Полный текст (7 040 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
عفة العلماء وأثرها في التربية
ومما نتعلمه -أيها الإخوة- من سير علمائنا في مواقفهم العظيمة في الأخلاق: العفة والتعفف عما في أيدي الناس.
يقول عمر النسوي: كنت في جامع صور عند الخطيب البغدادي ﵀، فدخل عليه بعض العلوية وفي كمه دنانير، وقال للخطيب: فلان -وذكر بعض المحتشمين من أهل صور - يسلم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مهماتك -أعطاه مالاً- فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه، وقطب وجهه، فقال العلوي: فتصرفه إلى بعض أصحابك، قال: قل له يصرفه إلى من يريد.
فقال العلوي: كأنك تستقله، ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها، وقال: هذه ثلاثمائة دينار! فقام الخطيب محمر الوجه! وأخذ السجادة ونفض الدنانير على الأرض وخرج من المسجد.
قال الفضل بن أبي ليلى: ما أنسى عز خروج الخطيب وذل ذلك العلوي وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقق الحصر ويجمعها التعفف عما في أيدي الناس يؤدي إلى العزة، إنه موقف عظيم، وفيه تربية على التعفف والعزة.
وفي هذه المناسبة قصة المحاميد الأربعة المشهورة، لما جمعت الرحلة بين محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني ومحمد بن إسحاق بن خزيمة بـ مصر، والمحدثون وعلماء الحديث فيها، فأرملوا وافتقروا ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضر بهم الجوع، فاجتمعوا ليلةً في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الاستخارة، فاندفع في الصلاة، ماذا قال ابن خزيمة في صلاته؟ الله أعلم، كيف رغب إلى الله؟ الله أعلم، كيف لجوؤه إلى ربه؟ ربه يعلم، فإذا هم بالشموع وغلام من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا الباب، فنزل عن دابته، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو هذا، فأخرج صرةً فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فقالوا هو ذا، فأخرج صرةً فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن هارون؟ فقالوا: هو ذا فأخرج صرةً فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟ فقالوا: هو ذا يصلي -في الصلاة- فلما فرغ دفع إليه الصرةً وفيها خمسون ديناراً، ثم قال: إن الأمير كان قائلاًَ بالأمس -أي: نائماً في الظهيرة- فرأى في المنام خيالاً يقول: إن المحامد -المحمدون هؤلاء الأربعة- طووا كشحهم جياعاً وهم عندك، فسأل: من هم المحمدون؟ من هم رفقاء محمدون؟ قالوا: هم الأربعة، فأرسل إليكم، وأقسم عليكم إذا نفذت أن تبعثوا إليه يمدكم بغيرها.
إن العفة عما في أيدي الخلق جلب لهم الرزق من الله ، برؤيا أراها الله ذلك الرجل؛ فحركته لتفقد حالهم.
стр. 982
مواقف تربوية مع آداب العلماء
بالإضافة إلى الأخلاق: الآداب العظيمة التي نتعلمها، وسير العلماء الصالحين -أيها الإخوة- هذه عبر وفوائد مليئة بالمواقف التربوية، فهذا شيخ عظيم من المحدثين، جالس في الحلقة في الدرس وكانت أمه كبيرة في السن، والدرس في بيته، فتقول له: يا فلان، قم ألقِ الشعير للدجاج.
الآن هذا صاحب الفضيلة العلامة الحافظ الشيخ في المجلس يدرس الطلاب، وأمه كبيرة في السن قد لا ترعى كثيراً من الانتباه لمثل ذلك، وعندها دجاج، ويحتاج إلى شعير، فقالت: يا فلان، قم ألقِ الشعير للدجاج، فترك الدرس وقام يلقي الشعير للدجاج ويرجع، براً بأمه، ولم يقل لها: عيب! الناس أمامنا، وسأفعل بعد الدرس، هذا الكلام الذي قد يقوله أي أحد، ولكن يقطع الدرس ويذهب.
وبعضهم ربما يصبر على أمر من هذا، قد يُبتلى بوالد فيه شيء في عقله، مثل واحد من كبار المحدثين كان له والد يجلس في المجلس في وسط الناس، فيرى الناس مجتمعين على ولده فينبسط ويقول: إن هذا خرج من هذا، ويشير إلى عورته؛ متباهياً بولده، وهذا من خفة عقله، فيصبر عليه براً به، وما نهره وما طرده وما قال: هذا يمنع عن المجلس، والناس يقدرون له، ويقدرون للعالِم موقفه براً بأبيه! ومما علمونا آداب الطعام، كيف كانوا يأكلون؟ من آداب الطبري في الأكل: أنه كان إذا تناول اللقمة سمى ووضع يده اليسرى على لحيته، وكان له لحية كثة، فيضع يده اليسرى على لحيته ليوقيها من الدسم، فإذا حصلت اللقمة في فيه أزال يده، ويتناول الطعام لقمةً لقمةًً من جانبٍ واحدٍ من القصعة.
يقول محمد بن إدريس الجمال: حضرنا يوماً مع أبي جعفر الطبري وليمة، فجلست معه على مائدة، فكان أجمل الجماعة أكلاً، وأظرفهم عِشرةً، وكان الطبري إذا جلس لا يكاد يُسمع منه تنخم ولا تبصق - ليس مثل بعض الناس، يخرج البلغم من آخر شيء ومن أول شيء، وبأعلى صوت، والجشاء حدث ولا حرج- وإذا أراد أن يمسح ريقه أخذ ذؤابة منديله ومسح جانبي فمه هكذا بغاية الأدب في أكلهم، وما يخرج منهم شيء من الأصوات أو اللعاب، وهذا فيه غاية الأدب.
هل سمعتم رفسة تربوية؟! قال أحمد بن منصور الرمادي: خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين خادماً لهما؛ فلما عدنا إلى الكوفة، قال يحيى بن معين لـ أحمد بن حنبل: أريد أن أختبر أبا نعيم.
فقال له أحمد بن حنبل: لا تفعل الرجل ثقة، فقال يحيى بن معين: لابد لي، فأخذ ورقةً فكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديثه، ثم جاءوا إلى أبي نعيم، فدق عليه الباب، فجلس على دكان طينٍ مرتفع -حذاء بابه- وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بن معين الطبق فقرأ عليه عشرةَ أحاديث وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال له أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث على رأسها الزائد، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث وقرأ الحديث الثالث على رأسها، فتغير أبو نعيم -عرف أن المسألة امتحان- وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بن معين فقال: أما هذا -وذراع أحمد بن حنبل في يده- فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا -يريدني- فأقل من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل! ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين، فرمى به من الدكان وقام فدخل داره، فقال أحمد لـ يحيى: ألم أمنعك من الرجل! وأقل لك: إنه ثبت؟! قال: والله إن رفسته أحب إلي من سفري.
وماذا نقول -أيها الإخوة! - في قصص علمائنا ومواقفهم، ولقد لفت نظري مرةً خبر في سير أعلام النبلاء، فقلت: سبحان الله! هؤلاء العلماء من قديم يؤخذ منهم المواقف، ليس فقط منهم، بل من بعض العامة نأخذ مواقف، بل من بعض اللصوص، وهذا خبر طريف نختم به المجلس: يقول أحمد بن المعذل: كنت عند ابن الماجشون، فجاءه بعض جلسائه، فقال: يا أبا مروان أعجوبة! خرجت إلى حائطي بالغابة، -بستان- فعرض لي رجل -قاطع طريق في مكان مهجور- فقال: اخلع ثيابك، فقلت: لم؟ قال: لأني أخوك وأنا عريان، قلت: فالمواساة -نقسمها بيني وبينك- قال: لقد لبستها برهةً -بقي دوري أنا- قال: فتعريني: قال: قد روينا عن مالك أنه قال: لا بأس أن يغتسل الرجل عرياناً.
قلت: ترى عورتي! قال: لو كان أحد يلقاك هنا ما تعرضت لك -لو أعرف أن هنا أناساً سيكونون في هذا المكان لما خرجت عليك في هذا المكان أصلاً- قلت: دعني أدخل حائطي وأبعث بها إليك.
قال: كلا! أردت أن توجه عبيدك فأمسك.
قلت: أحلف لك.
قال: لا تلزم يمينك للص، فحلفت له بها طيبةً بها نفسي، فأطرق يفكر، ثم قال: تصفحت أمر اللصوص من عهد النبي ﷺ إلى وقتنا فلم أرَ لصاً أخذ بنسيئة -بالآجل لابد أن يكون نقداً- فأكره أن أبتدع، فخلعت له ثيابي.
أيها الإخوة: نحن بحاجة وبخاصة في هذا الزمان الذي قل فيه العلم وقلَّت فيه التربية، وقد يوجد عند بعض الناس علم ولا يوجد تربية نحتاج حاجة ماسة للتربية، ونحتاج للمربين، والمربون الذين يحسنون التربية قلة، ولكن الذكي صاحب البصيرة لن يعدم أن يجد ولو من الأموات من يستفيد من سيرتهم ويتربى عليها.
نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا من الربانيين الذين يعلمون الناس، ونسأله أن يرزقنا العلم النافع وحُسن الخلق وحُسن الأدب، والإخلاص في القول والعمل، إنه سميع مجيب قريب.
стр. 983
الأسئلة
стр. 984
العلماء المعاصرون وبعض مواقفهم في التربية
السؤال
إن التعرض حصل للعلماء الماضين، ولم يحصل شيء للعلماء المعاصرين، فهل من شيء حول هذا الموضوع؟
الجواب
سير العلماء في الغالب تكتب بعد وفاتهم، وأحياناً يُضيع العالِم طلابه، فلا يكتبون سيرته، ومن جهة أخرى في هذا الزمان العلماء قلة.
وثانياً: لا يوجد حرصٌ شديد على كتابة سيرهم، وجمع أخبارهم، ولذلك لا ترى كثيراً من الأخبار، ولكن الذي يتقصى ويستمع ويحرص أن يسمع من طلاب الشيخ ومعاصريه، ستجتمع عنده أخبار الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ المفتي السابق كانت له ثلاثة مجالس، يدرس ثلاثة مستويات، للمتقدمين درس، وللمتوسطين درس، وللمبتدئين درس، ولو لاحظ أن أحد المبتدئين جاء إلى درس المتقدمين يطرده وينهره، ليس هذا مكانك، وليس من هنا تبتدئ، وهذا يورث العجب.
وكان -أيضاً- من الذين يزعِون بالقوة، خصوصاً أن السفاهة موجودة في كثير من الناس، فكان يستعمل الشدة في دين الله مع من يستحق الشدة، وفتاواه ﵀ فيها أشياء من هذا، وقد حصل مرةً أن بعض أهل الحسبة صادروا من شخص كتاب تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، وفي هذا الكتاب تعرض لأئمة الدعوة، وسب لأئمة الدعوة، فالرجل هذا من عِوجه أرسل للشيخ يقول: أرجعوا لي الكتاب الذي صادرتموه أو عوضوني، وكان أخذ منه عدة نسخ، فقال الشيخ: أما نسخ الكتاب فقد جرى منا إحراقها، لما تشتمل عليه من الكذب والافتراء والبهتان بشأن أئمة الدعوة وتلاميذ إمام الدعوة رحمه الله تعالى وأحفاده وما فيها من الضلال، أما تعويضك عن قيمته فيكفيك أنك سلمت من العقوبة، هذا هو التعويض، ولولا أننا علمنا أن الذي دخلت معه غيرك لما تركناك هذا في فتاويه.
كذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمة الله عليه، من المشايخ والعلماء الموحدين -نحسبهم والله حسيبهم- كان قد ترك بلده في ما يظن أنه هجرة، وجاء إلى بلد التوحيد، ولما توفي الشيخ محمد حامد الفقي رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية؛ أرسلوا إليه يطلبونه لكي يترأس الجمعية، فذهب وألقى عندهم درساً ومحاضرة ورجع، ولم يمكث عندهم؛ لأن نيته في نفسه كانت الهجرة، هكذا كانت في ذلك الزمان.
ولذلك لم يشأ أن يضيع نيته، أو أن يخالف القصد الذي قصده، والذين كان يدرسهم في معهد القضاء يشهدون له بحسن تدريسه وتفصيله، وكان يأتي قبل الطلاب وينصرف بعدهم، وكذلك في الإفتاء يأتي أول الموظفين في دار الإفتاء ويخرج آخر الناس، وكانت طريقته في تقسيم الدرس وتسهيل المعلومات أمراً عجيباً يشهد له به تلاميذه، ويقولون: ما رأينا في التدريس مثله، وكذلك كان فيه من الرزانة وسعة الاطلاع وبُعد النظر ما تشهد به الفتاوى التي أصدرها مع سماحة المفتي محمد بن إبراهيم ﵀، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز نفع الله به، فقد لازمه منذ عام (١٣٧٠) للهجرة، جاء إليه في ذي الحجة في الخَرْج، فرافق الشيخ أربعاً وأربعين سنة وأشهر، وفي الإفتاء رافق الشيخ عبد العزيز تسع عشر سنة في لجنة الفتوى، ولذلك الذي يتأسف على العالِم حقيقةً هم العلماء الذين كانوا معه وعرفوه، ولم يُعرف عنه ركضٌ وراء الدنيا، وكان يصون العلم ولم يتبذل.
والشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ من علماء هذا البلد، كان علامةً لم يعرف قيمته كثير من الناس، وكان يأمر أقرانه بالصلاة وهم يلعبون وعمره عشر سنوات أو أحد عشر سنة، كان يخرج بالعصا للصبيان وهم يلعبون وهو في مثل سنهم، يخرج إليهم بالعصا إلى الصلاة، ونحن الكبار نمر بجانب الصغار ولا نقول لهم كلمة، وكتب بيده ثلاثة مصاحف، ومن جميل خطه أن الناظر فيها يظنها مطبوعة، وكان يعمل بين رمضان والحج يكسب قوت سنته ليتفرغ في بقية السنة لطلب العلم، هو موسم واحد يعمل فيه، يشتري فيه شاحنة ويبيع ما فيها وهذه نفقة السنة، وقد تولى القضاء رحمه الله تعالى، وحصل له موقف أن اتهمه سبعة أشخاص بالغش وعدم الأمانة في القضاء، فلما صارت هذه الحادثة تأثر الشيخ ورفض الاستمرار في منصبه، وأغلق باب المحكمة، وأُلح عليه في العودة إلى القضاء فلم يفعل رحمه الله تعالى، ومات هؤلاء السبعة وبقي واحد منهم جاءه يستسمح منه، ويقول: سامحني على ذلك الموقف، فلعل الشيخ أراد موعظته، فقال: بيني وبينك رب العالمين، فشل الرجل وبقي مشلولاً على كرسي إلى أن مات، وكان ﵀ يأخذ محبرته من رماد الحطب، يجعل معها خلطة ليكتب بها، وكان في الحرم يطوف بالبيت سبعة أشواط وراء سبعة أشواط، وهكذا، ويصلي ركعتين بعد كل سبعة، لقد كان عابداً من العُباد رحمه الله تعالى.
والشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله ونفع به- كم أخذ الناس من علمه! وكم نهلوا منه! حضرت معه في مجلس له موقفاً تربوياً، جاء رجل لعله جاء من بلد فيها اضطهاد للمسلمين، فقال: أنا مسكين ومحتاج وعندي أولاد أخي أيتام أريد مساعدة أريد حاجة، فيقول الشيخ: هات من يعرفك، فقال: أنا طالب علم، وأعطوني يا شيخ، فقال الشيخ: تقول: إنك طالب علم طالب العلم يعرف أن المدعي لابد أن يأتي ببينة، هات اثنين يشهدون لك.
فقال: يا شيخ، أنا مضطهد، وقد عُذبت، وضُربت، وسُجنت وفقال الشيخ: احمد الله، لقد ابتلي من هو أفضل منك بأكثر من هذا فصبر، تريد أن تقول بأنك عُذبت كي تأخذ مالاً! فسكت، ومع ذلك ما أظن أنه انصرف إلا وقد أمر له الشيخ بشيء في النهاية.
والشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث هذا العصر، الذي وقف على سلم المكتبة الظاهرية الساعات الطويلة، والله أعلم بحال قدميه، لكي يقلب المخطوطات، ويقلب الكتب، ويستخرج الأشياء، وربما بحث عن الورقة الضائعة فترة طويلة من الزمن، واستفاد في البحث عن هذه الورقة فوائد عديدة جداً حضرت له مجلساً فأراد أن يبصق -أخرج منديلاً فأراد أن يبصق- فسألني، فقال: أين القبلة؟ لأنه يعتمد حديث النهي عن البصاق جهة القبلة، وأنها خطيئة ولو في خارج الصلاة، ولذلك يتحرز ويتوقى منه، وهو الآن في وضع صحي حرج للغاية، نسأل الله أن يشفيه ويعافيه وسائر مرضى المسلمين.
أيها الإخوة: إن العلماء -والحمد لله- يُوجد منهم بقية، لكن أين المستفيد من سيرهم؟! أين الذاهبون إليهم؟! أين الجالسون عندهم؟! أين الآخذون منهم؟! أين السائلون عن سيرتهم؟! أين المتخلقون بأخلاقهم وآدابهم؟! نسأل الله تعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 985
حديث الرؤية والصراط
إن حديث الرؤية والصراط من الأحاديث العظيمة التي ترقق القلوب فقد جاء فيه ذكر رؤية الله تعالى يوم القيامة وفي الجنة، وجاء فيه ذكر الصراط وصفته، والمرور عليه، وكذلك اتباع كلٍّ لما كان يعبده في الدنيا هذا ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله.
стр. 986
مسائل في حديث الرؤية والصراط
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله الذي بلغنا هذا الشهر الكريم، ونسأل الله أن يجعلنا فيه من عباده الأخيار، وأن يعيننا فيه على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه سميع قريب مجيب.
أيها الإخوة: في هذا الشهر الكريم فرصة عظيمة لمن قسا قلبه أن يرق، ولمن أعرض عن ربه أن يعود، ولمن أذنب أن يتوب، ولا شك أن مرققات القلوب من أعظم ما يتعبد به المسلم ربه في التعرض له؛ فإن الله تعالى لا ينجي يوم القيامة إلا من أتى بقلب سليم؛ سليم من الشبهة، وسليم من الشهوة، ولعلنا -إن شاء الله- في هذه الليالي الفاضلة نتعرض لأحاديث عن النبي ﷺ نرقق بها قلوبنا، وننظفها مما علق بها من أوساخ الدنيا.
في هذه السلسلة من الأحاديث -أحاديث الرقائق- التي نستهلها بهذا الحديث العظيم الجليل الذي رواه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه عن أبي هريرة قال: (قال أناس: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك؛ يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها إلى أن قال: فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله ﷺ : فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس لأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد -أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله- أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل) الحديث.
وهذا الحديث العظيم الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في مواضع، منها في باب قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١].
стр. 987
رؤية الله متعذرة في الدنيا
قوله: (قال أناس: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟) الصحابة يسألون النبي ﷺ : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ إذاً: الصحابة يعرفون أن الله لا يرى في الدنيا، فسؤالهم الآن: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ إذاً: لا يرى الله تعالى في الدنيا، لم ير الله أحدٌ من العباد في الدنيا، وحتى النبي ﷺ لم يره بعيني رأسه، ولكن رؤيته يوم القيامة مؤكدة وثابتة، وهي من عقيدة أهل السنة والجماعة، ويدل على أن الله لا يرى في الدنيا حديث الإمام مسلم ﵀ عن النبي ﷺ قال: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) ولذلك من ادعى ممن يسمون أنفسهم بالأولياء أو الأقطاب والأوتاد أنه يرى الله في الدنيا فهو كاذب؛ فإن الله لا يُرى في الدنيا، وإنما يُرى يوم القيامة، وهذا الحديث ذكر فيه الحساب، فقال: (لتتبع كل أمة ما كانت تعبد).
стр. 988
رؤية الله تعالى يوم القيامة
إن النبي ﷺ بين أن الله يرى في أرض المحشر، يوم يحشر الله الأولين والآخرين، ولما سأل الصحابة النبي ﵊ عن رؤية ربهم؛ ضرب لهم مثلاً ليقرب لهم الأمر، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وهو ﵊ أجود الناس في التعليم، ويستعمل أحسن الأساليب في التعليم، فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال: (إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر) سألهم: هل تضارون؟ هل تنازعون؟ هل تضايقون في رؤية هذا القمر الذي في السماء؟ لا تضايقون ولا تزاحمون، وفي رواية: لا تضامون، فلا يحجب بعضكم بعضاً عن الرؤية فيحصل له ضرر، فإذاً: لن تكون هناك مضارة بازدحام، ولن يحجب العباد بعضهم بعضاً عن رؤية الله تعالى، ولن يظلم أحد في رؤيته، فقال النبي ﷺ عن رؤيته : ترونه كذلك كما لا تضارون الشمس في رؤية، وخص الشمس والقمر لأنهما الكوكبان المنيران في السماء في وقت ليس فيه سحاب، كيف تكون الشمس؟ وكيف يكون القمر في هذا النور وفي هذا الضياء وفي هذا الجمال والكمال؟ ولكن الله جميل، أجمل من أي شيء من المخلوقات؛ جماله صفة له تليق بجلاله وعظمته، الله جميل إذا نظر إليه أهل الجنة نسوا كل النعيم الذي هم فيه، ولذلك لذة النظر إلى وجهه لا تعادلها لذة، ولذة النظر إلى وجهه الجميل الجليل لا تدانيها لذة، ولا تقارنها لذة، فهي تنِسي كل لذة، فما أعطوا نعيماً أحب إليهم من النظر إلى وجهه.
سألهم النبي ﷺ عن رؤية الشمس وعن رؤية القمر، والقمر الذي يرى في الليلة الصافية ولا يؤذى أحد في رؤيته، استدل به الخليل على الوحدانية، واستدل به الحبيب على إثبات الرؤية؛ فإن إبراهيم الخليل قال لقومه لما نظر إلى القمر ورآه بازغاً، قال لهم محاجاً لهم: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧] فأراد إبراهيم أن يستدرجهم وأن يماشي عقولهم ويقول: أنتم تعبدون الكواكب، وهذا القمر قد أفل، فكيف يكون الإله حاضراً ثم يغيب آفلاً؟ لا يمكن أن يكون! فاستدل الخليل بالقمر، واستعمله في الوحدانية، والنبي ﵊ استعمله في إثبات الرؤية حساً ويقيناً، بخلاف ما يقوله بعض أهل البدعة الذين ينكرون رؤية الله ، ولذلك يقال لهم: ما دمتم أنتم تقولون بعدم رؤيته، فلعلكم تحرمون رؤيته، إذا كنتم تنفون رؤية الله فربما تحرمون من رؤيته بسبب بدعتكم هذه، وهذا المذهب الذي ذهب إليه المعتزلة وغيرهم من الخوارج والأباضية في مسألة رؤية الله ، وقد أثبته الله بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فهي من النظر لوجه الله فيها نضرة ونعيم.
وكذلك فإن الله قد أخبر أن المؤمنين ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣] إلى وجه الله ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم﴾ [المطففين:٢٤] وأما الكفار فإنهم سيرونه -أولاً- ثم يحجبون عنه ليزدادوا حسرة وألماً، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فيتوارى الله عنهم؛ فيكون ذلك من عذابهم.
стр. 989
حشر الناس في صعيد واحد
قال ﷺ في الحديث: (يجمع الله الناس -وفي رواية: يحشر- في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر) والصعيد هي الأرض المستوية الواسعة، ومعنى ينفذهم البصر: يخترقهم حتى يجوزهم؛ يخترق العباد حتى يجوزهم، فهؤلاء العباد سيجمعون يوم القيامة جميعاً، إنساً وجناً، ذكوراً وإناثاً كباراً وصغاراً، مؤمنين وكفاراً سيجمعون يوم القيامة في صعيد واحد ليس فيهم علم لأحد، ولا فيهم مرتفع ولا منخفض، وليس فيه مكان يتوارى خلفه أحد، ينفذهم بصر الرحمن، ويسمعهم صوته سبحانه، ويناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، يخترقهم البصر حتى ينفذ من خلالهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاع﴾ [القمر:٦] يحشرون، فيطلع عليهم رب العالمين، فإذا حشر الناس قاموا شاخصة أبصارهم إلى السماء، والشمس على رءوسهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وقد جاء في الحديث الحسن الذي رواه الإمام أحمد ﵀: (أنه يخفف الوقوف عن المؤمنين حتى يكون كصلاة مكتوبة أو كما بين صلاة الظهر والعصر) كما جاء في حديث آخر، وهذا لأهل الإيمان، أما أهل الفسق والفجور وأهل الكفر والضلال والبدع؛ فشأنهم شأن آخر.
стр. 990
اتباع الناس لمعبوداتهم
قال ﷺ في الحديث: (فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر) الذي كان يعبد القمر يتبع القمر، والذي كان يعبد الشمس يتبع الشمس؛ هؤلاء عباد الكواكب يتبعون معبوداتهم إلى النار جاء في حديث ابن مسعود: (ثم ينادي منادٍ من السماء: أيها الناس! أليس عدل من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما كان تولاه؟ فيقولون: بلى! ثم يقول: لتنطلق كل أمة لمن كانت تعبد) وفي رواية: (ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد) وجاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (فيلقى العبد -الله يلقى العبد يوم القيامة- فيقول: ألم أكرمك وأزوجك وأسخر لك؟ فيقول: بلى! فيقول الله : أظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا.
فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ويلقى الثالث فيقول: آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت، فيقول: ألا نبعث عليك شاهداً؟ فيختم على فيه وتنطق جوارحه) من هذا من الأصناف؟ هذا هو المنافق: (وذلك المنافق، ثم يناي منادٍ: ألا لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، ومن كان يعبد الطواغيت يتبع الطواغيت).
والطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
إذاًَ: الطاغوت قد يكون جماداً وقد يكون إنساناً، كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع يكون طاغوتاً إذا كان راضياً، إذا كان ممن يعقل ورضي، يدخل في الطواغيت معبود أو متبوع تصرف له عبادة، أو يتبع على ضلالة في تحليل حرام أو تحريم حلال، فكل ما عبد من دون الله وهو راض فهو طاغوت، ولا يصح أبداً أن نقصر العبادة على السجود؛ فنقول: العبادة هي السجود لصنم أو شخص أو ما شابه ذلك، بل إن العبادة -أيها الإخوة- مفهومها واسع، ولذلك كل من أطاع شخصاً في تحليل حرام أو تحريم حلال فقد عبده.
كذلك فسر النبي ﷺ الآية لـ عدي بن حاتم وقال: (فتلك عبادتكم إياهم) هؤلاء الذين اتبعوه في تحريم الحلال وتحليل الحرام، هؤلاء الذين اتبعوه في الحكم بغير ما أنزل الله، هؤلاء الطواغيت كل من اتبعهم فهو معهم في نار جهنم وسيحشر معهم، ولذلك كما قال في الحديث: (فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم) والحديث الذي معنا قال فيه: (ومن كان يعبد الطواغيت يتبعهم) فهذا فيه إشارة إلى مبدأ المعاملة بالمثل؛ كما اتبعه في الدنيا يتبعه في الآخرة.
وما حال من عبد من دون الله وهو غير راضٍ كالملائكة وعيسى ﵇؟ فقد عبد بعض الناس الملائكة، كما عبدت النصارى عيسى، هؤلاء لا يكونون معهم في النار؛ لأنهم لم يرضوا بهذه العبادة، وجاء في رواية: (فيتمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره) هذه الأصنام والأوثان المعبودة، وهذا التمثيل لكي يزدادوا عذاباً، عندما يرى الشخص أن الشيء الذي كان يقدسه في الدنيا ويوقره ويعبده ويبذل له كل شيء، قد صار معه من حطب جهنم، هذا تذكير وتحزين وتعذيب وخذلان؛ لأنه هو ومن عبده في النار.
стр. 991
بقاء الموحدين من هذه الأمة ومن غيرها
قال ﵊: (وتبقى هذه الأمة) يحتمل أن يكون المراد بها أمة محمد ﷺ ، ويحتمل أن يراد ما هو أعم من ذلك؛ فيدخل فيهم من كان من بقية الأمم ممن كان في الدنيا -ولو ظاهراً- يعبد الله، فبعدما ذهب أهل المعبودات مع معبودات إلى النار يبقى من كان يعبد الله ولو ظاهراً؛ يبقون ليأتيهم الله فيقودهم إلى الصراط (تبقى هذه الأمة فيها منافقوها) وفي رواية: (حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر) فلو كان هناك رجل موحد لكنه فاجر فاسق زاني شارب خمر سارق مرتشي، هؤلاء ما حالهم؟ قال: (حتى يبقى من كان يعبد الله من بر وفاجر.
وفي رواية: وغبرات أهل الكتاب) الغبرات: جمع غابر، والمقصود بهم من كان يوحد الله من أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب فيهم الموحد وفيهم المشرك، فيهم الموحد مثل ورقة بن نوفل ﵁، وغيره في بقايا أهل الكتاب، وفيهم المشرك.
يبقى في النهاية الموحدون من المسلمين والموحدون من أهل الكتاب، ويبقى الفجرة الموحدون أيضاً ويبقى المنافقون، فما هو شأن المنافقين؟ لما كانوا يتسترون للمؤمنين في الدنيا بقوا معهم، والذي يحصل أنهم يتميزون في ذلك المقام، ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين ينفعهم في الآخرة، كما كان ينفعهم في الدنيا، فيحشرون معهم، كما كانوا يظهرون الإسلام يحشرون مع أهل الإسلام، لكن سيحدث تمييز عندما يأتي الله تعالى في صورته الحقيقية، فيطلع عليهم رب العالمين، والمؤمنون يعرفونه بصفاته مع أنهم لم يروه من قبل في الدنيا، لكن إذا جاء الله إلى البقية الباقية في أرض المحشر -بعد ما ذهب اليهود والنصارى، وعبدة الأوثان، وعبدة بوذا، وعبدة الكواكب، وعبدة النار المجوس، وعبدة الطواغيت من البشر، كلهم ذهبوا إلى جهنم مع معبوداتهم حطباً- فماذا يحصل؟ يرون الله فيعرفونه، فكيف عرفوه وهم ما رأوه من قبل؟ يعرفونه بأسمائه وصفاته التي كانوا يعرفونها في الدنيا، وهذا ما يبين أهمية توحيد الأسماء والصفات، فإن معرفة صفات الله تعالى في الدنيا هو الذي يقود إلى معرفته في الآخرة، فيقول لهم: (أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا) وفي رواية: (ثم يقال بعد ذلك للمؤمنين: هل بينكم وبينه علامة؟ أي: آية تعرفونها، فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه ، وصفاته لا تشابه صفات البشر؛ فلا يده كأيديهم، ولا وجهه كوجوههم، وهكذا في سائر صفاته سبحانه.
فإذا رأوا الساق -العلامة- سجد المؤمنون سجوداً صحيحاً، وأما المنافق فينكشف في هذا الموقف بالعلامة، فالعلامة هي التي تميز وتكشف، قال ﵊: (ويبقى من كان يسجد رياءً وسمعة)، الذي كان منافقاً في الدنيا وكان يسجد رياءً وسمعة (فيصير ظهره طبقاً واحداً) يستوي فلا ينثني الظهر، يصبح متصلباً، وفي رواية مسلم: (فلا يبقى من كان يسجد من تلقاء نفسه إلا أذن له في السجود) أي: هون عليه وسهل له ومكن منه، (ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقاً واحداً كلما أراد أن يسجد خر لقفاه) وفي رواية ابن مسعود: (وتبقى أصلاب المنافقين كأنها صياصي البقر)، وفي رواية الحاكم: (وتبقى ظهور المنافقين طبقاً واحداً كأنما فيها السفافيد) والسفافيد: جمع سفود، والسفود هو السيخ العظيم الذي يدخل في الشاة عند شوائها؛ لكي تتماسك على السيخ فيجعل الله ظهور المنافقين طبقاً واحداً، كأنما السفافيد في هذه الفقرات، وهي مضمومة بها سيخ، فلا يمكن أن ينثني، فلذلك كلما أراد أن يسجد وقع.
في رواية علي بن عبد الرحمن قال: (ثم يطلع عليهم فيعرفهم نفسه بالآية ثم يقول: أنا ربكم فاتبعوني فيتبعه المسلمون، يكونون في ذلك تابعين لربهم كما عبدوه يتبعونه) أولئك عبدوا الصليب اتبعوا الصليب، عبدوا البقر اتبعوا البقر، وهؤلاء عبدوا الله فيتبعون الله، فإلى أين يقودهم ؟ يقودهم إلى الصراط، وهذه الرؤية التي تحصل في أرض المحشر غير الرؤية التي تقع في الجنة فهذه رؤية الامتحان، وتلك لزيادة الإكرام، ورؤية الجنة هي المقصودة بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله ، هناك امتحانات في الموقف تابعة لامتحانات الدنيا، فالذي رسب هناك يرسب هنا، والذي نجح هناك ينجح هنا، ولا تنقطع الامتحانات إلا بالاستقرار في الجنة أو النار، والقبر أو منازل الآخرة وفيه ابتلاء وامتحان بفتنة السؤال وغير ذلك، وكما يكون في الدنيا تكاليف ففي الآخرة تكاليف قبل دخول الجنة وقبل دخول النار.
стр. 992
تقسيم النور على حسب الأعمال
بعد ذلك يقال للمسلمين: (ارفعوا رءوسكم إلى نوركم بقدر أعمالكم) وفي لفظٍ: (فيعطون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل ودون ذلك، ومثل النخلة ودون ذلك، حتى يكون آخرهم من يعطى نوره على إبهام قدمه) وفي رواية مسلم: (ويعطى كل إنسان منهم نوراً إلى أن قال: ثم يطفأ نور المنافقين) وفي رواية ابن عباس عند ابن مردويه: (فيعطى كل إنسان منهم نوراً -هؤلاء المتجهون إلى الصراط- ثم يوجهون إلى الصراط، فما كان من منافق طفأ نوره)، وفي لفظ: (فإذا استوى على الصراط سلب الله نور المنافقين، فيقولون للمؤمنين: انظرونا -أي: انتظرونا- نقتبس من نوركم) وفي حديث أبي أمامة: (وإنكم يوم القيامة في مواطن حتى يغشى الناس أمر من أمر الله؛ فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم ينتقلون إلى منزل آخر فتغشى الناس الظلمة فيقسم النور)، يقسم النور على حسب الأعمال، والصلوات، والصدقات، والصيام، والخشية، والحياء، ونحو ذلك (فيختص بذلك المؤمن ولا يعطى المنافق شيئاً؛ فيقول المنافقون للذين آمنوا: ((يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً)) [الحديد١٣]، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور) المنافقون لما فقدوا النور وأرادوا الذهاب مع المؤمنين لا يمكنون من ذلك، بل يقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً؛ فيرجعون إلى المكان الذي قسمت فيه الأنوار من قبل؛ فلا يجدون شيئاً، فيريدون العودة فيضرب بينهم وبين المؤمنين بسور: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، باطنة أي: من جهة المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره: من جهة المنافقين فيه العذاب، وهذه هي الخدعة العظيمة التي يخدع الله بها المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) [النساء:١٤٢] وهذه الخدعة هي القاضية عليهم.
стр. 993
المرور على الصراط
قوله ﷺ : (ويضرب جسر جهنم -جسر مضروب على متن جهنم- ثم يكلف الناس بالعبور) الآن المنافقون اختزلوا إلى النار، وبعد الخدعة إلى النار من بقي؟ بقي الموحدون، فيهم الفجرة، وفيهم أهل الطاعة والإيمان، فيهم فجرة من الموحدين لم يخرجهم فجورهم عن الإسلام، لا زالوا داخل دائرة الإسلام، لكنهم أصحاب معاصي وفسق، وبقي أهل الطاعة والحسنات، قال رسول الله ﷺ : (ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم) من الذي يقول؟ الأنبياء فقط.
الناس في صمت مطبق من هول الموقف، لا يتكلم يومئذ إلا الرسل، وكلامهم: اللهم سلم سلم، فقط لا غير، قال رسول الله ﷺ : (فأكون أنا وأمتي أول من يجوز) أول من يجوز ويقطع المسافة على هذا الصراط النبي ﷺ -أولاً- ثم تقطع الصراط أمته خلفه، فإذا جاز هو وأمته جاز الأنبياء بأقوامهم.
جاء في حديث عبد الله بن سلام عند الحاكم: (ثم ينادي منادٍ: أين محمد وأمته؟ فيقوم فتتبعه أمته برها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه العصاة الفجرة، فيتهافتون من يمين وشمال -يقعون في النار من يمين وشمال- وينجوا النبي والصالحون) وفي رواية: (فتفرج لنا الأمم عن طريقنا، فنمر غراً محجلين من آثار الوضوء، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، ولا يتكلم إلا الأنبياء، فيمر المؤمن كطرف العين وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب) وفي رواية: (فيمر أولهم كمر البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرحال، تجري بهم أعمالهم) بحسب الأعمال يكون الجواز والمرور، والسرعة تتناسب تناسباً طردياً بحسب الأعمال الصالحة، كلما كانت الأعمال الصالحة أكثر كلما كان العبور أسرع، والناس يتفاوتون في السرعة بحسب أعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، وهؤلاء أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولياء الله يجوزون كالبرق، ثم أناس كطرف العين، ثم أناس بعدهم كالريح، وأناس كالطير، وأناس كشد الرحال، وأناس كالسحاب، وأناس كانقضاض الكواكب، وأناس كشد الفرس، حتى يمر الرجل الذي أعطي نوره على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه، يجر بيد ويعلق يداً، ويجر برجل ويعلق رجلاً، وتضرب جوانبه النار، حتى يمر آخر واحد ويتعثر في المشي وتضرب جوانبه النار ويتكفأ به الصراط، يميل الصراط ويهتز به، وجاء في رواية: (كأسرع البهائم، حتى يمر الرجل سعياً ثم مشياً، ثم آخرهم يتلبط على بطنه فيقول: يا رب لِمَ أبطأت بي؟ فيقول: أبطأ بك عملك) الله لم يبطئ به ولكن الذي أبطأ به عمله.
стр. 994
صفة الصراط
قال في الحديث في وصف الصراط: (وبه كلاليب، وفي رواية: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به) والكلاليب جمع كلوب، والكلوب هو الخطاف الذي يخطف الناس، وهذا الخطاف عظيم جداً للغاية، تقف الأمانة والرحم على جنبتي الصراط لعظم شأنهما وفخامة أمرهما؛ لكي يؤدب ويعاقب الخائن وينجو الأمين، ويعاقب القاطع وينجو الواصل لرحمه الأمانة والرحم يشهدان للمحق ويشهدان على المبطل ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب:٧٢] (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) [النساء:١]، فلما كانتا بهذه العظمة جعلتا على جنبتي الصراط.
قال ﷺ في وصف الكلاب والخطاف الذي يخطف الناس: (مثل شوك السعدان) السعدان: جمع سعدانة، والسعدانة نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه، يقال: مرعى ولا كالسعدان (أما رأيتم شوك السعدان؟) شبه صورة الكلاليب بشوك السعدان، لكن عن عظم حجمها قال: (غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله) فهذه الكلاليب مثل الشوك تخطف الناس، قال: (فتخطف الناس بأعمالهم) فشبه الكلاليب بشوك السعدان لسرعة اختطافها وكثرة الانتشال فيها، عرفوها في الدنيا وألفوها مباشرة فعرض عليهم التشبيه بها، قال: (وبحافتيه -أي: الصراط- ملائكة معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس).
وفي رواية أبي سعيد: (قلنا: وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة) أي: تزل فيه الأقدام، وفي رواية قال أبو سعيد: (بلغني أن الصراط أَحَدُّ من السيف، وأدق من الشعرة) رواه مسلم، وهذا له حكم الرفع؛ لأنه لا يقوله برأيه، لابد أن يكون الصحابي قد سمعه (أَحَدُّ من السيف، وأدق من الشعرة)، فمن الذي سينجو من عليه؟ قال الفضيل بن عياض ﵀: [[بلغنا أن الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله].
قال ﷺ في أصناف الناس على الصراط: (منهم الموبق بعمله)، وفي رواية: (الموثق بعمله، ومنهم المخردل)، الخردل من صفته أنه مقطع، فهذا المخردل تقطعه كلاليب النار؛ فيهوي فيها، وخراديل، أي: قطع تقطعهم، ويحتمل أن يكون المعنى: تقطعهم عن اللحوم لمن نجا ثم ينجو.
إذاً: هؤلاء الذين يعبرون الصراط ثلاثة أنواع جاء في حديث أبي سعيد: (فناجيٍ مسلََّم، ومخدوش، ومكدوس في جهنم، حتى يمر أحدهم فيسحب سحباً).
إذاً: المارون على الصراط ثلاثة أصناف: ١/ ناجٍ بلا خدوش، مسلَّم لم يصبه شيء.
٢/ مخدوش ثم ينجو، فهو في النهاية يعبر لكن بعد خدوش تصيبه من هذه الكلاليب.
٣/ وهناك هالك من أول وهلة.
فإذاً: هناك هالك من أول وهلة، مكردس، هذا يقع في النار، وهناك ناجٍ يعبر بعد أن يصيبه ما يصيبه، وهناك من ينجو بلا خدوش والمكردس أو المكدوس المنكفئ في قعر جهنم؛ نظراً لأن سيئاته كثيرة، فلابد من تطهير النار حتى يدخل الجنة طاهراً؛ لذلك يقع في النار، وكذلك الذي يصيبه على الصراط ما يصيبه؛ لكي يطهره ما أصابه من الآثام التي اقترفها ثم ينجو، وبعد ذلك يدخل الجنة نظيفاً، فلا يدخل الجنة شخص غير نظيف، لابد أن يطهر بما يصاب به، إن كان في الدنيا فبالمصائب والهم والغم والأمراض والخوف ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وإن كان في القبر فبفتنة القبر وما يصيبه، وإن كان في الآخرة فبدنو الشمس والعرق والحر والزحام وطول الموقف، وإن كان بقي عليه شيء فإنه إذا عبر الصراط يخدش بهذه الكلاليب، ما دام أن سيئاته أكثر من حسناته، حتى إذا كان ذلك كافياً عبر، وإذا لم يكن كافياً كفى به في النار.
وهنا نقف في شرح هذا الحديث؛ لنتحدث -إن شاء الله- بعد ذلك عن الشفاعة، وآخر من يخرج من النار متجهاً إلى الجنة، له قصة أخرى سنتحدث عنها -إن شاء الله- وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 995
الأسئلة
стр. 996
رؤية الله في المنام
السؤال
هل ورد أن الله ﵎ يرى في المنام؟
الجواب
نعم.
قد ورد أن النبي ﷺ رأى ربه في أحسن صورة، وذكر العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من رأى ربه في المنام يراه بحسب إيمانه؛ فإن كان إيمانه أكبر كانت الصورة التي يراها في المنام أجمل، لكن الله لا تحيط به العقول، ولا تدركه الأبصار، ولا يُعلم كيف هو ولا يراه أحد في الدنيا، لكن الصورة التي في المنام على حسب العمل.
стр. 997
الموحدون هم الذين يجوزون الصراط
السؤال
فهمت أن الذي يجوز الصراط جميع الخلائق، وفهمت مرة أن الذي يجوزه هم عصاة الموحدين، أرجو التوضيح؟
الجواب
سبق بوضوح أن الكفار لا يجوزون الصراط، لا النصارى، ولا اليهود، ولا المجوس، ولا غيرهم، والمنافقون أيضاً يقعون من أوله، لكن المؤمنين والموحدين -ولو كانوا عصاة- هم الذين يجوزون الصراط، إذاً: من الذي يجوز الصراط؟ الموحدون هم الذين يجوزون الصراط.
стр. 998
حكم البيع المسمى (الإيجار والتمليك)
السؤال
انتشر في هذه الأيام البيع المسمى (الإيجار والتمليك) فما حكمه؟
الجواب
نهى رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح عن بيعتين في بيعة، فلا يجوز لإنسان أن يجمع في عقد واحد بين بيع وإجارة، أو بين زواج وبيع، أو بين قرض وإجارة، أو بين قرض وزواج، ونحو ذلك، لا يجوز أن يجعل عقدين في واحد، لابد أن يفصل هذا عن هذا؛ لئلا يقع الغرر، فإذا جعلوهما عقداً واحداً؛ فهذا غير جائز، لكن إذا فصل العقدين عن بعضهما جاز ذلك، فلو قالوا له: نؤجرك السيارة، فإذا أنهيت كذا سنة في الإيجار نعقد معك عقد بيع جديد مستقل منفصل، نتفق فيه على سعر نحن وإياك، فهذا لا بأس به، إذا كان العقدان منفصلين فلا بأس، هذا بالنسبة لمسألة الإيجار المنتهي بالتمليك.
стр. 999
تغيير المكان للمعتكف في الحرم وطوافه
السؤال
هل المعتكف في الحرم له أن يغير موقعه داخل الحرم إذا احتاج إلى ذلك؟
الجواب
نعم.
ولا بأس.
السؤال: هل له أن يطوف يومياً؟ الجواب: كذلك يجوز له أن يطوف يومياً، هذه من العبادات التي يفعلها المعتكف في الحرم، ومن طاف أسبوعاً فأحصاه كان له كعتق رقبة كل أسبوع، أي: سبعة أشواط، إذا طاف سبعة أشواط وصلى ركعتين قِبل المقام، كأنه أعتق رقبة، ولذلك لا حرج مطلقاً أن يطوف سبعة أشواط ويصلي ركعتين، ثم يطوف سبعاً ويصلي ركعتين، ثم يطوف سبعاً ويصلي ركعتين هذه من العبادات العظيمة، فإذا فعله المعتكف فهو قربة إلى الله تعالى وطاعة يفعلها في اعتكافه وهو داخل الحرم بطبيعة الحال.
стр. 1000
الاعتكاف مع الغير
السؤال
هل الأفضل أن يعتكف وحده أو يكون معه آخر؟
الجواب
إذا كانا سيتعاونان على الطاعة فهذا طيب، أما إذا كانا سينشغلان بالحديث عن طاعة الله فهذا ليس في مصلحته
стр. 1001
الزكاة على من ينوي البيع
السؤال
شخص اشترى قطعة أرض وينوي بيعها في المستقبل، فهل عليها زكاة؟
الجواب
ما دام نوى البيع، إذاً: عليه زكاة، أما إذا اشتراها ليبني عليها مسكناً أو يقيم عليها مشروعاً استثمارياً، كمحطة أو عمارة أو مزرعة ونحو ذلك، فلا زكاة عليه، وكذلك إذا ترددت بيعته بين البيع وشيء آخر كالبناء، فما دامت النية مترددة فلا زكاة عليه، فإذا جزم بالبيع بدأ الحول.
стр. 1002
الإتيان بعد صعود الإمام المنبر
السؤال
جاء في حديث صلاة الجمعة: (من أتى في الساعة الأولى فكأنما قدم بدنة فإذا صعد الخطيب على المنبر دخلت الملائكة يستمعون الذكر)، فما الحكم فيمن يأتي بعد صعود الإمام المنبر، هل له جمعة؟
الجواب
نعم له جمعة، لكن فاته أجر التبكير؛ لأن عندنا أجر سماع الخطبة والصلاة، وعندنا أجر التبكير إلى الجمعة، فإذا صعد الإمام المنبر فاته أجر التبكير، وبقي أجر الخطبة وأجر الصلاة، وإذا تأخر عن الخطبة يفوته من أجرها، فإذا فاتته الخطبة فاته كل أجر الإنصات إلى الخطبة، ويبقى أجر الصلاة، وهكذا يعطون أجورهم على حسب أعمالهم.
стр. 1003
العمرة على أهل مكة
السؤال
أناس من أهل مكة يقولون: ليس على أهل مكة عمرة؟
الجواب
الصحيح أن لهم عمرة، ولكنهم يعتمرون من الحل خارج الحرم، أي: من التنعيم أو غيره.
стр. 1004
رؤية الكفار لله
السؤال
هل الكفار والمشركون يرون الله يوم القيامة؟
الجواب
يرونه في أول الأمر، ثم يحجبون عنه ليكون زيادة في تبكيتهم وتحزينهم وآلامهم: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]
стр. 1005
منع الأبناء من الذهاب إلى المساجد
السؤال
هل يجوز منع الأبناء من الذهاب إلى المسجد؟
الجواب
الأولاد على نوعين: مميزون وغير مميزين.
والتمييز في العادة سبع سنين، وهو يختلف ويتفاوت بحسب كل ولد، فمنهم من يميز قبل سبع، ومنهم من قد يتأخر تمييزه، ولكن في الغالب سبع، ولذلك ارتبطت العبادات كالصلاة -مثلاً- بالتمييز، ففي سبع يؤمرون بالصلاة؛ لأنه صار مميزاً مدركاً، وكذلك هناك عبادات أخرى ترتبط بالتمييز، كالأذان والإمامة إذا صار مميزاً على الصحيح، وإذا كان الصبي غير مميز، وكان الذهاب به إلى المسجد يسبب إزعاجاً للمصلين أو نجاسة للمسجد ونحو ذلك فلا يذهب به إلى المسجد، وأما إذا كان هناك من يصونه ويمنع أذاه فيذهب به، كما أن النبي ﷺ كان يسمع في الصلاة بكاء الصبي فيخففها، ولكن إذا تحول المسجد إلى حضانة، كل ولد يصرخ من جهة، ويصيح من جهة، حتى لا يكاد المصلون يستمعون قراءة الإمام؛ فهنا ينبغي أن يوجد حل لهذا، ولذلك بعض النساء وربما بعض أزواج النساء لا يدركون هذه القضية، فيأتي ويرمي الأولاد هكذا في المسجد، وقد يتعرض بعض الأولاد للأذى، فيكون قد آذى به وأهمله؛ فيأثم على إهماله، ولا شك أن صلاة المرأة في بيتها خيرٌ من صلاتها في المسجد حتى التراويح؛ لأن الحديث عام: (إني علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لكِ) فإذا كانت تأتي بصبي يزعج الناس ويصيح، وبين أن تصلي في بيتها؛ فتصلي في بيتها أحسن من الجهتين.
стр. 1006
حكم تأخر المأمومين في الصلاة عن الإمام
السؤال
إمام المسجد قام في الركعة الثالثة، ولم يجلس في التشهد الأول، والذين في ناحية المسجد جلسوا ولم يعرفوا أن الإمام قائم إلا عندما كبر للركوع فقاموا، ثم رفع من الركوع ولم يدركوا الركوع، ثم سجدوا، وبعضهم بعد انتهاء الصلاة أتى بركعة، وبعضهم سلم مع الإمام ولم يأتِ بركعة، حيث إن هؤلاء لم يأتوا بركعة، فاتهم الركوع ولم يلحقوا الإمام فيه ولم يقضوه ولم يأتوا به؛ فإن صلاتهم غير صحيحة؛ لأن الركوع ركن ولم يأتوا به، فما حكم صلاتهم؟
الجواب
نبدأ أولاً بالموقف الصحيح، ثم نقسم هؤلاء المصلين.
الموقف الصحيح: أن على الناس أن يتابعوا الإمام، فإذا حصل خطأ ولم ينتبهوا كأن انقطع مكبر الصوت فعلى المأمومين أن يتابعوا الإمام فوراً عندما يعلمون بالخطأ، فهؤلاء قالوا: الإمام بدل أن يجلس للتشهد قام، ونحن في طرف الصف ما رأيناه قام، ظنناه جلس للتشهد فجلسنا، فلما قال: الله أكبر للركوع، قمنا وظننا أنه قام للثالثة، فلما قال: سمع الله لمن حمده؛ تلخبطنا، فماذا يفعلون؟ هؤلاء إذا قاموا ثم سمعوا الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، يركعون ويرفعون ويتابعون الإمام، وصلاتهم صحيحة.
لكن حيث إنهم لم يفعلوا ذلك؛ فقد انقسموا إلى قسمين: قسم أتى بركعة بعد سلام الإمام، فهؤلاء جبروا الركعة التي فاتهم فيها الركوع، وهو ركن أتوا ببدل منه، فصلاتهم صحيحة، والذين سلموا وذهبوا بدون أن يأتوا بركوع مع الإمام ولا ركعة، فصلاتهم غير صحيحة؛ فعليهم إعادتها.
стр. 1007
أهوال القيامة والنجاة منها
السؤال
كيف يستطيع المرء أن ينقذ نفسه من أهوال يوم القيامة؟
الجواب
أولاً: كما قال الله : ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، فلابد أن يأتي بقلب سليم من الشبهات ومن الشهوات.
ثانياً: لابد أن يعمل عملاً صالحاً، فإذا عمل عملاً صالحاً فقد فاز وزحزح عن النار وأدخل الجنة، ولا يفوز يومئذ إلا من لقي الله بإيمان وعمل صالح، إذاً: لابد من قلب سليم وعمل صالح، فهو الذي ينجي من أهوال القيامة.
стр. 1008
وسوسة الشيطان لآدم وحواء ﵉
السؤال
هل الجنة التي أخرج منها آدم ﵇ هي جنة المأوى؟ وكيف دخل الشيطان وقد أخرجه الله منها؟
الجواب
لا يلزم من الوسوسة أن يكون قد دخل، فيمكن أن يكون قد وسوس للأبوين من خارج.
стр. 1009
الزكاة على المال المدين
السؤال
أقرضت أخي مبلغاً من المال منذ ثلاث سنوات، وحالته المادية غير ميسورة، وأخبرني أنه سيرد المبلغ حين الميسرة، فهل على هذا المبلغ زكاة؟
الجواب
حيث إنه ليس بيدك، ولا يمكنك أن تطالب به، ولو قلت له: هات المال، لقال لك: ما عندي شيء، فإذاً ليس في هذا المبلغ زكاة.
стр. 1010
الصلاة بعد الوتر
السؤال
إذا أدى المسلم صلاة الوتر مع الإمام ثم أراد أن يصلي -مثلاً- سنة الوضوء، أو ذهب إلى مسجد آخر وأراد أن يصلي، فماذا يفعل؟
الجواب
يصلي ولا حرج عليه، وله أن يزيد ويصلي في الليل مثنى مثنى دون أن يوتر، لحديث: (لا وتران في ليلة)، فيكتفي بالوتر الأول، وإذا أراد الزيادة فيزيد مثنى مثنى.
стр. 1011
الحكمة من المسح على الجوارب
السؤال
هل الحكمة من المسح على الجوارب فقط للتخفيف في البرد الشديد؟
الجواب
ليس المسح على الجوارب مرتبطاً بالبرد الشديد؛ فيمكن أن يمسح حتى في فصل الصيف، فهي رخصة ما دام لبس الجورب على طهارة، والجورب ساتر للقدمين، وكان طاهراً؛ فإنه يمسح عليه.
стр. 1012
الاستمناء في نهار رمضان
السؤال
ما حكم الاستمناء في نهار رمضان؟
الجواب
هذا مفسد للصوم، ومبطل له، وفاعله آثم، وقد ارتكب كبيرة عظيمة من الكبائر، وعليه أن يمسك بقية اليوم، وأن يتوب إلى الله، وأن يقضي يوماً بدلاً من هذا اليوم.
стр. 1013
آداب الدرس والحلقة
طلب العلم عبادة عظيمة، وقد ميزت عن غيرها من العبادات، فجعل للعالم فضل على العابد يعادل فضل النبي ﷺ على أدنى فرد من أمته.
وفي هذه المادة حديث عن فضل العلم، وبعض ما يتعلق بحلقه من الضوابط والشروط والآداب، ونقاش علمي لواقع هذه الحلق اليوم، واسترشاد بواقع حلق العلم في عهد سلف هذه الأمة الصالحه.
стр. 1014
فضل العلم وحلقه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده.
أيها الإخوة: سنتحدث في هذه الليلة إن شاء الله عن عبادة عظيمة من العبادات، وموضوعٍ مهمٍ من المهمات وهو: حلق العلم، وشيء من فضلها وآدابها وشروطها، ونظرة نقدية لواقع حلق العلم التي يجلس فيها بعض الشباب، بل وبعض النساء أيضاً لنتعرف على شيءٍ من الآداب، وفي ذات الوقت الآفات التي تحيط بهذه القضية.
أما بالنسبة للعلم، فإن طلب العلم من أجل العبادات وأفضل القربات، وهو حياة القلوب ونور الأبصار، به يطاع الله ويعبد، وبه يحمد الرب ويوحد، وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال من الحرام، فتعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الغربة، والدليل في الظلمة، والسنان على الأعداء، وأهل العلم في المنارات العالية، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:١١] وفضل العالم على العابد كفضل النبي ﷺ على أدناكم كما خاطب بذلك أصحابه، ولم يأمر الله نبيه أن يطلب الزيادة من شيء إلا من العلم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤].
وهو دليلٌ على توفيق الله للعبد، قال ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) وفي حكمه جاء حديثه ﵊: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ونافلة العلم أفضل من نافلة العبادة، كما ورد في الحديث الصحيح () فضل العلم أحب إلي من فضل العباد) والملائكة ترضى عن طالبه بقوله ﵊: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىاً بما يصنع) وكل وسيلة مشروعة لتحصيله فهي طريقٌ مؤدية إلى الجنة لقوله ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وحلق العلم من أعظم الوسائل الموصلة إلى العلم، ولذلك فإن هذا السبيل وهو حلق العلم من أعظم السبل المؤدية إلى الجنة.
ولذلك كان حرياً بنا أن نتفطن لهذه القضية؛ وهي الاهتمام بحلق العلم، لأنها السبيل العظيم الموصل إلى الجنة، وقد وردت أحاديث في فضل حلق العلم عظيمة، منها ما هو مقيدٌ بالمسجد، ومنها ما هو مطلق، فمن الأشياء المقيدة بالمسجد حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) وفي إتيان المساجد لتعلم القرآن، قال ﷺ : (أيكم يحب أن يغدو كل يومٍ إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثمٍ ولا قطيعة رحم، فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين كوماوين، وثلاث خيرٌ له من ثلاث، وأربع خيرٌ له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل) حديثٌ صحيح رواه الإمام أحمد وغيره، وهذا دليلٌ عظيمٌ على استحباب إتيان المساجد لحلق الذكر، أما غير المساجد، فقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: (لا يقعد قومٌ يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده).
стр. 1015
هل يقتصر أجر حلق العلم على المسجد ؟
وفي رواية لـ ابن حبان: (ما جلس قومٌ يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) وبعض العلماء الذين شرحوا حديث (ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله) ذكروا تنبيهاً، ومنهم المناوي الذي قال: التقييد بالمسجد غالبيٌ فلا يعمل بمفهومه، يعني: ليس الأجر الذي ورد في بيت من بيوت الله خاصاً بالمسجد، وإنما حتى الحلق التي تكون في البيوت والمجالس وأي مكان آخر غير المسجد فيها أجرٌ عظيمٌ أيضاً، لكن بيت الله تعالى مظنة الخشوع والبركة فيه أكثر، وإلا فليست حلق العلم المعقودة في البيوت خالية من الأجر الوارد في هذا الحديث، ولذلك قال: التقييد بالمسجد غالبيٌ فلا يعمل بمفهومه.
أما بالنسبة لذكر الله الوارد بالحديث، فقد قال ابن حجر ﵀: ويطلق ذكر الله ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث، ومدارسة العلم، والمناظرة فيه من جملة ما يدخل، قال: قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل في مسمى ذكر الله ، وإن كان ذكر الله بالمعاني الأخرى أيضاً أقرب إلى مسمى ذكر الله من مدارسة أو ذكر الأسانيد ونحو ذلك.
وقال ﵊ فيما رواه عنه سهل بن الحنظلية: (ما اجتمع قومٌ على ذكرٍ فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم) وذكره الألباني ﵀ في صحيح الجامع.
стр. 1016
معنى حلق الذكر وبيان دخول حلق العلم فيها
إذاً هذه الأحاديث الدالة على فضل حلق الذكر عموماً، وحلق العلم تدخل في حلق الذكر، وينبغي أن يوسع موضوع حلق الذكر حتى لا يُظن أنها فقه وحديث وتفسير ونحو ذلك، فيدخل فيها الطلب من الله والدعاء، وكذلك ذكر نعمة الله، إذا جلسوا يذكرون نعمة الله عليهم، فهي من حلق الذكر التي فيها هذا الأجر العظيم (وقد ذكر النبي ﷺ عن رجلٍ حضر حلقة علمٍ رأى فرجة جلس فيها أن الله آواه، وثانٍ جلس خلفهم واستحيا أن الله قد استحيا منه) وهذا يدل على فضل من حضر حلق الذكر.
والصحابة جلسوا يذكرون الله ويحمدونه على ما هداهم للإسلام ومنَّ به عليهم، فإذاً تذكر الأشياء وتذكر نعمة الله تعالى، وتحديث البعض للبعض الآخر بنعمة الهداية مثلاً، يعتبر من مجالس الذكر، ولو لم يقرءوا فيه إسناداً ولا متناً، فلا يقتصر مفهومنا لحلق الذكر على قراءة المتون فقط، فالمسألة أعظم من ذلك.
لو جلس جماعة يتواصون بالصبر، يتكلمون في مسألة الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبل إعزاز الدين، ويناقشون كيفيات إعزاز الدين , والسبل الموصلة إلى تبليغ الدعوة، وكيف يحققون ذلك، لكان هذا من حلق الذكر.
ولو جلس جماعة حتى لو لم يكونوا من أهل العلم ولا من حفاظ العلم، جلسوا يذكرون نعم الله عليهم، وهذا قد يتكلم فيه بعض العامة كلاماً جميلاً، يذكر نعم الله عليه، ويقارن حال المهتدين بحال الزائغين، ويبين فضل الله على المهتدين، فهذه حلقة ذكر فيها أجرٌ عظيم.
إذاً نحن نستطيع أن نحول كثيراً من مجالسنا، سواء كانت مجالس عائلية، مجالس كلام في العمل أحياناً، مجالس مع الأصدقاء ما قبل العشاء، ما بعد الغداء، في وليمة؛ يمكن أن نحولها إلى حلقة ذكر ونخرج منها بأجرٌ عظيم، فذكر الله كلمة عامة يدخل فيها مسائل العلم والحديث والتفسير والفقه والعقيدة، ويدخل فيها كل شيءٍ فيه ذكر فضل الله، ونعم الله، وهداية الله تعالى، وكذلك الدعوة إلى الله مثلاً.
إذاً مجالس العلم مفهومها كبير وواسع، وينبغي أن يحقق، وإن كانت الكتب التي تتحدث عن حلق العلم تقتصر على ما يفهم منه قضية المتون والأحاديث، والإملاء والأسانيد، وغير ذلك، لكن المسألة أوسع من هذا بكثير، والصحابة كان حالهم أن يذكرون منة الله تعالى عليهم.
стр. 1017
بعض ما يتعلق بحلق العلم من الآداب وغيرها
لا شك أن حلق العلم من الأمور التي ينبغي الاهتمام بها لقلة العلم في هذا الزمان وتفشي الجهل، فهي من ذكر الله تعالى، ولما كانت حلق العلم قد اعتورها ما اعتورها من التقصير والآفات، فلعلنا نتحدث عن بعض ما يتعلق بحلق العلم، من الشروط والآداب وما كان في عهد السلف، ونناقش بعض عيوبنا في حلق العلم أو حلق الذكر، لنتوصل إلى سبلٍ لتصحيح الواقع، ونحث أنفسنا على الاهتمام بهذه العبادة العظيمة، وهي حلق العلم والذكر.
كان السلف ﵏ يهتمون بقضية الشيخ، ويتوسمون الخير في المشايخ، ويحرصون على حضور من يظهر لهم الخير فيه، فهذا أبو إدريس الخولاني ﵀ قال: دخلت مجلس حمص فجلست في حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ، يقول الرجل منهم: سمعت رسول الله ﷺ ، فيحدث، ثم يقول الآخر: سمعت رسول الله ﷺ ، فيحدث، وفيهم رجلٌ أدعج براق الثنايا، فإذا شكوا في شيءٍ ردوه إليه، ورضوا بما قال، فلم أجلس قبله ولا بعده مجلساً مثله، فتفرق القوم وما أعرف اسم رجلٍ منهم، فبت بليلة لم أبت بمثلها، وقلت: أنا رجلٌ أطلب العلم، وجلست إلى أصحاب رسول الله ﷺ لم أعرف اسم رجلٍ منهم ولا منزله، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد، فإذا أنا بالرجل الذي كانوا إذا شكوا في شيءٍ ردوه إليه يركع إلى بعض إسطوانات المسجد- يصلي- فجلست إلى جانبه، فلما انصرف قلت: يا عبد الله! والله إني لأحبك لله، فأخذ بحبوتي حتى أدناني منه، ثم قال: إنك لتحبني لله؟ قلت: إي والله إني لأحبك لله؛ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن المتحابين بجلال الله في ظل الله وظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) فقمت من عنده الحديث، أو بقية القصة.
وقد حصل أيضاً في رواية أخرى من كلامه ﵀ أنه سمع رجلاً من الصحابة يقول عن النبي ﷺ عن ربه : (حقت محبتي للذين يتحابون فيَّ، وحقت محبتي للذين يتباذلون فيَّ، وحقت محبتي للذين يتزاورون فيّ) قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبادة بن الصامت، قلت: من الرجل؟ قال: معاذ بن جبل، ومعاذ بن جبل الذي أعجب ذلك الرجل هيأته وسمته ﵁ وأرضاه، وهو الذي كان مرجعهم، وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام، وأعلمهم بالفقه بعد النبي ﷺ ، يتقدم العلماء يوم القيامة برمية حجر، رأى أبو إدريس من سمته وهيأته ما حببه فيه وجلس إليه، ويمكن معرفة العالم الثقة أو المعلم الثقة، أو طالب العلم الثقة من خلال السؤال والتفرس، وكانوا يبحثون عن الحلق التي يظهر حسن السمت في طلابها، وهذه كانت ميزة من ميزات العلم والذكر في عهد السلف؛ فكان الإنسان يميز من الجالسين حالاً عجيبةً، يقول عبد الله بن محمد بن عبيد في مسعر بن كدام وهو من كبار علماء السلف:
من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام
فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام
فتتميز حلقهم بالعفة، والمجلس نفسه فيه سكينة ووقار، ليس مجلس لغط ولا هرج ومرج، لكن مجلس خشوع وسكينة، ويقول أبو حازم ﵀ وهو من جلساء زيد بن أسلم في حلقته، يقول: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين حضراً فقهاء، أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، فما رئي منا متماريان ولا متنازعان في حديثٍ لا ينفعهما قط، إذاً كان الجالسون في الحلق من الذين يتخلقون بالأخلاق الحسنة، وليسوا حفاظاً فقط، وعندهم نبوغ في الفهم، فكانت قضية الأخلاق والآداب مهمة، يقول: أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، أي: يواسي بعضنا بعضاً، فالذي عنده سعة يعطي الذي ضاقت حاله، هذه أقل خصلة فما بالك بما هو أعظم؟ وفي نفس الوقت لا يوجد مراء في المجلس، لا يوجد نقاشات فارغة، ما رئي منا متماريان ولا متنازعان في حديثٍ لا ينفعهما، ولذلك حصلت الاستفادة والبركة، لكن لما يجلس بعض الناس في حلق، ويكون همهم الجدال والنقاش حتى لو لم يكن مفيداً، وأن يظهر كل واحد صحة رأيه وفساد رأي الآخر ونحو ذلك من الكلام، وينتصر كل إنسان لنفسه، ويريد إبراز مواهبه في النقاش، عندما تكون الأغراض مشبوهة، والنوايا مشوبة بمثل هذه الترهات لا تحصل البركة في المجلس ولا الفائدة، ولذلك قال: ما رئي منا متماريان ولا متنازعان، فكانوا يسمعون العلم، فيستفيدون، لا يوجد مراء، ولا شيء يضيع الأوقات.
стр. 1018
صورة بسيطة لحلقة علم
وقد روى أبو سعيد ﵁ وأرضاه، قال: كنت في حلقة من الأنصار وإن بعضنا ليستتر ببعض من العري وقارئ لنا يقرأ علينا، وفي هذا أنهم كانوا يلتمسون حلق الفقراء، وكانت طريقتهم في الحلق أن قارئاً يقرأ وهم يستمعون، فلو أن ناساً اجتمعوا في حلقة، وقالوا: يا فلان! أنت أندانا صوتاً، وأجودنا تجويداً، فافتح المصحف واقرأ علينا، ففتح المصحف وقرأ عليهم، فهذه حلقة ذكر كاملة، تحفها الملائكة، وتغشاها الرحمة والسكينة، ولو ما فعل فيها إلا قراءة القرآن.
قال: كنت في حلقة من الأنصار، وإن بعضنا ليستتر ببعض من العري، وقارئٌ لنا يقرأ علينا، فنحن نسمع إلى كتاب الله ، وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا أرادوا سماع القرآن، أمروا أحدهم أن يقرأ والبقية يستمعون، إذاً حلقة الذكر ليست صعبة، بل هي قضية سهلة جداً، والمسألة لا تحتاج أكثر من همة جلوس، وسماع لواحد من الناس الذين يجلسون ويقرءون القرآن، ويحصل بذلك الأجر العظيم، ولا يشترط أن يكون فيهم طالب علم أو عالم.
فإذا عرفنا أن المسألة سهلة، فلماذا لا نطبقها؟ هب أن بعضنا من الجالسين ليس عنده علم، ولا هو صاحب علم، ولا درس على مشايخ، ولا حفظ متوناً، ولا مسائل فقهية، ولا درس مذهباً فقهياً، جمع أهل بيته، فقرأ أو قرأت زوجته، أو قرأ أحد أولاده القرآن؛ فهذه حلقة ذكر، ونحن نريد إحياء هذا الأمر في البيوت والمجالس والمساجد وجميع المحلات، من مصلحتنا إحياء ذلك خاصة في زمن الجهل الذي نعيش فيه، عندك ربع ساعة في مصلى العمل، بنات عندهن وقت في مصلى الكلية، طلاب عندهم وقت في مصلى الجامعة، المسألة سهلة جداً، إنشاء حلقة ذكر سهلة جداً، وهذه قضية لها أثر كبير على النفوس، وهذا نوعٌ من التربية الإيمانية، وباب عظيم من أبواب الأجر ينبغي أن لا يفوت أبداً، لقد كان عند السلف خشوعٌ في حلقهم، ولم تكن مجالس مراء وكلام يقسي القلوب.
стр. 1019
من الآداب الخشوع والصمت
يقول نصر بن عاصم الليثي أتيت اليشكري في رهطٍ من بني ليث، فقال: قدمت الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا فيه حلقة كأنما قطعت رءوسهم من خفض الرءوس والخشوع والصمت، يستمعون إلى حديث رجلٍ، فقمت عليهم، فقلت: من هذا؟ قيل حذيفة بن اليمان، فدنوت منه فسمعته يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر في الحديث المعروف.
إذاً يلزم وجود سكينة في المجلس الذي يقرأ فيه حديث النبي ﵊، وعندما يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] فإننا ونحن بعده ولم ندركه حياً ﵊ نستطيع أن نطبق ذلك؛ بحيث نسمع حديثه يقرأ في مجلسٍ بدون أن يكون منا رفع صوت، فإذا لم يكن بين أظهرنا حياً بجسده فلنحترمه في عدم رفع صوتنا فوق صوته، فلا أقل من أن نسكت وننصت عندما يقرأ حديثه.
أهل الحديث هم أهل الرسول وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
فهذه أنفاسه التي بلغت إلينا، وحديثه ينبغي أن يسمع باحترام وتوقيرٍ وإجلال، لقد كانت الحلق تزيد الإيمان، ويحصل فيها من الخشوع ما يحصل، ويكون ذلك أحياناً بكلمة يسيرة، ولا يشترط أن تكون موعظة طويلة، يقول محمد بن واسع: كنت في حلقة فيها الحسن ومطرف وفلان وفلان، فتكلم سعيد بن أبي الحسن، حتى إذا قضى كلامه دعا، فقال في دعائه: اللهم ارض عنا ثلاثاً، فقال مطرف: اللهم إن لم ترض عنا، فاعف عنا، قال: فأبكاهم مطرف بهذه الكلمة.
стр. 1020
بعض ما ينبغي على الشيخ في الحلقة
ومن شروط الشيخ في الحلقة: التواضع، وكان بعض العلماء لا يرضى بأن يقام له إذا دخل المجلس، ولا يقبل رأسه ولا يده، وإنما إذا تكامل الحضور، جاء إلى مكانه في الحلقة والدرس وجلس يتحدث، وإذا انتهى قام ودخل بيته.
следующие страницы →