← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2416–2442 · переход к 2421.

стр. 2416

تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]. يقول تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، فهم وحدهم الإخوة، وليس الكافر لنا بأخ، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. فمن تولى اليهود فهو منهم، ومن تولى النصارى فهو منهم، ومن تولى المنافقين فهو منهم، ومن تنكر للمسلمين فأصبح عدواً لهم فذلك قد يخرجه عن جماعة المسلمين، وقد قال الله لهؤلاء: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يعامل معاملتهم ويقاتل قتالهم، وبنفس ما نعامل به اليهودي والنصراني نعامل المنافق. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، وهذا عام، فأصلحوا بينهما إذا ظلم أحدهما الآخر، وإذا طغى أحدهما على أخيه، وإذا حاول أن يغصبه حقه، وإذا حاول أن ينتقص من مقامه، فأصلحوا بينهما، فهما أخوان لكم، فاتقوا الله في هذا، وأصلحوا بين الفئتين المتقاتلتين من المسلمين. وهذا الأمر من الواجبات التي تركها المسلمون منذ قرون، فقد قوتل مسلمو اليمن ما يزيد على أربع سنوات، والناس يرونهم وكأنهم ليسوا بمسلمين، وقد علموا من الباغي، فلم يصلحوا بين الفئتين، ولم يردعوا الفئة الباغية، وحدث هذا في جميع ديار وأقطار المسلمين، حيث ظلم المسلمون من مسلمين، وانتهكت حرماتهم وقتلوا ظلماً وعدواناً، وأصيبت أموالهم، ولا يزال هذا قائماً في أكثر البلاد التي تنتسب للإسلام، وبقية المسلمين يرون هذا وهم ساكتون عنه، ولا ينصاعون لمثل هذه الآيات الكريمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١٠] أي: فاتقوا الله في الإصلاح بين الإخوة، والتزام أخوة المسلمين، والسعي في صالحهم، والبعد عن أذاهم وضررهم. قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]، أي: لعل الله أن يرحمكم إن أنتم عدلتم بين إخوتكم وأصلحتم بين إخوتكم وانتصرتم للحق على الباطل. و (لعل) في كتاب الله إن جاءت كانت للتحقيق لا للترجي فقط، أي: إن الله يرحمكم إن رحمتم إخوانكم وأخذتم على يدي الباغي وألزمتموه بالعدل والقسطاس، فإن لم تفعلوا فيوشك أن يعمكم الله بعقاب من السماء والأرض، وقد قال نبي الله ﵊: (إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: يا ظالم؛ فقد تودع منها)، فإذا لم يقل المسلم للظالم: (يا ظالم) وعامله بمقتضى ظلمه وردعه عن الظلم، فإن الله يدع الكل ويتخلى عن الكل ويعاقب الكل. وكما هو حادث في عصرنا، فالمسلمون يعذبون في جميع بقاع الأرض، في ديار المسلمين، وفي ديار الكافرين، وسائر المسلمين على قوتهم وعلى غناهم وعلى اقتدارهم لا يحركون ساكناً أمامهم وكأنهم ليسوا لهم بإخوة، حتى إذا ابتلي أولئك الذين خذلوا إخوانهم وسلط عليهم أعظم من ذلك فإنهم ينادون: يا ويلتاه! لم ننصر إخواننا فخذلونا عندما احتجنا إلى نصرتهم، وقد قال ﵊: (المسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يسلمه ولا يظلمه)، وقد قال ﵊: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقيل: يا رسول الله! هذا المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟! فقال: أن تحجزه عن ظلمه، فذلك نصر له). فردع الظالم عن ظلمه هو نصرته؛ لأنك أبعدته عن الباطل وقربته للحق، فعسى أن يئوب إليه وأن يفيء إلى الحق ويقول: رب اغفر لي إساءتي يوم الدين.

стр. 2417

تفسير سورة الحجرات [١١ - ١٢] السخرية والاستهزاء والغيبة والنميمة والتجسس أدواء قاتلة وأمراض اجتماعية مزمنة، يسعى القرآن العظيم بتعاليمه السامية إلى اقتلاع هذه الأدواء من جذورها، فهو يحذر منها أشد التحذير، لما فيها من إنهاك للروابط الأخوية وهتك لأستار الله على المسلمين.

стр. 2418

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم)

стр. 2419

معنى قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]. بعد أن ألزمنا الله وأوجب علينا ووجهنا وعلمنا بأن المؤمنين لنا إخوة، بين تعالى أن مقتضى هذه الأخوة ألا يهزأ الأخ بأخيه، ولا يسخر منه، ولا يلزمه، ولا يهمزه، ولا يعيبه، ولا يحتقره، فإن فعل ذلك لم يعتبر أخًا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات:١١]. والسخرية: الهزء والتحقير، فقوله: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) أي: فئة من الرجال بفئة أخرى من الرجال. (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) أي: عسى أن يكون أولئك الساخرون أحقر من أولئك، فهم الأجدر بأن يهزأ بهم، وأن يسخر بهم، وأولئك الذين سخر منهم أكرم عند الله وأشرف وأتقى من هؤلاء البغاة الظالمين المستهزئين المتنقصين لإخوانهم المسلمين، ولذلك كان الهزء بالمسلم كبيرة من الكبائر، وعظيمة من العظائم، من ارتكبها ولم يتب إلى الله يوشك أن يأخذه الله، ويوشك أن يعود ما هزئ به عليه، ويصبح مكان هزء الناس واحتقارهم.

стр. 2420

معنى قوله تعالى: (ولا نساء من نساء) قال تعالى: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١]. المعلوم في اللغة أن كلمة (القوم) تعم الرجال والنساء. وقال قوم: كلمة (قوم) تخص الرجال دون النساء، واستدلوا بهذه الآية، والصحيح أنها تعم الرجال والنساء، كما في النداءات النبوية بـ (يا قوم) من أنبياء الله السابقين، فالخطاب فيها للرجال والنساء، والنساء شقائق الرجال. ولكن هنا عندما قال تعالى: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) دخل الرجال والنساء، ثم خص تعالى النساء بالذكر لأن الهزء يكون من النساء أكثر، فلا يفلت من النساء أحد من الهزء، حيث يهزأن بقصره وبلونه، وبكلامه، وبفقره، فالنساء لا يكدن يجتمعن إلا على الشتم والتنقيص والهزء، وإذا افترقن عادت كل واحدة بالهزء على الأخرى، فالله عمم عندما قال: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ثم خص فقال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١]، وكأن النساء خوطبن مرتين؛ لأن ذلك من لوازم مجالسهن ولوازم أحاديثهن.

стр. 2421

معنى قوله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم) قال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١]. أي: لا يلمز بعضكم بعضاً، يقال: الهمز واللمز، فاللمز: العيب في شخص آخر بالقول، والهمز يكون بالفعل، وقد لعن الله فاعلي ذلك وهددهم بالويل، وهو الصديد في جهنم، حيث قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، فيا ويله ويا حقارته من عذاب الله يوم القيامة، فشرابه من الويل، وهو صديد أهل النار. فقوله تعالى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، أي: لا يقتل بعضكم بعضاً. فالمراد هنا: لا يعب أحدكم الآخر، ولا ينتقصه بكلمة، ولا يعبه بكلمة، فإن فعل كان من اللمازين الهمازين الذين قال الله عنهم: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]. ونحن لا نتكلم عن المزاح بالشتائم، فالمزاح بالعيب وبالشتائم من أخلاق الفاسقين التي ذكرت عن قوم لوط الذين كانوا يرتكبون المنكر في مجالسهم بالقول والفعل، والذي يتأدب بآداب الإسلام لا يكون مزاحه إذا مزح إلا حقاً، فقد كان ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً. فاللمز والهمز -سواء أكان مزاحاً أم كان جداً- يعتبر من أخلاق المنافقين وأخلاق قوم لوط أقبح الأمم الذين ارتكبوا البلايا التي ما سبقوا بمثلها قط. وهناك كثير من الآباء غير مهذبين بالتهذيب الحضاري ولا بالتهذيب الإسلامي، فيريدون أن يلاعبوا أولادهم الصغار فيجرئونهم على الشتائم باسم المزاح، وقد يجرئون أولئك الأطفال على الضيفان، فإذا حاول الضيف أن يستنكر أو أدب ذلك الولد بلطمة أو صفعة صاح ذلك الأب وقال: هو يمزح معك، فهي قلة أدب من الكبير، وهي أخلاق المنافقين وقوم لوط، وتلك اللطمة ينبغي أن تكون للأب قبل أن تكون للولد، فينشأ الولد من الصغر وهو هماز لماز شتام.

стр. 2422

معنى قوله تعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب) قال تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١]. النبز بالألقاب: أن تنبز أخاك المسلم بلقب يكرهه، كأن تقول له: القصير، أو تقول له: الأعمى، أو تقول له: الأعرج، أو تقول له: البليد، أو أي لقب مما يكرهه، وهو مما حرم الله تعالى. إلا إذا كان اللقب قد غلب حتى صار علماً، فهنا لا يكون قصد قائله العيب ولا الغمز، وقد نقل من ذلك لقب الأعرج، والأعمش، ونحوهما، فشهروا بالألقاب، بحيث لو قلت في الأعرج: عبد الرحمن بن هرمز فإنه لا يكاد يعرف إلا عند المحدثين. وهناك ألقاب كثيرة غير مقبولة، والقليل منها تجده مقبولاً يحبه صاحبه ولا يتأذى من اللقب، فالألقاب الفاضلة فعلها رسول الله ﵊، فقد لقب أبا بكر بـ الصديق، ولقب عمر بـ الفاروق، وعثمان بـ ذي النورين، ولقب خالداً بسيف الله، ولقب أبا عبيدة بأمين هذه الأمة، وهذا لم يمنعه الشارع، وإنما منع الألفاظ التي هي للعيب وللمز وللتحقير والتصغير.

стр. 2423

معنى قوله تعالى: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) قال تعالى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١]. فما أقبح أن ينتقل المرء من مؤمن إلى فاسق؛ لأن لمز أخيك المسلم، والهزء بأخيك المسلم يجعلك تكون فاسقاً، ولا يليق بمسلم أن يقبل مثل هذا اللقب. فذاك جزاء من يفعل مثل هذا، ولما كانت الألقاب ليست بالأمر الهين كان الجزاء بها عقوبة قائلها بغير صدق، فلو قال إنسان: هذا زانٍ وكان الأمر كذلك فهو قد لقبه بما يستحق، وإن كان الأمر على غير ذلك فإنه يكون قاذفاً، وحد القذف أن يجلد صاحبه ثمانين جلدة، وهو كبيرة من الكبائر، ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١]. فما أقبح وأهون أن ينتقل المرء من الإيمان إلى الفسوق؛ لأنه ارتكب أفعال الفساق الخارجين عن العدل والحق، العصاة لله فيما به أمر، والعصاة لرسول الله ﷺ فيما به أمر، أو عنه نهى. فالله تعالى ينفر المؤمن من هزئه بإخوانه المسلمين بأن يقول الناس عنه: إنه فاسق؛ لأنه هزأ بأخيه ولمزه وتنقصه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]، فهؤلاء الذين يفعلون ذلك وقد نهاهم الله عنه وأعلن شين ذلك وقبحه دعاهم ربهم إلى التوبة، فإن تابوا تاب الله عليهم وغفر ذنوبهم وكفر عنهم سيئاتهم، فإن لم يتوبوا فأولئك هم الظالمون. ومن كان ظالماً استوجب عقوبة القاضي بالتأديب والتعزير وعقوبة الله باللعنة ودخول النار وتعذيبه بها جزاءً وفاقاً على ما آذى به أخاه المسلم وأنكر أخوته وأنكر حقه، والجزاء بحسب العمل. فالله حكم عليه بالظلم إذا لم يتب، والظلم تترتب عليه عقوبات في الدنيا، وعقوبات في الآخرة، فعلى الحاكم أن يتولى عقوبة الظالم، وإن شاء الله تعالى بعد ذلك زاده عذاباً على عذاب، وإن تاب وأناب غفر الله وهو خير من يغفر وخير من يعفو ﷻ .

стр. 2424

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن)

стр. 2425

معنى قوله تعالى: (اجتنبوا كثيراً من الظن) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢]. هذه السورة قليلة الآيات عظيمة الأحكام والآداب والأخلاق في بلاغة وفصاحة. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]. دعا الله المؤمنين إلى ترك الظن واجتنابه والابتعاد عنه في كثير منه، ولم يقل: في جميعه؛ لأن بعض الناس في سيرتهم وفي تصرفاتهم يحملون الناس على سوء ظن بهم، فإذا وجدنا رجلاً علمنا دينه وتقواه وصلاحه وبره يوماً يمشي مع امرأة ونحن لا نعلم عنه إلا خيراً؛ فلا نبادر برميه بالسوء فنقول: ما مشى مع هذه المرأة إلا وهي خليلة، فلا داعي لهذا الظن السيئ؟! فمثل هذا نهى الله عنه؛ لأن هذا الذي عرف بالخير لا يجوز بحال من الأحوال أن يرمى بسوء الظن لمجرد أنك رأيته مع امرأة، فقد تكون أمه، وقد تكون زوجته، وقد تكون أخته، وقد تكون ابنته، وإن كان هو ينبغي أن يتحاشى ذلك ويبتعد عنه؛ لأن النبي يقول ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم)، ولكن قد يحتاج الإنسان أحياناً - ولا مفر من ذلك - أن يأخذ بعض حريمه إلى الحج أو عمرة أو لصلة رحم، وليس هناك من يذهب معها من المحارم إلا هو، فكيف يظن به السوء!؟ ولكن إذا علمنا رجلاً قد حد على ذنب، أو علمنا عنه السوء واشتهر به فهذا يكون ظن السوء هو الأولى به. ومن هنا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، وليس كل الظن إثماً، فقد قال النبي ﵊: (إن من الحزم سوء الظن)، فإذا كنت تريد أن تعامل إنساناً معاملة مالية في شركة تجارية أو زراعية أو شيء وأنت لا تعلم عنه شيئاً فمن الحزم ألا تضيع مالك وتدخل معه في المحاكم والمرافعات لوثوقك من أول مرة بأمانته وخبرته بهذا العمل، ومع هذا لا تذكره بسوء، فلا تقل: أنا أظن كذا وأنت لم تعلم عنه خيراً ولا شراً، فلا تذكره بسوء، كأن تقول: أظن أنه ليس ابن أبيه، أو: أظن أنه لا يؤتمن، فهذا لا يجوز. وإن استشارك أخوك المسلم في إنسان ليصاهره أو ليشترك وإياه في عمل أو أي شيء وكنت تعلم عنه سوءاً فلا تكتمه، ولا يعتبر ذلك غيبة ولا نقصاً ولا ظن سوء، ولكنَّه يعتبر نصيحة لأخيك المسلم، ويروى أن النبي ﵊ جاءه مرة أحد أجلاف الأعراب، وقبل أن يدخل عليه قال عنه النبي ﵊: (أحمق مطاع)، فوصفه بالحمق، فعندما دخل عليه أحسن استقباله، فانتبهت لذلك عائشة التي سمعت الحديث، فقالت: (يا رسول الله! قبل أن يدخل قلت: أحمق مطاع، وعندما جاءك أحسنت استقباله، فقال: نعم)، ومن هنا قالت عائشة: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم. على أن إكرام الضيف من أخلاق المؤمنين، فكيف برسول الله الإمام والقدوة والأسوة لعموم الناس ﷺ . وليست هذه شتيمة وليست بغيبة، ولكنها تعريف بأن هذا الرجل على زعامته بدوي، وقومه بدو أجلاف لا يحسنون الاختيار لمن يتزعمهم، فأرسلوه وافدهم إلى رسول الله ﷺ على ما فيه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، أي: ابتعدوا عنه، وكان سفيان الثوري يقول: الظن ظنان: أحدهما إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإثم، وهو أن تظن ولا تتكلم. وإذا رأيت أهل الفسق وأهل الكفر فلا بد من أن تأخذ بالحزم وتظن السوء بما يقومون به من فسق ومن كفر. أما أن تظن بالصالح سوءاً فذلك ما حرمه الله، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، فبعض الظن يرتكب فاعله الإثم، كأن يظن بصالح سوءاً بظنون وأوهام وأمان غايتها الطعن في الصالحين، والناس يبادرون عادة بالطعن في الصالحين وفي الكبار. فهي ظنون وأوهام دخلت في عقولهم وليس لها في واقع الحال نصيب، وظن السوء بأهل الخير والصلاح يكون فاعله قد ارتكب الإثم بظن السوء واغتاب أخاه المسلم إذا تكلم بذلك، فلذلك ربط الله بين سوء الظن والغيبة.

стр. 2426

معنى قوله تعالى: (ولا تجسسوا) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢]. وجاء التجسس بعد الظن لتأكيده، فقد يظن إنسان شيئاً بالإنسان فيريد أن يحقق ظنه فيتتبعه، من سمع لغطاً في دار ليلاً فقال: لا بد أن هناك أجنبياً، فذهب يتجسس وجلس يسترق السمع خلف الأبواب، فهذا تجسس حرمه الله. ويروى أن عمر بن الخطاب كان يقوم بالعس في الليل بنفسه، فخرج يوماً ومعه عبد الرحمن بن عوف، فسمع أصواتاً فجاء ومعه عبد الرحمن فتسور الجدار ودخل على أهل البيت وفاجأهم فوجد غناء ونساء، وكان صاحب البيت كبيرهم، فقال: يا فلان! أمثلك يفعل هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت قد أسأت مرة فقد أسأت ثلاثاً، فالله يقول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، وأنت تسورت علينا الجدار، ويقول: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧]، ودخلت بغير إذن، ويقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢]، وأنت تجسست! فالتفت عمر إلى عبد الرحمن وقال: أكذلك يا ابن عوف؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين، فخرج، فلما زالت السكرة عن صاحب البيت وجاءت الفكرة أصبح يخجل من أن يرى عمر ﵁، فكان إذا ذهب للصلاة يختفي بين أركان المسجد. فـ عمر لم يعاقبه؛ لأن الطريقة التي اطلع بها على منكر هؤلاء لم تكن شرعية، ولم تكن مأذوناً بها، ولذلك ألغى عقوبته، ومن جانب آخر أراد منه أن يقلع بلا تهديد ولا إنذار، فقال له: يا فلان! السر الذي بيني وبينك ما أخبرت به أحداً؛ لأنه سيكون غيبة، ولكن إياك أن تعود لمثل ذلك، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فبعد ذلك إن عاد سيعتبره فاسقاً، وفي حديث نبوي: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)، ولو تكرر ذلك منه لكانت صفته صفة الفساق الذين لا يصلحون، وقد ثبت عنه أنه لم يعدها قط. فقوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢]. قال بعض أهل اللغة: تجسس وتحسس بمعنى واحد، وهو أنه ذهب يستطلع الأسرار ويستخبر المكتوم. وقال بعضهم: التجسس يكون في السوء، والتحسس يكون في الخير، ومنه قوله تعالى حكاية عن يعقوب حين أرسل بنيه إلى مصر: ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٧]، أي: ائتوني بخبر تبشروني به بأن يوسف لا يزال حياً، وأن أخاه الذي لحق به لا يزال حياً. والجاسوس إن تجسس على الناس فإنه يعزر بعشر جلدات، وقد يرى الحاكم أكثر من ذلك، وإن ذهب يتجسس بالنظر في ثقوب الباب فلصاحب البيت إن رآه أن يفقأ عينه، وقد فعل هذا أحد قليلي الأدب من ضعاف الإيمان مع رسول الله ﵊، فذهب رسول الله ﷺ فأتى بما كان يريد أن يفقأ به عينه فوجده قد رفع رأسه، فقال: (لو ثبت لفقأت عينك). وهذا الأمر اعتبره جمهور الفقهاء تهديداً، ولكن الظاهرية الشافعية قالوا: ليس هو بالتهديد، بل أمر رسول الله ﷺ مطاع، ولذلك فجزاء كل من تجسس بالنظر في ثقوب الأبواب أن تفقأ عينه. وعقوبة الجاسوس من المسلمين على عورات المسلمين ليبلغها للكافرين هي القتل؛ إذ قد استباح أعراض إخوانه المسلمين، وأعان الكافرين عليهم، فمن فعل ذلك فعقوبته الموت، إذا علمنا أنه فعله وقد ارتد عن الإسلام بقول أو فعل فإنا نقتله على أنه مرتد، ونعامله معاملة المرتدين، بحيث لا نغسله ولا نكفنه ولا نصلي عليه ولا ندفنه في مقابر المسلمين. أما التجسس بالفضول فصاحبه مرتكب ما يعتبر عيباً وعاراً، فيعزر، والتعزير عند جمهور الفقهاء يكون بعشر ضربات، وعند المالكية يصل التعزير إلى الموت إن رأى الحاكم ذلك لمصلحة الأمن العام.

стр. 2427

معنى قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضاً) قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢]، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الغيبة، فقيل: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ فقال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) أي: قد كذبت عليه ببهتان. والغيبة: هي ذكرك أخاك المسلم بما يكره مما هو قائم به، إلا إذا كان قد جاهر بالفسق وبالمعاصي، ففي الحديث النبوي: (اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس)، كأن يجاورك جار أنت تعلم فسقه وتعلم فساده، فلك أن تحذر أهل الحي والجيران منه فتقول عنه: هذا فاسق. ولا تكون هذه غيبة. وقد قال الحسن البصري ﵁: من ارتكب المعاصي وجاهر بها سقطت حرمته من الغيبة؛ لأنه أعلن المنكرات بنفسه ولم يرع حرمة، لأن الحرام هو حرام في حد ذاته، فإذا أعلن فقد أصبح حرامين، فقد قال ﵊: (من ارتكب إثماً فليستتر). فالستر في الآثام مطلوب في حد ذاته، أما إذا جوهر به فذلك إثم آخر، ولذلك يقول ﵊: (من ارتكب الحرمتين فاقتلوه)، وقد كنت أفتيت مرة وأنا في الشام بأن الآكل في رمضان علناً في الشوارع يقتل، لأنه ارتكب الحرام الأول بأن انتهك حرمة رمضان، فأفطر في رمضان بدون عذر ولا سبب من سفر أو مرض، ثم بعد ذلك جاهر بهذه الجريمة وأعلنها بين الناس، ولسان حاله يقول: من أنتم؟ وما دينكم؟ وما رمضان؟ وقد كنت مرة في آخر أيام رمضان ذاهباً إلى المدينة، فوقفت بالسيارة لأملأها بالوقود، فإذا بي أجد اثنين مفطرين في رمضان، فتقدمت إليهما وقلت لهما: أأنتما من اليهود؟ فقالا: نعم، فقلت: كيف تدخلان مكة وأنتما يهوديان؟! وهذا منهما استهتار، وبعد ذلك قرأت فتوى لمفتي الشام الشيخ عبدين يقول: إن منتهك حرمة رمضان جهاراً نهاراً قد ارتكب حرمتين: الجهر بالمعصية والكبيرة، وانتهاك حرمة الشهر، فمن فعل ذلك فقد ارتكب الحرمتين، وفيها يقول ﵊: (من ارتكب الحرمتين فاقتلوه).

стр. 2428

تفسير سورة الحجرات [١٢ - ١٣] ومن الأدواء الخبيثة المنتشرة في المجتمع داء الغيبة والطعن في الأعراض، والذي يغتاب أخيه فكأنما أكل لحمه ميتاً. والله تعالى خلق الناس وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا لا ليتفاخروا، فإنه لا فضل لأحد ولا كرامة عند الله إلا بالتقوى.

стр. 2429

تفسير قوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضاً) قال الله ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢]. يخاطب الله ﷻ عباده المسلمين بألا يغتاب بعضهم بعضاً، وألا يتخذوا الريبة والظنون السيئة مطية للطعن في الصالحين منهم لمجرد أوهام ليس عليها دليل يؤكد ظاهرها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، فأمر باجتناب الكثير من الظن لا الظن كله، ومعنى ذلك أن بعض الظن تدعو إليه الضرورة، حيث يدعو إليه فسق الفاسق وفساد الفاسد ومعصية العاصي، ومنه قول النبي ﵊: (إن من الحزم سوء الظن). فالرجل الصالح والمرأة الصالحة لا يجوز أن يشكك في أمرهما، وسوء الظن يدعو إلى الغيبة، والدعوة للغيبة تجعل الإنسان في حالة يوشك أن يخرج فيها عن الطريق السوي المستقيم، أما الفاسق فقد جاء في شأنه في الحديث النبوي: (اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس)، فقد يكون معلماً، وقد يكون أباً، وقد يكون مربياً، لكي يحذر الناس أخلاقه وفساده، إذ لا بد من معرفة ذلك. ومن هنا كان الجرح والتعديل عند المحدثين، حيث يقولون: هذا ثقة، وهذا واهم، وهذا كذاب، ليحذر الناس روايته. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، ومنه قول النبي ﵊: (الظن أكذب الحديث)، فهو أكذب الحديث عندما يكون مبنياً على غير موجب، وإنما هو أوهام أقرب إلى الخواطر التي لا دليل عليها، فذاك ما حرم الله، وهو كبيرة من الكبائر. يقول تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، ومنه الظن بالصالحين والصالحات ظن السوء مما يطعن به في أعراضهم، والنبي ﵊ يقول: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه).

стр. 2430

معنى قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]، فذكر أخاك بما يكره كأنك أكلت لحمه ميتاً. وقوله تعالى: (فَكَرِهْتُمُوهُ) أي: كما تكرهون أكل لحم إنسان من البشر ميتاً يجب أن تكرهوا الغيبة امتثالاً لأمر الله وطاعة لما أدب به عباده المؤمنين الصالحين. وقد بلغ النبي ﵊ أن امرأتين صائمتين وقعتا في غيرهما بالغيبة وبالشتيمة، فناداهما ودعا بإناء فقال لهما: تقيئا، فتقيئا دماً وصديداً ولحماً، فقال: (إن هاتين صامتا عما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله). وقد جاء ماعز إلى رسول الله ﷺ وقال له: يا رسول الله أصبت حداً، فأعرض عنه النبي ﵊ أربع مرات، وفي الخامسة التفت إليه وقال: ما تريد بذلك؟ قال: أن تطهرني، ثم أمر برجمه فرجم، ثم خرج النبي ﷺ إلى ضواحي المدينة وإذا برجلين ممن معه قد أخذا يشتمان ماعزاً ويقولان: رجل ستر الله عليه ففضح نفسه حتى رجم، فسكت عنهما ﷺ زمناً، وبعد برهة من الزمن مروا على جيفة حمار فقال لهما: (كلا، فقالا له: غفر الله لك يا رسول الله، فقال: ما أكلتما من لحم أخيكما آنفاً أبغض عند الله من أكلكما من هذه الجيفة لو فعلتما). فالله ﷻ شبه غيبة أخيك المسلم بأكل لحمه ميتاً، فكما أن أكلك لحمه ميتاً لا يشعر به، فكذلك اغتيابك له وهو غائب عن مجلسك لا يشعر به. ولذلك اعتبرت الغيبة كبيرة من الكبائر عقوبتها التعزير، والتعزير عند الفقهاء الأئمة هو أن يضرب المذنب والمخالف بعشر ضربات على أن يحضر عذابه طائفة من المؤمنين؛ ليكون ذلك أردع لذنبه ولغيره ممن تحدثه نفسه بمثل ذلك. يقول تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]. أي: كيف أحببتم غيبة أخيكم المسلم ولم تكرهوها وتكرهوا أكل لحمه وهو ميت؟! فكما تكرهون أكل لحمه ميتاً يجب عليكم أن تكرهوا ذكره بالسوء وهو غائب عنكم.

стр. 2431

معنى قوله تعالى: (واتقوا الله إن الله تواب رحيم) قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، أي: اتقوا الله فأطيعوا أوامره واجتنبوا نواهيه وأحسنوا أخوتكم؛ فإنما المؤمنون إخوة. فالمؤمن لا يُسلم ولا يخذل ولا يظلم ولا يؤذى ولا يغتاب ولا يتجسس عليه ولا يظن به السوء، ومن فعل ذلك يكون قد أنكر أخوة ربطها الله من فوق عرشه ﷻ وعز مقامه، فاتقوا الله في الذنوب والمعاصي، واجعلوا بينكم وبين المعاصي وقاية تقيكم العصيان والمخالفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] يجود على من تاب مما قد سبق منه من التجسس على المسلمين وظن السوء بهم، وغيبتهم وأكل لحومهم، فالله تعالى تواب على من تاب، رحيم بمن عاد إليه وندم على ما اقترف منه.

стр. 2432

حكم إخبار المرء أخاه بغيبته له ليتحلل منها وهنا مسألة، وهي: هل من الضروري إذا تبت من الغيبة أن تخبر من اغتبته بذلك ليحللك من الإثم؟ يقول الجمهور من الفقهاء: لا يجب ذلك؛ لأنه ليس حقاً من حقوق المال ونحوها، فالغيبة شيء غاب عنه وجهله، ولعلك إذا أخبرته يجد في نفسه شيئاً عليك، فلتكن التوبة بينك وبين ربك، ثم تذكره بالصالحات وبالدعاء له، فيوشك أن يتوب الله عليك وأن يرحمك بهذه التوبة.

стр. 2433

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)

стр. 2434

معنى قوله تعالى: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. لما نهى الله المؤمنين أن يهزأ أحدهم بأخيه المؤمن أو ينبزه أو يلمزه أو يتنقصه أو يظن السوء به عاد فبين سبب ذلك، أي لأنكم سواء، وكلكم من طينه واحدة، فأبوكم واحد وأمكم واحدة، فلم التعاظم على الخلق؟ ولم الكبرياء على الناس وأنتم كلكم من تراب، وكلكم من آدم وحواء. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات:١٣]، هكذا نرى عندما يخاطب الله الناس بأصول الشريعة، حيث يخاطب المسلم وغير المسلم بلفظ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فالمسلم من ذكر وأنثى، والكافر كذلك من ذكر وأنثى، وعندما يخاطب الله بفروع الشريعة يخاطب بلفظ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، أي: فأنتم أبناء آدم وأنتم أبناء حواء، فلا يفضل ذلك أخ على أخ، ولا أخت على أخت، فالأب واحد والأم واحدة. وإنما يقع التفاضل بالأخلاق وبالصلاح وبالطاعة، فالأكثر تديناً وامتثالاً لأمر الله وأمر رسول الله ﷺ وما نهى الله عنه ورسوله هو الفاضل.

стр. 2435

معنى قوله تعالى: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]. الشعوب: جمع شعب، والقبائل: جمع قبيلة، والشعوب بالنسبة للعجم، والقبائل بالنسبة للعرب؛ لأن العجم لا ينتسبون لقبائل، ولذلك لا تجد لهم أنساباً، وليس كذلك العرب، فهؤلاء قرشيون، وهؤلاء قحطانيون، وهؤلاء عدنانيون وهكذا. ولذلك تجد النسبة العربية إلى القبائل وتجد النسبة الأعجمية وطنية وشعوبية، فغير العربي ينتسب لبلد وينتسب لوطن، وقد يحدث هذا لعرب انتسبوا حديثاً لمدن وشعوب لا لقبائل. والشعب: أمة من الناس يتشابهون في اللغة ويتشابهون في العادات والتقاليد والأخلاق، وكذلك القبائل. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]. فالله خلق الناس من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، فعندما كثر الرجال وكثر النساء تعارف الناس بالشعوب والقبائل التي ينتسبون إليها فخلقنا الله من أرومة واحدة وأصل واحد، ثم تكاثرنا، فانبنى على ذلك الحاجة إلى التعارف، فلذلك قال ﵊: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)، ويوشك من لا يعلم نسبه أن يتزوج ذات محرم. وصلة الأرحام فرض لازم، وقد ذكرها الله في غير ما آية وسورة، وأكدها رسول الله ﵊، وأصبح من المعلوم من الدين بالضرورة صلة الأرحام بين الناس، وصلة الأرحام لا تكون إلا بمعرفة الأنساب، فتعرف صلة هذا بأبيك وعمك وخالك وخالتك وعمتك.

стр. 2436

معنى قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) يقول النبي ﵊ في خطبة من الخطب: (يا أيها الناس! إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية، كلكم لآدم وآدم من تراب، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣])، ثم أنهى خطبته ﵊. ويقول النبي ﵊: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). ويقول ﵊: (تنكح المرأة لدينها ولحسبها ولنسبها ولجمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، حث على الدين والتقوى لأن من كانت زوجه كذلك فيوشك أن تكون ذريته ذرية صلاح وتقى ومروءة. يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وذلك لأن الأصل واحد. وقد قال النبي ﵊: (إن إلهكم واحد وأباكم واحد وأمكم واحدة، ليس هناك فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي). وهكذا جعل الإسلام الأنساب والأحساب والمناصب والأموال والألوان كلها لا عبرة بها في الجماعة المسلمة، وقد قال أحد الأصحاب لأخ له كانت أمه سوداء: يا ابن السوداء! فقال له النبي ﵊: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، فلست أحسن من أبيض ولا أحمر ولا أسود، فكلكم لآدم وآدم من تراب، والله هو الذي خلق الألوان وخلق الأشكال، فلا يعير الإنسان بشيءٍ لا يملكه ولم يكن له فيه خيار. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، فهو العليم بأحوالكم، وهو الخبير بالصالح والفاسد، ومن يستحق الجنة نتيجة تقواه ومن يستحق النار نتيجة عصيانه ومخالفته.

стр. 2437

تفسير سورة الحجرات [١٤ - ١٨] يذكر الله تعالى في آخر سورة الحجرات ما كان من الأعراب ودعواهم الإيمان، فرد عليهم مبيناً أنهم أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. ثم بين الله تعالى حقيقة الإيمان والمؤمنين، وأن المنة له على المؤمنين أن هداهم للإيمان.

стр. 2438

تفسير قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا) الشيخ: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤]. هؤلاء القبائل من البدو والأعراب جاءوا إلى رسول الله ﵊ يريدون حقن دمائهم وحفظ أموالهم، فقالوا: آمنا، فكذبهم الله وقال لهم: لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا، أي: استسلمنا لك يا رسول الله، فلا تحاربنا محاربة الأعداء، ولا تأخذ منا أموالنا غنائم، وكان ذلك قولاً قالوه، وإلا فالإيمان الذي هو التصديق بالجنان لما يدخل بعد في قلوبهم، كما قال ﵊ عن الشاعر اللبيب عندما سمع شعره: (آمن لسانه وكفر قلبه) أي: قال باللسان ما لم يعتقد بالجنان. فهؤلاء الأعراب جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، وكانوا منافقين، فقالوا: أسلمنا وهم لم يؤمنوا بعد، ولم يصدقوا، كما قال جمهور المفسرين. وقيل: أسلموا صادقين، ولكن الإيمان والتصديق لم يدخل القلوب بعد، فلم يعرفوا له معنى ولم يتخلقوا بأخلاقه، فالله نبههم وحذرهم من أن يستمر ذلك فيهم. وفي حديث جبريل أنه سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن الإحسان، فجعل الإيمان غير الإسلام، فالإيمان: التصديق بالقلب، والإسلام: العمل بالجوارح، وهو الاستسلام لأوامر الله ورسوله من صلاة وزكاة وصيام وحج، وترك المنكرات ظاهرها وباطنها، وفعل الصالحات ظاهرها وباطنها. أما الإيمان: فهو التصديق بالقلب، أن يكون القلب مصادقاً للسان فيما يقوله، وعندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يكون قد آمن قلبه بأن كل من جعلت له الإلهية من بشر أو جن أو ملائكة أو حجر فإلهيته باطلة، فلا إله بحق ولا معبود بحق إلا الله ﷻ . قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: قلتم آمنا، ولم تؤمنوا ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: جئنا مستسلمين حقناً لدمائنا وحفظاً لأموالنا. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، (لما) نافية، أي: لم يحدث ذلك بعد، فإنما أسلم منكم اللسان ونطق بالشهادتين، أما الإيمان الذي هو التصديق بالجنان ومصادقة القلب لما يقوله اللسان فلم يحدث منكم بعد. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]. أي: إن أنتم أخلصتم في الطاعة لله فيما به أمر وعنه نهى، وأطعتم رسول الله ﷺ فيما به أمر وعنه نهى بإخلاص ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لا ينقصكم من أجوركم وأعمالكم شيئاً، بل يزيدكم الحسنة بعشرة أمثالها إلى أضعاف مضاعفة مما يشاء الله ﷻ . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤] فالله يغفر لمن استغفره ويرحم من تاب إليه وأناب وعاد إلى الصراط المستقيم.

стр. 2439

تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]. أي: إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان الذين آمنوا بالله وبمحمد رسول لله صلى الله عليه وعلى آله بقلوبهم وألسنتهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، فلم يكن عندهم شك في الإيمان ولا تردد. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥]، أي: وتقدموا مجاهدين أعداء الله اليهود والنصارى والكفرة والمرتدين بموالاتهم. فهؤلاء المؤمنون الذين بذلوا الأموال رخيصة في سبيل الله، والذين جاهدوا بالأنفس فبذلوا أنفسهم رخيصة لله، وجاهدوا فقاتلوا وقتلوا، هؤلاء هم المؤمنون حقاً، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، لا من قال: آمنت، ولما يدخل الإيمان قلبه، فالمؤمن الحق الكامل هو من آمن بالله مخلصاً وبالرسول مخلصاً، ثم جاهد بماله وجاهد بنفسه في سبيل الله.

стр. 2440

تفسير قوله تعالى: (قل أتعلمون الله بدينكم) يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦]. أي: أبلغ بكم السفه والجهل إلى أن تعلموا الله وتخبروه بأنكم مؤمنون وأنتم لستم كذلك، فكأنكم تخبرونه بشيء لا يعلمه ولا يطلع عليه؟! قال الله ﷻ : (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) وأنتم ظننتم بجهلكم لعدم دخول الإيمان في قلوبكم أنكم بقولكم: آمنا أخبرتموه تعالى بما لا يعلم. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ﴾ [الحجرات:١٦]، أي: قل - يا رسولنا - لهؤلاء: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات:١٦]، أتخبرونه بما لا يعلم؟! أتخبرونه بدينكم وهو الذي وسع علمه ما في السموات وما في الأرض؟! ولذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦]. فالله عليم بكل شيء، فهو عليم بما في السماوات وبما في الأرض وبالخواطر وبالضمائر وبما تخفي النفوس وبكل شيء.

стр. 2441

تفسير قوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا) قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. فهؤلاء قبائل من البدو الأعراب جاءوا إلى رسول الله ﷺ في المدينة وقالوا: نحن المهاجرون، هاجرنا بأموالنا وبأنفسنا إلى الله ورسوله، وأخذوا يمنون على رسول الله ﷺ قائلين: يا رسول الله! نحن قد آمنا بك وآمنا بربك، ولم نقاتلك كما قاتلتك قبائل العرب وهم الذين قالوا: آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. قال تعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]، فالمن لله الذي هداكم ووفقكم فآمنتم وأسلمتم، هذا إن كان إيمانكم وإسلامكم صدقاً، وقد قال تعالى في الآية السابقة: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. فامتنان الله عليهم بالإيمان فيما إذا كان الخبر قد صدق، والجنان قد صدق اللسان وكانوا مؤمنين حقاً، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]، أي: إن كانوا صادقين في إيمانهم.

стр. 2442

تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم غيب السماوات والأرض) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات:١٨]. أكد الله على أنه يعلم ما في السموات ويعلم ما في الأرض وما في ضمائرهم وما تتحدث به نفوسهم، لا تخفى عليه خافية ﷻ وعز مقامه، فكيف بقول هؤلاء الجاهلين عندما زعموا الإيمان ولم يكونوا صادقين وأرادوا بذلك أن يصدقهم رسول الله وأن يقبل الله منهم؟! فهيهات هيهات أن يقبل منهم وهو أعلم بضمائرهم وبحقيقة إيمانهم وبصدق الصادق منهم وكذب الكاذب! قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحجرات:١٨]، يعلم ما غاب في السماوات من عبادة وما يحدث فيها من أمر، وما يحدث فيها من خلق، ويعلم ما غاب في الأرض مما في الأرحام ومما لا يزال في حكم الغيب، يعلمه الله ﷻ وعز مقامه، فقد خلق الخلق ودبره، وعلم باطنه وظاهره، وانفرد بذلك ﷻ . ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٧]، وخاصة رسولنا ﷺ ، فقد علمه الكثير وأخبره بالكثير من الغيب مما مضى ومما عاصره ومما أتى بعده، وذلك من معجزاته ودلائل صدق نبوته وصدق ما جاء به صلى الله عليه وعلى آله. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات:١٨]. فالله بصير وناظر ومراقب لعملكم، يعلم الصادق من الكاذب، والبار من الفاجر، ويعلم كل شيء، لا تخفى عليه خافية، ولذلك فالمؤمن الحق عندما يريد أن يرتكب حراماً لا يحسب حساباً للناس ولا لحاكم ولا لقريب ولا لبعيد، ولكن الحساب كله عنده أن الله يعلم حركته ويعلم غيبه، ويعلم عمله، ويعلم ما في ضميره وما تتحدث به نفسه، فتجده في كل الأحوال يخاف من ربه أن يخرج عن أمره وعن طاعته فيغضب عليه ويعذبه، وقد يحبط عمله. وبهذا نكون قد ختمنا تفسير سورة الحجرات بعون الله ﷻ ، فمنه العون، وبه نقوم، ولا حول لنا ولا قول ولا قوة إلا بالله ﷻ .