزيه لم يكن غير شيخه في المعنى، بل هما قماش واحد، ذاك ظهارته وهذا بطانته، ذاك يسود وهذا يبيض، عمله جله تسويق بضائع شيخه بحيث تروج؛ حتى أن ابن القيم يقلده في كل شيء، وليس له رأيٌ خاصٌ قطعاً على سعة علمه.
ويقول: هذا ابن القيم نسخة كربونية عن ابن تيمية!! ولذلك تصدى بعض أهل العلم لهذه الفرية، وبينوا أن ابن القيم شخصية مستقلة وليس تابعاً ابن تيمية ابن القيم ذكي عميق محقق مدقق ليس بالسهل أن يقلد أي أحد؛ ولذلك إذا نظرت -مثلاً- إلى كتبه وإلى من نقل عنه، تجد أنه نقل عن طائفة كثيرة من أهل العلم غير ابن تيمية، وفي كتب ابن القيم مباحث مثل: تأليفه لبعض الكتب ما جمع مثل ابن تيمية مثل: كتابه القيم مفتاح دار السعادة، وزاد المعاد، وحادي الأرواح، وبدائع الفوائد لا يعرف أن لـ ابن تيمية مثل هذه المؤلفات.
وكذلك من الأمور الدالة على أن ابن القيم ليس نسخة كربونية عن ابن تيمية: أنه قد خالف شيخه في أمور، مثل: بعض أحكام الرضاعة، إذا قطع الرضيع الرضاعة بتنفس هل تعتبر واحدة، أو اثنتين؟ وفي عدة الآيسه، وفي اشتباه الأواني، وفي مسألة فسخ الحج إلى عمرة نقل قول ابن عباس، ثم قال: وأنا إلى قوله- أي: إلى قول ابن عباس - أميل مني إلى قول شيخ الإسلام.
فإذاً لم يكن مقلداً لـ ابن تيمية، ولا نسخة عنه، ولكن من الطبيعي أن يستفيد التلميذ من الشيخ، ويأخذ عنه علماً غزيراً كما حصل، والحقيقة أن ظهور ابن تيمية ﵀ في ذلك الوقت الذي فشت فيه البدع سواءً بدع في العقائد؛ كبدع الجهمية والأشاعرة والمرجئة، وبدع الصوفية، وبدع التعصب المذهبي بدع كثيرة جداً ظهرت قيض الله لها شيخ الإسلام، فكشف زيغ تلك البدع، وأظهر الحق، وقيض له تلاميذ، مثل: ابن القيم ﵀ ساروا على نهجه في كشف الباطل، وإظهار الحق للناس؛ ولذلك لا شك أن لكل منهما جانبٌ عظيمٌ من جوانب التجديد لهذا الدين، ومع ذلك- سبحان الله! - كأن الله يريد أن يرفع منزلة هذا الرجل، ويعظم أجره بعد موته، فظهر له أعداء تكلموا عنه؛ حتى قال المسكين - الكوثري - في كتابه السيف الصقيم في الرد على ابن الزكيم، قال: يعيره بجده لأمه، ولا ندري من أين اخترع هذه التسمية، يقول: كافر ضال مضل.
زائغ مبتدع وقح كذاب حشوي جاهلي مهاتر خارجي غبي من إخوان اليهود والنصارى من محاربين الدين والخلق!! هذا يقوله الضال الكوثري في ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهذه عبارة عن صرير باب وطنين ذباب حيلة عاجز، وحجة عجائز، وابن القيم ﵀ لا يضيره شيء، قال الشاعر:
ما يضر البحر أمسى زاخراً أن رمى فيه غلامٌ بحجر
стр. 6998
أسلوب ابن القيم ﵀ ونُبذ من قدرته على التعبير
نتعرض الآن- أيها الإخوة- لبعض الأمور في أسلوب ابن القيم رحمه الله تعالى، وهذا أمرٌ مهمٌ جداً، فمثلاً: تجد هذه الحلاوة في الأسلوب، والقدرة على التعبير، والجمال والجلال في أسلوب ابن القيم ﵀ يستخدمه في عرض حقائق التوحيد على الناس، فمثلاً: اسمع إليه يقول في وصف الله ، وبيان وحدانيته وقدرته : "قد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسع كل شيء رحمةً وحكمةً، ووسع سمعه الأصوات، فلا تختلف عليه، ولا تشتبه عليه؛ بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها، على تفنن حاجاتها، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلقه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ذوي الحاجات".
الآن الناس يدعون الله، منهم من يدعو الله باللغة العربية، ومنهم من يدعو بالإنجليزية، ومنهم من يدعو بالأردية، ومنهم من يدعو بلغات كثيرة جداً، ومنهم من يطلب شفاء مريض، ومنهم من يطلب رحمة ميت، ومنهم من يطلب رزقاً، ومنهم من يطلب ولداً، ومنهم من يطلب نجاحاً، ومنهم من يطلب أشياء كثيرة، وهم يطلبون في وقت واحد ويلحون إلحاحاً، والله لا تغلطه، انظروا الواحد إذا أمسك بسماعتي هاتف لا يستطيع أن يتابع في نفس الوقت، والله يسمع أصوات البشر كلهم بلغات مختلفة، وحاجاتهم مختلفة، ويعلم ماذا يقولون، ولا يتبرم بإلحاح الملحين:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حي يسأل يغضبُ
والإنسان يتبرم بالإلحاح؛ والله يريد من عباده أن يلحوا عليه بالدعاء، فعندما يأتي لنا رجل مثل: ابن القيم ﵀ يبين لنا هذه المسألة، يزداد الذين آمنوا إيماناً.
وكذلك يقول عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] يغفر ذنباً، ويفرج هماً، ويكشف كرباً، ويجبر كسيراً، ويغني فقيراً، ويعلم جاهلاً، ويهدي ضالاً، ويرشد حيراناً، ويغيث لهفاناً، ويفك عانياً، ويشبع جائعاً، ويكسو عارياً، ويشفي مريضاً، ويعافي مبتلىً، ويقبل تائباً، ويجزي محسناً، وينصر مظلوماً، ويقصم جباراً، ويقيل عثرةً، ويستر عورةً، ويؤمن روعةً، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع له عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
إذاً- أيها الإخوة- نحن نحتاج -حقيقة- إلى علماء نشعر عندما نقرأ لهم بأن إيماننا بالله يزداد نحتاج إلى أهل علم عندهم بلاغة في التعبير والأسلوب؛ حتى نقبل على قراءة هذا الكلام النابع من ذلك القلب الحي انظر إلى ابن القيم ﵀ مثلاً يقول: ﵎، أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأولى من شكر، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأعفى من قدر، وأكرم من قصد، وأعدل من انتقم حكمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن عزته، ومنعه عن حكمته، هو الملك الذي لا شريك له، والفرد فلا ند له، والغني فلا ظهير له، والصمد فلا ولد له ولا صاحبة له، وكل ملك زائل إلا ملكه، وكل ظل قالص إلا ظله، وكل فضلٍ منقطع إلا فضله، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، كل نقمةٍ منه عدل، وكل نعمةٍ منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وسجل الآثار، وكتب الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة، عطاؤه كلام، وعذابه كلام ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
هذا إبداع- أيها الإخوة- شيء يزيد الذين آمنوا إيماناً هذه كلمات سطرها ابن القيم ﵀ في كتابه العظيم الفوائد.
стр. 6999
دقة استنباطات ابن القيم وأمثلة عليها
стр. 7000
كلام ابن القيم عن قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا)
وإذا جئت إلى دقة استنباطه من كتاب الله، لوجدت أمراً عجيباً، خذ مثلاً كلام ابن القيم ﵀ في روضة المحبين عن قول الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [لأعراف:١٧٥ - ١٧٦] يقول ابن القيم ﵀: "تأمل قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو- أي: أن الله عندما يؤتي أحدنا علماً، أو بصيرة، فليعرف أن الله هو الذي أعطاه، وليس العبد هو الذي أخذ بنفسه وبقدرته وبذكائه ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥]، ثم قال: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] ولم يقل: فسلخناه؛ بل أضاف الانسلاخ إليه أي: إلى هذا العبد المذموم، وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ، أي: أنه انسلخ، يصور ابن القيم الدقة في التعبير فهذا العبد انسلخ من الآيات بالكلية، وهذا شأن الكافر، أما المؤمن ولو عصى الله؛ فإنه لا ينسلخ من الدين، ثم قال ابن القيم: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] ولم يقل: فتبعه، والفرق أن أتبعه تعني: تبعه وأدركه ولحقه؛ ولذلك قال الله عن فرعون: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦٠ - ٦١]، ولذلك يقول ابن القيم: فأتبعه الشيطان، أي: وصل إليه الشيطان واستحوذ عليه، وكذلك قال: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] أي: سكن إليها ونزل بطبعه إليها، فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية إلى آخر كلامه ﵀.
стр. 7001
استنباطات ابن القيم من قوله تعالى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل .
ولما أتى ﵀ مثلاً إلى قول الله : ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢٦٦] هذا المثل ضربه الله للمرائين يوم القيامة، قال تعالى: ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة:٢٦٦] هذا المثل لأناس لهم أعمال جاءوا يوم القيامة محتاجين إليها جداً، فوجدوها هباءً منثوراً ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة:٢٦٦] فيقول ابن القيم ﵀: ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة:٢٦٦] ذكر الله في هذه الآية أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعاً، فإن منهما القوت والغذاء، والدواء والشراب، والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطباً ويابساً.
ثم يقول: وهذه الجنة- أي: البستان- فيها أنهار تجري، وهذا أكمل وأعظم، وهل فقط فيها نخيل وأعناب؟ لا، بل فيها من كل الثمرات.
ثم يقول: -وهذا الرجل أصاب جنته إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت، وقبل أن تحترق قد كبر سنه- يقول ابن القيم ﵀: انظر مدى تعلق قلب الرجل بهذا البستان، لو كان عنده جنة، أو بستان ليس فيه نبات ولا زرع فإنه لا يحزن عليه؛ فإذاً قلبه متعلق -أولاً- بالبستان؛ لنفاسة ما في البستان من النخيل والأعناب وأنواع الثمرات، وفيه أنهار تجري، وهذا الرجل قد أصابه الكبر.
يقول ابن القيم ﵀: إذا كبر ابن آدم، اشتد حرصه، لأن ابن آدم يشيب ويشب معه اثنتان: الحرص وطول الأمل.
يقول: أصابه الكبر، فالآية تعبر عن معانٍ قد لا نفقهها إذا قرأناها لأول مرة، لكن عندما يأتي مثل: ابن القيم ﵀ يبين لنا، يقول: تعلق أول شيء قلبه بسبب نفاسة البستان، وبسبب أنه كبر سنه، فعجز عن الكسب والتجارة، واشتد حرصه بطبيعة كبر السن، وثالثاً: له ذرية ضعفاء، فهو حريص أن يبقى هذا البستان للذرية، وهؤلاء الذرية ليسوا أقوياء، لكنهم ضعفاء يحتاجون إلى من يكد عليهم، ورابعاً: أن نفقته عليهم- أي: هو أبوهم- فإذا تصورت هذه الحادثة من تعلقه بالبستان أشد ما يكون، وهو في هذا التعلق أصابه إعصار فيه نار فاحترقت، كيف يكون وضع الرجل؟ هذا مثل المرائين يوم القيامة يأتون بأعمال أمام النار، الواحد يحتاج لكل عمل، وعندهم أعمال، ولكن شبَّه حال احتياجهم للأعمال يوم القيامة بحال هذا الشيخ الكبير في السن، وأصاب أعمالهم إعصار الرياء فأحرقها، وأفلسوا وهم في أشد الحاجة، وفي وقت عصيب أشد ما تكون الحاجة إلى هذه الأعمال.
стр. 7002
آية ضيافة إبراهيم وفقه ابن القيم فيها
خذ مثلاً قول الله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٧] هذه الآيات استنبط ابن القيم ﵀ منها خمسة عشر أدباً من آداب الضيافة.
أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون.
ثانياً: قال: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [الذاريات:٢٥] فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أن إبراهيم ﷺ كان قد عرف بإكرام الضيفان، فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان.
ثالثاً: قوله ﴿سلامٌ﴾ بالرفع، وهم قالوا: ﴿سلاماً﴾ وهذه جملة فعلية دالة على التجدد والحدوث والتغير، لكنه قال: سلامٌ، وهذه جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الثبات فليست متغيرة، فكان رد سلامه أفضل من سلامهم.
رابعاً: أنه حذف المبتدأ من قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم، احتشم من مواجهتهم بلفظ الضيف، أي: ما قال: سلامٌ أنا لا أعرفكم أنتم غريبون عليَّ، وإنما قال سلامٌ وربطها بقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] أي: سلام على قوم لأول مرة أراهم.
خامساً: أنه بنى الفعل للمفعول وحذف فاعله، فقال: ﴿مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] ولم يقل: أنا أنكرتكم، فهناك فرق بين أن تقول: سلام قوم غير معروفين، وهذه ألطف من أن تقول: سلامٌ عليكم قوم أنا لا أعرفكم.
سادساً: أنه راغ إلى أهله لكي يأتي بالطعام، والروغان هو الذهاب في اختفاء.
سابعاً: أنهم ما شعروا به إلا وقد جاءهم بالطعام مع أنه عجل مشوي، وهذا يدل على أنه كان مشغولاً بإكرام الضيف، ما ذهب واشترى وذبح واشتوى فانظر السرعة! ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ولم يقل: ثم جاء، معناها أشياء مجهزة، يأتي إليه الضيف فيجد الطعام جاهز فيقول ابن القيم ﵀: يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي، فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه، ويقول له: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فيقول له: لا.
ليس هناك داعي أن تأتي بالطعام، وبعد ذلك يحلف عليهم.
ثامناً: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً.
تاسعاً: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم بعجل سمين، مثل أن يكون عند أحدهم خدم، فمن آداب الضيافة أن يأتي لك بالأكل بنفسه، ولا يقل للخادم: هات الطعام؟ بل يأتي بالطعام بنفسه؛ لأن في هذا زيادة في الإكرام.
عاشراً: أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببعضه.
الحادي عشر: أنه سمين لا هزيل، ومعروف أن ذلك من أفخر أموالهم.
الثاني عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه.
الثالث عشر: أنه قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] وهذا في غاية التلطف في العرض.
الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل، لأنه رآهم لا يأكلون.
الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل، خاف منهم ولم يظهر لهم، لأن الإنسان إذا لم يمد يده على الطعام فمعنى ذلك أن في نفسه شيئاً، فإبراهيم لم يقل: لماذا لم تأكلوا؟ إذن أنتم تريدون الشر؛ بل سكت، فالله أمرهم أن يقولوا له: لا تخف، نحن ملائكة لا نأكل؛ جئنا لغرض كذا وكذا.
ومسألة استنباط ابن القيم من الآيات مسألة عجيبة؛ حتى أنه قال في كتاب الجواب الكافي: وفي هذه القصة- التي هي قصة يوسف- من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفق الله أن نفردها في مصنف مستقل.
стр. 7003
فقه الواقع عند ابن القيم
كان ابن القيم ﵀ لديه إلمام تام بواقعه وعصره، ما كان يعيش بين الكتب منزوياً لا يدري عن شيء؛ بل كان لديه اطلاع جيد، وكان يعرف البدع وأهل الأهواء في عصره، وكان في عصره هجوم للنصارى على بلاد المسلمين، وهجوم للتتر، وكان ﵀ يعرف مخططات النصارى في بلاد المسلمين، انظر إليه وهو ييقول في كتابه الجواب الكافي -هذه مسألة مهمة جداً وهي أن نعلم كيف كان العلماء من قبل عندهم تكامل، لم يكونوا مغمضي الأعين عما يحدث في الواقع؛ بل كان لديهم حس ومعرفة، وإلمام واطلاع- يقول: "وإذا أراد النصارى أن يُنصِّروا الأسير المسلم، أروه امرأة جميلة منهم، وأمروها أن تطمعه في نفسها -وصارت هي التي تدخل عليه السجن- حتى إذا تمكن حبها من قلبه، بذلت له نفسها إن دخل في دينها، يقول ابن القيم ﵀ تعليقاً: فهناك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] " هذا ابن القيم ﵀ كان يعرف عن مخططات النصارى، وهذه سمة يفتقدها ويفتقر إليها كثير من أصحاب النيات الطيبة في هذا الزمان، فإنهم قد يقرءون في كتب العلم الشرعي، والأصول الشرعية، لكنهم لا يدرون شيئاً عن مخططات العلمانية، والماسونية، والشيوعية، والمذاهب الإلحادية الهدامة، لا يدرون عنها شيئاً، فقط علمهم بالقديم أما الجديد فلا.
وأيضاً هناك طائفة أخرى على الضد من ذلك يتوسعون في معرفة الطوائف، ومعرفة المذاهب الفكرية الجديدة، ومعرفة المخططات والاستعمار وغير ذلك، لكنهم لا يعرفون أبداً ما هو مسطر في كتب السلف، لكن عندما يأتي واحد مثل: ابن القيم ويقول هذا الكلام، وعنده علم شرعي زائد، وإلمام بالواقع، وشيخه ابن تيمية ﵀ الذي درس على يديه، وكان يعرف مخططات التتر، ويكتب عنهم، ويحذر منهم، ويجعل الأمة تنهض نهضة عامة لتنتصر على التتر، ويقسم أيماناً أن المسلمين سينتصرون على التتر، وكان ابن تيمية يوزع حلوى النصر قبل أن تقوم المعركة، ويقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، ويعرف المخططات، ويعرف خطر النصيرية في الجبال، فيذهب إليهم ابن تيمية ﵀ ومعه جيش الإسلام فيؤدبهم علماء أجلاء عرفوا الواقع، وكان عندهم علم بالشريعة، فحصل الخير العظيم بوجودهم.
стр. 7004
موقف ابن القيم من أهل البدع
وكان أيضاً مما فعله ابن القيم ﵀ تصديه لتيارات الصوفية المنحرفة من أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد الذين يقولون: الله في كل مكان في الشارع في الخلاء، وأن المخلوقين جزء من الله.
كما قال قائلهم:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهبٌ في كنيسته
كان ابن القيم ﵀ ممن تصدوا للتيارات المنحرفة، ويقول -مثلاً- فاضحاً لهم: سئل الشبلي من المتصوفة متى تستريح؟ قال: إذا ما رأيت له ذاكراً -أي: إذا ما رأيت أحداً يذكر الله، أستريح- لماذا؟ قال: لأني أغار، فلذلك لا أريد أحد يذكر الله -فهذا من الضلال والعياذ بالله- ثم قال: مات ابن له، فقطعت أمه شعرها، فدخل هو الحمام ونور لحيته -يعني: أزال اللحية حتى ذهب شعر هذا الضال- فقيل له: لماذا فعلت هذا؟ قال: إنهم يعزونني على الغفلة، ويقولون: آجرك الله، ففديت ذكرهم لله على الغفلة بلحيتي.
وابن القيم ﵀ يذكر هذا ويسطره، ويقول: هذه ضلالاتهم فانظروا كيف عملوا! وقال: ونظير هذا ما يحكى عن فلان أنه سمع رجلاً يؤذن، فقال: طعنة وسم الموت، لأنه لا يريد أن يسمع لفظ الجلالة، وسمع كلباً ينبح، فقال: لبيك وسعديك، وسمع الشبلي مرة رجلاً يقول: جل الله، فقال: أحب أن تجله عن هذه ويا عجباً ممن يعد هذا في مناقب رجل! يقول ابن القيم: عجيب أن هذا يعد في مناقب فلان وفلان، ويزين به كتابه وهكذا، وكذلك تكلم على سمنون -وهو من المتصوفة - وكان من غروره أن قال:
وليس لي من هواك بدٌ فكيف ما شئت فامتحني
يقول: يا ألله! مثلما تريد أن تعمل فيَّ أنا مستعد، وأنت فقط اعمل الذي تريد، ويقول: اللهم اجعلني سقف البلاء على خلقك، إذا أردت أن تنزل بلية على الخلق أنزلها عليَّ فأنا مستعد أن أتحمل، فابتلاه الله بحصوة في الكلية، أو بعسر البول، فكان يقفز مثل القرد من الألم، ويطوف على صبيان المكاتب، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب.
стр. 7005
نبذة عن إغاثة اللهفان تبين تصدي ابن القيم للتصوف المنحرف
كتاب ابن القيم ﵀ إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان فيه ذكر كثير، ورد كبير على الصوفية وعلى طرقهم المنحله، فقال في إحدى القصائد التي نقلها عن مبلغ علم الصوفي بالشريعة:
إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي
أو قلت قد قال الصحابة والألى تبعوهمُ في القول والأعمالِ
أو قلت قال الآل آل المصطفى صلى عليه الله أفضل آل
أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام العالي
أو قلت قال صحابهم من بعدهم فالكل عندهم كشبه خيالِ
كل هؤلاء لا يعجبون الصوفية، ولا يأخذون بهم لا بالكتاب ولا بالسنة، ولا بأقوال الأئمة، وإنما يأخذون كما قال:
ويقول: قلبي قال لي عن سره عن سر سري عن صفا أحوالي
عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي عن شاهدي عن واردي عن حالي
عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي عن سر ذاتي عن صفات فعالي
هذا هو كلام الصوفية.
دعوى إذا حققتها ألفيتها ألقاب زور لفقت بمحالِ
تركوا الحقائق والشرائع واقتدوا بظواهر الجهال والظلال
следующие страницы →