Полный текст (7 040 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
حكم مسح الوجه بعد الدعاء
السؤال
ما حكم مسح الوجه بعد الدعاء في صلاة التراويح؟
الجواب
هذا لا أصل له، ولا يجوز لأنه بدعة، أما المسح عموماً بعد الدعاء في خارج الصلاة، فقد وردت فيه أحاديث ضعيفة، بعضهم قال: إنها تصل إلى درجة الحديث الحسن لغيره، كما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
стр. 842
حكم قول: "سيدنا" في الصلاة على النبي ﷺ
السؤال
قال شخص في حديثه: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فأنكر عليه آخر، وقال: الصحيح أن تقول: اللهم صلِّ على محمد، فهل هذا الإنكار صحيح؟
الجواب
هذا يعتمد على مكان ورود هذه العبارة، فإن قال: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد" في الصلاة فنقول له: لقد زدت على تشهد النبي ﵊ وعلى ما علمنا؛ لأنه لم يعلمنا لفظ "سيدنا"، فإذاً نحن لا نقولها في هذا الموطن.
لكن لو قالها الإنسان خارج الصلاة فهذا شيء صحيح، ولا يمكن إنكاره، فإن النبي ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم).
فإذاً الإنكار في لفظة "سيدنا" إذا كانت في مكان معين بألفاظ معينة وليست هي فيها كأن يتلفظ بها في الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأخير، فإضافتها بدعة، وإلا فيجوز أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو نقرأ آية الدين ونقول: هذا قرآن فيجوز! فنقول: لا، المسألة ليست أن نقول: هذا كلام صحيح أو غير صحيح؟ ولكن هل ورد هذا الكلام في هذا الحال أو في هذه المناسبة أو لم يرد؟ فلا نبتدع من عندنا ولا نضيف، ولما عطس رجل عند ابن عمر فقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال ابن عمر: وأنا أقول: صلى الله على محمد، لكن ما هكذا علمنا محمد ﷺ .
فإذاً: الزيادة في الأذكار الواردة المحددة من البدع، أما الكلام العادي المفتوح، كأن يقول خطبة، أو يتكلم كلمة ما ويقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وقال: سيدنا محمد ﷺ ، فهذا لا بأس به.
стр. 843
حكم أخذ إجازة اضطرارية للعمرة
السؤال
هل يجوز أخذ إجازة اضطرارية للعمرة؟
الجواب
لا يجوز؛ لأن الإجازة الاضطرارية تُعطى في حالات معينة ليست العمرة منها، فمن قدم إجازة اضطرارية لعمرة فمعنى ذلك أنه قد كذب في دعواه.
стр. 844
وقت صلاة الضحى
السؤال
أريد أن أجلس في المسجد إلى وقت شروق الشمس لأصلي ركعتين، فما هو وقت صلاة الضحى؟
الجواب
إذا ارتفعت الشمس قدر رمح، أي: بعد الإشراق بعشر دقائق أو ربع ساعة، بحيث تكون الشمس قد ارتفعت.
стр. 845
وجود الرقى في الجاهلية
السؤال
هل طلب الكفار للرقية من الصحابة دليل على أن الكفار كانوا يرقون في الجاهلية؟
الجواب
نعم، ولذلك لما طلب ﵊ أن يعرضوا عليه الرقى، قال: لا بأس بها ما لم يكن فيها شرك، فدَّل ذلك على أنهم كانوا يعرفونها في الجاهلية، ولكن كان فيها شرك.
стр. 846
سورة تبارك واقية من عذاب القبر
السؤال
سمعت أن سورة تبارك تدفع عن حافظها عذاب القبر، فهل هذا صحيح؟
الجواب
نعم، تقي صاحبها عذاب القبر، إذا حفظها وراعى معناها، فإنها من أسباب الوقاية من عذاب القبر.
стр. 847
حكم النظر إلى العورة بعد انفصالها
السؤال
قرأت عبارة معناها: كل عضو لا يجوز النظر إليه قبل الانفصال لا يجوز النظر إليه بعده.
الجواب
نعم هذه عبارة مشهورة؛ فمثلاً: عملية فيها استئصال موضع في العورة، فقبل الاستئصال والانفصال لا يجوز النظر إليه، فكذلك لو استئصل هذا الموضع فلا يجوز النظر إليه بعد الاستئصال.
стр. 848
حكم من جاءتها الدورة وهي صائمة
السؤال
ما حكم المرأة الصائمة إذا جاءتها الدورة في منتصف النهار؟
الجواب
بطل صومها، وهي مأجورة إن شاء الله، وعليها أن تفطر، ولكن إذا أخفت هذا عن أعين أولادها الذين لا يفهمون قضيتها، فهو أولى لكي تكون بعيدة عن التهمة.
стр. 849
حكم من ينام عن صلاة الفجر
السؤال
لي أخ ينام قبل الفجر بأقل من ساعة ليقوم إلى عمله الساعة التاسعة، وأحياناً يتسحر ثم ينام، ولا يصلي الفجر، وهو أكبر مني؟
الجواب
لابد أن تنصحه، ومن نصحك له: أن تورد له الأحاديث التي فيها الوعيد لمن أخر الصلاة عن وقتها.
стр. 850
الجمادات تصيبها العين
السؤال
هل تعان الجمادات كالسيارة؟
الجواب
نعم تصيبها العين.
стр. 851
حكم بيع الماء المقروء عليه
السؤال
هل يجوز بيع الماء المقروء فيه؟
الجواب
قد سألت شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز نفع الله بعلمه عن هذه المسألة، فقال: لا يجوز بيع الماء المقروء فيه، وقد حصلت أمور كثيرة من السخافات من بعض هؤلاء الذين يدعون الرقية، فيبيعون الماء ويعملونها تجارة، ويقول: هذا بخمسين، وهذا بمائة، وهذا بخمسمائة، لماذا؟ يقول: هذا مقروء فيه مرة، وهذا ثلاث مرات، وهذا مقروء فيه سبع مرات، وهذا مقروء فيه ثلاثين مرة، فكلما زاد عدد المرات زاد السعر حسب الجودة في السلعة، فيبيعون كلام الله، وبعضهم ما عنده وقت لينفث في الماء، فيوكل من ينفث، ولذلك فإن بعض هؤلاء لا يتقون الله، يكون رجلاً فاشلاً فيريد باب رزق يدخل فيه ويخدع عباد الله.
فلا يجوز بيع الماء المرقي فيه، ولا الزيت أيضاً، لكن يباع على أنه ماء، فسعر الماء معروف، ويباع على أنه زيت فسعر الزيت أيضاً معروف، أما أن يرفع سعره لأنه مقروء فيه، فهذا لا يجوز.
стр. 852
جواز الاغتسال بالماء المرقي فيه في الحمام
السؤال
هل يجوز الاغتسال بالماء المقروء فيه في الحمام، علماً أنه يختلط مع النجاسات؟
الجواب
نعم، لا بأس بذلك، لأنه ليس للماء المقروء فيه القرآن حكم القرآن، ولا الشريط المسجل عليه القرآن حكم المصحف، ولذلك يجوز للجنب والحائض أن يمسا شريط القرآن، وكذلك يجوز أن يغتسل بالماء المرقي فيه في الحمام ولو كان ماء زمزم.
стр. 853
حكم قول: ﵁ للتابعي
السؤال
هل يُقال للتابعي: ﵁؟
الجواب
نعم، من باب الدعاء، ولكن إذا أردنا أن نخص فنخص الصحابة، لقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] وهكذا كان العلماء يترضون عن الصحابة.
стр. 854
حكم بلع النخامة والنخاعة في الصوم
السؤال
النخامة والنخاعة هل تفطر؟
الجواب
إحداهما: تكون من الأنف فتنزل الحلق، والثانية: تكون في الصدر فتصعد إلى الفم، فلا تبلع لا هذه ولا هذه، لكن إذا بلع شيئاً رغماً عنه فليس عليه شيء.
стр. 855
كيفية التعامل مع العائن
السؤال
إذا عُلم أن رجلاً يصيب بالعين، فكيف يتعامل مع هذا الشخص؟
الجواب
الإنسان يحوط نفسه، ويعوذها بالمعوذات والرقى الشرعية (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ثم إن العلماء ﵏ قد ذكروا في أبواب الفقه في مسائل السجن من عرف أنه دائماً يصيب بالعين، فإن على الإمام أو الحاكم أن يحبسه في بيته ويمنعه من الخروج، ويرتب له من بيت المال رزقاً يجرى عليه ليكفي المسلمين شره.
стр. 856
المرأة البحرية
ضمن سلسلة قصص الصحابة في عهد النبوة يذكر الشيخ هذه المرة قصة عظيمة لامرأة عظيمة من فضليات الصحابيات، وهي أسماء بنت عميس، المهاجرة إلى الحبشة، ذاكراً حوارها مع عمر بن الخطاب، مبيناً ما تضمنته هذه القصة من فوائد تربوية ودعوية مهمة.
стр. 857
من فضائل الصحابة
стр. 858
صبرهم وتضحياتهم في سبيل الدين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فلا زلنا -أيها الإخوة- في هذه السلسلة من قصص الصحابة في عهد النبوة؛ نسترشد بسيرتهم، ونطيب أنفسنا بذكرهم وأخبارهم، ونستفيد دروساً عظيمةً من الأحداث والمواقف التي مرت بهم.
أولئك القوم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه محمدٍ ﷺ ، أبر الأمة، وأطهر الأمة، وأفقه الأمة، وأعبد الأمة لله ، أولئك الذين نزل الوحي بينهم، وهم الذين عقلوه ولم يعقل الوحي أحدٌ مثلهم رضوان الله تعالى عليهم، إنهم القوم الذين نستفيد منهم مواقف في العقيدة، مما تحملوه في سبيل الله، وجاهدوا به أعداء الله.
إن واحداً منهم صدع بالقرآن في وجه الكفار فضربوه وآذوه، ولكنه استمر يقرأ القرآن عليهم.
وآخر ينطق بالشهادتين، فيضربونه حتى يسيل منه الدم، فيصير كهيئة النصب الأحمر من كثرة ما سال من دمائه حتى يقع مغشياً عليه.
إنهم ضربوا لنا أمثلة رائعة في الصبر، وكان يقذف بالواحد منهم على الرمال الحارة، وتوضع الصخرة على صدره فلا ينطق إلا بصفة من صفات الله التي تدل على وحدانيته، ورفض الشرك وعبادة الأوثان، وإن الواحد منهم كان يطرح على أسياخ الحديد المحماة، فلا يطفئها إلا الشحم الذي يسيل من ظهره عليها.
وكان الواحد منهم يؤذى ويضرب حتى لا يستطيع أن يستوي قاعداً من شدة الضرب، إنهم الذين ضربوا لنا المُثُلَ في التحمل والصبر على الجوع في سبيل الله، فحوصروا حتى لم يعد الواحد منهم يجد شيئاً يأكله، فيبول فيرتد رشاش بوله من شيء في الأرض، فيأخذه فإذا هو جلد بعيرٍ قد فني منذ مدة وبقي هذا الأثر، يأخذه ليغسله؛ فينقعه ويقتاته أياماً.
ولم يكن للنبي ﷺ وبلال من شيء يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال، وكان للواحد تمرة واحدة في اليوم يقتاتها وهم غزاةٌ في سبيل الله، ينقعونها في الماء يشربونه ويمصها الواحد منهم كما يمص الطفل ثدي أمه، اشتكوا من القلة إلى الله لا إلى خلقه، وصبروا على العيلة والمسكنة، حتى جعل الواحد منهم من قلة الطعام يضغو كما تضغو الشاة، أي كالبعر الصغير تضعه الشاة، فكان الواحد من الصحابة إذا قضى حاجته لا يخرج منه إلا مثل ذلك، لأنهم لم يجدوا شيئاً يأكلونه، حتى ربطوا الحجارة المسطحة بمقدار الكف على بطونهم ليعتدل ظهر الواحد منهم؛ لأن الجوع احناه، ويبرد الحجر حرارة الجوع، ولأن ضغط الحجر على المعدة يؤدي إلى تقليل الإحساس بألم الجوع.
стр. 859
كثرة تعبدهم وحرصهم على نشر الإسلام
وقد تعلمنا منهم دروساً في قيامهم بالليل بالقرآن، كالقراء الذين كانوا يصومون بالنهار ويقومون بالليل يقرءون القرآن، حتى مات وقتل عددٌ منهم في سبيل الله، كالسبعين الذي قتلوا في بئر معونة ﵃، وكان أبو موسى الأشعري يقوم الليل بالقرآن، فيسمعه النبي ﷺ فكأنما أوتي مزماراً من مزامير آل داود؛ والمزمار هو: الصوت الحسن الجميل، وكان ﵊ يعرف صوت الأشعريين بالليل في قراءة القرآن.
فهم الذين تعلمنا منهم الدروس في تلاوة القرآن، وتحسين الصوت به، والقيام به آناء الليل، وصيام النهار، رضوان الله تعالى عليهم.
وهم الذين تعلمنا منهم الحكمة في الدعوة إلى الله ، وكيف أن مصعب بن عمير وعبد الله ابن أم مكتوم ذهبا إلى المدينة ليسلم على أيديهما رؤساء الأوس والخزرج، ويفتح مصعب المدينة بالقرآن، ويمهدها للنبي ﵊، فلم تفتح المدينة بالسيف، إنما فتحت بالقرآن، إنه القرآن الذي يقرأه الدعاة أمثال مصعب وابن أم مكتوم المرسلين من مكة.
стр. 860
حراسة الدين ونقله إلى من بعدهم من المسلمين
وقد تعلمنا منهم مقاومة المنافقين، والكشف عن دسائسهم، حتى كان الغلام منهم يتلقط الأخبار ليأتي بها إلى النبي ﵊، وينزل الله آياتٍ تنبئ عن وفاء أذن هذا الغلام وصدقه، فكانوا صغاراً وكباراً جنوداً للدعوة، حراساً للعقيدة، أمناء على الدين، نقلة لأخبار المنافقين لكي يحذر منهم المؤمنون.
تعلمنا منهم دروساً في مواجهة أعداء الله من اليهود والمشركين، وكيف كانوا يحرسون الخندق بعدما حفروه بأيديهم، ولم يستطع الكفار اقتحام المدينة، ولم يستطع اليهود أن ينالوا من النبي ﷺ ودعوته شيئاً تمنوه، أو أرادوا بلوغه فبلغوه، لأن الصحابة كانوا يحرسون كل ذلك.
وتعلمنا من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم التواضع، تعلمنا منهم العفو، تعلمنا منهم الوقوف عند كتاب الله تعالى، تعلمنا منهم الجرأة في الحق، تعلمنا منهم الأمانة في نقل العلم، والحرص على حفظ الحديث وتأديته، فكم لـ أبي هريرة من الأجر، وأحاديثه في الصحاح والمسانيد والأجزاء الحديثية؛ تتلى وتقرأ في الدروس والخطب والمساجد، وتتناقل، هو الذي نقلها عن النبي ﵊، فله مثل أجر ذلك، وكذلك بقية المكثرين من الرواة كـ عائشة، وأنس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهم رضي الله عن الجميع.
стр. 861
حديث المرأة البحرية
ونحن في هذه الليلة مع قصة من القصص التي حدثت على عهد النبي ﷺ يرويها أبو موسى الأشعري ﵁، يقول: (بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن بـ اليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم -في بضع وخمسين رجلاً من قومه- فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي في الحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا -لأهل السفينة-: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوجة النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: آلحبشية هذه، البحرية هذه -التي ركبت البحر-؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت، وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البضغاء بـ الحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ ، وايم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأساله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ ، قالت: يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا، قال: فما قلتِ له؟ قالت: قلت له كذا وكذا، قال: ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ قال أبو بردة: [فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث منها].
هذا الحديث متفق على صحته؛ رواه الإمامان أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى، والإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري في صحيحيهما.
стр. 862
أهل اليمن خير من يستجيب لدين الحق
يقول أبو موسى الأشعري: (بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن بـ اليمن) يمكن أن يكون المخرج البعثة، ويمكن أن يكون الهجرة، بلغتهم الدعوة فأسلموا وأقاموا ببلاد اليمن، وأهل اليمن سباقون إلى الخيرات، أقاموا ببلادهم إلى أن عرفوا أن الهجرة واجبة، وأنه لا بد من الهجرة، فعزموا عليها، لكن الذي أخرهم إما عدم بلوغ الخبر إليهم، أو عدم علمهم بما كان المسلمون فيه من المحاربة مع الكفار، لم يكن هناك وسائل اتصال في القديم مثل الآن لتعرف الأخبار أول ما تقع، فربما يمكث الواحد شهوراً لا يعرف ماذا يحدث في المكان الآخر، فلما بلغتهم المهادنة طلبوا الوصول إلى النبي ﵊، وربما أنهم مروا بـ مكة في حال مجيئهم إلى المدينة، ويجوز أن يكون هذا المرور في وقت الهدنة بين النبي ﵊ وكفار قريش.
يقول أبو موسى: (أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة -واسمه عامر - وأبو رهم -الثاني واسمه مجديّ بالياء المشددة-) وهؤلاء من الأشعريين من أهل اليمن، وقد صارت هذه الكلمة تطلق بعد ذلك على الأشعريين، وهم غير الأشاعرة، أما الأشاعرة فلهم منهج في العقيدة ليس سوياً ولا مستقيماً، وفيه انحراف عن جادة السلف في الأسماء والصفات، وبعض القضايا الأخرى المتعلقة بالإيمان والقضاء والقدر ونحو ذلك من قضايا العقيدة.
أما الأشعريون فهم قوم من اليمن منهم أبو موسى الأشعري، معه أخوان له، ومعهم ثلاثة وخمسون أو اثنان وخمسون رجلاً من قومهم.
ويقول: فوافقنا جعفر بن أبي طالب أي: اتجهت السفينة من اليمن عن طريق البحر إلى الحبشة، ووافقوا جعفر بن أبي طالب في الحبشة، لأن جعفر بن أبي طالب خرج مع بعض المسلمين مهاجراً من مكة إلى الحبشة لما اشتد عليهم أذى قريش، وقاموا بما يستطيعون من الدعوة هناك، والمحافظة على هذه المجموعة التي ذهبت إلى هناك حتى رجعوا إلى النبي ﵊ بعد خيبر.
فالتقى أبو موسى ومن معه بـ جعفر بن أبي طالب ﵁ ومجموعة المسلمين هناك، وأقاموا معهم حتى هاجروا جميعاً مع جعفراً إلى المدينة، وقد جاء في رواية أن جعفر قال لهم: [إن رسول الله ﷺ بعثنا هنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا] فـ جعفر بن أبي طالب كان مقيماً في الحبشة بناءً على أوامر من النبي ﵊، ولما قدموا المدينة كان مع جعفر بن أبي طالب زوجته أسماء بنت عميس، ومن اليمنيين أبو موسى وجماعته، وجاء خالد بن سعيد بن العاص وامرأته، وأخوه عمر بن سعيد ومعيقيب بن أبي فاطمة.
стр. 863
أسماء بنت عميس تستخرج شهادة بالهجرتين
قال: [فوافقنا النبي ﷺ بعد فتح خيبر مباشرة] وغنائم خيبر كانت فتحاً عظيماً للمسلمين وفكت ضائقة اقتصادية شديدة كانت نازلة بالمسلمين، ومعروف أن الغنائم توزع على من قاتل في المعركة، لكن نظراً للدور العظيم الذي قام به جعفر بن أبي طالب في الحفاظ على هذه المجموعة الإسلامية في الحبشة، وقيامهم بالدعوة هناك، وحكمتهم في دعوة النجاشي، وما حصل من وجود قاعدة إسلامية خلفية احتياطية، رديفة للقاعدة التي كانت موجودة في مكة، بحيث لو ضرب المسلمون في مكة فلا تزال مجموعة في الحبشة باقية، فنظراً لهذا الدور العظيم أشرك النبي هؤلاء المهاجرين في غنائم خيبر؛ مع أنهم ما شهدوا فتح خيبر، ولذلك جاء في رواية في البخاري: [فأسهم لنا ولم يسهم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهدها معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، فإنه قسم لهم معهم].
وكان أناس في المدينة يتباهون أنهم الذين هاجروا مع النبي ﵊، وأنهم حازوا قصب السبق، وأنهم أفضل، منهم عمر بن الخطاب ﵁، فالذي حصل أن أسماء بنت عميس، وهي زوجة جعفر، دخلت على حفصة بنت عمر، وهي زوجة النبي ﷺ ، ثم دخل عمر على بنته يزورها، فوجد أسماء، قال عمر: من هذه المرأة التي عندك؟ فقالت: هذه فلانة، قال: ألحبشية هذه، أو ألبحرية هذه؟ أو البحيرية بالتصغير أما الحبشية، فنسبة لأنها كانت ساكنة في الحبشة، وأما البحرية لركوبها البحر، ثم ذكر عمر أنهم أولى بالنبي ﵊، وأنهم سبقوا بالهجرة، فقالت أسماء بنت عميس: كلا والله وأنتم كنتم عند النبي ﵊ ينفق عليكم ويعلمكم، ونحن كنا صابرين على اللأواء والشدة في دار البعداء البغضاء، جمع بعيد بغيض: البعداء والبغضاء، لأن ذلك كان بلد نصارى، وإذا كان النجاشي أسلم، ومعه قلة قليلة جداً، فالبقية على دين النصارى، لم يسلم قوم النجاشي، لكنه أسلم ﵀، وبقي ملكاً عليهم مطاعاً فيهم، وحصل انشقاق ومعركة، وانتصر النجاشي ومن معه على الجناح المنشق الذي خرج عليه في قصة حضرها الصحابة من بعد، وأرسلوا من يأتي بالخبر سباحة ورجع إليهم، وبالتأكيد أنهم كانوا يدعون الله للنجاشي أن ينتصر، وأن دعوات الصحابة واكبت النجاشي في نصره على من خرج عليه.
فقالت: -ولعمري لقد صدقت- كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعلم جاهلكم، وكنا البعداء والفرداء، قالت بهذه الرواية: نحن كنا هناك صابرين وذلك في الله وفي رسول الله.
وايم الله: وايم اختصار لأيمن الله من اليمين، حلفت أن تخبر النبي ﵊ بما قال عمر، وأخبرت النبي ﵊ بعدما جاء، فأخبرها أنه ليس عمر أولى بي منكم، وأخبرها أن للذين هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة، بينما لهؤلاء هجرتان؛ هجرة إلى النجاشي وهجرة إلى النبي ﷺ .
وبإسناد صحيح للشعبي، قال: قالت أسماء بنت عميس: (يا رسول الله! إن رجالاً يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين).
لأن الله مدح المهاجرين الأولين، فقال عمر: (نحن المهاجرون الأولون أي: وأنتم رتبة ثانية، فقال النبي ﵊: أنتم لكم هجرتان) أي: هاجرتم إلى أرض الحبشة ثم هاجرتم بعد ذلك إلى المدينة.
وفي رواية قال: (للناس هجرة واحدة ولكم هجرتان) قال النبي ﷺ ذلك والصحابة أحرص شيء على الأجر، وهذا شرف عظيم جداً؛ فحصل هناك بين هؤلاء المهاجرين انتعاش وفخر، وفرح وسرور بالغ لا يوصف، حتى أن أهل السفينة جاءوا أفواجاً وأرسالاً، سمعوا أن أسماء بنت عميس أخذت تزكية من النبي ﵊ أن لهم هجرتين، فجاءوا يسألون أسماء فوجاً بعد فوج؛ لأنهم كانوا يحتسبون الأجر، يريدون أن يسمعوا هذه الكلمة.
حتى أبو موسى وهو من كبار رواة الحديث، يأتي بنفسه لـ أسماء بنت عميس يقول: أسمعيني أسمعيني، يطلب منها أن تعيد له الحديث مرة أخرى فرحاً به.
стр. 864
الدروس المستفادة من حديث المرأة البحرية
هذه القصة فيها فوائد متعددة نذكرها فيما يلي:
стр. 865
وفاء اليمنيين وثباتهم على الدين
فمن فوائد هذه القصة أن الإنسان المسلم يبقى وفياً لإسلامه ولو كان في أرضٍ بعيدة، فلقد بقي المسلمون في اليمن فترة من الزمن وأخبار المسلمين عنهم منقطعة، لكن انقطاع الأخبار لا يعني انتكاساً ولا ردةً ولا تغيير موقف، بل ثبات على الدين، نعم وصول ما استجد من وحي وما نزل من سور في مكة، أو الأخبار من النبي ﵊ لا شك أن ذلك يزيد الإيمان، لكن لو ما وصلت فهم على العهد باقون، وعلى الدين ثابتون، لأنهم أناس مؤمنون دخلوا في دين الله لا لشخص، وهم مستمرون على عقيدتهم وعلى دينهم يعبدون الله بما وصلهم، وبحسب ما عندهم من العلم، وهكذا الإنسان لو ذهب إلى بلدٍ بعيدة.
стр. 866
الثبات على الدين في بلاد الغربة
ودرس آخر نستفيده من وجود المسلمين في الحبشة، وهو لو أن أحداً ذهب إلى أمريكا أو أوروبا أو بلاد المشرق في أقصى الأرض وهو مسلم، فهو لا يزال على صلاته يؤديها في أوقاتها بالطهارة والخشوع، ولا زال معه مصحفه يقرأ فيه، ولا زال مع العلم الذي تعلمه، ولا زال يذكر الله كثيراً، ولازال يدعو الله، وهكذا لا يزال مع إخوانه المسلمين قدر الإمكان.
إذاً: فالثبات على الدين حتى في بلاد الغربة درس عظيم يستفاد من هذه القصة.
стр. 867
التضحية لأجل الدين والعمل وفق مصلحته
كذلك أن التحرك لأجل الدين ينبغي أن يكون نابعاً من مصلحة الدين لا مصلحة الأشخاص، هؤلاء الناس بقاؤهم في بلدهم في اليمن من ناحية الدنيا أحسن، فقد تكون لهم مزارع، وعندهم عقار، وبيوت وأهل وقبيلة، بلاد اليمن بلاد خير عظيم لا تقارن بما كان عليه المسلمون من الشدة، ومع ذلك تركوا بلادهم مهاجرين.
إن ترك البلد التي فيها خير ونعيم لأجل الله ليست مسألة سهلة؛ فأن يترك الإنسان بيته ويذهب إلى مكان بدون بيت، ويترك زرعه وثمره يذهب إلى مكان لا يجد فيه ثماراً ولا يجد فيه إلا أشياء يسيرة يعد تضحية جسيمة، أين اليمن بخيراتها في ذلك الوقت مما كان يوجد في المدينة مثلاً؟ خيرات اليمن أكثر بكثير، ولذلك فإن ترك هؤلاء بلدهم لله ثمنه عظيم، وقدره كبير عند الله ، فبعض الناس قد يترك بلده وفيها فقر؛ لكن الذي حصل هنا عكس ذلك؛ فإنهم تركوا بلد الخيرات الدنيوية لأجل خير الآخرة.
стр. 868
المخاطرة لأجل الدين
كذلك في هذا الحديث: المخاطرة لأجل الدين، فركوب البحر خطر عظيم؛ خاصة أن القوارب أو السفن كانت بدائية في ذلك الوقت، واحتمال هيجان الأمواج في البحر كبير، وحصل لعدد من العلماء من اليمن إلى جدة رحلات بحرية ذكروها وذكروا الأخطار التي فيها، حتى ذكر الشيخ صديق حسن خان ﵀ رحلةً بحرية من اليمن إلى جدة لأجل الحج، وذكر ما حصل من تلاطم الأمواج بالسفينة التي كانوا فيها حتى أوشكت على الغرق، ورأى بعض الناس في خضم هذه الأهوال بدلاً من أن يقولوا: يا الله أنقذنا، كل واحد منهم جعل ينادي الولي الذي يفزع إليه في وقت الشدة، يا عيدروس المدد المدد، يا بدوي المدد المدد، يا جيلاني المدد المدد، يا شاذلي أدركنا وهكذا، حتى أن أحد الموحدين قال: اللهم أغرق أغرق فما بقي أحدٌ يعرفك! كل واحد فزع إلى ولي وإلى بشر، وتركوا الله، ولذلك فإن مشركي عصرنا أسوء من مشركي قريش، أولئك إذا ركبوا في الفلك واضطربت الأمواج دعوا الله مخلصين له الدين، وهؤلاء لما ركبوا في الفلك واضطربت بهم الأمواج قالوا: يا فلان يا فلان، وتركوا الله .
فركوب البحر إذاً خطير، ومع ذلك ركبوا البحر مع كون الوسائل بدائية، ركبوه لله وفي سبيل الله، فالإنسان في سبيل الدين يخاطر، لكن عندما تكون المصلحة متحققة، فإنه قد صدرت أوامر إلى المسلمين بالهجرة.
وركب المسلمون البحر للجهاد، والغازي في البحر أعظم من الغازي في البر، لأن الغزو في البحر فيه خطورة، وأجره أكثر، وقد طلبت إحدى النساء المسلمات من النبي ﵊ أن يدعو لها أن تكون شهيدة في البحر، وقد كان ذلك فعلاً في غزوة في البحر رضي الله تعالى عنها، بايعت النبي ﵊ واستشهدت، واستيقظ النبي ﵊ يضحك، ورأى قوماً من أمته كالملوك على الأسرة يركبون ثبج البحر للجهاد في سبيل الله، هذه الجزر الموجودة كجزيرة قبرص وغيرها من الجزر فتحها المسلمون وعبروا منها إلى الأندلس، ركبوا البحر في سبيل الله وتفوقوا وانتصروا على الكفار.
فإذاً ركوب البحر على المخاطرة التي فيه أجره أعظم ولا شك.
стр. 869
جواز تحدث المرء وفخره بنعمة الله ما لم يكن عجباً
كذلك من فوائد هذا الحديث أنه يحق للإنسان أن يفتخر بالمزية الشرعية؛ ما لم يكن في ذلك كبرٌ أو عجب، بشرط أن يكون هذا الافتخار صحيحاً، أي: أن تكون له ميزة صحيحة، وأن ذلك من التحدث بنعمة الله ومن الفرح بثواب الله .
стр. 870
انتقاء المكان المناسب للفرار بالدين
وكذلك في هذا الحديث: انتقاء المكان المناسب للفرار بالدين، فإن النبي ﵊ وجه أصحابه إلى الحبشة وقال: (إن فيها ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد).
والنجاشي كان عند ظن النبي ﵊، فحماهم وحافظ عليهم وأكرمهم، وأسلم، ولكن قيل إنه كان متكتماً على إسلامه عن قومه، كان يخشى لو أظهر إسلامه أن يخرجوا عليه، بل قد خرجوا عليه، ولكن الله نصره بمن معه على من انشق عنه وخرج عليه، لكن قال بعض أهل العلم كـ النووي ﵀: إن النجاشي كان مستسراً بإسلامه عن قومه.
والعبرة أن الأسباب التي أدت إلى اختيار الحبشة هي وجود ذلك الحاكم الذي يعدل ولا يظلم، وهكذا حصل وجود قاعدة مهمة للمسلمين في ذلك المكان.
стр. 871
أن المسلم كالغيث أينما وقع نفع
ولم يقصر الصحابة في الدعوة في بلاد الغربة، وهذه فائدة أخرى، أن الإنسان إذا ذهب إلى بلد غربة وإن كان ضعيفاً، أو كان علمه قليلاً، وقد لا يجد مدداً من إخوانه، والعلماء والمشايخ ونحو ذلك، لكن هل يمنعه ذلك من الدعوة؟ بعض الناس إذا ذهب إلى الخارج انكفأ على نفسه وانزوى، وشعر بالوحشة والغربة فلا يفعل شيئاً للدين، لكن هؤلاء الصحابة لما هاجروا إلى الحبشة مع أنها أرض بعداء وبغضاء وكفارٍ نصارى، لكن اشتغلوا بالدعوة؛ واشتغلوا مع رأس الهرم، ومع القمة، ومع الأحبار والرهبان والقساوسة الذين كانوا مع النجاشي؛ يدعون إلى الله، يعبدون الله في تلك الأرض.
стр. 872
على المسلم المضطهد أن يهاجر
ففيه أن الإنسان إذا ضيق عليه في دينه فعليه ألا يبقى في مكان لا يستطيع أن يقيم فيه شعائر الدين، وهذه مسألة مهمة جداً، أن إذا وجد الإنسان بأرض لا يستطيع أن يجهر فيها أو يظهر شعائر الدين؛ فلا صلاة ولا أذان، فلينتقل عنها: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧] فالمرء غير معذور بالإقامة في بلد لا يستطيع أن يصلي فيها أو لا يستطيع أن يقيم شعائر الإسلام فيها، فعند ذلك يتركها إلى بلد آخر أرحم وأرحب: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] مراغماً يعني: يرغم أنوف الذين أخرجوه، فإن إظهار شعائر الدين مسألة مهمة؛ فهي حياة للدين، ونشر له، وإقامة لشعائره كالأذان، وإقامة الصلاة، وحتى صلاة العيدين، وعلى الأقليات الإسلامية في الخارج ألا يصلوا العيد في أماكن مغلقة، بل يخرجوا إلى الصحراء، وتخرج معهم النساء والحيض وذوات الخدور ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويكون بذلك إظهار الدين، لأن إظهار الدين يلفت الأنظار، وفعل ذلك أبو بكر الصديق، فإنه ابتنى مسجداً بفناء داره، فجعل يقرأ القرآن والناس في الشارع يمرون، فجعل أبناء المشركين ونساؤهم يتجمعون للسماع؛ لأن إعلان صوت الحق مهم في الدعوة، بل كيف يعرف الكافر أن هنا ديناً وإسلاماً إذا لم تعلن الشعائر؟ ولذلك إذا تعذر إقامة الشعائر في بلد فعلى المرء أن يهاجر وأرض الله واسعة رحيبة: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] فإذا خرج إلى أرض أخرى، أرغم أنوف الذين ضيقوا عليه في ذلك البلد، حتى يتمنوا لو قتل بل ربما يندمون على إخراجه، فيقولون: ذهب من بين أيدينا.
ثم قد يلاحقونه ويطالبون به، ويريدون بأي طريقة إعادته من الغيظ الذي أصابهم حين انفلت من بين أيديهم، والله قد تكفل بالعون لمن هاجر في سبيله، وأن يغنيه وينصره ويحميه ويحفظه، والذي يبقى تحت حكم الكفار غير معلن للدين حتى يموت أو يموت دينه، تقول له الملائكة عند الوفاة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] لماذا لم تهاجروا؟
стр. 873
اختلاف أوضاع المسلمين والأجر على قدر الصبر
وكذلك من دروس هذه القصة: أن حال بعض المسلمين أهون من بعض، وبعض المسلمين حالهم أشد من بعض، فلما قارنت أسماء بنت عميس وضعها الذي كانت فيه هي والمسلمين في الحبشة، مع وضع عمر بن الخطاب والمسلمين في المدينة، قالت: [معكم رسول الله يطعم جائعكم] مما يأتي من الصدقات والغنائم [ويعظ جاهلكم] أي: وعندكم مصدر العلم، وكنا صابرين في دار البعداء والبغضاء، فصَبْرُنا أعظم وأشد، فالآن لو قارنت أوضاع المسلمين في العالم لوجدتها تختلف في الشدة واليسر، ومادام كل واحد في مكانه يؤدي دوراً، فالثواب على قدر النصب، فنحن هنا عندنا أموال وخيرات، وعندنا أثاث ومتاع، وعندنا بيوت وسيارات، وفي بعض البلدان لا يوجد ذلك أبداً، بل هم حفاة عراة، بل لا بيوت لهم ولا سيارات، ما وجد بعض المسلمين في الصومال إلا الأشجار يتسلق عليها من الفيضانات، ويتعلقون بأغصانها، وإذا سقط الولد انتهى، لأنه موضوع على نصف الشجرة، والمياه عميقة، ولا يمكن لوالديه أن يرداه وإلا غرقا معه، فلا يقارن وضع هؤلاء بوضعنا في بيوتنا، وفي عمائرنا، وشققنا، وفللنا، ولا صبرهم على اللأواء والشدة بصبرنا نحن؟ وكذلك من أراد منا أن يذهب إلى درس في المسجد حرك السيارة بسرعة ووصل، لكن في بلدان أخرى لا توجد معهم سيارات، والحافلات مزدحمة فلا يصل إلا بعد ساعة أو ساعات، إذاً الأوضاع ليست سواء.
وحتى بالنسبة للطعام واللباس، أحياناً الواحد يقول: كنت مرة قد أعطيت بعض الإخوان كتاب (أربعون نصيحة لإصلاح البيوت) كتيب صغير، قلت: هذا خذوه معكم إلى تلك البلاد ووزعوه، قالوا: لا توجد بيوت حتى تصلح، الناس في البراري والقفار، لا يوجد مكان يعيش فيه هؤلاء، ثم تقول: اجعل مكتبة صوتية في بيتك فيقول: لا يوجد مسجلات أصلاً ولا أشرطة وضع مأساوي! إذاً نحن قد نتكلم أحياناً في الدعوة، ونتكلم على مستوى الإمكاناتُ فيه موجودة ومتوفرة، لكن بعض المسلمين ما عندهم إمكانات مطلقاً.
وتقول مثلاً: وطالب العلم إذا ما وجد شيخاً فليسمع أشرطة المشايخ، يقول: لكن ليس عندهم مسجلات أصلاً حتى يسمعوا أشرطة مشايخ، فلما قالت أسماء: أنتم مع النبي ﵊ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، ونحن في أرض البعداء والبغضاء، الإمكانات إذاً في بلاد المسلمين تختلف، ولما صبرت أسماء بنت عميس ومن معها حازوا هجرتين بسبب صبرهم والشدة التي عانوها.
فإذاً كل مسلم يصبر في المكان الذي هو فيه حسبما تقتضيه المصلحة الشرعية، وأجره يكون على حسب صبره، وربما يكون لبعض المسلمين من الأجر أكثر بكثيرٍ مما لنا نحن؛ لأن الإمكانات لدينا متوفرة؛ من خيرات وأموال وأوضاع مادية جيدة، وألوان من الطعام والأثاث ونحو ذلك.
стр. 874
الرجوع إلى أهل العلم عند الاختلاف
كذلك من دروس هذه القصة: أنه إذا حصل خلاف علمي فالمرجع إلى أهل العلم، فالآن حصل خلاف علمي بين أسماء بنت عميس وعمر بن الخطاب، في أي الفريقين خيرٌ وأفضل، فقال عمر: نحن هاجرنا مع النبي ﵊، وأنتم ذهبتم إلى الحبشة، فنحن أولى به، فتقول أسماء: وايم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلته لرسول الله ﷺ ، فالمرجع للخلاف لأهل العلم.
стр. 875
الأمانة في النقل
درسٌ آخر: الأمانة في نقل الخلاف والسؤال، ومع الأسف أنه إذا وقع اليوم خلاف في مسألة علمية، فكل واحد ينقلها إلى الشيخ بطريقة تختلف عن الآخر، وتجد تحريفاً حسب هوى الشخص، فتقول أسماء ﵂: [وسأذكر ذلك للنبي ﷺ وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه] سأنقل الحوار بالضبط كما حصل، وأسأله عن رأيه فيه لا أزيد ولا أزيغ ولا أكذب، وهكذا حصل وسألت النبي ﷺ ، قالت: [يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا].
стр. 876
على المفتي أن يتثبت ويستوفي السؤال
وهنا درس للمفتي: فإن النبي ﷺ قال لها: (فما قلت له؟) يريد أن يعرف أيضاً ماذا قالت هي، وما هو رأيها فيه أيضاً، قالت: [قلت له: كذا وكذا] وذلك لاستطلاع رأي الطرف الآخر واكتشاف الأشخاص والفهم الموجود لديهم.
وكذلك في هذا الحديث: الفيصل الذي يخرج من كلام العالم ليحسم الخلاف، لأن بعض الناس يقولون: نرجع للعالم، ثم يختلفون بعد ذلك، فبعضهم يفسر كلامه، ويقول: لعله ما فهم، أو لعلك ما فهمت الشيخ، نعم قد يكون هناك تقصير في الشرح، ولكن بعض الناس يرفض الفتوى لأنها تخالف هواه، فيقول: لا، وربما أنك ما سألته بشكل سليم، وما شرحت القضية كما حصلت، فهناك شجار وخصومات، وأحياناً تكون الفتوى مكتوبة مطبوعة ومع ذلك يقولون: لا.
وفيها كذا وكذا، أما هنا فكلام النبي ﷺ فصل في القضية، ولا أحد يعترض ويورد الإيرادات ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
стр. 877
فرح الصحابة بما يقربهم من الله
كذلك من دروس هذه القصة: فرح الصحابة رضوان الله عليهم بخبر الأجر والمنزلة التي لهم عند الله، (وهذه عاجل بشرى المؤمن) ولذلك من شدة فرح أهل السفينة أن جاءوا أفواجاً يسألون ويستعيدون الحديث من أسماء.
ودرس في تواضع أبي موسى الأشعري فما قال: أنا أفقه من أسماء، وأنا رجل وهي امرأة؛ فأرسل إليها ولدي الصغير ليأتيني بالكلام.
لا ذهب هو بنفسه: [فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني] ولقد عبرت عن الفرح بتلك الكلمات: [ما من الدنيا شيءٌ هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ ].
стр. 878
إشراك الأقرباء فيما فيه خير
وكذلك في هذا الحديث: أن الإنسان يشرك أهل بيته في الأجر، فلقد خرج أبو موسى وأخواه، أبو رهم، وأبو بردة، والله تعالى إذا أراد لأهل بيت خيراً جعلهم شركاء في الدعوة، شركاء في طلب العلم، شركاء في الخير، يحضرون مجالس الخير، ثلاثة إخوة خرجوا من بيت واحد مهاجرين إلى الله ورسوله، فالإنسان عليه أن يحرص على إشراك إخوته، وأولى الناس الأشقاء، كانت منة موسى على هارون عظيمة لما طلب من الله أن يجعله نبياً معه حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢] وصار نبياً مع موسى.
стр. 879
التقيد بالأوامر والتعليمات
وكذلك في هذا الحديث: أن على الإنسان أن يتقيد بالتعليمات التي جاءته في الله وفي سبيل الله من أهل العلم، فإن جعفراً ﵁ قال لـ أبي موسى ومن معه: [أقيموا معنا] أي: فإن النبي ﵊ أرسل إلينا أن نجلس هنا فنقيم، فأنتم أيضاً أقيموا معنا، وهذا ما حصل، فالتزموا بذلك، وكان جعفر ﵁ سيداً حكيماً جليلاً، وهو الذي قاد دفة المسلمين، وكان رباناً ماهراً في بحار بلاد الكفر في الحبشة، وكانوا جرآء في الحق، ولعل جرأتهم كانت سبباً في هداية النجاشي رحمه الله تعالى، فقد أجمعوا أن يقولوا الصدق، وما يعتقدونه حقاً في عيسى ومريم.
стр. 880
إكرام أهل السبق
وكذلك في هذا الحديث: إكرام أهل السبق، فمع أنهم ما حضروا المعركة لكن النبي ﵊ أشركهم، اعترافاً لأهل الفضل بفضلهم، والمواقف تقدر، ومن لم يقدر المواقف خسر الأشخاص، فالنبي ﵊ أكرمهم وجعلهم مع أهل الغنائم، مع أنهم لم يشتركوا في المعركة؛ لِمَا صبروا، ولحاجتهم رضوان الله تعالى عليهم.
هذه طائفة من الدروس التي اشتملت عليها القصة، نسأل الله أن يجعلنا ممن يحب الصحابة، ويقتدي بهم، ويهتدي بهديهم رضي الله تعالى عنهم.
следующие страницы →