Полный текст (2 442 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
تفسير قوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦].
حث الله على طاعته وطاعة نبيه، ووعد على ذلك برضاه ورحمته وجنته، ثم بعد ذلك حذر من الدنيا ونفر عنها وقال: (إنما) بأداة الحصر ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] أي: كل ما في الدنيا سوى ذكر الله وطاعة الله (لعب ولهو) فهو باطل في باطل، يلهي الإنسان زمنه، ويضيع عمره، ويبدد أيامه، وإنما هو يلعب ويلهو كما يلعب الأطفال ويلهون، ولا يحفظ له ولا يسجل له إلا الركيعات التي يقوم بها، والأيام التي يقوم فيها، والطاعات التي يلتزمها من طاعة لله، وطاعة لرسوله ﷺ .
قوله: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [محمد:٣٦] أي: إن تؤمنوا بالله وتتقوا المعاصي فلا ترتكبوها، وتجعلوا بينكم وبين المعاصي وقاية تحفظكم من اكتسابها وفعلها.
قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] أي: ليس لكم في الدنيا إلا الإيمان والتقوى والعمل الصالح، والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وضابط الطاعة كما في النص النبوي: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا) الفعل: هو أوسع من قدرة الإنسان، أما الترك فهو في وسع الإنسان، ولا يحتاج إلى إرادة، اترك الفواحش جميعها دون ذكر التفاصيل، ليس بينك وبين ذلك إلا قوة إرادة وعزم، نهى الله عن الفواحش، وهي ما عليها حد وما عليها لعنة أو تحذير، فأنت حيث لا تفعل فقمت بما وجب عليك، ولم يحتج ذلك منك إلا لإرادة وعزيمة.
قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] أي: يثيبكم بالجنة وبالرحمة.
﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] الأموال عزيزة على الناس، وهي أحياناً تكون عند بعض الناس أعز من الأكباد والأولاد، وهي عند المؤمن نعمة أتى الله بها إليه ليستعين بها على الطاعات، ونفقة الأهل والأولاد، والصدقة على الفقراء والمساكين والمحاويج، وأن تصل به الأرحام، وكما وصف الله المؤمن: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥].
وقد جمع الله بين حقه وحق الفقراء من العباد: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣].
وأول حرب أهلية في الإسلام الحرب على مانعي الزكاة، وعندما خولف أبو بكر لأول مرة حاجهم وانتصر عليهم وفلجهم أصبح ذلك إجماعاً، وقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ما استمسك السيف في يدي.
فأي قرية أو بلدة أو شعب تواطئوا على منع الزكاة فيجب أن يؤدوها، وإلا قوتلوا كما قاتل أمثالهم أبو بكر والصحابة، وكذلك إذا تواطأ أهل قرية على منع الصلاة قوتلوا حتى يصلوا.
قوله: ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] طلب الله منا أعمالاً بدنية، أما المال فإنما طلب منا شيئاً قليلاً لا يكاد يذكر، فقد طلب ربع العشر فقط.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] أي: الأموال التي تحبونها وتحرصون على كنزها لم يطلبها جميعاً، وإنما سيطلب منها سهماً للفقراء والمساكين والمحاويج، وهذا بعد النفقة على العيال.
стр. 2382
تفسير قوله تعالى: (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم)
قال تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧].
أي: إن يطلب منكم أموالكم جميعها زائدة على الزكاة (تبخلوا).
طلب الله الزكاة وهي شيء لا يكاد يذكر ومع ذلك تركوا الزكاة، ومنعوا الفقراء حقوقهم، فكان الجزاء من جنس العمل في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله أشد وأنكى، فسلط الله الحكومات تأخذ من الضرائب ما يتجاوز الأربعين أو الخمسين أو الستين في المائة بلا كرامة وبلا أجر ولا ثواب، وسلط الشيوعيين فأخذوا المال كله، ولم يتركوا لأحد إلا ما قل، جزاء وفاقاً، لمنعهم الزكاة وخروجهم عن أمر الله، امتنعوا أن يعطوا القليل؛ فسلط الله عليهم من يأخذ الكثير الكثير، بل ومن يأخذ الكل.
قوله: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد:٣٧] الإحفاء: الإلحاح في السؤال.
وقد علم الله حقيقة خلقه فلم يطلب منهم جميع مالهم.
قوله: ﴿فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧] أي: يكون ذلك سبباً لخروج الأضغان وإظهارها.
والأضغان جمع ضغن: وهو الحقد والعداوة.
وقد امتنعت طائفة من أداء الزكاة بعد موت النبي ﵊، وقالت: الزكاة أخت الجزية، وكنا نعطيها لرسول الله، أما لأحد بعده فلا، ولكن الخليفة الأول رضوان الله عليه وجد أن ركناً من أركان الإسلام الخمسة سيعطل، ويوشك أن تعطل بقية الأركان، وإذا به يعزم ويشد الرواحل ويرسل الصحابة كبارهم وصغارهم تحت قيادة خالد بن الوليد سيف الله، وقاتل الممتنعين من الزكاة، فانتصر، ونصر الله دينه، ومات من مات منهم على جريمته ومخالفته، وتاب من تاب الله عليه وعاد للطاعة والإيمان بالأركان كلها والعمل بها جميعاً.
стр. 2383
تفسير قوله تعالى: (هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله)
стр. 2384
معنى قوله تعالى: (هاأنتم هؤلاء)
قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٣٨].
قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ [محمد:٣٨] الله لم يطلب الكل، ومع ذلك خاطبهم بـ (ها) التنبيه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٣٨].
أي: يا هؤلاء أيها المؤمنون دعاكم الله ورسوله لتنفقوا في سبيل الله، والنفقة: هي الزكاة الواجبة، وهي النفقة الواجبة على الأهل والأولاد، وهي الاستجابة للسائل والمحروم، يقول النبي ﵊: (للسائل حق ولو جاء على فرس) لو صدق السائل ما أفلح المسئول إن امتنع عن الاستجابة في العطاء.
قوله: ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ [محمد:٣٨] أي: دعيتم فمنكم من بخل ولم يؤد الزكاة، فإن كان هذا وقت نزول الآية فما بالك في عصرنا الذي يكاد المسلمون أن يعطلوا هذه الفريضة، وهذا الركن من أداء الزكاة، ولو أن أهل مدينة وقرية أدوا الزكاة الواجبة كما فرضها الله لما وجد في تلك القرية والمدينة فقير ولا محتاج.
والمجتمع المسلم لا يكون فيه فقير إن أدى الناس زكاتهم الواجبة، ففي الحديث النبوي يقول ﵊: (إن الله فرض في أموال الأغنياء ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم ويعاقبهم على ذلك) أي: على امتناعهم من كفاية الفقير والمحتاج.
ولذا يجب منع التسول، التسول يقوم به الأجانب، ولو كان الأغنياء يؤدون واجباتهم وزكاتهم المفروضة لما وجد متسول، فواحد يموت في التخمة، ويكاد يأكل الذهب والفضة ويتمرغ في الحرير والدمقس والديباج، وآخر يموت جوعاً وهو على مرمى حجر منه؛ لا ينتفع بماله إلا ضال مضل، ولا تصرف أمواله إلا في الفساد والفاحشة، وفي البنوك الربوية، وفي الرشوة، وفي المناسبات من الأفراح والحفلات والعزائم التي لا تكون لله، ولا ليأكل منها الفقير المحتاج، ولا تكون إلا مباهاة وضياعاً لأموال الفقراء والمساكين.
стр. 2385
معنى قوله تعالى: (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه)
قوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨].
يقول ربنا: هؤلاء الذين بخلوا بأداء زكاة أموالهم هم في الحقيقة إنما يبخلون على أنفسهم؛ لأنهم سيضرونها، وسيحاسبون على منع الزكاة، وسيعاقبون، وكما قلت وأقول دوماً: العقاب كان من جنس العمل في الدنيا قبل الآخرة، سلط الله الحكومات فأخذت الضرائب التي لم ينزل الله بها من سلطان، أخذت خمسين في المائة وستين وسبعين، وسلط الله الشيوعية -وتكاد تعم ثلثي سكان الأرض- فأخذت المال كله، وأفقرت الغني، وما أغنت الفقير قط، وما كان ذلك إلا جزاءً وفاقاً لمنع الأغنياء حقوق الفقراء والمحاويج والسائلين والمحرومين، ولعذاب الله يوم القيامة أشد وأنكى.
قوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] أي: سيكون بخله في الحسنات التي سينالها، في الأجر والثواب الذي أعده الله للمطيعين السميعين، الذين أدوا زكاة مالهم طائعة بها أنفسهم، دون إكراه ولا رياء ولا سمعة.
стр. 2386
معنى قوله تعالى: (والله الغني وأنتم الفقراء)
قوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨].
أي: عندما يسألكم الله بعض أموالكم لتصرف على محاويجكم، وفقرائكم، ومجاوريكم، وأقاربكم، لا يطلبها لنفسه، فهو الغني ﷻ ، هو الغني عن الخلق ذاتاً، وأنتم الفقراء ذاتاً، نحن الفقراء إلى الله، فقراء في الحياة، في المال، في العافية، في الأعمال، فقراء في كل شيء، خلقنا يوم خلقنا من بطون أمهاتنا لا نملك شيئاً، ثم أخذ يعطينا؛ ولذلك أمر وقال: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] هو مال الله وليس مال أحد، أعطوهم من المال الذي جعله الله وديعة في أيديكم، ستهلكون يوماً وستبقى تلك الأموال، ويأخذها من لا يرحمكم فيصرفها في الباطل وفي الحرام.
стр. 2387
معنى قوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)
قوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ [محمد:٣٨] أي: إن تعرضوا عن الله، وعن طاعة الله، يبدل الله بكم قوماً آخرين، ويصيب الأمة التي امتنعت والشعب الذي امتنع بكارثة وبلاء، ويصيبهم بمرض يفنيهم، ويعوضهم بالأولاد والأسباط، أو يعوضهم بشعوب أخرى، أين الشعوب التي كانت من قبل؟ فإنها بادت وهلكت بأعمالها الخيرة والشريرة، والله ينذرنا، وقد وقعت هذه النذارة؛ حين خالف الآباء والأجداد فسلط الله عليهم من لم يرحمهم من اليهود والنصارى، عدنا فقلنا: يا رب! وضرعنا إليه وبكينا فجاءنا بالاستقلال فأخرج الأعداء عن بلادنا، وإذا بنا بعد ذلك نكفر النعمة، فعصينا الله في نعمته فسلط علينا أذل خلقه وأقبحهم وألعنهم.
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ [محمد:٣٨] أي: إن تعرضوا عن طاعة الله وتولوها ظهوركم وأدباركم.
﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أي: يأتي بدلكم بأقوام غيركم.
قوله: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أي: لا يكونوا في مثل معصيتكم ومخالفتكم وكفركم، وخروجكم عن أمر الله.
وقال الصحابة: من هؤلاء الذين يبدل الله بهم العرب؟ تساءلوا بهذا عندما كان الصحابة والتابعون -أي: العرب- سكان الأرض؛ لكن نحن الذين جئنا بعدهم رأينا، وقرأنا، وسجل التاريخ أن الله أبدل المسلمين العرب بالروم، أبدلهم بالأمريكان، أبدلهم بالكفرة، أبدلهم بكل ظالم طاغ عقوبة لهم.
أبدل العرب جميعاً بآل عثمان حكموا ديار الإسلام سبعمائة عام أحسن منهم من أحسن، وأساء آخراً منهم من أساء، ولكنهم على العموم كانوا دولة مسلمة، وكانوا شعباً مسلماً، إلى أن سلطت عليهم اليهود والمجوسية فأعادتهم للكفر، وهم الآن بدءوا يعودون للإيمان.
يقول أبو هريرة: (تلا رسول الله هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] فقالوا: يا رسول الله! من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استبدلهم الله بنا؟! وكان بجانبه سلمان الفارسي فوضع يده على كتف سلمان وقال ﵊: لو كان الدين في الثريا لناله رجال من فارس).
وهكذا أصبحت فارس أرض إسلام وشعباً مسلماً، فكان منهم رجال الحديث والتفسير، فأعظم إمام في التفسير الرجل الفارسي الأصل محمد بن جرير الطبري، فهو يعتبر أبا المفسرين، وكتابه مرجع المفسرين، وأعظم محدث جمع الصحيح الإمام البخاري، وهو فارسي، وأعظم إمام في لغة العرب جمع أطرافها، وكان كتابه الإمام والمرجع في لغة العرب هو سيبويه، وهم محسوبون بالآلاف ليس بالمئات ولا بالعشرات.
ونكتفي بهذا ونكون قد ختمنا سورة القتال سورة محمد ﷺ .
стр. 2388
تفسير سورة الحجرات [١ - ٣]
من عظيم فضل الله على المؤمنين أنه أنزل إليهم كتاباً مبيناً يعلمهم الأحكام ويبين لهم الآداب، ومن ذلك الأدب مع الله ورسوله ﷺ ، فلا يجوز للمؤمن أن يتقدم بين يدي الله ورسوله، ولا أن يرفع صوته على صوت رسول الله ﷺ .
стр. 2389
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
стр. 2390
معنى قوله تعالى: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١].
هذه سورة الحجرات، والحجرات: جمع حجرة، ويراد بها حجرات نساء رسول الله ﷺ ، وقد ذكرت في السورة، وسميت بها من باب تسمية الكل باسم البعض، كسائر سور القرآن الكريم.
والسورة مدنية حيث نزلت على رسول الله ﷺ في المدينة المنورة، وهي تشتمل على ثماني عشرة آية، وهي في الآداب والأخلاق، ومنها الأدب مع رسول الله ﷺ وتوقيره وتعظيمه واحترامه، وتعليم المسلمين كيف يكلمونه، وكيف يجالسونه، وكيف ينادونه، وألا يرفعوا أصواتهم بحضرته، وألا يرفعوا أصواتهم على صوته، وأن يغضوا أصواتهم بمحضره، وألا ينادوه وهو في داخل بيته، وإذا نادوه لا ينادونه كما ينادي الناس بعضهم بعضاً، ففعل ذلك جرائم وكبائر قد توصل إلى إحباط الأعمال.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١].
وإذا سمعت: (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها أذنك، واستعد لسماع الحكمة والحلال والحرام والآداب من الله ﷻ .
ونجد أنه إذا خاطب الله المؤمنين بفروع الشريعة قال: (يا أيها الذين آمنوا)، وإذا خاطب بأصول الشريعة، وبالدعوة إلى التوحيد، وإلى ترك الأوثان والأصنام والأوثان والشركاء قال: ((يا أيها الناس)).
والخطاب في هذه السورة هو للمؤمنين في بيان كيف يتأدبون، وكيف يكون سلوكهم وعشرتهم ومجالستهم لرسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]، وقرئ في السبع: (لا تَقَدَّموا بين يدي الله ورسوله) بحذف إحدى التائين، أي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمؤدى واحد.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]، أي: لا تسبقوا ربكم ولا تسبقوا نبيكم في الحكم بالحلال والحرام، فلا يليق لكم أن تجمعوا وتشرعوا من أنفسكم أحكاماً ما أنزل الله بها من سلطان، فلا تسبقوا كتاب ربكم، ولا تلغوا أحكامه وتجعلونه وراء ظهوركم معرضين عنه، فلا تخرجوا عن أمر الله، ولا تتقدموا أمر الله، ولا تقدموا شيئاً بين يدي كتاب ربكم وسنة نبيكم، ففاعل ذلك فاعل حراماً، ومرتكب كبيرة قد تصل به إلى الكفر والردة.
стр. 2391
ذكر سبب نزول الآية
وقد ذكر في سبب نزول الآية أسباباً، وجمعيها يمكن أن تكون صحيحة وتفسر الآية بها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فذكر من الأسباب: أن النبي ﵊ كان بحضرته أبو بكر وعمر، فأراد أن يؤمر أميراً على فئة أو على قرية، فقال له أبو بكر: أمر - يا رسول الله - ابن معبد، فقال له عمر: لا، بل أمر ابن حابس، فقال أبو بكر: إنما تريد مخالفتي، فقال عمر: لا أريد مخالفتك، وارتفعت أصواتهما حتى كاد الخيران أبو بكر وعمر يهلكان؛ لأنهما رفعا أصواتهما بين يدي رسول الله ﷺ ، وسبقا رسول الله ﷺ بالاقتراح في تعيين الأمير قبل أن يُسألا أو يُستشارا أو يُطلب ذلك منهما.
وقيل: إن السبب هو أن قوماً ذبحوا مناحرهم ومناسكهم قبل أن ينحر رسول الله ﷺ ، فنهوا عن ذلك، وأُكِّد هذا القول بأن النبي ﵊ قال في يوم النحر: (أول ما نبدأ به يومنا أن نصلي ثم نذبح بعد ذلك نسيكتنا)، فمن ذبح قبل ذلك لم يقدم إلا لحماً، ولم يضح، ما لم تصل صلاة العيد ويخطب لها الخطبتان.
وقيل: كان السبب في ذلك: أن جماعة من الأصحاب أخذوا يقولون: لو نزلت آية في كذا، لو نزلت سورة في كذا، وأخذوا يقترحون على ربهم بأن ينزل في هذا آية، وفي هذه سورة فمنعوا من ذلك.
стр. 2392
العموم في الأدب الوارد في الآية الكريمة
وأياً كان السبب فالله ﷻ أدب المؤمنين بألاَّ يتقدموا بين يدي ربهم، وبين يدي نبيهم، أي: أن يتقدموا أمام كتاب الله بالقول بما لم ينزل الله به من سلطان، وبين يدي رسول الله ﷺ فيما لم ينطق ولم يتكلم به، فذلك ما لا يجوز.
فالمعنى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﷺ ، والتزموا الطاعة في كل أمر وفي كل نهي، وفي كل حلال وحرام، وفي كل أدب، و (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّه) قولاً، ولا عملاً، ولا اقتراحاً، ولا رأياً.
فالله ﷻ هو خالق الخلق وأعلم بما يصلحهم في الدنيا والآخرة، ورسول الله ﷺ المتكلم عن الله، والآمر بأمر الله، والناهي بنهي الله، فطاعته طاعة الله، فمن خرج عنها خرج عن الله وطاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.
ولا تقدموا بين يدي رسول الله، فلا تسبقوه بالقول، ولا تسبقوه بالعمل في حكم من الأحكام، وفي أي قسم من الشرائع، بل خذوا ذلك من كتاب الله وكونوا له ممتثلين، وخذوا ذلك من كلام رسول الله وكونوا له مطيعين.
стр. 2393
معنى قوله تعالى: (واتقوا الله إن الله سميع عليم)
قوله تعالى: (واتقوا الله) أي: اتقوا الله في المخالفة، فلا تخالفوا ربكم، ولا تخالفوا نبيكم، واتقوا الله في أن تفتاتوا على شريعتكم فتزيدوا فيها أو تنقصوا منها، أو تتركوها إلى شريعة الشيطان وإلى دين الشيطان، كما يفعل اليوم دول المسلمين قاطبة، إلا ما رحم ربك، وقليل ما هم.
تركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، وتركوا سنة رسول الله وراءهم ظهرياً، والتزموا بقوانين اليهود والنصارى وآدابهم، وأعرضوا عن الله وكتاب الله، وأعرض الله عنهم وسلط عليهم أعداءهم من كل ملة وكل دين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]، سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، فيحاسب كلاً على قوله أو على عمله بحسبه، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.
стр. 2394
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)
стр. 2395
معنى قوله تعالى: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:٢].
هذا الأدب الثاني مع رسول الله، في بيان كيف يكلمه المسلم حياً، وكيف يتكلم عند ضريحه، وتلاوة سنته، ومدارسة الكتاب المنزل عليه.
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:٢] الخطاب للمؤمنين؛ لأنهم الملتزمون - بعد الشهادتين - بكل شعيرة من الشعائر، وكل حكم من أحكام الإسلام.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]، أي: إذا تكلمتم معه وتحدثتم فإياكم أن ترفعوا أصواتكم حتى تعلو على صوته، ويحتاج لسماع كلامكم إلى انتهاء ضجيجكم وانتهاء لغطكم، بل إذا جلستم في مجلسه وتحدثتم إليه فغضوا أصواتكم، وتكلموا وأنتم غاضون أصواتكم بحيث يعلو صوت النبي أصواتكم.
стр. 2396
معنى قوله تعالى: (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض)
يقول تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢].
أي: إذا تكلمتم معه فلا يكن قولكم وكلامكم معه جهراً مرتفعاً بلغط وصياح، كشأن غير المؤدبين من أجلاف البدو والأعراب، فرسول الله رسول الله ﷺ يجب أن يوقر، ويجب أن يعزر، ويجب أن يحترم، ومن ذلك غض أصواتكم بمحضره وعند مكالمته وعند الحديث معه.
قال تعالى: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]، أي: لا تحدثوا رسول الله ﷺ وأنتم تكلمونه كما يكلم بعضكم بعضاً بأصوات مرتفعة، فإنه إن جاز هذا فيما بينكم فلا يجوز بحال أن يكون مع رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، ولا تنادوه: (يا محمد)، ولا تنادوه: (يا أبا القاسم)، بل نادوه: (يا رسول الله)، (يا نبي الله)، وإذا ذكر فصلوا عليه، فقد قال ﵊: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي).
وقال ربنا ﷻ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
فإن كان الله يصلي على عبده، وملائكته تصلي على عبده ورسوله ﷺ ؛ فمن باب أولى أن يصلي عليه المسلمون وأن يسلموا تسليماً، أي: صلاةً كثيرة متتابعة متوالية دائمة عندما يذكر، ويستحب ذلك بالتأكيد في يوم الجمعة منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والاستحباب قائم في جميع الأوقات، وفي تحياتنا عندما نجلس للتحيات في الجلسة الأولى والجلسة الثانية وجميع جلسات الصلوات يكون من جملة التحية السلام على رسول الله بقولنا: (السلام عليك - أيها النبي - ورحمة الله تعالى وبركاته).
فقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢]، أي: لا يكن قولكم بمحضره بصوت مرتفع، فهذا من أخلاق المنافقين، والكافرين، والأجلاف من الأعراب الذين هم جديرون بأن لا تمتلئ قلوبهم بالإيمان، وأركانهم بالأعمال.
стр. 2397
معنى قوله تعالى: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، أي: خشية أن تحبط الأعمال، فهي كبيرة من الكبائر يوشك مرتكبها أن يرتد ويكفر، فلا يبقى له شيءٌ من الأعمال، بل تذهب هباء منثوراً كأنه لم يعبد الله يوماً ولم يصل ولم يحج ولم يزك؛ لقلة أدبه مع رسول الله ﷺ .
فقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، أي: قد يكون ذلك بحيث لا تشعرون ولا تحسون ولا تدركون، فذلك عند الله عظيم، فهذا أبو بكر وعمر سيدا الناس بعد الأنبياء عندما رفعا أصواتهما بمحضر رسول الله أنبِّا وأنذرا بهذه الآيات الكريمة.
ولذلك يروى أن عمر يوماً سمع شخصين يتكلمان بأصوات مرتفعة عند قبر النبي ﵊، فأتى بهما، فقال لهما: من أين أنتما؟ قالا: من الطائف، فقال لهما: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، ألم تعلما أن الأدب مع رسول الله حياً كالأدب معه ميتاً؟! فالمسلم بصفة عامة قال عنه رسول الله ﷺ : (حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً)، فكيف بحرمة رسول الله ﷺ ؟! وهذا أمر أجمعوا عليه، وهو أنه لا يجوز رفع الأصوات في مسجد رسول الله وعند مرقد رسول الله، وعند قراءة حديث رسول الله، وعند تفسير كتاب الله المنزل عليه، وإن رفع المعلم صوته فليس ذلك ليرفع صوته على رسول الله، ولكن ليسمع الحاضرين، وليسمع المنصتين، وليسمع المتعلمين حيث لا طريقة لسماعه إلا أن يرفع صوته، وهو بذلك نائب عن رسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ يقول: (العلماء ورثة الأنبياء).
وقد نص علماؤنا على عدم رفع الأصوات بمحضر رسول الله حياً وميتاً، وعدم رفعها بمحضر خلفائه العادلين، وخلفائه الوارثين العلماء، فرفع الأصوات على أصواتهم وبمحضرهم يعد رفع صوت على صوت رسول الله، وقلة أدب مع رسول الله؛ لأن الخليفة له حرمة ومقام من حرمة من خلفه وقام مقامه وورثه في علمه وفي دعوته.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، وفي الحديث النبوي: (إن أحدكم ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً فيدخل بها الجنة، وإن أحدكم ليتكلم الكلمة لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفاً) إلى أن يصل إلى قعر جهنم نتيجة القالة التي قالها وفيها كفر أو قلة أدب مع الله ومع رسول الله ومع المقدسات المحترمات من دين الله وشريعة الله وكتاب الله وحكمة رسول الله ﷺ .
стр. 2398
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله)
قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٣]، غض الصوت هو خفضه، يقال: غض من صوته، أي: لم يرفعه، وتكلم بأدب، وتكلم بصوت منخفض.
فبعد نزول هذه الآية أخذ الصحابة لا يتكلمون بمحضر رسول الله ﷺ إلا إذا ابتدأهم، فإذا أجابوه كان كلامهم في غاية ما يكون من خفض الصوت مع غض البصر والأدب التام، كما وصفوا بأنه كان جلوسهم بين يدي رسول الله كالميت بين يدي الغاسل، وكمن على رأسه طير يخاف أن يطير، فهو على غاية ما يكون من الأدب والسكون.
стр. 2399
معنى قوله تعالى: (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى)
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] أي: أولئك الغاضون أصواتهم عند النبي ﷺ حياً وميتاً، وعند تلاوة الكتاب المنزل عليه والسنة التي فسر بها كتاب الله، وعند خلفائه العادلين وورثته من العلماء العاملين، أولئك امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي: أخلصها للتقوى.
يقال: امتحن الذهب والحديد ليعلم الزائف من الأصيل، فهؤلاء الذين تأدبوا مع رسول الله أخلص الله قلوبهم للتقوى، فأصبحوا من المؤمنين المتقين، والمؤمنين الصالحين، والمؤمنين المتأدبين، والمؤمنين العاملين.
وذكر القلوب كما قال النبي ﵊ ثلاث مرات: (التقوى هاهنا) وأشار إلى صدره، أي: الإيمان التصديق، بأن يصدق القلب اللسان، وتطبق ذلك الأركان، فإذا طابق الإيمان القلبي الإسلام اللساني والعمل الأركاني فذلك الإسلام، ولذلك يكثر الله في كتابه من قوله: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فالإيمان بالقلب، وعمل الصالحات بالأركان هو الإسلام علانية.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:٣]، فالله تعالى غفر ذنوبهم وأعظم أجورهم، ورفع درجاتهم، وكفر سيئاتهم، وجعلهم في عليين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
стр. 2400
ذكر خبر ثابت بن قيس ﵁
وقد كان ثابت بن قيس بن شماس جهوري الصوت، وهو من الصحابة الأنصار، فعندما نزلت هذه الآية قعد في بيته يبكي، وأغلق عليه بابه، وقال: لن أخرج حتى يستغفر لي رسول الله ﷺ ، فما أظن هذه الآية نزلت إلا في، فإني كنت إذا تحدثت بمحضر رسول الله أرفع صوتي على صوته.
ومضت أيام دون أن يراه رسول الله ﷺ ، فافتقده فسأل عنه فقال: (هل ثابت يشتكي؟)، أي: أمريض هو؟ قالوا: لا، وذكر جار له أنه ما سمعه يشتكي، فذهب إليه يقول له: إن رسول الله يسأل عنك، فجاء إلى رسول الله يبكي وقال: يا رسول الله! قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فما أظن هذه الآية نزلت إلا في فأنا معك أرفع صوتي على صوتك، فقد حبط عملي! فأخبره رسول الله بأنه ليس الأمر بالنسبة له كذلك، وأنه سيعيش حميداً، ويموت شهيداً، ويدخل الجنة، ففرح ثابت ببشرى الله ورسوله.
وانتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وقام مسيلمة الكذاب بدعواه النبوة، وقد ادعاها في آخر حياة رسول الله ﷺ ، فتصدى له خليفته الأول أبو بكر، وأرسل الجيوش من المدينة تحت قيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد، وإذا بـ ثابت بن قيس يستشهد في المعركة، فكان كما قال ﵊: (وتموت شهيداً)، فقد مات شهيداً لإعلاء كلمة الله ولمحاربة أعداء الله وللدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
وقد حدث بعد موته حادثة غريبة لم يكن لها نظير في الأحكام، حيث رآه رجل في المنام فقال له ثابت: يا فلان! إن فلاناً في آخر المعسكر أخذ درعي، وهي في مكان كذا عند فرس ربطها بحبل طويل وهي تدور مع هذا الحبل، فقل لـ خالد يأخذ تلك الدرع ويبيعها ويتصدق بها، وقل لـ أبي بكر: إن غلماني أحرار وعتقاء لله ﷻ ، فجاء هذا الرجل وبلغ خالداً، فبحث عن الرجل الذي وصفه ثابت فوجده كما وصفه، ووجد الدرع تحت البرمة، فأخذها، ثم انتهت المعركة بنصر المسلمين واستشهاد كثير منهم، وعادوا إلى المدينة منتصرين فقال خالد لـ أبي بكر: إن ثابتاً استشهد، وقد أوصى بعد موته بأن يعتق عبيده وبأن تباع الدرع، وقد أخذها رجل ممن كان في المعركة، ووجدتها كذلك، فأمضى أبو بكر وصيته وأعتق العبيد عنه، وهذه أول حادثة في تاريخ الإسلام وأحكام الإسلام تنفذ فيها وصية ميت.
стр. 2401
تفسير سورة الحجرات [٤ - ٧]
لقد عظم الله رسوله ﷺ في القرآن وأمر بتعظيمه، وألا نجعل دعاءه كدعاء بعضنا، فليس من الأدب مناداته بالاسم المجرد (محمد) دون ذكر النبوة والرسالة، وليس من توقيره ذكره دون الصلاة والسلام عليه فعل الأجلاف من الأعراب، وليس من تبجيله إيذاؤه بالنداء من وراء الحجرات.
ومن آداب المسلم أنه إذا جاءه فاسق بنبأ أن يتثبت من ذلك النبأ ولا يرتب عليه الأحكام قبل التثبت فيندم.
стр. 2402
تفسير قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٤ - ٥].
هذه آداب أخر مضافة إلى عدم التقدم بين يدي الله ورسوله، وعدم رفع الأصوات على رسول الله حياً وميتاً.
وهاتان الآيتان كان سبب نزولهما: أن أعراباً من بني تميم جاءوا وهم لا يزالون على دينهم الوثني وقد أسر منهم أسرى، فوصلوا إلى المسجد النبوي والنبي ﷺ قائل، إذ قد جاء في الآثار النبوية: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل).
فجاءوا فسألوا عنه، فعلموا أنه في إحدى حجرات نسائه، فأخذوا يصيحون: يا محمد، يا محمد، إلى أن أيقظوه، فخرج إليهم، فقال له عيينة بن حصن: يا محمد! إن مدحنا زين وإن ذمنا شين، فقال: (ذاك الله الذي مدحه زين وذمه شين).
قال: جئنا نفاخرك بشعرائنا وخطبائنا، فقال لهم النبي ﵊: لم آت للشعر ولم آت للمفاخرة، ولكن هاتوا ما عندكم، فخطب خطيبهم وتربع في القول، فالتفت النبي ﵊ إلى أحد خطبائه - وهو ثابت بن قيس الأنصاري - فخطب، فكان خطيب رسول الله البليغ الفصيح الذي إذا خطب رفع صوته هز الأركان، وكاد يصم الآذان، وفعل ذلك بأمر رسول الله.
ثم عادوا فأتوا بشاعرهم، فقال النبي ﵊ لـ حسان: أجبهم، فأجابهم حسان ﵁، فإذا بـ عيينة يقول: والله إن خطيبهم لأخطب من خطيبنا، وإن شاعرهم لأشعر من شاعرنا، وإن هذا الرجل لمأتي.
أي: محظوظ.
وقال قوم: سبب نزول الآية أن قوماً جاءوا وقد سمعوا بأن قرشياً هاشمياً يدعي النبوة، فقال قوم منهم: يطلب ملكاً، وقال آخرون: هو نبي الله ورسول الله.
فتداعوا وقالوا: هيا بنا نذهب إلى هذا الرجل، فإن كان نبياً فسنكون أسعد الناس به، وإن كان ملكاً فلعلنا نعيش تحت جناحه وتحت سلطانه فنستفيد منه، فجاءوا يصيحون: يا محمد يا محمد، فنزل قوله تعالى مؤدباً لهم ومقرعاً لهم ومؤدباً لعموم المسلمين الذين عاصروا النبي ﷺ ومن سيأتي بعد إلى عصرنا بأنه لا ينادى رسول الله ﷺ باسمه، ولا يرفع الصوت عليه في حياته وفي مماته كذلك، فلا يقال: يا محمد، أو: محمد من غير ذكر الرسالة والنبوة والصلاة، كرسول الله، ونبي الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤].
أي: إن هؤلاء البدو الأجلاف الأعراب غير مؤدبين ولا مهذبين، هؤلاء الذين ينادونك برفع أصواتهم وبتسميتك مجرداً عن الرسالة والنبوة من وراء الحجرات ومن وراء حيطان بيتك أكثرهم لا يعقلون، أي: الذين نادوا والذين أقروا هذا النداء، أما القلة التي استنكرت ذلك وكانت مهذبة ولو لم تكن مسلمة فليست كذلك.
стр. 2403
تفسير قوله تعالى: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٥].
أي: ولو أن هؤلاء صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم، فلو انتظروا إلى أن تقوم من قيلولتك وتخرج إليهم فيكلموك لكان ذلك خيراً لهم في أدبهم وخيراً لهم في معاملتهم وفيما جاءوا من أجله، فقد قيل: إن قبيلة أُسِر بعض رجالها من قبل سرية إسلامية، فجاء أهلوهم يطلبون فك أسر أولئك الذين أسروا، فقال الله ﷻ : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات:٥]، فلو جاءوا بأدب للنبي ﷺ لنفذ رغبتهم وأطلق سراح جميع أسراهم؛ فهذا بالنسبة لما جاءوا من أجله.
أما بالنسبة للآخرة فذلك أقرب لأن يكونوا مؤمنين ولأن يكونوا مسلمين، ولعل ذلك يكون خيراً وبركة، فيهدهم الله ويشرح صدروهم للإسلام.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٥]، غفر الله هذه الزلة لأول مرة، ورحمهم لعلهم يؤمنون ولعلهم يسلمون، وستكون الكبيرة وسيكون إحباط الأعمال بعد هذا الأمر الإلهي والتأديب الإلهي، وبعد أن علموا ما يحل ويحرم، أما قبل ذلك فكانوا على أخلاقهم، وليس كل العرب كذلك، بل البدو فقط.
وذلك الفعل كان مغايراً لما كان عليه الصحابة تجاه النبي ﷺ ، ولذلك لما قدم النبي ﵊ إلى مكة عام الحديبية يريد عمرة وصده كفار مكة أخذت الرسل تتوارد بينه وبين أهل مكة، فقال بعض رسل أهل مكة: رأينا الملوك على الأسرة، ورأينا قيصر على عرشه، وكسرى في ديوانه، وما رأينا قوماً يجلون كبيرهم ويعظمونه كإجلال المؤمنين لمحمد ﷺ ، لا يرفعون رءوسهم في حضرته، ولا يكلمونه إلا سراً، ولا يتكلم بكلام إلا ويسمعون له وكأنما على رءوسهم الطير، هكذا كان أدبهم، وكان المهاجرون والأنصار أهل حضارة وأهل مدنية.
стр. 2404
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)
стр. 2405
سبب نزول الآية
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
هذه الآية كذلك لها سبب في نزولها، وسبب نزولها: ما ذكر في شأن الوليد بن عقبة بن أبي معيط القرشي، وهو ابن عقبة بن أبي معيط الكافر عدو الله والرسول، المؤذي للرسول ﷺ ، المأخوذ أسيراً في غزوة بدر، والمقتول صبراً، وعندما جيء به ليقتل قال: يا محمد! من للصبية؟ يريد أن يجعله يرق لأولاده، فقال رسول الله ﷺ : النار، وكان الوليد من أولاده، والآية نزلت بسببه.
وذلك أن بني المصطلق كانوا قد أسلموا، فقالوا لرسول الله: ابعث لنا عند تمام الحول رسولك لنعطيه زكاة أموالنا.
وفي الميعاد لم يأت رسوله؛ إذ إن الوليد بن عقبة لما بلغ نصف الطريق خاف على نفسه فرجع، وكان رسول الله ﷺ قد أرسله لأخذ الزكاة، فقال لرسول الله ﷺ : منعوا الزكاة وأرادوا قتلي.
فلما انتظر أولئك مقدم رسول رسول الله فلم يأت خافوا وقالوا: لم يأتنا رسول رسول الله إلا لأن به سخطاً علينا، فذهب وفد منهم إلى رسول الله ﵊، وإذا بجيش رسول الله - وعلى رأسه خالد - يأتي لقتالهم بعد أن أمر بالتبين والانتظار؛ ليعلم حقيقة دعوى الوليد وإذا بـ خالد يقف في باب محلتهم فيسمع أذان المغرب ويسمع أذان العشاء، والأذان وهو شعار المسلمين، وهو العلامة على أن أهل القرية مسلمون.
فلما رأى القوم الجيش خافوا، فقال لهم خالد: بلغنا أنكم ارتددتم وأنكم أردتم قتل رسول رسول الله ومنعتم إعطاء زكاتكم لرسول رسول الله! فأنكروا ذلك، فنزلت الآية.
стр. 2406
المعنى الإجمالي للآية
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات:٦]، أي: بخبر: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، أي: تحققوا في الأمر ليبين ويظهر الحق من الباطل، والصدق من الكذب.
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦]، كي لا تصيبوا ولا تؤذوا قوماً بظلم: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
فعندما يظهر لكم الحق الصراح وكذب هذا الفاسق تكونون قد بادرتم إلى الجهالة، فتصبحون نادمين، فلا تستعجلوا لمجرد سماع القول، بل تريثوا وانتظروا ليظهر الحق من الباطل، ومن هنا كان يقول ﵊: (التأني من الرحمن، والعجلة من الشيطان).
وقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، أي: لا تبادروا بالعقوبة حتى يتبين لكم صدق هذا الفاسق من كذبه، وكأنه بعد الروية تَحُل العقوبة بمن يستحقها، والإحسان بمن يستحقه، ولا خير في العجلة، فالعجلة من الشيطان.
ولو أن بني المصطلق قتلوا وأخذت أموالهم لندم بعد ذلك الأصحاب، ولندم رسول الله ﷺ ؛ لأنهم سيكونون قد قتلوا إخوانهم المسلمين وصادروا أموالهم وهي عليهم حرام، وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه).
فأنزل الله هذه الآية التي بقيت دستوراً وحكماً عاماً شاملاً في كل من جاء بنبأ في العصر النبوي وبعده إلى يوم القيامة، سواء أكان ذلك في الأمور الخاصة أم في الأمور العامة، كأن يأتيك فاسق فينقل لك شيئاً باطلاً عن زوجتك أو عن ولدك أو عن صديقك أو عن شريكك، وكأن يأتي جاسوس من المخابرات فيكتب عن زيد أنه قال كذا وفعل كذا وصنع كذا قبل أن يتبين الحق من الباطل، والصدق من الكذب، ويأخذ المال على هذا الكذب.
وهنا ما حرمه الله وأكد عليه في هذه الآية، حيث حكم على الكاذب في الخبر بأنه فاسق.
стр. 2407
دلالة الآية على النظر في حال ناقل الرواية وغيرها
وهذه الآية أصل الجرح والتعديل عند أهل الحديث، فهم لا يقبلون رواية المجهول؛ إذ قد يكون المجهول لم يخلق بعد، ولا وجود له، ولكن الراوي عنه اخترعه ليصل السند ويقال عنه: هو صحيح ومتصل، وذاك من فسقه ومن ضلاله ومن كذبه على الله ورسوله.
أو يكون ذلك المجهول معلوم الوجود، ولكن لا يعلم أصادق هو أم كاذب، فإذا وجد في سند الحديث مجهول لم يقبل، ويكون هو سبب الطعن في الحديث؛ لأن هذا المجهول قد يكون فاسقاً، وقد حرم الله علينا قبول خبر فاسق، سواء في الشهادة أو في الرواية أو في الفتوى أو في القضاء، فالفاسق على أي حال مرفوض الرواية النبأ بأي حال من الأحوال.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦]، أي: خوفاً من أن تصيبوا قوماً فتقتلوا المظلوم والبريء، وتقاتلوا المؤمن، وتغنموا أموال المسلمين.
﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]، فيصير العمل بعد ذلك ندماً، وهيهات هيهات أن يفيد الندم بعد وقوع الزلل، فلذلك كان ﵊ يؤدب المؤمنين ويقول: (التأني من الرحمن، والعجلة من الشيطان).
فلا يعجل من بلغه خبر - خاصة إن كان عن حميم أو قريب - لمجرد قوله ذلك، فكم حدث في التاريخ القديم والحديث نتيجة أنباء الفسقة الكاذبين من قتل بظلم، وسجن بظلم، وأخذ مال بظلم، وحصل الندم، ولكن بعد فوات الأوان، فإن كان الأذى موتاً فلا حيلة في إحيائه مرة أخرى، وإن كان ضرباً وإيذاءً فلا حيلة في زوال ذلك الضرب وقد أوذي المرء وأهين.
وهذه الآية ستبقى دستوراً للأخبار والمعاملات للرواة وللمحدثين ولأهل العلم وللحكومات وللقضاة وللمتتبعين للأخبار، بحيث يستوثقون من أي خبر جاء، خاصة إذا كان المخبر يأخذ مالاً ويأخذ راتباً على هذه الأخبار، فهو عندما لا يجد خبراً ولا يسمع نبأ يذهب ويكذب ويخترع ليحوز المال، فهو كاذب، ولا يفرح لمثل هذا، فانتقام الله منه يكون عظيماً في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 2408
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم)
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧].
يقول الله ﷻ لمن عاصر رسول الله من الأنصار والمهاجرين وغيرهم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧]، وهم يعلمون أن رسول الله فيهم، ولكن هذه الجملة قيلت تمهيداً لما سيأتي بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧]، فيأتي الكثير من الأصحاب فيقول كل منهم: أَمِّر فلاناً، واعزل فلاناً، وقاتل فلاناً، وأعط فلاناً، وامنع فلاناً، وقد يستشيرهم وإذا بهم يشيرون بالكثير من الآراء المتضاربة.
وقد كان رسول الله ﵊ يستشير أصحابه؛ لقول الله له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وليست الاستشارة ملزمة، وقد يكثرون عليه من الإشارات: افعل كذا، اصنع كذا، وكان البعض ممن لا يعمل بمشورتهم ولا يقبل رأيهم يغضبون وينزعجون ويقولون: قبل رأي فلان ورفض رأي فلان، وفلان لا يزال شاباً صغيراً وهذا كان زعيماً في الجاهلية وكبير السن، فهو أعقل وأدرى وأعلم.
قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧]، فلو أطاعهم رسول الله في كثير من إشاراتهم ومطالبهم لعنتوا، أي: لوجدوا مشقة وإثماً وعظيمة من العظائم، وذلك بما سيكون في اقتراحاتهم، ولكن النبي ﷺ معصوم، والله ﷻ يرعاه مهما أكثروا عليه من الإشارة، فلا يفعل إلا ما أوحي إليه به وألهمه الله عمله ورآه الحق والصواب: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧]، معناه أن الآراء والأوامر والإشارات لو أطاعكم فيها حسب رغبتكم لانقلب ذلك عليكم مشقة وإثماً وبلاءً ومحنة، وهو أعلم بما يصلحكم في دنياكم وأخراكم، إذ هو معصوم ومعه تأييد إلهي، فلا يليق أن تكثروا عليه ولا أن تقترحوا عليه، فإذا استشاركم فكلمة أو كلمتان، فإن قبل ذلك فذاك، وإلا فدعوا الأمر له مفوضين.
стр. 2409
تفسير سورة الحجرات [٧ - ١٠]
من آداب المسلمين مع رسول الله ﷺ أن يطيعوه ويلتزموا ما اختاره، ويذكروا نعم الله الذي حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر.
ومن آداب المسلمين فيما بينهم أن يسعوا إلى الإصلاح بين المتنازعين والمتقاتلين، وأن يقفوا في وجوه البغاة حتى يعودوا إلى الحق وإلى أمر الله.
стр. 2410
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم)
قال الله ربنا ﷻ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
في هذه السورة الكريمة يعلم الله ﷻ عباده المؤمنين الأدب مع رسول الله ﵊، فيعلمهم كيف يجالسونه، وكيف يحدثونه، وكيف ينصتون إليه، وكيف يكون بعضهم مع بعض في الأخلاق.
يقول تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)، وهم يعلمون ذلك، ولكن الله تعالى يذكرهم بهذا ليبني عليه آداباً وليبني عليه أخلاقاً ليتلزموها ويعملوا بها، فقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)، أي وقروه، وعزروه، وعظموه، وأنصتوا إليه، وأطيعوا قوله، واقتدوا بفعله، والتزموا طاعته، ولا تقدموا عليه، ولا تكثروا عليه الإشارة والقول.
قال تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧]، أي: لو يطيعكم في كثير مما اقترحتم عليه؛ لكان في ذلك عنتكم ومشقتكم وإثمكم وعذابكم، فالله ﷻ جعل النبي ﵊ أولى بالمؤمنين من أنفسهم فهو يختار لهم الأكرم والأصلح، واستشارته لهم إنما هي تطييب لنفوسهم وامتثال لأمر الله له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
فقوله: (لَعَنِتُّمْ) مأخوذ من العنت، وهو المشقة والإثم والعذاب، فإذا استشاركم فأشيروا، فإن قبل فذاك، وإلا فما عليكم إلا السمع والطاعة.
يقول تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧].
أي: يا أيها الذين آمنوا! إن الله هو الذي حبب إليكم الإيمان، فحملكم على حبه والتزامه، والعمل به، وكونكم مؤمنين ومسلمين هو من تحبيب الله ذلك لكم.
وقوله تعالى: (وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) جعله زيناً مقبولاً، فالواحد منا عندما يقول: (لا إله إلا الله) فيلتزم بها قولاً وعملاً يشعر بأن الله ﷻ أكرمه بهذا الإيمان، فحببه إليه، وزينه في قلبه، وجعله يعتقد أن كل ما على وجه الأرض من أديان وملل سماوية نسخت، أو أرضية اخترعت وكانت من الشيطان، أشرف منها الإيمان بالله، والإيمان بمحمد رسول الله، فهو أشرف ما يعيش به، والذي أكرمه بذلك وحببه إليه وزينه في قلبه هو الله ﷻ .
قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧]، أي: كره إليكم الكبائر، وكره إليكم العظائم، وجميع أنواع المعاصي.
فالذين أكرمهم الله فحبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، هم الذين كره الله إليهم الكفر فاجتنبوه وتركوه، وكره إليهم الفسوق، وهو الخروج عن أمر الله، وعن طاعة الله بأنواع الكبائر والعظائم.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] أي: الذين أرشدهم الله وأصلحهم فأصبحوا ذوي رشاد، وذوي صلاح، وذوي هداية.
стр. 2411
تفسير قوله تعالى: (فضلاً من الله ونعمة)
قال تعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٨].
فليس ذلك من قبل أنفسهم، ولكن ذلك فضل من الله ونعمة، فتحبيب الإيمان وتكريه الكفر والعصيان فضل من الله، ونعمة منه تفضل بها على المؤمنين وأنعم بها على المؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٨]، عليم بمن يصلحه ذلك، حكيم في أقواله، حكيم في أفعاله، حكيم في قدره.
والحكيم: الذي يضع الأمور في مواضعها، فالله ﷻ هو المتفضل على المؤمن حيث حبب إليه الإيمان وجعله مؤمناً، وأبعده عن الكفر وجعله عدواً للكفر والمعاصي، فذلك من فضل الله، وذلك من نعمة الله، والله هو العليم بعباده وما يصلحهم، والحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها.
стр. 2412
تفسير قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].
إن المؤمنين إخوة، فكل من قال: (لا إله إلا الله) هو أقرب إليك من أخيك لأبيك وأمك إن لم يكن مؤمناً، فالله ربط بين قلوب المؤمنين فجعلهم إخوة، وأعطاهم من الحقوق ما للإخوة من مواساة وإكرام وإعانة، ومن أجل ذلك قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩].
أي: إن فئتان وجماعتان من المؤمنين اقتتلوا فقاتلت إحداهما الأخرى وطغت عليها فأصلحوا بينهما، ولا تكونوا مع إحداهما على الأخرى، ولا تتحزبوا بباطل، ولا تناصروا على الفساد وقتل المؤمنين، بل كل واحد فيهما أخ لكم وقريب لكم، فأصلحوا بين الفئتين والطائفتين اللتين اقتتلا.
стр. 2413
معنى قوله تعالى: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩].
فإن أبت إحدى الفئتين وإحدى الطائفتين الصلح والخضوع للحق، فقاتلوها، حتى تجبروها على الاستسلام وعلى الخضوع للحق.
فقوله تعالى: (فَإِنْ بَغَتْ) أي: ظلمت وانتقلت من الصلح إلى البغي والفساد وظلم المسلمين.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ [الحجرات:٩]، أي: بغت طائفة على طائفة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، أي: قاتلوا الفئة الباغية الظالمة المعتدية، ولا ينتهي قتالكم لها وحربكم عليها حتى تخضع لأمر الله.
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩] أي: حتى تعود إلى الحق وتحقيق الأخوة، فالأخ لا يظلم أخاه ولا يقاتله.
وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه).
وفي الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله، التقوى هاهنا)، أي: الإسلام علانية، والإيمان في القلب، كما قال ﵊.
стр. 2414
معنى قوله تعالى: (فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ [الحجرات:٩]، فإن عادت للحق، ورمت السلاح ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:٩]، أصلحوا بين هاتين الفئتين والطائفتين بالعدل، ولا تنحازوا لجانب على آخر، فأصحاب الطائفتين إخوة لكم برابطة الدين ورابطة الإسلام، فإن فاءت هذه الباغية فاعدلوا بينهما (وَأَقْسِطُوا).
يقال: القسط والإقساط، والإقساط: العدل، والقسط: الظلم، فقوله تعالى: (وَأَقْسِطُوا) أي: اعدلوا عندما تحكمون بين الفئتين بعد رمي السلاح وإلقائه، فانظروا لمعرفة القاتل من المقتول، والضائع ماله، والمنتهكة حرمته، فخذوا له حقه ممن ظلمه.
أي: فليكن إصلاحكم وحكمكم بالعدل الذي لا ظلم فيه، وبالقسط الذي لا حيف فيه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، أي: يحب العادلين، وفي الحديث النبوي أن النبي ﷺ يقول: (المقسطون على منابر من نور يوم القيامة على يمين عرش الله).
وبالعدل قامت السموات والأرض، وقد قال ربنا ﷻ في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا).
فالله ﷻ لا يسئل عما يفعل، وقد حرم الظلم على نفسه وأمر بالعدل، وهو أحكم الحاكمين ﷻ ، فهو يأمر الناس بالعدل وبالقسط وبعدم الظلم.
وبغي الباغي لا يخرجه عن الإيمان، والآية صريحة في ذلك.
стр. 2415
ذكر من يوصف بالبغي
ولا يوصف بالبغي الكافر، وكثيراً ما يقال: إسرائيل باغية، والحق أنها مرتكبة أعظم من البغي، فإسرائيل كافرة لعينة أخت القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
فالبغي إنما يوصف به المسلم، فالمسلم عندما يظلم أخاه ويقاتل أخاه يقال له: باغ، أما الكافر فيقال عنه: كافر أعلن الحرب على الله، وأعلنها على رسول الله، فيقاتل لكفره، ويقاتل لظلمه.
وأحكام البغاة أخذت من حروب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما بغى عليه أهل الشام، وقاموا في وجهه وأنكروا خلافته، فكانوا بغاة، وقد قال ﵊ في الحديث المتواتر الذي رواه أكثر من عشرة من الأصحاب: (ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار).
فالنبي يصف من قتل عماراً بالبغي، وقد قتله أهل الشام المتمردون على علي وخلافة علي، فكانوا البغاة، وكان جيش علي هو الداعي إلى الجنة وأولئك الدعاة إلى النار، وهم البغاة.
وحكم الله في الباغي عندما ينتصر عليه أن لا تؤخذ أمواله غنائم، ولا أولاده إماءً وعبيداً، ولا يجهز على جريح، ولا يلاحق مدبر، وإنما ذاك مع الكفار، فهم الذين تؤخذ أموالهم غنائم وأولادهم أرقاء وعبيداً إن شاء الحاكم والإمام ذلك، ورآه من مصلحة المسلمين، وأما البغاة فإنما يقاتلون ليخضعوا للحق وليخضعوا للعدل، فإن خضعوا واستسلموا رفع السيف عنهم، ثم يطالبون بعد ذلك بما أزهقوا من أرواح واستلبوا من أموال وهتكوا من حرمات، وهنا يقول الله ﷻ : ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:٩]، أي: أصلحوا بين الفئتين المتقاتلتين العائدتين إلى الحق، واحكموا بينهما بالعدل بلا ظلم ولا حيف ولا انحياز لواحدة دون الأخرى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وإذا أحب الله شيئاً أحب فاعله، وإذا كره الله شيئاً كان مرتكبه آثماً، وكان مرتكبه ظالماً.
стр. 2416
تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠].
يقول تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، فهم وحدهم الإخوة، وليس الكافر لنا بأخ، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
فمن تولى اليهود فهو منهم، ومن تولى النصارى فهو منهم، ومن تولى المنافقين فهو منهم، ومن تنكر للمسلمين فأصبح عدواً لهم فذلك قد يخرجه عن جماعة المسلمين، وقد قال الله لهؤلاء: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يعامل معاملتهم ويقاتل قتالهم، وبنفس ما نعامل به اليهودي والنصراني نعامل المنافق.
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، وهذا عام، فأصلحوا بينهما إذا ظلم أحدهما الآخر، وإذا طغى أحدهما على أخيه، وإذا حاول أن يغصبه حقه، وإذا حاول أن ينتقص من مقامه، فأصلحوا بينهما، فهما أخوان لكم، فاتقوا الله في هذا، وأصلحوا بين الفئتين المتقاتلتين من المسلمين.
وهذا الأمر من الواجبات التي تركها المسلمون منذ قرون، فقد قوتل مسلمو اليمن ما يزيد على أربع سنوات، والناس يرونهم وكأنهم ليسوا بمسلمين، وقد علموا من الباغي، فلم يصلحوا بين الفئتين، ولم يردعوا الفئة الباغية، وحدث هذا في جميع ديار وأقطار المسلمين، حيث ظلم المسلمون من مسلمين، وانتهكت حرماتهم وقتلوا ظلماً وعدواناً، وأصيبت أموالهم، ولا يزال هذا قائماً في أكثر البلاد التي تنتسب للإسلام، وبقية المسلمين يرون هذا وهم ساكتون عنه، ولا ينصاعون لمثل هذه الآيات الكريمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١٠] أي: فاتقوا الله في الإصلاح بين الإخوة، والتزام أخوة المسلمين، والسعي في صالحهم، والبعد عن أذاهم وضررهم.
قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]، أي: لعل الله أن يرحمكم إن أنتم عدلتم بين إخوتكم وأصلحتم بين إخوتكم وانتصرتم للحق على الباطل.
و (لعل) في كتاب الله إن جاءت كانت للتحقيق لا للترجي فقط، أي: إن الله يرحمكم إن رحمتم إخوانكم وأخذتم على يدي الباغي وألزمتموه بالعدل والقسطاس، فإن لم تفعلوا فيوشك أن يعمكم الله بعقاب من السماء والأرض، وقد قال نبي الله ﵊: (إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: يا ظالم؛ فقد تودع منها)، فإذا لم يقل المسلم للظالم: (يا ظالم) وعامله بمقتضى ظلمه وردعه عن الظلم، فإن الله يدع الكل ويتخلى عن الكل ويعاقب الكل.
وكما هو حادث في عصرنا، فالمسلمون يعذبون في جميع بقاع الأرض، في ديار المسلمين، وفي ديار الكافرين، وسائر المسلمين على قوتهم وعلى غناهم وعلى اقتدارهم لا يحركون ساكناً أمامهم وكأنهم ليسوا لهم بإخوة، حتى إذا ابتلي أولئك الذين خذلوا إخوانهم وسلط عليهم أعظم من ذلك فإنهم ينادون: يا ويلتاه! لم ننصر إخواننا فخذلونا عندما احتجنا إلى نصرتهم، وقد قال ﵊: (المسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يسلمه ولا يظلمه)، وقد قال ﵊: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقيل: يا رسول الله! هذا المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟! فقال: أن تحجزه عن ظلمه، فذلك نصر له).
فردع الظالم عن ظلمه هو نصرته؛ لأنك أبعدته عن الباطل وقربته للحق، فعسى أن يئوب إليه وأن يفيء إلى الحق ويقول: رب اغفر لي إساءتي يوم الدين.
стр. 2417
تفسير سورة الحجرات [١١ - ١٢]
السخرية والاستهزاء والغيبة والنميمة والتجسس أدواء قاتلة وأمراض اجتماعية مزمنة، يسعى القرآن العظيم بتعاليمه السامية إلى اقتلاع هذه الأدواء من جذورها، فهو يحذر منها أشد التحذير، لما فيها من إنهاك للروابط الأخوية وهتك لأستار الله على المسلمين.
стр. 2418
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم)
стр. 2419
معنى قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١].
بعد أن ألزمنا الله وأوجب علينا ووجهنا وعلمنا بأن المؤمنين لنا إخوة، بين تعالى أن مقتضى هذه الأخوة ألا يهزأ الأخ بأخيه، ولا يسخر منه، ولا يلزمه، ولا يهمزه، ولا يعيبه، ولا يحتقره، فإن فعل ذلك لم يعتبر أخًا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات:١١].
والسخرية: الهزء والتحقير، فقوله: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) أي: فئة من الرجال بفئة أخرى من الرجال.
(عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) أي: عسى أن يكون أولئك الساخرون أحقر من أولئك، فهم الأجدر بأن يهزأ بهم، وأن يسخر بهم، وأولئك الذين سخر منهم أكرم عند الله وأشرف وأتقى من هؤلاء البغاة الظالمين المستهزئين المتنقصين لإخوانهم المسلمين، ولذلك كان الهزء بالمسلم كبيرة من الكبائر، وعظيمة من العظائم، من ارتكبها ولم يتب إلى الله يوشك أن يأخذه الله، ويوشك أن يعود ما هزئ به عليه، ويصبح مكان هزء الناس واحتقارهم.
стр. 2420
معنى قوله تعالى: (ولا نساء من نساء)
قال تعالى: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].
المعلوم في اللغة أن كلمة (القوم) تعم الرجال والنساء.
وقال قوم: كلمة (قوم) تخص الرجال دون النساء، واستدلوا بهذه الآية، والصحيح أنها تعم الرجال والنساء، كما في النداءات النبوية بـ (يا قوم) من أنبياء الله السابقين، فالخطاب فيها للرجال والنساء، والنساء شقائق الرجال.
ولكن هنا عندما قال تعالى: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ) دخل الرجال والنساء، ثم خص تعالى النساء بالذكر لأن الهزء يكون من النساء أكثر، فلا يفلت من النساء أحد من الهزء، حيث يهزأن بقصره وبلونه، وبكلامه، وبفقره، فالنساء لا يكدن يجتمعن إلا على الشتم والتنقيص والهزء، وإذا افترقن عادت كل واحدة بالهزء على الأخرى، فالله عمم عندما قال: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ثم خص فقال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١]، وكأن النساء خوطبن مرتين؛ لأن ذلك من لوازم مجالسهن ولوازم أحاديثهن.
следующие страницы →