← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تفسير سورة الكهف [١ - ٨] يحمد الله تعالى نفسه في فاتحة سورة الكهف ذاكراً في معرض ذلك منته على عباده بإنزال الكتاب على رسوله محمد ﷺ ، يبشر به المؤمنين وينذر به الكافرين المشركين على دعواهم اتخاذ الله الولد، ومبيناً تعالى حال نبيه الرحيم بأمته، حيث كاد أن يهلك نفسه أسفاً عليهم لإعراضهم عن اتباعه.

стр. 2

نسبة سورة الكهف وفضلها وسبب نزولها بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه وبركاته على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:١ - ٣]. سورة الكهف سورة مكية، فيها مائة آية وعشر آيات، وقد نزلت على نبينا صلوات الله وسلامه عليه بمكة المكرمة. وقد ورد في تلاوتها وقراءتها يوم الجمعة أجر وثواب، وورد أن من قرأ عشر آيات من أولها، وعشر آياتها من آخرها، لا يضره الدجال، وورد أن قراءتها تنزل معها السكينة من السماء. وورد أن من قرأها يوم الجمعة حفظ من الدجال، ويؤجر ويثاب بتكفير سيئاته من الجمعة إلى الجمعة. وسبب نزول هذه السورة أن كفار مكة أرسلوا إلى علماء يهود في المدينة فقالوا لهم: أنتم أهل كتاب، ومحمد يزعم أنه أوحي إليه بكتاب، فأخبرونا عنه، فقال لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث، فإن هو أجابكم عنها فهو نبي، وإن لم يجبكم فهو متقول، اسألوه عن فتية ذهبوا في الزمن الأول، واسألوه عن رجل طاف المشارق والمغارب، واسألوه عن الروح. فعادوا فاجتمعوا بالنبي عليه الصلاة السلام فقالوا: يا محمد! إنا سائلون أسئلة إن أنت أحسنت الجواب عنها علمنا أنك نبي، وإن لم تجب فأنت متقول، ما قصة فتية ذهبوا في الزمن الأول؟ وأخبرنا عن رجل طاف المشارق والمغارب؟ وما الروح؟ فقال لهم: غداً أجيبكم. وإذا بالغد يأتي، ثم يأتي اليوم الثاني والثالث إلى أن مضى خمسة عشر يوماً، ولم يأته الوحي بجواب هؤلاء، فانزعج ﷺ جداً، وأخذ الكفار يقولون: ها نحن سألنا محمداً فافتضح عندنا ولم يحسن الجواب. وفي اليوم الخامس عشر جاءه جبريل بالوحي، وعاتبه ربه في قوله: أجيبكم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، وكان قد نسيها ﷺ ، وذاك قوله تعالى في السورة: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]. ثم تداركه الله بلطفه ورحمته فأوحى إليه بالجواب عن الفتية وعن الرجل الطواف، وأخبره بجواب سؤالهم عن الروح في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. فكان الجواب عن الروح أنه لا جواب، وأن علم الروح من أمر الله تعالى؛ لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وجاء الجواب في سورة الكهف عن الفتية الذين ذهبوا في الدهر الغابر، وعن قصة الرجل الذي طاف الآفاق.

стр. 3

تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) يقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]. يحمد الله ﷻ نفسه، وقد ابتدأ تعالى الخلق بالحمد، وأنهاه بالحمد، وافتتح كتابه القرآن الكريم بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وختم أمر الجنة بقوله تعالى عن أهلها: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]. وابتدأ هاتين القصتين بحمد نفسه ﷻ ، فله الحمد كله، وإليه يرجع الحمد كله، وإذا حمدنا زيداً من الناس أو عمراً فإنما نحمده ظاهراً ومجازاً، وإنما الحمد لله الذي شرح قلب هذا الذي عمل عملاً يخدمك به، أو يقدم خدمة للناس، أو للإسلام، أو في أي شيء كان، فالحمد الخالص الكامل لله، فنحمده على أن هدانا للإسلام، ونحمده على أن وفقنا لاتباع نبيه عليه الصلاة السلام، ونحمده على أن عافانا في أبداننا وأرواحنا، ونحمده على أن أكرمنا بأن أغنانا عن الناس، فلم يُرق ماء وجوهنا لأحد سواه، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فالحمد لا ينقطع، والنعم لا تنقطع، وبالحمد والشكر تزداد النعم، والكفران يسلبها. فالله تعالى هنا يحمد نفسه ويعلمنا أن نحمده وأن نشكره، وأن نؤدي الحق لأهله، فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَاب﴾ [الكهف:١]. وعبده هنا هو محمد سيد الخلائق، سيد الأولين والآخرين، خاتم الأنبياء والرسل، عليه صلوات الله وسلامه. فالله يحمد نفسه، ويعلمنا أن نحمده على أن أنزل هذا الكتاب المهيمن على كل الكتب، الجامع لكل ما مضى من خيرات وافرات، وهداية دائمة، وصلاح في الدنيا والآخرة، فهو الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، وهو الكتاب المعجز الذي فيه خبر من قبلنا وخبر من بعدنا. فهذا الكتاب الذي جعله الله خاتم كتبه خص به عبده وسيد عبيده محمداً ﷺ . والكتاب إذا أطلق يراد به القرآن الكريم، فهو كتاب جميع المسلمين، وكتاب جميع العلماء، وهو الكتاب الذي فيه ما ينفعنا معاشاً، وما ينفعنا معاداً، وهو الذي جمع كل العلوم. وإذا أطلق الكتاب بين أهل اللغة والأدب والنحو فالمراد به كتاب سيبويه في النحو وقواعد العربية. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، فلم يجعله ناقصاً، ولم يجعله مخالفاً، ولم يجعله غير معجز، ولم يجعل فيه تناقضا. والعوج يكون في المحسوسات والمعاني، يقال: فلان أعوج الخلق، أي: فيه اعوجاج عن الحق، واعوجاج عن الطريق المستقيم، ويقال: البناء فيه عوج، أي: فيه اعوجاج في هندسته وفي نظامه. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨]، أي: فلا نقص فيه، ولا شين، ولا تناقض.

стр. 4

تفسير قوله تعالى: (قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه) قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ [الكهف:١ - ٢]. فهو القيم والقائم والمهيمن على ما سبقه من كتب سماوية، والقيم على كل كتب الناس وعلومهم، فما وافقه فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل. قال تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف:٢]. أنزل الله هذا القرآن القيم المهيمن المستقيم الكامل الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] على البشير النذير ليتخذه سيدنا رسول الله ﷺ أداة في الخطابة وفي الدعوة وفي العلم، وفي مخاطبة الأعداء وفي مخاطبة الأنصار، وفي دعوة الناس إلى الحق والهدى والنور. وقوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف:٢] أي: لينذر الناس الذين لم يؤمنوا وأصروا على الشرك والكفر البأس الشديد، والغضب الشديد، والقوة الشديدة، والعذاب من الله والطرد من الرحمة والخلود في النار، إن هم أصروا على الكفر، وأبوا إلا الشرك، وحادوا عن الإيمان والتوحيد. وقوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢] أي: من لدن الله، ومن عند الله، لا من عند محمد ﷺ ولا من عند أحد من الخلق، فالله عندما يريد أن ينزل بأسه بالناس يسلط رسله على من يشاء من عباده المشركين والكافرين، وقد سلط نبيه ﷺ على الكفار والمشركين من العرب والفرس والروم، إلى أن دانوا لله، وذلوا للحق، وقالوا كلمة التوحيد، وحادوا عن الشرك، ومن لم يستجيبوا ذهبوا بين شريد وطريد وقتيل، وما عند الله أشد وأنكى. فهذا البأس وهذه النذارة الشديدة وهذا التخويف بالعذاب هو من لدن الله، ولكن الله يسلط عباده بأمره وببأسه على من يشاء من الكافرين الجاحدين. قال تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف:٢]. أي: يبشر الذين آمنوا بالله واحداً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، فهؤلاء المؤمنون ضموا إلى الإيمان بالقلب العمل بالجوارح، فقاموا بالأركان الخمسة من قول الشهادتين والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، كما تحلوا بالأخلاق الفاضلة، وتخلوا عن الأخلاق الرذيلة السافلة. فهؤلاء المؤمنون يبشر منهم من مضى، ويبشر من يأتي، وهي بشرى قائمة إلى يوم القيامة بأن من آمن بالله وبرسول الله، وعمل صالحاً كان له الأجر الحسن، والأجر هنا هو الجنة. قال تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣] أي: مقيمين خالدين أبد الآباد.

стр. 5

تفسير قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً) قال تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:٤]. فالإنذار بالسوء هنا في أعظم أنواع الكفر، وهو الشرك بالله، بزعم أن لله ولدا. والذين قالوا ذلك هم العرب، قالوا: إن الملائكة بنات الله، وكذلك اليهود، حيث قالوا: عزير ابن الله، وكذلك النصارى حيث قالوا: عيسى ابن الله، ومريم صاحبته، تعالى الله عن كل هذا الإفك علواً كبيرا. قال تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف:٤ - ٥]. فليس لهم علم ولا دليل ولا برهان ولا حجة ولا سلطان من الله على أن لله ولداً، فلم ينزل بذلك كتاب، ولم ير أحد هذا الولد، بل إنهم لم يتفقوا على هذا الولد، فقالوا: هو عزير، وقالوا: الملائكة، وقالوا: عيسى. فمن قال: إن الله اتخذ ولداً فقد قال كذباً وبهتاناً على الله، ولم يأت بذلك برهان ولا دليل.

стр. 6

تفسير قوله تعالى: (ما لهم به من علم ولا لآبائهم) قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ﴾ [الكهف:٥]. فهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]. فلقد كانوا هم وآباؤهم ضالين مضلين، كذبة على الله مفترين. قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥]. (كلمة) تمييز، أي: كبرت هذه الكلمة وهذه المقالة، وهي أن الله اتخذ ولداً، وأن الله اتخذ صاحبة أماً لهذا الولد، فهذه الكلمة عظيمة تكاد السموات أن تتفطر منها. فهؤلاء لم يقتصروا على الكذب على رسول الله، وعلى أصحاب رسول الله، وعلى الصالحين، بل كذبوا على الخالق ﷻ بما لم يأت به سلطان ولا دليل ولا برهان. يقول تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥]، والأفواه: جمع (فو)، وهو من الأسماء الخمسة، فيرفع بالواو، وينصب بالألف، ويجر بالياء. قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]. فلم يقولوا ما قالوا وما نطقوا إلا بالكذب وبالبهتان وبالافتراء وبما ليس لهم عليه دليل ولا برهان، فكل ذلك من إفكهم ومخترعاتهم التي خلت عن الدليل والبرهان.

стр. 7

تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) قال تعالى يخاطب رسوله ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]. فما ستقصه على قومك مما سألوك عنه ووجههم إليه يهود المدينة سيكذبونك فيه، ولن يصدقوك، فقد سألوك وأجبت، فما آمنوا ولا صدقوا، فلم يسألوك رغبة في العلم، ولا سعياً في معرفة الحقيقة، وما ذلك إلا التحدي، وما هو إلا التعجيز، وما هو إلا العناد، فأرح نفسك، ولا تهلكها ولا تتعبها. يقول تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف:٦] أي: مهلك نفسك، وقاض عليها، ومميتها؛ حرصاً على قومك وهدايتهم، وأسفاً على قومك حيث لم يؤمنوا بالحق مع الأدلة القاطعة التي تأتيهم بها مساء وصباحا، وليلاً ونهارا، فما تلك مهمتك، ولم تطالب بذلك، وإنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. فنبينا ﵊ هو كما وصفه ربه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨]. فكان عزيزاً عليه وصعباً عنت قومه، وعناد قومه، وإصرارهم على الكفر، بل عنت جميع الناس، فقد كان حريصاً على هدايتهم، فالله يقول له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]. فلعلك مهلك نفسك أسفاً وحزناً عليهم وموجعها ومؤلمها؛ لأنهم لم يؤمنوا ولم يصدقوا، وليس عليك هداهم، فمن سبق في علم الله ضلاله وكفره فسيبقى كذلك، ولن تفيده موعظة، ولن تفيده دعوة، ولن تفيده معجزة.

стр. 8

تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم) قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]. يقول الله ﷻ : إنه جعل ما على الأرض زينة لها؛ ليختبر بها عباده، وليختبر بها الناس، وليختبر بها الجن والإنس، فزين الأرض بما فيها من أشجار ومياه وثمار، وأنواع من الحيوانات التي تمشي على أربع، والتي تطير في الهواء، والتي تعيش في البحار، فكل ذلك جعله الله للإنسان ابتلاء من الله واختبارا، ليظهر الذي يرى ذلك، فيعمل بمقتضاه، ويشكر الله عليه، ولا يتخذ ذلك نكراناً وجحوداً وكفرانا. يقول تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]. فما على الأرض من جبال راسيات، وبحار متلاطمات، ونسيم وخضرة زين الله به الأرض وجملها؛ ليبلو عباده أيهم أحسن عملا، فيظهر الذي سيكون أحسن عملاً بالطاعة وبالتوحيد، وبالامتثال لأمر الله، ولأمر رسوله.

стр. 9

تفسير قوله تعالى: (وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً) قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨]. فهذه الدنيا التي زينت وزخرفت سيأتي عليها يوم وكأن لم تكن، فإذا بالأرض تصبح صعيداً جرزاً، أي: أرضاً قاحلة، لا شجر فيها ولا نبات، ولا طائر يطير، ولا دابة تسير، ولا إنسان يتحرك، إذ يذهب الله بكل ما فيها وما عليها، بعد أن ظن الناس أن هذه الأرض التي زينوها وتعبوا فيها منذ آلاف السنين قديماً وحديثا، وأوصلوها إلى ما لم تكن عليه يوما لن تزول، وإذا بكل ذلك يدمر، فتصبح صعيداً زلقا وجرزاً لا ينبت، فليس فيها نبات ولا زهر، ولا نعيم، ولا ما يشرب ولا ما يؤكل، وتجف البحار والأنهار، وتنقطع العيون. وهذه بداية الفناء، وإلا فبعد ذلك لا تبقى الأرض نفسها ولا السماء، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].

стр. 10

تفسير سورة الكهف [٩ - ١١] لقد كان أصحاب الكهف الذي أخبر الله تعالى عن قصتهم فتية شباباً، فروا بدينهم من قوم مشركين، فجعلهم الله تعالى آية على البعث والنشور، واتضح من قصتهم دور الشباب الفاعل في التغيير، للحماسة الجارية في أبدانهم، ولبعدهم عما يقعدهم عن العمل من شواغل الحياة، وإدراك هذا الأمر يرفد الدعوة الإسلامية بطاقات عظيمة.

стр. 11

تفسير قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً)

стр. 12

آيات الله وقدرته العجيبة قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]. لقد قال اليهود لسفيري قريش في قلة: لقد كانت عجائب وغرائب لشباب كانوا في القرون الأولى، فذهبوا ولم يعرف مكانهم، ثم بعد قرون ظهروا وبرزوا وكان من شأنهم وغرائبهم وعجائبهم كذا، فأنزل الله تعالى خبرهم بعد أن مهد للقصة بحمده تعالى وبيان أن القرآن حق، وأنه الذي أوحى به وأنزله على عبده، فجاء به نذيراً للمشركين، وبشيراً للمؤمنين، وبياناً أن الدنيا بما فيها من زينة وزخرف لم تكن إلا ابتلاء، ولم تكن إلا اختباراً، كما يختبر الطالب في مدرسة ليعلم أيرسب أم ينجح، والعبرة بالمستقر في الآخرة، فإما إلى سعير وإما إلى جنة. قال تعالى لنبيه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ [الكهف:٩] أتظن كما ظن هؤلاء ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]. أيظنون أن هؤلاء الفتية من أصحاب الكهف والرقيم، كانوا من آياتنا عجباً، فأعجب من أمر هؤلاء خلقك -أيها الإنسان- من عدم، ثم إماتتك ثم إعادتك، وأعظم من قصة أهل الكهف خلق السموات والأرض وما بينهما، وأعجب منها الدقائق والغرائب والعجائب في هذا الكون المنظم الذي لا يزيد فيه الليل والنهار عن أربع وعشرين ساعة ثانيةً واحدةً، ولا يزيد فيه أجل إنسان ولا ينقص منه. فالدنيا كلها من بدايتها إلى نهايتها لها أجل مسمى عند الله، لا تزيد ولا تنقص، ففصول العام الأربعة لا تزيد ثانية ولا تنقص، فهذا الكون المنظم، من نظمه؟! ومن دبره؟! ومن خلقه؟! إنه الله ﷻ . وماذا ستكون الغرابة في شباب أميتوا دهراً ثم بعثوا بجانب إعادتكم يوم القيامة بعد آلاف من السنين؟! فقصة البعث أعجب وأغرب. يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ [الكهف:٩]. أي: أتظن يا رسولنا، والخطاب له والمقصود أولئك الذين أتوا متآمرين متكبرين من مشركي مكة إلى يهود المدينة، فإن كان قد جاءهم بالقصة الغريبة العجيبة من شأن أولئك الفتية فهو نبي الله حقاً، ولكن إذا كان هؤلاء يريدون الإغراب، ويريدون الإعجاب. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] ولا عجب ولا غرابة في قدرة الله، فهو القادر على كل شيء، يفعل ما يشاء كيف يشاء متى شاء، ولا يعجزه شيء. فهنا جاء الجواب بعد انتظار نبينا ﷺ خمسة عشر يوماً تأديباً له من الله؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله. وربما انزعج لقول الكفار في تأخر الوحي عنه، ولكن الله لم يخيب عبده، ولم يخيب نبيه، ولكنه أرجأه أياماً لكيلا يعود مرة أخرى إلى ترك الاستثناء بمشيئة الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الإنسان:٣٠]. فهو أدب له، وهو أدب لكل إنسان، فلا تقل: سأفعل غداً؛ لأن الغد لا تملكه، فكيف تتكلم عن الغد بأنك ستفعل فيه وستقول وأنت لا تعلم هل ستعيش غداً أو تموت، وهل ستملك العمل إن عشت أم لا، فإذا كان الأمر لله، فعليك أن تستسلم، وأن تجعل المشيئة له، فإن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.

стр. 13

بيان معنى الكهف والرقيم والكهف: هو الغار المتسع، ذو العمق الداخلي، بخلاف الغار، فالغار يكون صغيراً. والرقيم فيه أقوال كثيرة، حتى إن عبد الله بن عباس قال: علمت القرآن من بدايته إلى نهايته، ولم أعلم ما الرقيم. وإن كان بعد ذلك فسر الرقيم، فقال: لا أدري أهو كتاب أم مكان. وقد ورد في تفسيره أقوال عن الصحابة والتابعين وأئمة التفسير، فقد قال بعضهم: الرقيم قرية، وهي قرية أهل الكهف. ولكن سياق الآية لا يدل على ذلك، فالرقيم هو حجر أو رصاص جعل على باب الكهف.

стр. 14

ذكر ما روي من خبر أهل الكهف ويروى في الأخبار أن هؤلاء الفتية كانوا في عصر دقيانوس، وقد زعم بعضهم أنه كان في أرض العراق، وزعم بعضهم أنه كان في أرض فلسطين، والأسماء لا عبر فيها ولا ينبني عليها عمل، ولا يمكن القطع بشيء من ذلك؛ بل قد ذكرت أسماء هؤلاء الثمانية الذين كانوا في الكهف، وذكر اسم كلبهم كذلك، واختلفوا في الأسماء، ولا حاجة لهذه الأسماء؛ لأن العبرة ليست في الاسم، ولكن العبرة فيما جرى لهم، وفيما تم على أيديهم، وفي قدرة الله، وأن البعث قد حصل في الدنيا قبل الآخرة؛ ليعلم من ينكر البعث أن الله ﷻ الذي جعل البعث إلى يوم القيامة قادر على أن يجعله في الدنيا ويبتدئه في الدنيا. فـ دقيانوس كان وثنياً، فكان يؤتى بالناس كبارهم ثم صغارهم فيأمر بذبحهم على أصنام صنعها ويقول عنها: هي الآلهة، فكان من خالفه يذبحه من ساعته. وكان له قرابة بأحداث صغار، ولعلهم كانوا بين الخمسة عشر والعشرين عاماً، فهؤلاء فكروا، فقالوا: كيف يصنع دقيانوس من حجر صنماً ثم يقول للناس: هذه آلهتكم فاسجدوا لها وتقربوا إليها، واذبحوا عليها قرابينكم، وكان كل إنسان منهم يفكر هذا التفكير على حدة. وفي يوم احتفال اجتمع الناس، فاجتمع هؤلاء الفتية، وأخذ كل شاب يكلم الآخر بما في نفسه، فتبين أنهم أنكروا الشرك وعبادة الأوثان، وقالوا: لا بد من أن يكون لهذا الكون خالق، فآمنوا بالله، واتبعوا ما سمعوا من أديان سابقة. وقد اختلف الناس: هل كان هذا بعد إرسال عيسى أم كان قبله؟ قال ابن كثير: لو كان هذا بعد عيسى لما دل عليه علماء اليهود، فهم لا يؤمنون بعيسى، ولا يعتقدونه نبياً، ويقذفون أمه، وكيف يدلون أهل مكة على أن يسألوا محمداً ﵊ عن قصة فتية يؤمنون بما كفروا به؟! فذلك يدل على أن هؤلاء كانوا قبل عيسى، كانوا من الموحدين من أتباع الأنبياء السابقين. فلما علموا الحق كفروا بالأوثان، واتخذوا مكاناً للصلاة وللعبادة، وإذا بـ دقيانوس يبلغه الخبر، فأرسل إليهم: ألستم بمؤمنين بآلهتي؟ فقالوا: لا. وقد كان عليه شارة الملك، فأمر بإحضارهم، ثم أرجئوا إلى الغد تكرمة لقرابتهم، وقبل أن يأتي الغد فكروا طويلاً، فقال بعضهم لبعضهم: نحن غداً إما مشركون، ونعوذ بالله من الشرك، وإما مقتولون شر قتلة، فماذا نصنع؟! فتداولوا الأمر، وكانوا سبعة، واتفق الكل على الاختباء في غار ذكروا له اسماً، وذكروا له محلاً، وبينما هم ذاهبون إذا براع يلحق بهم فيسألهم أن يذهب معهم، فأبعدوه، فأصر، فاصطحبوه فتبعه كلبه، فأصبحوا ثمانية ومعهم كلب، فدلهم الراعي على كهف فساروا إليه، فلما دخلوه ضرب الله على آذانهم، فمنع أن يصل إليها سماع أي شيء، لأن النائم إذا كثرت عليه الأصوات أزعجته وأيقظته، والله أراد أن ينيمهم ثلاثمائة من السنين وتسعاً، فأصم آذانهم عن أن يسمعوا شيئاً. وكانت الشمس تدخل عليهم صباحاً ومساء ولا تمسهم، فيبقى شعاعها وضوؤها، وإلا لو مستهم الشمس لأضرت بهم. وكانوا يتحركون يميناً وشمالاً، فالهواء يدخل، والشمس تنظف وتطهر، ولكن لا تمس الأجساد، بل تتزاور عنهم يميناً وشمالاً في الصباح وفي المساء. فلما أفاقوا قال بعضهم لبعض: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، وكان الله تعالى قد جعل عليهم في الكهف هيبة، حتى لا يكشف أمرهم قبل أوانه، فكان الناس يأتون الكهف، ومن يحاول الدخول إلى الكهف يشعر بقشعريرة ورهبة وخوف. فلما أفاقوا أحسوا بالجوع، فأرسلوا أحدهم ليأتيهم بالطعام، فلما خرج أخذ يتلفت يميناً وشمالاً قائلاً: أهذه البلدة التي كنا نعيش فيها؟! فلقد وجد فيها شعارات الإيمان والتوحيد في الطرقات، ورأى أن الناس كلها تنظر إليه، ورأى لباسه غير لباسهم، وأن لحيته وشاربه قد طالا كثيراً، فشعر بأن الناس ينفرون منه، ويرون عجباً في شكله، فكان يمشي في الطريق وعيناه زائغتان، ويلتفت يميناً وشمالاً فلا يجد في البلد من يعرفه، فأخذ يتساءل: هل هذه المدينة قريبة من مدينتي؟! لا أعرف مدينة قريبة منها، وهكذا إلى أن تجرأ بعد ذلك في عيون زائغة، وفي حركات مريبة، وفي وجه مخيف، وفي حركات غير مستقرة، فوقف أمام صاحب دكان فقدم له درهماً فأخذ الدرهم، وبدأ يحقق النظر فيه، فالوجه غريب، واللحية طالت، وزيه غير الأزياء التي يلبس الناس، فلما أخذ الدرهم وجده قد مضى على ضربه قرون، وفيه اسم دقيانوس، فأخذ يتساءل: أين دقيانوس؟ ومتى كان دقيانوس؟ فأمسكه، وقال له: لعلك وقعت على كنز، فإما أن تدلني عليه وأما أن أبلغ بك الإمبراطور الحاكم؟! وارتعد وخاف أن يأخذه إلى دقيانوس قريبه، فيلزمه بالشرك أو يقتله، فينكشف إخوانه الذين تركهم جائعين في الكهف، ثم أخذ يطلع جيرانه في الدكاكين على هذا الدرهم، فجمع عدداً، وإذا بالكل يلتف حوله، قائلين: من أنت؟ ومن أين جئت؟ ومن أي بلد؟ فأخذ يتكلم، ثم أخذ يبكي حين شعر بأنهم موحدون، فأخذ يفرك عينيه، ليعلم أصاح هو أم نائم، وما هذه البلدة؟! فهل اختطفته الجن؟! ولم يعرف ما جرى. فأخذوه إلى حاكم البلد، وهو يظن أنهم سيأخذونه إلى دقيانوس، فوقف أمام حاكم البلد، فوجد على الناس شارات الإسلام والإيمان، فسألوه: من أنت؟ فسمى نفسه، وأخذ يقول لهم: لا تأخذوني إلى دقيانوس، فلم يعرفوا الاسم، وسألوه عن قريبه فقال: دقيانوس، فقالوا: أنت مجنون، من أين جاءك هذا الدرهم؟! فقال: درهم -والله- لم أسرقه، ولم آخذه من أحد. ثم قال: اذهبوا معي إلى إخواني في الكهف، وكانوا قد سمعوا قصة الكهف والرقيم، وهي أن جماعة من الشباب من الأسرة المالكة فروا بدينهم إلى الكهف، ولم يخرجوا، وأن أسماءهم كتبت على لوح من رصاص أو من حجر، ووضعت في جانب من الكهف، فذهبوا فقرءوا اللوح، فأدركوا آنذاك أن هذه معجزة وآية، ففرحوا بأن الله أحياهم ليعلموا أنهم على دين حق، وأن البعث والنشور المنتظر حق، أدركوا ذلك وهم أحياء، فبادروا واتصلوا بملكهم، فجاء مسرعاً، فرأى الرقيم، فدخلوا عليهم، فلما دخلوا عليهم رعبوا، وهابوهم وفزعوا منهم، وجاء ذلك الذي خرج ليأتي بالطعام فدخل الكهف، وبعد أن تجمع الآلاف وحصلت ضجة في البلد مات أصحاب الكهف، فقالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]. فبنوا المسجد، وبقي ذكرى لوجودهم، وذكرى لإيمانهم، وذكرى لما أظهر الله من قدرته على البعث في الدنيا قبل الآخرة. وفي سورة الكهف أيضاً ذكر قصة ذي القرنين الذي جاب الآفاق، وفيها قصة ذي الجنتين مع أخيه الذي لا جنة له، وهذه كانت زيادة في الوعظ والإرشاد والتعليم والإيمان، والبعد عن البخل، وعدم أداء الحقوق للفقير والمسكين.

стр. 15

الاهتمام بالشباب قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف:٩]. والمراد بهم الفتية الشباب، والشباب أقرب إلى التبدل والتغير، فإذا جاء الخير كانوا إليه مسرعين، وإذا جاء الشر كانوا إليه مسرعين. ولذا كان أول من آمن بالنبي ﵊ هم الشباب، وقلة من الكهول أسنانهم بين الثلاثين والأربعين، وكان ولاته ﷺ من الشباب، فقد أمر على مكة بعد أن فتحها عتاب بن أسيد وهو شاب، وأمر علياً وهو شاب، وكان قادة الجيوش من الشباب، كـ أسامة بن زيد، فقد أمره ﷺ وجعله القائد العام قبيل موته وفي الجيش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكبار القوم، وسنه سبعة عشر عاماً؛ وأما الخليفة فإنه يختار كبيراً حكيماً، ليس نزقاً، حتى إذا ولى الشباب كان هو الذي يكف من حدتهم، وهو الذي يعدل من سيرهم، وكان مستشارو عمر ﵁ من الشباب، فقد كان منهم عبد الله بن عباس ولم يبلغ عمره بعد عشرين عاماً. فقد مات رسول الله ﷺ وسنه ثلاثة عشر عاماً، فأتم الخمسة عشر بخلافة أبي بكر، ثم ولي الخلافة عمر، فاتخذه مستشاراً وهو ابن خمسة عشر عاماً، إلى أن لقي الله بعد عشر سنوات من الخلافة، ولم تزد سن عبد الله بن عباس على خمسة وعشرين عاماً. وكان عمر عليه رضوان الله يقول: إنني أستشير الشباب أبتغي بذلك حدة أذهانهم. فالشباب معروفون بالشجاعة والإقدام، فليس هناك مال ولا جاه ولا منصب يخافون عليه، فإن دفعوا للموت ماتوا، وإن دفعوا للمغامرة غامروا، أما الشيوخ وقد تمولوا وأصبحوا آباءاً وأجداداً، وأصبح لهم جاه وسلطان، فإنهم يخافون على أموالهم وعلى جاههم وعلى أولادهم، ولذلك قال ﵊: (الولد مجبنة مبخلة)؛ فالأولاد يحملون الإنسان على أن يكون جباناً، وعلى أن يكون بخيلاً. فيكون جبانا إذا أقدم، فيقول: سأموت وتبقى المرأة أرملة، ويبقى الأولاد أيتاماً، وإذا أراد أن يعطي يقول: لمن أترك أولادي؟! أأعطي الناس وأترك أولادي فقراء؟! فالشباب غالباً يكونون مندفعين، وهذه سنة الله في الكون. ودائماً تجد الدعوات تنجح بين العمال والطلاب، فالطلاب والعمال غالبهم شباب، فإن كان الداعية صالحاً كانوا صالحين، وإن كان الداعية فاسداً كانوا كذلك، ولذلك كان على الدولة أن تحفظ شبابها -طلاباً كانوا أو عمالاً- من دعاة السوء وأئمة الكفر، حتى لا يقع الشباب ضحايا الكفر والشيطان، لا لحسنة أدركوها في الدنيا، ولا لحسنة أدركوها في الآخرة. فالنبي ﵊ ولى الشباب أعلى المناصب، ونحن نرى ابن العشرين لا يزال يقاد، فهو لا يزال مراهقاً، ونتكلم عنه على أنه لا يزال ولداً، ولا يزال بعيداً عن تحمل المسئولية. وهكذا عندما يذل الله أمة ويبعدها عن الحق، وعن الطريق المستقيم، تعيش في السخط، وتعيش في الضلال، ويستعبدها عدوها عقوبة من الله وامتحاناً.

стр. 16

ذكر بعض خبر النبي ﷺ قبل النبوة قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]. وقد عاش النبي ﵊ في الغار حتى آن أوان نزول الوحي عليه، فألهمه الله أن يذهب إلى الغار وحده، ولم يكن معه جماعة، فكان يذهب إلى الغار الذي لا يزال معروفاً، وهو غار حراء، فكان يتحنث ويتعبد فيه بالفكر، ويقول في نفسه: هذه الدنيا على عظمتها أيمكن أن تكون بلا خالق؟! أيمكن أن يكون الدين ما عليه قومي، وهم يسجدون للأحجار وللأوثان، ويصنعون من التمر صنماً ثم يجوعون فيأكلونه؟! وقد أراد مرة أن يحضر لهوهم في مكة فقال لمن كان يرعى معه: بلغنا اليوم أن هناك عرساً واجتماعاً فارع غنمي حتى أحضر العرس فذهب ليطلع على عرس للمشركين، وإذا بالله الذي يهيئه لرسالة العالم، ولإمامة الأئمة يمنعه عن ذلك، فلم يكد يصل حتى أصيب بما أصيب به أهل الكهف، فنام إلى أن أصبح الصباح ومسه حره الشمس، وإذا بالقوم قد تفرقوا، وأعاد هذا مرة ثانية، فحفظه الله وصانه، وكان ذلك إرهاصاً لما يعد له، إلى أن نزل عليه الوحي في الغار، حيث جاءه جبريل فضمه إليه ضمة شديدة كادت أضلاعه أن تتداخل منها، وكان يقول له: اقرأ، وهو يقول: ما أنا بقارئ. وقد اجتمعت برجل ماروني هو الآن أديب مشهور قد تجاوز التسعين، وقد ترك النصرانية وقارب الإسلام، وقد رأى رؤيا أولتها له بأنه قريب من الهداية، فاغتر وظن أنه نبي، وأخذ يدخل المغارات، ويصدر الكتب يعارض بها القرآن والتوراة والإنجيل، ويقول: يا بني آدم، يا ابن آدم، وهكذا تلاعب به الشيطان، حيث انتظر جبريل فلم يأته في الغار، وإذا به يأتيه الشيطان!

стр. 17

تفسير قوله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠]. الفتية: جمع قلة، ولا يقال: فتى وفتية إلا للشباب الأحداث، ولذلك قالوا: كانت أعمارهم بين الخمسة عشر والعشرين عاماً عندما أرادوا الفرار بدينهم وبتوحيدهم، واعتزال المشركين وأهل الكفر. ولذا قال علماؤنا: عندما تنتشر البدعة، وينتشر الكفر، ويعم الفساد في الأرض يجب على الإنسان أن يعتزل الناس، كما اعتزل الفتية قومه إلى الكهف. يقول تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ [الكهف:١٠]. و (إذ) هنا مصدرية زمنية أي: اذكر -يا رسولنا- وأنت تسأل عن قصة أهل الكهف، اذكر هؤلاء إذ أووا إلى الكهف، أي: اتخذوه مأوى، واتخذوه معزلاً، واتخذوه مكان اختفاء عن المشركين. قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف:١٠]. أي: من عندك يا رب، لا بما نستحقه، فنحن في الكهف غرباء، لا طعام ولا شراب، ولا حراسة ولا حماية، إلا إذا شئت أنت، فارحمنا حتى لا يفتننا هؤلاء عن ديننا، وحتى لا يقهرونا، وحتى لا يقتلونا ويعذبونا، وحتى لا نضطر فنعود إلى دينهم. قال تعالى: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠]. أعدنا لما يصلحنا، ولما يبعدنا عن المشركين والكافرين من قومنا، ولما نحتفظ فيه بتوحيدك، ونحتفظ فيه بعبادتك.

стр. 18

تفسير قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً) قال تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١]. أي: ضربنا على آذانهم فأنمناهم، والنائم لا يسمع المتكلم، وإذا كثر الضجيج عنده يستيقظ، ولكن الله تعالى أصم آذانهم، فضرب عليها النوم، فلم يسمعوا ضجيجاً. يقول تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف:١١]. أي: أنمناهم لكي لا يسمعوا، وتركناهم يستغرقون في النوم سنين عدداً، وهي ثلاثمائة وتسع سنوات، أي: ثلاثة قرون وتسع سنوات.

стр. 19

تفسير سورة الكهف [١٢ - ١٦] لقد ذكر تعالى قصة أهل الكهف مجملة في آيات من هذه السورة العظيمة، ثم عاد فذكر تفاصيل قصتهم العظيمة في دلالتها على التوحيد والبعث والنشور، حيث ذكر تعالى أنهم أووا إلى الكهف راجين من الله أن يؤتيهم رحمة ويهيئ لهم من أمرهم رشداً، وذكروا حال قومهم وما هم عليه من الشرك الذي لا سلطان لهم عليه ولا دليل.

стр. 20

تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) قال الله ﷻ : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢]. لا نزال مع قصة أهل الكهف، حيث أنامهم الله دهراً وزمناً طويلا، ليكونوا مثالاً للبعث يوم النشور، وليؤمن من يؤمن، ولتقوم الحجة على من أبى إلا الكفران والجحود. يقول الله ﷻ عن هؤلاء الفتية وقد أنامهم في الكهف سنين عدداً: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٢]. أي: ثم أيقظناهم وأقمناهم من النوم، وذلك يشعر الناس بأنهم ما ماتوا، ولا اندثروا ولا فنوا. ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢]. ومعنى ذلك أن حزبين من الناس اختلفا في هؤلاء الفتية من أهل الكهف، كم لبثوا؟ وفي أي مكان رقدوا؟ وفي أي كهف غابوا؟ والله ﷻ هو العالم سلفاً، فبعثهم الله وأيقظهم من رقادهم، لُيعلم أي هؤلاء الذين اختلفوا أحصى وأصوب، وأيهم أعلم بالواقع بمقام هؤلاء الذين أقاموا في الكهف. هذا ما أجمل الله به قصة هؤلاء الفتية في الكهف، وقال لنبيه ﵊، بعد أن أخبره بما سأله عنه قومه من اقتراح يهود المدينة: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:٩ - ١٢]. ففي هذه الآي القصار أجمل الله الكلام عنهم، ولخصه، وهو أنه قد أنامهم في الكهف، وضرب على آذانهم فلم يسمعوا كلام أحد، ولم ينفذ الكلام والضجيج إلى آذانهم فيكون ذلك سبباً لإيقاظهم.

стр. 21

تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق) ثم أخذ تعالى يفصل فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣]. فما سمعت عن هؤلاء ليس إلا كلاماً دخله الحق والباطل، سواء ما قصه اليهود وغير اليهود، ولكن الحق فيهم، وفي مدة إقامتهم وعددهم، وأين كانوا هو ما نتلوه عليك ليسمعه من رغب من قومك، ومن تبعك من المؤمنين المسلمين، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣]. فالله ﷻ يقول: سنقص عليك نبأهم، وخبرهم، فهؤلاء الفتية الذين غابوا زمناً ثم أحياهم الله، قد كان يظن أنهم ماتوا، ولم يكن كذلك، وإنما ناموا، وضرب الله على آذانهم فطال سباتهم، وطال نومهم قرونا. يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ [الكهف:١٣] أي: نبأ هؤلاء الفتية (بِالْحَقِّ)، أي: نقص الحق من شأنهم ومن أمرهم.

стр. 22

بيان معنى قوله تعالى: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ [الكهف:١٣]. أي: جمع فتى، وهو الشاب الحدث، فهؤلاء الذين غابوا في الكهف كانوا شباباً فروا بدينهم وعقيدتهم من الكفر والطغيان وعبادة الأوثان، ومن جبروت دقيانوس الوثني ملك الروم آنذاك. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]. فهؤلاء الفتية الشباب تركوا قومهم واعتزلوهم؛ لأنهم استنكروا وثنيتهم وعبادتهم للأصنام من دون الله، فهم قد آمنوا بالله الواحد القهار ﷻ ، وبأن كل ما في الكون من خلقه، فلا شريك له ولا معين، ولا ولي له من ذل، ولا شريك له في الملك ﷻ . يقول تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣]، أي: آمنوا بالله الخالق ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، أي: زدناهم هداية واطمئناناً وبصيرة وتمسكاً بالحق من غير شك ولا مين ولا تردد. فهؤلاء الفتية كانوا شباباً أحداثا مؤمنين بربهم، فروا بدينهم، فزادهم الله تثبيتاً، وزادهم بصيرة، وزادهم في توحيدهم هداية، ولم يتأثروا بشرك مشرك، ولم يهابوا طغيان طاغية، وثبتوا على ذلك، وكانوا على بصيرة من أمرهم. والربط على القلب يعني الثبات واليقين وعدم التردد والشك والميل في العقيدة.

стр. 23

تفسير قوله تعالى: (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا) قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]. قلنا في بداية القصة: إن هؤلاء الفتية كانوا أقارب للملك دقيانوس، فاجتمع كل منهم إلى غيره حتى صار عددهم ثمانية، واتخذوا معبداً يعبدون الله فيه، وينفردون عن أولئك الذين يعبدون الأوثان والأصنام والحجارة، وبلغ دقيانوس خبرهم فكاد يجن، فأرسل إليهم، فلما وقفوا بين يديه وهم شباب أحداث ربط الله على قلوبهم، ورزقهم قوة ويقيناً، ورزقهم شجاعة، فأعلنوا دينهم، وأعلنوا عقيدتهم، بل دعوا دقيانوس إلى التوحيد وعبادة الله. فقاموا بين يدي دقيانوس عندما دعاهم وأخذ يقول لهم: كيف تركتم ديني وآلهتي واتخذتم لأنفسكم إلهاً غير الإله الذي أعبد؟! فقاموا بين يديه في ثبات ويقين، وكان قد أوقفهم لينذرهم وليتوعدهم بالبطش والرجم وقطع الأيدي والأرجل، فلم يهابوه ولم يخافوه، وقالوا له وهم قائمون بين يديه، وقد كان يظن بهم الهلع والجزع والخوف: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤]. أي: ليس الإله الحق ما تعبد يا أيها الملك، فنحن نعبد خالقك وخالقنا، نعبد رب السموات والأرض، وليس هو ربنا وربك فحسب، ولكنه رب الكل، وخالق الكل، فأخذوا يدعونه إلى الله، وترك الأوثان والإشراك في عبادة الله. وقد قال لهم: اتخذتم رباً دون ربي؟! فقالوا له: لم نتخذ رباً، ولكنه الرب الموجود الأبدي الأزلي الخالد، الأول والآخر، والظاهر والباطن، الذي بيده الأمر، وبيده الخلق، وهو رب السموات ورب الأرض ورب كل شيء ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف:١٤]. فلا تنتظر ذلك منا، و (لن) لتأبيد النفي، فخذ يقيناً منا أنا لن ندعو غير الله، والدعاء العبادة، ومن هنا قال نبينا ﷺ : (الدعاء مخ العبادة). فلا يدعى إلا الله، ولا يطلب إلا الله، ولا يلجأ إلا إلى الله ﷻ . يقول تعالى عنهم: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف:١٤]. أي: لا تنتظر ذلك منا يا دقيانوس، واصنع بنا ما تريد، فلن ندعو إلهاً من دون الله خالق السموات والأرض، فإلهنا وإلهك وربنا وربك ورب السموات والأرض جميعاً هو الله تعالى، فلن نعبد غيره، ولن نعترف بسواه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]. أي: إن نحن فعلنا فدعونا غيره وعبدنا سواه؛ فقد قلنا الشطط، والشطط: الزور والباطل والبهتان، والشطط في الأصل: تجاوز الحق، وتجاوز الواقع، ويجمع كل ذلك الزور والبهتان والكذب. وإذا بالملك يزيل عنهم شعار الأسرة المالكة من لباس الذهب ونحوه، ويلبسهم ألبسة الناس العاديين، ويضرب لهم أجلاً إلى الغد، فإذا لم يفعلوا ولم يعودوا إلى دينه فإنه سيرجمهم، وسيقتلهم، وسيصلبهم في جذوع النخل، وسيقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وخصهم بالإنظار لقرابتهم منه. وكان هذا الإنظار لصالحهم، فتركوه وذهبوا ليلتهم يديرون الأمر والفكر، فما العمل؟ إن هذا الطاغية الجبار المشرك الوثني أبى إلا أن يشرك بالله، وأن يفرض شركه على غيره، فكان رأيهم الذي اتفقوا عليه أن يفروا بدينهم منه، وأن يذهبوا إلى مكان لعل الله ينقذهم، ولعل الله يبعدهم عن طغيانه وجبروته.

стр. 24

تفسير قوله تعالى: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة) ولما ذهبوا وجلسوا وأخذوا يتحدثون قالوا فيما بينهم: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف:١٥]، وليس إلهاً واحد ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥]. فأخذوا يقولون فيما بينهم، ويقولون لربهم وهم يدعونه بأن يلهمهم الرشاد في الفرار من هذا الظالم الطاغية: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا﴾ [الكهف:١٥] أي: عشيرتنا، ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ [الكهف:١٥] من دون الله الخالق ﷻ ، ﴿آلِهَةً﴾ [الكهف:١٥]، فلم يقتصروا على عبادة الله وحده، بل اتخذوا آلهة من دونه أفردوها بالعبادة، وخصصوها بالوثنية. ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥] فهذا الذي قالوه ألهم عليه سلطان وحجة ودليل وبرهان، أم افتروه؟! فمن أين أتوا بالشرك والشركاء؟! فهل لهم بذلك نبأ عن نبي، وهل لهم كتب يتدارسونها يزعمون أنها من كلام الأولين من الحكماء والمؤمنين والعارفين؟! هيهات هيهات، وإنما هو اتباع الآباء والأجداد في دين لم يشرعه الله، ولم يأمر به، وليس عليه دليل ولا سلطان ولا برهان ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]. يقول تعالى: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥] فهل يأتون على هذه الآلهة بسلطان بين؟! وجمعت بضمير العاقل على زعمهم، ولا يكون الإله إلا عاقلاً مدركاً واعياً، وإلا فهي أخشاب وجمادات وأحجار، وما كان كذلك فليس بعاقل. فليس لهم على زعمهم سلطان بين، ودليل قاطع، وبرهان واضح، ولكن ظنوا أنها آلهة بحق، وعلى هذا الاعتبار عاد الضمير إليها بجمع العاقل، وليس ذلك إلا من مفترياتهم ومن مقولاتهم التي لا دليل عليها. ففعلهم هو الهراء والسخف والجور والباطل، فلا شريك مع الله، ولا ثاني مع الله، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]. قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥]. فهم كذبة حين قالوا ما لم يكن، واخترعوا ما لا وجود له، ومن أعظم جرماً وإثماً ممن افترى على الله كذباً؟! وإذا كان الكذب على الناس يعتبر جريمة وكبيرة، ومخلاً بالمروءة والكرامة؛ فكيف إذا كان على الله؟! فهؤلاء نسبوا إلى الله شريكاً ومعيناً ومؤازراً، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم، وأقبح ما يعتقده إنسان ويخترعه.

стр. 25

تفسير قوله تعالى: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله) ثم أخذوا يتفكرون فيما بينهم، ويقول بعضهم لبعض: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦]. فما دمتم قد اعتزلتم هؤلاء، وعشتم في عزلة دونهم، وقررتم أن تتركوا جموعهم، وأن تبتعدوا عن مدينتهم وعن ملكهم وسلطانهم، وأن تعتزلوا ما يعبدون غير الله، وقررتم تركهم، وترك آلهتهم التي عبدوها من دون الله، فأووا إلى الكهف، أي: اتخذوا من الكهف مأوى ومنزلاً ومعتزلاً وخلوة، ومكاناً تبتعدون فيه عن هؤلاء وآلهتهم الكاذبة، وفجورهم وظلمهم واعتدائهم. قال تعالى: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف:١٦]. أي: يعطيكم الله ويجللكم بالرحمة، بأن يرحمكم من أعدائكم، فلا يعرفون مكانكم، ومن ثم لا يرجمونكم ولا يجبرونكم على الدخول في دينهم والعودة إلى باطلهم. فاتخذوا هذا الكهف مأوى، عسى الله أن ينشر عليكم من رحمته، فيجعل هذا الكهف الذي أنتم فيه مجللاً بالرحمة، وبالحفظ وبالصيانة حتى لا يصل إليكم عدوكم. قال تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦]. أي: يكرمكم، ويرشدكم، ويوفقكم إلى ما فيه مرفق لكم ترتفقون به، ويزول عنكم العسر، ويزول عنكم ما تتضجرون وتتبرمون به من طغيان هذا الطاغية وجبروت هذا الجبار. والمرفق: هو ما يرتفق به في الحياة من سكن هادئ، وبيئة صالحة، ولباس مريح، وطعام لذيذ، فأي شيء يرتفق به الإنسان في حياته يسمى المرفق. فهم يرجون أن يكون هذا الكهف مأوى لهم، ومرفقاً يرفق الله بهم فيه. فدخلوا الكهف، وانتظروا الرحمة من الله والرفق بحالهم وحياتهم، واستجاب الله ﷻ دعاءهم، فأكرمهم بالرحمة وبالرفق بهم.

стр. 26

تفسير سورة الكهف [١٧ - ١٩] وصف الله تعالى الكهف الذي أوى إليه الفتية المؤمنون، وبين أنه يقع موقعاً بحيث تدخله الشمس والهواء فتنفع الفتية النائمين صحياً ولا تصيبهم الشمس، ثم وصف كلبهم وتقليبهم حال نومهم وغير ذلك.

стр. 27

تفسير قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين)

стр. 28

معنى تزاور الشمس عن الكهف ذات اليمين قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:١٧]. ومعنى ذلك أنهم دخلوا الكهف بعد أن اتفقوا عليه، ثم بعد ذلك أصابهم النوم، حيث ضرب الله على آذانهم كما سبق ذكره في مجمل قصتهم، فَحُذِفَ من السياق كلام علم بما أتى بعده. يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. فالله تعالى أنامهم ففقدوا الإحساس كما يفقده النائم، وضرب على آذانهم، وللحفاظ عليهم ببقاء سلامة أبدانهم من البلى ومن الفناء صنع بهم ما ذكره تعالى، ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:١٧]. يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف:١٧]. فعند الشروق كانت الشمس إذا طلعت عليهم تزاور، أي: تميل عنهم، فلا تشرق على أجسادهم، ولا على ذواتهم، ولو أشرقت الشمس عليهم صباحاً ومساء مع الأيام والسنين والقرون لأحرقتهم، ولبدلت ألوانهم، ولكن الله كان يكرمهم بدخول الشمس بغير أذى، والمكان الذي تدخله الشمس تدخله الصحة والعافية. ومن تمام المكان الصحي أن يدخله الهواء والشمس، وليس من الضروري أن تصيبك الشمس، بل يكفي أن تدخل الشمس بشعاعها وضيائها. يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٧]. فإذا دخلت الشمس صباحاً تميل عن أجسادهم فلا تمسهم، ويكونون في فيئها وفي ظلها، وإذا هي غابت وقت الغروب تقرضهم ذات الشمال، أي: تتركهم. يقول تعالى: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف:١٧]، أي: في ساحة واسعة من الكهف، بحيث تدخل الشمس إلى الكهف، فينتفعون بضيائها وشعاعها وما جعله الله فيها مما يعود على البدن بالصحة والعافية، فهي تشرق في الصباح، فتطهر الكهف من الأنفاس التي احترقت، ومن الهواء العفن إن كان، ومما يمكن أن يحدث، فيبقى الكهف مدة رقادهم صحياً. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ [الكهف:١٧] أصل القرض: القطع، بمعنى: تمر وتتجاوز عن أجسادهم، بمعنى أن الشمس تدخل في الصباح، وتدخل في المساء فتطهر المكان مما عسى أن يكون قد وقع فيه من أنفاس محترقة، ولكن أجسامهم لا تصيبها الشمس، حتى لا تسود ألوانهم.

стр. 29

معنى قوله تعالى: (ذلك من آيات الله) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:١٧]. أي: من قدرة الله، حيث مكث هؤلاء ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، وهذا الجسم الذي هو من لحم ودم وعظم يؤثر فيه دوام الليل والنهار، وخلايا البدن التي في الجسم تعد بالملايين، فينتفع منها الحي ما دامت الحياة في بدنه، وما دامت أنفاسه تدخل وتخرج، أما إذا حدث الموت فليست هناك مسام ولا منافذ يمكن للجسد أن يستريح بها، فإن حدث ذلك فهو الموت، فهؤلاء تركهم الله أحياء، ولكنهم رقود. وكان لا بد من هذا، وذلك من آيات الله، ولم يصنعوا بأنفسهم شيئاً لأنهم رقود، ولأن الله ضرب على آذانهم فناموا، ولكنه تعالى هو الذي صنع بهم ذلك، فألهمهم الدخول في الكهف كما تمنوا، فدخلوا كهفاً تدخله الشمس صباحاً ومساء، فتنظف الكهف ولا تضر الأجساد. يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف:١٧]، أي: من قدرة الله، ومن بديع صنع الله، ببقائهم ثلاثمائة سنة ونيفاً، ولم تفن الأجساد ولم تنته ولم تنقرض.

стр. 30

معنى قوله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الكهف:١٧]. وقد هداهم الله لعبادته، وهداهم لتوحيده، وهداهم للفرار بدينهم من ظلم الظالمين وكفر الكافرين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. فمن أبى إلا الضلالة، ففسد قلبه الذي هو مناط العقيدة، فلن تجد له ولياً مرشداً. وإن يعلم الله من قلوبنا خيراً يؤتنا خيراً، وإن يعلم سوى ذلك يؤتنا على ما في قلوبنا من غش وفساد وعدم رغبة في الخير والهداية والصلاح. يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. و (لن) للتأبيد، فمن يضله الله فلن تجد له من دون الله من يرشده ومن يدله على الخير. وقوله تعالى: ﴿وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] أي: ناصراً مؤازراً هادياً. ولذلك فلا طريقة للهداية إلا طريقة الرسل، وخاتمهم محمد ﷺ ، ورضي عن الأصحاب الذين رووا لنا شريعته وسنته، وهذا الكتاب الذي أكرمنا الله به وأكرم به البشرية كلها.

стр. 31

تفسير قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود)

стр. 32

معنى قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]. يقول تعالى: لو صح لك -يا رسولنا- أن تراهم لحسبتهم أيقاظاً، ولظننت من رؤيتك لهم أنهم ليسوا براقدين ولا نائمين. قالوا: لأن أعينهم كانت مفتحة، وذلك لأن العين تحتاج إلى أن تفتح ليدخلها الهواء، ولتنتفع بشعاع الشمس وضياء القمر، فلو بقيت مغمضة طول هذا الدهر لفسدت وعميت، ولالتحم أعلاها بأسفلها، ولكن الله كما جعل الشمس تدخل كهفهم صباحاً ومساء، فتفيدهم بضيائها ولا تحرقهم بحرها ولهيبها، كذلك ضرب على آذانهم، وترك عيونهم مفتحة. وقد حكوا عن الذئب أنه في الليل كله ينام بعين ويفتح الأخرى، ويراوح بين هذه وهذه، وذلك لشدة حذره، ولشدة خوفه، وخوفه من الكلاب أكثر من خوفه من الناس، فقد يجرؤ الذئب على الناس، ولا يجرؤ على الكلب.

стр. 33

معنى قوله تعالى: (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) يقول تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٨]. وهذا من حفظ الله لأجسامهم، فلو بقوا على حالة واحدة لأكلت الأرض أبدانهم، فهم يميلون كما نفعل عادة، حيث نتقلب عشرات المرات في الليل ونحن لا نشعر، ولو قدر لإنسان ألا يتقلب يميناً وشمالا، لقام خبيث النفس معذب البدن، يكاد يشعر بأن أعضاءه ينحل بعضها عن بعض. فالله كان يقلبهم في نومهم بين اليمين والشمال ليحفظ أجسامهم، وليصونها عن الفناء في هذه المدة. فكانوا يتقلبون يميناً ثم يتقلبون شمالاً، لتأخذ أبدانهم حظها من الحركة، وتبقى دورة الدم جارية. فالإنسان عندما يظل مقيماً في مكان قد يصاب بالشلل، ولذلك كان المشي من تمام العافية، ومن تمام الصحة، والتزام الجلوس والرقاد دوماً، والتزام الوقوف على حالة من الحالات يضر بالبدن. فهؤلاء ضرب الله على آذانهم، وذلك من آيات الله، وهو أنهم يتقلبون في هذه السنوات الطوال عن اليمين وعن الشمال.

стр. 34

معنى قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) قال تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف:١٨]. فالكلب كان معهم، وعادة الكلب عندما يجلس ليستريح أن يبسط الذراعين ويقعي. قال تعالى: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨]. أي: بفناء الكهف، فكان عند باب الكهف، والوصيد هو الباب. فهذا كلب ذكر في القرآن مع أهل الكهف، وأشيد به هذه الإشادة، والكلب كلب، والجار قد يؤتى بذنب الجار، فإن كان الجار صالحاً غلب أن يكون الجار الآخر كذلك، وإن كان الجار فاسداً غلب أن يعم فساده جاره، فيتعلم أولاده من أولاده، ونساؤه من نسائه، ولذلك جاء في الحكمة: الجار قبل الدار.

стр. 35

فضل مصاحبة الصالحين وعلمنا من هنا وفهمنا أن الاتصال بالصالحين وبالعارفين، ومعاشرة أهل الفضل والخير ترفع من مكان المعاشر ولو كان كلباً. فقد خلد الكلب بذكره في القرآن، واختلفوا في اسمه، ولا حاجة إلى ذلك، ولكنه أصبح شخصية قائمة، حيث ذكره الله وتكلم عنه. وللكلب -أيضاً- ذكر في حياة النبي ﵊، فقد كان جبريل على موعد مع نبينا ﵊ في داره في المدينة المنورة، وإذا بالموعد يأتي ولا يأتي جبريل، فرآه بعد يوم أو يومين أو ثلاثة خارج البيت، فقال: يا جبريل! ما منعك أن تأتي؟ فقال: نحن -معاشر الملائكة- لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة أو جنب أو كافر، وفي بيتك كلب. فعجب النبي ﵊، من كون بيته فيه كلب لا علم له به، فدخل البيت، وإذا بجرو صغير تحت سريره، وهذا الجرو كان يلعب به حفيداه الحسن والحسين. وللكلب قوة في حاسة الشم، فكان إذا شعر بمجيء النبي ﵊ فر من بين يدي الحسن والحسين واختفى، وإذا خرج النبي ﵊ بادر هذا الجرو فخرج إلى الحسن والحسين. فالله تعالى كرم كلب أهل الكهف، فهؤلاء الفتية الصالحون العارفون بالله عندما تمسح بهم هذا الكلب، ولحقهم ودخل معهم في كهفهم أنامهم الله وأنام معهم كلبهم، وقد ورد أن هذا الكلب سيكون في الجنة مع أهل الكهف، كما ورد أن حمار عزير سيكون معه -أيضاً- في الجنة. وهذا من باب ما أخبر به النبي ﵊ ذات مرة، حيث ذكر أن الجنة درجات ومنازل، ما بين كل درجة ودرجة كما بين الأرض والسماء، ولا ترى تلك الدرجة العليا إلا كما يرى النجم البعيد، وقال: (منازل الأنبياء في الفردوس الأعلى). وإذا بأحد الأصحاب ممن إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد يغيب زمناً، ثم يحضر وعليه آثار شحوب، وآثار ألم نفساني، فقال له النبي ﵊: ما بالك يا فلان؟! فأخذ يبكي، وقال يا رسول الله! سمعتك تتحدث عن الجنة ودرجاتها، وأن أعلاها الفردوس، وهي منازل الأنبياء والمرسلين، وأنا مهما أكن -إن أكرمني الله فدخلت الجنة- فلن أكون في الفردوس، فكيف أدخل الجنة ولا أراك؟! وإذا بالنبي ﵊ يقول له: (المرء مع من أحب)، قال الصحابة: مضى زمن طويل فلم نسر ولم نفرح بشيء سمعناه من رسول الله ﵊ كفرحنا وسرورنا بهذا الحديث. وهكذا حب الصالحين، فهؤلاء العارفون بالله لحقهم راعٍ فألحوا وحرصوا على أن يبعدوه عنهم، وخافوا منه، ويأبى ألا أن يلحق بهم، وكان معه كلب، وكان هو الثامن، فوقف يحرسهم على فم الكهف كعادة الكلاب، فكرمه الله وشرفه الله، وأنزل فيه وحياً يتلى في كتابه. وقد كان أحد العلماء الصالحين جالساً مع أمير في القرن السادس أو السابع، وإذا بالعالم يقول شيئاً، ويغضب ذلك الأمير، فيشتمه ويقول له: يا كلب. فضاقت نفس العالم، فذهب إلى بيته تلك الليلة، وكتب مؤلفاً اسمه: (تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)، ولم ينم تلك الليلة، وفي الصباح أرسله إلى الأمير، ففهم الأمير أن العالم يقول له: هذا الكلب الذي شتمتني به أفضل منك، وفيه من الخصال والمزايا ما ليس فيك، لكن الأمير كان ذا فضل، وإنما أصابته نزوة من النزوات حملته على أن يقول ذلك لهذا العالم، فاعترف له، واعتذر إليه وطلب مغفرته. وقد اشتهر الكلب بالوفاء، واشتهر بالقناعة، واشتهر بحسن الحراسة، وبالصبر. فالكلب لا شك -كما قال ابن رجب - في أنه أفضل من كثير من الناس، فهو أفضل من الكفار والمشركين بما له من صفات، وأفضل من المنافقين بما له من صفات. وقد أخبر ﵊ بأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، وبأن من كان عنده في البيت كلب فإنه ينقص من أجره وثوابه كل يوم كذا وكذا، أي: حسنات. وقد أذن النبي ﵊ بكلب الرعي وبكلب الحراسة، فمن كان له أغنام لا بد لها من كلاب ترعاها وتصونها من الذئاب فله أن يتخذ كلباً. وكذلك من يسكن البراري، يحتاج إلى كلب لينبهه بنباحه، فله ذلك ولكن ليس من الضروري أن يدخله البيت، بل يكون في الفناء، ومن هنا قال تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨]. وإلا فالمكان مليء بالملائكة التي تحرسهم، ولو كان الكلب في الكهف لفرت الملائكة، ولكن الكلب بقي على الباب، فهؤلاء الفتية العارفون بالله بحثوا عن موقع للكلب، وكان الكلب معهم، فبقوا محروسين مصانين من ملائكة الله لا تصل إليهم يد، بل ولا تصل إليهم عين.

стр. 36

معنى قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً) يقول تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف:١٨] يا رسولنا وغيرك ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨] أي: لعدت ولرجعت ولأدبرت من النظر إليهم فراراً وخوفاً، فقد طالت شعورهم وأظفارهم، وكان على وجوههم حالة مهيبة مرعبة، فلا يكاد إنسان تقع عينه عليهم إلا فر، وذلك حفظ لهم. أما وهم يتحركون فإنه بمجرد النظر تهرب منهم، فتعتقد أنهم أيقاظ وليسوا براقدين. يقول تعالى: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]. أي: لفزعت منهم لأجل الحالة التي كانوا عليها، فقد ألبسهم الله المهابة، والإنسان إذا طال شعره ولم يقص أظفاره، تكون صورته مخيفة، وشكله مهيباً، كيف وقد ألبسهم الله على ذلك رداء الهيبة والرعب، حفاظاً عليهم وعلى أجسامهم.

стр. 37

تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم)

стр. 38

معنى قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]. وذلك أنهم دخلوا في الصباح فناموا، واستيقظوا عند غروب الشمس أو قبله بقليل، فظنوا أنهم ناموا من الصباح إلى المساء، ولذلك قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف:١٩]. فليس هو بعث القيامة والحساب والعقاب والجنة والنار، ولكنه بعث حياة التساؤل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف:١٩] أي: ليسأل بعضهم بعضا ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] كم أقمتم في هذا النوم ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]. فقالوا: بعض يوم لأنهم، دخلوا في الصباح، وإذا بهم صاحون قبل غروب الشمس، فظنوا أن النوم كان ما بين الإشراق والغروب. ولكنهم رأوا أظفارهم، ورأوا شعورهم قد طالت، فقالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، أي: فحالتنا لا تدل على نومنا يوماً أو بعض يوم، فالسنة يستبعدونها، والشهر يستبعدونه، فخرجوا بعدم العلم والمعرفة، فقالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، أي: فالله وحده أعلم كم أقمتم ولبثتم.

стр. 39

معنى قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) ثم قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف:١٩]. وكانوا دخلوا ومعهم بضعة دراهم، فشعروا بالجوع، فقالوا: لقد جعنا، فابعثوا واحداً منكم بورقكم. والورق: الفضة، فقد كانت العملة التي يتعاملون بها من الفضة، وهذا دليل على أنهم كانوا يتعاملون بالورق، ولا يتبادلون السلع. وفي الزمن السحيق ما كانت هناك دراهم ولا دنانير، وكان الناس يتعاملون بالمبادلة، فيعطيك الملح، وتعطيه الفلفل، ويعطيك لحم الدجاج، وتعطيه لحم الأغنام. وسلكت هذا الأمر ألمانيا أيام هتلر، فلم يكن عندها ذهب، فأرادت أن تسقط قيمته دولياً، فأبت أن تشتري شيئاً بالعملة، فكانت تقول: عندي من المواد كذا وكذا، فأعطوني كذا وكذا، وخذوا مقابله هذه المادة، وبذلك أسقطت قيمة الذهب والفضة عالمياً. قالوا: المدينة كانت طرسوس، والله أعلم بحقيقة الحال، وهناك كهف اليوم في الأردن يقال عنه: إنه كهفهم، وقيل: في أيلة، وقيل: في أرض تركيا، وهذه الأماكن متجاورة. قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩]. لقد كانوا يظنون بأن الملك الجبار الذي أراد قتلهم لا يزال حياً، وأن الدنيا هي الدنيا، وأن الحال هو الحال، فخافوا من دقيانوس ومن خدامه ومن مجتمعه الوثني، فأخذ هذا دراهم وخرج، فزاغ بصره، فكان يمشي في الشوارع كالهائم، فالمدينة ليست بالمدينة، كإنسان عاش فيما قبل عصر الطائرات والصواريخ والمخترعات، ثم بعث فأخذ ينظر إلى الأشياء فذهل، فقال: ارجعوني إلى قبري. ففر ورجع إلى قبره، وما استطاع أن يعيش مع هؤلاء البشر. فهذا خرج فوجد المدينة قد تغيرت معالمها، وقد تغيرت دورها، ولم ير أحداً في الطريق يعرفه، فأخذ يتساءل: هل أنا في طرسوس؟! ومن هؤلاء؟ وما هي هذه الأزياء؟! وما هذه الوجوه؟! ورأى شعارات الدكاكين تدل على التوحيد، وأن الناس مؤمنون، فقال: متى كان هذا؟! لقد دخلنا الكهف صباحاً، واستيقظنا مساء، فهل بين الصباح والمساء يحدث كل هذا؟! فكان يستغرب، ومن رآه يستغرب منه ويتعجب منه، إلى أن وقف أمام دكان، وأراد خبزاً، كما قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف:١٩]. أي: لينظر الحلال من الحرام، فلا يأتينا بما لا يحل، بل بشيء لذيذ طيب، وكانوا جياعاً.

стр. 40

معنى قوله تعالى: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً) قال تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩]. أي: ليكن لطيف الحديث، لطيف الكلام حتى لا يكشف عن حقيقته، وحتى لا يعرف، فيؤخذ إلى دقيانوس، فيؤذيكم فيعيدكم إلى دينه. وإذا به يذهب بهذه العملة التي مضى عليها قرون، ودقيانوس مصور فيها أو كان عليها اسمه، ومضت عليها قرون، فلم يخطر ببال صاحب الدكان إلا أنه وقع على كنز، فقال: له أين وجدت هذا الكنز؟ قال: ما وجدت كنزاً. وأي علاقة للكنز بهذه العملة. فصاح ذاك فحضر الثاني والثالث، واجتمع الناس بالمئات يسألونه: أين الكنز، فأخذ يبكي، وهو في أشد ما يكون من الهلع، ولا يعرف ماذا حدث، فقد خاف أن يقتل، وأن يجبر على الوثنية، وأن يقتل أصحابه الذين أوصوه وأكدوا عليه بقولهم: كن لطيفاً، فلا تشعر بنا أحداً. فلما انكشف أمره، اضطر فقال: أنا فلان، أليست هذه مدينة دقيانوس؟! وكانوا قد سمعوا أن فتية من الشباب وحدوا الله وهربوا من ملكهم إلى الكهف، وأنه كتبت أسماؤهم في رقيم على باب الكهف، فذهبت هذه الجموع إلى باب الكهف، وقبل أن يصلوا إلى باب الكهف، قال حاكم البلدة: لا يجوز أن يقتصر الأمر علينا، فلا بد من الرجوع إلى الملك الكبير، فاتصلوا بالملك وأخبروه بالواقع.
следующие страницы →