Полный текст (7 040 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
ثغرات في جوانب أخرى في بيوت الدعاة
стр. 807
التقصير في إصلاح مَنْ في البيت
وننبه أيضاً هنا على مسائل وهي: بالنسبة للشباب الذين يدعون إلى الله من غير المتزوجين، ماذا لهم في هذا الموضوع؟ فهو ليس صاحب زوجة ولا أولاد، وليس صاحب بيت مستقل، نقول: إنه ليس بمعفو من المسئولية، فإن الله قال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] ولا شك أن أباه وأمه، وإخوته وأخواته من أهله، فإذاً ماذا فعل من أجلهم؟ كم تكلف في إصلاح بيته الذي يسكن فيه؟ نعم، قد لا يملك في البيت السلطة الكاملة، فيكون في موقفه ضعف، وقد يكون مبتلى بأخٍ أكبر منه هو الذي يسيطر، أو أب فاسق، أو أم سيئة، أو أخوات عاصيات، نعم.
هذا موجود! وهو يحتاج من وقتٍ لآخر أن يزوره إخوانه في بيته، فإذا زاروه في بيته وجد الحرج والضيق، البيت فيه ملاهٍ محرمة، البيت يخرج منه ويدخل فيه نساء متبرجات، البيت يسمع فيه صوت الموسيقى، كيف سيدخل إخوانه إلى بيته، إذاً يعسر عليه أن يستضيف أخاً له أو يدعوه إلى طعامٍ ونحو ذلك، لا شك أنه سيتعرض لمشقةٍ كبيرة، لكن يبقى السؤال باستمرار: ماذا قدم الشاب لأهله؟ ماذا قدم لبيته؟ هل هو من النوع الذي يذهب مع أصدقائه وأصحابه ويهمل أمر بيته تماماً ويقول: هذا شيءٌ ميئوسٌ منه،! أبي ميئوسٌ منه، أمي ميئوسٌ منها، إخواني ميئوسٌ منهم، أخواتي ميئوسٌ منهن، ولا يقدم شيئاً؟ إذا كان كذلك فليعلم أن هذا خطأٌ كبير، ونقول: هل جربت؟ هل أصررت؟ هل كنت حكيماً؟ هل اتبعت الوسائل الناجحة؟ لا شك أن كثيراً من الشباب مقصرون في بيوتهم، ولا شك أن ذلك ينعكس عليه في حياته الدعوية، لأنه يشعر أحياناً أنه كالمطرود من بيته، خاصة الذي يعيش حالة شتات وخصومة بينه وبين والديه وإخوانه، صحيح أنه يجد في إخوانه في الدين ملاذاً ومهرباً من مشكلاته البيتية، لكن ليس الحل الصحيح أن يهرب من أهله إلى إخوانه، لا بد أن يواجه الواقع، لو حاول ولم يكتب الله له النجاح لقلنا: قد فعل ما عليه وترك ذلك المكان الذي يعج بالمعاصي إلى وسط إخوانه المعمور بالطاعات، هذا أمرٌ حسن، لكن العتب على الذين لم يقدموا شيئاً؛ حتى أنه لا يستطيع أن يستغل بيته في خدمة الدعوة إلى الله.
стр. 808
غياب الأخلاق
ومن الثغرات أيضاً: ثغرة الأخلاق، وغياب الرأفة والرحمة والمودة في البيت؛ إذا دخل البيت سكت الجميع؛ خافوا وهابوا؛ قام الجالس واستيقظ النائم، ربما يكون له أولاد لا يقبلهم، كما قال ذلك رجل للنبي ﷺ : تقبلون صبيانكم! إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم، قال: (أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك) والنبي ﷺ كان يقبل الصبيان ويضاحكهم ويمازحهم، ويحملهم في الصلاة، ويطيل السجود حتى يأخذ الولد حظه من الركوب، إذاً مسألة الأخلاق من الثغرات التي تجعل البيت غير مريح، الجلوس فيه غير مريح، المعيشة فيه غير مريحة، إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق، وهذا بيتٌ لا رفق فيه؛ البيت كله زعيقٌ وصياح، البيت كله شقاق وخلاف، فلا شك أن هذا سينعكس بالتأكيد على نفسيته وهو يدعو إلى الله .
стр. 809
مشكلة الخدم والسائقين
من الثغرات الموجودة أيها الأخوة: مسألة الخدم والسائقين؛ هذه القضية كنا نتكلم عنها في بعض المرات، ويشعر الإنسان أنه يوجه كلامه إلى العامة الذين يأتون بالخادمة بغير محرم، أو جاء بخادمة كافرة أو سائق ليس في مكانٍ منفصلٍ عن البيت، لكن الإنسان يفاجأ بأناسٍ يظن فيهم الفضل والخير يدخلون بيوتهم هذه الخادمة بفتنتها، وليس بالضوابط الشرعية؛ فالخلوة موجودة، الكشف موجود، وإذا ذهبت زوجته للعلم نام هو في البيت ويقول: ماذا أفعل أأنام خارج البيت؟ جاء قبل أن تأتي زوجته من الدوام فجلس في البيت، إذاً هناك عدم تقوى لله في هذه المسائل، وكأنه يظن أن الذهاب إلى مجالس الطيبين، والقيام ببعض الأنشطة الخيرية، وحضور بعض الدروس هو المهم وهو لب الموضوع، وأما بقاؤه في البيت مع الخادمة بمفردهما ليس شيئاً ذا أهمية فلا يعيره اهتمامه.
وأقول: لا بد أن يوازن الإنسان في قضية دخول هؤلاء الخدم، هل هي بالضوابط الشرعية فعلاً أم لا؟ وحتى لو كانت بالضوابط أحياناً يكون تقييداً شديداً له لا يستطيع أن يتحرك ولا أن يتنقل، لأنه لا بد أن يتأكد أنها متحجبة، وأنها غير موجودة في الطريق ونحو ذلك، ولذلك يعيش حياةً فيها صعوبة من هذه الجهة.
فإذاً نعود لمسألة التأكيد على قضية الضوابط الشرعية.
стр. 810
ضعف الداعية أمام العادات المخالفة
ومن الثغرات الموجودة في البيوت أيضاً: الضعف أمام العادات الاجتماعية المخالفة للشريعة، وأول ما يبدأ بأشياء فيها تشبُّه بالكفار، ويرضى أن يكون في حفلة زواج فيها منكرات كالدبلة، وغير ذلك من علب الفضة؛ إلى وجود الفرقة الغنائية عند النساء؛ إلى آخره من أنواع المنكرات، وحتى يشترك في الزفة، وهذا محسوب على الدعاة الملتزمين، يشترك الشخص في الزفة ويدخل يصافح الحريم، وتؤخذ له الصورة فأين الدعوة التي يزعم أنه يمارسها.
стр. 811
وجود بعض المحرمات في البيوت كالملاهي
من الثغرات الموجودة أيضاً في بيوتنا أو بيوت الدعاة، ونسأل الله أن يحفظ بيوتنا جميعاً منها: مسألة الملاهي المحرمة، والوسائل المرئية أو المقروءة أو المسموعة المشتملة على الحرام، ولا شك في حرمتها وفسادها، وإفسادها واضحٌ جداً، فمناظر الاختلاط في هذه الوسائل موجودة، الحرب على الدين موجود، الاستهزاء بالمتدينين موجود؛ تعرض التمثيليات من أجل ذلك، والإعلانات التجارية وما فيها من المنكرات، وما يتفرج عليه الأولاد من أفلام؛ حتى أفلام الكرتون ما سلمت من الشرور والمفاسد، التي فيها إضرارٌ بالعقيدة ونحو ذلك! الصور المحرمة، الأدوات الموسيقية، الألعاب؛ حتى ألعاب الأطفال يهمل البعض في إدخالها إلى البيت وقد تكون فيها صلبان، أو فيها نرد وهو محرم، أو فيها بطاقات ألعاب فيها سحب من البنوك واقتراض بفوائد، أو الأصنام ذات الرءوس، وألعاب الكمبيوتر المحرمة، وربما يوجد فيها مناظر للنساء متعريات، ولدٌ يقبل بنتاً في ألعاب الكمبيوتر، وصور الكنائس، وربما أدخل الكمبيوتر على شاشة التلفزيون فيؤدي إلى رؤية أولاده لهذا في غيابه، وحتى عدم مراعاة الأضرار الصحية، حتى اضطرت شركات ألعاب الكمبيوتر الكتابة على الأجهزة؛ مثل شركة ناين تيندو وغيرها من الشركات تقول: إن الإدمان أو الإكثار من اللعب بهذه الألعاب هو من أسباب مرض الصرع عند الأطفال، وهذا واضح، ولذلك تجد عدداً من أطفال هؤلاء الدعاة ربما انهمكوا فيها، فتجد الولد عصبي المزاج من كثرة إدمانه على هذه الألعاب.
فأقول: حتى بعض الأشياء التي ليس فيها منكرات قد يكون في الإدمان عليها أضرار صحية يحولها إلى منكرات، ولذلك يجب أن يكون اللعب بقدر محدود في مثل هذه الأشياء، لماذا لا يأتي لهم بألعاب التصويب والتهديف، أو الفك والتركيب، أو الألعاب العضلية، ويلعب بها هو معهم؛ كلعبة الكراسي ولعب الكرة، أو يأتي لهم بآلاتٍ متحركة، أو ببعض البرامج المفيدة: تربية الحيوانات، الدراجة، الأرجوحة؟ والمقصود أن هناك بدائل شرعية عن هذه الألعاب المحرمة الموجودة في السوق، وأشرطة الأناشيد التي ليس فيها محظورات من الميوعة في الألحان، ومطابقة ألحان الأغاني، وحتى الدمى هذه التي يعلب بها البنات ينبغي أن تكون مطابقة للشريعة، فإن بعض العلماء يحذر من هذه الدمى البلاستيكية متقنة الصنع، التي ربما تتكلم وتمشي وتتحدث، وتفتح عينيها وتغمضها، بل سمعنا من الطامات الآن أنه يوجد بعض المحلات الخاصة ببيع ملابس عرائس الأطفال، هذا محل يبيع ملابس باربي، هذا محل يبيع ملابس شنطة، الشنطة بكذا، والحزام بكذا، والملابس بكذا، محلات خاصة ببيع ملابس عرائس الأطفال، وتنفق فيها الأموال، وتهدر هذه الأموال التي ينبغي أن تذهب لمنفعة المسلمين.
ثم ينبغي على الداعية أيضاً أن ينتبه لمسألة البديل، قد لا يوجد بديل في بعض الأشياء، فلا يلزم أن يوجد بديل لكل شيء، قد يكون الشيء محرماً بالكيلة لا يوجد له بديل فيلغى، يعني: إذا وجدت موسيقى هل هناك موسيقى إسلامية، وإذا وجد رقص فلا يوجد رقص إسلامي، فمثل هذه الأشياء التي توجد عند بعض الناس الذين لديهم أشياء من الجرأة والعقلانيات، لا شك أن هذا من منهج المنحرفين في مثل هذه الموضوعات.
стр. 812
مجاراة الناس والوقوع في الشبهات
ثم من الثغرات الموجودة في بيوت الدعاة إلى الله وقوعهم في المجاراة لغيرهم من الناس، فإذا أتى جاره بشيء أتى بمثله ولو محرماً، إذا طلبت منه زوجته أشياء محرمة أتى بها تحت الضغط، وكذلك إذا ألح عليه أولاده، وبعض الدعاة إلى الله يقعون في الشبهات، والشيطان ينفذ من باب الشبهات لإيقاعهم في المحرمات؛ وربما قال: آتي لهم بشاشة في البداية على غير محرم، ثم يحدث التوسع بعد ذلك في قضايا أخرى، لأنه غير قادر على الضبط، ويعتمد البعض على بعض الخلافات الفقهية ويقول: يوجد مشايخ أفتوا بالإباحة مثلاً؛ مع أن قوله مرجوح، والمفروض أن يكون هذا طالب علم يعلم بالراجح ويعمل بالدليل، ولا يتتبع الرخص، لكن مع الأسف ربما يُعلِّم غيره أشياء ويقع هو فيها.
ثم هناك التنازلات التي تحدث في العلاقات الاجتماعية، وهو ربما لو طلب منه أبوه أن يصافح زوجة أخيه أقدم على ذلك، ويتساهل في كشف زوجته على إخوانه، وكشف الإخوان على زوجته، وكشف زوجات إخوانه عليه، ونحو ذلك، وهذا يقع في البيوت التي يسكن فيها مجموعة من العوائل في بيت واحد.
وكذلك أيضاً لا بد أن ينتبه الداعية مما يدخل إلى بيته من المقالات أو المجلات أو الكتب، قد يكون بعضها فيه فوائد؛ لكن أيضاً فيه محرمات، وربما زوجتة تطلع عليها وتقرأ فيها، كتب بعض الدارسين للطب مثلاً يوجد فيها صور مشينة، فينبغي الحذر من ذلك، بعضهم قد يأتي بمقالات لمجلات أجنبية في موضوعات متخصصة قد يحتاج إليها أحياناً، لكن فيها أشياء سيئة لا يهتم بطمسها ولا بإزالتها، أو على الأقل بإبعادها عن متناول أيدي الزوجة والأطفال، وبعضهم يأتي بالمجلات والجرائد إلى البيت وقد يزعم أنه يريد أن يتتبع الأخبار، ثم يفاجأ بزوجته وأولاده يقرءون هذه الأشياء وفيها من السموم ما فيها.
стр. 813
التوسع في المباحات
ثم من الثغرات الموجودة في بيوت بعض الدعاة إلى الله : التوسع في المباحات توسعاً ملهياً، بل هو من مداخل الشيطان، فإن الشيطان يشغل الإنسان بالمباح عن الطاعة والعبادة؛ تجديد الأثاث، التزويق في البيت، الصف في الأسواق فترات طويلة ليشتري هذه وهذه، هذا يزعم أنه داعية إلى الله وأنه طالب علم و، أو ربما تكون زوجته كذلك، ثم يكون اللف والدوران في الأسواق على النجف والمزهريات والسجاد العجمي، فأين التقشف وأين ما ينبغي أن يكون عليه من الزهد في بيته؟ تجد فيه الزخارف بأنواعها، والنبي ﵊ حذر من البيت المزوق، وبعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم رجع من البيت الذي كسي جداره من أجل ما فيه؛ فإنه قد جاء عن سهل بن عبد الله بن عمر: أعرست في عهد أبي، فآذن أبي الناس فكان أبو أيوب فيمن آذن، وقد ستروا بيتي بنجادٍ أخضر، فأقبل أبو أيوب فاطلع فرآه فقال: يا عبد الله: تسترون الجدر، فقال أبي واستحيا: غلبنا النساء يا أبا أيوب فقال: من خشيت أن تغلبه النساء يعني: ما أتوقع أن يغلبنك، فرجع ولم يدخل.
فإذن يوجد هناك توسع في المباحات وكثير منه يكون بسبب مجاراة الآخرين، يدخل بيوت الناس يرى فيها تزويقاً فيريد أن يجعل ذلك في بيته، وعند فلان مزخرفات يريد أن يجعل ذلك في بيته، وزوجته تدخل بيوت نساء وتجد عندهن نجفاً وتحفاً فتطلب مثل ذلك في بيتها وهو يستجيب، إن النبي ﷺ كان يحارب ذلك حتى في بيوته، وفي بيت فاطمة بنته؛ أتى النبي ﷺ بيت فاطمة فلم يدخل عليها، وجاء عليٌ فذكرت له ذلك، فذكره للنبي ﷺ وقال: لماذا لم تدخل إلى بيتنا يا رسول الله؟ قال: (إني رأيت على بابها ستراً موشياً؛ ثم قال: مالي وللدنيا! فأتاها عليٌ فذكر لها ذلك، فقالت: يأمرني فيه بما شاء قال: ترسل به إلى فلان أهل بيتٍ بهم حاجة) فقد لا يكون محرماً ولو كان محرماً لما جاز أن تعطيه إلى غيرها، لكنه ﵊ لا يرضى بهذه الأشياء لأهله، وكان بيته ﷺ متواضعاً، كما قال عمر ﵁: رفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر غير أهب ثلاثة، الإهاب: هو الجلد قبل الدبغ فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان متكئاً فقال: (أو في شكٍ أنت يا بن الخطاب! أولئك قومٌ عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) فقلت: يا رسول الله! استغفر لي الحديث، وكذلك فإن النبي ﷺ كان على سرير مرمل يضطجع عليه حتى يؤثر في جنبه.
стр. 814
البخل وسوء معاملة الجيران
ومن الثغرات في بيوت الدعاة: البخل وعدم الإنفاق، وسوء التعامل مع الجيران، وكثيراً ما يكون لهذا آثار سلبية في نظر الآخرين للداعية إلى الله ، ويقولون في أنفسهم: هذا الذي يزعم ويزعم ويظهر، ثم هو بهذا البخل ولم يحسن إلينا مرةً واحدة، وربما كان يؤذي في إلقاء القمامة أو موقف السيارة ونحو ذلك، ولا شك أن لهذه الأشياء التي قد تبدو أحياناً بسيطة في أنظار البعض آثار سلبية في نفوس الآخرين، والمساعدة والمعاونة لأهل البيت قد تكون من الأشياء المفقودة، وقد كان النبي ﷺ يكون في مهنة أهله -كما روت عائشة - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
стр. 815
ثغرات أخرى
ومن الثغرات الموجودة في البيت: جعل البيت فوضى مفتوحاً على مصراعيه لمن شاء، فليس له وقت نوم معين، ولا وقت أكل معين، ولا التفات لأهله أيضاً في وقت معين، وقد جاء النبي ﷺ ضيوف فأثقلوا عليه بطول الجلوس، فنزلت آية الاستئذان بسبب ذلك، وأنه لا يجوز للمؤمنين أن يؤذوا رسول الله ﷺ ، وأنهم إذا طعموا فلينصرفوا، وعليه فلا يصح أن يكون البيت كالمقهى يُدخل إليه في أي وقت وفي أي حين.
كذلك من الثغرات تضييع الأوقات بالكلام في الهاتف كلاماً طويلاً ليس من ورائه كبير فائدة، سواءً كان من الداعية أو من زوجته، فوجود مضيعات الأوقات في البيت من الثغرات.
ثم لنختم بهذه النقطة وهي إهمال الكتب التي اشتريت من المعارض والمكتبات، فلقد شريت المجلدات وصففت على الرفوف، وأتي بها على اختلاف أحجامها وأنواعها ومواضيعها، وفصلت لأجلها هذه المكتبات الخشبية، ثم بعد ذلك تركت مركونةً مهملةً لا يُقرأ فيها؛ قد علاها الغبار وربما تأكلها الأرضة، أليست هذه ثغرة أيضاً يجب الالتفات إليها، ولا يليق بالداعية إلى الله أن يهمل كتب العلم عنده في بيته، ولا يستفيد منها ولا غيره، والكلام في هذا الموضوع طويل، ونكتفي بهذه النقاط التي ذكرناها، ولعل في بعض الأسئلة ما يضيف أشياء أخرى إلى الموضوع، فنتوقف للصلاة ونعود إلى الأسئلة، وأسأل الله أن يطهر بيوتنا من المنكرات، وأن يعمرها بالطاعات، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 816
الأسئلة
стр. 817
التقصير من الداعية عيب
السؤال
يقول: أرى بعض التقصير عند بعض من يؤم الناس في المساجد، أو ينظر إليهم على أنهم من أهل الصلاح والتقوى، ومن أوجه هذا التقصير: خروج بعض نساء أهل بيته بشيءٍ من التبرج، أو تلفظهم بألفاظ من اللعن وغيره؟
الجواب
طبعاً كون الإنسان يصبح إماماً لمسجد هذا لا يعني أنه قد كمل، بل إنه يحتاج إلى تكميل نفسه كثيراً، لأن إمام المسجد قدوة، ولذلك ينبغي أن يركز على الاعتناء بنفسه أكثر من أي شخصٍ آخر يمارس دوراً أقل منه، ولذلك فإن من العيب الكبير أن ينصح المرء الناس بالصدقة ثم يبخل، وينصح الناس بالاقتصاد ثم هو يبذر ويسرف، وينصح الناس بأن تتحجب نساؤهم ثم أهل بيته يعيشون في تقصير سيئ.
стр. 818
تساهل بعض الدعاة بآلات اللهو في البيت
السؤال
هناك بعض الشباب يجعلون في بيوتهم أجهزة اللهو، يتركونها لزوجاتهم وأولادهم يتفرجون عليها، وإذا نصحناهم بإبعادها قالوا: إنهم يتفرجون على الأخبار وأفلام الكرتون، وإذا دخل زوجاتنا في بيوتهم وجدوا أن أهل ذلك الشخص يسمعون الأغاني، ويرون المسلسلات العربية والغربية، ويقولون: هذه مسلسلات اجتماعية؟
الجواب
لا شك أن هذا من الانحراف، وأن الذي يرضى بالمحرم في بيته يرضى بالسوء في بيته، فلا شك أن فيه دياثة، وهذا الذي يقر الخبث في أهله ويرضى أن يتفرجوا على هذه الأشياء المنكرة ليس عنده غيرة؛ لو كان عنده غيرة لمنع الفساد في البيت، لذلك يجب على هؤلاء إخراج أدوات اللهو المحرم من بيوتهم.
стр. 819
التصرف السليم لمن في بيته خادمة
السؤال
من أكبر الثغرات وجود الخدم في البيت؛ خاصة عندما تكون خادمة وتتجول في البيت؛ فأينما ذهب الشخص وجدها أمامه تقريباً، فما الحل؟
الجواب
إذا أراد أن ينتقل في الطريق فليتنحنح، ويطلب أن يكون الطريق خالياً، وهذا أمر ممكن لمن أراد أن يصون دينه، وأن تكون ملتزمة بالحجاب ما دام في البيت أو يتنقل فيه، ثم إن عليه أن يغض البصر، والله أعلم.
стр. 820
عذاب أهل الكبائر في البرزخ
لقد شرع الله لعباده شرائع، وحد لهم حدوداً، وبيَّن لهذه الأمة الحلال والحرام في كتابه، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، فمن ضعفت نفسه، واستهواه إبليس، ولم يتب عُذب في قبره حتى تقوم الساعة، ثم هو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وقد بين الشيخ في هذا الدرس أنواعاً من عذاب البرزخ لأهل الكبائر والعصاة.
стр. 821
حديث سمرة في عذاب البرزخ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فموضوعنا اليوم حول حديث الرقائق من سلسلة هذه الدروس، التي نسأل الله أن يجعلها حجة لنا، وأن يعلمنا منها ما نستفيد به موعظة في حياتنا، وزاداً لنا في آخرتنا.
روى البخاري -رحمه الله تعالى- عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ قال: فيقص عليه من شاء الله ما شاء الله أن يقصه) كثيراً ما كان ﵊ يسأل: هل رأى أحدٌ رؤيا؟ فمن رأى رؤيا يقصها على النبي ﷺ (وإنه قال ذات غداة: إني أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، فأتينا على رجلٍ مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ بها رأسه) أي: يكسره ويشدخه (فيتدهده) أي: ينحط وينحدر (فيتدهده الحجر هاهنا) أي: من هذه الجهة (فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه) القائم الذي التقط الحجر لا يرجع إلى الرجل المضطجع (حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه، فيفعل به مثلما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق.
قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلقٍ لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوبٍ من حديد) أي: الحديدة المعوجة الرأس التي ينزع بها اللحمة من القدر مثل الخطاف (وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه) وجه هذا الرجل المستلقي (فيشرشر شدقه) أي: يشق طرف الفم ويقطعه (إلى قفاه) من الخلف (ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثلما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب، حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود إليه فيفعل به مثلما فعل المرة الأولى.
قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق.
فانطلقنا فأتينا على مثل التنور -الفرن- قال: فأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا -أي: صاحوا وضجوا- قال: فقلت لهما: ما هؤلاء؟ فقالا لي: انطلق انطلق.
قال: فانطلقنا فأتينا على نهرٍ حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجلٌ سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر -أي: الرجل السابح- له فاه فيلقمه حجراً، فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، وكلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً.
قال: قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق انطلق.
قال: فانطلقنا فأتينا على رجلٍ كريه المرآه، كأكره ما أنت راءٍ رجل مرآة، وإذا عنده نارٌ يحشها -يزيدها إشعالاً- ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق.
فانطلقنا فأتينا على روضةٍ معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويلٌ لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط.
قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق.
قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجالٌ شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ.
قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض -أي: الخالص- في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا وقد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة.
قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صُعُداً، فإذا قصرٌ مثل الربابة البيضاء -أي: السحابة البيضاء المنفردة المجتمع بعضها فوق بعض- قال: قالا لي: هذاك منزلك.
قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله.
قالا: أمَّا الآن فلا، وأنت داخله.
قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجباً! فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنَّا سنخبرك.
أمَّا الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.
وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.
وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني.
وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر، فإنه آكل الربا.
وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم.
وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة.
فقال بعض المسلمين: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : وأولاد المشركين.
وأما القوم الذين كان شطرٌ منهم حسناً وشطرٌ قبيحاً، فإنهم قومٌ خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم).
стр. 822
اهتمام النبي ﷺ بالرؤى الصالحة
هذا الحديث العجيب الصحيح قد رواه الإمام أبو عبد الله البخاري ﵀ في صحيحه، في مواضع: في كتاب الجنائز، وفي كتاب التعبير وغير ذلك، وأخرج قطعة منه الإمام مسلم ﵀، وكذلك الإمام أحمد، فهو حديث صحيح في غاية الصحة.
يقول فيه: (كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا؟) وهذا سؤال منه ﷺ عن الرؤيا واهتمامه بها، لأن الرؤيا جزء من النبوة، والرؤيا قد يكون فيها إخبار عن غيب مستقبلي، أو تحذير من شيء، وإذا كانت من رجل مؤمن صادق، فإنها تكون من أصدق ما يكون، كما أن الرسول ﷺ بيّن أن أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، فتأتي رؤياه مثل فلق الصبح، وربما تقع كما رآها بالضبط.
وكان ﷺ يؤول لأصحابه الرؤى ويفسرها لهم، وربما كان من أصحابه من يفسر أيضاً، وقد طلب أبو بكر الصديق مرةً أن يفسر رؤيا، فلما أذن له ﵊، قال له بعد تفسيرها: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً).
стр. 823
تعريف الرؤيا وحكم تعبيرها بدون علم
إذاً: الرؤيا علم، تفسيره من الله تعالى، لا يعلم تأويله إلا الله، ومن يُعلِّمه الله تأويل الرؤيا، وليس كل أحد يعلم تفسير الرؤى، وإنما ذلك علم يهبه الله من يشاء، وقد كان يوسف الصديق ﵇ من أعلم الناس بتفسير الرؤى، واتجهت أنظار السجينين إليه مما كان عليه من الإحسان، ولذلك قالا: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] فكان من المجيدين في تعبير الرؤى وهذا من البيان.
وقد ذكر العلماء ﵏: أن تعبير الرؤى من الفتوى، فلا يجوز أن يُعبِّر الرؤيا من لا يُحسن التعبير، ومن عبَّر رؤيا وهو لا يُجيد التعبير فكأنما أفتى بغير علم، كما نبه على ذلك الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ وغيره من أهل العلم، فلا يجوز الدخول في التأويل والتعبير لمن لا يحسنه.
стр. 824
أقسام الرؤى
والرؤيا على ثلاثة أقسام: كما بين ذلك النبي ﷺ : أولاً: الرؤيا الحسنة من الله.
ثانياً: الحلم السيئ من الشيطان ليحزن المؤمنين.
ثالثاً: الشيء يهتم به الرجل في يومه فيراه في ليلته، فلا هو حسن ولا هو سيئ، بل بحسب الهم النفسي الذي يكون عليه فيراه في الليل.
стр. 825
آداب من رأى ما يزعجه
وإذا كانت الرؤيا سيئة فالإنسان عليه عدة أمور: أولاً: إذا استيقظ عليه أن يتعوذ بالله من الشيطان، ويتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شر ما رآه ثلاثاً ثلاثاً ثلاثاً.
ثانياً: أن يغير جنبه الذي كان نائماً عليه، وليس بشرط إذا كان على الجنب الأيمن أن ينقلب على الأيسر، وإنما ينقلب على ظهره مثلاً، وإذا كان على الأيسر يغير إلى الجنب الأيمن.
ثالثاً: ورد في سنن الترمذي -أيضاً- صلاة ركعتين إذا رأى ما يُزعجه، ولا يخبر بها أحداً من الناس، وكثيراً ما يتلاعب الشيطان بالشخص في المنام، كما جاء في صحيح مسلم عن رجلٍ رأى أنه قد قطع رأسه وذبح وأنه يتدحرج، فلامه النبي ﵊ على إخباره بها، وقال: (علام يخبر أحدكم بتلاعب الشيطان به في المنام؟!) أو كما قال ﵊.
стр. 826
آداب من رأى ما يسره
وإذا كانت الرؤيا حسنة، فإن الإنسان يُخبر بها من يُحب، ولا يقصها على عدو أو حاسد، وإنما يخبر بها العالم والناصح، وكثير من الأحيان يكون ما يراه الإنسان على نفسه مثل الجبل في الثقل، ولكن إذا استعاذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأى، فإنه لا يهمه ذلك إن شاء الله.
قال: (فيقص عليه من شاء الله ما شاء الله أن يقص).
"من" تعود على الرائي الذي رأى الرؤية، و"ما" تعود على الرؤية نفسها.
стр. 827
روايات أخرى لحديث سمرة
في بعض روايات هذا الحديث (فسأل يوماً: هل رأى أحدٌ رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكن رأيت الليلة وذكره) فكأنه قال لهم لما قالوا له: ما رأينا شيئاً، قال: أنتم ما رأيتم شيئاً لكني رأيت.
وفي رواية عن سمرة: (أن النبي ﷺ دخل المسجد يوماً، فقال: من رأى منكم رؤيا فليحدث بها؟ فلم يحدث أحد بشيء، فقال: إني رأيت رؤيا، فاسمعوا مني).
وفي حديث البخاري هذا قال: (وإنه قال لنا ذات غداة) وفي رواية: (كان إذا صلَّى صلاةً أقبل علينا بوجهه) وفي رواية: (إذا صلَّى صلاة الغداة) أي: صلاة الصبح كما جاء في روايةٍ أخرى، فهو بعد صلاة الصبح يلتفت إليهم؛ لأن الصبح بعد النوم، فيقول: (هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟) فإذا كان الشخص يجيد تفسير المنام، فلا بأس أن يقول: هل رأى أحدٌ رؤيا فأعبرها له؟ وأخرج الطبراني بسندٍ جيد عن أبي أمامة قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح، فقال: إني رأيت الليلة رؤيا هي حق فاعقلوها) فذكر حديثاً يُشبه حديث سمرة، لكن الذي يظهر من سياق الحديث أنه حديثٌ آخر، فإن في أوله: (أتاني رجل فأخذ بيدي، فاستتبعني حتى أتى جبلاً طويلاً وعراً، فقال لي: ارقه، فقلت: لا أستطيع، فقال: إني سأسهله لك) فهذا الحديث فيه أن الآتي واحد، وحديث سمرة قال: إنهما اثنان؛ وأنهما: (ابتعثاني وقالا لي: انطلق) وهذا الحديث قال: (أنه أتى بي جبلاً وعراً، فجعلت كلما وضعت قدمي وضعتها على درجةٍ حتى استويت على سواء الجبل -أي: وسط الجبل- ثم انطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يقولون ما لا يعلمون).
وفي بعض الطرق: (أنه رأى ناساً تسيل أشداقهم دماً، معلقون من عراقيبهم -العرقوب في القدم- تسيل أشداقهم دماً -بالعكس، مثل حال التعذيب- فسأل عنهم؟ فقيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) ولذلك ينبغي للصائم الانتباه إلى عدم الإفطار قبل الوقت الشرعي.
стр. 828
شرح ألفاظ حديث سمرة في عذاب البرزخ
قال: (إنه أتاني الليلة آتيان) هذان الآتيان هما ملكان، وهذان الملكان هما: جبريل وميكائيل كما جاء تفسيره،) وإنهما ابتعثاني) أي: أرسلاني، ويحتمل أنه رأى في المنام أنه كان نائماً، فأخذ من قبل الملكين وابتعثاه من النوم وأخذ به، فحدث ما حدث، فلما استيقظ استيقاظاً حقيقياً خبَّر بما سمعنا.
стр. 829
عقوبة من نام عن الصلاة المكتوبة
قال: (وإني انطلقت معهما) وفي رواية: (إلى الأرض المقدسة) وفي رواية: (إلى أرض مستوية) قال: (وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة) وفي رواية قال: (فمررت على ملك وأمامه آدمي وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي).
إذاً من هو الذي يتولى التعذيب؟ إنه ملك: (يهوي بالصخرة فيثلغ -أي: يشدخ- بها رأس هذا المضطجع) فإذاً الذي يتولى الشدخ هو ملك يحمل صخرة ويضرب بها رأس المضطجع فيشدخه والحجر يتدهده ويذهب هاهنا وهاهنا، فالملك يتبع الحجر ويأخذها، ويعود للرجل فلا يعود إليه إلا وقد عاد الرجل كما كان، ويصح رأسه فيضربه مرة أخرى، فالعذاب متكرر ومتوالٍ، فالرأس يعود كما كان ليعذب مرةً أُخرى.
وفي رواية: (عاد رأسه كما كان)، وفي رواية: (فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً) يشدخه بالصخرة فيقع الدماغ على طرف، والصخرة تتدحرج من الطرف الآخر.
وهذا الرجل هو الذي أُوتي القرآن فرفضه، ونام عن الصلاة المكتوبة، قال ابن العربي ﵀: "جعلت العقوبة في رأس هذا الشخص؛ لأن النوم موضعه في الرأس، فجعلت العقوبة في محل الإثم" وهذا الرجل بالتأكيد لا ينام لغلبة النوم لأنه معذور، وإنما يتعمد النوم عن الصلاة المكتوبة.
وهنا ننبه الإخوان وخصوصاً أصحاب النوبات في الأعمال، فبعضهم يتعمد أن يقول لزوجته: لا توقظيني فأنا سوف أستيقظ؛ لأنه لا يريد أن يتقطع نومه، ويتعمد بعضهم ألاَّ يضع ساعة، فبدلاً من أن يُوصي زوجته بإيقاظه، يوصيها بعدم إيقاظه.
إذاً فهذا تعمد النوم عن الصلاة المكتوبة، وفي رمضان يتعمد بعض الناس السهر حتى ينامون عن الصلاة المكتوبة.
سألت ذات مرة عن شخص، فقلت لمن يعرفه: متى يكون فلان في بيته؟ قال: إنه يرجع من العمل الساعة الثالثة، لكنك لا تجده لأنه ينام.
وقلت له: كيف ينام؟ قال: ينام من الساعة الثالثة عصراً إلى الساعة العاشرة ليلاً، ويسهر من العاشرة ليلاً إلى السادسة والنصف صباحاً، ويذهب إلى العمل ويرجع في الساعة الثالثة، وينام من الثالثة إلى العاشرة ليلاً، فينام من قبل العصر إلى بعد العشاء، فيفوت صلاة العصر والمغرب.
لكن الجريمة العظيمة هي: كيف يكون هذا النظام في النوم؟ بكون النظام بتعمده النوم عن الصلاة المكتوبة حيث وأن ذلك واضح من كيفية نومه.
إذاً أين يكون موضع هذا العذاب؟ هذا عذاب برزخي لهؤلاء الأشخاص يكون في القبر، فالذي يتعمد النوم عن الصلاة المكتوبة يُعاقب بأن يشدخ رأسه في القبر، ويعود رأسه ويشدخ، ويعود رأسه ويشدخ إلى قيام الساعة، هذا عقاب البرزخ، ولذلك يجب على الإنسان أن يعد العدة اللازمة للاستيقاظ سواء كان بالمنبه والساعة، أو أن يُوصي شخصاً أو بالهاتف أو غير ذلك كطارق يطرق، أو بالماء لأن النبي ﷺ قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي فأيقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء).
فالنبي ﷺ يُرشد إلى الإيقاظ بنضح الماء، لأن الماء منشط، وطارد للنوم وموقظ، وجرب تجد النتيجة، والإيقاظ بالماء من أحسن وسائل الإيقاظ للنائم.
وإن كان بعضهم لا يعجبه هذا أبداً، فنقول: لا بأس فنأخذ الأسهل فالأسهل، لكن إذا لم يُوجد طريق لقيامك من النوم إلا بهذا فليكن، لأن القيام إلى الصلاة أهم من كل شيء.
стр. 830
عقوبة صاحب الكذبة تبلغ الآفاق
وبالنسبة للرجل الثاني: (فانطلقنا فأتينا على رجلٍ مستلقٍ لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد) وجاء في رواية: (فإذا أنا بملك وأمامه آدمي، وبيد الملك كلوب من حديد، فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه من اليمين إلى القفا، والعين من اليمين إلى القفا، والمنخر من اليمين إلى القفا) فالذي يتولى التعذيب هو ملك، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ذلك، ويلتئم الشق الأول -الذي في الشق الأيمن- ويعود ليشقه ويشرشره مرة أخرى.
فهذا هو الكذَّاب الذي يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، والآن مع وجود البث الفضائي، أصبح انتشار الكذبة في الآفاق من أسهل ما يكون، فخذ العبرة، ولذلك قال ابن العربي ﵀: "شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة في محل المعصية، وعلى هذا تجري العقوبات في الآخرة بخلاف الدنيا".
والاختلاف في حال هذا الرجل بحسب اختلاف حاله، فقد جاء في رواية: أنه مضطجع، وفي رواية: أنه جالس، وفي رواية: أنه قائم.
فهذا عذاب الكذابين الذين يكذبون الكذبات التي تبلغ الآفاق وتنتشر في العالم.
والأفق هو: الناحية في السماء، والآفاق هي: النواحي.
ولذلك فإن على الإنسان أن يحذر الكذب وكذا نشره في أي وسيلةٍ ينتشر فيها الكذب، وكلما كانت الوسيلة أشد انتشاراً كان العذاب أشد عليه.
وكذلك فإن من أعظم الكذب: الكذب في المنام، بأن يري الرجل عينيه ما لم تريا، فهذا يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل لأن العقد بين الشعيرتين أمر محال، فيكلف بمحال، فيكون عليه عذاب نفسي وجسدي، لماذا ادعى أنه رأى الرؤيا الفلانية وهو لم يرها؟ وبعض الناس ربما يفعلها من باب الدعوة بزعمه! يقول: هذا لا يفيد إلا أن أخترع له رؤيا؟! أقول: رأيتك في القبر وكذا وكذا وكذا! فهذا حرام ولا يجوز، والغاية لا تبرر الوسيلة، يجب أن تكون الوسيلة شرعية، كما أن الغاية شرعية، أما أن نسلك وسيلة غير شرعية لتحقيق غاية شرعية، فليس هذا من هدي الإسلام.
وهنا يأتي سؤال وهو: انظر إلى التقنية الحديثة ماذا تفعل؟ من الأبواب العظيمة التي فُتحت في هذا الزمان باب أتى به هذا الحاسوب في العالم وهو شبكة الإنترنت، فأحد الناس إذا قذف شخصاً على الشبكة كأن أرسل باتهامه وقذفه ربما إلى آلاف الأشخاص، الآن هذا الرجل كيف تكون عقوبته؟ لنا أن نتصور أن الكذبة التي تبلغ الآفاق بالوسائل العصرية من عدة جهات وبعدة صور وأشكال، فبعضهم ربما يستخدم هذه التقنية الحديثة في نشر الشر، والكذب، وظلم الأبرياء، وقذف المسلمين والمسلمات ونحو ذلك، ثم بعد ذلك إذا تاب يقول: ماذا أفعل؟
стр. 831
عقوبة الزناة والزواني
قال في الشخص الثالث: (فأتينا على مثل التنور -في رواية- أعلاه ضيق، وأسفله واسع يوقد تحته نارٌ) إذاً هذا فرن أعلاه ضيق وأسفله واسع، قال: (فإذا فيه لغط وأصوات، وفيه رجالٌ ونساء، وإذا هم يأتيهم اللهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا) أي: صرخوا، وفي رواية: (فإذا اقتربت ألسنة اللهب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت -أي: ألسنة اللهب- رجعوا).
هذا عقوبة الزناة والزواني، يجمعهم الله في تنورٍ من نار، فهذا عذاب البرزخ للزناة والزواني.
لو قال أحد من الناس: ما عقوبة الزناة والزواني؟ لإننا لم نجد أشياءً في القرآن تُخبر عن عقوبة الزناة والزواني، فكيف تكون عقوبة هذا الزنا الذي انتشر الآن، هذه المواعدات بين الفتيان والفتيات التي تنتهي بالفاحشة في كثيرٍ من الأحيان، وهذه بيوت الدعارة، والأفلام التي تدعو إلى الفاحشة فيقع الناس فيها، وهؤلاء الناس الذين يُسافرون إلى أماكن الخنى والفجور ليقعوا في الفواحش، أو أولئك الذين يذهبون إلى الفنادق أو يحضرون الحفلات ليقعوا في الفواحش، ويركبون في سفن كالفنادق، ويقعون في الفواحش، والذين يذهبون شرقاً وغرباً، هؤلاء الزناة والزواني ما عقوبتهم؟ الآن إذا كانت هذه العقوبة في البرزخ، تنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، ويأتي اللهب من الأسفل ويرتفع هؤلاء الزناة والزواني في صياح من الألم، ثم ينزل اللهب فينهارون معه، ثم تصعد الألسنة فيصعدون، وكُلمَّا أوشكوا على الاقتراب من فوهته رجعوا مرة أخرى وهكذا إلى قيام الساعة، وهذا الفرن ورد أن رائحته موخمة منتنة، وأن من شراب أهل النار ما يخرج من القيح والصديد من فروج الزناة والزواني.
إذاً هذه الفاحشة العظيمة لما حرَّمها الله، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢].
معناها: أن العقوبة عليها شديدة، وإذا كان هذا في البرزخ المؤقت الذي ينتهي، فيكف يكون في نار جهنم؟ لا شك أنه سيكون أشد، لأن عذاب البرزخ أهون من عذاب النار، في البرزخ يُعرضون على النار عرضاً، لكن إذا قامت القيامة يدخلونها دخولاً؛ ولذلك قال الله تعالى عن قوم فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر:٤٦] هذا عرض يفتح له باب من النار، ويأتيه من سمومها وحميمها، هذا فقط في البرزخ ثم بعد ذلك يوم القيامة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
стр. 832
عقوبة آكل الربا
وبعد ذلك قال: فأتينا على نهرٍ أحمر مثل الدم -وفي رواية على نهر من دم- ثم فيه سابح يسبح، ثم يأتي ذلك السابح إلى الشاطئ، فيفغر ويفتح فاه، وعلى الشاطئ يوجد رجل معه صخور، فيفتح هذا فاه فيرمي الواقف على الشاطئ الصخرة في فمه، ويفتح فاه مرغماً فيلقمه إياها، هذا المنظر الكريه والمؤلم يسبح بالصخور في نهر الدم، سباحة بصخور عظيمة في البطن في نهر الدم، وتزداد الصخور وكلما زاد الربا والفوائد المركبة زاد العذاب بنسب مركبة، وهذه الصخور تزداد في بطن هذا السابح في نهر الدم وهكذا لازال يثقل، ولازال يسبح في الدم متألماً بهذه الصخور العظيمة المتراكمة جزاءً له، كما كان في الدنيا يأكل الربا، والربا يتضاعف أضعافاً مضاعفة، وهو لا يزال يأكله، وبحسب الربا الذي أكل بحسب العذاب يكون عليه، مثلاً بمثل سواءً بسواء: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
стр. 833
ذكر الرجل الكريه المنظر
ثم ذكر الرجل كريه المرآة -المنظر- كأكره ما أنت راءٍ رجلاً، وعنده نارٌ يحشها، وأخبر أنه مالك خازن النار، هذا الملك يُعذَّب أهل النار بمنظره.
إذاً الملائكة الغلاظ الشداد الذين هم أعوان (مالك) خازن النار، يكون عذاب أهل النار بمنظرهم أيضاً، لأن المنظر المفزع لوحده عذاب ورعب، والرعب عذاب، ولذلك يكون عذاب أهل النار -غير الحرق بالنار- المنظر المفجع والمفزع لملائكة العذاب الذين في النار، وعلى رأسهم مالك خازنها.
стр. 834
ذكر الروضة المعتمة
ثم ذكر الروضة المعتمة -أو المعتّمة- وهي: البستان العظيم الشديد الخضرة، حتى أنه كاد يسود من شدة الخضرة، كما قال الله تعالى في وصف الجنتين: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] أي: شديدتا الخضرة، حتى ربما كانتا في اللون كالسوداوين من شدة الخضرة، فالخضرة إذا ازدادت أصبح اللون غامقاً.
فيها من كل زهر ونبت الربيع، أي: من أجمل ما يكون، وبين ظهري الروضة يوجد رجلٌ طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً وحوله ولدان، ثم بيَّن أن هذا إبراهيم الخليل ﵇، رآه جميلاً طويلاً وحوله هؤلاء الولدان.
أما أولاد المسلمين فإن البشارة بموتهم لآبائهم أنهم في كفالة إبراهيم وسارة، يكفلانهم لآبائهم وأمهاتهم إلى أن تقوم الساعة، فلو أردت أن تعزي شخصاً في وفاة ولده، فقل له: أيهما أحب إليك: أن يكون ولدك حياً فتكفله أنت أو يكون عند إبراهيم وسارة؟ لأنه قد ثبت في الحديث أن إبراهيم وسارة يكفلان أولاد المسلمين الصغار لآبائهم حتى يعودوا إليهم يوم القيامة، فلاشك أن بقاء الولد في كفالة إبراهيم ﵇ وزوجته سارة أفضل وأحسن وأعلى بكثير وبما لا يقارن من بقائه في كفالة أبويه في الدنيا، وربما أجرم أبواه في حقه، أما إذا صار في كفالة الخليل وزوجته فإنه يكون في أحسن ما يكون، فهذه من البشرى لمن مات له ولد صغير.
وأمَّا بالنسبة لأولاد المشركين فقد تفاوتت أقوال أهل العلم فيهم، وقد سُئل النبي ﷺ في هذا الحديث فقال: (وأولاد المشركين) وقال في حديث آخر: (الله أعلم بما كانوا عاملين) فيحتمل أنه كان لم يوحَ إليه شيء بشأنهم، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) ثم أوحي إليه بشأنهم، وفي رواية حسَّنها بعض أهل العلم: (أنهم خدم أهل الجنة) وقال بعض أهل العلم: أنهم يُمتحنون، وقد ذكر هذه المسألة الكبيرة الإمام ابن القيم ﵀ في كتاب: شفاء العليل وتوسع فيها، ونحن لا يضرنا ماذا يكون مصيرهم لو لم نعرف ذلك؛ لأن الله عادل لا يظلم أحداً، فمن صفاته العدل، وهو العدل.
стр. 835
عقوبة خلط العمل الصالح بالسيئ
قال: (فانتهينا إلى مدينةٍ مبنية بلبن ذهب ولبن فضة) ولاشك أن هذه صفة الجنة، وأنهما أدخلا النبي ﷺ داراً فيها شيوخ وشباب ونساء وفتيان، وأنه ﵊ لقي رجالاً شطر من خلقهم حسن وشطر قبيح.
الآن هل نصف هؤلاء الناس حسن ونصفهم قبيح؟ أو أن كل واحد من هذه المجموعة نصفه حسن ونصفه الآخر قبيح؟ اللفظ يحتمل كلا الأمرين، لكن أحدهما يرجحه باقي النص، فما هو الراجح؟ كل شخص نصفه قبيح ونصفه حسن، والذي يدل على هذا التأويل هو أنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فكان الجزاء من جنس العمل، لما خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، صار نصفهم قبيحاً ونصفهم حسناً.
فقيل لهم: قعوا في النهر المعترض، الذي يجري بالعرض، كأن ماءه المحض -مثل اللبن الخالص- في البياض، وقيل: يحتمل أن يُراد به الماء، كما قال النبي ﷺ : (واغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد) فهذا مُنقي ومطهر ومنظف، فيذهب السوء عنهم، ويصبح القبيح كالشطر الحسن، وهذا يدل على عظم رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه.
فأهل الأعراف الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم مصيرهم في النهاية إلى الجنة؛ لأن رحمة الله تسبق غضبه، لكن هذا الوقوف بين الجنة والنار مفزع بحد ذاته، لا يدري الإنسان إلى أين يتجه به، لذلك قال الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
стр. 836
منزلة النبي ﷺ وقصره في الجنة
رأى النبي ﷺ في المنام جنة عدن وسما بصره صعداً وارتفع، ثم رفع إلى قصر مثل الربابة، وهي السحابة البيضاء المنفردة دون السحاب، التي ركب بعضها على بعض، شبه القصر بهذا المنظر الجميل جداً، سحابة بيضاء متراكمة بعضها فوق بعض، فهذا قصره ﷺ .
قال: (ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله) بالتأكيد ستدخله، وفي رواية: (فقلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، ولو استكملته أتيت منزلك).
ثم أخبر الملكان -وهما جبريل وميكائيل- رسول الله ﷺ عما رآه.
стр. 837
فوائد مأخوذة من حديث سمرة
في هذا الحديث خطورة رفض القرآن بعد حفظه، رجل أُوتي القرآن -حفظه- ثم رفضه، وهذه صورة للمرتد والمنتكس والمنقلب على عقبيه والمتولي عن الحق، الذي رزقه الله نعمة عظيمة وهي حفظ كتاب الله ، ثم هو بعد ذلك أعرض عنها وتركها، وينام عن الصلاة المكتوبة، فالعقوبة على مجموع الأمرين: ترك القراءة وترك العمل، وعلى ترك الصلاة المكتوبة.
وهذا الرجل الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق، ليس رجلاً متأولاً، ولا مكرهاً، لأن الإنسان يجوز له الكذب إذا أكره، فهذا الكاذب ليس بمكره، ولما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه لسانه على الكذب في ترويج الباطل، وقعت المشاركة بين هذه الأعضاء في العقوبة.
فإن قيل: الزناة والزواني ما هي مناسبة العذاب لجريمتهم؟ هناك شيء في العذاب يُناسب جريمتهم وهو أن النار تأتيهم من تحتهم، لأن جنايتهم من أعضائهم السفلى.
وآكل الربا الذي يسبح في نهر الدم قيل: إن الدم أحمر وأعظم نقد موجود هو الذهب وهو أحمر، والنبي ﷺ يقول: (أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض)، فقيل: وجه المشابهة هو أن الربا يقع في النقد وأعظم النقد الذهب، وما يقوم مقامه من العملات الورقية، ويزاد له العذاب إشارة إلى أنه يتخيل أن ماله يزداد لكنه في الحقيقة يزداد عذاباً.
عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر؛ لأن أصل الربا يجري في الذهب، وكذلك الملك يلقمه الحجر وراء الحجر، إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئاً، وكذلك الربا ممحوق ثم العذاب فيه متوالٍ.
ما هي المناسبة في وجود أطفال المسلمين عند إبراهيم ﵇؟ لأنه ما من مولود إلا ويولد على الفطرة -التوحيد- وكان إبراهيم الخليل حنيفاً، وقد ابتلاه الله بسنن الفطرة، فإبراهيم الخليل ﵇ هو أبونا ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران:٦٨] والولدان الذين حوله هم كل مولود ولد على الفطرة، فلذلك يكونون معه.
وأما بالنسبة لهؤلاء القوم الذين شطر منهم قبيح وشطر منهم حسن، فهذا فيه عظة وعبرة في أن المسلم يحذر أن يخلط عمله الصالح بعمل سيئ؛ لأن فيه نوعاً من العقوبة، وهو تشويه منظرة، وربما يئول بعد ذلك إلى عفو الله ، لكن بعد ماذا؟! وفي هذا الحديث: أن القصر الذي في الجنة لا يقيم الإنسان فيه إلا إذا مات حتى النبي والشهيد، وأن هناك قصوراً للأنبياء والشهداء والأولياء (ومن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة).
وفي هذا الحديث: الحث على طلب العلم، فإن النبي ﵊ كلما تعرض لموقف عجيب سأل عنه لمعرفة الحقيقة وطلبها والتماسها.
وفي هذا الحديث: فضل الشهداء وأن منازلهم في الجنة أرفع المنازل.
كذلك في هذا الحديث: أن من استوت حسناته وسيئاته فإن الله يتجاوز عنه، ونسأل الله تعالى أن يتجاوز عنا برحمته، إنه هو أرحم الراحمين! ثم في هذا الحديث: أن العقوبات تناسب الجرائم والجنايات، ولما كان الزنا يتم عادة بالخفية فضحهم الله في البرزخ وصاروا عراة، والعاري مفضوح، والزاني من شأنه طلب الخلوة، كما كان يزني في خلوة صار في تنور، وكما كان في خفاء فضح بالعري، ويأتيه النار من أسفل مناسبة لأداة الجريمة.
وقد ذُكر في هذا الحديث أنواع من الجرائم، وهناك أنواع كثيرة من الجرائم لم تذكر، فهذا يغني عما لم يذكر، ثم كل الجرائم الأخرى لها عذاب، لكن لم نخبر عنه.
فعلى كل شخص أن يتعظ ويتذكر بأن الجريمة التي يعملها لها عذاب وإن لم يخبر به، والله تعالى أعلم.
стр. 838
الأسئلة
стр. 839
المدة التي يعتبر فيها الإجهاض نفاساً
السؤال
إذا أجهضت المرأة بعد شهرين من حملها بسبب موت الجنين، وصار ينزل منها دم، فما هو الحكم؟
الجواب
الجنين يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم يكون بعد ذلك التخليق بعد الثمانين، ولذلك قد ذكر ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في المغني: أن الحامل إذا أسقطت بعد ثمانين يوماً تكون نفساء؛ لأن الجنين تخلق، وبدأ يظهر فيه تخطيط اليد والرأس ونحو ذلك، أما قبل الثمانين يوماً فلم يتخلق بعد.
إذاً بعد الثمانين يوماً إذا أسقطت المرأة تكون نفساء، وقبل ثمانين يوماً تكون مستحاضة، وبناءً على هذا يكون صومها وصلاتها.
стр. 840
كيفية قضاء الفوائت من الصلوات
السؤال
رجل نام قبل صلاة الظهر، ولم يستيقظ إلا عند إقامة صلاة العصر، فكيف يصلي هذا الرجل؟
الجواب
هذا الرجل عليه أن يرتب الفوائت، فيصلي الظهر أولاً ثم العصر، ولا حرج عليه أن يُصلي الظهر وراء الإمام الذي يصلي العصر، وتكون صلاته بنية الظهر، وكذلك من فاتته عدة صلوات، كالمستيقظ من عملية جراحية، فيرتب الصلوات بعضها وراء بعض؛ لأن بعض الناس يظن أن الفوائت تقضى مثلاً: الظهر مع الظهر في اليوم التالي، والعصر مع العصر في اليوم التالي، ولكن الصحيح أنها تُقضى متوالية.
فأول ما يستطيع القضاء عليه أن يصلي، ولو كانت كثيرة فإنه يصلي ويرتاح ويصلي ويرتاح، ويصلي الصلوات مرتبة.
стр. 841
حكم مسح الوجه بعد الدعاء
السؤال
ما حكم مسح الوجه بعد الدعاء في صلاة التراويح؟
الجواب
هذا لا أصل له، ولا يجوز لأنه بدعة، أما المسح عموماً بعد الدعاء في خارج الصلاة، فقد وردت فيه أحاديث ضعيفة، بعضهم قال: إنها تصل إلى درجة الحديث الحسن لغيره، كما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
стр. 842
حكم قول: "سيدنا" في الصلاة على النبي ﷺ
السؤال
قال شخص في حديثه: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فأنكر عليه آخر، وقال: الصحيح أن تقول: اللهم صلِّ على محمد، فهل هذا الإنكار صحيح؟
الجواب
هذا يعتمد على مكان ورود هذه العبارة، فإن قال: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد" في الصلاة فنقول له: لقد زدت على تشهد النبي ﵊ وعلى ما علمنا؛ لأنه لم يعلمنا لفظ "سيدنا"، فإذاً نحن لا نقولها في هذا الموطن.
لكن لو قالها الإنسان خارج الصلاة فهذا شيء صحيح، ولا يمكن إنكاره، فإن النبي ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم).
فإذاً الإنكار في لفظة "سيدنا" إذا كانت في مكان معين بألفاظ معينة وليست هي فيها كأن يتلفظ بها في الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأخير، فإضافتها بدعة، وإلا فيجوز أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو نقرأ آية الدين ونقول: هذا قرآن فيجوز! فنقول: لا، المسألة ليست أن نقول: هذا كلام صحيح أو غير صحيح؟ ولكن هل ورد هذا الكلام في هذا الحال أو في هذه المناسبة أو لم يرد؟ فلا نبتدع من عندنا ولا نضيف، ولما عطس رجل عند ابن عمر فقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال ابن عمر: وأنا أقول: صلى الله على محمد، لكن ما هكذا علمنا محمد ﷺ .
فإذاً: الزيادة في الأذكار الواردة المحددة من البدع، أما الكلام العادي المفتوح، كأن يقول خطبة، أو يتكلم كلمة ما ويقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وقال: سيدنا محمد ﷺ ، فهذا لا بأس به.
стр. 843
حكم أخذ إجازة اضطرارية للعمرة
السؤال
هل يجوز أخذ إجازة اضطرارية للعمرة؟
الجواب
لا يجوز؛ لأن الإجازة الاضطرارية تُعطى في حالات معينة ليست العمرة منها، فمن قدم إجازة اضطرارية لعمرة فمعنى ذلك أنه قد كذب في دعواه.
стр. 844
وقت صلاة الضحى
السؤال
أريد أن أجلس في المسجد إلى وقت شروق الشمس لأصلي ركعتين، فما هو وقت صلاة الضحى؟
الجواب
إذا ارتفعت الشمس قدر رمح، أي: بعد الإشراق بعشر دقائق أو ربع ساعة، بحيث تكون الشمس قد ارتفعت.
стр. 845
وجود الرقى في الجاهلية
السؤال
هل طلب الكفار للرقية من الصحابة دليل على أن الكفار كانوا يرقون في الجاهلية؟
الجواب
نعم، ولذلك لما طلب ﵊ أن يعرضوا عليه الرقى، قال: لا بأس بها ما لم يكن فيها شرك، فدَّل ذلك على أنهم كانوا يعرفونها في الجاهلية، ولكن كان فيها شرك.
следующие страницы →