← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفراسة في تحسين اللفظ وكذلك قال: من محاسن الفراسة في تحسين اللفظ بابٌ عظيم له شواهد كثيرةٌ في السنة، وهو من خاصية العقل والفطنة، فقد روينا عن عمر ﵁ أنه خرج يعس المدينة بالليل فرأى ناراً موقدةً في خباء فوقف وقال: يا أهل الضوء -يريد أن يناديهم وهم في الخيمة وقد أوقدوا ناراً- وكره أن يقول: يا أهل النار؛ لكي لا يسميهم بأهل النار؛ مع أنهم أوقدوا ناراً، ولكن لكي لا يسميهم بأهل النار لأنه اسمٌ قبيح، فقال: يا أهل الضوء. وكذلك سئل العباس أنت أكبرُ أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله. وكذلك فإن الله قال للمؤمنين: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] فينتقي الإنسان الكلمة الطيبة ولا يقول الكلمة الخبيثة حفاظاً على مشاعر أخيه المسلم.

стр. 72

أحمد بن طولون وفراسته الحادة ومن عجيب الفراسة ما ذكر عن أحمد بن طولون، أنه رأى مرةً يوماً حمالاً يحمل صناً وهو يضطرب تحته، فقال: لو كان هذا الاضطراب من ثقل محمول لغاصت عنق الحمَّال، وأنا أرى عنقه بارزةً وما أرى هذا الأمر إلا من خوف -واحد حمال يحمل قفة ويضطرب وعنقه ليست بداخلةٍ من الثقل- فأمر بحط الصن فإذا فيه جاريةٌ قد قتلت وقطعت، فقال: اصدقني عن حالها؟ قال: أربعة نفرٍ في الدار الفلانية أعطوني هذه الدنانير وأمروني بحمل هذه المقتولة فضربه وقتل الأربعة. وكان يتنكر ويطوف بالبلد يسمع قراءة الأئمة، فدعا ثقته وقال: خذ هذه الدنانير وأعطها إمام مسجد كذا، فإنه فقيرٌ مشغول القلب، ففعل هذا الرجل وجلس مع الإمام هذا وباسطه فوجد زوجته قد ضربها الطلق وليس معه ما يحتاج إليه من المال، فقال: فالآن تنبه وعرف أنها فطنة الخليفة، ولكن كيف اكتشف أنه محتاج؟ قال: عرفت شغل قلبه في كثرة غلطه في القراءة -قال: صليت وراءه فإذا به يخطئ كثيراً في القراءة فعلمت أن قلبه مشغول، ولذلك صار يغلط في القراءة كثيراً- فلعل شغله فقرٌ فدفع إليه المال.

стр. 73

تحذير القضاة من الاستعجال في تنفيذ الأحكام وكذلك مما ذكر رحمه الله تعالى قال: ومن قضايا علي ﵁ أنه أتي برجلٍ وجد في خربةٍ بيده سكينةٌ ملطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله فقال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فاقتلوه؟ فلما ذهب به أقبل رجلٌ مسرعاً، فقال: يا قوم! لا تعجلوا ردوه إلى علي فردوه، فقال: يا أمير المؤمنين! ما هذا صاحبه أنا قتلته، فقال علي للأول: ما حملك على أنك قلت أنتَ قاتله ولم تقتله؟ قال: يا أمير المؤمنين! وما أستطيع أن أصنع وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه، وأنا واقفٌ وفي يدي سكين، وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة فخفتُ ألا يقبل مني فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله، قال علي: بئس ما صنعت فكيف كان حديثك، كيف أدى بك الحال إلى هذا الموضع؟ قال: لأنني رجلٌ قصاب -جزار- خرجت إلى حانوتيٍ في الغلس فذبحت بقرةً وسلختها فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي، أخذني البول فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها فقضيت حاجتي وعدت أريد حانوتي فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي وأخذوني فقال الناس: هذا قتل هذا، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي فاعترفت بما لم أجنه، فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ قال: أغواني إبليس فقتلت الرجل طمعاً في ماله، ثم سمعت حس العسس فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصفها، فاستترت منه ببعض الخربة، حتى أتى العسس فأخذوه وأتوك به، فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضاً، فاعترفت بالحق. فإذاً: هذا قتل شخصاً ثم انتهز فرصة خلو الجزار من الدكان فوضعه في دكان الجزار، فلما جاء الجزار بيده سكينه المعتادة وإذ بالناس قد جاءوا إلى هذا المكان وقبضوا عليه. وكذلك قال رحمه الله تعالى: وعن علقمة بن وائل عن أبيه أن امرأة وقع عليها رجلٌ في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروهٍ على نفسها، فاستغاثت برجلٍ مر عليها وفر صاحبه -الفاعل فر وهذا المستغاث به صار هو في المشهد- فمر أناس فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي استغاثت به فأخذوه وسبقهم الآخر وهرب، فجاءوا بهذا المستغاث به يقودونه فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر، فقالت: كذب هو الذي وقع علي، فقالوا: انطلقوا به فارجموه، فقال رجل: لا ترجموه وارجموني؛ جاء الفاعل واعترف فأنا الذي فعلت هذا الفعل. ولذلك فإن القاضي عليه ألا يستعجل فإنه ربما ظهر الحق بعد مدة وأن يتأمل في الموضوع، فإنه ربما يظهر بالتأمل حالٌ جديدة، أو يظهر فيها حق ولو استعجل لأزهقت روح بريئة. وكذلك من هذا القبيل بينما علي ﵁ جالس في مجلسه إذ سمع ضجةً فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجلٌ سرق ومعه من يشهد عليه، فأمر بإحضاره فدخلوا، فشهد شاهدان عليه أنه سرق درعاً فجعل الرجل يبكي ويناشد علياً أن يتثبت في أمره، فخرج علي إلى مستمع الناس بالسوق فدعا بالشاهدين، فناشدهما الله وخوفهما فأقاما على شهادتهما، فلما رآهما لا يرجعان، فدعا بالسكين وقال: ليمسك أحدكم يده ويقطع الآخر -أنتما شاهدان عليه بالسرقة، والآن وجب تنفيذ الحد أحدكم يمسك يده والآخر يقطع- فتقدما ليقطعاه فهاج الناس واختلط بعضهم ببعض، وقام علي عن الموضع فأرسل الشاهدان يد الرجل وهربا، فقال علي: من يدلني على الشاهدين الكاذبين؟ فلم يقف لهما على خبر فخلى سبيل الرجل وهذا من أحسن الفراسة، فإنه ولىّ الشاهدين ما توليّا وأمرهما أن يقطعا بأيديهما يد من اتهماه بألسنتهما. ومن هاهنا قال العلماء: إنه يبدأ الشهود بالرجم، إذا شهدوا بالزنا وأما إذا اعترف الرجل الزاني فالذي يبدأ بالرجم القاضي الذي اعترف عنده، احتياطاً بالشريعة وبأرواح العباد، وكذلك قال: وحكم الفراسة على ذلك من الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة، قال الله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٣]. وأن الأخذ بالسيماء والعلامة معتمد شرعاً، قال: حتى إذا رأينا ميتاً في دار الإسلام وعليه زنار -وهذا لباس أهل الذمة من النصارى- وهو غير مختون ماذا نحكم؟ أنه نصراني، لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء، بأن النصارى: كثيرٌ منهم لا يختتنون، وقال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف:١٨]. قال عبد المنعم بن الفرس: روي أن إخوة يوسف لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم يرَ فيه خرقاً ولا أثر نابٍ من النياب المزعوم فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئب حليماً يأكل يوسف ولا يخرق قميصه؟! فلما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة صدقهم، قرن الله تعالى بهذه العلامة علامة تعارضها وهي سلامة القميص من التمزيق، إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص، ويسلم القميص ويجمعوا على أن يعقوب استدل على كذبهم بصحة القميص، فيعقوب جزم: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ [يوسف:١٨] عرف ذلك من العلامات. قال: ومن الحكم بالعلامات أيضاً: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٨]. فهذه أمارات قد حكم بها وعرف بها البريء من الظالم، وكانت دليلاً على براءة يوسف ﵇، والذي تكلم على الراجح هو رجلٌ كبير ذو لحية كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أما كونه صغيراً قد تكلم في المهد فلم يثبت هذا عن النبي ﷺ ، وإنما الذي شهد شاهدٌ من أهلها رجلٌ كبيرٌ ذو لحية كان عنده عقلٌ وتمييزٌ وفراسة، فأمره بأن يعمل بهذه العلامة، وألهمه الله ذلك ليقوله فيبرئ يوسف ﵇.

стр. 74

العلاقة بين القيافة والفراسة وكذلك فإن هناك علاقة بين القيافة والفراسة. والقيافة: هي العلامات التي يعرف بها القائف نسب الشخص من أبيه عندما يتفرس في خلقتهما، ولما لاعن النبي ﷺ بين عويمر العجلاني وامرأته -وكانت حاملاً- قال ﵊: (إن جاءت به أحمر قصيراً كأنه وحرةٌ فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها -لما رماها بالزنى- وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراه إلا قد صدق) فجاءت به على المكروه من ذلك، يعني: أنها قد فعلت الفاحشة وأن زوجها صادقٌ فيما رماها به من الزنى. وجاء في الروايات في البخاري كان ذلك الرجل مصفراً قليل اللحم سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله، خدلج الساقين آدم كثير اللحم جعداً قططاً، فقال النبي ﷺ : (اللهم بين) فجاءت شبيهاً بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها، جاءت على النحو المكروه. والوحرة: دويبةٌ حمراء تلصق بالأرض، والأعين: واسع العينين، والآدم شديد الأدمة وهي: سمرةٌ بحمرة، والخدلج: كثير لحم الساقين، والقطط: شديد جعودة الشعر، فهذا يعمل به ولما جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأل أو تجد المرأة ما يجد الرجل -يعني: من إنزال- والغسل عليها فقال ﵇: (تربت يداك ومن أين يكون الشبه؟) يعني: إن مني المرأة ومني الرجل يحدث شبهاً في الولد في الأبوين، فيأتي في الخلقة والأعضاء والمحاسن ما يدل على الأنساب، ويعرف من الشكل أن هذا -مثلاً- ولدي يشبهني فهو مني، هذا من القرائن ومن العلامات. وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ ذات يومٍ مسروراً فقال: يا عائشة! ألم تري أن مجززاً المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيد وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامها فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) وسبق الكلام على أن بعض المنافقين طعنوا في نسب أسامة من أبيه زيد؛ لأن أسامة كان أسود وزيد كان أبيض، والنبي ﵊ كان يحبهما جداً، فَطُعِنَ في نسب هذا من هذا، فجاء هذا الرجل شاهداً من تلقاء نفسه، وكان خبيراً بالقيافة، فعندما نظر إلى الأرجل الخارجة من تحت الغطاء قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. وكذلك فإن في هذا الذي حصل دليلاً على وجود الفراسة لدى بعض الناس يعرفون بها هذا ابن هذا أو لا، ولذلك يكون هناك طريقة لإثبات النسب عند ادعاء الابن لأكثر من شخص، إذا اختلفوا وليس هناك بينة.

стр. 75

العلاقة بين الفراسة وتأويل الرؤى وما العلاقة بين الفراسة وتأويل الرؤى؟ هناك علاقة كبيرة بين هذا وذاك، فإن كثيراً ممن يؤول الرؤى تأويلاً صحيحاً لديه نوعٌ من الفراسة، يعرف بها تأويل الرؤى وتفسير المنامات، وقد اتسعت تقيداته وتشعبت تخصيصاته وتنوعت تعريفاته، ولا يمكن الاعتماد على أقوال الناس إلا ما ورد في القرآن العظيم والكتاب والسنة، وأما جعل ضوابط فإنه لا يمكن في تفسير المنامات والأحلام؛ لأنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، ومنا من يلقى في قلب مفسر للرؤيا عندما تقص عليه بإلهام يلهمه الله فيتكلم بذلك، فلا يجوز الكلام فيما لا يعرفه الإنسان في تأويل الكلام وعده العلماء من الفتيا بغير علم.

стр. 76

أسباب في تحصيل الفراسة وأخيراً: في هذا الموضوع نأتي إلى أسباب تحصيل الفراسة، فلو قال القائل: هل هناك أسباب لتحصيل الفراسة؟ الجواب إن من شروط ذلك: الاستقامة وغض النظر عن المحارم، فإن المرء إذا أطلق نظره تنفس الصعداء في مراءاة قلبه فطمست نورها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. وقال بعض السلف: من غض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بالمراقبة، وتعود أكل الحلال لم تخطئ فراسته. فإذاًَ: إذا أراد الإنسان أن يكون له فراسة، ونظر صائب في الأمور، ويكتشف المحق من المبطل ويعثر على الحق، ويتبين إذا اختلطت الأشياء وتشابهت، فإن عليه أن يقوم بهذه الأشياء وهي: غض البصر عن المحرمات، وكف النفس عن الشهوات، وتعود أكل الحلال، وأن يكون مراقباً لله ، فكلما زادت تقوى المؤمن ألهمه الله تعالى التبصر بالأمور وسرعة الفهم، فكانت فراسته أثبت ممن كان أقل تقوى منه، وهذه الفراسة في غض البصر لها علاقة مباشرة بها؛ لأنه يورث نور القلب، وقال في قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، فهذا تعلق بالصور المحرمة، وسكر القلب بل جنونه، فلا يمكن أن يكون معه فراسة كما قيل: سكران سكر هوىً وسكر مدامة فمتى إفاقة من به سكرانِ وقيل: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين أي: العشق أعظم من الجنون: العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في الحين وكان شهاب بن شجاع الكرماني لا تخطئ له فراسة، وكان يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة؛ وكف نفسه عن الشهوات، وأكل الحلال لم تخطئ له فراسة. من غض بصره عن الحرام فأطلق الله تعالى له نور البصيرة وفتح عليه باب العلم والمعرفة فيظهر عليه من الفراسة ما الله به عليم. هذه بعض ما يورث الفراسة وهذا موضوع جدير بالاهتمام وله علاقة مباشرة في الإيمان وهو مذكورٌ في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] ويلزم أن يكون من صفات كل من يحكمون بين العباد، نسأل الله أن ينور قلوبنا بالإيمان. هذا وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 77

رسالة منهج دراسة الأسماء والصفات أهل السنة والجماعة هم كاسمهم أهل لسنة النبي ﷺ ولجماعة المسلمين المؤمنين المستسلمين لأوامر الله ونواهيه في كل شيء، فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه، والأسماء والصفات ما أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ ؛ وقد جاءت هذه الرسالة لبيان منهج السلف الصالح في فهم آيات الأسماء والصفات.

стр. 78

الأسس التي يرتكز عليها مذهب السلف في الصفات الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: في هذه الليلة نستعرض وإياكم رسالة علمية في أحد موضوعات العقيدة، وهو توحيد الأسماء والصفات، وهذه الرسالة هي رسالة العلامة الشيخ الإمام/ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، بعنوان: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات. وهذه الرسالة تثبت سلفية الشيخ رحمه الله تعالى في عقيدته، وسنعرض لشيء من ترجمته بعد عرض الرسالة بمشيئة الله تعالى، وكانت هذه الرسالة محاضرة قد ألقاها الشيخ ﵀ في الجامعة الإسلامية في: (الثالث عشر من رمضان، سنة ألف وثلاثمائة واثنين وثمانين للهجرة) ومعلوم ما يشيع عند كثير من الناس المنتسبين إلى العلم في العالم الإسلامي من منهج المتكلمين في الأسماء والصفات، وإنكارهم لكثير من الصفات، وتأويلهم وتحريفهم بالأحرى لنصوص الصفات، ولا شك أن المجتمعات العلمية يكون فيها من هذا كثير، ويصل طلبة العلم إلى كتب ليست على طريقة السلف في الأسماء والصفات، فبين الشيخ رحمه الله تعالى بعض القواعد الأساسية في هذا الموضوع، ونبه في بداية رسالته إلى أمر مهم ألا وهو: أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات وكثرة الأسئلة في الموضوع من البدع التي يكرهها السلف. وأن مباحث آيات الصفات التي دل عليها القرآن الكريم، ترتكز على ثلاث أسس مهمة. الأساس الأول: تنزيه الله أن تشبه أي صفة من صفاته صفة من صفات المخلوقين، فلا يشبه أحداً من المخلوقين، ولا تشبه صفاته أي صفة من صفات المخلوقين كما دل عليه قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، إذاً أولاً: عدم المشابهة، بين الله وخلقه. الأساس الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله أعلم منه ، لا يوجد أحد أعلم بالله من الله ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠] وكذلك الإيمان بما وصفه به رسوله ﷺ الذي قال الله فيه، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. فإذاً القاعدة الثانية: يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ ، فمن أخل بأحد هذين الأصلين وقع في ضلال، وتجرأ على الله ، ونفى صفات أثبتها الله لنفسه ، والله يثبت ما يشاء لنفسه من صفات الكمال والجلال، فكيف يليق بجاهل مسكين أن يتقدم بين يدي رب السماوات والأرض، ويقول: هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك! وهذا الذي وصفت به نفسك يلزم منه النقص! وأنا أريد أن أؤوله وأن ألغيه وأن آتي ببدله من تلقاء نفسي، من غير دليل ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦]. ومن آمن بصفات الله ، فإنه لا بد أن يعتقد أن الله منزه عن مشابهة المخلوقين، فيكون سالماً من التشبيه، وسالماً من النفي والجحد، فهو يثبت الصفة، ويؤمن بأنها لا تشبه أي صفة من صفات المخاليق، هذا هو مضمون قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. فنفى المشابهة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هذا الركن الأول ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] أثبت لنفسه السمع والبصر، فمن جاء وقال: إن المخاليق المخلوقة والحوادث هذه المحدثة لها سمع وبصر، فكيف نثبت لله السمع والبصر فإنه تشبيه؟ فنقول: كيف يكون تشبيهاً وقد قال هو لما أثبتها لنفسه قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فالله له صفات لائقة بكماله وجلاله، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لأحوالهم، وصفات رب السموات أكمل وأعلى من أن تشبه صفات المخلوقين، فمن نفى عن الله وصفاً أثبته لنفسه فقد جعل نفسه أعلم بالله من الله، ولا يقول هذا إلا مجنون ضال ملحد لا عقل له، وقد قال الله تعالى في المشركين ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] ومن يسوي رب العالمين بغيره، فهو مجنون!

стр. 79

ما أحدثه المتكلمون في الأسماء والصفات وقد جاء المتكلمون في بعض العصور الإسلامية واستخرجوا من كلام اليونان القواعد الفلسفية والكلامية، ثم حاكموا نصوص الصفات إليها، فنفوا ما نفوا وأثبتوا ما أثبتوا بزعمهم أنهم يثبتون ما يوافق مقتضى العقل، وينفون ما يقتضي العقل نفيه، فحكموا عقولهم في النصوص، وقدموا عقولهم على الكتاب والسنة، وقدموا منطق اليونان على القرآن، ولا يمكن أن يكون هناك أية مناسبة بين صفة الخالق وصفة المخلوق، فلله تعالى الصفات اللائقة بذاته، وللمخلوق الصفات اللائقة به. وهؤلاء المتكلمون لأنهم لا يعتمدون على الكتاب والسنة، فقد اضطربوا، وكل من لا يعتمد على الكتاب والسنة يضطرب، وهذه قاعدة: فتجد أن بعض هؤلاء المتكلمين قد أثبتوا سبع صفات، وبعضهم أثبت ثلاث عشرة، وبعضهم أثبتوا واحداً وعشرين صفة، وهكذا اضطربوا في عدد الصفات التي تليق بالله من وجهة نظرهم، كل واحد على حسب عقله، يقول: هذه تليق بالله أثبتوها، وهذه لا تليق لا تثبتوها، وأهل السنة يثبتون كل ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، فهؤلاء بعض المتكلمين المشهور من مذهبهم الذي أثبته الأشعري أولاً: السبعة المشهورة: له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر جمعوها في هذه البيت وقالوا: إننا نعترف بسبع صفات لله فقط، ما هي؟ قالوا: صفة القدرة، وصفة الإرادة، وصفة العلم، وصفة الحياة، وصفة السمع، وصفة البصر، وصفة الكلام. مثلاً: أثبت أنه يُحب ويغضب ويرضى ويرحم إلى آخره، قالوا: لا نثبتها، وصفات الذات، أن له اليد والوجه والقدم والأصابع إلى آخره، قالوا: لا نثبتها. والمعتزلة أيضاً أصحاب علم الكلام قد عطلوا أسماء الله ونفوا الصفات، قالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قادر بذاته، سميع بذاته، عليم بذاته، حي بذاته، لأنهم لا يريدون الإثبات لا حياة ولا سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة، وهؤلاء في النفي غلو أكثر من الأشاعرة بطبيعة الحال، وهذا مذهب يعرف كل عاقل بصير بالكتاب والسنة أنه مذهب باطل.

стр. 80

إثبات صحة مذهب السلف فيما ذهبوا إليه الشنقيطي ﵀ في رسالته يريد أن يناقش هؤلاء، ويثبت لهم أن ما أثبتوه هو من باب الذي نفوه، وأن يلزمهم بنفي الجميع أو إثبات الجميع، وأن يقول لهم: إن المحذور الذي تفرون منه في الأشياء التي تنفون عن الله موجود، إذا أرادنا نطبق كلامكم في الأشياء التي أثبتموها.

стр. 81

مذهب السلف في الصفات الذاتية فالآن يقول لهم: مثلاً: الإرادة، أنتم تثبتون لله يا أيها الأشاعرة، يا أيها المتكلمون؟ يقولون: نعم نثبتها لله، حسناً أليس المخلوق له إرادة؟ فيقولون: نعم، فنقول: إذاً هذا تشبيه، لماذا ما تأولون الإرادة وتنفون الإرادة أيضاً، ولا معنى أنكم تنفون الوجه لله مثلاً، وتقولون: بأن الوجه من صفات المخلوقين، وإذا أثبتنا الوجه عملنا مشابهة، فننفي الوجه، فنقول: وأيضاً الإرادة، إذا أثبتموها عملتم مشابهة، لأن المخلوق له إرادة، فانفوا الإرادة إذاً؟! لكنه مشى ﵀ في رسالته على تقسيم المتكلمين، وفندها واحداً واحداً، فقال: في صفات المعاني التي أقروا بها، نقول لهم: وصفوا الله بالقدرة، وأثبتوا له القدرة، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] والله قد وصف المخلوقين بالقدرة، مثل قوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤] فأثبت لهم القدرة، وآيات أخرى أيضاً، نقول لهذا الرجل المنحرف: هأنت تثبت القدرة للخالق، وتثبت القدرة للمخلوقين، هذا تشبيه فماذا سيقول؟ سيقول: لا، للخالق قدرة تخصه وتليق به، وللمخلوق قدرة تناسبه! فنقول: قلها في اليد والأصابع والقدم والمحبة والبغض والكره، وفي سائر الصفات، فلماذا فقط أثبت هذه السبع، قال: ووصف الله نفسه بالسمع والبصر في غير آية من كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ووصف بعض المخلوقات بأن لها سمعاً وبصراً! مثال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] من هو؟ الإنسان، فهل إذا أثبتنا السمع والبصر لله، وأثبتنا السمع والبصر للمخلوق حدثت مشابهة، فهل ننفي السمع والبصر عن الله إطلاقاً؟ فنحن لا نشك أن الذي في القرآن حق، فلله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان، يليقان بجلاله وعظمته، كما أن للمخلوق سمعاً وبصراً حقيقيين، يناسبان حاله من ضعف وفقر وفناء وعجزٍ، وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق من المخالفة مثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق. وصف الله نفسه بالحياة، فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٦٥] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ووصف بعض المخاليق بالحياة فقال : ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:٩٥] ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم:١٥] فهل ترى يا عبد الله أن الله لما وصف نفسه بالحياة، قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وصف بعض المخاليق أنها لها حياة، فهل إثبات هذا وهذا يستلزم تشبيه؟ لا، فلله حياة تليق بجلاله وعظمته، حياة دائمة حقيقية سبحانه، والمخلوق له حياة لها بداية ولها نهاية، يفنى ويعجز، ويفتقر إلى الله سبحانه. ووصف نفسه بالإرادة، فقال: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ووصف بعض المخلوقين بالإرادة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ [الأنفال:٧١] ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ [القصص:١٩]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٢] ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ [الأحزاب:١٣] ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء:٩٤] إذاً أثبت للمخاليق إرادة، وأثبت لنفسه إرادة، ولا يستلزم من إثبات هذا وهذا التشبيه، فكلٌ له إرادة تناسب حاله، والفرق بين إرادة الخالق وإرادة المخلوق كالفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق. لقد وصف نفسه بالعلم، فقال : ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦]، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦] ووصف بعض المخلوقين بالعلم فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً﴾ [الروم:٧] فإذاً عندهم علم، وقال: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر:٥٣] ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] في سورة يوسف، وهو يعقوب ﵇. فعلم الله كامل، عليم بالماضي والحاضر والمستقبل وكل شيء ما كان لو كان كيف سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، والمخلوق علمه ضعيف، لا يعلم من الماضي إلا قليل، والحاضر قليل، المستقبل لا يعلم عنه شيئاً إطلاقاً، والله قد أحاط بكل شيء علماً، فالله له صفة العلم، والمخلوق له صفة العلم مع التفاوت بينهما. ووصف نفسه بصفة الكلام، فقال : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ووصف بعض المخلوقين بأنهم يتكلمون، مثل: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران:٤٦] وكذلك: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤]. فإذاً المخاليق أيضاً يتكلمون، فلا شك أن لله تعالى كلاماً حقيقياً لائقاً بجلاله وكماله، كما أن للمخلوقين كلاماً يناسب حالهم وفناءهم وعجزهم وضعفهم، والمخلوق كلامه لا يأتي إلا بعد المران، وكلامه يعتريه النقص، وبعض الناس لا يخرج بعض الحروف، وصوته ضعيف، والله سبحانه تعالى ينادي يوم القيامة، يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فشتان بين صفة الكلام لله وصفة الكلام للمخلوقين، ولا يستلزم إثبات الكلام لله أي تشابه، والفرق بين كلام الخالق والمخلوق كالفرق بين ذات الخالق وذات المخلوق. الأشاعرة مشهور عندهم إثبات هذه الصفات التي أثبتوها ويسمونها صفات المعاني، وخرجنا بأن إثبات هذه الصفات لا يستلزم أي مشابهة.

стр. 82

مذهب السلف في اسم (القديم) نأتي إلى صفات أخرى قد أثبتها بعضهم، فبعض المتكلمين أثبتوا لله صفة القدم والبقاء، وصفة القدم ليس عليها دليل، وإنما الصفة التي ثبتت لله صفة الأولية ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد:٣] ونرد على المتكلمين الذين وصفوا الله بالقدم بغض النظر عن قضية ثبوت هذه الصفة، نقول: أنتم وصفتم الخالق بالقدم، طيب الله وصف المخاليق بالقدم: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] وأيضاً ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٧٦] فهل يلزم عندكم أيها المتكلمون أن قدم الخالق مثل قدم المخلوقين؟ أما نحن فلا نثبت كلمة القدم، ولا نقول: إن من أسمائه القديم لأنها لم تثبت، نقول: هو الأول، فعندنا ما يغني، لكن من باب المحاجة نقول لهم هذا، والله له صفة البقاء، ونثبت هذه الصفة، لأن الله أثبتها لنفسه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. هل وصف الله المخاليق بالبقاء؟ الجواب نعم والدليل: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧] فهل يستلزم إثبات البقاء لله، وإثبات بقاء المخلوقين مشابهة؟ كلا، فالبقاء لله يناسبه ، والبقاء للمخلوق يناسب المخلوق الذي يفنى، وبقاء المخلوق محدود، ولكنه أبقى ذرية نوح وتناسلوا إلى أن يأذن الله بفناء البشرية، فالله له صفة الأولية والآخرية التي نص عليهما في كتابه في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِر﴾ [الحديد:٣]، ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ [المرسلات:١٦ - ١٧] هذا بالنسبة لصفات المخلوقين، فإذاً الأولية والآخرية جاءت للخالق وجاءت للمخلوقين بدون لزوم أي تشابه، هذا شيء غير السبعة مما نناقشهم فيه.

стр. 83

مذهب السلف في صفات الأفعال ووصف الله نفسه بأنه واحد، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] ووصف بعض المخلوقين بذلك، فمن هذا قوله : ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد:٤] وصف نفسه بالغنى، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد:٢٤] ووصف بعض المخاليق بالغنى، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦]. فإذاً هل إثبات صفة الغنى لله وإثبات صفة الغنى للمخلوق تعني تشبيهاً؟ الجواب لا، وهكذا فلا داعي أن تنفى صفات الرب بعلة التشبيه بصفات المخلوقين. وقد وصف نفسه بصفات الأفعال، ووصف بعض المخاليق بهذه الصفة، جاءت للخالق في نص وجاءت للمخلوق في نص آخر. من صفات الأفعال، مثلاً الرزق، الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات:٥٨] وسمى نفسه الرزاق، وصفة الرزق بها يرزق : ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢] ووصف بعض المخلوقين بصفة الرزق، أي أن المخلوق يرزق، الدليل على أن المخلوق يرزق: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء:٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء:٥] وقال الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]. فهذا الله يرزق، والمخلوق يرزق، لكن شتان بين رزق الله ورزق المخلوق، فرزق المخلوق ناقص ورزق المخلوق لا يكون إلا إذا كان عنده، ثم يفنى، ثم لا يستطيع أن يعطي، ولا يرزق إلا بمشيئة الله إلى آخره. ولا يقدر المخلوق أن يرزق إلا شيئاً محدوداً، لا يستطيع أن يعطي كل الناس، الله يرزق الحيتان في البحر، ويرزق الدود، ويرزق الجراد، ويرزق كل أحد . من صفات الفعل أيضاً: العمل: عمل يعمل عملاً، فالله يعمل، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] ووصف بعض المخاليق بأنهم يعملون، كما قال : ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦] هذا عمل وهذا عمل وإثباتهما لا يستلزم أي تشبيه إطلاقاً. والتعليم وصف الله نفسه بأنه يعلم، وأخبر أنه يعلم، وأخبر أن بعض المخاليق تعلم، فقال : ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٤] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:٤] ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] ووصف بعض المخاليق بأنهم يعملون فقال سبحانه: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] ﴿َ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الجمعة:٢] فهذا التعليم من الله، وهذا التعليم من المخلوق، وما استلزم أي تشبيه إطلاقاً، كل كما يليق به. ووصف نفسه بأنه ينبئ، ووصف المخلوق بأنه ينبئ، وجمع بينهما في آية واحدة: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] فهو ينبئ سبحانه، وأخبر أن نبيه قد نبأ بعض أزواجه. ووصف نفسه بصفة الفعل الإيتاء، قال : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦٩] وقال سبحانه: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣] ووصف بعض المخاليق بأنهم يؤتون، فقال : ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف:٩٦] لكن هذا يقول: أعطوني، أنا أريد المخلوق يعطي الشيء، قال : ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ [النساء:٢٠] ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤]. فكل هذا الكلام يدل على أن الصفات التي وردت لله، لو كان هناك مثلها عند المخلوقين فلا يستلزم إثباتها أي تشبيه، كل بما يليق به.

стр. 84

مذهب السلف في الصفات الجامعة ووصف الله نفسه بالعلو والكبر، والعظم فقال سبحانه: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه في الصفات التي يسمونها الصفات الجامعة، الآن خرجنا من صفات الأفعال إلى الصفات الجامعة، كالعلو والعظم والكبر والملك والجبروت والعزة والقوة، هذه اسمها الصفات الجامعات، حتى هذه الصفات على تقسيمهم إذا نظرنا فيها، سنجد أن الله أثبتها لنفسه، وأثبت بعضها لبعض المخلوقين، فوصف الله ، بأنه علي وأنه عظيم وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:٣٤] فوصف نفسه بالعلو والكبر وأنه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩] ووصف بعض الخلق بالعلو وبالعظيم فقال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم:٥٧] ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء:٤٠] ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] وقال عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] ووصف بعض المخلوقات أنها كبيرة فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣]. فهذه الصفات الجامعة، كالعلو والكبر والعظم نثبتها لله كما أثبتها الله لنفسه، ونثبتها للمخاليق إذا ثبتت لهم، ولا يستلزم ذلك أي تشبيه. ووصف الله نفسه بالملك، فقال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ﴾ [الجمعة:١] ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] ووصف بعض المخلوقين بالملك فقال في القرآن: ﴿طَالُوتَ مَلِكاً﴾ [البقرة:٢٤٧] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف:٤٣] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩]. فلله ملك حقيقي يليق بجلاله وكماله، وللمخاليق ملك يناسب حالهم وفناءهم وعجزهم وافتقارهم، ملك الله نافذ، ملك الله عام، ملك الله لا يزول ولا يحول، ملك الله يتصرف فيه كيف يشاء، ملك المخلوق محدود، ومعرض للاغتصاب، ومعرض للزوال، ويزول، وملكه قد لا يتصرف فيه، ممكن أنت تملك شيئاً، لكنك لا تستطيع أن تتصرف فيه، لأن هناك غاصباً، أو لأن القاضي وضع عليه حجراً، لأن لأن من الأسباب التي قد تعيقك عن التصرف في ملكك، ولكن الله يتصرف في ملكه كيف يشاء. فلا يمنع أن يثبت لله الملك، وأن يثبت للمخلوق الملك، كل بما يليق به. ووصف الله بأنه جبار متكبر فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] ووصف بعض المخاليق بأنهم جبارون متكبرون: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠] وهكذا. ووصف الله نفسه بالعزة فقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٩] ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص:٩] ووصف بعض المخلوقين بالعزة فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] وكذلك ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] مجموعة كلها، هذه العزة لله وعزة الرسول وعزة المؤمنين، وهذه عزة الله غير عزة الرسول وعزة المؤمنين. ووصف الله نفسه بالقوة فقال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤] ووصف بعض المخاليق بأن لها قوة فقال: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤]. إذاً: نلاحظ الآن أنه مهما قسم المتكلمون الصفات، فإن هناك صفات لله في هذه البنود التي قسموها ثابتة لله وثابتة للمخاليق، وهذا من بليغ تقسيمه ﵀ ورده عليهم. وكذلك الرأفة والحلم والرحمة تثبت لله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٧] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. ووصف الله نفسه بالمغفرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣] ووصف أيضاً بعض المخاليق بأنهم يغفرون: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ [البقرة:٢٦٣] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:١٤].

стр. 85

مذهب السلف في صفة الاستواء لو جئنا الآن إلى مسألة الاستواء، فقلنا: إن الله قد أثبت الاستواء لنفسه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وأثبت الاستواء للمخلوقين فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣] ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] فهل إثبات هذه وهذا يستلزم تشبيهاً؟ لا، فلماذا يا أيها الأشاعرة تفرون من إثبات الاستواء، وتجعلون في كتبكم وتفاسيركم استوى أي: استولى، وترفضون إثبات الاستواء لله لماذا؟ فسروا لنا لماذا وهذه كلها أمثلة تدل على أنه يمكن الإثبات بغير تشبيه بوضوح جداً. فتجرأ هؤلاء ممن يدعون الإسلام واتباع الحق والدليل على نفي الاستواء عن الله بأدلة منطقية، وكلام فلسفي في الاستواء فماذا يقولون؟ يقولون: لو كان مستوياً على العرش لكان مشابهاً للخلق، وبما أنه غير مشابه للخلق إذاً هو غير مستو على العرش. وهذا كلام فلسفي من علم الكلام من اليونان لا من القرآن، إذا أثبتنا أنه مستو على العرش، يعني جعلناه مشابهاً للخلق، وبما أنه غير مشابه للخلق إذاً هو غير مستوٍ على العرش، مقدمات ونتائج. الله ذكر استواءه على العرش صفة من صفاته في سبع آيات في آيات من القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس:٣] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الرعد:٢] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٩] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [الحديد:٤] كل هذه الآيات تثبت استواءه ثم تأتون أنتم وتقولون: إنه لم يستو وأننا لا نثبت له صفة الاستواء، وإنه لا بد أن ننفيها! ثم نؤولها ونأتي ببديل عنها، فدخلوا في فتنة التأويل، قالوا: إذا أثبتنا الاستواء شبهناه بخلقه، ما هو الحل؟ قالوا: ننفي الاستواء، وماذا تفعلون بدلاً منه؟ قالوا: نؤول الاستواء، ننفي حقيقته نقول: الحقيقة غير مرادة وإلا شبهناه، إذاً فما هو المخرج، قالوا: نؤوله. هنا وقف الشيخ ﵀ في رسالته وقفة مع التأويل واضعاً استمدادها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وابن القيم، فإنه قد تأثر بهما على ما سنورد في ترجمته إن شاء الله.

стр. 86

معاني التأويل التأويل يطلق على ثلاثة معان: المعنى الأول: ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني الحال، أي الحال الآتية والحالة القادمة، قال الله : ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩] ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف:٥٣] ما معنى ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣]؟ الجواب ما تؤول إليه حقيقة الأمر، ما تصير إليه حقيقة الأمر، وما سيكون في المستقبل: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣] أي: في المستقبل، عندما يأتي تأويله ويحصل، الآن، فإذاً: التأويل يأتي بمعنى ما تؤول إليه حقيقة الأمر مستقبلاً أو في ثاني الحال. المعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير، كما يقول ابن جرير ﵀: والقول في تأويل قوله تعالى كذا، يعني في تفسير قوله تعالى كذا، ويذكر التفسير. المعنى الثالث: التأويل عند الأصوليين هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل، وهنا يدخل هؤلاء المناقشون، يقولون: اللفظ ظاهر اللفظ استوى، فنحن نصرفه عن ظاهره، لماذا؟ يقولون: عندنا دليل، هكذا يقولون، الآن سيدخلون من هذا الباب، فنقول: لا تحتجوا بنصوص التأويل التي فيها النوع الأول والثاني، أنتم لا علاقة لكم بهذا الموضوع. وحتى لا يلتبس علينا معنى التأويل نقول: إن التأويل يكون بمعنى بما يؤول إليه الحال، مثل تأويل الرؤيا، عندما تحققت وصارت ودخل يعقوب وأم يوسف وإخوانه عليه، وتحققت الرؤيا، آلت إلى أن صارت حقيقة في الواقع، وأما من قبل كانت رؤيا، فتأولت وحصلت في الواقع على ما رآها، بحسب ما رآها، فلا علاقة لكم بهذا، ولا علاقة لكم بقضية التأويل بمعنى التفسير، أنتم ستدخلون من باب صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه، وأنتم تقولون إن عندكم قرينة، لأنه لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره، وإلا صار أي واحد يلعب بالقرآن، أي واحد يأتي بأي شيء من القرآن، ويقول: هذا المراد به كذا، الصوم: حفظ أسرار الشيخ، الحج: الذهاب إلى الشيخ، الصلاة كذا، ذكر أسماء علي وحسن وحسين وفاطمة، فهم سيدخلون من هذا الباب.

стр. 87

وجوه صرف اللفظ عن ظاهره التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل هنا لا بد أن يوضح هذا النوع، صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه، له عند علماء الأصول -والشنقيطي من كبار علماء الأصول- له عندهم ثلاث حالات: الأولى: أن يصرف عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من الكتاب أو السنة، وهذا التأويل عند الأصوليين صحيح سائغ لا نزاع فيه، ضربوا له مثلاً في كتب الأصول بحديث: (الجار أحق بسقبه) فقالوا: ظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار، أي أنت لو عندك أرض وجارك عنده أرض، إذا أراد الجار أن يبيع أرضه فأنت أولى بها من غيرك، هذا ظاهره، لكن لما نظر العلماء في النصوص الأخرى التي جمعوها في موضوع الشفعة، وجدوا نصاً يقول ما يلي: (فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) ما معنى صرّفت الطرق؟ أي ضربت الحدود، وقيل: هذه حدود أرض فلان، وهذه حدود أرض فلان، فعند ذلك لا يوجد حق الشفعة، كل واحد يبيع كما يريد. قالوا: أيضاً تكون الشفعة في الشراكة المشاعة، أنت وشخص عندكم أرض بدون تقسيم، كلاكما يملك الأرض، بنسبة مشاعة من الأرض، ما يجوز واحد يبيع نصيبه أو نسبته فيها بدون أن يعرضها على شريكه. إذاً لما قالوا: (الجار أحق بسقبه) ظاهرها أنه حتى لو كانت أرض محددة، قالوا: هذا ليس ظاهره مراداً، لماذا صرفتموها عن الجار عموماً إلى الشريك فقط، لماذا صرفتموها من الجار إلى الشريك في الشراكة المشاعة أو الشريك المخالط؟ قالوا: لقرينة، والدليل صحيح وهو: (فإذا ضربت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) هذا واضح، صرف الدليل عن ظاهره لقرينة صحيحه، وهذا يسمى تأويلاً صحيحاً أو تأويلاً قريباً، أو تأويلاً ساغئاً دلَّ عليه النص. النوع الثاني: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلاً وليس دليلاً في نفس الأمر: فهذا يسمى تأويلاً فاسداً، أو يسمى تأويلاً بعيداً، ضربوا له مثالاً بكلام بعض الأحناف، أو مذهب أبي حنيفة ﵀، لما جاء إلى حديث النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) الآن أبو حنيفة يرى أن نكاح المرأة لا يشترط أن يكون فيه ولي، وممكن أن تنكح من غير ولي، فلما قيل الحديث: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل). قال: المقصود بالمرأة هنا المكاتبة فقط، الأمة عند سيدها ما تنكح إلا بإذن سيدها، وهو وليها، أما النساء الأحرار، والعاديات ممكن بغير إذن وليها، إذاً ما في دليل صحيح، بل النص: (أيما امرأة) يفيد العموم أي: كبيرة، صغيرة، حرة، أمة (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل). فإذاً هذا الذي ذهب إليه ﵀ ليس تأويلاً صحيحاً، والقرينة غير صحيحة، وليس هناك دليل في نفس الأمر، هذا يسمى تأويلاً بعيداً فاسداً، وهو صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه بغير قرينة صحيحة ولا دليل جازم يجب الرجوع إليه. النوع الثالث: صرف اللفظ عن ظاهره بدون أي دليل، أي حتى ولو قرينة ضعيفة، صرف اللفظ عن ظاهره مطلقاً هكذا على الهوى والتشهي، وعلى الرأي بدون أي قرينة لا ضعيفة ولا قوية، وهذا يسمى عند العلماء لعباً، لأنه تلاعب بالكتاب والسنة، كما قال غلاة الروافض ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، قالوا: البقرة عائشة، وما هي القرينة التي أوجبت صرف اللفظ عن ظاهره والظاهر أنه بقرة تمشي على أربعة، بقرة الحيوان البهيمة المعروفة، بأي حق صرفتم البقرة إلى عائشة؟ لا يوجد إطلاقاً أي قرينة. وكما قال الصوفية في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، قالوا: البقرة هي النفس، تذبح نفسك بسكين الطاعة، إذاً ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٦٨] قالوا: لا شاب ولا شايب، كهل في الوسط، ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] قالوا: صفار الوجه في الطاعة بالصوم ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] فهذا كلام فارغ، وهذا في الحقيقة يسمى تلاعباً لا قرينة له إلا الهوى الذي يعمي ويصم. فالقاعدة إذاً مهمة جداً لأنها تنسف ما يقررونه، لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا لقرينة، جاءوا إلى الاستواء قالوا: نصرفه عن ظاهره، ما هي القرينة؟ قالوا: لأن الاستواء يلزم منه المشابهة، ولماذا لا تقولون هذا في الإرادة؟ ولماذا لا تقولونه في العلم؟ ولماذا لا تقولونه في سائر الصفات التي ناقشنا فيها قبل قليل؟ لماذا لا تعاملون الاستواء كما عاملتم بقية الصفات؟ ما هو الفرق؟ لا فرق في الحقيقة.

стр. 88

نصيحة مشفق لكل مؤول قال ﵀: (فاسمعوا أيها الإخوان! نصيحة مشفق) هذه الآن النصيحة تبين السبب الذي من أجله ما قبلوا الإقرار بالصفة، لماذا لم يقبلوا الإقرار بالصفة؟ قال: "فاسمعوا أيها الإخوان نصيحة مشفق، واعلموا أن كل هذا الشر إنما جاء من مسألة وهي: نجس القلب، وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه، فإذا سمع ذو القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه، كنزوله إلى السماء الدنيا بثلث الليل الآخر، وكاستوائه على عرشه، وكمجيئه يوم القيامة، وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، أول ما يخطر في ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق". فإذاً هذه مسألة مهمة، وهذا تحليل نفسي لنفسية الأشعري، والمؤولين في الصفات والمحرفين لها. لماذا يلجئون إلى التأويل الذي هو التحريف حقيقة؟ ومن أي شيء ينطلقون؟ مبعثهم الإحساس بالتشبيه، لأنهم اعتقدوا أن هذه الصفة إذا أثبتوها شبهوا الخالق بالمخلوق، قالوا: إذاً هنا لا بد من مهرب ولا بد أن نفر، فلذلك لا يوجد معطل محرف إلا قد كان قبل ذلك مشبهاً؛ لأنه لما اعتقد التشبيه فر منه إلى التعطيل والتحريف، هذه مسألة مهمة جداً، فيدعي أن إثبات الصفة يؤدي إلى التشبيه بصفات المخلوقين، فيكون أولاً: مشبهاً، وثانياً: معطلاً. ثم إن النبي ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، هل ممكن يكون هذا اللفظ غير مراد ولا يخبر الرسول ﷺ أنه غير مراد؟ لا يمكن إطلاقاً، هل يمكن أن يكون ظاهر الآيات كفر؟ هم يقولون هكذا، ظاهر بعض آيات الصفات كفر، فنقول: الله أرحم بعباده من أن ينزل عليهم شيئاً ظاهره الكفر، وهل الله يعجز أن يبين العبارة؟ لو كان الله يريد (استولى) لبينها، أي الله عاجز أن يغير، لا تكون الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وتكون الآية: الرحمن على العرش استولى، ألله عاجز عن هذا؟! كيف نقول: إن هذا أفصح كلام وأبين كلام وأبلغه، ثم نقول: الظاهر غير مراد، بل الظاهر كفر! هم يقولون: اعتقاد الظاهر كفر، إذا اعتقدت أنه استوى تكفر! لماذا؟ لأنهم انطلقوا من التشبيه.

стр. 89

خلاصة ما سبق ولذلك قال ﵀: " فالحاصل أنه يجب على المسلم أن يعتقد إذا سمع وصفاً اتصف به خالق السموات والأرض في نفسه التعظيم لله، قال فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة ". وهذه مسألة مفيدة في علاج الوساوس، الآن نحن السلفيين عندما نثبت الأصبع والقدم والرجل واليد والكف، كما أثبت لله ، ممكن الشيطان يقول: يشبه لك في عقلك شكلاً معيناً وتشبيهاً معيناً، ونحو ذلك، فكيف تقاوم هذه الوسوسة الشيطانية؟ بأن يمتلئ قلبك بالتعظيم عند إمرار الصفة في ذهنك، وخطورها في بالك، يمتلئ قلبك بتعظيم الرب، فإذا امتلأ قلبك بتعظيم الرب، فكل آيات الصفات التي تمر على نفسك ما يمكن أن تسبب بلبلة إطلاقاً عندك؛ لأن تعظيمك للرب سيقطع كل علاقة بين هذه الصفات وبين التشبه بالمخلوق، فلو خطر ببال أحد مثلاً تصور شكل كذا وشكل كذا، وهو في صفات الله، فإذا استحضر عظمة الرب، ماذا يحدث لهذه الأشكال الذي يجري بها الشيطان في النفس؟ كلها تنمسح، وتضمحل، هذا التوحيد أثبت وعظم، فيكون القلب منزهاً معظماً له جل وعلا غير متنجسٍ بأقذار التشبيه، معتقداً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 90

قاعدتان ذهبيتان في الأسماء والصفات وفي هذا المقام يتزود الطالب بقاعدتين ذهبيتين مهمتين، ذكرهما شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الحموية، ونقلها الشنقيطي ﵀: أولاً: القول في الصفات كالقول في الذات، ثانياً: القول في الصفات كالقول في البعض الآخر. هاتان قاعدتان خصم بهما شيخ الإسلام كل أشعري، وضاقت مذاهبهم، وأعيتهم الحيل، وتأزموا نفسياً من وراء كتاب الحموية؛ لأنه قعد قاعدتين لا مهرب منهما، قال: القول في الصفات كالقول في الذات. إذا قلت لي يا أيها الأشعري: ذات الله لا تشبه ذوات المخلوقين، أقول لك: ويده لا تشبه يد المخلوقين، وأصبعه لا يشبه أصابع المخلوقين. والقول في الصفات كالقول في البعض الآخر، هذه القاعدة الثانية مهمة: إذا كنت أيها الأشعري تثبت السمع والبصر، أثبت اليد والرجل، فما الفرق؟ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، انتهت المسألة، هاتان قاعدتان مهمتان جداً وإليهما أشار ﵀، ناقلاً من كلام شيخ الإسلام ومتأثراً به؛ لأن الشنقيطي ﵀ قد كان في مبدأ أمره ليس على عقيدة السلف في الأسماء والصفات، عندما كان في شنقيط وكان يطلب العلم هناك، ولكن عندما جاء إلى الجزيرة، والتقى بعلماء الجزيرة، وأهدى له الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وأوصى بذلك بعض العلماء في المدينة أن يتابعوا الشيخ الشنقيطي في هذه المسألة، حصل للرجل القناعة التامة بمذهب السلف، وألفه بعد غاية بلوغه في العلم حتى لا يقال: مسكين ضحكوا عليه، ألفه بعد غاية جهده العلمي، ألف مثل هذه الرسالة. وليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل، قال: " اعلموا أن المقرر في الأصول: أن الكلام إذا دل على معنى لا يحتمل غيره، فهو المسمى نصاً، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أحد الاحتمالين أظهر أو لا يكون ". فإذاً عندنا نص لا يحتمل إلا معنى واحد فقط، وعندنا نص يحتمل احتمالين ثم قد يكون أحد الاحتمالين، أقوى وقد لا يكون أحد الاحتمالين أقوى، فإذا كان الاحتمال يتساوى، فهذا الذي يسميه العلماء المجمل، وضرب مثلاً قال: "لو قلت عدا اللصوص على عين زيد -أي اعتدى اللصوص على عين زيد- فاحتمال أن تكون عينه الباصرة عوروها، أو عينه الجارية غوروها، أو عين ذهبه وفضته سرقوها". فإذاً كلمة عين في اللغة تحتمل: الحاسة هذه، وممكن تحتمل حرف العين من حروف الأبجدية، ممكن تحتمل الجاسوس، ممكن تحتمل عين الماء، ممكن تحتمل الذهب والفضة، فإذا كيف نفهم ما هو المقصود إذا صار هناك اشتراك في اللفظ؟ بالسياق والقرينة التي تدل عليه، فإذا قلت مثلاً: رأيت رأس الجبل، ورأس المال، يتبين بالإضافة كلمة رأس بحسب ما تضاف إليه ويكون لها معنى، رأس المال، رأس الجبل، رأس الإنسان. إذا قلت: رأيت أسداً يكون الظاهر أنه حيوان مفترس، وإذا قلت رأيت أسداً يقاتل على حصان، واضح هنا أن الأسد المقصود به الرجل الشجاع مثلاً، فإذا قال مثلاً: اعتدى اللصوص على عين زيد فعوروها، نفهم العين الجارحة، وإذا قلت اعتدى اللصوص على عين زيد فغوروها، فإذاً هي العين الجارية، وإذا قلت اعتدى اللصوص على عين زيد فسرقوها؟ الذهب والفضة. فالاختلاف في الصفات يعود إلى الاختلاف فيما أضيفت إليه هذه الصفات، كما قلنا في كلمة رأس، إذا أضيف الرأس إلى الجبل، أو إلى المال، أو إلى الإنسان، صارت أشياء مختلفة، فليس لأن فيها كلمة رأس تكون كلها واحدة متشابه، ولا نقول بهذا، وعندما نقول يد الله ويد زيد، ويد الباب، ما يستلزم التشابه، والمعنى يظهر من إضافة كل شيء إليه، فيد الله غير يد الإنسان، ورأس الجبل غير رأس الإنسان، ولله المثل الأعلى، لكن أنت ترى الاختلاف في المخلوق، إذا قلت رأس المال ورأس الجبل ورأس الإنسان، هذه مخلوقات، وكلمة رأس مختلفة في كل واحد منهما بحسب ما أضيف إليه. وكذلك يفهم بالبديهة ويفهم بالطبيعة أننا عندما نضيف صفة لله ، نقول: يد الله، وجه الله، قدم الله، أن هذا لا يلزم التشبيه إطلاقاً، وإذا قلنا استوى الله واستوى المخلوق، لا يستلزم تشبيه الاستواء بالاستواء إطلاقاً وهكذا. ويؤمن المسلم بصفة الله ، وهو يعتقد أن الله منزه عن مشابهة جميع المخاليق والحوادث المحدثة، ونعتقد أن ما قاله هؤلاء المحرفون باطل، وأن المقدمات الكلامية الفلسفية التي اعتمدوا عليها باطلة، وأنهم لما قالوا: إن الله لا يشابه المخاليق هذه مقدمة، وإثبات استواء الله يؤدي إلى التشبيه، فالنتيجة هي أن الاستواء باطل لا ينسب لله، فهذه المقدمة باطلة، وهذا الربط بين (لو واللام) في قولهم: لو أثبتنا لصار تشبيهاً، هذا الربط كاذب، فالله مستو على عرشه من غير مشابهة للمخاليق والحوادث، وكذلك سائر صفاته : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] تنزيه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] إثبات.

стр. 91

قاعدة تقود إلى صحة الإيمان بالأسماء والصفات ثم مسألة مهمة جداً تساعد في توحيد الأسماء والصفات والإيمان به إيماناً صحيحاً أشار إليها الشيخ الشنقيطي ﵀ قال: (قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية لابد منه) ويلزم أن تقطع تماماً الأمل أن تدرك كيفيته إطلاقاً، إذا اعتقدت هذا فستسلم من كل شبهة، قال الله : ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] فعبارة: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] يعني: لا يمكن إدراك كيفية صفاته ، ولا يمكن تخيل ذلك، ولا يمكن للعقل البشري أن يحيط به، ولا للعلم البشري أن يحيط به . والمسألة ليست مجرد عرض عملي كما قد يحس البعض بالجمود، وإنما هو عرض وعظي أيضاً، وعرض إيماني، قال: " لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد " تنزيه الله عن مشابهة المخاليق، إثبات الصفات له، قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وإثبات الصفات ونفي التشبيه. قال: " لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد؛ أترون الله يوم القيامة يقول: لم نزهتموني عن مشابهة الخلق؟ ويلومكم على ذلك؟ "هل يلومكم إذا أثبتم الاستواء؟ هل سيقول لكم لماذا لم تأولوا الاستواء؟ " كلا والله، لا يلومكم على ذلك " هل يلومكم ويقول: لم أثبتم لي ما أثبته لنفسي، وأثبته لي رسولي؟! لا ولله لا يلومكم على ذلك، ولا تكون عاقبته سيئة إطلاقاً. وفي الختام: فإنه ذكر رحمه الله تعالى بأن هؤلاء الذين نفوا صفات الله كالاستواء والنزول والمجيء أولاً: اعتقدوا التشبيه، وقالوا: ما قلته في كتابك لا يليق بك، وجاء ربك قالوا: هذه الآية ما تليق بك، ظاهرها لا يليق: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لا يليق بك، سبحان الله! فاعتقدوا التشبيه، ثم بعد ذلك تهجموا على نصوص الوحي، قالوا: لا بد أن نعمل فيها شيئاً، ولا يمكن أن نسكت، فاضطروا بسببها إلى نفي صفات فراراً من المشابهة، فحملوا نصوص القرآن على معانٍ غير لائقة بالله، ثم نفوها من أصلها، ثم فسروا الصفة بصفة أخرى من تلقاء أنفسهم من غير دليل، فقالوا: استوى يعني: استولى. ولو سرنا معهم وقلنا لهم: استوى بمعنى استولى، ولكن المخاليق تستولي، فلماذا لا تظهر هنا قضية التشبيه ونقول: استيلاء كالاستيلاء، ونحتاج أن نغير الاستيلاء ونأتي بمعنى آخر، أنتم قلتم: لا نقول استوى، لأن الإنسان يستوي، وإذا قلنا الاستواء معناه أننا شبهنا الله بالخلق، ما هو الحل؟ قالوا الحل نقول: استولى، نقول: المخلوق يستولي؟ فإذاً: لماذا لا يكون استيلاء باستيلاء، ففررتم من أي شيء إلى أي شيء، ماذا فعلنا؟ حرفنا الآية بدون فائدة. فهذا ما أورده ﵀ في هذه الرسالة العظمية النافعة في تقرير توحيد الأسماء والصفات، والرد على من حرف الصفات.

стр. 92

الزواج بلا منكرات لقد حث الإسلام الشباب على تحصين أنفسهم بالزواج، وبين المصالح من هذا الارتباط للفرد والمجتمع، ولأن عقد الزواج يعتبر عقداً مقدساً فقد جعلت له الشريعة شروطاً عظيمة كرضا الزوجين واشتراط الولي في النكاح، ولقد ركز الشيخ -حفظه الله- في هذا الدرس على ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالنكاح، وحذر من المفاسد المتعلقة بالزفاف ووليمة العرس، وذلك ليرشد الناس إلى الزواج الإسلامي السعيد الخالي من المنكرات.

стр. 93

أهمية الزواج في الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فالحمد لله الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا مودة ورحمة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، وهذا النكاح الذي شرعه الله تعالى للمسلمين يطلق على أمرين: على عقد النكاح وعلى الوطء، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان أرادوا عقد التزويج، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الجماع، وهذا التعاقد المقدس الشرعي بين الرجل والمرأة ضرورة فطرية دال على أن الخلقة سوية، قال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩].

стр. 94

الترغيب والحث على الزواج فالحمد لله على هذه النعمة وهذا الدين الذي يوافق الفطرة، حيث أمر به الرجال والنساء، وأمر به الأولياء، فقال : ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢]. تأمل يا عبد الله! كيف جاء لفت النظر في هذه الآية إلى الصالحين، وأن قضية الفقر ليست مشكلة كبيرة، وإنما الصلاح هو القضية الأعظم قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] أما قضية المال فإنها تأتي بإذن الله قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] فإن يكن فقيراً، أو عليه دين، أو ليس ذا عمل ولا وظيفة؛ يرزقه الله . وقد أمر به النبي ﷺ وقال: (ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء) وقد أمر الله تعالى بالاستعفاف عند عدم القدرة، والاستعفاف يكون بغض البصر وعدم الاختلاط بما حرم الله، وعدم ملابسة المعاصي ولا غشيان الأماكن التي تثور الشهوات بسبب غشيانها، فلا مناظر ولا أماكن؛ لأن هذه هي قاعدة الاستعفاف قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ [النور:٣٣] أي: يتركون الحرام ويبتعدون عنه، ويتعففون حتى يأتي الفَرَج من الله . وقال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس ﵄: [هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرهم نساء] وهذا النكاح هو شرع مؤكد من سنن المرسلين قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] وقال ﵊: (إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)؛ ولذلك قال العلماء: إن التزوج مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة لما يترتب عليه من المصالح الكثيرة والآثار الحميدة؛ بل إنه يكون واجباً في بعض الأحيان، وخصوصاً في هذا الزمان، فإذا خاف على نفسه الحرام أو وقع فيه، أو أوشك أن يقع فيه، وكان في العنت وجب عليه الزواج وجوباً يأثم بتركه.

стр. 95

مصالح الزواج على الفرد والمجتمع إن الزواج ليس وسيلة لحفظ النوع الإنساني فحسب، بل هو وسيلة للاطمئنان النفسي والهدوء القلبي والسكون الوجداني، إنه سكن للنفس ومتاع لها، وطمأنينة للقلب وإحصان للجوارح، ونعمة وراحة، وسنة وستر وصيانة، وهو سبب لحصول الذرية التي تنفع الإنسان في الحياة وبعد الممات، وهو عقد لازم، وميثاق غليظ، وواجب اجتماعي، وسبيل مودة ورحمة بين الرجال والنساء؛ يزول به سبب من أعظم أسباب اضطراب النفس البشرية التي لا ترتاح إلا بزواله، فيكون هذا الزواج راحة للنفس وطمأنينة، فالمرأة سكن للرجل وكرامة ونعمة تجلب إليه بصلاحها الأنس والسرور، والغبطة والحبور، وتقاسمه الغموم والهموم، ويكون بوجودها بمثابة السيد المخدوم والملك المحشوم، فمسكين رجل بلا امرأة، ومسكينة امرأة بلا رجل. ولو لم يكن في النكاح إلا سرور النبي ﷺ يوم يباهي كل نبي بأمته، ولو لم يكن منه إلا هذا التكاثر الذي يترتب عليه سرور محمد بن عبد الله ﷺ يوم القيامة بهذه الأمة لكان ذلك كافياً في الرغبة فيه، ولو لم يكن منه إلا ألاَّ ينقطع عمل الإنسان بعد موته بهذا الولد الصالح الذي يدعو له بعد وفاته لكان سبباً في الرغبة فيه، ولو لم يكن فيه إلا أن يخرج من صلبه من يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا غض بصره وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرم الله، ولو لم يكن فيه إلا تحصين امرأة يعفها الله به ويثيبه على قضاء وطره ووطرها لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا احتساب الأجر في النفقة على المرأة في كسوتها ومسكنها؛ ورفع اللقمة إلى فيها لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا إغاظة أعداء الإسلام لتكثير أبناء الإسلام لكان ذلك كافياً، ولو لم يكن فيه إلا إعفاف النفس عن الحرام وقطع السبيل على من يروج الحرام لكان ذلك كافياً، فكيف لو اجتمعت هذه الأسباب في رجل صالح؟!

стр. 96

شروط النكاح يا عباد الله! نظراً لأن هذا العقد مقدس جعلت له الشريعة شروطاً عظيمة منها:

стр. 97

الرضا بين الزوجين فلا يصح إجبار الرجل على نكاح من لا يريد، كما لا يجوز إجبار المرأة على نكاح من لا تريد؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن) فجعل الرضا في ذلك شرطاً، وإذا امتنعت عن الزواج، فلا يجوز لوليها أن يجبرها على أحد لا تريده كما جاءت بذلك السنة، وأرادت المرأة الأولى أن تبين لمن بعدها أنه لا يجوز للأب إجبار زوج ابنته على من لا تريد، ولا للولي أن يجبر موليته على من لا تريد، فإذا خطبها شخصان، وقالت: أريد هذا ولا أريد الآخر، فيزوجها أبوها بمن تريد إلا إذا لم يكن لها كفؤاً، فعند ذلك يمتنع الولي ولا إثم عليه في منعها لأنها لم تعرف مصلحة نفسها في هذه الحالة، فإذا كان الولي عاضلاً يمنع الكفء المتقدم، فإن القاضي يزيحه عن موقع الولاية، وينصب الولي الذي بعده لكي يوافق على زواجها بمن لا ضير عليها من الزواج به.

стр. 98

وجود الولي في النكاح فالولي مهم لابد منه، ولا نكاح إلا بولي، فلا تزوج المرأة نفسها، ومن زوجت نفسها فنكاحها باطل، وإن ورد ذلك في بعض المذاهب فإن السنة تقضي على كل شيء، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وهذه الأدلة قاضية وملزمة، والنص متبوع ونحن تابعون، ولا رأي لأحدٍ مع نص رسول الله ﷺ .

стр. 99

مسائل متفرقة في النكاح عباد الله: إن هذا الاستخلاف في الأرض الذي يقتضي كثرة تناسل الجنس الإنساني، وحصول المقصود يتحقق بالزواج، والزواج المبكر أفضل وأكمل من تأخيره، ولو لأجل اكتمال الاستعدادات امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] ولقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] ولقوله ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج).

стр. 100

التوكيل الشرعي في النكاح وبعض الناس يقولون: نريد الزواج من فتاة في بلد الغربة، ولكن الولي غير حاضر، فنقول: المسألة سهلة؛ يرسل الولي توكيلاً شرعياً من بلده إلى شخص في ذلك البلد، ويقوم مقامه في تزويج البنت، فيذهب هذا الموكل إلى القاضي، ويقوم مقام الولي، ولا حاجة إلى نكاح سر مخترم ليس فيه شروط شرعية متحققة، فلا بد -إذاً- من اكتمال الشروط الشرعية يا عباد الله.

стр. 101

حرمة إجبار البنت على الزواج بعض الناس يريد إجبار ابنته على الزواج بصاحب مال حتى يغنم من ورائه، وكذلك بعضهم يضيع ابنته، فلا يبحث لها عن الكفء؛ حتى إنه ربما يريد التخلص منها بأي طريقة، ولقد عرض رجل ابنته على شخص غير كفء، فقال: خذها بخمسة آلاف بالتقسيط! فهل رأيتم -يا عباد الله- مثل تضييع هذا الرجل؟! ويضيع ابنته مع غير الكفء ويريد الخلاص منها؛ لأنه طلق زوجته وعنده بنات منها، ويريد أن يتخلص منهن بأي طريقة، فيوافق على كل أحد مضيعاً لبناته اللاتي جعله الله مؤتمناً عليهن، ولقد خان الأمانة وضيع المسئولية، والله سائله عما استرعاه أحفظ أم ضيع؟

стр. 102

هروب البنات مع العشاق وكذلك هؤلاء البنات اللاتي يهربن مع العشاق -بزعمهن- ويردن الحرام أو الزواج بمن تريد بأي طريقة ولو لم يوافق الولي، وتشاهد المسلسلات وما أدراك ما هي المسلسلات؟! جهاز الحرام المنتشر الذي يشجع البنات على مثل هذه الحركات السيئة، فيشجعها على أن تهرب مع عشيقها ومحبوبها الذي لم يرض به الأب، وذلك حرام ولا يجوز.

стр. 103

الحيل غير الشرعية في النكاح وبعضهم يأتي بحيل لإجبار طرف من الأطراف على إيقاع النكاح، فيقع الفأس في الرأس، وكل ذلك مما ينكشف يوم القيامة ويكون وبالاً على صاحبه، ويعقد لكل صاحب غدرٍ لواء يوم القيامة عند استه يفضحه الله به بين الأولين والآخرين.

стр. 104

أهمية البحث عن أصحاب الدِّين من الرجال والنساء عباد الله: لما كانت الشريعة تريد إقامة البيوت على أساس الدين رغبت الشاب في البحث عن ذات الدين، وكذلك الولي أن يبحث عن الصالحين فجاءت بالطرفين من هنا ومن هناك، فمن هنا: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:٣٢] أي: أنكحوا الصالحين، ومن هناك: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وإذا قال إنسان: فكيف أعرفها والمصائب نسمعها تترى وتتابع في هذا الزمان من بنت من عائلة نعرفها بأنها محافظة، ثم نفاجأ بالقصص العجيبة عنها؟! فنقول: إن ذلك من سوء الاستقصاء ولا شك، فهلاَّ اكتمل بحثك -يا عبد الله- ويا أيها الشاب! وهلا استقصيت في السؤال لكي تعرف عن حالها؟ وهناك سبل مشروعة من استخدام محارمك من النساء للبحث عن حال هذه الفتاة، أليست في مدرسة يوجد فيها من يعرف حالها؟ أو في حي يوجد فيه جيران يعرفون حالها؟ أو أقارب يعرفون حالها؟ وكذلك إذا أردنا أن نبحث عن الرجل الصالح التمسناه في المسجد، هل هو يواظب على الصلاة فيه أم لا؟ فكذلك المرأة الطيبة تغشى الأماكن الطيبة، وقد صار -ولله الحمد- من مدارس تحفيظ القرآن وغيرها من الأماكن الطيبة ما هو مظان وجود الفتيات الطيبات؛ ولذلك فإن الاستقصاء والبحث والسؤال أمر في غاية الأهمية، والتماس مثل هذه الفتاة في مظان الصالحات أمر في غاية الأهمية، ولما كانت المرأة عاجزة أو ضعيفة، وقليلة الحيلة في السؤال والاستقصاء عن الرجل لم يجعل الشارع الأمر إليها، وإنما جعله إلى ولي رجل، ولما كانت الفتاة المتقدم إليها عاجزة أو قليلة الحيلة في الاستقصاء عن حال هذا الرجل، فلا تستطيع أن تذهب إلى مكان عمله ولا إلى حيه، ولا أن تسأل معارفه؛ جعل الشارع الأمر بيد ولي رجل مؤتمن يقوم عليها، فيسأل لها عن المتقدم إليها ويعرف حاله، وهذه أمانة عظيمة من لم يقم بها فقد خان، والخيانة إثمها كبير وذنبها شديد عظيم، فليتق الله تعالى من استؤمن، وليتق الله من سئل، ومن أشار على أخيه المسلم أو على أخته المسلمة بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه، فويل للذين يكتمون العيوب التي تمنع من النكاح، وويل للذين يكتمون حال الأزواج أو حال الشباب أو الفتيات عند السؤال، وهم يعلمون أن هذا الأمر مهم بيانه، وأن هذه الأمانة التي إذا ضيعت حصل خلل كبير في الزواج، وكان الإنسان الخائن سبباً في عقد نكاح لا يرضى أحد الطرفين به لو كان يعلم الحقيقة، ومن غش المسلمين فليس منهم كما قال ﷺ : (من غشنا فليس منا).

стр. 105

الصداق والمغالاة في المهور عباد الله: إن الصداق حق للمرأة؛ لأنه مقابل ما استحل من فرجها كما بين النبي ﷺ : (ما أصدق النبي ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية) رواه الخمسة وصححه الترمذي. ولما اشتط الناس في أمر الصداق، وبالغوا في المغالاة فيه؛ جعلوا بأيديهم عواقب الهلكة التي أحاطت بشبابهم وبناتهم يخربون البيوت بأيديهم، بل يمنعون قيامها بأيديهم بما جعلوا من المغالاة في الصداق والحفلات وغيرها من المتطلبات، والتي ليس عليها في هذه التكاليف العظيمة دليل ولا أثارة من علم، وجعلوا المطالب الشكلية هي الأساس الذي يدور عليه إمضاء الزواج من عدمه، مع أن شريعة الإسلام تريد إمضاءه أولاً، وهذه الأمور الشكلية تيسر على الإنسان المسلم، فكيف -يا عباد الله- تجعل هذه الأمور الشكلية مانعاً من تحقيق المقصود الأصلي؟ نسأل الله أن يقينا شر أنفسنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يتوب علينا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 106

حرمة زواج المتعة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهد أن محمداً رسول الهدى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى. عباد الله! إن الأصل في النكاح البقاء والدوام والاستمرار؛ لأنه إقامة أسرة وبيت، ومن هنا كان زواج المتعة حراماً في الإسلام؛ لأنه زواج مؤقت محدد بوقت معين يعلن فيه العقد، ويتفق عليه الطرفان، ويكون معلوماً لكل منهما، فإذا انتهى الأجل انتهى النكاح -بزعمهم- فهذا استئجار على الزنى وليس من شرع الله في شيء، وزواج المتعة يكون على أربع وعشرين ساعة أو على ثلاثة أيام أو على أسبوع أو على شهر، فهذا استئجار على الزنى ومهر بغي لا يفعله إلا الديوثين؛ فأهل البدع الذين لا عقل ولا دين، ولا غيرة لهم يفعلونه، وأهل السنة يقومون بما جاءت به السنة.

стр. 107

حكم من تزوج وهو مبيت لنية الطلاق وبعض الناس يسأل عن الزواج الذي يكون في نية صاحبه أن يطلق بعد مدة، ولكنه لا يجعل ذلك في العقد ولا هو مشروط بين الطرفين، فهذا الزواج إن تكاملت شروطه الشرعية من رضا الطرفين والولي والإيجاب والقبول، وانتفاء الموانع من المحرمية والنسب والرضاع ونحو ذلك، فإذا انتفت الموانع فإن العقد صحيح في الأصل لتكامل شروطه وعدم النص المانع له؛ ولأن نيته قد تتغير فيتعلق بزوجته أو يكسبه الله منها أولاداً فتبقى عنده، ولكن بعض أهل العلم كرهه لأجل ما فيه من النية المبيتة التي لو علم بها الطرف الآخر ربما لم يوافق عليها. ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين هذا النكاح وبين نكاح المتعة الذي يكون الطرفان على علم بالمدة المحددة التي إذا انقضت انتهى العقد بينهما، وأما الذي أشير إليه قبل قليل من نية عند الزوج أو عند المتقدم كالمسافر للخارج ونحوه؛ فإنها ليست معلنة بين الطرفين، ولا متفق عليها، ولا ينتهي النكاح إذا انتهت المدة التي في ذهنه بل هو مستمر.

стр. 108

حكم الزواج المشروط بنفقة المرأة على نفسها وكذلك فإن بعض الناس يكثر الكلام عن النكاح الذي يقول فيه الرجل للمرأة: أتزوجكِ، ولكن لا تشترطي علي مبيتاً ولا تطالبيني بنفقة متى ما جئتك، وعليك أن تنفقي على البيت، فإذا رضيت بذلك المرأة -وهي صاحبة القرار في الطرف الآخر- واكتملت الشروط الشرعية للعقد فإن هذا صحيح، كما أفتى بذلك شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته. أيها الإخوة! فإذا ما طالبت المرأة بحقها في النفقة بعد الزواج، وقالت: أطالب بحقي في النفقة، قيل له: إما أن تنفق وإما أن تطلق، وأما ما دامت راضية ساكتة، وتنفق هي ولا تطالبه بمبيت؛ فإن الزواج على ما هو عليه، وهو على صحته باق، ولكن ينبغي أن يعلم أهل الحكمة أن مثل هذا الزواج غير مرشح للنجاح؛ لأنه كالشيء الذي لا يريد فيه صاحبه استقراراً، وربما وافقت عليه المرأة تحت الحاجة، فقالت: أنا برجل يأتيني في الأسبوع مرةً خيرٌ من أن أبقى بقية الدهر عانسة، فهذا في الغالب ليس مرشحاً للاستمرار، ولكن لابد أن نعلم الحكم الشرعي فيه، ثم بعد ذلك هل يقدم عليه الشخص أم لا؟ إن ذلك راجع إليه، وإلى ما يرى فيه المصلحة.

стр. 109

مفاسد وليمة العرس والزفاف في العصر الحاضر عباد الله: إن وليمة العرس سنة، ولكن الناس اشتطوا فيها حتى صارت حملاً ثقيلاً ينوء به الزوج وبتكاليفه، وربما يبقى سنوات وهو يسدد تكاليف الزواج ولما خالف الناس هذه الشريعة التي جاءت بالتيسير صارت أمورهم معسرة وشديدة، ثم لم يرضوا بذلك حتى ملئوا الوليمة والزفاف بالمنكرات مثل: اختلاط النساء بالرجال، والغناء المحرم وآلات الموسيقى، والفرق الغنائية التي تستأجر بكذا وكذا، ويدخل الزوج وبعض أقاربه في كثير من الأحيان على النساء، وتعمل الكاميرات وآلات التصوير عملها لأولئك المصورين والمصورات، وتصوير ذوات الأرواح ملعون من فعله كما جاء ذلك في الحديث، وابتدعوا بدعاً كثيرة فقالوا: نعرض فلماً وثائقياً للزوج من صغره وللزوجة كذلك، وفيها عرض لوقت الخطوبة وإتيانه إليها، والحديث الذي دار بينهما، ويراه الحاضرون أو الحاضرات، فتباً لهذه الأفكار الوخيمة والابتكارات السيئة، وتنطلق الأبخرة والدخان والألوان الحمراء والخضراء وغيرها مركزة على هذه البنت عند دخولها، والكاميرات تعمل عملها، وقد أخبر العارفون بأن هذه الأنوار، وهذه الأبخرة وربما رافق ذلك موسيقى صاخبة بأن ذلك كله من فعل أهل الديسكو وأهل الانحراف وأهل الفسق، ومعلوم أن التشبه بالفسقة حرام، فكيف إذا كان الفعل في ذاته محرماً! فكيف إذا كانت تهدر في ذلك الأموال، ويقع الإسراف الذي لايرضاه الله ولا رسوله! عباد الله: نمص وتزيين بالحرام من كوافيرات كافرات أو فاسقات، وذلك شعار يستعمل في الزفاف وحفلاته، ووضعاً للشعر فوق الرأس كأسنمة البخت المائلة، وهذا صنف من أهل النار حدثنا عنه محمد بن عبد الله ﷺ ، وصل ووشم ونمص وتفلج إلى آخر ذلك من الأفعال التي لعنها النبي ﷺ ولعن من فعلها، وتختم بالذهب للرجال، ووضع لآنية الذهب والفضة وأطباقهما في الحفلات، وأطباق الكرستوفل وغيرها من الفضة، والتي من أكل أو شرب بها فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم، ورفع لصوت النساء بالغناء، وهن نساء كبيرات في السن بالغات، يصل الصوت عبر هذه المكبرات إلى الرجال في الصالة، أليس في ذلك فتنة؟ هل هذا هو الدف الذي أباحه الشارع؟ كلا والله بل أباح الشارع الدف واستثناه من سائر المعازف، ولم يبح الآلات الموسيقية الكبرى، ولا أصوات النساء الكبيرات اللاتي يصل صوتهن إلى الرجال عبر المكبرات، فهذا كله لم يبح في الشرع؛ ولذلك كان فاعله آثماً، فلا تبدءوا أيامكم الأولى في هذا العقد المقدس -يا معشر الشباب- بمعصية الله، فإنه -والله- لا خير في زواج يبدأ بمعصية الله، ويدوم على معصية الله. اللهم ارزقنا العفة والعفاف، اللهم ارزقنا الأمن والإيمان، اللهم ارزقنا الطهر والنظافة واليقين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الأمن يوم الوعيد، وأن تجعلنا من الركع السجود، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور! وآمنا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 110

مسائل فقهية يكثر السؤال عنها التفقه في الدين من أجلِّ العبادات وأعظمها، فبه يتعلم الإنسان أحكام الشرع الحكيم، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه يهتدي إلى الحق من غيره. والناس يسألون الفقهاء دائماً عن أحكام دينهم، ويلحظ الفقيه تكرر أسئلة من ألسنة الكثير، فرأى الشيخ أن يضمن هذه الخطبة بعض الأسئلة المتكررة.
следующие страницы →