← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ما يقول المأموم عند ثناء الإمام على الله السؤال ماذا يقول المأموم عند ثناء الإمام على الله في الدعاء؟ الجواب يمكن أن يقول سبحانك، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ كان إذا مر بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبح، فإذا كان الموضع موضع تسبيح تسبح.

стр. 947

الجمع بين تدبر القرآن وكثرة قراءته السؤال أيهما أفضل تدبر القرآن أم كثرة القراءة؟ الجواب الجمع بينهما.

стр. 948

التقصير في الوظيفة بحجة عدم الرضا عن الواقع السؤال ما الحكم أن يقصر في أداء الوظيفة بحجة عدم الرضا عن واقع الحال؟ الجواب إذا كانت وظيفة مباحة فلا يجوز، إذا كان غير راضٍ، يخرج منها، أما يقول: أنا لست راضياً، وأنا لن أفعل، لا. إما أن يقوم بالوظيفة أو يخرج منها، ما دامت وظيفة مباحة.

стр. 949

خروج المذي لا يؤثر في الصوم السؤال خروج المذي هل يؤثر في الصوم؟ الجواب جمهور العلماء أنه لا يبطل الصوم، ولكن هذا الرجل مسيء، وقد جرح صيامه وأنقص أجره بتعرضه لما يخرج المذي.

стр. 950

العدل مع الأولاد واجب السؤال عن هبة الوالدة لأحد أولادها؟ الجواب لا يجوز أن يخص الوالد أو الوالدة أحد الأولاد ويعطيه إلا إذا أعطى الآخرين مثله، أو أن يكون هناك سبب شرعي لتخصيص هذا الولد؛ إما أنه مريض يحتاج إلى علاج، أو جائزة حفظ القرآن، أو يريد أن يتزوج فيعيه مهراً، أو قضاء دين، لابد أن يوجد سبب، أما أن يكونوا متساوين في الظروف، نعطي واحداً دون الآخر، فلا يجوز، هذا زور كما وصفه النبي ﷺ .

стр. 951

الزكاة تجوز لأحد الأقارب إذا كان فقيراً السؤال لي قريب متقاعد يستلم ألفاً وأربعمائة ريال شهرياً راتب تقاعد، له زوجتان ليس له أي مصدر آخر للدخل، سليم البدن بحث عن عمل وما يزال ولم يجد؟ الجواب إذا كان لا يكفيه ما يأخذه فيستحق الزكاة.

стр. 952

لا يجوز أخذ مال أو شيء آخر مقابل الشفاعة السؤال إذا عُرض علي أن أشفع لأحد ولكن طلبتُ منه أن يعطيني مقابلاً للشفاعة؟ الجواب هذا حرامٌ لا يجوز لأن النبي ﷺ أخبر أن من شفع لأخيه شفاعةً فأعطاه هديةً فقبلها منه فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا، هذا ظاهره أنه حتى لو أن ما اشترط يدخل فيه، لا يجوز أخذ الهدية على الشفاعة، حتى تكون الشفاعة عملية مجانية، كل الناس يقومون بها لكل الناس، كل واحد محتاج يجدها، وليست خاصة لفلان وعلان ومقابل مال، وكل واحد يحتاج إلى شفاعة لا يجد إلا بالمال وبالمعرفة ويضيع أناسٌ كثيرون من المستضعفين، لذلك كانت الشفاعة في الإسلام يجب أن تبذل مجاناً لا يجوز أخذ الأجرة عليها.

стр. 953

رجل يمنع زوجته من زيارة الجيران السؤال أبي يمنع أمي من الذهاب إلى الجيران ويمنع الجيران من الذهاب إليها؟ الجواب إذا كان لسبب شرعي فهو محق، وإذا لم يكن هناك سبب شرعي فليس من البر أن يمنعها من البر.

стр. 954

صحة حديث الجلوس بعد الفجر إلى أن ترتفع الشمس السؤال ما صحة حديث الجلوس بعد الفجر في المسجد ويذكر الله إلى أن ترتفع الشمس ويصلي ركعتين؟ الجواب حسنه بعض أهل العلم، الإنسان يعمل وحتى لو كان الحديث فيه شيء؛ لأن ذلك فيه أجر عظيم بالتأكيد.

стр. 955

الإجازة المرضية حسب العقد المتفق عليه السؤال مدرسة مريضة وتأخذ إجازة من الطبيبة، هل تأخذ المعاش؟ الجواب هذا حسب النظام، نظام العقد التي تعاقدت معهم به وبناءً عليه تأخذ الراتب، إذا قالوا: الإجازة المرضية إلى حد كذا، نعطيها الراتب كاملاً، بعده نصف الراتب، بعده لا نعطيها شيئاً، فإذاً يكون على حسب النظام، العقد الذي تعاقدت معهم بناءً عليه.

стр. 956

التراجع تحت ضغط الواقع لقد أمرنا الله أن نتمسك بالدين وأن نثبت عليه، وقد ثبت الله تعالى نبيه ﷺ وحذره من تقديم التنازلات، أو الركون إلى الكفار. وقد ظهر من بين المسلمين اليوم من يدعو إلى قضية التقارب بين الأديان، أو التأقلم مع الواقع والتمشي معه، ويتحججون بحجج أوهى من بيت العنكبوت، إنما هي من تلبيسات الشيطان، فيا ترى ما هو حكم هؤلاء في الكتاب والسنة؟ وهل لا يزالون في دائرة الإسلام أم لا؟ هذا ما تحدث عنه الشيخ في موضوعه هذا.

стр. 957

الحث على الثبات أمام ضغط الواقع إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن الله قد أمرنا أن نعتصم بحبله المتين، وبكتابه المبين، وأن نقيم شرعه القويم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران:١٠٣]. وأن الاستمساك بالعروة الوثقى من علامات الإيمان، والاستمساك هو الأخذ بالجميع وعدم ترك شيءٍ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٩٣]. وقد أنزل الله هذا الدين ليعمل به كما هو، بدون تغييرٍ ولا تبديل، ولا تحريف ولا زيادةٍ ولا نقصان: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. عباد الله! إن عدداً من المسلمين وخصوصاً في هذا الزمان، قد شرعوا تحت ضغط الواقع إلى عمل تغييراتٍ وإجراء تبديلاتٍ في بعض أحكام الدين، لأجل مسايرة من حولهم، وهذه قضيةٌ جِد خطيرة، أن ننتقل من المعصية إلى التبديل والتحريف، فإن العاصي الذي يفعل ما يفعل، وهو مقرٌ بالحكم الشرعي أهون عند الله من الذي يقول: إن الدين ليس هكذا أصلاً، فيحل ما حرم الله، ويبدل ويغير ويزعم أن هذا هو الحكم الذي أنزله الله، وأن الدين يبيح هذا الأمر! ونحن المسلمين لا يجوز لنا بأي حالٍ من الأحوال أن نرضى بأي تغييرات، التي يحاول بعض هؤلاء الانهزاميين أن يجروها على أحكام الدين ويشيعون هذه التغيرات بين العامة. وانتبهوا معي لهذه القضية، فإنها من الخطورة بمكان، تحت ضغط الواقع، وانهزاماً أمام الهجوم الذي يقوده أعداء الإسلام على الإسلام، وما يروجونه حول المسلمين في إعلامهم، يقوم بعض المسلمين بالكلام على أمورٍ من الأحكام الشرعية، يتضمن تقديم تنازلاتٍ والتراجع عن التمسك بأحكامٍ أو إثباتها، تراجعاً أمام الكفار، وانهزاماً أمام الهجوم ورضوخاً للضغوط، وتروج هذه الفتاوى الجديدة للعامة، في الفضائيات وغيرها على أن هذا من دين الإسلام، هذه من أخطر القضايا التي ينبغي على المخلصين أن يتصدوا لها، وأن ينتبهوا للمكرِ والسوءِ الموجود فيها.

стр. 958

تثبيت الله لرسوله ﷺ عباد الله: لقد قال لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]. والله أعلم نبيه ﵊ بأن القضية قولٌ فصلٌ وليس بالهزل، وعندما عرض عليه الكفار شيئاً من المبادلة في المواقع وقالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد إلهنا سنة! أنصاف حلول نتوصل بها إلى أرضيةٍ مشتركة، نتعايش فيها وإياك يا محمد ﷺ تعايشاً سلمياً بـ مكة، تعبد إلهنا سنة، ونعبد إلهك سنة: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩]. تتراجع أنتَ ويتراجعون هم وتصلون إلى حلٍ وسط: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وناداهم بالكافرين، تصريحاً بكفرهم وإعلاناً بعداوتهم واتخاذاً بالموقف الصريح منهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] ليس يا أهل مكة الذين تقيمون معي ويا إخواننا في البلد، لا. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٥]. تكرار بعد تكرار وإصرارٌ بعد إصرار على الثبات على الأصل وعدم التراجع، وإعلان المفاصلة بقوله في النهاية: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]. يودع المؤمنُ روحه التي تقبض في نومه بهذه السورة إعلاناً منه بالبراءة من المشركين والثبات على التوحيد قبل كل نومةٍ ينامها! ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١].

стр. 959

ثبات الكفار على دينهم الباطل عباد الله: إذا كان الكفار يثبتون على دينهم الباطل، ويقولون لأنبيائهم: إننا غير مستعدين لتغيير ما كان يعبد آباؤنا، ويقولون لأنبيائهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٧٠] ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود:٦٢] وقال عن قوم فرعون عن قولهم لموسى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس:٧٨] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]. الشاهد هنا أن الكفار يتمسكون بما عندهم من الباطل، وإذا كانوا يصرون على الكفر، وليسوا مستعدين لترك ما كان عليه آباؤهم، أفلا يكون الأجدر بنا أهل الإسلام أن نتمسك بما نحن عليه من الحق، وألا نتراجع عما يروجه هؤلاء؟! سواء كانوا أعداء الإسلام، أو الذين يريدون أن يسيروا على منوالهم، ويستجيبوا لدعوتهم، ويتأثروا بضغوطهم.

стр. 960

الرد على دعاة التقارب بين الأديان وإنّ من أوضح الأمثلة على هذا قضية التآخي بين الأديان، أو التقارب بين الأديان، هذه الدعوة التي يروجونها اليوم تحت عنوان السلام العالمي، والتقارب بين الأديان. ما معنى التقارب بين الأديان؟ إذا كان اليهود يقولون: عزير ابن الله، ويقولون: يد الله مغلولة، ويقولون: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، وإذا كان النصارى يقولون: المسيح ابن مريم هو الله، أو هو ابن الله، أو هو ثالث ثلاثة!! كيف يكون التقارب مع مثل هؤلاء البشر؟ أنت يمكن أن تتقارب مع أناسٍ يشتركون معك في الأصول مثلاً، تتقارب معهم في الفروع، لكن إذا كانت الأصول مختلفة تماماً، فكيف يحدث التقارب؟! كيف يمكن أن يحدث التقارب؟! فالتقارب إذاً مع اليهود والنصارى ليس في ديننا وهو كفرٌ بالله ، والتقارب معهم خروجٌ عن الإسلام؛ لأن الله أنزل ديناً لا يقبل غيره، وأنزل شرعاً لا يرضى بتبديله ، ولا بالتنازل عن شيءٍ منه، هذا الكلام نقوله الآن في الوقت الذي يخرج أولئك في الفضائيات وغيرها، ليقولوا: إن هناك أخوةً بيننا وبين إخواننا المسيحيين، لماذا؟ قال فُض فوه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] نحن مؤمنون وهم مؤمنون! هذا الدليل. فإذا آمنوا بكفرهم وبباطلهم، فهم مؤمنون عنده، ونحن مؤمنون بالله، إذاً نحن جميعاً نشترك، ثم يقول: إن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها! أليس الله قد قال: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]. كيف نقول بعد ذلك: إن بيننا وبينهم مودة؟! يأتي إلى قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] فيقول هذا الكلام كان بالنسبة للوضع أيام النبي ﵊ وليس الآن؟ فقل لي -أيها المسلم- بالله عليك! أيهما أفظع في التسلط والحرب على الإسلام وأهله؟ يهود اليوم أو اليهود الذين كانوا أيام النبي ﵊؟! من هم أشد كيداً وقوةً وحرباً على الإسلام يهود اليوم أم يهود الأمس؟ ثم نأتي ونقول: هذه الآية خاصة بزمن النبي ﵊! وكلما تورط هؤلاء العقلانيون الضلال بورطة في نصٍ شرعي، أقرب ما يكون لها أن يُزعم أن هذه خاصة بأيام النبي ﵊، وهكذا أي حكم شرعي لم يستطيعوا تطويعه والعبث به، وخداع الناس في شأن تنفيذه أسهل ما يقولون: هذه خاصة بأيام النبي ﵊. وكأن الله أنزل ديناً لسنواتٍ معينة، ثم ينتهي مفعوله، وكذلك بناءً عليه تباح الفروع الأخرى! فيما هو دون ذلك في قضية التهنئة بالأعياد مثلاً؛ لأن هذه بجانب هذه لا شيء، فإذا أجاز المودة وقال: إن العداوة أشد العداوة كانت في ذلك الزمان، إذاً قضية التهنئة بالأعياد ليس فيها شيء، قضية بسيطة وسهلة بجانب القضية الكبرى والقاعدة التي وضعت، وهي مسألة الأرضية المشتركة بيننا وبينهم. ثم يقال: إن العداوة بينا وبين اليهود هي عداوةٌ من أجل الأرض التي سلبوها وليست عداوة ًدينية، والله الذي لا إله إلا هو إذا كنا لا نكرههم لأنهم سبوا الله وقالوا: يد الله مغلولة، وأن الله خلق السماوات والأرض وتعب واستراح يوم السبت، وأن الله فقير ونحن أغنياء، إذا كنا لا نكرههم لأجل هذا فلا دين ولا إيمان، ولا خير فينا على الإطلاق. إذا كنا سنكرههم؛ لأنهم سلبوا شيئاً مادياً ودنيوياً وهو أرضٌ وزرعٌ، ولا نكرههم لأنهم سبوا إلهنا وخالقنا وأشركوا به، فأي خيرٍ فينا إذاً؟ وأي دينٍ وأي إيمان؟! أيها الإخوة: هناك ممارسات خطيرةٌ جداً تمارس في قضية العقيدة؛ تلبيساً وتشويهاً وتمويهاً، وخداعاً وتضليلاً على المسلمين، قل بحسن نية: يقصد ولا يقصد لكن هذه هي النتائج بوضوح. أيها الإخوة: إن الإنسان إذا شُتمَ وسبّ أبوه وأمه غضب وانتفخت أوداجه واحمر وجهه، فكيف إذاً يرضى بأن يحب أو يتقارب مع قومٍ سبوا إلهه، إذا كان الإنسان يغار على عرضه، أفلا يغار على دين ربه؟ لماذا إذا انتقص منا شيءٌ غضبنا، وإذا سلب منا مالٌ قمنا وفزعنا، وإذا انتقص شيءٌ من الدين سكتنا، ولم ندافع عن ديننا فأي خيرٍ في قومٍ هذه طريقتهم؟!!

стр. 961

قضية التأقلم مع الواقع عباد الله! وإن من التنازلات التي تقدم التنازل في الدعوة إلى الله ، إن التنازلات في هذا المجال كثيرةٌ وكثيرةٌ جداً، وتأتينا تحت مسمى التأقلم والتمشي مع الواقع، يُعرف علماء الاجتماع هذا بالتأقلم مع المعطيات الاجتماعية والعلمية المتجددة في العصر. التأقلم والتمشي والمسايرة يجب أن ننتبه جداً لهذه الدعوة الخطيرة بهذه السكين التي تذبح العقيدة! وتذبح الأحكام الشرعية، فإذاً لو قال لك إنسانٌ: أنا سأتأقلم مع الواقع المعاصر، وسأنتقل من استعمال الجمل إلى استعمال السيارة، نقول: هذا تأقلمٌ جيد في أمور الدنيا، تأقلم بما أباح الله! وساير وواكب وتمشى بما أباح الله، لكن لو أن أحداً قال لك في أحكام الدين: سنتأقلم ونتمشى ونساير الواقع؛ فاعلم أنه ضالٌ مضلٌ، مفترٍ كذابٌ، أشر وداعيةُ باطل؛ لأن المقصود تغيير الدين، لو قال: هذا حكمٌ ولا أستطيع تطبيقه، بل لو قال: وأنا عاصٍ لا أطبقه لكان أهون، لكن أن يقول: إن الحكم ليس هكذا، وأن الحكم قد تغير في هذا الزمان؛ الحكم قد تغير؟! هذه كارثة كبرى، وهذه مصيبة عظيمة!! ولذلك كان من الوسائل التي استعملها هؤلاء المنهزمون، قضية العقل في مواجهة النص الشرعي، وجاءوا بالأمثلة، فإذا قلت، ثبت في الصحيحين عن النبي ﵊ أنه قال: (يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح) قال عقلي لا يقبل هذا! والموت أمر معنوي وكيف يكون كبشاً أو حيواناً من الحيوانات؟! فنقول: ألست تعلم أن الله على كل شيء قدير؟!! إن الله قادر على أن يبعث هذه الأجساد بعد أن صارت بالية، فما بالك إذاً بأن يجعل الشيء المادي معنوياً والمعنوي مادياً، أليس الله على كل شيءٍ قدير؟! وعندما يأتي إلى حديث في البخاري: (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة) قال: هذا لا يتماشى مع الواقع، لابد أن نتأقلم مع الواقع، والواقع الآن فيه رفعٌ لراية المرأة، وحرية المرأة، ودور المرأة، فكيف نستطيع أن نجاهر بهذا الحديث في عالم اليوم؟ لا مكان لحديث البخاري في عالم اليوم! عالم اليوم: عالم الحرية، عالم رفع لواء المرأة وتحرير المرأة، وتوسيع دور المرأة، كيف نقول: (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة)؟ إذاً: هذا حديث لا يصلح أن يطبق في عالمنا اليوم!. ولذلك هؤلاء لا يمكن أن يقروا أبداً أمام الناس وفي الملأ والفتاوى الفضائية بحديثٍ مثل: (ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أسلب للب الرجل الحازم من إحداكن) ما يمكن أن يقول بهذا، لأنه يراها عيباً، وهذا من أسوأ أنواع الانهزام، أن يرى الإنسان نصاً شرعياً وحكماً دينياً، يراه عيباً، ولذلك لما عرض عليه الحديث قال: هذه كانت مزحة من النبي ﵊، مزحة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. كيف يكون هذا الكلام مزحة، وغير مقصود؟ هل النبي ﵊ يلبس على الناس ويقول كلاماً لا نعرف جده من هزله ولا نعرف مقصوده؟! أهذه مزحة؟! أهذا نبي أم لعب؟! أهذا مسلسل فكاهي؟! أم هو نبيٌ يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم! ثم يأتي إلى حديث: (ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين) يقول: مزحة!! فإذا قلت: قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (لا يقتل مسلمٌ بكافر) هذا مؤمن وذاك كافر لا يستويان عند الله فيقول: هذا مخالف للعدل، وهذا الحديث لا يليق بزماننا، سبحان الله! انظر للقضية لا يليق بزماننا! إذاً الزمان الآن هو الحاكم، والواقع هو المسيطر، والتشريع يأخذ من الواقع، وما كان مرفوضاً في الواقع فهو مرفوضٌ عنده، وما كان الواقع يقبله فهو مقبولٌ عنده، وليس ما يقبله الدين وما يرفضه الدين، وإنما ما يقبله الواقع وما يرفضه الواقع. فإذا قال لك إنسان: لو أن مسلماً قتل كافراً ماذا يكون عند الله؟ نقول: إذا قتله بحق، فهو مأجور، وتقرب إلى الله بقربةٍ من أعظم القربات، وإذا قتله معتدياً ظالماً فهو آثم عند الله (ومن قتل ذمياً بغير حق لم يرح رائحة الجنة) لكن شرعاً في القضاء الإسلامي لا يُقتل، مثل الوالد لو قتل ولده حكمه عند الله من جهة الإثم أنه آثم إثماً كبيراً. أزهق نفساً بغير حق، لكن الشارع هو الذي قال: لا يقاد والدٌ بولده، ولذلك لا يقتل الوالد، لاعتبارٍ معين يريده الشرع، لكن عند الله آثم يعذب في نار جهنم بالزبانية وبأشد العذاب، هذا أمرٌ معروف، لكن في الحكم والقضاء الشرعي لا يقتل! هذا شرع الله، فإذا قال لك: إن هذا ليس فيه عدل ولا إنصاف، كفر مباشرةً؛ لأنه يتهم الله بالظلم ويتهم الشريعة بالحدية. إذاً أيها الإخوة: تحت ثقل الواقع يرزح هؤلاء ويتراجعون عن أحكام الدين، ويشوهون الإسلام، وينقضون عرى هذه الشريعة عروةً عروة، باسم التأقلم والمسايرة والتمشي، ليس في الأمور الدنيوية، وإنما في الأمور الدينية وهذا هو الخطر. اللهم إنت نسألك أن تفقهنا في ديننا، وأن تبصرنا بشرعك يا رب العالمين، اللهم اجعلنا بدينك مستمسكين، اللهم إنا نسألك السلامة والعافية يا أرحم الراحمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 962

حكم من يرفض بعض الأحكام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله! قد عرفنا خطورة دعاوى هؤلاء الذين يريدون تغيير الأحكام الشرعية، ولا يقرون بالحدود مثلاً، فيرفضون تطبيق حد الردة، ويرفضون حديث النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) ويرفضون تطبيق حد رجم الزاني ويقولون: لا يتناسب مع العصر، ويرفضون قطع الأعضاء، مثل قطع يد السارق، أو إقامة حد المفسدين في الأرض، أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويقولون: هذه وحشية لا تتناسب مع العصر الحالي، عرفنا أن القائل بهذا ضالٌ مضل، بل إنه كافرٌ لأنه رافضٌ للحكم الشرعي الذي أنزله الله، ومن لم يرض بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يكفر الكافرين الذين كفرهم الله فهو كافرٌ كما نص العلماء، ومن رفض تكفير الكافر أو شك في كفره فهو كافر، لأن الله كفره، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ثم قال هذا أنا لا أكفره، أو أتوقف في كفره والله قد كفره وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] عرفنا إذاً على ضوء ما تقدم الذين يقولون: إن الربا لا شيء فيه في هذا العصر، أو أن القليل منه: (١%) / (٢%) لا يتجاوز (٥%) لا بأس به إذا كان باسم مصاريف إدارية! إن ذلك كله هراء وكلامٌ فارغ، وأنه خروجٌ عن الشرع، ومصادمةٌ لدين الله ، والذين يقولون إن الاختلاط اليوم لا بأس به تحت ضغط الواقع، وأن المدارس والجامعات لو صارت مختلطة فلا بأس بذلك تحت ضغط الواقع، وأن النساء لو تساهلن في بعض الأشياء المتعلقة بالحجاب لا بأس به تحت ضغط الواقع، ولو قادت المرأة السيارة وخرجت بين الرجال فلا بأس به تحت ضغط الواقع. إن كل هذه الدعاوى ضالة مضلةٌ، مصادمة للشرع ولو قالوا: إنكم متخلفون ورجعيون، وتنظرون إلى الوراء وغير ذلك، فنقول: الحمد لله، من تمسك بهدي النبي ﵊ فهو المفلح، نحن ننظر إلى النبي ﵊، وإلى هديه وسيرته فنأخذ عنها.

стр. 963

التحذير من تقديم التنازلات ونريد أن نذكر في هذا المقام في قضية ضغط الواقع والتأقلم والتمشي، ونحو ذلك من أنواع المسايرات ما يفعله بعض المقصرين من المسلمين في إدخال أمورٍ من المنكرات إلى بيوتهم وحياتهم. فيتساهلون بمجيء الخادمة بغير محرم، أو المرأة الكافرة إلى بيوتهم، وكذلك جلب أدوات اللهو وآلاته وأجهزته إلى بناتهم ونسائهم وأولادهم فيطلعون على الأمور المحرمة، ويتساهلون في اختلاط الرجال بالنساء في الأعراس مثلاً، وفي مصافحة المرأة للرجل في المقابلات العائلية، ويأمر زوجته بأن تترك الحجاب أمام إخوانه؛ لأن بالحجاب بزعمه تشتيتٌ للعائلة وتفريقٌ لهذه الجَمْعَة، وتخريبٌ لحلاوة السهرة، وإفسادٌ للوئام، ولمْ شمل العائلة كما يقولون. نعلم أن هذه كلها من التساهلات التي لا يرضى بها الشرع، وكذلك ما حدث من تقليد نساء المسلمين للكافرات في لباسهنّ وغير ذلك؛ وهذا كله من أنواع التساهل الذي فعله بعض الناس، قد يكون فعلاً بغير رغبة في المعصية، ولا إرادة مبدئية للخروج عن شرع الله، لكن فعلوه تحت ضغط النساء والأولاد، أدخلوا هذه المنكرات وأجهزة اللهو وسمحوا لبناتهم بممارسة أمور غير شرعية تحت ضغط هؤلاء، ومسايرة لهم، ومن كثرة إصرار زوجته عليه، ومما سمع من الكلام من بناته جلب ما جلب وسمح بما سمح، وتغاضى عما تغاضى عنه، وسكت عما سكت عنه! هذا حال كثيرٍ منا، لا يريد فعلاً أن يخرج عن شرع الله ابتداءً، ولو لم تكن هناك ضغوط لما رضي بهذا، هذا حال الكثيرين فيهم خيرٌ ودينٌ وطيبة، لكن تحت الضغط رضي بأشياء!! أيها الأخ المسلم! من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله ولو سخط الناس، رضي الله عليه وأرضى عنه الناس. أيها الأخ المسلم! قدم دينك قبل زوجتك وبناتك وأولادك، قدم حكم الله على ضغط الواقع، أين الصمود وأين القبض على الدين؟! نحن نعلم أننا في زمن كثرت فيه الفتن، وأن القابض على دينه يوشك أن يصل إلى مرحلة القبض على الجمر، لكن يا إخوان: أليست هذه مسئولية؟! أليس هناك حسابٌ يوم الدين؟! أليس الله سائل كل راعٍ عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع؟! إذاً لا بأس بالصبر على مرارة الضغوط من أجل تحصيل الحلاوة يوم القيامة! لا بأس بالصبر على ضغوط الواقع من أجل النجاة يوم الدين، عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة! ولذلك نذكر أنفسنا بيومٍ يجعل الولدان شيباً، بيومٍ طويل عبوسٍ قمطرير؛ أي طويل مهول يعبس الناس فيه من شدة الأهوال التي يرونها: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. أيها الإخوة: من خاف ربه لم يخف الناس! ومن خشي الله واليوم الآخر لم يخش الناس: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥] ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٣]. فمن وضع الآخرة نصب عينيه صبر على الضغوط، وصبر على ما يلقى من الأذى، وليس المقصود استعمال القوة دائماً والبطش، وإنما المعالجة بالحكمة؛ دارهم دون أن تغضب ربك! ليس على حساب الشرع، وإنما بالكلمة الطيبة، والحكمة والموعظة الحسنة، وفي النهاية الامتناع من قبلك عن جلب أي منكر، وعن الرضى بأي حرام لأجل أن يرضى الله عنك. اللهم ارض عنا يا رب العالمين، اللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك، وأسعدنا بتقواك، ولا تشقنا بمعصيتك، اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، وأصلح أولادنا وذرياتنا وبيوتنا يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا المسلمين في بلاد الشيشان، اللهم انصر المجاهدين في بلاد الشيشان، وفي كشمير وسائر البلدان يا رب العالمين! اللهم ارفع راية الجهاد، وأعلِ كلمتك في أرضك يا إلهنا يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين، وأذل الكافرين. اللهم إن نسألك أن تعاجل الروس واليهود والمشركين بنقمتك إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم أنزل بهم بطشك وعذابك، اللهم أرنا فيهم آية، اللهم أرنا فيهم آية، اللهم أرنا فيهم آيةً يا رب العالمين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم زجرك وعذابك. اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم من أراد بلدنا هذا وسائر بلاد المسلمين بسوءٍ فاجعل كيده في نحره، اللهم آمنا في الأوطان والدور، وارشد الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 964

مواقف تربوية مؤثرة من سير العلماء إن العلماء الربانيين هم القدوة الحسنة، لذلك لابد من معرفة المواقف التربوية في حياتهم حتى نتعلم منهم التربية الحسنة، ونستشف من مواقفهم العظيمة دروساً وعبراً وعظات، فلم يكن العالم صاحب علم فقط، بل كان صاحب علم ودين وتربية وأخلاق وآداب إذاً لابد من معرفة هذه المواقف والتأمل فيها والاستفادة منها هذا هو ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله في هذا الدرس، حيث إنه قد ذكر عدة مواقف تربوية للعلماء الربانيين السابقين، مبيناً أثرها في التربية.

стр. 965

حقيقة التربية عند العلماء السابقين الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله تعالى كما جمعنا في بيته هذا أن يجمعنا في دار الخلد في جنات النعيم، آمين وأشكر هذه الإدارة الكريمة على هذه الدعوة الكريمة في هذه الليلة، وأسأل الله أن يجزي بالخير جميع من حضر واشترك وساهم في إعداد هذه الدروس، التي نسأل الله أن ينفعنا بها جميعاً. أيها الإخوة: إن الله قد طلب منا أن نكون ربانيين، فقال: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩] والرباني: هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وهذه الأمة علماؤها الذين ساروا على هدي النبي ﷺ علماء ربانيون، مواقفهم تربي الناس. ما هو الموقف التربوي أيها الإخوة؟ هو كلمات أو تصرفات يقوم بها العالِم، أو طالب العلم، أو الداعية، أو مسلم من المسلمين، صاحب نيةٍ حسنة ينفع الله بها، تستقر في النفوس، وتعمل عملها في النفوس. وأبدأ بكلام لـ ابن الجوزي ﵀ يبين هذا المفهوم، يقول ﵀ في صيد الخاطر معبراً عن تأثره الشخصي بهذه القضية، قال: "ولقيت الجماعة من علماء الحديث أحوالهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه، وإن كان غيره أعلم منه، ولقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون، ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبةٍ يخرجونها مخرج جرح وتعديل، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة ويسرعون بالجواب؛ لئلا ينكسر الجاه وإن وقع الخطأ، ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف، لم يُسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه، فكان -وأنا صغير السن حينئذٍ- يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي -وهذا هو الشاهد- وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل، ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت، شديد التحري فيما يقول، متقناً محققاً، وربما سُئل عن المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن، وكان كثير الصوم والصمت، فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما، ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول، فالله الله في العمل بالعلم فإنه الأصل الأكبر. أيها الإخوة: إن علماءنا ﵏ ونفعنا بهم- وأهل العلم الذين عملوا بالعلم لا تزال سيرتهم تنقل عبر الأجيال، تؤثر في القريب والبعيد، والذي لم يشهد يقرأ هذه السير وينتفع بها من بعدهم، فيكون ذلك معيناً لأجورهم، لا ينضب عبر الأجيال، خلَّد الله ذكراهم بإقبالهم على الله وعملهم بالعلم. إن المواقف التربوية من سير العلماء هو ما ينبغي أن نتطلبه ونحن نؤكد على أهمية التربية، وكيف يربي الإنسان نفسه، وكيف يأخذها بمجامع الإيمان والأدب والخلق والعلم؟ هذه المواقف ينبغي أن نتوقف عندها وأن نتمعن فيها، وهي كثيرة جداً، وبعضها مشهور ومعروف، انتخبت بعضها؛ لكي تكون لنا ذكراً وتذكرة ونفعاً بإذن الله .

стр. 966

تعظيم الحديث عند السابقين كيف كانت النصوص الشرعية وأحاديث النبي ﷺ تؤثر في قلوب الناس ويكون لها وقع في قلوب الناس؟ لماذا تقرأ الأحاديث الآن ويندر أن تجد لها أثراً وقد كانت تقرأ من قبل ولها آثار عظيمة؟ السبب هو قلب الذي يقرأ وكيف تربى وكيف رُبىِّ بأحاديث النبي ﷺ ، كان مالك ﵀ من أشد الناس إجلالاً لحديث النبي ﷺ ، فعمن اكتسب هذا؟ يقول مالك ﵀ وقد سئل عن أيوب السختياني: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، قال: وحج حجتين فكنت أرمقه -وكلمة (أرمقه) مهمة في معايشة أهل العلم والفضل والأدب والخلق المربين- فلا أسمع منه غير أنه إذا ذُكر النبي ﷺ بكى حتى اخضل، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي ﷺ كتبت عنه. وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت؛ لما أنكرتم علي ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا ويبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة والتبسم؛ فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زماناً -المسألة ليست مشهداً ولا مشهدين ولا موقفاً ولا موقفين- فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي ﷺ فينظر إلى لونه كأنه نزف من الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبةً لرسول الله ﷺ ، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي ﷺ بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع، ولقد رأيت الزهري، وكان ممن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذُكر عنده النبي ﷺ كأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين؛ فإذا ذكر النبي ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه. إذاً: أيها الإخوة! كان للحديث شأن في نفس الإمام مالك؛ لأنه عايش وتربى على أيدي علماء كانوا يعظمون الحديث، فخرج معظماً للحديث مثلهم إن الأحاديث لها وقع في النفوس، ولها مكانة وهيبة. وكان هؤلاء العلماء من تربيتهم لتلاميذهم أنهم يشعرون المتلقي بعظمة العلم الذي يتلقاه وأهميته؛ فقد روى ابن أبي حاتم ﵀ عن عمران بن عيينة، قال: حدثنا عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، قد أخذت علم الله، فليس أحدٌ اليوم أفضل منك إلا بعملك، ثم يقرأ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [النساء:١٦٦] هذا المعلم يقول للمتعلم: انظر إلى العلم الذي تأخذه واعرف قدره ومنزلته. ولذلك كان للعلم تأثير عظيم في نفوسهم، وتعظيم نصوص الوحي والوقوف عندها وعدم الاعتراض عليها مبدأ مهم جداً في حياة المسلم، هذا المبدأ لو أُلقيت فيه محاضرات وخطب لا يكون مستقراً في النفوس كما لو صار مستقراً بمواقف وأحداث. قال الذهبي ﵀: وفي مسند الشافعي سماعنا: أخبرني أبو حنيفة بن سماك، حدثني ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي شريح: أن رسول الله ﷺ قال: (من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين، إن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله القود) الدية أو القصاص، يقول الراوي: فقلت لـ ابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا الحديث؟! فضرب صدري وصاح كثيراً، ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: أتأخذ به؟ نعم. آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى كل من سمعه، إن الله اختار محمداً ﷺ من الناس؛ فهداهم به وعلى يديه؛ فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك. وقال محمد بن أحمد البلخي المؤذن: كنت مع الشيخ ابن أبي شريح في طريق، فأتاه إنسان في بعض تلك الجبال، فقال: إن امرأتي ولدت لستة شهور، فكأنه يقول: هل هو ولدي أو ليس بولدي؟ فقال: هو ولدك، قال رسول الله ﷺ : (الولد للفراش) ما دامت الزوجة عندك، وما دامت الزوجية قائمة فهي فراشك، فعاوده -أي: السائل- فرد عليه بذلك، فقال الرجل: أنا لا أقول بهذا -غير مقتنع- فقال: هذا الغزو، وسل عليه السيف، فأكببنا عليه وقلنا له: جاهل لا يدري ما يقول، اعذره، تلطفنا معه حتى سلم منه. لقد كانت للنصوص هيبة عندهم، وتعظيم النص والتسليم له كان أمراً معروفاً عندهم، وقد يحتاج أحياناً العالِم لشيء من التأديب لبعض هؤلاء المعترضين. وهذه قصة ذكرها ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيره، ناقلاً عن ابن جرير، حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي، حدثنا وكيع بن الجراح، عن المسعودي، -ووكيع روى عن المسعودي قبل الاختلاط- عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجاً؛ فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا نماشى ونتحدث، قال: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي -سنح لنا، أي: أتى من الشمال، وإذا أتى من اليمين يقال: برح- فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ خشاءه -وهي المنطقة الناتئة خلف الأذن، أصابه في مقتله- فسقط ميتاً، قال: فعظّمنا عليه كيف تصيد في الحرم؟ قال: فلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر ﵁، فقص عليه القصة، وإلى جنبه رجل كأن وجهه قُلْبُ فضة -وهو السوار الذي يكون لياً واحداً، وكان عبد الرحمن بن عوف أبيض مشرباً بحمرة، وهذا هو الذي كان جالساً بجانب عمر - فالتفت عمر إلى صاحبه فكلمه -يتشاور معه في الحكم، ثم أقبل على الرجل، فقال: أعمداً قتلته أم خطأً؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه وما تعمدت قتله، فقال عمر: [ما أراك إلا أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها وأسق إهابها] وعلق الشيخ محمود شاكر ﵀: [وأسقِ إهابها] أي: إعط إهابها من يدبغه، ويتخذ من جلدها سقاء [قال: فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيها الرجل! عظم شعائر الله، عظم شعائر الله! فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها، ففعل ذلك، قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدرة، فعلا صاحبي ضرباً بالدرة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفهت الحكم؟! ثم أقبل علي -ليؤدبه- فقلت: يا أمير المؤمنين! لا أحل لك اليوم شيئاً يحرم عليك مني. فقال: يا قبيصة بن جابر! إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة، وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب] لا تستعجل وتعترض على الحكم، حكم به ذوا عدل من الصحابة وتخالف وتفتي بغير ما قلناه، وهذا التأديب يكون سلطة لبعض الناس قد لا تتوافر للكثيرين، لكن الشاهد أنه وسيلة، موقف يتربى عليه قبيصة من عمر رضي الله تعالى عنهما في الوقوف عند الفتوى، وفي عدم الاستعجال في تخطئة العلماء.

стр. 967

التأثر بالآيات عند العلماء السابقين أيها الإخوة: لماذا تكون بعض الآيات حية في بعض النفوس والضمائر؟ لماذا يكون لها تأثير؟ لأن هؤلاء تلقوها بنفوس مفتوحة، والذي علموهم إياها لم يعلموهم إياها بنفسٍ باردة، بل علموهم إياها بنفوس وقلوب حية، ولذلك بقيت الآيات لها تأثير. خذ مثلاً قول الله تعالى في سورة مريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١ - ٧٢] هذه الآية كان عدد من السلف إذا قرءوها بكوا بكاءً شديداً، [كان عبد الله بن رواحة واضعاً رأسه في حجر امرأته؛ فبكى فبكت امرأته، فقال: ما يبكيكِ؟ فقالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] فلا أدري أأنجو منها أم لا؟] وكان مريضاً هذه تربية من الزوج لزوجته على هذه الآية، والخشية من الله. وكان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: "ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنَّا واردوها، ولم نخبر أنَّا صادرون عنها"، قطعاً أنا واردون جهنم ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] لكن ليس عندنا شيء يثبت لكل واحد منا أنه سينجو منها. وعن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك واردٌ النار؟ -انظر إلى الموعظة وأسلوبها، هذا الأسلوب التربوي- قال: نعم. -تذكر الرجل الآية- قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟!

стр. 968

سيرة السلف وأثرها في التربية كان العلماء ﵏ يخفون أعمالهم بالعبادة؛ فيطلع الله بإخلاصهم بعض الناس على أعمالهم الخفية. إن على الإنسان أن يجتهد في عمله، لكن الله أحياناً يطلع بعض الناس من تلاميذهم أو من أصحابهم على أعمالهم الخفية، فإذا رأوها تأثروا بها؛ فيكون لذلك الموقف تأثير ما قصده الشخص، فما قصد الشخص أن يري الآخر عمله، لكن لإخلاص هذا الرجل يطلع الله بعض الناس على أعماله الخفية؛ فتكون تربيةً لهم. إن التربية -أحياناً- لا تكون مقصودة بالذات، لكن سيرة الرجل ما خفي منها وما ظهر كلها تربية، يقول حماد بن جعفر بن زيد: إن أباه جعفر بن زيد أخبره قال: خرجنا في غزاةٍ إلى كابول، وفي الجيش صلة بن أشيم؛ فنزل الناس عند العتمة فصلوا، ثم اضطجع، فقلت: لأرقبن عمله -هذا رجل يستحق أن نراقب أعماله، وننظر ماذا يفعل في خلوته وسره- فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون، وثب فدخل غيضةً قريباً منا ودخلت على إثره -ينظر ويراقب- فتوضأ فقام يصلي -دخل في مكان فيه أشجار حتى يستتر عن الناس في الليل ثم قام يصلي- وجاء أسد حتى دنا منه؛ فصعدت في شجرة، فلما سجد قلت: الآن يفترسه فجلس ثم سلم، ثم قال: أيها السبع! اطلب الرزق من مكانٍ آخر، فولى وإن له لزئيراً تصدع الجبال منه! قال: فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح جلس -جهاد وقيام ليل- فحمد الله بمحامد، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، ثم رجع وأصبح حتى كأنه بات -أي: بين الناس- وأصبحت وبي من الفزع شيء لا يعلمه إلا الله. وكذلك دخل رجل من طلاب النووي ﵀ المسجد في الليل، فإذا صوت شيخه النووي قائماً في الليل في المسجد، يقرأ آية ويرددها ويبكي، ويقرأ آية ويرددها ويبكي، وهكذا قال: فوقع في نفسي من الخشوع ما الله به عليم. إذاً: الناس المخلصون يُطلع الله على بعض سيرتهم بعض الناس فينقلونها، وكثير من هذه الأشياء موجودة في الكتب، هذه مواقف كانت مخفية، وبعضهم اطلع بعض طلابهم على شيء، فاستحلفه ألا يخبر به حتى يموت، وهدده أنه لو أخبر به أن يقاطعه ولا يكلمه أبداً ولا يعلمه حرفاً، ولذلك ما نشرت الأعمال إلا بعد موت الشخص، نشرت وسطرت ونقلت إلينا في الكتب. ومن هؤلاء عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قال علي بن الفضل: رأيت الثوري ساجداً، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه، وصلى بعد المغرب فسجد فلم يرفع حتى أذن العشاء، وكان الثوري ﵀ إذا صلى الليل اضطجع فرفع رجليه على الجدار ليعود الدم إلى أسفل من كثرة وقوفه.

стр. 969

إخفاء الأعمال وأثره في التربية إن إخفاء الأعمال له أثر تربوي كبير جداً، والإخلاص باب يفتح الله به على بعض الناس، يرى من خلاله سير بعض هؤلاء الذين أخفوا أعمالهم. ففي ترجمة محمد بن إسماعيل البخاري يقول أبو بكر بن منيف: كان محمد بن إسماعيل البخاري ذات يوم يصلي، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته اشتكى، فنظروا فإذا الزنبور قد أصابه بالورم في سبعة عشر موضعاً ولم يقطع صلاته، فلاموه، فقال: كنت في آية فأحببت أن أتمها. وما قطع الصلاة. يقول علي بن محمد بن منصور: سمعت أبي يقول: كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري، فرفع إنسان من لحيته قذاةً وطرحها إلى الأرض، فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس -الآن حركات محمد بن إسماعيل تحت المجهر من ذلك الرجل- والبخاري يراقب الناس وينظر إلى القذاة، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها على الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه لحيته. ففي هذا الموقف هل كان البخاري تقصد أن يراه ذلك الشخص؟ أبداً. لكن الموقف أطلع الله عليه واحداً ونُقل وسُطر، وفي سيرة البخاري يوجد هذا الموقف ويقرؤه طلاب العلم إلى الآن.

стр. 970

مواقف إثبات عقيدة السلف وأثرها في التربية وقد يكون الموقف -أحياناً- في تقرير السلف موقفاً تربوياً يظهر عقيدة السلف ويرد على البدعة فهذا الشيخ الصالح أبو جعفر الهمداني ﵀ لما صعد أبو المعالي الجويني على المنبر يقول: كان الله ولا عرش. وهو يريد أن ينكر العلو، وينكر استواء الله على عرشه، فقال: يا أستاذ! دعنا من ذكر العرش، هذا شيء قد ثبت بالسمع وهو أمر منتهٍ، أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، وما رفع داعٍ قط يديه يقول: يا ألله، إلا ونفسه وفطرته تطلب العلو، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حيرني الهمداني حيرني الهمداني، ونزل. هذا موقف واحد نصر الله به الحق موقف واحد قد يدخل به الإنسان الجنة موقف واحد يسكت به بدعة، أو ينصر به السنة خطبة واحدة أو درس واحد أو عبارة واحدة ينصر الله بها الحق، وتكتب عند الله حسنة عظيمة ترجح في الميزان، وربما لا ينقل عن بعض الأشخاص إلا موقف واحد فقط، ما عرفناه إلا من خلال هذا الموقف، لكن هذا الموقف لما كان عظيماً عند الله نُشر ونُقل وكتب الله له الخلود.

стр. 971

مواقف العلماء مع السفهاء وأثرها في التربية أحياناً يقع العالم في تعامله مع سفهاء جاهلين، فكيف يكون موقفه؟ وكيف يتعلم الناس منه؟ وما هو التصرف لو نصحت شخصاً فرد عليك بسفاهة؟ لو أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر فاعترض عليك بوقاحة؟ روى ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع: أن سالم بن عبد الله بن عمر مرَّ على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا منهي عنه -الجرس في عنق البعير والدابة في السفر منهي عنه- (لا تصحب الملائكة رفقة وفيهم جلجل) أي: جرس -فقالوا: نحن أعلم بهذا منك -بهذه السفاهة- إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به، فسكت سالم وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. وستأتينا -إن شاء الله- مواقف حول هذا الموضوع في تصرف العالِم مع السفيه ومع الجاهل.

стр. 972

صيانة العلم عمن لا يستحقه وأثره في التربية كيف تكون للعلم قيمة؟ عندما يصان عمن لا يستحقه، ولا يوضع في غير موضعه؛ كان المازني ﵀ من كبار علماء اللغة ذا ورع ودين، أراد يهودي أن يدرس النحو فقد حصّل جزءاً من هذا العلم فجاء ليقرأ على المازني كتاب سيبويه فبذل له مائة دينار وقال: أعطيك مائة دينار وأقرأ عليك كتاب سيبويه، فامتنع وقال: هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة آية ونيف، فلا أمكن منها ذمياً أنت يهودي وهذا كتاب وإن كان في اللغة لكن فيه ثلاثمائة آية، فلا أمكن منه ذمياً، ولذلك يعظم العلم في نفوس الأصدقاء والأعداء بمثل هذه المواقف.

стр. 973

التواضع وأثره في التربية من الأشياء التي نستفيدها من العلماء في مواقفهم: التربية في تواضعهم في أخذ العلم، وعزو العلم إلى قائله، ووصاياهم، فإذا ذكر شيء يقول الشخص: خفي عليّ، لم يكن لي به علم حتى أفادنيه فلان، هذه المسألة استفدتها من فلان، فلان علمني إياها، وهذا من التواضع. يقول أبو عبيد ﵀: زرت أحمد بن حنبل -والإنسان إذا ذهب يزور العلماء بنية الاستفادة يخرج بفوائد- فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقني وأجلسني في صدر المجلس، فقلت: يا أبا عبد الله! أليس يقال: صاحب البيت أو المجلس أحق بصدر بيته أو مجلسه؟ قال: نعم. يقعد ويُقعد من يريد، فقلت في نفسي: خُذ إليك أبا عبيد فائدة، ثم قلت: يا أبا عبد الله! لو كنت آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم، فقال: لا تقل ذلك، فإن لي إخواناً ما ألقاهم في كل سنة إلا مرة، أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم، فقلت: هذه أخرى يا أبا عبيد، فلما أردت القيام قام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله! فقال: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن يُمشى معه إلى باب الدار، ويؤخذ بركابه -والآن حتى يدخل السيارة ويغلق باب السيارة ويتحرك- قال: فقلت: يا أبا عبد الله! من عن الشعبي؟ قال: ابن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي، فقلت: يا أبا عبيد! هذه الثالثة. هذه نفسية المستفيد، والذي يقول: استفدت الفائدة من شيخنا فلان، أو شيخي فلان علمني إياها ونحو ذلك.

стр. 974

جداول العلماء وبرامجهم اليومية وأثرها في التربية أحياناً تكون جداول العلماء ودروسهم وبرنامجهم -كما يقال- اليومي بحد ذاته عبرة لطالب العلم أن يتربى على الاستفادة من الوقت، عندما ينظر هذا الشيخ يُشغل وقته في أي شيء؟ وكيف يمر يومه؟ وكيف يغتنم عمره؟ ففي ترجمة ابن حجر العسقلاني ﵀ يقول السخاوي تلميذه: وأما طريقته في تقضي أوقاته فكان في أوائل أمره يصلي الصبح بغلس في الجامع، ثم صار بعد ذلك لما انتقلوا إلى المدرسة وفيها مكان الصلاة يصلي فيها، ثم يجيء من خلوته النافذة لمنزل سكنه؛ فإذا فرغ من الصلاة فإن كانت لأحدٍ حاجة كلمه، ثم يدخل إلى منزله فيشتغل بأذكار الصباح أو التلاوة، ثم يأخذ في المطالعة أو التصنيف إلى وقت صلاة الضحى فيصليها، ثم إن كان بالباب من يستأذن للقراءة ظهر إليهم، فقرأ بعضهم روايةً وبعضهم درايةً، واستمر جالساً معهم إلى قريب الظهر، ثم يدخل إلى منزله قدر ثلث ساعة، ثم يقوم فيصلي الظهر داخل بيته، ثم يطالع أو يصنف إلى بعد أذان العصر بنحو ثلثي ساعة أو أقل أو أكثر، فيظهر إلى المدرسة فيجد الطلبة في انتظاره، فيصلي بهم العصر ثم يجلس للإقراء، وفي غضون قراءتهم عليه وكذا في نوبة الصباح يكتب على ما يجتمع عنده من الفتاوى الحديثية والفقهية، وربما دار بينه وبين بعض الطلبة الكلام في بعضها، ولا ينتهي غالباً من هذه الجلسة إلا عند الغروب، فيدخل إلى منزله، فإن لم يكن صائماً تعشى، وإلا انتظر الأذان فيأكل ثم يصلي ويشتغل أو يطالع إلى أن يسمع العشاء؛ فيقوم إلى المدرسة فيجد جمعاً من الطلبة أيضاً في انتظاره، فيصلي ركعتين، ثم يجلس للقراءة غالباً، أو للمذاكرة أكثر من ساعة، ثم يقوم فيصلي العشاء بالجماعة، ثم يدخل إلى بيته فيصلي سنة العشاء، وهكذا ﵀. هذا البرنامج اليومي والجدول الذي كُله نفع وإفادة واستفادة، هذا الوقت وهذا اليوم المليء بالغنائم هذا بحد ذاته -أيها الإخوة- فائدة، وعندما يراه طلابه يحصل في نفوسهم من الحماس للعلم الشيء الكثير، كان ﵀ يغتنم وقته، حتى أوقات الانتظار الطارئة كان يغتنمها، توجه مرةً إلى المدرسة المحمودية فلم يجد مفتاحها، كان قد سها عنه بمنزله -نسي المفتاح- فأمر بإحضار نجار ليصنع المفتاح، وشرع في الصلاة إلى أن انتهى النجار من فتح الباب، فقيل له: لو أرسلت وأحضرت المفتاح من البيت كان أقل كلفة! قال: هذا أسرع، ويحصل الانتفاع بالمفتاح الثاني، النسخة الثانية هذه مفيدة.

стр. 975

مواقف فيها توبيخ وتقريع وأثرها في التربية نرجع مرةً أخرى إلى المسألة التي سبق أن قلنا: إن الإنسان أحياناً أو صاحب العلم يحتاج إلى موقف أو يكون في موقف يتعامل فيه مع جاهل أو سفيه، وتقتضي القضية أحياناً شيئاً من التقريع والتوبيخ، لكن إذا كانت ممن يقبل كلامه فإنها تكون فائدة تربوية مؤثرة؛ لأن بعض الناس لا يقبل منهم لو قال. جلس أعرابي إلى يزيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني -أعرابي جاهل- وإن يدك لتريبني -يتهم الشيخ بأن يده يد سارق- فقال يزيد: ما يريبك من يدي؟ إنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال يزيد بن صوحان: صدق الله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧]. فالموقف -أحياناً- يحتاج إلى شيء من التقريع والتوبيخ لأمثال هؤلاء السفهاء. ومن أمثلة هذا أيضاً: أن رجلاً جاء إلى أبي عبيد وهو من كبار علماء اللغة، وكان ﵀ فقيهاً، وهو صاحب كتاب الأموال، فسأله عن الرباب فقال: أريد أن أعرف معنى الرباب. فقال: هو الذي يتدلى دوين السحاب -تحت السحاب بقليل- وأنشده بيتاً لـ عبد الرحمن بن حسان: كأن الرباب دوين السحاب نعام تعلق بالأرجل فقال: لم أرد هذا -ليس هذا مقصودي- قال أبو عبيد: فالرباب اسم امرأة، وأنشد: إن الذي قسم الملاحة بيننا وكسا وجوه الغانيات جمالا وهب الملاحة من رباب وزادها في الوجه من بعد الملاحة خالا فقال: لم أرد هذا أيضاً، فقال أبو عبيد: عساك أردت قول الشاعر: رباب ربة البيت تصب الخل في الزيت لها سبع دجاجات وديك حسن الصوت قال: هذا أردت -هذا هو الذي أبحث عنه- قال: من أين أتيت؟ قال: من البصرة. قال: على أي شيء جئت: على الظهر أم على الماء؟ -على دابة أم على سفينة؟ - قال: في الماء. قال: كم أعطيت الملاح؟ قال: أربعة دراهم. قال: اذهب واسترجع منه ما أعطيته، وقل: لم تحمل شيئاً فعلام تأخذ مني الأجرة؟ فقد يبتلى العالِم أو طالب العلم بأسئلة جهلة، يفترض فيهم في البداية حسن الظن، ويعطيه الأدلة وأقوال العلماء، ثم يتبين لهم أنهم في سخرية، فهنا يكون عليهم صارماً، هذا علم وليس لعب، هذا علم ينبغي أن يُوقر، فلما وجد الرجل خالياً قال له ما قال تربية له وتقريعاً وتوبيخاً لأمثاله.

стр. 976

أخلاق العلماء وأثرها في التربية ونتعلم أيها الإخوة من سير العلماء: التربية على الأخلاق. مواقف يتربى فيها المطلع على أخبارهم وعلى أخلاقهم.

стр. 977

العلماء والكرم خذ مثلاً كرم الزهري وهو يعد من كبار المحدثين، وهو الآن -إن شاء الله- في قبره تجري عليه الأجور أنهاراً إن شاء الله، فما من كتاب من كتب الحديث إلا وفي سنده محمد بن شهاب الزهري، هذا الرجل لم يكن فقط محدثاً وينفع الناس بالعلم، بعض الناس يتخيلون أن العالِم ليس عنده إلا العلم والفقه والحلال والحرام والأحكام والشروح، لا العلم وشخصية العالِم وطالب العلم أوسع من هذا بكثير، إنها خُلق وأدب. يقول الليث: كان ابن شهاب من أسخى من رأيت، وكان يعطي كل من جاءه وسأله، حتى إذا لم يبق معه شيء تسلف من أصحابه فيعطيهم، حتى إذا لم يبق معهم شيء تسلف من عبيده، وربما جاءه السائل فلا يجد ما يعطيه فيتغير وجهه، فيقول للسائل: أبشر فسوف يأتي الله بخير، قال: فيقيض الله لـ ابن شهاب على قدر صبره واحتماله أحد رجلين: إما رجل يهدي له، وإما رجل يبيعه وينظره. وكان -رحمه الله تعالى- ينفق على طلابه، يقول زياد بن سعد للزهري: إن حديثك ليعجبني، لكن ليست معي نفقة فأتبعك، فقال له الزهري: اتبعني أحدثك وأنفق عليك. وكان يأتيه الأعراب في البادية يفقههم ويعظهم كان يقصد الأعراب، مثلما نقول الآن: عليكم بالقرى والهجر اخرجوا للقرى والهجر اشتغلوا بالدعوة إلى الله في البادية، هناك أناس فيهم جهل عظيم، بعضهم لا يحسن الفاتحة ولا تصح صلاته، ولا ولا إلخ. وذات مرة ذهب إليهم واعظ، فوعظهم بعد الصلاة، فقال له إمامهم: يا شيخ، هل خروج الريح ينقض الوضوء؟ قال: نعم. من نواقض الوضوء. قال: والله لقد كان يخرج مني الريح وأصلي كل السنوات الماضية، وهو إمامهم، وربما سرد له أبياتاً من الشعر النبطي على أنها سورة من القرآن، أو أكمل لهم السورة بأبيات أو بأشياء من هذا الشعر. كان الزهري ﵀ يقصد الأعراب في البادية يفقههم ويعظهم ويقدم إليهم الطعام؛ لأن هؤلاء الأعراب جزء كبير من مفتاح السيطرة عليهم، يكون بإكرامهم وإعطائهم. قال مالك بن أنس: كان ابن شهاب يجمع الأعراب، فيتذاكر بهم حديثه، يعيد الأحاديث فيستفيد هو، فإذا كان الشتاء شق لهم العسل وجاء بالزبد، وإذا كان الصيف شق لهم وجاءهم بالسمن، فجاءه أعرابي وقد نفذ ما في يده، فمد الزهري يده إلى عمامته؛ فأخذها عن رأسه فأعطاها للرجل، وقال: يا عقيل! أعطيك خيراً منها. هذا تلميذه الخاص، ومثل هذا بينه وبينه خصوصية، قال: أعطيك خيراً من هذه. وكان -رحمه الله تعالى- يقدم لطلابه كذا وكذا لوناً، ونزل الزهري مرةً بماء فشكا إليه أهل الماء أن لنا ثماني عشر امرأة عمرية، أي: لهن أعمار وليس لهن خادم، فاستلف ثمانية عشر ألفاً وأخدم كل واحدة خادماً بألف وقال عمرو بن دينار: ما رأيت الدرهم والدينار على أحد أهون منه على ابن شهاب، ما كانت عنده إلا بمنزلة البعر، وهل للبعر قيمة؟ فكذلك الدراهم والدنانير ذر ذا وأثنِ على الكريم محمد واذكر فواضله على الأصحاب وإذا يقال من الجواد بماله قيل الجواد محمد بن شهاب أهل المدائن يعرفون مكانه وربيع ناديه على الأعراب فهذا الكرم يفعل ما يفعله في اجتذاب النفوس، والطلاب إذا رأوا الشيخ يكرمهم اقتدوا به فأكرموا، وكان شعبة ﵀ يُسمى أبا الفقراء، وكان صبيان الحي ينادونه: بابا بابا، هكذا ورد في كتب العلماء في سيرة شعبة، من كثرة ما كان يعطيهم، وكان يقول: والله لولا الفقراء ما جلست إليكم، فإني أحدث ليعطوا، وقال: لولا حوائج ما حدثتكم، ويقصد بالحوائج حوائج لنسوة ضعاف، وكان إذا قام في مجلسه سائل توقف عن الحديث حتى يُعطى السائل، وجاء مرة سائل فجلس فجأةً، فارتاب شعبة، وقال: ما شأنه؟ كيف جلس فجأةً؟ فقيل: ضمن عبد الرحمن بن مهدي أن يعطيه درهماً، قال له: اجلس وعلي درهم؛ ليمضي الشيخ في حديثه، وكان كريماً سخي النفس، وكان إذا ركب مع قوم في زورق دفع إيجار الزورق عنهم جميعاً. وكان الخطيب البغدادي ﵀ يتعاهد تلاميذه، يقول أحدهم وهو الخطيب التبريزي: دخلت دمشق، فكنت أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إلي وقال: أحببت أن أزورك تصور الآن العالِم عندما يزور طالب العلم، كم تكون كبيرة وعظيمة في النفس! وهذا موقف تربوي عظيم، الأعلى يزور الأدنى، هذا الشيخ يزور تلميذه الساكن في منارة المسجد، أو قل الآن: في غرفة المؤذن أو غرفة الفراش، ربما يسكن فيها أحد هؤلاء قال: فتحدثنا ساعةً، ثم أخرج ورقة، وقال: الهدية مستحبة، اشتر بهذه أقلاماً، ونهض وذهب، ففتحتها فإذا خمسة دنانير مصرية، ثم إنه صعد مرةً أخرى ووضع نحواً من ذلك. أحد المشايخ في هذا الزمن من الأفاضل، فقد أحد الطلاب نعاله عند المسجد، فخرج الطالب فما وجد النعال بعد الدرس؛ فعرف الشيخ، فأصر عليه أن يأخذه معه بسيارته إلى السوق، ودخل مكان النعال واشترى له نعالاً، ودفع الشيخ القيمة، وأصر على أن يدفع القيمة هو، وأعاده إلى مكانه. أيها الإخوة: هذه المواقف وإن كانت قد تبدو بسيطة، لكن أثرها عظيم في النفوس، فإن التربية مواقف وتصرفات وكلمات ينفع الله بها وتستقر في النفوس.

стр. 978

مواقف تربوية في تعليم الأخلاق لقد كان لهم مواقف تربوية في تعليم الأخلاق، وحسن الخلق، قيل للحسن البصري: إن فلاناً اغتابك -الآن ما هو التصرف المتوقع- فبعث إليه طبقاً من الحلوى، وقال: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك. هذا موقف مؤثر في النفس، وهل ترى مثل هذا سيغتاب الحسن مرةً أخرى؟! هذا طبق حلوى فيه موعظة، ليس فيه حلوى بل فيه موعظة. وفي تواضعهم ﵏ مواقف تربوية كيف يتعلم الطلاب التواضع عندما يرون الشيخ متواضعاً؟ سأل الدارقطني أحدُ تلاميذه، وقال: هل رأيت مثل نفسك؟ قال الدارقطني: قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] فقال: هل تعرف أحداً أحفظ منك يا شيخ؟ قال: يقول الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] وكذلك سئل ابن حجر ﵀: أنت أحفظ أم الذهبي؟ فسكت وما أجاب. والمواقف التي تُنقل عن العظماء والأجلاء، عندما يأتي أحدهم إلى الإمام أحمد ﵀ ويتمسح به، فينتفض ويدفع الشخص ويزجره، ويقول: عمن أخذتم هذا؟! من أين أخذتم هذا؟! والذي يأتي ويقول له: ادع لي، يطلب الدعاء؛ فيزجره الإمام أحمد ﵀ ويذهب، ويقول: مني لا يطلب الدعاء، أنا أدعو لك! فإذا خلا بنفسه دعا له، والذي يقول له: جزاك الله عن الإسلام خيراً، فيقول: بل الإسلام جزاه الله عني خيراً، ومن أنا؟! موقف تربوي عندما يكتب ابن تيمية ﵀ لـ ابن القيم خطاباً، ويقلب ابن القيم الخطاب ويجد مكتوباً وراءه: أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي عندما يقرأ التلميذ كلام الشيخ في ذمه لنفسه، هذا هو الشيء الذي يُعلم التواضع، وليس أن يمدح بعض الناس، فكأنه يقول: زد قليلاً زد قليلاً.

стр. 979

الدفع بالتي هي أحسن من الأخلاق التي نتعلمها من المواقف التربوية في الأخلاق: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]. كان ابن جرير الطبري ﵀ يجلس في حلقة داود الظاهري، وابن جرير ﵀ رزق فقهاً وفطنةً، فلاحظ بعض الأشياء الغريبة في منهج داود، فكان يناقشه في هذه المسائل، حتى ضاق أحد أصحاب داود الظاهري فأفحش الكلام في الطبري، وكلمه كلاماً فظاً غليظاً، فلم يفعل الطبري شيئاً، قام من المجلس وبدأ في تصنيف كتاب في مناقشة مذهب داود الظاهري، وأخرج منه مائة ورقة، فلما مات داود قطع الطبري كتابه. فقام محمد بن داود للرد على أبي جعفر، وتعسف عليه، وصنف مؤلفاً فيه سب للطبري، إلى أن جمعتهم المصادفة في منزل، فلما عرف الطبري أن هذا الذي ألّف فيه كتاباً يذمه رحب به، وأخذ يثني عليه ويمدحه ويصفه بالصفات الكريمة، فماذا حصل؟ لما رجع محمد بن داود إلى منزله قطع الكتاب وأتلفه لحسن أخلاق ابن جرير ﵀ امتص الموقف، وسجلت لـ ابن جرير ضمن حسناته، وهي مكتوبة في سيرة ابن جرير إلى الآن رحمه الله تعالى. وجاء ذات مرة رجل معتوه إلى ابن حجر ﵀ وهو في إحدى الحِلق في أحد الدروس، وبدأ يسب الحافظ ابن حجر ﵀ بالألفاظ القبيحة، فقال الإمام: نقوم إلى أن يفرغ أو يروح، ونهض، هذا هو كل الذي فعله ابن حجر، ما قال لطلابه: خذوه وارموه في الشارع، بل قال: نقف حتى ينتهي هذا السفيه، وقام ودخل إلى الغرفة ورد بابها يسيراً، فترك المعتوه المكان وانصرف، فظن ابن حجر أن المعتوه لن يعود، ففتح باب الغرفة ووقف فإذا بالمعتوه قد أقبل من باب آخر، وزاد على ما كان عليه، فقال ابن حجر لتلاميذه: ما بقي إلا الانصراف، وأغلق الباب ولم يمكن أحداً من التعرض له، وسمع أن الوالي قد أخذ هذا وحبسه فتوسط له وأطلقه. إن الموقف التربوي الذي حصل أهم من إكمال الدرس في نظره؛ لأن هذا الموقف لا يقل أهمية وفائدة عن إكمال الدرس. واجتاز ابن جحر ﵀ يوماً في طائفة من جماعته بباب جامع الغمري، فبدت من شخصٍ يوصف بالجذب -إنه مجذوب- كلمات يقول لـ ابن حجر وهو ماش: عمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، والعلم عند الله. فأراد بعض طلاب ابن حجر ﵀ أن يعزروه، فامتنع وقال: دعوه، هذا مجذوب يترك له حاله. المسألة تحتاج إلى حلم وامتصاص المواقف، وكثير من المواقف التي فيها مثل هذه الأشياء تحتاج إلى حلم.

стр. 980

ربط النصوص بالواقع من المواقف التي نتعلمها من أهل العلم: ربط النصوص بالواقع؛ فإنه يثمر موقعاً عظيماً في النفس، كان الحسن إذا حدث بحديث الجذع وحنين الجذع إلى النبي ﷺ ، حتى نزل النبي ﷺ وضمه إليه حتى سكن الجذع، يقول الحسن بعد هذا: يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. إنه الربط بين الموعظة وبين الناس الحاضرين، بين الحديث والكلام الذي يقال، بين الواقع وبين الناس، الربط هو الذي يجعل المسألة مؤثرة. قال رجل قبل موت الحسن لـ ابن سيرين -وابن سيرين كان معروفاً بتأويل الرؤى-: رأيت كأن طائراً أخذ أحسن حصاةٍ في المسجد فقال: إن صدقت رؤياك مات الحسن. فلم يكن إلا قليلاً حتى مات الحسن ﵀، فإن أحسن حصاة في المسجد الحسن رحمه الله تعالى. ومن الربط بين النصوص والواقع: حادثة وقعت للإمام شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني -كما وصفه الذهبي في السير، وهو من أئمة أهل السنة، ألف عقيدة مهمة وعظيمة في بيان عقيدة أهل السنة، كان أبو عثمان الصابوني يعظ في المجلس، فدُفع إليه كتاب ورد من بخارى مشتملٌ على ذكر وباء عظيم بها، ليدعو لهم، ووصف في الكتاب أن رجلاً أعطى خبازاً درهماً، فكان يزن والصانع يخبز والمشتري واقف، فمات ثلاثتهم في ساعة من شدة الوباء، فلما قرأ الكتاب هاله ذلك قرأ الشيخ على الطلاب في الدرس الرسالة الواردة من بخارى بهذا الداء العظيم، فاستقرأ من أحد الطلاب قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [النحل:٤٥] الآيات، ونظائرها من الآيات التي فيها ابتلاء الله وإنزال العقوبة، وبالغ بالتخويف والتحذير، وأثر ذلك فيه وتغير، وغلبه وجع البطن، وأنُزل من المنبر من الوجع، فحمل إلى بيته أسبوعاً كاملاً من الألم، فأوصى وودع أولاده ومات رحمه الله تعالى. كم يا ترى سيتأثر الطلاب والناس من هذا الموقف؟ وعندما ربط لهم الشيخ بين الداء الذي صار وبين الواقع، وأدخل آيات في الموضوع، واستقاها من القارئ هذه مواقف تربوية تزيد الإيمان ولا شك.

стр. 981

عفة العلماء وأثرها في التربية ومما نتعلمه -أيها الإخوة- من سير علمائنا في مواقفهم العظيمة في الأخلاق: العفة والتعفف عما في أيدي الناس. يقول عمر النسوي: كنت في جامع صور عند الخطيب البغدادي ﵀، فدخل عليه بعض العلوية وفي كمه دنانير، وقال للخطيب: فلان -وذكر بعض المحتشمين من أهل صور - يسلم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مهماتك -أعطاه مالاً- فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه، وقطب وجهه، فقال العلوي: فتصرفه إلى بعض أصحابك، قال: قل له يصرفه إلى من يريد. فقال العلوي: كأنك تستقله، ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها، وقال: هذه ثلاثمائة دينار! فقام الخطيب محمر الوجه! وأخذ السجادة ونفض الدنانير على الأرض وخرج من المسجد. قال الفضل بن أبي ليلى: ما أنسى عز خروج الخطيب وذل ذلك العلوي وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقق الحصر ويجمعها التعفف عما في أيدي الناس يؤدي إلى العزة، إنه موقف عظيم، وفيه تربية على التعفف والعزة. وفي هذه المناسبة قصة المحاميد الأربعة المشهورة، لما جمعت الرحلة بين محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني ومحمد بن إسحاق بن خزيمة بـ مصر، والمحدثون وعلماء الحديث فيها، فأرملوا وافتقروا ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضر بهم الجوع، فاجتمعوا ليلةً في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الاستخارة، فاندفع في الصلاة، ماذا قال ابن خزيمة في صلاته؟ الله أعلم، كيف رغب إلى الله؟ الله أعلم، كيف لجوؤه إلى ربه؟ ربه يعلم، فإذا هم بالشموع وغلام من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا الباب، فنزل عن دابته، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو هذا، فأخرج صرةً فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فقالوا هو ذا، فأخرج صرةً فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن هارون؟ فقالوا: هو ذا فأخرج صرةً فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟ فقالوا: هو ذا يصلي -في الصلاة- فلما فرغ دفع إليه الصرةً وفيها خمسون ديناراً، ثم قال: إن الأمير كان قائلاًَ بالأمس -أي: نائماً في الظهيرة- فرأى في المنام خيالاً يقول: إن المحامد -المحمدون هؤلاء الأربعة- طووا كشحهم جياعاً وهم عندك، فسأل: من هم المحمدون؟ من هم رفقاء محمدون؟ قالوا: هم الأربعة، فأرسل إليكم، وأقسم عليكم إذا نفذت أن تبعثوا إليه يمدكم بغيرها. إن العفة عما في أيدي الخلق جلب لهم الرزق من الله ، برؤيا أراها الله ذلك الرجل؛ فحركته لتفقد حالهم.

стр. 982

مواقف تربوية مع آداب العلماء بالإضافة إلى الأخلاق: الآداب العظيمة التي نتعلمها، وسير العلماء الصالحين -أيها الإخوة- هذه عبر وفوائد مليئة بالمواقف التربوية، فهذا شيخ عظيم من المحدثين، جالس في الحلقة في الدرس وكانت أمه كبيرة في السن، والدرس في بيته، فتقول له: يا فلان، قم ألقِ الشعير للدجاج. الآن هذا صاحب الفضيلة العلامة الحافظ الشيخ في المجلس يدرس الطلاب، وأمه كبيرة في السن قد لا ترعى كثيراً من الانتباه لمثل ذلك، وعندها دجاج، ويحتاج إلى شعير، فقالت: يا فلان، قم ألقِ الشعير للدجاج، فترك الدرس وقام يلقي الشعير للدجاج ويرجع، براً بأمه، ولم يقل لها: عيب! الناس أمامنا، وسأفعل بعد الدرس، هذا الكلام الذي قد يقوله أي أحد، ولكن يقطع الدرس ويذهب. وبعضهم ربما يصبر على أمر من هذا، قد يُبتلى بوالد فيه شيء في عقله، مثل واحد من كبار المحدثين كان له والد يجلس في المجلس في وسط الناس، فيرى الناس مجتمعين على ولده فينبسط ويقول: إن هذا خرج من هذا، ويشير إلى عورته؛ متباهياً بولده، وهذا من خفة عقله، فيصبر عليه براً به، وما نهره وما طرده وما قال: هذا يمنع عن المجلس، والناس يقدرون له، ويقدرون للعالِم موقفه براً بأبيه! ومما علمونا آداب الطعام، كيف كانوا يأكلون؟ من آداب الطبري في الأكل: أنه كان إذا تناول اللقمة سمى ووضع يده اليسرى على لحيته، وكان له لحية كثة، فيضع يده اليسرى على لحيته ليوقيها من الدسم، فإذا حصلت اللقمة في فيه أزال يده، ويتناول الطعام لقمةً لقمةًً من جانبٍ واحدٍ من القصعة. يقول محمد بن إدريس الجمال: حضرنا يوماً مع أبي جعفر الطبري وليمة، فجلست معه على مائدة، فكان أجمل الجماعة أكلاً، وأظرفهم عِشرةً، وكان الطبري إذا جلس لا يكاد يُسمع منه تنخم ولا تبصق - ليس مثل بعض الناس، يخرج البلغم من آخر شيء ومن أول شيء، وبأعلى صوت، والجشاء حدث ولا حرج- وإذا أراد أن يمسح ريقه أخذ ذؤابة منديله ومسح جانبي فمه هكذا بغاية الأدب في أكلهم، وما يخرج منهم شيء من الأصوات أو اللعاب، وهذا فيه غاية الأدب. هل سمعتم رفسة تربوية؟! قال أحمد بن منصور الرمادي: خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين خادماً لهما؛ فلما عدنا إلى الكوفة، قال يحيى بن معين لـ أحمد بن حنبل: أريد أن أختبر أبا نعيم. فقال له أحمد بن حنبل: لا تفعل الرجل ثقة، فقال يحيى بن معين: لابد لي، فأخذ ورقةً فكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديثه، ثم جاءوا إلى أبي نعيم، فدق عليه الباب، فجلس على دكان طينٍ مرتفع -حذاء بابه- وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بن معين الطبق فقرأ عليه عشرةَ أحاديث وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال له أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث على رأسها الزائد، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث وقرأ الحديث الثالث على رأسها، فتغير أبو نعيم -عرف أن المسألة امتحان- وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين فقال: أما هذا -وذراع أحمد بن حنبل في يده- فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا -يريدني- فأقل من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل! ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين، فرمى به من الدكان وقام فدخل داره، فقال أحمد لـ يحيى: ألم أمنعك من الرجل! وأقل لك: إنه ثبت؟! قال: والله إن رفسته أحب إلي من سفري. وماذا نقول -أيها الإخوة! - في قصص علمائنا ومواقفهم، ولقد لفت نظري مرةً خبر في سير أعلام النبلاء، فقلت: سبحان الله! هؤلاء العلماء من قديم يؤخذ منهم المواقف، ليس فقط منهم، بل من بعض العامة نأخذ مواقف، بل من بعض اللصوص، وهذا خبر طريف نختم به المجلس: يقول أحمد بن المعذل: كنت عند ابن الماجشون، فجاءه بعض جلسائه، فقال: يا أبا مروان أعجوبة! خرجت إلى حائطي بالغابة، -بستان- فعرض لي رجل -قاطع طريق في مكان مهجور- فقال: اخلع ثيابك، فقلت: لم؟ قال: لأني أخوك وأنا عريان، قلت: فالمواساة -نقسمها بيني وبينك- قال: لقد لبستها برهةً -بقي دوري أنا- قال: فتعريني: قال: قد روينا عن مالك أنه قال: لا بأس أن يغتسل الرجل عرياناً. قلت: ترى عورتي! قال: لو كان أحد يلقاك هنا ما تعرضت لك -لو أعرف أن هنا أناساً سيكونون في هذا المكان لما خرجت عليك في هذا المكان أصلاً- قلت: دعني أدخل حائطي وأبعث بها إليك. قال: كلا! أردت أن توجه عبيدك فأمسك. قلت: أحلف لك. قال: لا تلزم يمينك للص، فحلفت له بها طيبةً بها نفسي، فأطرق يفكر، ثم قال: تصفحت أمر اللصوص من عهد النبي ﷺ إلى وقتنا فلم أرَ لصاً أخذ بنسيئة -بالآجل لابد أن يكون نقداً- فأكره أن أبتدع، فخلعت له ثيابي. أيها الإخوة: نحن بحاجة وبخاصة في هذا الزمان الذي قل فيه العلم وقلَّت فيه التربية، وقد يوجد عند بعض الناس علم ولا يوجد تربية نحتاج حاجة ماسة للتربية، ونحتاج للمربين، والمربون الذين يحسنون التربية قلة، ولكن الذكي صاحب البصيرة لن يعدم أن يجد ولو من الأموات من يستفيد من سيرتهم ويتربى عليها. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا من الربانيين الذين يعلمون الناس، ونسأله أن يرزقنا العلم النافع وحُسن الخلق وحُسن الأدب، والإخلاص في القول والعمل، إنه سميع مجيب قريب.

стр. 983

الأسئلة

стр. 984

العلماء المعاصرون وبعض مواقفهم في التربية السؤال إن التعرض حصل للعلماء الماضين، ولم يحصل شيء للعلماء المعاصرين، فهل من شيء حول هذا الموضوع؟ الجواب سير العلماء في الغالب تكتب بعد وفاتهم، وأحياناً يُضيع العالِم طلابه، فلا يكتبون سيرته، ومن جهة أخرى في هذا الزمان العلماء قلة. وثانياً: لا يوجد حرصٌ شديد على كتابة سيرهم، وجمع أخبارهم، ولذلك لا ترى كثيراً من الأخبار، ولكن الذي يتقصى ويستمع ويحرص أن يسمع من طلاب الشيخ ومعاصريه، ستجتمع عنده أخبار الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ المفتي السابق كانت له ثلاثة مجالس، يدرس ثلاثة مستويات، للمتقدمين درس، وللمتوسطين درس، وللمبتدئين درس، ولو لاحظ أن أحد المبتدئين جاء إلى درس المتقدمين يطرده وينهره، ليس هذا مكانك، وليس من هنا تبتدئ، وهذا يورث العجب. وكان -أيضاً- من الذين يزعِون بالقوة، خصوصاً أن السفاهة موجودة في كثير من الناس، فكان يستعمل الشدة في دين الله مع من يستحق الشدة، وفتاواه ﵀ فيها أشياء من هذا، وقد حصل مرةً أن بعض أهل الحسبة صادروا من شخص كتاب تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، وفي هذا الكتاب تعرض لأئمة الدعوة، وسب لأئمة الدعوة، فالرجل هذا من عِوجه أرسل للشيخ يقول: أرجعوا لي الكتاب الذي صادرتموه أو عوضوني، وكان أخذ منه عدة نسخ، فقال الشيخ: أما نسخ الكتاب فقد جرى منا إحراقها، لما تشتمل عليه من الكذب والافتراء والبهتان بشأن أئمة الدعوة وتلاميذ إمام الدعوة رحمه الله تعالى وأحفاده وما فيها من الضلال، أما تعويضك عن قيمته فيكفيك أنك سلمت من العقوبة، هذا هو التعويض، ولولا أننا علمنا أن الذي دخلت معه غيرك لما تركناك هذا في فتاويه. كذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمة الله عليه، من المشايخ والعلماء الموحدين -نحسبهم والله حسيبهم- كان قد ترك بلده في ما يظن أنه هجرة، وجاء إلى بلد التوحيد، ولما توفي الشيخ محمد حامد الفقي رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية؛ أرسلوا إليه يطلبونه لكي يترأس الجمعية، فذهب وألقى عندهم درساً ومحاضرة ورجع، ولم يمكث عندهم؛ لأن نيته في نفسه كانت الهجرة، هكذا كانت في ذلك الزمان. ولذلك لم يشأ أن يضيع نيته، أو أن يخالف القصد الذي قصده، والذين كان يدرسهم في معهد القضاء يشهدون له بحسن تدريسه وتفصيله، وكان يأتي قبل الطلاب وينصرف بعدهم، وكذلك في الإفتاء يأتي أول الموظفين في دار الإفتاء ويخرج آخر الناس، وكانت طريقته في تقسيم الدرس وتسهيل المعلومات أمراً عجيباً يشهد له به تلاميذه، ويقولون: ما رأينا في التدريس مثله، وكذلك كان فيه من الرزانة وسعة الاطلاع وبُعد النظر ما تشهد به الفتاوى التي أصدرها مع سماحة المفتي محمد بن إبراهيم ﵀، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز نفع الله به، فقد لازمه منذ عام (١٣٧٠) للهجرة، جاء إليه في ذي الحجة في الخَرْج، فرافق الشيخ أربعاً وأربعين سنة وأشهر، وفي الإفتاء رافق الشيخ عبد العزيز تسع عشر سنة في لجنة الفتوى، ولذلك الذي يتأسف على العالِم حقيقةً هم العلماء الذين كانوا معه وعرفوه، ولم يُعرف عنه ركضٌ وراء الدنيا، وكان يصون العلم ولم يتبذل. والشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ من علماء هذا البلد، كان علامةً لم يعرف قيمته كثير من الناس، وكان يأمر أقرانه بالصلاة وهم يلعبون وعمره عشر سنوات أو أحد عشر سنة، كان يخرج بالعصا للصبيان وهم يلعبون وهو في مثل سنهم، يخرج إليهم بالعصا إلى الصلاة، ونحن الكبار نمر بجانب الصغار ولا نقول لهم كلمة، وكتب بيده ثلاثة مصاحف، ومن جميل خطه أن الناظر فيها يظنها مطبوعة، وكان يعمل بين رمضان والحج يكسب قوت سنته ليتفرغ في بقية السنة لطلب العلم، هو موسم واحد يعمل فيه، يشتري فيه شاحنة ويبيع ما فيها وهذه نفقة السنة، وقد تولى القضاء رحمه الله تعالى، وحصل له موقف أن اتهمه سبعة أشخاص بالغش وعدم الأمانة في القضاء، فلما صارت هذه الحادثة تأثر الشيخ ورفض الاستمرار في منصبه، وأغلق باب المحكمة، وأُلح عليه في العودة إلى القضاء فلم يفعل رحمه الله تعالى، ومات هؤلاء السبعة وبقي واحد منهم جاءه يستسمح منه، ويقول: سامحني على ذلك الموقف، فلعل الشيخ أراد موعظته، فقال: بيني وبينك رب العالمين، فشل الرجل وبقي مشلولاً على كرسي إلى أن مات، وكان ﵀ يأخذ محبرته من رماد الحطب، يجعل معها خلطة ليكتب بها، وكان في الحرم يطوف بالبيت سبعة أشواط وراء سبعة أشواط، وهكذا، ويصلي ركعتين بعد كل سبعة، لقد كان عابداً من العُباد رحمه الله تعالى. والشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله ونفع به- كم أخذ الناس من علمه! وكم نهلوا منه! حضرت معه في مجلس له موقفاً تربوياً، جاء رجل لعله جاء من بلد فيها اضطهاد للمسلمين، فقال: أنا مسكين ومحتاج وعندي أولاد أخي أيتام أريد مساعدة أريد حاجة، فيقول الشيخ: هات من يعرفك، فقال: أنا طالب علم، وأعطوني يا شيخ، فقال الشيخ: تقول: إنك طالب علم طالب العلم يعرف أن المدعي لابد أن يأتي ببينة، هات اثنين يشهدون لك. فقال: يا شيخ، أنا مضطهد، وقد عُذبت، وضُربت، وسُجنت وفقال الشيخ: احمد الله، لقد ابتلي من هو أفضل منك بأكثر من هذا فصبر، تريد أن تقول بأنك عُذبت كي تأخذ مالاً! فسكت، ومع ذلك ما أظن أنه انصرف إلا وقد أمر له الشيخ بشيء في النهاية. والشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث هذا العصر، الذي وقف على سلم المكتبة الظاهرية الساعات الطويلة، والله أعلم بحال قدميه، لكي يقلب المخطوطات، ويقلب الكتب، ويستخرج الأشياء، وربما بحث عن الورقة الضائعة فترة طويلة من الزمن، واستفاد في البحث عن هذه الورقة فوائد عديدة جداً حضرت له مجلساً فأراد أن يبصق -أخرج منديلاً فأراد أن يبصق- فسألني، فقال: أين القبلة؟ لأنه يعتمد حديث النهي عن البصاق جهة القبلة، وأنها خطيئة ولو في خارج الصلاة، ولذلك يتحرز ويتوقى منه، وهو الآن في وضع صحي حرج للغاية، نسأل الله أن يشفيه ويعافيه وسائر مرضى المسلمين. أيها الإخوة: إن العلماء -والحمد لله- يُوجد منهم بقية، لكن أين المستفيد من سيرهم؟! أين الذاهبون إليهم؟! أين الجالسون عندهم؟! أين الآخذون منهم؟! أين السائلون عن سيرتهم؟! أين المتخلقون بأخلاقهم وآدابهم؟! نسأل الله تعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 985

حديث الرؤية والصراط إن حديث الرؤية والصراط من الأحاديث العظيمة التي ترقق القلوب فقد جاء فيه ذكر رؤية الله تعالى يوم القيامة وفي الجنة، وجاء فيه ذكر الصراط وصفته، والمرور عليه، وكذلك اتباع كلٍّ لما كان يعبده في الدنيا هذا ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله.
следующие страницы →