Полный текст (2 442 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
معنى قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً)
يقول تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف:١٨] يا رسولنا وغيرك ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨] أي: لعدت ولرجعت ولأدبرت من النظر إليهم فراراً وخوفاً، فقد طالت شعورهم وأظفارهم، وكان على وجوههم حالة مهيبة مرعبة، فلا يكاد إنسان تقع عينه عليهم إلا فر، وذلك حفظ لهم.
أما وهم يتحركون فإنه بمجرد النظر تهرب منهم، فتعتقد أنهم أيقاظ وليسوا براقدين.
يقول تعالى: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨].
أي: لفزعت منهم لأجل الحالة التي كانوا عليها، فقد ألبسهم الله المهابة، والإنسان إذا طال شعره ولم يقص أظفاره، تكون صورته مخيفة، وشكله مهيباً، كيف وقد ألبسهم الله على ذلك رداء الهيبة والرعب، حفاظاً عليهم وعلى أجسامهم.
стр. 37
تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم)
стр. 38
معنى قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا)
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩].
وذلك أنهم دخلوا في الصباح فناموا، واستيقظوا عند غروب الشمس أو قبله بقليل، فظنوا أنهم ناموا من الصباح إلى المساء، ولذلك قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف:١٩].
فليس هو بعث القيامة والحساب والعقاب والجنة والنار، ولكنه بعث حياة التساؤل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف:١٩] أي: ليسأل بعضهم بعضا ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] كم أقمتم في هذا النوم ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩].
فقالوا: بعض يوم لأنهم، دخلوا في الصباح، وإذا بهم صاحون قبل غروب الشمس، فظنوا أن النوم كان ما بين الإشراق والغروب.
ولكنهم رأوا أظفارهم، ورأوا شعورهم قد طالت، فقالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، أي: فحالتنا لا تدل على نومنا يوماً أو بعض يوم، فالسنة يستبعدونها، والشهر يستبعدونه، فخرجوا بعدم العلم والمعرفة، فقالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، أي: فالله وحده أعلم كم أقمتم ولبثتم.
стр. 39
معنى قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة)
ثم قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف:١٩].
وكانوا دخلوا ومعهم بضعة دراهم، فشعروا بالجوع، فقالوا: لقد جعنا، فابعثوا واحداً منكم بورقكم.
والورق: الفضة، فقد كانت العملة التي يتعاملون بها من الفضة، وهذا دليل على أنهم كانوا يتعاملون بالورق، ولا يتبادلون السلع.
وفي الزمن السحيق ما كانت هناك دراهم ولا دنانير، وكان الناس يتعاملون بالمبادلة، فيعطيك الملح، وتعطيه الفلفل، ويعطيك لحم الدجاج، وتعطيه لحم الأغنام.
وسلكت هذا الأمر ألمانيا أيام هتلر، فلم يكن عندها ذهب، فأرادت أن تسقط قيمته دولياً، فأبت أن تشتري شيئاً بالعملة، فكانت تقول: عندي من المواد كذا وكذا، فأعطوني كذا وكذا، وخذوا مقابله هذه المادة، وبذلك أسقطت قيمة الذهب والفضة عالمياً.
قالوا: المدينة كانت طرسوس، والله أعلم بحقيقة الحال، وهناك كهف اليوم في الأردن يقال عنه: إنه كهفهم، وقيل: في أيلة، وقيل: في أرض تركيا، وهذه الأماكن متجاورة.
قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩].
لقد كانوا يظنون بأن الملك الجبار الذي أراد قتلهم لا يزال حياً، وأن الدنيا هي الدنيا، وأن الحال هو الحال، فخافوا من دقيانوس ومن خدامه ومن مجتمعه الوثني، فأخذ هذا دراهم وخرج، فزاغ بصره، فكان يمشي في الشوارع كالهائم، فالمدينة ليست بالمدينة، كإنسان عاش فيما قبل عصر الطائرات والصواريخ والمخترعات، ثم بعث فأخذ ينظر إلى الأشياء فذهل، فقال: ارجعوني إلى قبري.
ففر ورجع إلى قبره، وما استطاع أن يعيش مع هؤلاء البشر.
فهذا خرج فوجد المدينة قد تغيرت معالمها، وقد تغيرت دورها، ولم ير أحداً في الطريق يعرفه، فأخذ يتساءل: هل أنا في طرسوس؟! ومن هؤلاء؟ وما هي هذه الأزياء؟! وما هذه الوجوه؟! ورأى شعارات الدكاكين تدل على التوحيد، وأن الناس مؤمنون، فقال: متى كان هذا؟! لقد دخلنا الكهف صباحاً، واستيقظنا مساء، فهل بين الصباح والمساء يحدث كل هذا؟! فكان يستغرب، ومن رآه يستغرب منه ويتعجب منه، إلى أن وقف أمام دكان، وأراد خبزاً، كما قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف:١٩].
أي: لينظر الحلال من الحرام، فلا يأتينا بما لا يحل، بل بشيء لذيذ طيب، وكانوا جياعاً.
стр. 40
معنى قوله تعالى: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً)
قال تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩].
أي: ليكن لطيف الحديث، لطيف الكلام حتى لا يكشف عن حقيقته، وحتى لا يعرف، فيؤخذ إلى دقيانوس، فيؤذيكم فيعيدكم إلى دينه.
وإذا به يذهب بهذه العملة التي مضى عليها قرون، ودقيانوس مصور فيها أو كان عليها اسمه، ومضت عليها قرون، فلم يخطر ببال صاحب الدكان إلا أنه وقع على كنز، فقال: له أين وجدت هذا الكنز؟ قال: ما وجدت كنزاً.
وأي علاقة للكنز بهذه العملة.
فصاح ذاك فحضر الثاني والثالث، واجتمع الناس بالمئات يسألونه: أين الكنز، فأخذ يبكي، وهو في أشد ما يكون من الهلع، ولا يعرف ماذا حدث، فقد خاف أن يقتل، وأن يجبر على الوثنية، وأن يقتل أصحابه الذين أوصوه وأكدوا عليه بقولهم: كن لطيفاً، فلا تشعر بنا أحداً.
فلما انكشف أمره، اضطر فقال: أنا فلان، أليست هذه مدينة دقيانوس؟! وكانوا قد سمعوا أن فتية من الشباب وحدوا الله وهربوا من ملكهم إلى الكهف، وأنه كتبت أسماؤهم في رقيم على باب الكهف، فذهبت هذه الجموع إلى باب الكهف، وقبل أن يصلوا إلى باب الكهف، قال حاكم البلدة: لا يجوز أن يقتصر الأمر علينا، فلا بد من الرجوع إلى الملك الكبير، فاتصلوا بالملك وأخبروه بالواقع.
стр. 41
تفسير سورة الكهف [٢٠ - ٢٢]
عندما خرج أصحاب الكهف من منامهم شعروا بالجوع فأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليطلب لهم الطعام وكانوا حذرين من أن يعلم بهم أحد، خوفاً من الرجوع إلى الشرك والوثنية، وقد ذكر الله عدتهم ونهى عن المجادلة فيها.
стр. 42
تفسير قوله تعالى: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم)
قال الله ﷻ : ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠].
لما استيقظ أصحاب الكهف من نومهم وأخذوا يتساءلون، كما قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩].
فقد ظنوا أنهم قد ناموا يوماً أو بعض يوم، وشعروا بالجوع، وكلفوا أحدهم وقد أعطوه دراهم أن ينزل للسوق ويأتيهم بما يسد جوعتهم، ويشبع حاجتهم، وأخذ كبيرهم ينصحه ويوجهه ويرشده، ويقول له: تلطف في حديثك، وإياك أن يبدر منك ما يشعرهم بك ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف:٢٠] أي: إنهم إن يطّلعوا عليكم يعرفوكم فيرجموكم.
فأصحاب الكهف لا زلوا يتحدثون عما مضى عليه ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، وهم يظنون أنهم فارقوا البلدة بالأمس، فقال هذا لمن أرسله ليأتي بالطعام والشراب: إياك أن يبدر منك ما يعرفون به حالك، وأنك من أولئك الذين تركوا الأمة على شركها ووثنيتها، وفروا بالتوحيد كافرين بأوثان دقيانوس وشعبه، فإنهم إن يطلعوا عليكم ويعرفوا حقيقتكم، يلقوا القبض عليكم، ثم يرجموكم بالحجارة حتى الموت، على عادتهم في قتل الموحدين والبطش بالمؤمنين، وإن لم يفعلوا فلعلهم يطمعون فيكم ليعيدوكم في ملتهم، أي: في كفرهم وشركهم ووثنيتهم، وإن أنتم استجبتم لهم فلن تفلحوا إذاً أبداً، إذ تصبحون ضلالاً تعودون للوثنية والشرك ويذهب عنكم الفلاح والصلاح والإيمان والتقى، فنزل هذا الشاب المؤمن وإذا به يرى كما يقول الشاعر: أما الديار فإنها كديارهم وأرى رجال الحي غير رجاله فرأى البلدة قد تغيرت واندثرت، ورأى نفسه غريباً بينهم، ولم ير أحداً في الأزقة والطرقات يعرفه لا من الصغار ولا من الكبار، بل لم يجد البنيان باقياً على شكله، فحصل له من الذهول والغرابة ما جعله يشك في نفسه، هل جن؟ هل فقد عقله؟ هل هو لا يزال نائماً أم قد استيقظ؟ وبينما هو في حركته هذه أراد أن يستعجل الأحداث فوقف عند أول دكان يبيع الخبز، فمد يده إليه وهو مضطرب ومستغرب، وإذا بصاحب الدكان عندما رأى دراهمه تعجب منها، فقد كانت من الدراهم التي مضى عليها دهر سحيق، فيها اسم دقيانوس الذي مضى على حكمه وملكه في هذه الديار قرون.
وأمسك به صاحب الدكان وقال له: من أين لك هذه الدراهم؟ هل وجدت كنزاً؟ أخبرني، فأخذ يضطرب، ولا يدري ما يقول له، وبماذا يجيبه؛ لأن كل ما في ذهنه أنه ما فارق البلدة إلا بالأمس، نام يوماً أو بعض يوم، فاجتمع الناس حوله وهكذا قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١].
يقول ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف:٢١] أي: كما أنمناهم وأدخلناهم الكهف وأيقظناهم وهم يتساءلون، كذلك أعثرنا عليهم، يقال: فلان عثر على كذا، أي: وجده من غير إعداد سابق، كأنه وجده اتفاقاً.
فقوله: (أعثرنا عليهم) أي: الله ﷻ قدر الأسباب في العثور على هؤلاء الشباب المؤمنين الموحدين الذين أقاموا في الكهف قروناً.
فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف:٢١] أي: كشفنا أمرهم، وعرفوا بما لديهم من دراهم أنه قد مضى عليها قرون، وتجمع حوله الناس، وأخذ يقص قصتهم مضطرباً.
وهكذا علم بخبره ملك البلاد، وكانت الأمة كلها قد آمنت وأصبحت على التوحيد.
فعندما بلغ الملك أمرهم، وكان قد سمع بهم في التاريخ، ذهب مع الأفواج من الخلق، وأخذهم هذا الشاب إلى الكهف ودخلوا الكهف ورأوا الرقيم: فلان ابن فلان، سنة كذا تاريخ كذا أيام دقيانوس، وإذا بالملك يحمد الله ويشكره.
وكان صالحاً موحداً، فحاول دخول الكهف فرأوا وجوهاً مرعبة ومخيفة، رأوا شعوراً قد طالت وأظافر قد طالت مع ما ألبسهم الله به من رداء الخوف والهيبة والرعب، والكلب باسط ذراعيه بالباب.
فأخذوا يتنازعون فيما بينهم، وبينما هم في هذه الحال مات أصحاب الكهف موتاً حقيقياً.
والحكمة في ذلك أن الله جعل لكل زمن ولكل نبي معجزة من المعجزات، من أجلها آمن من آمن وصدق من صدق، وكانت بمثابة أن يقول: هذه معجزتي وعلامة صدقي، فآمنوا بالله ولن أكذبكم، ولا يكذب الرائد قومه.
فكان هؤلاء ورثة للأنبياء ودعاة لله والتوحيد بحالهم قبل مقالهم.
إذاً: عندما سقطوا موتى فعلاً أخذوا يتنازعون شأنهم، بعد أن وجدوهم من غير بحث سابق ولا طلب فتأكدوا وتيقنوا، أن هؤلاء أصحاب الكهف، وأصحاب الرقيم أي: اللوحة التي فيها أسماؤهم، وقد أكدنا أن المعنى كذلك، بخلاف من زعم أن الرقيم اسم لمكان قرب أيلة، أو قرب البلقان أو قرب نينوى، فالرقيم: كتاب مرقوم، أي: مكتوب، والكتابة رقم.
قال تعالى: ﴿ليَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الكهف:٢١] أي: وعد الله بالبعث يوم القيامة، وأن الله يحيي الإنسان بعد أن يموت ويعيده إليه، وذلك لنحاسب على ما قدمت أيدينا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وجعل الله هذا في الدنيا مثالاً لما هو أكبر من ذلك في يوم القيامة الذي لا ريب فيه ولا شك.
فقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ [الكهف:٢١].
أي: ليعلم قومهم، وليعلم الناس الذين رأوهم، وعلموا حقيقتهم وأمر كتابهم المكتوب فيه أسماؤهم، والزمن المذكور فيه.
وقوله: ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١] أي: وعد الله في إرسال أنبيائه والبعث بعد الموت، ووعد الله في قيام الساعة الذي لا ريب فيه ولا شك، ولا يرتاب فيه إلا مشرك، ولا يشك فيه إلا كافر.
قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف:٢١].
في هذه الحال، والله قد أعثرهم عليهم أخذوا يتنازعون: كم عددهم؟ وهابوا أن يدخلوا إلى الداخل، إذ رأوا منهم أفراداً، وكأنهم تنقلوا من جنب إلى جنب، فأخذوا يتنازعون الكلام والقول، هذا يقول قولاً والآخر ينازعه، وعلى هذا الاعتبار فإنهم قد ماتوا، مع الهيبة التي ألبسهم الله تعالى إياها رداءً، وهي هيبة المؤمن الواثق بربه.
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف:٢١].
لما ماتوا أمامهم، ولم يأكلوا ولم يشربوا، ولم يطل بهم الزمن، وقالوا: ابنوا عليهم بناءً، أي: قبةً مثلاً أو بناء حائط، حتى نقصدهم بالزيارة.
وعندما اختلفوا فيهم وفي أسمائهم والزمن الذي كانوا فيه وفي آبائهم وأجدادهم، قال الله عنهم: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكهف:٢١] فلا حاجة للتفاصيل.
إذ إن المراد العبرة والحكمة، وأنهم قوم في دار الدنيا، ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، ولم يبلوا ولم يندثروا ولم يفنوا، ثم أحياهم الله بعد كل هذا الزمن الطويل، والرقيم هو الذي أكد لهم تاريخهم بالأسماء وتاريخ الملك الوثني الذي طاردهم.
وبينما هم في هذا العجب قالوا: لا فائدة من النزاع، ربهم أعلم بهم، أي: بعددهم وأسمائهم وأزمانهم، وبكل ما يتعلق بهم، فقالت طائفة ممن عثروا عليهم: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف:٢١] أي: اجعلوا عليهم أثر بناء لنقصدهم بالزيارة ولنترحم عليهم وندعو لهم.
قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف:٢١].
ولا شك أن الذي غلب على أمرهم هو الملك الحاكم، وكان مؤمناً، وسموه تيدوسيس، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١].
وما ذكر المسجد إلا للمؤمنين الموحدين (لنتخذن) أي: أقسموا بالله، فهذه اللام موطئة للقسم، ومؤكدة بنون التوكيد الثقيلة.
كأنهم قالوا: والله لنتخذن عليهم مسجداً، وكأنهم تنازعوا في البناء، ويظهر أنهم كان معهم وثنيون جاءوا للاستغراب والتعجب، فقال هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم وأصبح أمرهم بيدهم (لنتخذن عليهم مسجداً)، ولا يكون هذا عادة إلا للسلطان، وكان الملك حاضراً ومعه كبار من قومه ورجاله.
فقوله: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١].
أي: مكاناً للعبادة، نسجد فيه لله.
يقول عبد الله بن عباس: ذهبت في حرب في بلاد الروم وإذ بهم يذكرون كهفاً، وأن فيه بقايا من عظام، فدخل ودخل معه آخرون وقالوا له: هؤلاء هم أصحاب الكهف، وهذا هو الكهف الذي ذكره الله في القرآن.
وقال ابن عباس: وكان قد مضى من الزمن ثلاثمائة عام.
ولكن هذا يخالف ما قلناه من قبل، فالنبي ﵊ أرسل بالنسبة للتاريخ الميلادي سنة ٦٤٠م وكون ابن عباس يخبرنا عن ذلك في أواخر القرن السابع الميلادي، فمعناه: أنهم كانوا نصارى من أتباع عيسى، وبما أننا قد علمنا من قبل أن الذين دلوا كفار قريش على أن يسألوا عنهم النبي ﵊ هم يهود المدينة، واليهود لا يؤمنون بعيسى فضلاً عن اتباعه، أو أن يعطوهم هذا الاعتبار ويعترفوا بهم، وهذا مما يؤكد أنهم كانوا قبل عيسى، وكانوا من الشعوب المؤمنة السابقة.
ولم يكن الذي حكي عن ابن عباس إلا ظناً: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٨].
стр. 43
حكم بناء المساجد على قبور الموتى
ذكر الله عن هؤلاء اتخاذهم المساجد على القبور، وهذا في شريعة الإسلام لا يجوز، فقد روى الجمَّ الغفير عن نبي الله ﵊ أنه قال عند موته: (لعن الله اليهود والنصارى، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجداً، أولئكِ شرار الخلق).
يقول رواة الحديث: يحذر مما صنعوا، والحديث متواتر.
وقال ﷺ : (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب).
وقد هاجرت أم حبيبة بنت أبي سفيان هجرتها الأولى إلى أرض الحبشة، وكانت زوجة لـ عبيد الله بن جحش فارتد، نسأل الله اللطف والسلامة، فبقيت هي ثابتة على إيمانها، فخطبها ﵊ من النجاشي، وكذلك كانت هناك أم سلمة مع زوجها مهاجرة، ولما مات زوج أم سلمة تزوجها ﷺ ، فأصبحتا معاً من أمهات المؤمنين: فقالتا: يا رسول الله! عندما كنا في الحبشة رأينا كنيسة للنصارى فيها تصاوير وتماثيل وأصناماً، فقال النبي ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى كانوا إذا مات أنبياؤهم وصالحوهم بنوا عليهم مسجداً، أولئك شرار الخلق عند الله) فكان هذا من آخر قول النبي ﵊.
وهذا ليس موضع جدال عند المسلمين، فالمسجد لا يجوز أن يدفن فيه ميت، ولا أن يتخذ مقبرة، ولا يجوز أن يصلى إلى قبر أو عليه، كل كذلك قد حرمه المصطفى ﷺ وأكد تحريمه، وما ذكر هنا قد يكون جائزاً لمن قبلنا.
إذا قيل: هل ما ذكر في القرآن مما هو شريعة لمن قبلنا يعتبر شرعاً لنا أو لا؟ ف
الجواب
أجمع العلماء على أنه إذا ورد ما يخالف شرعنا فليس شرعاً لنا، واختلفوا فيما لم يخالف سنة نبي الله ﷺ أو القرآن هل يصبح شرعاً لنا؟ فالحق أنه ليس بشرع إلا ما قاله الله لنبينا ﷺ أو أخبرنا به الله ﷻ أنه شرع لنا.
وقد نص النبي ﵊ وأكد على حرمة بناء المساجد على القبور، أو إدخال القبور إلى المساجد، روي ذلك عن الجمع الغفير من الأصحاب، وأن القبر لا يقصد بالصلاة ولا يصلى إليه ولا يصلى عليه، وكل هذا ليس موضع جدال بين المسلمين.
ولم يرد في القرآن هل بنوا المسجد فعلاً أم لم يبنوه؟ إنما أخبرنا عن مقولتهم، وكونهم قالوا ذلك لا يدل على أنهم فعلوه.
стр. 44
تفسير قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم)
عندما أخذوا يتنازعون أمرهم بينهم قالوا: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢].
وهذا قد يكون قولاً لأولئك الذين تنازعوا بينهم، وقد يكون قولاً لأهل الكتاب من اليهود، الذين أشاروا على أهل مكة الذين ذهبوا إليهم بسفارة عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، أشاروا عليهم أن يسألوا النبي ﷺ عن ثلاثة أشياء، قالوا: سلوه عن قوم غابوا في الزمن الغابر، ما قصتهم؟ وأين هم؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ وسلوه عن رجل طاف مشارق الأرض ومغاربها من هو؟ وما حكايته؟ فجاء الجواب بنزول هذه السورة الكريمة، ونهى الله ﷻ النبي ﵊ والمسلمين أن يماروا فيها، فإذا قال اليهود: هم ثلاثة، أو هم أربعة، أو هم خمسة، فكل ذلك كلام منهم، فالمطلوب معرفة القصة دون تفاصيل أو تحقيق في الزمن.
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] أي: سيقول هؤلاء اليهود، ولعلهم من سبقهم كذلك، فالذين سبقوهم ربما يكونون قد دخلوا الكهف ورأوهم، فقالوا عنهم: ثلاثة والكلب الرابع، وقالوا: خمسة وسادسهم كلبهم رجماً بالغيب، أي: الذين قالوا: ثلاثة ورابعهم كلبهم والذين قالوا: خمسة وسادسهم كلبهم قالوا ذلك رجماً بالغيب، أي: قالوا ذلك رمياً لما غاب عنهم ولم يعلموه.
يقال: رجم بالغيب، أي: رمى الغائب عنه بغير علم ولا معرفة، كما يقال: رمية من غير رام.
فهؤلاء رجموا بالغيب، أي: قالوا كلاماً عن الغائب ولم يحضروه ولم يشاهدوه ولم يعلموا عنه شيئاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢].
قال هذا ربنا ﷻ ، ولم يقل: رجماً بالغيب، فدل على أن عددهم سبعة، وعلى أن الثامن الكلب.
قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢] أي: قل يا محمد في هؤلاء الذين ينازعونك في أسمائهم وأحزابهم: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢].
قال ابن عباس ﵄: هم سبعة وثامنهم كلبهم، وأنا من القليل الذين استثنى الله، فكان يقول: إني أعلم، وأن الله قد أخبر بأن القليل يعلمونهم، وأنا من القليل.
وحاول ابن إسحاق أن يقول فهماً غريباً، فقال: هم ثمانية، ويفسر الآية الكريمة: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] أنه قد قرأ من قبل: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف:١٨]، قرأها: (كالبهم باسط ذراعيه) وفسر ذلك بأنه رجل حارس، أي: الراعي الذي تبعهم، ولكن (باسط ذراعيه) ليست صفة للإنسان، والجلسة التي تكون عند الباب جلسة كلب، فهو قول شاذ لا معنى له، ولم يُرو عن صحابي، ومحمد بن إسحاق كان عالماً بالسيرة، ولم يكن عالماً بالتفسير، ولا يعارض بمثل عبد الله بن عباس فهو حبر القرآن، وقد دعا له ﷺ بالفقه والتأويل.
إذاً: هم سبعة على قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وجمهور المفسرين، وسياق القرآن وظاهره يؤكد ذلك، فقد عاب الله من قالوا: إنهم ثلاثة رابعهم كلبهم، ومن قالوا: خمسة سادسهم كلبهم فقال: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢].
أي: قالوا ذلك ورجموه وقذفوه ولم يكن لهم علم بذلك ولم يحضروه ولم يشاهدوه.
وعندما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] لم يقل: رجماً بالغيب، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢] أي: قل يا محمد! إن جادلك أهل الكتاب، وقالوا لك: هؤلاء عددهم كذا أو العدد كذا أو العدد كذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢].
وقد أخبر الله تعالى أن الذي يعلم هذا العدد هم قليل، إذاً: هناك من يعلم عين الحقيقة، والله أعلم.
فقد قال ابن عباس: وأنا من هذا القليل الذي استثنى الله.
قال تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢]، أي: عندما يجادلك أهل الكتاب، ومن يدعي المعرفة بهؤلاء لا تمار ولا تجادل إلا جدالاً ظاهراً، قل لهم: هم سبعة، والثامن الكلب، فإن عارضوا فلا تمارهم ولا تحرص على أن يعلموا ولا تجادلهم كثيراً، ولا تكن لدوداً في الخصومة، ولا تكن مماراتك لهم المماراة التي يريد صاحبها أن يعلمهم الحقيقة، فهم لا يريدون حقيقة، وقد زعموا هذه علامة على رسالتك ونبوءتك، أدركوها وعلموها ومع ذلك كذبوه ولم يؤمنوا، لا صناديد قريش آمنوا ولا علماء اليهود، فإذا أخذوا يجادلون، ويقولون: ليس هذا هو العدد، ولم يكن وقت كذا، ولم يكن كذا، فلا تجادلهم، فقوله تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف:٢٢] أي: لا تجادل فيهم إلا جدالاً سطحياً ظاهراً.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢].
وإياك أن تسألهم بعد أن نزل عليك الوحي، فلا تقل لهم: ما الذي عندكم، إذ ليس عندهم بعد هذا إلا الضلال والأكاذيب والأساطير وما ليس عليه من الله دليل ولا برهان، وهذا النهي للنبي ﵊، فكيف بنا نحن الذين نماري ونجادل؟ أما النبي ﵊ فهو معصوم على أي حال.
стр. 45
تفسير سورة الكهف [٢٣ - ٢٨]
ينهى الله رسوله ﷺ أن يقول إنه سيفعل شيئاً في المستقبل دون أن يقول إن شاء الله، ويأمره بتفويض الأمر إليه والتمسك بكتابه والركون إليه.
стр. 46
تفسير قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً)
قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
إن سبب نزول هذه الآية هو أن عقبة والنضر، وكلاهما عاشا على الكفر وأصرا عليه وعلى حرب الله ورسوله وقد مكن الله نبيه من رقبتيهما، وقتلهما صبراً في غزوة بدر، عندما جاءا مثيرين لأهل مكة، من قبل أعداء الله ورسوله اليهود؛ فقد سألوا النبي ﵊ بعد أن جعلوا له مجلساً عند الكعبة في فنائها، فقالوا له: يا محمد! إن كنت نبياً حقاً، فأخبرنا عن جماعة من الشباب غابوا في الدهر القديم، أين ذهبوا ومن هم؟ وأخبرنا عن رجل طواف بين المشرق والمغرب من هو، وما قصته؟ وأخبرنا عن الروح.
فقال لهم النبي ﵊: غداً أجيبكم، فجاء الغد وجاء بعد الغد إلى اليوم الخامس عشر ولم يأتهم بنبأ، فكثرت الأقاويل، وكثر اتهام نبي الله ﵊ بأن الله تركه، وأنه قد تخلى عنه شيطانه، وحاشا نبينا من كل ذلك ﵊.
وفي اليوم الخامس عشر جاء الوحي وجاء العتاب: لم تقول لهم غداً ولا تقول: إن شاء الله، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فالأمر بيد الله، فلو قلت: إن شاء الله وانتظرت أمر الله لكان أفضل، ولذلك دخل هذا الاستثناء والعتاب والملام في صلب السورة، فقد قص الله عليه القصة التي سئل عنها، وأنهاها بتأديبه وأن لا يعود إلى ذلك مرة ثانية.
فقال له ربه ﷻ : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
أي: قل: إن شاء الله، واجعل الأمر بيد ربك، فله الأمر وله النهي، خاصة وأنت نبي ورسول، تتحدث عن الله وبوحي الله وبأمره، على أن الخطاب كذلك عام، كما يقول علماء الأصول، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والنبي لم يقل: إن شاء الله، لأنه نسي، فقال الله له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
فكان هذا هو الأصل، وأصبحت الآية عامة لكل الناس، لأن الغد ليس لنا، إنما الغد لله، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
فإذا كان الأمر كذلك فيجب على المؤمن الموحد المخلص لله طاعةً وعبادةً، ألا يتحدث عن شيء إلا ويحيل علمه إلى الله، فضلاً عن عمله.
حكي عن سليمان أنه قال يوماً: لأطوفنَّ هذه الليلة على مائة من نسائي - وكان أنبياء بني إسرائيل يتزوجون المائة والمائتين والثلاثمائة امرأة - ليرزقني الله من كل واحدة منهن فارساً يجاهد في سبيل الله، فمضى العام، ومضت الأشهر التسعة التي تكون عادة هي مدة الحمل ولم يلد من زوجاته إلا واحدة، وولدته نصف إنسان، كما في الصحاح.
وقال النبي تعليقاً على ذلك: (لو قال سليمان: إن شاء الله، لاستجاب الله له، ولرزقه مائة فارس كلهم يجاهدوه في سبيل الله)، ولكن لم يقل: إن شاء الله.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]، يعني: اذكر ربك إذا نسيت بعد التذكر للاستثناء، أي إذا قال أحدنا: سأفعل غداً، أو سأفعل بعد غد، ونسي أن يقول إن شاء الله، فذكر بعد ساعة أو ساعتين، فبمجرد أن يتذكر يقول: إن شاء الله.
وهذا هو علاج النسيان فيما إذا لم نقل إن شاء الله، وبذلك ترفع عنا المسئولية.
فالله علم نبيه وذلك، وهو أسوتنا الأعظم ﵊، فنحن نقول: إن شاء الله في كل ما نريد عمله، فإذا أنسانا الشيطان أن نذكر اسم ربنا، فعلينا إذا ذكرنا أن نقول: إن شاء الله.
وتجري على ذلك أحكام، فمن الناس من يطلق وبعد ساعة أو أكثر يقول: إن شاء الله، فتطلق عليه زوجته، لأنه أخر الاستثناء.
وابن عباس له في ذلك رأي وحكم عجيب، يقول: الاستثناء مقبول ولو بعد عام، ولكن علماءنا يقولون: ابن عباس أعلم وأكرم من أن يقول: الطلاق يبقى معلقاً سنة؛ لأنه خلال العام كيف يتصل بها وهي مطلقة، فقد فارقت زوجها وقد تتزوج غيره، وقد انتهت عدتها.
إذاً: فـ ابن عباس يقصد الأعمال الأخرى غير الطلاق، ولكن إذا طلق ثم استثنى قريباً، فعند ابن عباس يعتبر ذلك استثناء ولا يحدث طلاق، واختلف في هذا علماؤنا ومجتهدونا، فقالوا: إن كان الاستثناء متصلاً فنعم، وإن مضت مدة فلا يعتبر الاستثناء استثناءً من الفعل.
وهذا كقوله عليه الصلاة السلام: (من نسي صلاة أو نام عنها فوقتها حين يذكرها).
فالصلاة لا تؤخر عن وقتها، فإذا نسيها إنسان وتذكر بعد يوم أو بعد سنة، فبمجرد ذكره لها يصليها بلا تأخير، قال رسول الله ﷺ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وذلك أصل من أصول الشريعة، فالإنسان لا يؤاخذ على ما فعله نسياناً، ولا على ما استكره عليه.
قال تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف:٢٤] أي: يا محمد! عندما تنسى ادعُ ربك وقل: عسى، وعسى من الله تحقيق وليست للترجي، أي: إذا ذكرت ربي بعد ذلك فإن الله تعالى سيلهمني الصواب، ويرزقني الرشد والتوفيق والهداية للحق والصواب، فإذا نسيت أن تثني بإن شاء الله، أو إذا ذكرت بعد ذلك فقلت: إن شاء الله، فقل مع هذا: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف:٢٤].
قل: عسى الله أن يرشدني لأن أقرب الصواب، ولأن أكون قريباً للصواب والرشاد، وأن أمتنع وأبتعد عن الخطأ، وعن الضلال وعما لا يليق.
هذا ما يجب على الناس أن يفعلوه، أن يقولوا بعد أن يذكروا: إن شاء الله، فيدعون الله بهذا الدعاء، كما قال علماؤنا ومفسرونا.
стр. 47
تفسير قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم)
قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥].
أخبرنا الله ﷻ لتتم القصة وليعلمها النبي ﷺ ، وليبلغها لهؤلاء الذين أرادوا امتحانه واستفزازه فقال الله لنبيه: إنهم أقاموا في الكهف ثلاثمائة عام، وازدادوا تسعاً.
وزعموا أن في الكتب السابقة: أنهم ما أقاموا إلا ثلاثمائة عام، لكن الله قال: ثلاثمائة عام وازدادوا تسعاً، فإن قيل: لِمَ قال هكذا: (وازدادوا) ألم يكن كافياً أن يقال: ثلاثمائة وتسع سنوات؟ ف
الجواب
هناك السنة القمرية، وهناك السنة الشمسية، فهي ثلاثمائة عام شمسية، وهي ثلاثمائة وتسعة أعوام قمرية.
والقرن الشمسي يزيد عن القرن القمري بثلاث سنوات في كل مائة عام، فكل مائة سنة شمسية تساوي مائة وثلاث سنين قمرية، فهي ثلاثمائة عام شمسية، وثلاثمائة عام وتسعة أعوام قمرية، ومعنى القمرية: أننا نعد أشهرها برؤية القمر، فبرؤية القمر نصوم، وبرؤية القمر نفطر، وبرؤية القمر تكون مواعيدنا، وبرؤية القمر يكفر من يكفر بصيام شهرين متتابعين، وبالشهر القمري تحد المرأة على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، ولا عبرة بالسنة الشمسية البتة.
فالإثنا عشر من الشهور التي ذكرها الله كلها قمرية، وهي من المحرم إلى ذي الحجة، فنحج بيت الله الحرام على الحساب القمري.
ومن حسنات هذه البلاد أن الشهر القمري الشرعي الإسلامي لم يبقَ قائماً إلا فيها، ففي جميع ديار الإسلام تركوا الشهر القمري الإسلامي، واعتمدوا على تاريخ لا صلة لنا به، وهو تاريخ نصراني يتعلق بعيسى، ومع احترامنا لعيسى أنه نبي الله وعبده، فإنه ليس هو عيسى الذي يؤمن به النصارى.
فإن عيسى الذي يؤمن به النصارى يزعمونه إلهاً ورباً وابن صاحبة، وهم مع ذلك يقولون: إنه ولد، ويقولون: التاريخ الميلادي حسب ولادته، وحتى هذا التاريخ فإن فرق النصارى غير متفقه عليه، فالبعض يقول: قبل ذلك بعشرة، والبعض يقول: من بعد ذلك عشرة، وغير ذلك.
فما حاجتنا إلى أن نستخدم تاريخاً لا تربطنا به شريعة ولا عقيدة ونخالف إجماع الصحابة، فقد اتفق الصحابة على أن يبتدئ التاريخ من الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، فمعاملاتنا وصيامنا وحجنا ومواعيد شريعتنا، كلها مبنية على الشهر القمري، وتركه فسق، وخروج عن أمر الله وإجماع المسلمين، فكيف بإجماع الصحابة.
قال تعالى: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥].
من المعلوم أن تمييز العدد مائة يكون مفرداً، فتقول: جاء مائة رجلٍ، واشتريت مائة جمل، ولا تقول: مائة سنين ولا ثلاثمائة سنين، ولكن الكلام تقديره، ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة.
وفهم بعض النحاة من ذلك أن تمييز العدد مائة قد يكون مفرداً وقد يكون جمعاً، ولكن هذا غير معروف، فقد فسروها بقولهم: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة، أي: من الأعداد ثلاث مائة سنة، وازدادوا تسعاً.
قوله: (ازدادوا) هل الضمير يعود للثلاثمائة؟ ولو كان كذلك يقيل: وازدادت تسعاً، ولكن الضمير لا يرجع إلى السنوات ولا إلى القرون، وإنما يرجع إلى أصحاب الكهف وهم عقلاء.
فقد أقاموا في الكهف ثلاثمائة من السنين، وازدادوا في الكهف على هذه المدة تسع سنوات أخرى.
стр. 48
تفسير قوله تعالى: (قل الله أعلم بما لبثوا)
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦].
وفي قراءة ابن مسعود وقراءته شاذة: (وقالوا لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين).
فنسب هذا القول لأولئك الذين أعثر الله عليهم، أنهم هم الذين قالوا ذلك.
وقال ابن مسعود: لم يقرهم الله عليه؛ ولذلك قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦].
وهذا ليس بصحيح؛ لأن قراءة ابن مسعود شاذة لا تصح، وليست في القراءات السبع، فالخبر بمدة إقامتهم في الكهف، ثلاثمائة وتسع سنوات خبر إلهي، ولكن قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦].
لأن يهود المدينة وأدعياء الكتاب سيناربونك، وأن المدة ليست ثلاثمائة سنة وتسعاً، وأن العدد ليس سبعه والكلب الثامن، وسيقولون ويقولون.
أي: فإن نازعوك فلا تمار في ذلك إلا مراءً ظاهراً، ثم أخبرك ربك وأعلمك فإن عارضوك: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦].
فالله أعلم بمدة لبثهم وإقامتهم، هل لبثوا مائة سنة أم ألف سنة، أم سبعمائة، فأخبر يا محمد بما أُخبرت به، فإن نازعوك فقل: الله أعلم بالعدد.
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦].
قال تعالى: هؤلاء إن جادلوك وماروك، ونازعوك، فلا تمارهم ولا تنازعهم، وقل ربي: ﴿أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦].
فالله وحده هو عالم الغيب والشهادة إذ لا يعلم غيبه أحد، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
ولا يدعي معرفة الغيب من قبل ذاته إلا دجال كذاب أشر، وغيوب الأنبياء هي بعلم الله، وبإعلام الله، من شاء أعلمه، ومن شاء لم يعلمه، وغيب الله لا يعلمه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا من شاء الله أن يعلمه.
يعلمه ببعض ما يريد.
قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف:٢٦].
تعجب للكثرة، أي: ما أسمعه، وما أكثر سمعه، وما أكثر بصره، فبعض العلماء نازعوا في هذا التعبير أن يقال على الله، والآية تدل على أنهم قالوا ما ليس بحق، والنبي يؤكد ذلك عليه الصلاة السلام فقال (لا أحد أصبر من الله)، أي: يكفر به الإنسان ويشرك به ومع ذلك يصبر، ويرفق بهم ويعطيهم عوناً وأرزاقاً، وهكذا هنا.
فالمعنى: ما أصبره وما أسمعه، فالله ﷻ يعلمنا أن نقول: هو وحده الذي انفرد بأن يسمع كل شيء ويبصر كل شيء، وأن يعلم كل شيء.
هو عالم الغيب والشهادة لا يشاركه أحد في علمه ولا في غيبه ولا في شهوده ﷻ وعلا مقامه.
قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الكهف:٢٦] أي: ليس لأحد من الخلق من دون الله ولي ولا ناصر ولا معزز، ولا ما يعطيهم إذا هم جاعوا وذلوا وتضرعوا.
قال تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦].
لله الأمر والنهي، لا حكم إلا لله وحده، ولا يشرك الله في حكمه ولا في أمره ولا في إرادته أحد من خلقه، وكل ما زعم المشركون والكافرون إن هي إلا أسماء سموها، مالهم بها من علم ولا لآبائهم، ولا دليل عليها، ولا سلطان لها.
فالله لم يشرك معه أحداً لا في الخلق، ولا في الأمر، ولا في النهي، ولا في العطاء ولا في المنع، وكل هذا تأكيد لتوحيد الله وعبادته وإفراده بالعبودية وبالألوهية والربوبية ﷻ .
стр. 49
تفسير قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك)
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧].
يخاطب الله أشرف عبيده، وكأنه يقول له: دع عنك اليهود والمشركين وأعداء الله، واقرأ ما أوحى الله إليك من كتاب، واعتنِ بهذا القرآن تالياً وقارئاً وحاكماً، وآمراً وناهياً، أحل حلاله وحرم حرامه، صدق بقصصه واعمل بموجبه، ولا تدعه أبداً، فهو الحق: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢].
فاقرأ كتاب ربك لتكون معانيه وحقائقه لازمة لك، استحضرها دوماً واعلم أن ما أخبرك به هذا الكتاب هو الحق، وما أثبته فهو الحق، وما لم يقله فهو الباطل، وما لم يزكه فهو الباطل.
فإياك أن تأخذ الحقائق عن أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا وتلاعبوا، وزادوا في دين الله ما ليس فيه، ونقصوا منه ما فيه.
وقد كان أحب شيء لرسول الله تلاوة القرآن، فقد كان ﵊ يتلو القرآن في كل أحواله، يصلي بالمسلمين بالقرآن، ويتهجد به في أول الليل ثم ينام، ثم يتلو ثم ينام ثم يقوم في الثلث الأخير من الليل، نافلةً له.
فكان التهجد في حق المسلمين سنة مستحبه، وفي حق رسول الله ﷺ واجباً عينياً.
فكان وهو يتهجد يتلو القرآن، فيتذكر معانيه، ولا ينساها ﵊، بل كان يزداد لها ذكراً وعملاً، وتعليماً ونشراً لدين الله.
ومن هنا كان يقول ﵊ (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأدها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع).
أما القرآن فقد رواه أطباق المسلمين، عصراً بعد عصر، وجيلاً بعد جيل من الصدور والسطور، وبذلك لم يتغير فيه كلمة ولا حركة ولا آية.
وكذلك كانت السنة في الدرجة الثانية، إذ سمع عن رسول الله ﷺ الرواة والحفاظ من الصحابة والتابعين، بضبط الكلمة، وبشرح معناها، وتأكيد لفظها، ولذلك كان يقول: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها)، أي: حفظها أولاً: (فأدها كما سمعها)، حتى إذا سمع ولم يفهم، فسيأتي من يفهمها، (فرب مبلغ أوعى من سامع).
قال تعالى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧].
هذا الكتاب الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كلماته لم تغير ولم يتلاعب بها كما حدث في التوراة والإنجيل، وذاك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فقد مضى على القرآن أربعة عشر قرناً من التاريخ ولم يعتره التحريف، وهذا أصدق دليل وأكبر معجزة، ومن هنا كان القرآن الكريم هو المعجزة المستمرة الدائمة في صدق رسول الله عليه أزكى الصلوات وأفضل التسليم.
فقوله: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧].
أي: لا مبدل لها لفظاً، ولا مبدل لها معنىً، مهما تلاعب المبتدعة من الفرق الضالة في تحريف معنى القرآن والتلاعب به، فإنه سيبقى من أكرمهم الله بعلمه، ومعرفته، فمع بيان رسول الله له، ومع السنة المطهرة المفسرة الشارحة، بقي القرآن بمعانيه وبألفاظه، لم يغير ولم يبدل.
ومهما حاول أن يبدل المبدلون في المعاني، سيبقى ذلك الكلام مضروباً به وجوههم، دالاً على بدعتهم، بل دالاً أحياناً على كفرهم.
قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧].
أصل الإلحاد: الميل، فقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، أي: من دون الله ومن دون كتابه، والكل بمعنى، و (لن) لنفي التأبيد، أي: لن تجد مرجعاً ولن تجد من تحيد إليه وتستغيث به، إلا الله ﷻ ، وكتابه هو الذي يدلكم على ما أحل وعلى ما حرم، وعلى أنباء السابقين لرسل الله وأنبيائه المقربين.
فلا ملجأ منه إلا إليه ﷻ ، وكتابه هو الحاكم وهو المعلم، وهو الهادي المرشد، أنزله الله لنا، ليكون رفيقاً في المكتب والمدرسة، وحاكماً في المحكمة، ومؤدباً في الشارع، وموجهاً للأسرة، والحاكم بيننا وبين الأحباب، وبيننا وبين الأعداء.
فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الجد ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، وما حكم به إمام إلا وهداه الله.
стр. 50
تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم)
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
هذه آية عباد الله المساكين الفقراء العابدين الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفقدوا، الذين يشغلون صباحهم ومساءهم بذكر الله؛ مصلين وصائمين وتالين ومسبحين ومنزهين ومعظمين.
وأمر الله نبيه ﵊ أن يصبر نفسه معهم إذا جالسهم وآكلهم وعاشرهم، فيتحملهم ولا يتبرم بهم، فقد مر النبي ﵊ يوماً بالمسجد على جماعة من ضعفاء الصحابة بعضهم ليس عليه إلا ثوب واحد، وبعضهم ثائر الشعر، فجلس بينهم وقال: أنتم الذين قال الله لي عنكم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨].
أي: يذكرون في الصبح، ويذكرون الله تعالى في العشية والمساء.
والذكر كلمة عامة، وأفضل الذكر لا إله إلا الله، قال رسول الله ﷺ (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله).
وذكر الله يكون بالتهليل والتسبيح والتعظيم، والإجلال والإكبار.
стр. 51
تفسير سورة الكهف [٢٨ - ٣١]
يحث الله عبده محمداً ﷺ على أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وينهاه أن يعرض عنهم، ثم يذكر الله جزاء الكافرين ويهددهم ويتوعدهم بما أعد لهم من نار تحيط بهم وتحصرهم، ويبشر المؤمنين الذين عملوا الصالحات بما أعد لهم في الجنة من نعيم.
стр. 52
تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي)
قال الله ﷻ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
يعلم ربنا ﷻ نبيه عليه صلوات الله وسلامه، ويوجهه لكي يصبر نفسه، ويتحمل أتباعه من المؤمنين القاصرين أنفسهم على ذكر الله وعبادته والدعوة إليه، وهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة، وذلك أمر للمؤمنين جميعاً، وهذا أمر للنبي ﵊ لكونه أسوة للمسلمين.
وسبب نزول هذه الآية أن فئة من كفار مكة قالوا لرسول الله ﷺ : يجلس مجلسك ويحضر معك أمثال بلال بن رباح وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وأبي الدرداء، وهؤلاء مساكين الصحابة، وهم يلبسون ألبسة صوفية فعندما يشتد الحر تخرج منهم روائح العرق، فيتعالى الأغنياء والمترفون الجبابرة عن أن يجالسوا ضعاف ومساكين المؤمنين، وقالوا لنبي الله ﵊: خصنا بمجلس معك وأبعد هؤلاء واطردهم، فأمره الله بألا يفعل فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] أي: تحمل هؤلاء المساكين ومسكنتهم وروائحهم، وجالسهم واصبر معهم وادع دعاءهم واعبد عبادتهم.
وكان هؤلاء يجلسون مكانهم في الغداة بعد صلاة الصبح يدعون ربهم ويتضرعون إليه ويسبحونه ويحمدونه ويكبرونه ويهللونه إلى شروق الشمس، ويفعلون مثل ذلك بعد صلاة العصر داعين ضارعين ذاكرين حامدين شاكرين مهللين ومعظمين ومنزهين إلى غروب الشمس.
وكذلك كان أهل الصفة الذين تجاوزت أعدادهم السبعين لا عمل لهم إلا العبادة والدعاء والذكر، والله ذكر هنا الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة، والدعاء كما قال نبينا ﵊: (الدعاء مخ العبادة).
واصبر نفسك يا محمد! وتحمل هؤلاء وهم يدعون ربهم، ويتضرعون إليه، وقد كان بعض هؤلاء لا يلبس إلا لباساً واحداً، وبعضهم يكون اللباس عليه أياماً، وبعضهم كان ثائر أشعث الشعر مسكنة وضعفاً وحاجة، ومع ذلك كان الواحد منهم يزن مئات من الأغنياء والمترفين والغافلين عن ذكر الله، فقد قلنا بالأمس بأن النبي ﵊ كما روى الإمام أحمد وجد جماعة من أتباعه بعضهم ثائر الشعر، وبعضهم ليس عليه إلا ثوب واحد، وهم يذكرون الله غدوة، وهم يذكرون الله مساءً وعشية، فجلس معهم، وقال: (أنتم الذين أمرني ربي بأن أصبِّر نفسي معكم).
والمترفون من صناديد مكة عندما طلبوا من الرسول ﵊ بأن يخصهم بمجلس ويطرد عنه هؤلاء المساكين والضعاف، نهاه ربه أن يستجيب لهم، وإن كان لم يفعل ﵊، فهو لم يفردهم بمجلس ولم يجلس مختصاً بهم دون مساكين الصحابة وكل ما كان قد حدث يوماً بين ما هو مع أمثال هؤلاء جاءه عبد الله بن أم مكتوم وأخذ يسأله وكان أعمى لم ير من هم الجالسون فأعرض عنه ﵊ وعن جوابه، رجاء أن يؤمن به أولئك، وبإيمانهم قد يؤمن أتباعهم، وقد تؤمن الأكثرية من مكة، ولكن الله ﷻ لم يقبل منه ذلك، وعاتبه عليه، وقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣].
فعاتبه الله ولامه، وبعد ذلك كان النبي ﵊ إذا جاءه ابن أم مكتوم يقول: (أهلاً بمن عاتبني فيه ربي)، وكان يقبل عليه بوجهه الشريف ﵊، بل أكثر من ذلك كان إذا خرج من المدينة المنورة إلى غزوة كان يتركه أميراً للمدينة ونائباً عنه في حكم المدينة، والفصل بين الناس.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف:٢٨] أي: يعبدون ربهم، ويضرعون إليه، ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، أي: يفعلون ذلك في الغداة وهي الصباح، ويفعلون ذلك مساءً وعشية، فيذكرون ربهم داعين ضارعين، يصلون الصبح، ويبقون في مجالسهم إلى شروق الشمس، ويصلون العصر، ويبقون في مجالسهم إلى غروب الشمس، داعين لله ضارعين، شاكرين له على أنعمه بأن هداهم إلى الإسلام ووفقهم لدعائه وعبادته وحده، وترك الأصنام والأنصاب والأزلام والأوثان كما كان يصنع أقوامهم.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، وهم بذلك لا يقصدون من دعائهم ومن عبادتهم إلا وجه الله والدار الآخرة، ولا يريدون إلا ثواب الله، لا يريدون جزاء أو مكافأة دنيوية ولا جزاءً ولا شكوراً من أحد، ولا يريدون دنيا ولا مجاملة، ولا مراءاة، ولا شيء مما يفعله غير المخلص وغير العامر قلبه بالله وبعبادة الله وذكره.
﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨]، أي: لا تتجاوز بعينيك عنهم، ولا تتطاول بالنظر إلى غيرهم من الأغنياء والمترفين، وترى أن أولئك أولى بالمجالسة، وأولى بالمحادثة، وأولى بالمذاكرة، بل جالس هؤلاء العابدون، هؤلاء الأخيار الصالحون، المنكسرة قلوبهم لله، الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، عباد الله المخلصون في العبادة له، ولا تتجاوز عيناك عنهم، لا تنظر إلى غيرهم، ولا تهتم بالمترفين وبالمعجبين وبالتائهين، دع أولئك لدنياهم، واصبر نفسك مع هؤلاء العابدين المخلصين لله.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨]، أي: ولا تطع أولئك الذين طلبوا منك اختصاصهم بهذه المجالس وإبعاد العابدين المخلصين في دعائهم وفي عبادتهم لله وحده.
أما أولئك المترفون الذين غفل قلبهم عن ذكر الله، وعن عباد الله الصالحين فلا تطعهم وأعرض عنهم، ولا تجالسهم، ولا تخصهم بالجلوس، وإياك أن تبعد هؤلاء وتطردهم لأجل أولئك.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]، غفل قلبه فأغفلناه، ونسي ربه فنسيناه، لو يعلم الله في قلوبكم خيراً لآتاكم خيراً، ولأكرمكم، وفي الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله.
فهؤلاء عندما فسدت قلوبهم وغطى عليها الران، وما تركوا نبيهم ﵊ والرسالة التي أنزل إليه، لم يتركوها عن جهل ولا عن عدم معرفة، ولكنهم أعرضوا عنها تكبراً وتعاظماً واستهزاءً، فدعهم واتركهم، فقد فعلوا بأنفسهم ما الله ﷻ ودعهم إليها وتركهم.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]، أي: عن توحيد الله، وعن عبادة الله.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨]، أي: اتبع نزواته وكفره وشهواته، واتبع ما يظنه خيراً له في دنياه، وهو لا يؤمن بالبعث ولا بالنشور ولا بالآخرة، فكان إلهه هواه، فصد عن سبيل الله، وأغفله الله وتركه.
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، أي: كان أمره فارطاً ضائعاً ضالاً تائهاً من الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، كان أمره ضياعاً وضلالاً وفساداً، هؤلاء الذين يزعمون أنهم على شيء وليسوا على شيء، ممن جعلوا العبادة لغير الله، وممن جعلوا مع الله شريكاً، وممن اتبعوا شهواتهم ونزواتهم، وممن دعوا غير الله وأشركوا مع الله غيره، فهؤلاء كما أُمر النبي ﵊ بذلك وهو الأسوة والمعلم، وهو الذي جاء بالرسالة عن ربه ليبلغها لعباده.
وهو أمر لكل مؤمن ومسلم بأن يصبر نفسه مع المساكين من الصالحين والأتقياء، الذين يذكرون الله صباحاً ومساءً، وألّا يكبر في عينه المترفون والأغنياء والضائعون والمبتدعون والتابعون لأهوائهم وشهواتهم، والبعيدون عن الله في مجالسهم، وفي خلواتهم، هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وما هم على شيء، فقد ذهبت أيامهم ضياعاً وضلالاً، فلا تهتم بهم، ولا يهتم بهم مسلم، ولا يجعلهم المؤمن جلساء له، فإنهم يبعدون المسلم عن ربه، وينسونه ذكر ربه.
أما أولئك الذين إذا رأيتهم ذكروك بالله، والذين تتنزل الرحمات عند ذكرهم فجالسهم وعاشرهم، وهذه الآية الكريمة تحض المؤمن على عشرة الصالحين، والبعد عن المنافقين المبتدعين الضالين، وعلى ألا يكبر في عينه إلا الصالح التقي المستمسك بسنة نبيه وما كان عليه السلف الصالح، واترك ما عدا ذلك ممن اتبع هواه، وجعل دين الله شيعاً وأحزاباً، واتبع كل ناعق.
ومن هنا كان يعلمنا ﵊ في الدعوات، ويقول لنا: (اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك)، فحب الصالحين مطلوب ومشروع أيضاً.
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة فحب الصالح يفيدك وينفعك، وعسى يوماً أن تنالك بركته، فتصبح من الصالحين كذلك.
وقديماً قيل في الحكمة: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت.
أما أولئك التابعون لكل ناعق، المسترسلون مع كل فاشق، التاركون لنبيهم وسنتهم، التابعون لضلالات اليهود والنصارى والمنافقين والمبتدعة، فقد نهى الله عن عشرتهم، ونهانا عن مجالستهم، ونهانا عن أن نعترف بهم وبما عندهم من فساد وضلال وهوى.
стр. 53
تفسير قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
стр. 54
معنى قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم)
قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩] يقول ﷻ لنبينا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف:٢٩]، لست إلا بشيراً ونذيراً ومبلغاً من الله، والحق الذي أدعوكم إليه وأحضكم عليه، وأبعثكم له صباحاً ومساءً، فلست أنا الذي جئت به، وليس من قبلي، ولكن الحق من الله ربكم خالقكم، هو الذي أرسلني بهذا الحق ليزهق به باطلكم وباطل كل كافر، وباطل كل داعية للكفر والفساد والضلال، فما أدعوكم إليه هو من أمر الله.
أنا لست إلا رسولاً مبشراً، ولست إلا نذيراً ومبلغاً، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢].
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف:٢٩]، فالحق الذي أدعوكم إليه هو عبادة الله وحده، وترك الشركاء والأوثان والأصنام من أي نوع، فضلاً عن الأحجار والأشجار والجمادات.
стр. 55
معنى قوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].
وهذا تهديد ووعيد شديد، يقول الله ﷻ لعباده بواسطة نبيه ﵊: بعد أن ظهر لكم الحق، وجاءكم به خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، بعد ظهور الحق ومعرفته بأدلته العقلية والمنطقية، فبعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فمن آمن فله الهدى والرحمة والرضا وله الجنة دائمة، ومن كفر وأشرك وعصى ربه وخالف نبيه فهو أدرى بنفسه، فليس له إلا الخزي والدمار والغضب والسعير الدائم، فطريق الجنة واضح، وطريق النار واضح، وهذه طريق الإسلام، قد بينها الله ﷻ وشرحها، وأنزل بها كتاباً، وأرسل بها رسولاً يبينه ويوضحه، ليس فيه اعوجاج، قال ﵊: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يظل عنها إلا هالك).
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، ثم قال: من كفر فهذا جزاؤه، ومن آمن فهذا جزاؤه، فقال عن الكافرين: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: أعتدنا ناراً سعيراً محرقة، كلما نضجت جلود المعذبين فيها أعيدت ليزدادوا عذاباًَ، ويزدادوا هلاكاً ودماراً.
стр. 56
معنى قوله تعالى: (إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها)
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ [الكهف:٢٩]، والظالمون هنا بمعنى الكفار، وأظلم الظلم الكفر، يقال: ظلم نفسه فأشرك بربه، وأزال الحق عن أهله، فالله الخالق الواحد، فعندما يقول المشرك: إن لله شريكاً أو ولداً أو صاحبة، يكون قد ظلم وأزال الحق عن أهله، ولو كان ذلك في مخيلته وأوهامه، فيكون ظالماً لنفسه؛ لأنه أبعدها عن الحق وساقها للعذاب وسعى في هلاك نفسه ودمارها، وأي إنسان أكثر حمقاً ممن يظلم نفسه، ويسيء إليها، ويقع في عذابها ودمارها؟! ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: أعد الله للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها، والسرادقات هي الحواجز التي تكون وراء الخيام، لكي لا يدخل ولا يخرج منها، ومعنى ذلك أن هذه النار محاطة بجدران، بين كل جدار وجدار قالوا: سبع جدران، والجدار سمكه ما يمشى فيه أربعين عاماً، بحيث لا يستطيع أحد أن يخرج منها مهما صاح ومهما ولول ومهما استغاث وبكى وتألم، وسيقال له: ألم تأتك الرسل؟ ألم تنزل على رسلك كتب دعتك لله الواحد، وأنت لا تزال في فسحة من عمرك؟ إنك لم تنتهز حياتك قبل موتك، ولا صحتك قبل مرضك، ولا شبابك قبل شيخوختك، وقد أرسل الله لك نبياً يأمرك وينهاك، ويدلك على الله، وأبيت إلا العناد والكفران والجحود، فهذا جزاء من ينكر ربه، ويشرك به، ومن يكذب نبيه ولا يؤمن به.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] أي: أحاط بالظالمين الكافرين، ومعنى حوطهم أي: حصرهم وحبسهم، فلا منجى ولا منفذ، فحبسوا في هذه النار، وصعدت جدرانها، وسمكت وتكررت وازدادت، بحيث لا يتصور أن يفر عنها فار، وهو خالد فيها سرمداً تحت العذاب والآلام، لا يكاد ينضج منه بدن، إلا ويعوض بدناً آخر وهكذا دواليك، أبد الآبدين ودهر الداهرين.
стр. 57
معنى قوله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩].
عندما لم يجد أهل النار مخرجاً ولا منفذاً ولا مهرباً، أخذوا يستغيثون أي: يطلبون الغوث، صاحوا في الملائكة: أغيثونا؛ فقد اشتد عطشهم، واشتدت آلامهم، واشتد جوعهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، أعاذنا الله منها، وأبعدنا عنها، وثبتنا على عبادته وتوحيده، والموت على دينه.
فالحبس محيط بهم من كل جانب فاستغاثوا وطلبوا الغوث والرحمة، وقد أصابهم العطش، ((وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ))، طلبوا الماء، فاحترقت منهم الأجواف، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، والمهل هو الصديد والدم والقيح، وهو سائل ثقيل كعكر الزيت.
أراد ابن مسعود أن يمثل هذا المهل، فجاء بذهب ووضعه تحت النار إلى أن ذاب وأخذ يقطره، وهو ينزل ثقيلاً قطرة قطرة، قال: هكذا المهل، ماء ثقيل يشربون ولا يغيثهم، بل إذا دخل أجوافهم، مزق أمعاءهم، وزادها حرقة، وآلاماً ووجعاً، وهو ماء ثقيل من ماء الصديد، من الدم، من القيح، من كل أنواع من البلاء، مضاف إلى أنه كالنار بل أشد، فهو نار، فيشربونه بهذه الحالة، فيشوي الوجوه لمجرد قربه إلى الوجه، يشوي ويزيل فروة الوجه، نسأل الله اللطف والسلامة، فكيف به إذا دخلت جوفه ودخلت أمعاءه.
стр. 58
معنى قوله تعالى: (بئس الشراب وساءت مرتفقاً)
وقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].
يا ما أبأس شراباً كهذا، يا ما أقبحه، يا بؤس وذل وهوان من يشربه ويضطر إليه! وهو طالبه لنفسه، محاطٌ بسرادق، يغلق عليه النار ويحبسه فيها، ثم يستغيث فلا يغاث، وإن أغيث أغيث بهذا الماء، الذي هو خلاصة الدماء، وخلاصة القيح والصديد، قيل: ذلك القيح والصديد الذي ينزل من فروج الزواني والفاجرات.
﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: ساءت النار مرتفقاً يرتفق بها، ومنزلاً يؤوي إليه، ومكاناً يحتاج له ولا مفر، فهي المأوى إلى الأبد، وهي مكان مرفقهم، وهي مكان مجتمعهم، وهي دارهم الخالدة المؤبدة، التي لا مفر لهم عنها.
هذا للظالمين المشركين، أما الذين دخلوا تأديباً لعصيانهم، فهؤلاء مهما دخلوا وقعدوا فيها، فإنهم لن يخلدوا فيها ولن يبقى في النار أحد يقول: لا إله إلا الله، ولن يخلد في النار أحد يعلم أنه لا إله إلا الله، والله ﷻ يأذن بالشفاعة العظمى لنبيه محمد ﷺ ، ويأذن لغيره من الأنبياء والصالحين والعلماء والملائكة بالشفاعة، ومع ذلك فالمذهب الحق ثبوت كل الشفاعات، فقد يشفع للمسلم ويعفى عنه ولا يدخل النار ألبتة، ومن أولئك سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وهناك من يدخل ويشفع فيه ويخرج، وهناك من يدخل ويطول مقامه ثم يخرج ويدخل الجنة، ويقال لهم: الجهنميون، فتبقى على جباههم وعلى وجوههم آثار سوداء من شدة الحريق والآلام، ولكنهم بعد دخول الجنة وطول المقام بها، يستغيثون ربهم أن يرفع عنهم هذه العلامة، فهم قد تألموا من أن يقال لهم الجهنميون، فيستجيب الله لهم ويزيلها عنهم، ويصبحون كغيرهم ممن سبقوا إلى الجنان.
فهذه صفة المشركين الظالمين عندما تهددهم الله وأوعدهم، وعندما قال لنبيه فليقل لهم: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، إلا أنه من كفر فهذا جزاؤه.
стр. 59
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً)
أما من آمن فقد قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠].
أي: إن الذين آمنوا بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوة، ثم أتبع الإيمان بعمل الصالحات، فالإيمان عقد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وهذه الجوارح بها نصلي، وبها نصوم، وبها نزكي، وبها نحج، وهذه هي الصالحات.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف:٣٠] أي: آمنوا بالله قولاً وجناناً، ويعملون بمقتضى الإيمان، فيصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان، ويؤدون زكاة مالهم، ويحجون بيت الله الحرام مرة في العمر، ويتركون السيئة البتة، ويعملون من الصالحات ما في قدرتهم، والضابط في ذلك كما قال ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، أي: ما في قدرتكم وطاقتكم، فأمرنا بالصلاة قياماً، وإن عجزنا صلينا قعوداً، وأمرنا أن يكون الوضوء بالماء، وإن عجزنا عن الماء أو فقدناه ننتقل للتيمم بالصعيد الطاهر، وهكذا ما عجزنا عنه ننتقل لما شرع لنا عند الأعذار.
أما السيئات كالزنا والشح والربا والسرقة والاشتغال بأعراض الناس، والغيبة والنميمة، وما إلى ذلك مما أمرنا بتركه فيجب أن نتركه البتة.
وقوله: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] هذه جملة معترضة، أما جواب (إِنَّ الَّذِينَ) فهي الآية التالية: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١]، وتقدير الكلام: أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار إنها لا نضيع أجر من أحسن عملاً، بمعنى: أنه مع هذا المقام لا نضيع أجر من أحسن العمل، وإحسان العمل إخلاصه، فتكون عبادتك لله، لا تريد بها لا رياء ولا تسميعاً، ولا تريد بها أحداً من الناس البتة.
وأما من جعل عملاً من أعماله يريد به زيداً من الناس فذلك الشرك الخفي، وعبادته يضرب بها على وجهه، ولا بد أن تكون العبادة خالصة لله، قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، فلا بد أن يكون الدين خالصاً لله، لا تشرك معه فيه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا غيرهما.
стр. 60
تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار)
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١]، أي: لهم جنات وليست جنة واحدة.
يحكى أن هارون الرشيد كان في بعض لياليه التي كان يسرف فيها على نفسه، فنازعته إحدى جواريه فقالت له: أأنت خليفة المسلمين؟ والله! لن تدخل الجنة، فقال لها: لي جنتان، وسأدخل الجنتين وأقسم لها بالطلاق، فبعد أن قال هذا إذا به أخذ يفكر ما الذي صنع، وكيف يحلف على غيب لا يعلمه إلا الله، وكان الوقت في منتصف الليل، فأرسل خلف أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فجاء منزعجاً لأن هذه الأوقات لا يدعى فيها إلا من يراد تأديبه، فدخل عليه، فقال: أفتني يا أبا يوسف: الجارية الفلانية قالت لي: لن ترى الجنة، أأنت الذي تزعم أنك خليفة المسلمين؟ فأقسمت لها بالطلاق إني سأدخل الجنتين، فقال له: إني سائلك يا أمير المسلمين! قال: اسأل، قال: وتحلف لي بالله، فتردد هارون، قال: إما أن تفعل وإما أن لا جواب عندي، فقال: أقسم، قال: هل تخاف الله؟ قال: نعم، قال: احلف، قال: والله إني لأخاف الله، فقال: أبشر، فالله تعالى يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، فسُرَّ هارون.
والكلام أولاً كان مزاحاً فأصبح جداً.
والمؤمن يرجو الله في كل الأوقات، وإن كان لا بد أن يكون بين الخوف والرجاء، فتارة يخاف العذاب والعقوبة، وتارة يطمع في الرحمة.
قوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الكهف:٣١] والعدن أي: الإقامة الدائمة الخالدة، أي: جنة الإقامة الدائمة، وليست جنة واحدة، فالمؤمن يستحق الجنان، فيتنقل في منازل الجنة وفي درجاتها، فينزل لما هو أدنى ولا يصعد لما هو أعلى، ولكن المحب المتعلق قد يصعده حبه، كما قال النبي ﵊: (المرء مع من أحب)، والفردوس منزلة الأنبياء والمرسلين، وهي أعلى درجات الجنان.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١]، فأنهار الجنة تجري يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، إلى ما يتصور الإنسان من لذائذ ومتع تتمتع بها العين، وتستمتع بها الأذن والبشرة، وكما قال النبي ﵊: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وهي كما قال الله ﷻ : ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١].
قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣١].
يقول ﷻ : المنعمون من أهل الجنة، وهم الذين آمنوا بالله رباً وبنبيه محمد عبداً ورسولاً لهم الجنان، يمتعون بما فيها من حواسهم، فهم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١]، أي: يلبسون فيها الأساور التي حرمت في الدنيا فإنها تحل لهم في الآخرة.
والذهب حرام على ذكور الأمة المحمدية، حلال لإناثها، وفي الآخرة يلبسونها، ويلبسون ثياباً من سندس خضر، وقديماً قالوا عن الخضرة ما قالوا، وبأن النظر إلى المياه المتدفقة وإلى الخضرة اليانعة، وإلى مايسر العين تزيد في صحة البصر، وتزيد من قوة النفس، وألبسة أهل الجنة الخضرة من سندس وإستبرق، والسندس رقاق الألبسة، وما يلبس عادة قمصاناً وما إليه من الألبسة الداخلية، فهي الألبسة الشفافة، وهي من حرير منسوج بالذهب واللؤلؤ وما إلى ذلك مما لا يخدش ولا يؤذي البدن.
أما الإستبرق فهي الأثواب الخارجية من الحرير ذي الذهب وذي الفضة، وذي اللآلئ على أشكال وألوان.
يقول ابن عباس ﵁: كل ما ورد في الجنة من نعيم مأكول أو ملبوس أو مشروب أو منظور ليس من الدنيا فيه إلا الأسماء، وأما الذي في الآخرة فالله أعلم بشكله.
مع اليقين أن المتعة في الجنة تكون بالأجسام والأرواح، ومن أنكر ذلك فهو كافر حلال الدم، أي أن من قال: إن البعث لا يكون إلا بالأرواح، والتمتع لا يكون إلا بالأرواح، والعذاب لا يكون إلا على الأرواح، فلا يقول ذلك إلا أهل الكفر من أهل الكتابين، ويقول ذلك بعض المبتدعة ممن ضل وأضل وارتد.
فالبعث يكون بالأجسام وبالأرواح، والمتعة كذلك، لكن عندما نرى النبي ﵊ يقول لنا: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت)، فلو أردنا أن نقيس ما في الجنة من نعيم على ما في الدنيا، لوجدنا أن الله قد ذكر الموز ونحن رأينا الموز في الدنيا، والنبي ﵊ يقول: (فيها ما لا عين رأت)، وفيها الحور العين مع أشباههن، فنحن رأينا النساء في الأرض، ورأينا الجمال في ذروته، ومع ذلك يقول لنا نبي الله ﵊: (فيها ما لم تر عينك، ولا سمعت أذنك، ولا خطر على قلب بشر).
لكن الله ﷻ يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، إذاً كما قال ابن عباس: كل ما ذكر من نعيم في الآخرة من نساء، ومن طعام، ومن شراب ليس فيه ما يشبه الدنيا إلا بالأسماء، أما غير ذلك فالله أعلم بحقيقته، وهذا يؤكده القول النبوي الصحيح في الصحاح: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت)، ومعناه أن كل ما سنرى في الجنة بفضل الله وكرمه ورحمته لم تره أعيننا في الدنيا، ولم تسمعه آذاننا في الدنيا، ولم تتخيله ولم تتصوره خواطرنا وخيالاتنا.
﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١]، الأرائك جمع أريكة، وهي المقاعد المرتفعة ذات الصوف والقطن والحرير.
قال تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ [الكهف:٣١] أي: هذا اللباس الأخضر، وهذا الدمقس الحرير، والسندس، وهذا الديباج على أشكال، هو نعم الثواب.
والإستبرق في الدنيا له أسماء، فيكون السندس ثياباً حريرية شفافة تلبس قمصاناً وأثواباً داخلية، ويكون الإستبرق ثياباً حريرية ديباجية غليظة، ويكون ألبسة خارجية، ومعنى ذلك أن الألبسة الداخلية والخارجية في الجنة هي من أعلى أنواع ما يتمتع به الإنسان مما لا يخطر ببالك في الدنيا.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١] أي: يجلسون في قصورهم، وفي جنانهم على الأرائك وهي: الفرش الواسعة المرتفعة التي يتمتع بها الإنسان في دنياه، فمهما غلت، ومهما أترفت، ومهما تكن، فما في الدنيا مما في الآخرة إلا ما يشبهه بالأسماء.
قالوا: والأريكة هي سرير تحت الحجلة، كما يسمى اليوم الناموسية، فهي أسرة وعليها أغطية تغطي الإنسان.
стр. 61
تفسير سورة الكهف [٣٢ - ٣٨]
ضرب الله مثلاً للمؤمن الشاكر لنعمة الله والكافر الجاحد لها برجلين من بني إسرائيل كان لأحدهما جنتين فكفر بنعمة الله وأنكر البعث، والآخر لم يكن له شيء من ذلك لكنه كان مؤمناً يشكر الله على ذلك.
стр. 62
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب)
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف:٣٢].
أي: اضرب يا محمد مثلاً رجلين أحدهما صالح والآخر طالح، فضرب المثل برجلين صديقين، وقيل: أخوين من بني إسرائيل، وقد ورثا عن أبيهما ثمانية آلاف دينار ذهبية، فأخذ كل واحد منهما نصفها أربعة آلاف، فاشترى الأول بالألف دينار بستاناً، ففصله وجعله بستانين، كما وصفه الله بقوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ [الكهف:٣٢]، فالجنتان اللتان جعلهما الله لهذا الرجل زرع فيهما نخيلاً في جميع جوانبهما، (وحففناهما) يكون في الجوانب، وكان ذلك بنخل، فزرعهما كروماً وأعناباً، وحفهما بالنخيل من جميع أطرافهما وجوانبهما، وجعل بين الجنتين زرعاً من قمح أو شعير أو ما إلى ذلك من أنواع الزروع، وشق فيها نهراً فزاد البستان والجنة جمالاً وبهاء وكمالاً.
وهاتان الجنتان (آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً)، أي: آتت أرزاقها بالكامل، وثمراتها وزرعها، وما فيها من زرع وأعناب ونخيل، (ولم تظلم منه شيئاً) أي: لم تنقص منه شيئاً.
وأخذ الرجل الثاني ألفاً، وقال: اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بهذه الألف، وتصدق بها على المحتاجين والأقارب والمساكين، وإذا بالأول يصرف على البستان ألف دينار أخرى، فيأتي الثاني يقول يا رب: هذه الألف الثانية أثث بها هذه الدار عندك في الجنة من أنواع الآرائك والبسط.
وتزوج الأول بالألف الثالثة، فجاء أخوه الآخر وقال: يا رب! هذه الألف الثالثة زوجني بها إحدى نساء الجنة، وذهب بالألف الثالثة يتصدق بها.
وأخذ الأول الألف الرابعة والباقية معه فاشترى لزوجته حلياً وفرشاً وأثاثاً ومراكب وخدماً وحشماً وما إلى ذلك، فقال الآخر: اللهم وهذه الألف الرابعة: أثث لي بها زوجتي في الجنة، وصرف الأربعة الآلاف ولم يبق له شيء، فمضى زمن وأترف الأول، فقد أخذ بستانه يزداد ثمرات وخيرات وزروعاً وتمراً وعنباً، والمياه تتدفق في جميع جوانبه، وإذا بالآخر يضطر يوماً إلى أن يحتاج لأخيه، فذهب إليه، فقال: ما بالك؟ قال: يا أخي أنا أحتاج بعض مالك، قال: وأين مالك الذي ورثته من أبيك، قال: تصدقت به لله رجاء ثواب الله في الآخرة، فقال: أأنت تؤمن بالآخرة؟ قال: نعم.
قال: والله! لا أعطيك شيئاً وأنت تؤمن بهذا الهراء الذي لم يأت به أحد ولم يقله أحد.
فذكر الله محاورة هذين الأخوين بعد أن استغنى الأول وبعد أن ازداد إيمان الثاني، فرعاه وحماه ربه، وما أعد له في الآخرة أعظم وأعلى شأناً.
فقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ [الكهف:٣٢]، لسان الذي أعطي زرعاً وجنتين لسان الفاجر الذي تمتع في الدنيا في أول أيامه، ثم أبى إلا الشرك والكفور، أبى إلا الإعجاب بنفسه، وأنه ما أغناه الله إلا لمزيد مكانته ومقامه عند ربه، وهو لم يشكر الله على ذلك، بل إنه لم يزدد به إلا شركاً وكفراً وعناداً، وأما الآخر حتى لو لم يغنه الله فهو مؤمن ومتمسك بربه، ولن يعبد غيره.
وهذا المترف الغني في الدنيا والذي لم يؤمن بالله، ولم يعمل بما يعمل به المؤمنون مثله كمثل صاحب الجنتين، ملك دهراً ثم أزال الله كل ما عنده، ومثل المؤمن الصابر في الدنيا الذي افتقر إلى الله وآثر ما عند الله في الآخرة على ما أعطاه في الدنيا رجاء رحمته ورضاه، ورجاء الجنة وهو لم يكن فقيراً في الدنيا، ولكن رغبته وخوفه، واعتماده على الله يوم القيامة جعله يعرض عن دنياه ونعيمها إلى الآخرة ونعيمها.
قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) أي: مثالاً لهم بين الكافر والمؤمن.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف:٣٢] قالوا: أخوان أو قالوا: صاحبان، والآية ليس فيها تصريح بأنهما أخوان؛ لأن كل واحد منهما يقول للآخر صاحبي، ولم يرد ذلك عن رسول الله ﷺ بالتأكيد، لكنها روايات وردت عن الصحابة والتابعين، وقد تكون صحيحة وقد تكون عن إسرائيليين، والحكمة ليس في كونهما أخوين، ولكن في كون أحدهما آثر الدنيا والآخر آثر الآخرة.
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف:٣٢] هاتان الجنتان زرعهما بالأعناب، والأعناب جمع عنب، أي: أنها جمع الجمع، والمفرد: عنبة.
﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ [الكهف:٣٢]، وحف الجنتين من جميع جوانبها، فالحفاف هو: الجانب، حفها بالنخيل، فزين بها الجنتين، واستفاد واستثمر أيضاً من التمر الناتج عن النخيل.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف:٣٢]، أي: جعل بين النخيل، وبين الجنتين وما فيهما زرع من القمح أو الشعير أو غيرهما.
قال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف:٣٣]، أي: هاتان الجنتان آتت أكلها أي: أثمرت وأينعت وأخصبت فقد عني بها سقياً وزرعاً، تنقية لفضول الخضرة والحشيش فـ ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣] أي: لم تنقص من هذه الثمرات شيئاً، فأعطت ذلك بالكامل، أي: أغنت صاحبها، وجعلته مترفاً معجباً.
﴿وفجرنا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف:٣٣]، وقرئت: ﴿َفَجَّرْنَا﴾ [الكهف:٣٣] أي: شققنا في الأرض نهراً، وفجره من الأرض، فقد حفر على آباره، وعلى عيونه وكانت المياه قريبة من السطح، فأصبح جارياً يسقي به الجنتين.
стр. 63
تفسير قوله تعالى: (وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره)
قال تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف:٣٤] وقرئ: (ثُمر).
أي: كان لهذا البستان باعتباره جميعه، أو صاحب البستان كان له ثمر.
وثمر: جمع ثمرة، أي: هذه الجنتان أعطت من ثمارها خيراتها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣] أي: لم تنقص، فقد أعطت ذلك بالكامل وقرئ (ثُمر) والثُمر معناه: الأموال بأشكالها، أي: وكان له أموال غير هذا البستان من الخيل والحمير والجمال وأنواع المواشي، والدواب، وأنواع التجارة، وكان له أموال ينميها فهو غني بالبستان وغني بأشياء أخرى، والمؤدى في الكل: أنه كان غنياً، نمى أمواله وساعده الحظ، فلو شكر الله على ذلك لأنعم عليه وزاده، ولكن العبرة بالخواتم فقد كانت خاتمته سيئة، فجاءه أخوه أو صاحبه يطلب رفده وحاجته، فقال له: أين ذهبت بالآلاف التي ورثتها؟! وإذا بهذا الرجل الصالح يعطيه درساً في الكفر والشرك، في الكبرياء والجبروت والتعالي على الله وعلى أخيه ورحمه، أو على صاحبه المؤمن.
﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:٣٤]، فلم يقل الله: قال لأخيه، وإن كان لا يلزم قيل أخوه وقيل: مجرد صاحب، والأغلب أنه مجرد صاحب.
﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، أخذ يتيه عليه بماله بعد أن جاء يطلب رفده فقال: أنا أكثر منك مالاً، عندي من المواشي، ومن الزراعة، ومن الذهب، ومن الفضة، ومن ومن (وأعن نفراً)، أي: أكثر زوجات وأولاداً، وأكثر خدماً وحشماً، فالعادة في المترفين والأغنياء أنه كلما ازداد المال زادت الزوجات، وكلما ازدادت الزوجات زاد الأولاد، وكلما ازداد الأولاد زاد الخدم والحشم والمراكب وما يتبع ذلك، فأخذ يتيه عليه مدلاً بماله وعزته بين قومه، يقول له: لست فريداً وأبتر، ولست غريباً.
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [الكهف:٣٥]، أي: أخذه معه فدخل جنته وأدخل صاحبه، ليدل عليه بهذه الجنة التي وصفها الله أنها آتت أكلها ولم تنقص منه شيئاً، وكان من جمالها أن مياه الأنهار تتدفق وتجري خلالها، وكان من جمالها أنها حفت بالنخيل، فهي في منتهى ما يكون من الجمال.
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف:٣٥] لكونه مشركاً ظلم نفسه بالشرك، وسيصرح بالشرك لصاحبه، ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦]، فإذا بهذا المشرك الظالم لنفسه، أخذه من التيه والعجب ومن النكران لما أغناه الله به، وأكرمه به، فعوضاً عن أن يشكر ربه ونعمته أخذ يتكبر على صاحبه ويدل عليه بجنته، ثم يقول له: ما أظن أن تبيد هذه أبداً، أي أنها لن تفنى، ولن تنتهي فقد جملتها وزرعتها وحرثتها وشققت أرضها أنهاراً ومياهاً.
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦]، أي: ولا أظن الساعة ستأتي، ولذلك لا مسئولية عما صنعت، إن أعطيت فمن كرمي، وإن منعت فمن حقي، ولذلك أنا محظوظ في دنياي، وليس هناك بعث ولا نشور ولا آخرة كما يقول: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [الكهف:٣٦]، وهذا يدل على أنه جرى بينهما حديث في التوحيد، وأن الآخر عندما طلبه أن يتصدق عليه أو يحسن إليه أو يسلفه، قال: أين مالك الذي ورثته معي؟ قال: جعلته لله لأجده عنده يوم القيامة.
والآخر يعتقد أنه لا قيامة ولا بعث، وأعلن الشرك بالله، وأعلن التيه بما يملك، ثم زاد فقال له: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [الكهف:٣٦]، أي: لئن كان هناك آخرة، ولئن كان بعث ونشور كما تزعم، ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، فهو يزعم غروراً وجنوناً وكفراً وإصراراً وبلاءً من الله له أنه لا آخرة ولا بعث، ويقول لصاحبه مجادلاً: وعلى فرض أن هناك بعثاً فأنا محظوظ عند ربي في الدنيا، فكما أعطاني في الدنيا فإنه سيعطيني يوم القيامة أحسن منها.
стр. 64
تفسير قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب)
وإذا بالآخر يجيب: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:٣٧] والمحاورة هي: المحادثة والمذاكرة وتبادل القول والكلام، ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٧] يا هذا! ما الذي دهاك وما الذي أصابك؟! أبعد أن أكرمك الله بالعافية وبهاتين الجنتين تكفر به وتقول: لا بعث ولا نشور، وتزداد تألهاً على الله وافتراءً عليه، كيف هذا، أكفرت بالله وهو الذي خلقك في الأصل من تراب؟! فقد خلق أباك الأول وجذرك الأول من تراب، ومنه خلق أبونا الأول آدم ﵇، ثم بعد ذلك سلسلك من نطفة من ماء مهين، أتتعاظم بهذا الماء المهين؟! أتتكبر على ربك وعلى خلقه وعلى عباده؟! أتشرك بالله وتكفر به؟! قال له صاحبه وهو يحاوره: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ [الكهف:٣٧] وهو الله ﷻ ، ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٧] أصل آدم فهو مخلوق من تراب ثم من نطفة، ثم بعد التراب توالدنا أباً وأماً من نطفة من الأصلاب إلى الأرحام.
﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٧] أي: جعل لك جوارح: النظر، والكلام، والسمع، والبصر، وجعلك سوياً ولم يشوهك، ولم يعم منك البصر، ولم يصم منك الأذن، ولم يجعلك تمشي زحفاً، ولم يقعد حواسك، ولم يمرضك، أهذا جزاء النعمة؟! أهذا جزاء الله منك؟! لقد خلقك وأكرمك وسواك بشراً سوياً، وجعلك جميل التقاطيع والخلقة، ورزقك من خيراته، ومن أمواله، ومع ذلك تأبى إلا الشرك والكفر، وأنه لا بعث ولا نشور! ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٨]، (لكنا) بمعنى: لكن أنا، ودمجت في كلمة لالتقاء الساكنين فأصبح يُنطق بها كما رسمت في المصحف، وتأويل الكلام: لكن أنا الله هو ربي، فإن كان ربك الشيطان فأنا ربي الله، وإن كنت تنكر البعث فأنا أومن بالبعث وبما قاله الله وأتى به الأنبياء، هكذا تقدير الكلام.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف:٣٨] أي: أعترف بأنه خلقني من تراب، ثم من نطفة، ثم سواني رجلاً، ثم سيبعثني يوم القيامة ويجازيني على يقيني وعلى إيماني بما يجازي به المؤمنين.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٨] أي: معاذ الله أن أفعل فعلك، أو أصنع صنيعك، أو أن أشرك بربي أحداً من الخلق، فالله الخالق، والله الرازق، والله الباعث، وكل ما تقوله إفك وضلال، وهذا هو كلام الظالمين لأنفسهم، والمشركين بربهم.
стр. 65
تفسير سورة الكهف [٣٩ - ٤٥]
يعظ المؤمن صاحبه الكافر فيأمره أن يشكر نعمة الله ولا يكفرها، ويحذره من عواقب الكفر والطغيان، فإن الله قادر على أن يذهب بجنتيه فيحرقهما ويجعل ماءهما غوراً، وحينئذ لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
стр. 66
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف:٣٩ - ٤١].
ذكرنا في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]، أن الخطاب لنبينا ﵊ في ألا يتجاوز بنظره وعينيه وبمجالسته وعنايته ورعايته فقراء المسلمين وصعاليك المؤمنين، وأن يصبر معهم، وعلى فقرهم، وعلى بعض لأوائهم، وعلى بعض خشونتهم، فهم الذين يصبحون ويمسون ذاكرين ربهم ﷻ ، داعين له، ضارعين بين يديه، يسألونه الرحمة والمغفرة والتوبة.
وقوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]، هي مقولة للنبي ﷺ ، وفي الوقت نفسه هي تأديب وتعليم وتوجيه للمؤمنين، والنبي ﷺ معصوم من الذنوب والآثام صغيرها وكبيرها وليس له رغبة في الدنيا وزينتها، وهذا كقوله تعالى لنبينا ﵊: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، والنبي ﷺ لا يشرك، وهو معصوم، وقد أتى لتعليم الناس توحيدهم ودينهم والرسالة التي أوحي له بها، ومن هنا نعلم باستمرار أن ما كان كذلك فهو خطاب للنبي ﷺ ؛ لأنه المبلغ ﵊ عن ربه، والمؤدب والمعلم والموجه، فيكون المكلف المخاطب أولاً، وعليه البلاغ لغيره.
قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] أي: لئن أشركت أيها المؤمن! ليحبطن عملك، ولست بمعصوم ولا محفوظ من الذنوب والآثام، فلا تتخذ من الدنيا زينة، ولا تتكبر وتتعاظم على عباد الله.
وهكذا في الآية التي مضت في سورة الإسراء في أنه لو تقوّل أو تزيّد لعاقبه الله، كما قال الله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]، فهذا خطاب له، وهو أمر للمسلمين ألا يفعلوا ذلك حتى لا يصيبهم ذلك وأمثاله.
قال صاحبنا المسلم لصاحبه الكافر الذي كفر بربه عندما دخل جنته: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦] إلى أن قال ما قال.
فأجابه صاحبه المسلم كما قال الله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٧ - ٣٨].
فهذا الصاحب المؤمن جادل صاحبه الكافر المشرك المنكر للبعث والمنكر أن تبيد جنته ودنياه أو أن تكون هناك حياة ثانية دائمة وهو متعاظم على صاحبه المسلم بماله وبأولاده وبما عنده فصبر عنه صاحبه الصالح المؤمن إلى أن انتهى من قوله الكفري الشركي ومن جنونه وهرائه، ثم كرر عليه وهو يحاوره ويحادثه ويبادله القول والحديث، فقال له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٧]، لقد كنت كافراً بقولك: إنه لا بعث ولا فناء ولا حشر ولا عرض، فكفرت بربك الذي خلقك من تراب، إذ كلنا من آدم، وآدم من تراب، ثم أنت من نطفة، أي: من ماء مهين، ومن أب وأم، وصلب ورحم، ومع ذلك تشرك بربك، وتتعالى عليه، وتنكر الرسالات، والبعث! أيليق هذا بإنسان خلق من تراب ثم من نطفة من ماء مهين؟! ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٨] أي: لكن أنا، فحذفت الهمزة وأدمجت النون السابقة باللاحقة، فصارت الكتابة والنطق: لكنا، وتفسير القول: لكن هو الله ربي أنا، أما أنا فلا أشرك بالله، فهو خالقي من تراب، ومن نطفة، وهو سيعيدني مرة ثانية، ويبعثني كما يبعث كل الخلق، فأنا أومن بهذا وأعترف وأقر به، وأفرد ربي بالوحدانية وبالعبادة وبالدعاء، وأستعيذ بربي أن أصنع صنيعك.
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٣٩] أي: هلا، فهو يعظه ويرشده ويعلمه الإيمان ويوجهه إليه، شأن المؤمن بربه الداعية إلى الله، وهكذا وظيفة المسلم حيث كان في بقاع الأرض، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وهكذا هذا الصاحب المؤمن عندما رأى هذا الكافر القذر الوسخ، الذي ما كاد يملك شبراً من أرض وقطرة من ماء حتى تعاظم على الفقراء والمساكين والمؤمنين، وكفر وأشرك بربه، وأنكر البعث.
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، أي: هلا قلت إذ رأيت جنتك وأعجبت بها وبأشجارها وبخضرتها وبمياهها الدافقة، وإذ رأيت أولادك وأعجبت بهم وبكثرتهم وبمن يحيط بك من أولاد وخدم وحشم؛ هلا قلت عند ذلك: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
فلم تكن جنتك بقدرتك ولا بإرادتك، ولكنها كانت بمشيئة الله وقدرته، فأنت لا تملك مع ربك قليلاً ولا كثيراً، بل أنت خلق من خلقه كجنتك وولدك ومالك وما أعجبت به، فهلا عندما أعجبت بما أعجبت به قلت: ((ما شاء الله)) أي: الأمر والشأن قد شاءه الله وأراده، ((لا قوة إلا بالله)) أي: لا قوة لي ولا لأحد من الخلق إلا بالله، فبقوة الله زرعت بستاني وفجرت مياهه، وبقوة الله رزقني ما أتزوج به، وهو الذي أتى بالذرية والأولاد والخدم والحشم، فكل ما أنا فيه بمشيئته وبقدرته وبإرادته.
وكان الواجب عليك إذ كان الأمر كذلك أن تشكر ربك وتثني عليه وتنزهه وتعظمه وتجله، لا أن تتكبر على ربك، وعلى نبيك، وتنكر البعث والتوحيد والمشيئة والقدرة، فهلا خفت يا هذا المخلوق! وقد نظرت إلي نظرة التحقير والإزدراء، وأخذت تتعالى علي وتقول: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، فإن رأيتني كذلك أقل منك مالاً وولداً.
و (أنا) ضمير فصل هنا لا يعمل فيها الإعراب، ولا تعمل فيها الحركة، و (أقل) هي مفعول منصوب بالفعل، (ترني)، و (أنا) إنما جاءت فاصلة لتأتي بالقول وبالكلام، وليست هي من الضمائر المرفوعة ولا الرافعة لغيرها، ويكون المعنى: إن أنت رأيتني أقل منك مالاً، وأقل منك نفراً، ومالك أكثر من مالي، وأولادك أكثر من أولادي، ونفرك المحيطون بك من الخدم ومن الحشم ومن الجنود الذين تعتز بهم، إن كنت كذلك ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف:٣٩ - ٤٠] أي: لعل الله أني يكرمني ويعطيني ويتفضل علي بجنة خير من جنتك، أوسع منها أرضاً، وأكثر منها أنهاراً، وأعلى منها أشجاراً، وأكثر منها ثمراً وفاكهة وكل ما يعود علي بالمال والغنى والثروة.
((فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ)) ويرسل على جنتك ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف:٤٠] أي: صاعقة وناراً من السماء؛ إذ أعطاك وأكرمك ورزقك، فلم تشكر النعمة، ولم توحد الرزاق، ولم تحمده وتشكر له ما أعطاك وأنعم به عليك.
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف:٤٠]، ناراً محرقة تأتي على الأخضر منها واليابس، فتغير مياهها، وتجفف أشجارها، وتضيع ثمارها، فإن من يكفر النعمة جدير بأن يسلبها وبأن تزال عنه.
والحسبان الصاعقة والنار والأحجار التي تأتي عليها وكأنها لم تكن.
﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف:٤٠] أي: فتتبدل من الجنة ذات الأشجار الباسقات والأزهار المنيرات والمياه المتدفقة إلى أرض ملساء لا تنبت، وليس عليها شجرة ولا ورقة خضراء ولا قطرة ماء، كما قال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف:٤٠]، أي: أرضاً ملساء لا تنبت، قاحلة لا شجر فيها ولا خضرة ولا ما يعجب البتة.
زلقاً: أي: رمالاً، إذا أنت وقفت عليها تزلق رجلك؛ لأنها أصبحت سبخة صاعدة بارزة، وكأنها الصحاري والأرض ذات الرمال التي لا تكاد تحمل رجل الرجل حتى يزلق ويقع، وقد تدخل رجله في الأرض فلا يستطيع المضي ولا الذهاب ولا الإياب.
قال تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ [الكهف:٤١].
(غور) مصدر بمعنى فاعل، أي: أو يصبح ماؤها غائراً، أي: ضائعاً قد غار في الأرض بعيداً عن سطحها وعن فورانها وعن أن ينفع جنتك وأشجارها وزراعتها وثمارها.
﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف:٤١] فيصبح غائراً ضائعاً في أعماق الأرض، فلن تستطيع له طلباً مرة أخرى، لا بحفر ولا بسعي ولا ببذل، فإذا كفرت بربك ولم تشكر نعمته أخذ نعمته عليك وسلبك إياها.
وقال سلفنا الصالح في قول هذا الصاحب المسلم: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]: ينبغي للمسلم إذا رأى ما يعجبه من أهله أو أولاده أو ماله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
فهو حري أن تدوم تلك النعمة وألا تصيبها آفة إلى الموت.
وقد ورد هذا نصاً عن رسول الله ﵊، فقد روي عن أ
стр. 67
تفسير قوله تعالى: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه)
قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٢].
صدق ما قاله المسلم لصاحبه الكافر عندما تعالى بماله، وظن أن ذلك قد أوتيه بحظ عنده، وبمقدرة انفرد بها، فوبخه وأنذره بأنه يوشك أن تزول عنه هذه النعمة، وترى البلاد والأرض والجمال والبستان وكأنه لم يكن يوماً من الأيام؛ بما يصيبه من قوارع وصواعق من السماء تحرقه، وبما يضيع من مائه فيغور في الأرض فلن تستطيع له طلباً.
وما كاد يقول له ذلك، وينام بعد ذلك ليلة أو ليلتين إلا وأصبح يجد بستانه على ما توقعه له صاحبه المسلم، فأصبح في البلاء وسلب هذه النعمة.
قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف:٤٢] أحيط: من الإحاطة، أي ذهب بستانه وجنته وما فيها من ثمار، فقد ذهبت جميعها وكأنها لم تكن يوماً، وأصبحت صعيداً زلقاً بلقعاً لا تنبت ولا تؤتي ثمرة ولا زهرة ولا خضرة ولا قطرة ماء، وكان ذلك بسبب كفره وشركه وعدم اعترافه لله بنعمته، فسلب هذه النعمة، قال تعالى: (وأحيط بثمره) أي: ذهب جميع ثمار أرضه وعمله وجميع أتعابه، فأصبح خاوي الوفاض، ساقط العروش والسقف والمنازل.
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف:٤٢].
قوله: (أصبح)، يدل على أن هذا حصل له بالليل، فما كاد يصبح ويأتي بستانه ليتعهده ويتنعم فيه على عادته حتى وجد هذا المنظر، فكاد يغمى عليه ويجن، وشك هل هذه هي أرضه وبستانه أو لا؟ وعندما رأى الحدود والجيرة والمكان الذي فيه بستانه تأكد أن هذا الذي حدث فيه هذا البلاء والصواعق المحرقة والمياه الغائرة هو بستانه وجنته وما فيها من ثمر، فأصبح يضرب على كفيه ندماً وأسفاً، وهكذا شأن من بلي ببلاء، فأخذ يندم ويتأسف ويتوجع، وقد مضى الوقت والزمن، وهيهات فالوقت سيف إن لم تقطعه قطعك.
فندم على ما كان منه من كفر ومن شرك ومن إنكار للبعث، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وما بذلت كفاه من مصروف ومن أموال، فقد بلغت من الكثرة أن استغرق جميع ماله في هذا البستان.
وحال كونه يتندم ويتأسف ويتوجع كان هذا البستان خاوياً على عروشه، فارغاً خالياً ساقطاً عاليه على سافله؛ من الصواعق التي نزلت وهدت ما فيه من بناء، وأصبح السقف أرضاً وصعيداً زلقاً، وأصبحت المياه غائرة لا يقدر منها على شربة، فذهب كل عمله، وأصبح نادماً آسفاً على كفره وشركه وما مضى منه، ولكن هيهات، فقد سبق السيف العذل! قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٢]، فقال هذا بعد فوات الأوان، وبعد أن جرى عليه ما جرى وأحيط بثمرة، فعندما ندم وتوجع وقلب يديه بعضها على بعض أصبح يتندم ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٢]، يندم في نفسه بتقليب يديه، ويندم بلسانه ويتمنى بأنه لم يشرك بربه أحداً.
وهل آمن بعد ذلك وهو في الحياة، لم يذكر لنا الله هل آمن أو لم يؤمن، ولكنه ندم على كونه أشرك وكفر لما كانت هذه النتيجة، فقد ذهبت جناته وما فيهما من ثمار وأشجار وأنهر دافقة، فيمكن أن يكون قد آمن وندم على شركه، ولكن القرآن لم يبين ذلك، وكذلك نبينا ﵊ لم يبين ذلك؛ لأن العبرة في ضرب مثل بما جرى وبمن كان موحداً أيام بني إسرائيل، فضرب ذلك مثلاً في أغنياء الكفار وفقراء المؤمنين، وأن هؤلاء الأغنياء لا يتعاظمون على فقراء المؤمنين والمسلمين، بما لديهم من أولاد وأموال، فقد سبق أن كان مثل هذا لـ قارون، وإذا بالأرض تخسف به وهو في زينته وفي أمواله.
وكذلك ما ذكره الله تعالى عن هذين الرجلين الصاحبين أو الأخوين عندما تعالى أحدهما على الآخر.
والله يضرب هذه الأمثال ويقول للفقير المسلم: يا أيها الفقير! لا تتألم ولا تتوجع لحالك، وإياك أن تغتر بمال ذلك الغني الكافر العاصي، فأنت إن بقيت على الإيمان والطاعة أشرف من ذاك، والدار الآخرة الدائمة خير لك، وخير لولدك ولحشمك، وخير لك مآلاً وعاقبة وآملاً، وذاك الذي أنت تعتبره شيئاً كبيراً يوشك أن يأتي الله على ماله وعلى ولده في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله أنكى وأشد.
وقد ذكرنا أن سبب نزول سورة الكهف هو أن عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ذهبا سفيرين من كفار مكة إلى يهود المدينة يسألانهم عن صفة رسول الله ﵊، فكان ما قلناه قبل، وكانت النتيجة هذا المثال بالكافر المنكر للبعث عقبة والنضر وأمثالهما، وهكذا كان فقد مات عقبة والنضر على أشد أنواع الكفر، وكانا من أشد أعداء الله ورسوله ﷺ ، وممن لقي منهم رسول الله في مكة المكرمة عنتاً في الأيام الأولى عند اضطهاد الإسلام والمسلمين، كما لقى المسلمون، وكانت النتيجة أن نصر الله نبيه وعبده سيدنا رسول الله ﷺ في غزوة بدر، واختار هذين بالذات دون بقية الأسرى من كفار قريش فأمر بقتلهما وقطع رقابهما صبراً دون قتال، فأخذ يصيح عقبة ويقول: مالي أنفرد بهذا دون إخواني من الأسرى، فسكت عنه النبي ﵊، فأخذ يقول: (يا محمد! من للصبية؟ فقال: النار).
стр. 68
تفسير قوله تعالى: (ولم تكن له فئة ينصرونه)
قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف:٤٣].
هذا الذي تعالى يوماً وهو في عز جاهه وقوته وتيهه وما له من الخدم والحشم، بينما هو يتيه على هذا الصاحب المسلم ويقول له: (أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً) ذهب هذا النفر كله من ولد وزوجة وخدم وحشم، فقال الله عنه بعد أن ذهبت جنتاه بما فيهما: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الكهف:٤٣].
فهذه الفئة والجماعة والطائفه من العيال والأولاد والخدم التي اعتز بها لم ينصروه من دون الله، ولم يكن لهم من الحول والطول ما يكونون به حزباً وأعواناً وفئة مناصرة وكيلة نائبة له، وهيهات، ومن يتوكل لأحد على الله، ويقف في وجه الله ﷻ القادر على كل شيء؟ فهو الواحد الأحد، والكل له عبد ذليل يرجو رحمته ويخاف عذابه.
قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف:٤٣]، فلم ينتصر لا بمال ولا بأولاد ولا بشباب ولا وبقوة ولا بجنتيه اللتين افتخر بهما على المؤمنين من الفقراء والمساكين، فقد ذهبت جنتاه وفئته وخدمه وحشمه وأولاده في الحياة الدنيا، وإن مات على الشرك فلعذاب الله أنكى وأشد.
стр. 69
تفسير قوله تعالى: (هنالك الولاية لله الحق)
قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٤].
هنالك أي: يوم القيامة الوَلاية، فإن قلنا: الولاية فهى الحكم والسلطان والأمر والنهي، وإن قلنا: الوِلاية فهى: النصرة والتعزيز والمؤازرة، وكل ذلك انفرد به الله ﷻ ، إذ يقول إذ ذاك: أنا الملك أين الملوك؟ فيقولها ويكررها ﷻ ، ولا جواب، فالكل ذل وخنع وأصبح يقول: نفسي نفسي، بما فيهم الأنبياء إلا نبينا محمداً صلى الله عيه وسلم، وعند ذاك يجيب نفسه بنفسه: أنا الملك أين الملوك؟ أنا ملك الملوك.
قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:٤٤].
وهناك الحكم الحق والمناصرة والتأييد والقوة لله وحده، وليس لأحد موالاة ولا نصرة ولا سلطان يعتز به ولا حاكم يعود إليه، فالحاكم الله، له الأمر والنهي، وبيده العز والذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير ﷻ وعلا مقامه.
وهذا هو المغزى والنتيجة من ضرب المثل.
ولقد قال السلف الصالح: إذا سمعت ربك يقول: ياأيها الناس! يا أيها الذين آمنوا! فأعرها أذنك فهو خطاب لك، وامتثل ما قيل لك أمراً واترك ما قيل لك نهياً، وإلا حل بك ما حل بالكفار والمشركين من اللعنة في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:٤٤]، قرئ: (لله الحقِ) على أنه نعت لاسم الجلالة الله، والله هو الحق، وهو الواحد الأحد، الرازق الصمد، الذي بيده كل شيء.
وقرئ: (هنالك الولاية لله الحقُ)، على أن الحق نعت للولاية، أي: هنالك الولاية الحق، وهنالك الملك والسلطان لله وحده، وهنالك المناصرة والتعزيز والتأييد، فالحق لله وليس لأحد سواه، والكل تؤكده الآية وتدل عليه، وكلتاهما قراءتان سبعيتان متواترتان.
قال تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٤].
فالله ﷻ خير ثواباً ممن ترجو ثوابه من المشركين ومن الكافرين، فثواب الله خير، وهو خير في الواقع وفي الزمن القائم في الدنيا.
﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٤]، أي: خير عاقبة في الآخرة.
وقرئت: (عقْبى) و (عقُبى)، فثواب الله خير في الدنيا وخير عاقبة يوم القيامة.
وقوله: (خير) أي: حسب توهم المشرك؛ لأن خير فعل تفضيل، وهي تقتضي المشاركة والزيادة، وإلا فلا أحد يشارك الله فضلاً عن أن يزيد عليه، ولكن ذلك حسب توهم هؤلاء المشركين من أن أربابهم المزيفة وأوثانهم الباطلة تثيبهم وتأجرهم وتعطيهم الخير، فقيل لهم: هذا الذي تنتظرونه من هذه الأوثان ثواب الله وإفضاله وخيره وإكرامه خير لكم في الآجل والعاجل، وفي الحال والاستقبال، ولولا أن النبي ﵊ يقول: (من لم يشكر الناس لا يشكر الله)، لما شكرنا أحداً على كل جزئية أو كلية إلا الله؛ لأنه ما من إحسان بلسان أو قلم أو يد إلا والله هو الذي حرك القلب والفؤاد والنفس لأن تعمل هذا الخير، فأنا أشكر الله الذي حرك ودفع لذلك، ولكن النبي ﵊ علمنا أن نشكر الواسطة، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله وهكذا.
ومع ذلك تأتي حالة لبعض الناس لا يشاهدون إلا الله في كل إحسان.
وعائشة أم المؤمنين رضوان الله عليها عندما بهتت بما بهتت به، وقذفت بما قذفت به من المنافقين ومن ضعفة من المؤمنين، ثم نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وكانت في بيت أبيها، فجاء النبي ﵊ يبلغها ذلك ويبشرها، وهى حزينة متألمة باكية، وكان أبوها أبو بكر رضوان الله عليه حاضراً، فعندما جاء يقول ذلك ﵊ سكتت، فقال أبو بكر لابنته: اشكري رسول الله يا عائشة! قالت: والله لا أشكره، ولا أشكر إلا الله الذي برأني.
وهذه حالة تأخذ المؤمن.
فقال النبي ﵊: عرفت الحق لأهله.
وكان هذا من إدلالها على رسول الله ﷺ ؛ لأنها كانت غضبى على رسول الله ﷺ لماذا يتشكك فيها؟ ولماذا يسأل الصغار والكبار ما تعرفون عن عائشة؟ فهذا الذي آلمها وأحزنها وأبكاها، فعندما جاءت البراءة من الله أبت أن تشكر إلا الله ﷻ ، وهذه حالة تأخذ الإنسان، فـ عائشة أم المؤمنين جديرة بأن تكون في هذا أسوة.
قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٤]، أي: هو خير عاقبة وخير ثواباً حاضراً ومآلاً، آجلاً وعاجلاً.
стр. 70
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا)
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥].
وهذا مثال آخر لهذه الدنيا الفانية الغرارة، وهو للأغنياء؛ حتى لا يغتروا بمالهم وبسلطانهم، وللفقراء حتى لا يملئوا قلوبهم بما عند الأغنياء.
والمخففون قد استراحوا من التبعة ومن الحساب، وكما قال ﵊: (هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا وهكذا)، وقد هلك الأغيناء وذوو الكثرة من المال؛ لأن الأغلب فيهم أنهم لا يقومون بحقوق الله في مالهم، ولا يؤدون زكاته كاملة، ولا النفقة الواجبة عليهم، ولا يعطوا من مالهم حق للفقير والمسكين، وقد يتيه أحدهم بماله ويعجب بدنياه، وهذا شأن الأكثر، ولذلك قال ﵊، (هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا).
والمخففون هم الذين لا يملكون شيئاً، فلا يحاسبون يوم القيامة على دنيا إذا كانوا صالحين، وقد يذنبون بالقليل القليل من المال، فتجدهم فقراء في الدنيا والآخرة.
نسأل الله اللطف والسلامة.
стр. 71
تفسير سورة الكهف [٥٢ - ٥٦]
ينادي الله الكفار يوم القيامة بأن يدعوا شركاءهم فلا يستجيبوا لهم، ولا يرون إلا النار جزاء تكذيبهم للرسل والرسالات.
стр. 72
تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف:٥٢].
هنا يعلمنا الله أن نتخذ الحيطة لأنفسنا ونجدد إيماننا وتوبتنا، وليؤمن من لم يكن مؤمناً، ويتب إلى الله من شركه وكفره وعصيانه، ويقول الله ﷻ لهؤلاء الظالين المشركين: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف:٥٢]، نادوهم لأراهم، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، فقد نفذوا الأمر، وأخذوا ينادون: يا عيسى! يا مريم! يا عزير! يا عجل! يا هبل! ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف:٥٢]؛ لأنهم ليسوا شركاء، ولأنهم يعلمون من أنفسهم أنهم عبيد لله، خاضعون لجلاله، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، فلا أمر لهم ولا نهي، فهم عبيد يصنع الله بهم ما يشاء، وأما أن يقولوا: إنهم شركاء، فلم يبلغوا هذا المبلغ من الجنون، هذا في الدنيا فضلاً عن الآخرة.
قال تعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف:٥٢]، أي: لم يستجيبوا لطلبهم.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف:٥٢]، فالله فرق بين أهل الهدى وأهل الباطل، وبين المؤمنين والكافرين، وجعل بينهم موبقاً، وهو مأخوذ من أوبقه وأهلكه، أي: جعل خندقاً ووادياً في النار من القيح والدم والصديد، وهو جزء من النار، فلا هؤلاء يستطيعون أن يخرجوا من جهنم ليقابلوا أولئك الهداة الصالحين، ولا الصالحون يستطيعون ذلك لو شاءوا، فكيف وهم لا يخطر لهم ببال أن يتركوا الجنة ويدخلوا إلى جهنم؛ فقد جعل الله بينهم موبقاً ومهلكاً ودماراً وخندقاً ووادياً في جهنم حال بين هؤلاء وهؤلاء، هذا إذا كان من يشركون به دون الله من المؤمنين.
وأما إذا أشركوا به الجن ومن هو على شاكلتهم فقد حكى الله لنا خصومتهم في النار، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٦].
يقول الأئمة المتبعون للأتباع: نحن ما أمرناكم، وإبليس يقول حينئذٍ: لا سلطان لي عليكم، وإنما دعوتكم فاستجبتم لي، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، فلا أنا أستطيع إغاثتكم، ولا أنتم تستطيعون غوثي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.
стр. 73
تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار)
قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣].
وهذا بعد الحساب والعرض على الله، وبعد أن جاءوا صفاً صفاً، وعرض الكتاب في يمين المؤمنين وفي يسار الكفار، وأخذ الكفار عندما أخذوا كتبهم بشمائلهم يصيحون ويندبون ويقولون: يا ويلهم! يا دمارهم! يا هلاكهم! ورأوا جهنم، وفي بعض الأحاديث: أنه يأتي بها كذا وكذا آلاف من الملائكة، وعندما يرون النار يظنون أنهم مواقعوها، والظن بمعنى اليقين، فيظنون أي: يتأكدون؛ ليزدادوا حسرة قبل أن يقذف بهم فيها؛ لأن توقع العذاب هو أعظم من العذاب.
ولذلك الكثير ممن يحكم عليه بالموت، ويكون بين الحكم وبين التنفيذ أيام، يكاد يموت قبل الموت، فيغمى عليه، وتذهل عيناه، ويضيع في نفسه، فيموت وهو مفتح العينين، وقد يموت فعلاً بسكتة قلبية، إلا إذا كان مؤمناً مثبتاً فهذا قد يفرح بالشهادة.
وهؤلاء يرون النار، ويتأكدون أنهم مواقعوها داخلون فيها، وواقعون فيها، فهؤلاء يزداد ألمهم، وتوقع العذاب عذاب.
قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ﴾ [الكهف:٥٣]، المشركون الكافرون ﴿النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣]، وسواء تحققوا أو لم يتحققوا، وظنوا أو توهموا فلا محيد لهم عنها، وليس هناك من يبعدهم عن عذاب الله وعقوبته.
فهم سيدخلونها ويواقعونها ويصبحون جزءاً منها؛ جزاء كفرهم بنبيهم وبكتاب ربهم وبالله ﷻ ، الذي طالما دعاهم ووعدهم وأرسل لهم رسله.
ونحن في الدنيا نشهد على هذا قبل الآخرة، فقد أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، فشهدنا بما سمعنا، وتيقنا به تيقن القطع الذي لا شك فيه، وتأكدنا أن هذا الكتاب الذي نتشرف بتدارسه كلام الله المنزل من عنده؛ لأن الله تعالى ذكر لذلك علامة ومعجزة، وهي أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد مضى على إنزاله على نبينا محمد ﵊ ١٤٠٠ عام، فلم تغير منه كلمة ولا حركة، ثم الإعجاز الذي فيه، إعجاز اللفظ والمعنى، فآمنا علماً، وصدقنا واقعاً، وكنا على غاية ما يكون من الاطمئنان، والحمد لله أن ثبتنا الله على ذلك، وجمعنا بسيد البشر تحت لواء سيدنا المرسلين نبينا ﵊.
стр. 74
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] يقول الله ﷻ لتبقى الحجة البالغة له: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الكهف:٥٤]، أي: بينا وأوضحنا بتفصيل وإجمال، بياناً واضحاً بليغاً فصيحاً مفصلاً في كل الجزئيات والكليات، ورزقناكم عقولاً للفهم، وأسماعاً للسماع، وأبصاراً للنظر، ورسلاً مبشرين ومنذرين ومعلمين، وخلفاء للرسل، من علماء منوعين، في علم القرآن وعلم الحديث وعلم اللغة، وجميع علوم الإسلام.
وقد صرف الله في كتابه بين مختلف الألفاظ والمعاني، والله ﷻ طالما قص القصة ونوعها وذكرها في سورة بلفظ وفي أخرى بمعنى، وجمع أطرافها تارة، وذكرها مجزأة تارة، وكل ذلك لنفهم، والشيء -كما تقول القاعدة العربية- إذا تكرر تقرر، وهذا سر التكرار، وإن كان لكل تكرار معنى قائم بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ﴾ [الكهف:٥٤]؛ لأنه نزل على رسول الله ﷺ ليبلغ كل الناس، ولكن اهتدى من آمن، وأبى الضلال من أشرك.
وقد صرف الله في هذا القرآن للناس من كل مثل ومعنىً وحكم ومثال، وصرف فيه من الحلال والحرام والعقائد والقصص وتاريخ الماضين والآتين والحاضرين، ما ترك شاذة إلا وذكرها، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
وها نحن الآن نعيش في القرن الخامس عشر -ولا أقول القرن العشرين، فمالي ولتاريخ النصارى، فلا يهتم به إلا من خذله الله- الذي يزعمونه عصر علم وحضارة، وما هو إلا عصر فجور وفسوق ويهودية وعري وبعد عن الله، ومع ذلك فكل ما تجدد في العصر مما لم يكن يخطر ببال فإننا نجده في كتاب الله، قاله الله ﷻ وبينه رسوله ﷺ ، وفصله وبينه أصحابه والتابعون أئمة الهدى كـ أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي والأوزاعي والليث جزاهم الله عنا جميعاً خير الجزاء.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] وصدق الله العظيم، فمع هذا الحق البين الواضح نجد من أضله الله وسلبه عقله قبل أن يسلبه دينه، يجادلك بالباطل وبالهراء، وأنت تتعجب وتتساءل: هل يقول هذا الكلام قائل؟ ولكنه الجدل.
وفي صحيح البخاري ومسلم: (أن رسول الله ﷺ طرق يوماً غرفة ابنته فاطمة وزوجها علي ﵄ فقال: ألا تصلون؟ وإذا ب علي يجيبه وقد استيقظ: إذا شاء الله أن يبعثنا بعثنا وصلينا، وإذا برسول الله ﵊ يدبر، وإذا بـ علي يسمعه يقول وهو مدبر: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]).
وإذا قيلت هذه لمثل علي وفاطمة فكيف بغيرهما؟ فالمؤذن أذن، وهما قد استيقظا، وطرق عليهما بابهما، وهما يسمعانه، ففيم الجدل؟ قال تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] ولا يجادل في الحق واليقين، والتوحيد والرسالة إلا من سلبه الله عقله، ولا يجادل في كتاب الله إلا من لعنه الله وأخزاه.
وأما من يطلب العلم ومزيد المعرفة والاستدلال؛ أو ليعلم غيره فليس من هؤلاء، ونقول له: قل الحق بالمنطق والعقل وبالبرهان القاطع كما ذكره الله، وهذا لا يجادل فيه إلا مجنون أو من غطى الله تعالى على قلبه بالران.
стр. 75
تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى)
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥].
يذكر ﷻ عن هؤلاء المعاندين الجاحدين، أن الذي منعهم من الإيمان بالرسالة وبصاحبها محمد ﵊ واستغفار ربهم من جحودهم وكفرهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين؛ لأنهم قالوا مثلهم.
وما هي سنة الأولين؟ عاقب الله تعالى الأولين من المشركين والكافرين، فقد عاقب قوم نوح بالطوفان، وقوم هود بصواعق وزلازل، وقوم صالح بالصيحة، وقوم لوط بأن جعل الأرض عاليها سافلها عليهم، وفرعون وقومه بأن استدرجهم إلى أن دخلوا في البحر ورأوا اليابسة واغتروا بمشي موسى وهارون وأتباعهما عليها، فما كادوا يدخلون حتى أطبق عليهم الماء وأصبحوا في أمس الدابر.
وهؤلاء قالوا كأولئك، واستعجلوا العذاب وطلبوا إتيانه، وقالت قريش للنبي ﵊: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين.
فهنا يقول تعالى: إن الذي منع هؤلاء من الإيمان هو تقليدهم لأولئك الكافرين، ورغبتهم في أن ينزل العذاب عليهم، وإذا نزل فلا يقبل إيمان ولا توبة ولا استغفار، وهيهات، فقد سبق السيف العذل.
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ [الكهف:٥٥] أي: ممن لم يؤمن منهم، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ [الكهف:٥٥]، إذ جاءهم الإسلام والقرآن ومحمد ﵊ ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف:٥٥]، أي: ويطلبوا المغفرة من الكفر ومن الجحود ومن الشرك، ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥]، فقد امتنعوا من ذلك حتى يروا العذاب الذي نزل بالسابقين ينزل بهم، وإذ ذاك يصدقون، وماذا يفيدهم التصديق بعد ذلك! قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥]، أي: مقابلة ومواجهة ومكاشفة.
следующие страницы →