← Сира

Сира · id 7706

دروس الهجرة - عطية سالم

عطية سالم

Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الهجرة النبوية [١]

стр. 2

مقدمة في فضل النبي ﷺ والصحابة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وبعد: فإن أنسب ما يتناوله المتحدث ويناوله الناس في هذه الآونة، بل وفي هذا الوقت، مواضيع تتعلق بأحداث الساعة، وقد تحدثت بها الإذاعات والصحف ومجالس الناس، وأحاديث عن حدث الهجرة، وما فيها من مواعظ ودروس وعبر، وحيث أن الكل له أهميته، ويرغب البعض الآن أن يكون الحديث عن الهجرة النبوية، فتحقيقاً لهذه الرغبة نقدم ما يسر الله في أمر الهجرة.

стр. 3

أهمية الحديث عن الهجرة النبوية لنعلم جميعاً أن الحديث عن الهجرة والحديث عن أي حدث من أحداث الرسول ﷺ ، إنما هو جزء من سيرته العطرة، والسيرة النبوية بصفة عامة تعتبر التطبيق العملي لتعاليم الإسلام بكاملها؛ لأن الرسول ﷺ هو المطبق والمنفذ لما أوحي إليه من ربه، والله سبحانه جعله ﷺ أسوة للأمة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وذلك لأنه صلوات الله وسلامه عليه من البشر، وتجري عليه أحكام البشر، ويطبق عملياً ما يمكن للبشر أن يطبق. والهجرة عند الدارس المتأمل تعتبر همزة الوصل التي تصل بين شقي الزمن: شق الماضي وشق المستقبل، والماضي نوعان: ماض بعيد في عهد النبوات والمرسلين، وماض قريب ابتداءً من بعثة النبي ﷺ . وكانت الهجرة نقلة انتقلت الدعوة من مهدها الأول بعد ثلاث عشرة سنة، وجاءت إلى المدينة لعشر سنوات فقط وبها تمت الرسالة. أما ما قبل البعثة فقد أشار النبي ﷺ بأن الله نظر إلى العالم فمقتهم؛ لما كانوا عليه من عبادة الأصنام ومن جاهلية جهلاء، وصفها جعفر الطيار رضي الله تعالى عنه عند النجاشي رضي الله تعالى عنه حينما خرج مهاجرون من المسلمين إلى الحبشة قبل الهجرة إلى المدينة وذلك بتوجيه من النبي ﷺ على ما تأتي الإشارة إليه، فأرسلت قريش -لتنتقم من المسلمين- أرسلت إلى النجاشي تستعيد وتسترد أولئك المهاجرين الأولين، وقالوا: إن طلبتنا وثأرنا بالحبشة. ويهمنا في كلمات جعفر عند النجاشي: كنا في جاهلية جهلاء: يأكل قوينا ضعيفنا، نأتي المحرمات، نقطع الأرحام، نغدر بالعهود -أشياء كثيرة ذكرها في جاهليتهم- فبعث الله فينا رجلاً منا نعرف نشأته ونسبه وولادته، فأمرنا بعبادة الله وحده، وأمرنا بالصدق، ونهانا عن الكذب، وأمرنا بصلة الأرحام، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن كل منكر وعدد محاسن الأخلاق.

стр. 4

إرادة الله الخير للناس ببعثة محمد ﷺ كانت الحياة في مكة على ما وصف جعفر، ولما أراد الله الخير لبني آدم أو للإنسانية جمعاء بعث النبي ﷺ . وبعثة المصطفى ﷺ تاريخها طويل، وذلك أن الله سبحانه بعلمه وقدرته وإرادته ورحمته رسم ذلك من قبل أن يوجد المصطفى ﷺ ، بل وقبل أن توجد هذه الأمة، وأخذ العهد على جميع الأنبياء أنه إذا جاءهم ليؤمنن به ولينصرنه، وجاء عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وأعلن البشارة بمجيئه صلوات الله وسلامه عليه لقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦] فسماه باسمه. بل إن المولى سبحانه يسجل لرسول الله حق الرسالة، ويسجل لأصحابه الذين معه صفاتهم ومثلهم في الأمم الماضية قبل مجيئهم، وذلك في أواخر سورة الفتح في أمر الحديبية من أول السياق: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي﴾ [الفتح:٢٧ - ٢٨] (هو) ضمير الشأن راجع إلى المولى سبحانه: ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح:٢٨] و (الدين) اسم جنس أي: على الأديان كلها: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]. لاحظوا يا إخوان هذا السياق: جاء في سورة الصف: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩] وفي سورة الفتح: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] وفي سورة التوبة: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] وتذييل القرآن الكريم على السياق الواحد بتذييلين متغايرين يدل على مغايرة الموقف؛ لأن الموقف في سورة الفتح تكريم لرسول الله ولأصحابه معه؛ لأنه بعد السياق: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] أي: على هذا الوعد: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [الفتح:٢٧ - ٢٨] يعني: هو الذي يتولى أمره، ولم يكله إليكم، أي: ما دام هو الذي أرسله سيتولى تمديد وإبلاغ تلك الرسالة بتأييد من عنده. وكفى بالله شهيداً على إتمام ذلك وإنفاذه، ثم تأتي شهادة من عند الله بالجملة الاسمية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] وهذا ردٌ على ما جاء به سهيل بن عمرو حين جاء يفاوض وكتبوا الاتفاقية، وقال النبي ﷺ : (اكتب يا علي: هذا ما صالح أو عاهد عليه محمد رسول الله) قال: لا تكتب! لو كنت أعلم أنك رسول الله ما صددتك عن البيت، اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، اكتب اسمك واسم أبيك، فكأن المولى تعالى يقول: إذا هم لم يشهدوا أنك رسول الله، فإن الله يشهد أنك: (محمد رسول الله) ولو أبى أولئك الناس.

стр. 5

صفات النبي ﷺ وأصحابه في القرآن إن الله ذكره باسمه فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] فالرسالة اصطفاء واختيار، والله قد اصطفاه من قبل أن يولد ويولد آباؤه، وبشر به عيسى بني إسرائيل من قبل، ولكن الذين معه أفراد في الأمة، ليسوا رسلاً ولا أنبياء، ولكن القرآن يأتي بذكرهم في معرض التكريم، وبيان عظيم الشأن ورفعة المكانة: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩]. (محمد رسول الله) إخبار من الله بصحة رسالة محمد ﷺ ، ثم يتناول من معه، بعض العلماء يقول: تلك المعية (معه) أي: في الحديبية، أو معه في عصره من عموم الصحابة، أو معه على الإسلام أي: أن المعية هنا إما عامة أو خاصة أو أخص. عامة: في كل مسلم مع رسول الله على الإسلام، خاصة: في الصحابة الذين في عصره، أخص من ذلك كله: الذين شهدوا الحديبية؛ وكل ذلك محتمل. يهمنا (والذين معه) ما شأنهم؟ هذه الطبقة التي اختارها الله لتكون مع رسوله، كما جاء في بعض الآثار في كنز العمال أو في غيره: إن الله اصطفى رسوله واصطفى معه أصحابه. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] الشدة والرحمة متغايران ومتنافيان، فحيثما وجدت الشدة فلا رحمة، وحيثما وجدت الرحمة فلا شدة، ولكن يقول علماء البحث والمناظرة: إذا اختلفت الجهة -انفكت الجهة- وتغاير المتعلق فلا مانع، والشدة والرحمة ليستا متوجهتين على متعلق واحد، وإنما على متعلقين متغايرين (أشداء) على الكفار، (رحماء) على المؤمنين، (رحماء بينهم). إذاً: هم لهم جانبان، والجانبان لهما متعلقان: جانبٌ خارجي: علاقتهم بالكفار الشدة: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]. وجانب داخلي: علاقته فيما بينهم رحماء، وفي الحديث: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) فيجمع أصحاب رسول الله ﷺ هذين الوصفين بهذين الاعتبارين المتغايرين، ولذا قال في الموطن الثاني: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، فهم على الكافرين أعزة بقوة لا يلينون معهم، ولا يخضعون إليهم، ولكن فيما بينهم أذلة، وليس معنى الذل الهوان! بل كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] لأن الرحمة والرأفة تعتبر مدحاً في حق الشخص، وبعض الناس ربما يعتبر لين بعض الأشخاص ضعفاً؛ لأن الرحمة إذا كانت عن قوة تكون مدحاً، أما إذا كانت عن خوف ربما لو تنازل عن حقه يكون غصباً عنه. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] كأنه يتلطف مع المؤمن ويعامله في صورة المتذلل له، وذلك مبالغة في إكرامه والتلطف به، ثم يصفهم بوصفهم: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] ما قال: راكعين ساجدين، باسم الفاعل، قال: (رُكّعاً) (سُجّداً) على وزن (فُعّلْ) وهي من صيغ المبالغة، كأنه يصفهم بإقام الصلاة المفروضة وزيادة، يصلون النوافل مع الفرائض: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩]. وبين حقيقة مقصدهم وشهد الله لهم بأنهم صادقون في ركوعهم وسجودهم: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩] وينبه العلماء هنا في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩] على أنه ما قال: يبتغون أجراً من الله؛ لأن الذي يبتغي الأجر يعتد ويحتسب بعمله، يقول: أنا عملت لك عملاً فأعطني أجرة؛ لكن عندما يأتي ويقول: أعطني من فضلك، هل يعتد لنفسه عندك بعمل أم يعتبرك متفضلاً عليه بما تعطيه؟! إنما يطلبك من واسع فضلك وإحسانك، وهكذا المؤمن يقدم الطاعة والعبادة لله، ويبتغي فضل الله لا يحتسب بعمل يعده على الله يطالبه بمقتضاه، فانظر الدقة واللطافة في أسلوب القرآن الكريم! ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩] يعني: يعملون لمرضات الله، وإن كان كل إنسان يرغب في الأجر، ولكن فرق بين أن تقول: أعطني أجري وقد ركعت وسجدت، وبين أن تقول: أنا أديت الواجب الذي فرضته عليّ وأنا أسألك من فضلك. وهناك شفافية! وإعجاز في كتاب الله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] السيماء: العلامة، والسيماء من الوسم، والوسم عند العرب: هو الوسم الذي يميز إبل القبيلة عن إبل قبيلة أخرى، وكذلك الاسم للإنسان وللبلد وللكتاب ولغيره علامة تميزه عن غيره، (علي ومحمد وحسن وحسين) هذه أسماء تميز هذا عن هذا، وإلا فالكل إنسان بعينين وفم سواء، فالأسماء هي التي تميز الأشخاص، والكل من السمو والارتفاع، بل اسمك شيء سما وعلا، أي: علا صاحبه، مثلما تأتي بلوحة وتعلقها على المحل، فإنها تميز هذا المحل عن ذاك المحل، وأنت علقتها فوق ما رميتها في الأرض. سيماهم يعني: علاماتهم، وهل المراد: بالسيماء في وجوههم كما يظن بعض الجهلة أنه كلحة أو شيء في الجبين مثل الكلع، كما يقولون: تكلع البعير؟ لا، إنما هي بشاشة، ونور، وحلاوة، وارتياح، كما قال بعض العلماء: الولي لله من إذا رأيته ذكرك بالله، لأنك: تجد على وجهه سماحة وارتياحاً، وكما جاء: (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)، فالسيما إنما هي سماحةٌ وطلاقة ونور في الوجه يعلوه لما كان منهم من كثرة الركوع والسجود. ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] التوراة أنزلت على نبي الله موسى، وهو نبي بني إسرائيل، فأصحاب محمد ﷺ الذين معه مثلهم في التوراة ينزل وحياً على موسى فيكتبه الله في الألواح، ويقرؤه بنو إسرائيل؛ بأن أصحاب محمد الذين سيكونون معه هذه صفاتهم، فأي منزلة أعلى من هذه؟! ثم يأتي مثل آخر: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح:٢٩] والإنجيل أنزل على عيسى ﵇، وعيسى من أنبياء بني إسرائيل. قال: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩] وهذه صورة عجيبة جداً! فالحبة تدفن، ثم يطلع العود الأول، ثم يرتفع من الأرض قليلاً، وقبل أن ينضج تخرج منه عيدان صغار، هذه الأعواد الصغار تلتف حول العود الأصلي، فيؤازر بعضها بعضاً، ويلتف هذا الزرع بعضه ببعض حتى يستوي على سوقه، ومع التفافه يكون في نظارته وحسنه وروائه ونمائه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح:٢٩] لأن الزراع هم الذين يعرفون حسن الزرع وجماله ونجاحه، ثم يبين: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] أي: في التفافهم وتآزرهم وتعاونهم وترابطهم. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] وهذا تفضل من الله.

стр. 6

الفرق بين أصحاب النبي ﷺ وبين اليهود والنصارى من إعجاز القرآن في أسلوبه وسياقه لا في ألفاظه أن ذكر مثلين لأصحاب رسول الله: الأول: (ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا). والثاني: (كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى). فقوله: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩]، جعل مثلاً لأصحاب موسى الذين هم اليهود، والثاني لأصحاب عيسى الذين هم النصارى، وكلا المثالين ثابتان لأصحاب رسول الله، ولو أخذنا المثالين ونظرناهما في التوراة والإنجيل لم يختلف وصف أصحاب محمد، فالوصفان ثابتان، ولكن هذا التوزيع المدرج شيء مقصود متلائم مع سياقه. ولهذا يجب علينا أن نتوجه إلى الله العلي القدير أن يشرح صدورنا لفهم كتاب الله، إذا نظرنا إلى المثل الأول نستطيع أن نجعل له عنواناً: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] عبّاداً راكعين ساجدين يبتغون فضلاً من الله، كأنهم زهاد في الدنيا. وإذا جئت للمثل الثاني فإذا هو: زرع وماء ورواء وشدّ! وكأنها عملية استثمار وإنماء، وعملية إعمار للأرض، فكأنهم مشغولون بالدنيا. وكلا المثالين لأصحاب رسول الله في كمال المدح؛ لأنهم جمعوا بين أمر الدنيا والدين معاً، في الدنيا زرع ونماء، وفي الدين ركّع سجّد، بخلاف اليهود والنصارى، فاليهود كان موقفهم من أمور العبادات ما قص الله في قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] فاستحلوا ما حرم الله بالحيل، وكانت تغلب عليهم الماديات، حرم الله عليهم العمل يوم السبت، وامتحنهم في الحيتان: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] فألقوا الشباك يوم الجمعة وذهبوا، وجاءت الحيتان يوم السبت شُرّعاً ووجدت الشباك فأمسكتها، وتركوها في الشباك ثم يوم الأحد ذهبوا وسحبوا الشباك، فهل عملوا يوم السبت شيئاً؟ قالوا: ما عملنا شيئاً، احتالوا على ما حرم الله، فكانت الماديات غالبة عليهم. فعندما يأتيهم مثل أصحاب محمد (ركعاً سجدا) وأنه يكون هذا المثال في الأمة التي ستأتي بعدهم، ويأتي ذكرها على سبيل المدح، فإنه يكبح جماحهم في الماديات، ويأتيهم بالمثل المثالي الذي ينبغي أن يرجعوا إليه، وأن يؤدوا حق الله في العبادة تأسياً بأصحاب محمد ﷺ الذين سيأتون فيما بعد. والنصارى أصحاب عيسى كانت طبيعتهم الروحانيات، قال تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] كان الغالب على النصارى القبوع في الأديرة وعدم التعرض للدنيا، وحتى كانوا يقولون: (إذا ضربك على خدك الأيسر فأدر له خدك الأيمن!). فتركوا الدنيا ورضوا بالذلة؛ ولذا غلب عليهم اليهود، فهؤلاء يأتيهم مثل لا ليزيدهم في الرهبانية (ركعاً سجداً)، بل ويأتيهم المثل الذي يقول لهم: اخرجوا وانتشروا وامشوا في الأرض، وذللوها واستخرجوا ثمارها وازرعوا. إذاً: المثل الذي ضربه الله لأصحاب رسوله ﷺ للنصارى يتناسب معهم ليرشدهم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه، وكلا المثالين لأصحاب رسول الله ﷺ بمجموعهما كان لهم الكمال؛ لأن اليهود غلبت عليهم المادية، أي: أن الإنسان من روح وجسد، والروح تتطلب إلى غذائها، وغذاء الروح العبادات، والجسم غذاؤه النباتات، فهذا الجسم هو من الطين ويرجع إليه، والروح من أمر الله، أمرها علوي إلهي رباني، فهي تسمو وتصعد إلى الله. فاليهود غلبوا جانب الجسم وأشبعوه بالمادة وخنقوا الروح، والنصارى أمعنوا في جانب الروح وأضعفوا الجسم، والجسم هو وعاء الروح التي تسكنه، وإذا كنت تسكن بيتاً قويا فسيحاً فإنك تنشرح وتنشط، وإذا كنت تسكن في عشة أو في بيت متهاوٍ فتكسل وتضيق، فجاء الإسلام وجمع بين الحسنيين، فأعطى الجسم حقه دون إفراط ولا تفريط، وأعطى الروح حقها دون إفراط ولا تفريط. ولذا جمع سبحانه بين الأمرين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:٩ - ١٠] أي: أنهيتم مهمة العبادة وإجابة الداعي وسعيتم إلى ذكر الله، وقضيتم هذا الواجب الحق عليكم لله ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾، لا تمكثوا في أماكنكم، ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الجمعة:١٠] ابتغوا من فضل الله بعمل الدنيا من بيع وزراعة وصناعة واذكروا الله، أي: اجمعوا بين الأمرين، ولا تلتهوا بالدنيا، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٧] وهم من هذه الأمة الإسلامية.

стр. 7

صور من مواقف البطولة لدى الصحابة رضوان الله عليهم هيأ الله للمصطفى ﷺ خير رفقة كما قال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر السياق.

стр. 8

موقف خديجة ﵂ فلما بعث ﷺ ، وأتى إلى خديجة، وذكر لها ما رأى في غار حراء، ويقول وهو ترتعد فرائصه: زملوني! دثروني! قالت: قم معي، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل وكان رجلاً يقرأ الكتب القديمة، قالت: اسمع من ابن أخيك ماذا يقول، والعرب تقول لابن العم أو للمقارن أخ. فقص عليه، فقال: يا ابن أخي! هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني أكون جذعاً فأنصرك حينما يخرجك قومك! قال: أومخرجي هم؟ قال: ما جاء أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي. وكم من الأنبياء قتل، في سبيل الدعوة إلى الله!! إذاً: عندما جاء ﷺ إلى الناس بأمر بعيد عنهم حين ذلك كانت المجابهة والمصادمة، ولكن الله سبحانه من بادئ الأمر جاء بمثل هؤلاء الذين معه، والذين ادخرهم الله لصحبة رسوله، من هؤلاء الذين يساندونه ويقفون معه، فتأتي خديجة زوجه، وتكون أول من وازره وسانده. وهذا الموقف منها عظيم عندما يأتيها كزوج ترتعد فرائصه وخائف، ما جعلته ينام وتغطيه، بل تأملت في الأمر، فإذا به شيء على غير العادة! فقالت: نذهب ونسأل ونتعرف، فلما ذهبت وأخبرت تبين الحق بأن هذا ليس أمراً شيطانياً، وأن هذا مما كان ينزل به الوحي على الرسل من قبله، وأنه بدأ طريقاً جديداً. وجاء أمر الصديق رضي الله تعالى عنه، ثم بدأ كل يدعو من كان معه، وجاء عثمان عن دعوة أبي بكر، وجاء طلحة وفلان وفلان ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ [الفتح:٢٩] شخص وراء شخص حتى خرجوا واختفوا في دار الأرقم بن أبي الأرقم.

стр. 9

موقف حمزة بن عبد المطلب ﵁ ثم أسلم حمزة، وكان إسلامه على أمر عجيب أيضاً! فـ حمزة عم الرسول ﷺ شاب قوي ذو حمية، كان من أهل القنص، والذي يهوى القنص والصيد لا يكون إلا صاحب الفروسية النشط من الشباب، وكان إذا خرج إلى قنصه ورجع قبل أن يذهب إلى بيته يأتي إلى الكعبة، فيطوف بها ويسلم على الأندية أو على مجموعات حول الكعبة من قريش فإذا سلم عليهم ذهب إلى بيته. وفي يوم من الأيام جاء من قنصه متوشحاً قوسه ومر على محل الصفا الآن فإذا بأمة تقول: يا أبا عمارة: لو سمعت ما لقي ابن أخيك من أبي الحكم؟! أبو الحكم هو أبو جهل، كان كنيته عند قريش أبو الحكم، والرسول كناه أبا الجهل؛ قالت: لقد أسمعه ما يؤذيه وما أجاب محمد بشيء، ومضى لسبيله، انظر الحكمة! يسبه ويتكلم عليه وهو لم يجبه بشيء. فذهب أبو عمارة ووقف على أبي جهل في نادي قومه، وقال: أبلغ بك أن تؤذي ابن أخي وتسمعه ما يكره، أما علمت أني على دينه؟ وضربه بالقوس على رأسه فشجه، ثم قال: فُردّ عليّ قولي إن استطعت؟! قال: أنا على دينه، وقبل هذا ما كان على دينه لكنها إرادة الله، إذا أراد كرامة إنسان سبب له الأسباب، واستمر حمزة على ذاك، كان أولها حمية لابن أخيه، ولكن صارت هداية إلى النهاية. فلما ضرب أبا جهل وهو سيد القوم وفي وسط ناديه قام نفرٌ ليكفوا حمزة عنه قال: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد أغلظت القول لابن أخيه، اعترف بخطئه! فلما أسلم حمزة رضي الله تعالى عنه سأل عن رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: هو مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فذهب إليه. إنها إرادة الله تسير القدر لهذا الكون وفق الخطة التي رسمها المولى سبحانه قبل أن يوجد هذا العالم، الدولة اليوم عندما تجتهد تضع ميزانية وتقول: الخطة الخماسية أي: مقيدة بخمس سنوات؛ ماذا نفعل فيها؟ وتنفذها سنة سنة، خطوة خطوة، المولى سبحانه وضع خطة العالم قبل أن يخلقه -كما جاء في بعض الروايات- بخمسمائة عام.

стр. 10

إسلام عمر بن الخطاب أعز الله به الإسلام كان عمر بن الخطاب كان أشد الناس على أصحاب رسول الله، وكان ﷺ يدعو ويقول: (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين عمرو أبو الحكم -الذي هو أبو جهل - وعمر بن الخطاب). فيقدر الله أن يدخل عمر على الرسول ﷺ ، فبينما هو يمشي في شوارع مكة يريد أن يقتل محمداً قال له أحدهم: اذهب وانظر أختك وزوجها الذين صبئوا! فذهب إلى أخته فسمع هينمة قبل أن يدخل، فإذا عندهم أحد الصحابة يعلمهم الإسلام سراً، فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها؟ قالت: لم تسمع شيئاً، قال: بلى سمعت، وما هذه الصحيفة التي في يدك، ولطمها فأسال دمها، فلما رأى ما وقع لأخته أمامه تأثر، وقال لها: أعطيني الصحيفة التي كانت بيدك، فقالت: لا أعطيك أنت رجلٌ نجس، وهذا كتاب الله (لا يمسه إلا المطهرون) فاذهب واغتسل وسأعطيك إياها. ذهب واغتسل، ثم جاء وأخذ الصحيفة، فقرأها فإذا فيها من كتاب الله سورة طه أو غيرها، فقال: ما أحسن هذا! أين يوجد رسول الله؟ ذاك الصحابي الذي كان يعلم أخته وزوجها وكان مختبئاً، لما نظر إلى هذا الإقبال من عمر قال: يا عمر! إلحق لعل دعوة رسول الله تصيبك، والله لقد سمعته يقول: (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين)، إلحق وأدركها، قال: أين هو؟ قال: في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فذهب عمر إلى دار الأرقم، ولما طرق الباب جاءوا ونظروا من شق الباب فإذا هو عمر! البيت كله ضجّ: ما يريد عمر؟! فقال حمزة -وكان موجوداً وأسلم قبل عمر بثلاثة أيام: ما بالكم؟ قالوا: عمر على الباب، فقال: وإن كان! إن يرد خيراً فهو له، وإن يريد غير ذلك قتلناه. وقتلُ عمر ما هو بالشيء الهين، لأن وراءه قريشاً بكاملها؛ لأنه كان السفير إلى القبائل، لكن انظر القوة والتأييد من الله! قال: افتحوا له الباب، وتقدم حمزة وأخذ بيده وأخذ آخر بيده الأخرى، ولما دخل إلى رسول الله ﷺ ، قال: اتركوه، ثم أجلسه وقال: (أما آن لك أن تسلم يا ابن الخطاب؟!) انظر القوة! كلهم خائفون منه. حتى إن بعض الصحابة كان يستبعد أن يسلم عمر ويقول: لا يسلم عمر حتى يسلم حمار الخطاب، مستبعدين ذلك منه جداً، فلما جذبه رسول الله ﷺ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يقولون: كان إسلام عمر تتمة الأربعين رجلاً. فنحن يا إخوان عرجنا على هذه النواحي ولابد أن نلفت الأنظار إلى تراجم وسير الصحابة، فلهم حق كبير علينا، وهم أسوتنا. ولما أعلن عمر إسلامه، قال: يا رسول الله! على ماذا الاختفاء؟ ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: لماذا لا نخرج، قال: لأنا قلة، قال: لا بد من خروج. يقول بعض علماء السيرة والتاريخ: فاصطفوا صفين، وكان حمزة في مقدمة أحد الصفين، وعمر في مقدمة الصف الثاني، انظر المنظر! حمزة في مقدمة صف، وعمر في مقدمة الصف الثاني! وخرجوا صفين منتظمين. وكانوا في عزة لم يجرؤ أحد على الاعتراض لهم، لأن حمزة وعمر لا يستطيع أحد أن يتقدم على هذه الصفوف وهما فيها؟! وانظر أيضاً إلى التنظيم والاحتياط، وهذا الواجب على المسلمين في مبادرة، ومجاهرة بأمرٍ له خطره، والعدو له وزنه. نقول: هؤلاء الصحب الكرام الذين اختارهم الله لصحبة رسوله ﷺ ، وعرفهم للأمم الماضية في التوراة وفي الإنجيل؛ فنحن أحق بتلك المعرفة، ويجب على كل مسلم أن يعرف من ترجمة أصحاب رسول الله وسيرتهم ومناهجهم أكثر مما يعرف عن أبيه وأمه.

стр. 11

ذهاب النبي ﷺ إلى الطائف وما حصل له مكث ﷺ إلى السنة التاسعة وهو في حماية عمه أبي طالب، ومعاونة زوجه خديجة بمالها وجاهها، وفي سنة تسع توفي عمه وتوفيت خديجة، فكان يسمى عام الحزن، اشتد الأمر على رسول الله، وتجرأ المشركون عليه وأصحابه بما لم يكونوا يجرئون به من قبل، فلما رأى الشدة على أصحابه أذن لهم وقال: (إن بالحبشة ملكا عادلا، أو ملكا لا يظلم أحدٌ بجواره، فلو ذهبتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجا)، فخرجوا الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم شاع وذاع خبر إسلام بعض الناس، لما قرأ ﷺ سورة النجم، وسجد وسجدوا معه، فرجع بعض الناس، ثم وجدوا أن القضية على خلاف ذلك، فبضعهم رجع إلى الحبشة وبعضهم بقي.

стр. 12

من أحداث الطائف خرج رسول الله ﷺ في تلك السنة إلى الطائف لعله يجد عند ثقيف من يناصره ويساعده على تبليغ الدعوة، ولعله يجد موطناً للدعوة خيراً من مكة، فما كان من ثقيف إلا أن أساءوا استقباله، وسلطوا عليه سفهاءهم وكان منهم ما كان، ورجع ﷺ بعدما أصابه ما أصابه، ولكن الله عوضه. ومن أحداث الطائف ما حدث في عودته ﷺ : أنه هو وزيد بن حارثة دخلا بستاناً لابني ربيعة عتبة وشيبة فأشفقا عليه، وأرسلا غلاماً عندهما اسمه عدّاس من نينوى من العراق بقطف عنب، قالوا: اذهب إلى ذاك الرجل وصاحبه وأعطهما هذا القطف، فأخذاه، ولما تناول منه ﷺ قال: باسم الله، فسمع ذلك عدّاس فقال: إن هذه الكلمة لا يعرفها أهل هذا الحي من العرب، فمن أين جئت بها؟ قال: ومن أين أنت؟ قال: من نينوى، قال: بلد النبي الصالح يونس! قال: وكيف تعرفه؟ قال: (هو نبي وأنا نبي) يعني: نحن إخوة (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد) وأبناء العلات: الإخوة لأب والأمهات مختلفة، فالشرائع متنوعة ولكن مصدر الوحي للجميع واحد، فأكب عليه عدّاس وقبّله وأسلم، فلما رجع إلى شيبة وأخوه عتبة قال أحدهما للآخر: والله لقد رجع غلامك بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به! (سيماهم في وجوههم) فقد كان وجهه وجه كافر مشرك، والآن أصبح وجه مسلم. إذاً: نواة الإيمان في القلب، الشمعة اشتعلت وأضاءت، فكم من شمعة مطفأة، فلما أوقدت بنور الإيمان أصبح لها وضاءة في الوجه، وهذا يا إخوان شيء نشاهده نحن الآن، ما يمر شهر في المحكمة إلا ويأتي اثنان أو أربعة أو عشرة أو عشرون من العمال الموجودين في المدينة الشرق الأوسط أو شرق آسيا، فيعلنون إسلامهم، فأول ما يقدمون تجري معهم الإجراءات وينطقون بالشهادتين ويقرءون بعض الآيات أو بعض العبارات، يشهد الله ويعلم الله أننا نرى التغير في وجوههم في الحين، فعندما يأتون ويجلسون أمام اللجنة نرى وجوهاً، وبعدما تنتهي الإجراءات وينطقون بالشهادتين ويقرءون الفاتحة وبعض السور الصغيرة نرى وجوهاً أخرى، نحس بتغير! نحس بطلاقة الوجه وسماحته؛ نحس بآثار الإيمان فعلاً تظهر على وجوههم. يقول: لقد رجع إليك غلامك بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به، وهذا صحيح.

стр. 13

ملك الجبال يأتي لنصرة النبي ﷺ خرج رسول الله ﷺ وصاحبه من البستان، وفي طريقهما إلى مكة، أتى جبريل ﵇ ومعه ملك الجبال فقال: (يا محمد! هذا ملك الجبال معي، لقد ضجّت الملائكة مما لقيت من ثقيف، وأذن الله لملك الجبال أن يكون رهن طلبك إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل) والأخشبان جبلان يحيطان بمكة، فماذا يقول ﷺ وهو في حاجة الضيق والشدة؟ الناس الآن يقولون: إذا كان هناك اعتداء وظلم وبغي ولم تجد إلا نصرة من الشيطان فلا مانع من أن تتعاون معه؛ لأنه ينصرك على الظالم الباغي المعتدي، والظالم الباغي المعتدي إذا لم ترده قوة لم يرجع إلى صوابه، إذا لم يسمع إلى كلمة الحق، ولم يستجب إلى نداء الآخرين ماذا نفعل معه؟ ليس إلا القوة، وإذا لم نجد إلا قوة الشيطان تردعه، إذاً: يأتي ملك الجبال ويعرض النصرة على رسول الله، فيقول: (إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله) فيصبر ويتحمل رجاء أن يولد من أصلابهم فيما بعد قوم يشهدون أن لا إله إلا الله، بينما نبي الله نوح لما اشتد به الأمر ويئس من قومه قال ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، حتى يئس ممن سيولد، والرسول ﷺ ما يئس، الرسول ﷺ قال: (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله). ولذا قال في حديث الشفاعة: (لكل نبي دعوةٌ مستجابة، فدعا ربه بها، وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) اللهم اجزه عنا أحسن الجزاء، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، وقلنا: إنه تضرع إلى المولى قبل مجيء ملك الجبال فقال: إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أو إلى بعيد ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، فتضج السماء بالملائكة وينزل جبريل ومعه الملك ويعرض عليه النصرة فيأباها ويأتي إلى نخلة ويقول: نصلي في الليل ويعوضه الله خيراً من ثقيف.

стр. 14

الجن يسلمون على يد النبي ﷺ عند عودته من الطائف قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩]. سبحان الله ما أحسنهم أدبا! ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف:٢٠٤] ماذا؟ ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف:٢٠٤] هذا من الأنفس. ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] سمع ﴿سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢]. إذاً في تلك الليلة أو في تلك الرحلة، إن لم تأت ثقيف فقد جاءت الجن وهم أحد الثقلين، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، التقديم والتأخير في القرآن له دلالة فلماذا قدم الجن؟ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ﴾ [الذاريات:٥٦] الإنس لا شك أنهم أفضل من الجن، ولكن قدم الجن لماذا؟ تقدم ذكر الجن مراعاة للتقدم التاريخي، لأن الجن أسبق في الوجود بالخلقة من الإنس. ولذلك الملائكة لما عرض الله عليهم خلق آدم وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠] من أين أتوا بهذا؟ لما رأوا من الجنّ والبن قبل الإنس من الإفساد في الأرض، قالوا: قد جربنا ونظرنا؛ ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] فتقديم الجن هنا: لأنهم أسبق في الوجود. إبليس كانوا يقولون له: عبد الله السجّاد، يقولون: ما من شبر في الأرض إلا وله فيه سجدة، لكن لما جاء آدم وجاء الحسد والتكبر، وكانت هذه سيئة، فترتبت عليها سيئة أكبر منها حتى طرد من رحمة الله. إذاً: كان في تلك الرحلة والعودة منها: استجابة أحد الثقلين إلى رسول الله ﷺ وانطلاقهم دعاةً إلى الله، فأصبحت الرحلة كاسبة، لا كلفوه قتالاً ولا آذوه ولا شيء، بل إنه ﷺ أخبر بليلة الجن فقال لصحبه: (الجن أحسن منكم استماعاً)، لأنه لما قرأ عليهم سورة الرحمن، كان كلما قرأ: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قالوا: ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب، ولما قرأها على المسلمين كانوا ساكتين، فقال لهم: (الجن أحسن منكم)، فهذه رحلة موفقة.

стр. 15

الرسول يُمنع من دخول مكة بعد عودته من الطائف جاء الرسول ﷺ إلى مكة يريد أن يدخل، فمنع من ذلك؛ لأنه طلب من ثقيف أن يكتموا عنه فامتنعوا وأرسلوا لقريش بالخبر. إذاً: قريش منعته أن يدخل، يقولون: خرج ليستعين علينا بغيرنا والآن جاء! فلن يدخل مكة، حتى اضطره الحال أن يدخل في جوار رجلٍ من أهل مكة. الرسول ﷺ سيد الخلق، وبالأمس كان معه ملك الجبال يمكن أن يطبق عليهم الأخشبين، يمكن أن يدخلها بالقوة رغماً عنهم، ولكن تلطف معهم وطلب جوار رجل منهم، ودخل في جوار رجل مشرك. إذاً: لا مانع من الاستعانة برجل مشرك ما دام في ذلك نصرة للحق، وليس فيه اعتداء ولا ظلم ولا بغي على جهة أخرى، فيأتي رجل مشرك وهو مطعم بن جبير وعنده أربعة أولاد ويلبس السلاح، وكل واحد من أولاده يقف عند ركن من أركان الكعبة، ويأتي هو مع رسول الله ويطوف به ويقول: أجرت محمداً.

стр. 16

الهجرة النبوية [٢]

стр. 17

وصول النبي ﷺ إلى المدينة والأعمال التي قام بها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلما وصل النبي ﷺ المدينة استقبل كأحسن ما يكون الاستقبال، وقيل في ذلك: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع إلى آخر تلك الأبيات.

стр. 18

بناء النبي ﷺ للمسجد قال أنس رضي الله تعالى عنه: (أقبل النبي ﷺ المدينة، فاستنارت وأنار منها كل شيء، وتوفي ﷺ فأظلمت وأظلم منها كل شيء). استقر النبي ﷺ ببيت أبي أيوب، ثم اشترى أرض هذا المسجد وبناه، ثم جدده بعد عودته من خيبر في السنة السابعة، ثم توالى التجديد عليه. وهناك بعض الجزئيات ربما يتساءل عنها بعض الناس في خصوص هذا المسجد نشير إليها إشارة خفيفة، بعد أن بينا ارتباط المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد النبوي، في اختصاصها بشد الرحال إليها ومضاعفة الأجر فيها، وسواء كان في الصلاة أو غيرها على ما هو مدونٌ في تاريخها. مما يتعلق بسؤال البعض وخاصة المالكية في مضاعفة الأجر في هذا المسجد، والحديث المكتوب على الجدار الأعلى في السقف في الواجهة هنا: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام). ويتطلع البعض إلى كلمة: (مسجدي هذا) ما حكم الزيادة التي طرأت على هذا المسجد بعد النبي ﷺ ؟ وتلك الزيادة بدأت من زمن عمر رضي الله تعالى عنه، ثم عثمان، ثم بعد ذلك الخلفاء والملوك والأمراء، وقد وضح ذلك عمر رضي الله تعالى عنه حينما رأى بعض الناس يتجنبون الصلاة فيما زاده، وقد زاد فيه من جهة الغرب وجهة الجنوب، ولم يزد من الشمال ولا من الشرق، فقال لهم: (والله لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يذكر الزيادة ما زدته، ثم إن المسجد ضاق بالمسلمين ثم قال: والله إنه لمسجد رسول الله ولو امتد إلى ذي الحليفة). وبعضهم يذكر رواية: (ولو امتد إلى صنعاء) فهو مسجد رسول الله ﷺ ، ومضاعفة الصلاة موجودة لمن صلى في أي طرف من أطراف المسجد. واتفق العلماء على أن كل ما كان محجوراً بسور لا يدخل إليه إلا عن طريقه، فإنه من المسجد تصح فيه الجمع، وتنعقد فيه الجماعة، ويصح فيه الاعتكاف وله أحكام المسجد من تجنب الجنب والحائض.

стр. 19

إبرام النبي ﷺ للمعاهدات مع بعض الطوائف في المدينة ثم توجه النبي ﷺ لبناء الأمة، وذلك كما أشرنا أنه ﷺ واجه في المدينة تيارات متعددة بخلاف مكة، مكة كان أمامه فيها تيار الشرك والوثنية، وكانت أمة فطرية ساذجة قوية في عقيدتها، فإذا وجدت الحق سرعان ما انتقلت إليه، وتقدمت لنا النماذج والأمثلة في موقف عمر وحمزة وغيرهم. عمر يذهب إلى أخته وزوجها لينتقم منهم ويعذبهم على إسلامهم، فيخرج من عندهم إلى رسول الله ﷺ ليعلن إسلامه، وما ذلك إلا أنه سمع من كتاب الله وقرأ من الوحي المنزل شيئاً من سورة طه. وهكذا لما جاء مصعب بن عمير إلى المدينة مع أهل العقبة الثانية، وكان يزور الأوس والخزرج على مياههم وجاء إلى بني عبد الأشهل في العالية، وجاءه سعد بن عبادة وقال: اذهب عنا لا تفسدنّ علينا شبابنا ونساءنا وسفهاءنا، والحربة بيده، فما كان منه إلا أن قال: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تجلس وأسمعك مما عندي، فإن وجدت شيئاً تقبله فبها ونعمت، وإلا كففت عنك، قال: أنصفت -وهذا هو العقل- فجلس وقرأ عليه من كتاب الله، فما كان منه إلا أن شهد شهادة الحق. وجاء سعد بن معاذ وقال: ما أغنيت عني شيئاً، ماذا فعلت مع الرجل؟ قال: قلت له الذي قلت لي، فقال: لم تغن عني شيئاً، وجاء بنفسه وهو سيد القوم، فقال جليس مصعب: اصدق الله في هذا الرجل، فإنه إن يسلم يسلم قومه كلهم. فجاء متوعداً ومهدداً فقال له مقالته الأولى: تسمع فإن وجدت شيئاً يرضيك فبها ونعمت، وإلا كففت عنك؟ قال: أنصفت، فجلس وسمع من كتاب الله وقرأ عليه آيات؛ فما كان منه في الحال إلا أن قال: ما أحسن هذا! ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قال: يغتسل غسل الجنابة ويتشهد شهادة الحق، فذهب واغتسل وتشهد وذهب إلى قومه وقال: يا معشر بني عبد الأشهل! ماذا تعرفونني فيكم؟ قالوا: سيدنا وأميرنا، قال: كلامكم عليّ رجالكم ونسائكم حرام حتى تسلموا جميعاً، يعني: ذاهب يهدد ويتوعد فينقلب داعية إلى الله! كان الأمر عندهم عناداً، لكن الإقناع إن يسر الله كان سهلاً. لكن كان في المدينة أصحاب ديانة سابقة، وأصحاب حقد وحسد: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] إذاً فيواجه عدواً لدوداً حاسداً حاقداً، والحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة التي عندك، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]. فهنا وثنيون مثل الذين كانوا في مكة، لكن انظروا إلى اليهود فهم أهل كتاب، ثم نبتت نابتة نفاق، ويوجد أقلية مسلمة، فأصبح الآن جو المدينة مركباً من مسلمين قلة، ومن مشركين من العرب، ومن يهود من أهل الكتاب، ومن منافقين بين هذا وذاك، إذاً: كيف يواجه ﷺ تلك التيارات ويضمن السلامة للقلة المؤمنة؟! كتب المعاهدة، ومن أراد من طلبة العلم أن يرجع إليها فهي في كتب السيرة لـ ابن هشام أو ابن كثير أو غيرهم، ومضمونها أنه ﷺ جمع الجميع وقال: هذا كتاب محمد ﷺ على أهل المدينة، أن كل قبيلة تحمل مسئوليتها، أي: أن كل فرد من قريش ومن لف لفها قومٌ ومن جنى منهم جناية فهم المسئولون عنه، والأوس قوم، ومن جنى جناية منهم فهم مسئولون عنه، وكذلك أهل الكتاب، وكل قبيلة حملها مسئولية بعضها البعض، أي: فإذا جنى إنسان جناية من قبيلة فقبيلته مسئولة عنه، يعقل بعضهم عن بعض، وهو الموجود الآن من أن دية قتل الخطأ على العاقلة. ومن جنى جناية أو دفيعة ظلم فلا يحق لأحد أن يخفيه ولو كان ولد أحدهم، وما تنازعوا في شيء فمرده إلى رسول الله ﷺ ، وأخذ العهد على الجميع بأن الكلمة والمرجع في إدارة المدينة إلى رسول الله ﷺ . ومن هنا: أمن شرور أولئك الطوائف وتلك الاتجاهات المتعددة، بعدما تم ذلك وأصبحت المدينة موحدة سياسياً.

стр. 20

مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار توجه النبي ﵇ بعد ذلك إلى بناء الأفراد، فآخى بين المسلمين، فآخى بين حمزة وزيد بن حارثة مولاه، ليس هناك شرف نسب ولا علو الحسب، فـ حمزة عم رسول الله ﷺ يؤاخي بينه وبين مولاه زيد بن حارثة، وبينه وبين علي. الشاهد: آخى بين المهاجرين أنفسهم وبين المهاجرين والأنصار، وأصبحت تلك الأخوة بمثابة أخوة النسب، بل مقدمةٌ عليها إذا لم يكن الإسلام موجوداً، فلو أن شخصاً آخى بينه وبين شخص آخر وهما مسلمان، ولأحدهما أخ كافر، فإن الأخوين بالمؤاخاة في الإسلام يتوارثان، والأخ الكافر لا يرث أخاه المسلم، فحلت المؤاخاة محل النسب إلى أن نزلت آية المواريث: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦]. السؤال هنا: كيف سلك الإسلام طريق المؤاخاة وماذا جنى من ورائها؟! المتأمل في منهج القرآن الكريم والسنة النبوية في المنهج العلمي، لإيجاد الأخوة بين أبناء المسلمين، ونتائج تلك الأخوة يجدها وحيدة لم توجد قبل الإسلام، ولم توجد أي طائفة ولا أي نظام ولا أية دعوة في العالم كله وصلت إلى ما وصل إليه الإسلام في تلك المؤاخاة، ولا جنى أحد من وراء أي مؤاخاة ولا ارتباط كما جنى الإسلام من تلك المؤاخاة.

стр. 21

الإنسان وفطرته المكونة من عنصرين ماذا فعل الإسلام؟! لكي نعلم ماذا فعل نجد أن الإسلام دين الفطرة، ولا يكلف الإنسان إلا بمقتضى ما افترض الله عليه؛ لأن الذي يطلب من إنسان خلاف فطرته يكلفه بشيء غير مستطاع؛ لأنك تطلب منه غير ما جبل عليه، تطلب من الحديد ذهباً؟ لا. تطلب من الرمال فضة؟ لا يمكن، لكن تطلب من اللبن جبناً، وتطلب منه زبدة؟ نعم؛ لأنها موجودة في ذاته، افعل الطريقة التي تخلص بها الزبدة من الحليب وهكذا. فطرة الإنسان في ذاته مكونة من عنصرين: العنصر الأول: العنصر المادي، الماء والطين، وهذا موجود من أول ما خلق الله آدم ﵇، حيث كان العنصر المادي من تراب: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] والطين: تراب وماء، ثم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]. إذاً: الإنسان من أول ما خُلق خُلق من مادة وروح، وهكذا إلى اليوم وإلى ما شاء الله، كل مولود مكون من عنصرين: مادة وروح، المادة ترجع إلى أمور الماديات في الدنيا، طعام وشراب وزواج وتكاثر، والروح مرجعها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]. كان منهج الإسلام على أساس هذا التكوين الفطري للإنسان، أما عنصر الروح فهذا كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] وما دام أنه من أمر ربي فليس للبشر التصرف في الأرواح، فلا يستطيعون تكييفها وتمزيجها أبداً، ومردها إلى الله: (الأرواح جنودٌ مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف). وكانت منحة وهبة وعطاء من المولى سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] وقال: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]. إذاً جانب الروح موكولٌ إلى الله، والله سبحانه امتن على هذه الأمة وذكرها بهذا الامتنان وتلك النعمة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣] إلى مائة سنة كما تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: (في حرب طاحنة ما وضعت أوزارها ولا توقفت رحاها إلا قبل الهجرة بخمس سنوات) وتقول أم المؤمنين ﵂: كانت تمهيداً لمقدم رسول الله فقد كرهوا حياة القتال، وكرهوا الحروب التي ظلت لمدة مائة سنة، يعني: يولد المولود فيها ويشب ويقاتل ويموت ويأتي ولده من بعده أيضاً شرير؛ إذاً: (كنتم أعداء) تلك العداوة سببها أمور الدنيا، لا يوجد دين يتقاتلون عليه، فالله امتن عليهم وألف بينهم وأصبحوا بنعمته إخواناً، تلك النعمة هي نعمة الإسلام حينما ذهب نفر منهم إلى الحج في موسم الحج قبل الهجرة وبعد البعثة، ولقيهم رسول الله ﷺ وعرض عليهم الإسلام فقبلوه، وقالوا: لا تسبقكم اليهود عليه، فكانت تلك النعمة أولى أبواب الرحمة التي فتحها الله لهم، وكانوا بنعمته سبحانه إخواناً. الجانب المادي: لو نظرت إلى الكون بكامله، لا تجد فيه فردا مطلقاً قط إلا المولى ، فهو واحد أحد فرد صمد، أما ما عداه فهو مفتقرٌ إلى غيره. وكما يقول علماء الاجتماع: فالإنسان مدني بطبعه، يعني: طبيعته أن يعيش مع غيره، يتعاونون على أمور الحياة، وكما يقولون في العصر الحجري -أو ما قبله على ما يسمونه تسمية من عندهم- في أعماق التاريخ قبل أن يسكن الإنسان البيوت كانت الكهوف، والله تعالى أعلم، فكان يخشى الإنسان عادية الوحوش، فيتجمعون ليحمون أنفسهم، ثم جاءت الحراثة والصناعة، هذا يحرث وهذا يطحن وهذا يخبز وهذا كذا، إلى أن تعاون الأفراد في حياتهم، وأنت الآن تجد الناس من القمة من رئيس الأمة ومن أولي الأمر والخليفة والملك إلى رجل الشارع إلى البواب في عمارته وأبواب قصره، الكل يتعاون في حياته، لا الملك يستغني عن البواب عند الباب، ولا البواب مستغن عن الملك، هو يعطيه المكافأة، وهكذا الحياة معاوضة، إذا جئت إلى الكائنات الأخرى تجد المزاوجة ولا تجد الفردية، تجد سماء يقابلها أرض، بحار يقابلها جبال، تجد النباتات تلقيح ما بين ذكورة وأنوثة، حتى الكهرباء الآن سالب وموجب، ما في واحد منها يستقل بذاته. إذاً: التضامن والتآخي وجمع الأجناس أمرٌ كوني فطري يقوم العالم عليه، والقاعدة قبل هذا: الناس للناس من بدو وحاضرة بعضٌ لبعض وإن لم يشعروا خدم وكل محتاج إلى الآخر في أمور الدنيا، الروح من عند المولى سبحانه، بقيت أمور الدنيا يأتي القرآن الكريم فيرد الناس إلى الأصل ويربطهم بالمنبت الأول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات:١٣] ما قال: يا أيها المؤمنون، أو الذين آمنوا أو الأتقياء، بل (يا أيها الناس) عربكم وعجمكم، مسلمكم وكافركم، شرقيكم وغربيكم: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣] ولذا يقول علي رضي الله تعالى عنه: الناس من جهة التكوين أكفاء أبوهم آدم والأم حواء فإن يكن أصلهم شرف يفاخرون به فالطين والماء وهذا التفاخر من جانب أمور مقاييس الحياة، والله قد جعل مقياساً ثابتاً فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] وليست مجرد دعوى، ولهذا الأصل لو رد كل إنسان إلى أصله إذاً أنا وأنت أخوان، أنا وأنت أبونا وأمنا آدم وحواء وإن بعدت المسافة بيننا، لكن هناك خيوط مثل خيوط الشبكة، فكذلك كل فردٍ في العالم يجره خيط فيربطه بآدم وحواء. وجاءت قصة عن معاوية مع الأعرابي الذي دخل عليه وقال: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا أعطيتني عطائي، فقال معاوية: رحم بيني وبينك وأنا قاطعه؟! قال: نعم، قال: والله أخطأنا، لكن لا أعرف رحماً بيني وبينك حتى أقطعه، وقد نسيت، فذكرني! قال: الرحم الذي بيني وبينك في آدم وحواء، فقال، نعم. هذا رحم ثابت، ما أستطيع أن أنكره وهذا يستحق الصلة، فكتب له بدرهم، وأخذ الكتاب وذهب إلى بيت المال وهو فرحان، فإذا ببيت المال يعطيه درهماً، فيقول: الخليفة يكتب العطاء بدرهم! قال: هذا الذي كتب لي، قال: ارجع إليه، فرجع وقال: ما هذا يا معاوية! أنت بنفسك تكتب وتتعب نفسك لبيت المال بدرهم! قال: والله يا أخا العرب لقد سألتني برحم لو أنني وصلت هذا الرحم كله بدرهم ما بقي في بيت مال المسلمين درهم. ما قال له: ليس بيننا رحم، لكن قال: الرحم موجود ولكن العطاء بقدره.

стр. 22

الإخاء في ظل شريعة القرآن القرآن الكريم في تشريع الإخاء رد الأفراد إلى الأصل، فإذا كنت أنا أخاك وأنت أخي، إذاً أنا وأنت من أصل واحد، يبقى النتيجة أن نتآخى أو نتعادى، ثم جاء إلى هذا الأصل وأبعد عنه عوامل تقطيعه، ومن جانب آخر سلط عليه روافد تغذيه. وأنتم تعلمون في زراعة الشجرة أنه توضع بذرة صغيرة، ثم إنك تراقبها دائماً، وتنظر إليها إذا نبت نبات آخر فتأخذه، وإذا كان هناك حشرة حولها تقتلها، ودائماً تتعاهدها بالماء لماذا؟ تحافظ عليها مما يضرها، وتمدها بما ينميها، وهكذا كل مشروعٍ في العالم. فهذه الشجرة شجرة الإخاء وجدنا القرآن الكريم يحوطها بسياج الحفاظ عليها، ويمدها بأنواع الغذاء الذي ينميها، ويحوطها مما يضرها، انظر إلى ألواح العداوة فيه كما قال ﷺ : (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) فحرّم الإسلام على المسلم دم أخيه وعرضه وماله، يعني: سدّ عليه أبواب النزاع؛ لأن النفوس لا تتشاح إلا في واحدة من هذه الثلاث. بل كما قيل: الضروريات الخمس، حفظ المال وجعل فيه حد القطع، وحفظ الأنساب وجعل فيه حد الرجم والجلد، وحفظ الأعراض وجعل فيه حد القذف، وحفظ الدماء وجعل فيه القصاص، وحفظ العقول فشرع حد الخمر، وحفظ الدين وجعل فيه القتل للردة. فحفظ على المسلمين كل ما به قوام وجودهم، فإذا حفظ عليهم أديانهم ودماءهم وأموالهم وعقولهم وأعراضهم وأنسابهم وأموالهم، وأصبح كل في حده لا يعتدي على الآخر، فلن يقع بين الناس نزاع. ثم يقول الله في هذا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١]، وأيضاً: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢]، فرتب ثلاثة أمور: لا تظن السوء بأخيك، وإن غلب عليك الشيطان وأدخل إلى ذهنك ظن السوء فلا تتجسس حتى تتأكد مما ظننت، فإن تجسست ووقفت على مكروه، فلا تنقل بذلك وتغتابه عند الناس.

стр. 23

حفظ القرآن لدماء المسلمين كل ما سبق شرع لحفظ ما بين الأفراد من نوازع الشر التي تقع بينهم، وإذا تأملتم ما قبلها: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، سبحان الله! هذا الوقت الذي يأتي متزامناً مع مشكلة الخليج، لو أن العالم الإسلامي طبق هذه الآية، والله ما كنا في حاجة إلى هذا المأزق، وقد كتبت هذه المحاضرة سنة ثلاث وثمانين، وألقيت في الجامعة الإسلامية، وهذه الآية هيئة أمم إسلامية، وبوليس دولي من كتاب الله الطائفتان تقتتلان، نصلح بينهما، من الذي يصلح؟ محكمة عدل إسلامية. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، من الذي يقاتل؟ دولة ضعيفة؟ أم دولة واحدة؟ وهل تدخل في شئون الغير؟ لا، بل قوة من العالم الإسلامي تقوم باسم الإصلاح، فتكون هي التي تقاتل هذه الفرقة الباغية. لو كان هذا قد حدث في أول حركة لبنان، وكانت تخرج قوات من البلاد العربية والإسلامية وفيها قوة الردع لتردع الباغي، فلو أن العالم الإسلامي لمؤتمر مكة في عهد الملك خالد ﵀، تبنى الكويت هذا المشروع، وعرض على المؤتمر وأقر، لكنه ما حرك ولا خرج إلى حيز التنفيذ. فلو أن العالم الإسلامي عاد إلى كتاب الله وإلى تشريع رسول الله، وإلى ما جاء عن الله لمصلحتهم، والله ما احتاجوا إلى أحد بعد ذلك. (فقاتلوا)، إذاً: قتال الباغي واجب على المسلمين، لكن من الذي يقاتل؟ المعتدى عليه عاجز عنه، وهل دولة تتحمل هذا القتال؟ فإنها لا تقدر، ولا تستطيع، وقد يكون الباغي أقوى منها، وقد يكون ذلك من باب التدخل في شئون الآخرين، لكن باسم الأمة الإسلامية، وباسم ردع الباغي، وتمويل القتلا يكون على جميع الأمة الإسلامية، ويعسكر فيما تختاره الأمة العربية، ولا يكون خاضعاً لقيادة دولة معينة حتى لا يكون جيش احتلال. فلو نفذ هذا من تاريخ عام ثلاثة وثمانين إلى الآن، وهو ما يقارب حوالي تسعة عشر عاماً لانعكست الحال تماماً. إذاً يا إخوة: لو أخذنا هذه الآية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات:٩]، ليس كهيئة الأمم يستخدم فيها حق الفيتو فينقض القرار العادل لمصلحة جهة من الجهات، لا ﴿بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: لوجه الله، وتنفيذاً لأمر الله.

стр. 24

صون القرآن للأعراض قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ﴾ [الحجرات:١١] كأنه يقول بعد أن انتهى القتال مع الأمة الباغية، إن من أسباب القتال أو من تبعات القتال ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] كأن السخرية تأتي بالقتال. وقال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، وسوء الظن مع الآخرين يدفع للتجسس، والتجسس يحمل على الغيبة.

стр. 25

رعاية الإسلام لشجرة الأخوة أيها الإخوة! حرم الله على المسلمين أفراداً وجماعات الاعتداء، وجعل كل عنصر من عناصر الحياة الحيوية الستة راجعاً عليها، فحفظ للأمة كيانها، ومن جانب آخر: جاءت الروافد التي تغذي تلك الشجرة العظيمة التي تستظل فيها شعوب العالم، انظروا إلى بداية السيرة النبوة، وبداية ظهور الإسلام، هل كان الإسلام عربياً؟! لا، فإن الله قد اختص واصطفى من العالم العرب، واصطفى من العرب بني هاشم، واصطفى من بني هاشم محمداً ﷺ ، ولكن هل جعله للقرشيين، أو للهاشميين، أو للعرب؟ لا. بل للناس كافة، ولهذا وجدنا تلك الدوحة الرائعة بأغصانها المورفة، وظلالها الناعمة؛ يستظل فيها سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، بأي معنى من المعاني وصلوا لهذا؟ أبعرق القومية العربية، أو بعرق التربة والأرض؟ لا والله، إنما هو بإخوة الإسلام. ولما اختلف الأنصار مع المهاجرين بشأن سلمان في حفر الخندق، وذلك حينما جعل ﷺ راية للمهاجرين وراية للأنصار، جاءوا في سلمان واختلفوا، هؤلاء يقولون: سلمان منا؛ لأنه مهاجر من بلاد الفرس إلى المدينة، وهؤلاء يقولون: لا؛ لأنه كان هنا ينتظر قدوم رسول الله حتى جاء، والرسول ﷺ يفض النزاع بينهم، فيقول: (سلمان منا آل البيت)، بأي معنى يصبح من آل البيت؟ أبشهادة ميلاد؟ أم بحفيظة وبطاقة شخصية؟ لا والله، لا بعرق ولا بدم ولا بجن ولا بإنس ولا بشيء، إلا بالإسلام، ولهذا كان يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه إن افتخروا بقيس أو تميم ما رجع للعنصر الفارسي، بل قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه، ولذا قيل: لقد رفع الإسلام سلمان فارس كما وضع الكفر النسيب أبا لهب سلمان فارس رفعه الإسلام، والكفر وضع أبا لهب صاحب أعلى نسب في قريش. إذاً: جعل الله الروافد لتلك الدوحة ليستظل بها وينعم فيها جميع شعوب العالم، وتلك الروافد التي تغذيها كل يوم وكل شهر وكل سنة، بل وكل لحظة، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فتلتقي أنت وأخوك هناك، هذا في السوق الشرقية، وهذا في الغربية، وهذا في الشمال، وهذا في الجنوب، فإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أتيتم تسعون لذكر الله. في اليوم يعلن خمس مرات: حي على الصلاة حي على الفلاح، فيلتقي أهل الحي كل يوم خمس مرات، ويلتقي أهل القرية كل أسبوع مرة، ويلتقي أهل المدينة كلهم في كل يوم عيد فطر وأضحى، ويلتقي أبناء العالم الإسلامي في كل حج في عرفات ومنى، هذه كلها روافد تغذي تلك الشجرة، ويلتقي المسلمون في كل موعد من تلك المواعيد. ويأتي الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، لسنا نحن فقط بل نحن وغيرنا حتى يربطنا بالأمم الماضية، وكذلك الصلاة: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، وكذلك الزكاة حق للمسكين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤]، تلاحم وترابط وتعاون وتعاطف يفرض الإسلام على الغني حصة من ماله (٢. ٥%) للفقير المحتاج، أي نظام في العالم يربط الأفراد بعضهم ببعض بالمال إلى هذا الحد؟ لا يوجد، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، هم تطهرهم وهم تزكيهم؟ هل هذا المعنى المزدوج موجه لطائفة واحدة وهي المأخوذ منها المال، أم أنه غير موزع على الطائفتين المأخوذ منها والمأخوذ لها؟ يقول المحققون من العلماء: إنها موزعة على طبقات الأمة الأغنياء والفقراء سواء؛ لأن الفقير حينما يرى المال عند الغني وهو محروم منه يحصل في قلبه حقد عليه، إذ كيف يأخذ المال ويتنعم به وهو محروم منه بالكلية؟ فإذا ما عدل الغني وأعطى الفقير حقه من هذا المال طابت نفسه وذهب منه الحقد. مثلاً: بستانك مثمر وجارك ليس له شيء، يرى النخيل يزهر، ثم يراه يرطب، ثم يراه يتمر، ثم تجنيه في الليل وتدسه في بيتك ولم ير منه شيئاً، ماذا سيقول؟ يقول لك: الله يحرقه عليك، يقول: إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر، لكن إذا كان موقفك أول ما تظهر الثمرة وتزهي أن تقول: خذ هذا العذق، وإذا أرطبت قلت: خذ هذا الصندوق، وإذا جنيت، نظرت كم وسقاً فيه، ثم أخرجت اثنين ونصف في المائة حق الفقير، ماذا سيكون موقف هذا الفقير من بستانك؟ إذا قام في الليل ورأى النار فيه، هل يقعد ينظر؟ بل يكون أسبق منك إلى إطفائها؟ إذاً حينما يأخذ الصدقة تطيب نفسه.

стр. 26

رعاية القرآن للأخوة بالجانب المالي حادثتان عجيبتان في هذا الباب يُذكر بها الإخوة أصحاب الأموال؛ ليعلموا أن أداء حق الله هو الخير والبركة والحفظ والنماء. كلنا يقرأ في سورة القلم قصة أصحاب الجنة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:١٧ - ٢٨] يعني: تستثنون حق المسكين، أبوهم كان يخرج حق المساكين كل سنة، ولما مات استكثروه. فمنعوا الفقراء، فلما بيتوا النية كان أمر ربنا أقرب، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]. وانظر إلى الجانب الثاني في الحديث الصحيح: (بينما رجل يمشي في فلاة من الأرض إذ سمع صوتاً في السحاب يقول: اسقي حديقة فلان). سبحان الله! في قصة أصحاب الجنة: (طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم)، وهنا: (يا سحابة اسقي مزرعته)؛ فيمشي الرجل في ظل السحابة حتى توقفه على رجل قد أمطرت على أرضه ونزل الماء، وإذا برجل يحول الماء في حياضه، فأقبل عليه: يا فلان، فإذا به رجل غريب يعرف اسمه، فسأله عن اسمه وقال: أخبرني ماذا تصنع في مزرعتك؟ قال: لماذا تسألني؟ فأخبره، قال: إن كان كذلك فإني أقسم ثمرتها أثلاثاً، ثلث أدخره لي ولعيالي، وثلث أعيده فيها السنة الثانية، وثلث أتصدق به. قال: بهذا سقيت. الفرق بين الاثنين: أن حديقة أصحاب الجنة قائمة مثمرة منتجة، لكن لما بيتوا النية بأن يحرموا المساكين ﴿طَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:١٩ - ٢٠]، وهذا لما كان يعطي حق المسكين، كان المولى يتولى مزرعته ويسقيها. الآن بعض الآبار يبست، وهم يحفرون الآبار والماء غائر، أما هذه فيأتيها السقي من السماء. إذاً: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، تطهر بها قلوب الفقراء، فإذا أصبحت طاهرة وتوجهت إلى الله بالدعاء كانت حرية أن يستجاب لها. جعل الله الزكاة من روافد إمداد شجرة الأخوة في الإسلام لنمو وتقوية التعاطف بين المسلمين، ولهذا لما عطل الناس هذا المرفق، وسدوه عن شجرة أخوتهم تحول وجاء ما فيه مادة محرقة جاءت الاشتراكية، وقالوا: نحن شركاؤكم في هذا المال، وجاءت مبادئ هدامة أفسدت على الناس حياتهم الاقتصادية، والآن تبدأ روسيا تتراجع ويعلن رئيسها أنه يفكر في السماح للإنماء الفردي بعد تجربة طويلة استمرت أربعين أو خمسين سنة. فالزكاة من أقوى عوامل الإخاء؛ لأن عدم الزكاة تجعل الناس طبقات؛ واحدة في الثريا والأخرى في الثرى، لكن الزكاة تنزل من في علياء الثريا وترفع من في حضيض الثرى ويلتقيان معاً على صعيد واحد، نعم توجد مفارقة درجات، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف:٣٢] هذا نظام الحياة، لكن إذا حفظ الغني حق الفقير عنده طابت نفس الفقير ورضيت. وهكذا أيها الإخوة يأتي الصيام فتجوعان معاً وتجتمعان على منظر لا يوجد في العالم إلا في هذا المسجد النبوي، تمد السفرة ويجلس من لا يعرف بعضهم بعضاً إلا باسم الإسلام، والكل صائم لله ينتظر الله أكبر ويتناول الطعام، إخاء عملي، ممن بالمشرق ومن بالمغرب في هذا الشهر. ثم يأتي العامل المتكرر اليومي، يقول ﷺ : (والله لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، وقال: (تهادوا تحابوا)، هذه الأخوة التي أوجدها الإسلام في الدنيا بين أفراده تصحبهم إلى أن يدخلوا الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، حتى من كانت بينه وبين غيره حزازة وخصومة وحقوق في الدنيا زال عنه الحقد ونزع، وعادت القلوب إلى فطرتها، وأصبحت الصدور سليمة ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].

стр. 27

ربط القرآن بين المؤمنين وغيرهم من المخلوقات هذه الأخوة -كما سمعنا من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه- لم تقف عند حد البشر، بل تعدت ووصلت بين حملة عرش الرحمن وبين مؤمني هذه الأمة، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُو﴾ [غافر:٧]، يعني: أخوة الإيمان بين مؤمني هذه الأمة وبين حملة العرش ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩]. وهذه نصيحة للدعاة، وللإخوة الذين يدعون الآخرين فيما يمكن أن يرطب القلوب أو يفسح المجال، يمكن أن نقول: تلك الأخوة ربطت بين الإنسان والحيوان، بل أيضاً بين الإنسان والملائكة حملة العرش. وفي السير أن سفينة صاحب رسول الله ﷺ كان راجعاً من غزوة، فإذا بالأسد قد حاصر الناس على الطريق الأسد على الطريق ولا أحد يقدر أن يمشي، فقال: ابتعدوا، فتقدم إلى الأسد، وقال: أيها الأسد! أنا صاحب رسول الله قد عزمت عليك لتفسحن لنا الطريق، فما كان من الأسد إلا أن ابتعد وتنحى عن الطريق وتركهم يمشون. ويقولون: بعض الملوك في عصر من العصور جاءه بعض العلماء ينصحه، وكان قد تجاوز الحد، فكان من طغيان هذا الملك أنه أراد أن يقتل من نصحه، لكن لمكانة هذا الرجل أراد أن يتشفى بقتله، وكان عنده من أنواع الوحوش الشيء الكثير، فعمد إلى أسد من الأسود وجوعه ثلاثة أيام، ثم جاء بالرجل في ميدان ليطلق عليه الأسد ويرى هو وأعوانه كيف يفترس الأسد هذا الشيخ الضعيف، فلما جاء بالعالم إلى هذا الميدان، وعرف العالم مجيئه إليه قام يصلي، ثم وهو في حالة سجوده يأتي الأسد يدور حوله ويشمشم، وإذا به يأتي بجانبه يمد يديه، فلما سلم الرجل أخذ بدون خوف أو هلع! ثم قالوا له: بعدما رفعت من السجود رأيناك تفكر، ففيم كنت تفكر؟ قال: والله كنت أفكر هل لعاب الأسد طاهر أم نجس فيفسد عليّ صلاتي؟ قيل له: ما تفكر في الموت والخوف؟ قال: لا. ربي يحميني. فما الذي ربط بين هذا الأسد وهذا الرجل؟. ورابطة العبد بربه آخت بين الإنسان والجماد، أبو العلاء بن الحضرمي لما ذهب لفتح البحرين وعلم أهل البحرين أنه آتيهم حازوا السفن إلى جزيرتهم، وإذا به عند شط البحر ليس معه إلا سفينة البر وهي الجمال، فقال لأصحابه: إني عزمت على شيء. قالوا: ماذا؟ قال: نخوض البحر، لقد أراكم الله آية في البر وهو قادر على أن يريكم آية في البحر. وكانوا قبل ذلك وهم في الصحراء قد نفد ماؤهم وكادوا يموتون عطشاً، ينتظرون الموت، فإذا في القائلة يرون سحابة من بعيد تقصدهم، والسحابة ما دامت آتية فسوف تمر وتذهب، فلما أظلتهم أمطرت وشربوا وسقوا دوابهم، وملئوا أوعيتهم بحمد الله ومشوا تلك آية، فقال: إن الله قادر على أن يريكم آية كذلك في البحر. قالوا: على بركة الله. فتقدم قائدهم ووقف وخاطب البحر قائلاً: أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله -إن القاسم المشترك بينهم أنهم كلهم لله- عزمت عليك لتجمدن لنعبر نقاتل عدو الله. ثم قال: اعبروا باسم الله. يقول ابن كثير في البداية والنهاية في إيرادها: ما ترجل الفارس، ولا احتفى المنتعل، وكأنهم يمشون في الصحراء، وعبروا وقاتلوا وانتصروا ورجعوا. إذاً: ارتباط العبد بالله، والمؤاخاة بين الفرد والآخر لم تقتصر على الإنسان والإنسان، بل امتدت إلى عالم الملائكة، والحيوان، فعليك أن تقوي صلتك بالله، وعليك أن تحافظ على تلك الأخوة بينك وبين إخوانك. أيها الإخوة الكرام: إن هذا المنهج العملي في الإسلام هو الذي يهمنا، وليس مجرد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. ثم كيف توصل النظام الإسلامي إلى أن يوجد أخوة بين المسلمين؟ أولاً: ردهم إلى أصلهم ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، ﴿شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]. ثانياً: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، جانب المادة في الجسم حافظ على حقوقه وحرم الاعتداء على تلك الحقوق، وسلط روافد الخير التي تنمي وتغذي دوحة الإخاء. وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ وجعلنا من المتحابين في الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 28

الهجرة النبوية [٣]

стр. 29

أحداث في طريق الهجرة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: أيها الإخوة! لا زلنا مع أحداث الهجرة النبوية الكريمة، وقد تقدم مجمل القول عن نقاط الهجرة الأربع: دوافع الهجرة، مقدمات الهجرة، المنهج العملي للهجرة، النتائج التي ترتبت على تلك الهجرة النبوية الشريفة. وانتهى بنا الحديث ونحن في طريق الهجرة من بيت النبي ﷺ في مكة إلى الغار، إلى أحداث الغار وما كان فيه.

стр. 30

أبو بكر يتحمل مسئولية الهجرة وموقف الصديق رضي الله تعالى عنه مع رسول الله ﷺ ، والآية الكريمة في وصف الموقف: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وأشرنا إلى النقطة البلاغية الكريمة في المعية، عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. على أن هناك موقفاً آخر للكليم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حينما أمر أن يخرج بقومه ويسير بهم، قال: وإلى أين؟ قال: في ظل السحابة أينما سارت، فخرج وإذا بالسحابة تسير حتى ساقتهم إلى ساحل البحر. ولما خرج بنو إسرائيل ليلاً وعلم فرعون بخروجهم، بات في المدائن يجمع جنده، فسار على إثرهم، فإذا بموسى ومن معه بين خطرين، البحر أمامهم والعدو وراءهم، فأيقن القوم بالهلاك، فقالوا: إنا لمدركون، لا طريق أمامنا، وهذا العدو وراءنا، ولكن نبي الله موسى الذي خرج بأمر من الله موقن بنصر الله فقال: كلا -ولو نطقت بكلمة كلا أربع أو خمس مرات لأحسست بالآلام؛ لأنها كلمة قوية يزلزل صوتها الفم- ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] أي: سيدلني، وأشرنا إلى الفارق بين (إن الله معنا)، و (إن معي ربي)، بأن موقف الصديق رضي الله تعالى عنه كان جزءاً من المسئولية في هجرة النبي ﷺ ، فإنه أعد الرواحل، وكان يصحبه في عرضه على القبائل، وهيأ له الطريق، وخرج معه رفيق الهجرة. ولما خرج كان تارة يسير أمامه، وتارة وراءه، فيسأله: ما لي أراك يا أبا بكر هكذا؟ فيقول: أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون وراءك، فقال له: أتريد لو كان شيء يكون فيك يا أبا بكر؟ قال: بأبي أنت وأمي، إن أهلك وحدي فأنا فرد من الناس، أما أنت فمعك الرسالة. فـ أبو بكر يسهم في الحفاظ على رسالة نبينا ﷺ ، كما أشرنا في قصة سراقة لما لحقهم فكان منهم قاب قوسين، فأنذر أبو بكر رسول الله، قال: (الطلب أدركنا يا رسول الله، وبكى، قال: ما الذي يبكيك يا أبا بكر؟ قال: والله لا أبكي على نفسي ولكن عليك أنت ... ) من هنا كان قد تحمل جزءاً من مسئولية الهجرة، وكان له شق من تلك المعية ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. ولم يكن في قوم موسى من يعادل أبا بكر مع رسول الله لما جاء الفرج وخرجوا من البحر ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] أعوذ بالله من الشيطان! الآن ما خلصكم إلا التوحيد وحده، فهل الأصنام هي التي أنجتكم من فرعون، وجلعت الماء جامداً والطريق يابساً؟ سبحان الله العظيم! إذاً: لم يكن في قوم موسى من يعادل أبا بكر رضي الله تعالى عنه.

стр. 31

تقدير الصحابة لموقف أبي بكر في الهجرة جاء رجل للحسن بن علي رضي الله تعالى عنه وهو يطعن في خلافة أبي بكر ويشيد بـ علي رضي الله تعالى عنه، قال: على رسلك، أما تقرأ قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] من ثاني رسول الله؟ قال: أبو بكر ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠] وهما في الغار، من صاحبه؟ قال: أبو بكر، ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] مع من؟ مع رسول الله وأبي بكر. قال: أعطني واحدة من هذه لـ علي؟ ولذا عمر رضي الله تعالى عنه كان يقول: (لليلة من أبي بكر في الغار تعدل آل الخطاب جميعاً). كان الصديق ﵁ خائفاً ويقول: (لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا) ورسول الله يطمئنه: (ما بالك باثنين الله ثالثهما) بينما في غزوة بدر الرسول ﷺ يجتهد في الدعاء حتى يسقط رداؤه من طول ما يرفع يديه إلى السماء، وأبو بكر يقول: (حنانيك يا رسول الله، إن الله ناصرك، إن الله منجز وعده)، الرسول مجتهد في الدعاء وأبو بكر يطمئنه، على عكس ما كان في الغار، لماذا؟ لأن اجتهاده ﷺ لم يكن لنفسه ولا مخافة على شخصه، بل من أجل الأمة التي جاء بها للعير وقابلت النفير، ولذا أعلنها وقال: (إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، فكان اجتهاده في الدعاء وضراعته إلى المولى من أجل تلك العصابة والجماعة. إذاً: خرج ﷺ وأبو بكر من الغار وقد عرفا ما يقع في مكة لأن عبد الله بن أبي بكر كان يبيت في مكة ويأتيهم بالأخبار، فهو قسم الإعلام في الأمة، وكان راعي غنم أبي بكر يأتي في الصباح الباكر يحلب لهم من الغنم، ويسير بالغنم على آثار عبد الله بن أبي بكر حتى لا يعلم المشركون من جاء ومن ذهب خطة، تدبير، سياسة، أمن وأمان، كل ما يمكن أن يفكر فيه الإنسان اجتمع في التحفظ والسرية، وفي مباشرة أمر الهجرة فيما يكون في استطاعة البشر.

стр. 32

عبر من موقف سراقة مع النبي ﵊ خرج ﷺ يمشي، ثم يدركهم في الطريق سراقة، وكان سراقة لما علم بأن قريشاً جعلت مائة من الإبل لمن يأتي بهما حيين أو ميتين، وسمع من يقول: رأيت سواداً بذاك الطريق، فكان جالساً مع قومه، فقام على السطح وأمر جاريته أن تدني له فرسه وراء البيت، ونزل من السطح على فرسه حتى لا يعلم به أحد، وأخذ في ذاك الطريق، فلما دنا من رسول الله ﷺ ، وقال له أبو بكر: (الطلب وارءنا يا رسول الله، قال: لا تخف، قال: الطلب قاب قوسين، فقال ﷺ : اللهم اكفنيه بما شئت). هذا الدعاء يذكرنا به رسول الله ﷺ في قصة الغلام مع ملك نجران الذي اقترف حادثة الأخدود، وهي: أنه كان الملك له ساحر، فقال له الساحر: قد كبرت سني، فاختر غلاماًً أعلمه السحر ليكون ساحراً عندك، وكان الغلام يمر في الطريق براهب يتعبد، فإذا مر عند الراهب سمع ما يقرأ فأعجبه، فعلم به الراهب فكان يدخله ويعلمه الدين، وكان يذهب عند الساحر أيضاً، فكان يتأخر على الساحر فيضربه، وإذا جاء عند الراهب يغيب على أهله فيضربونه فيصبر، فاشتكى للراهب، فقال له: إذا جئت إلى الساحر وقال لك: لم تأخرت؟ قل: حبسني أهلي، وإذا جئت إلى أهلك وقالوا: لم تأخرت؟ قل: حبسني الساحر، فنجا من الضرب، وبقي الغلام على هذه الحالة -التعليم المزدوج- ثم في يوم قال للراهب: أريد أن تعلمني الاسم الأعظم الذي تسأل الله به فيجيبك؟ قال: لا يصلح لك يا ولدي ولا تقدر عليه. وسأل رسول الله فقال: (أسألك باسمك الأعظم) الذي هو ذكر ألفاظ، وسأل ربه وأجابه، وجاءت عائشة رضي الله تعالى عنها وقالت: (يا رسول! علمني الاسم الأعظم، قال: لا يصلح لك يا عائشة) وفي بعض الروايات قال: (يا عائشة أما تعلمين أن الله قد أعلمني بالاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، قالت: بأبي أنت وأمي علمنيه. قال: لا يصلح لك يا عائشة) لأنها سوف تفتن به، فحزنت وقامت تصلي، وقالت: (اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى التي هي كذا وكذا وما سئلت به أجبت، وأنزلت في كتابك، وعلمت أحداً من خلقك، إلا غفرت لي)، فضحك رسول الله ﷺ وقال: (إنه فيما ذكرت). الذي يهمنا أن الراهب قال للغلام: لا يصلح لك يا ولدي، فقام الغلام وبذكاء، وأخذ الأسماء التي عرفها كلها من الراهب، واحدة واحدة ثم يلقيها في النار مكتوبة فتحترق إلا واحدة لم تحرقها النار، ثم أعاد كتابتها وألقاها في اليم فغرقت كلها إلا واحدة، هي تلك التي لم تحرقها النار، قال: هذا هو الاسم الأعظم. فجاء في يوم من الأيام يدعو إلى الله في جلساء الملك، وكان من جلساء الملك رجل أعمى، فقال له: أما لك أن يرد الله بصرك؟ قال وكيف ذلك؟ قال: الله! قال: إله غير الملك؟ قال: نعم، الله الذي خلقنا وسوانا، الله الذي يقدر على أن يرد إليك بصرك الذي خلقه فيك أولاً، الله الذي خلق السماوات والأرض، فآمن الأعمى، فدعا له الله بالاسم الأعظم فإذا بالرجل مبصر. ومن الغد رآه الملك في مجلسه مبصراً، فقال له: من الذي شفى بصرك؟ قال: الغلام، فدعا الغلام وقال: أبلغ بك من السحر أنك تبرئ الأعمى، قال: لا والله ليس سحراً، ولكنه ربي الذي خلقني وخلقك وخلقه هو الذي رد بصره إليه، قال: ألك إله غيري؟ قال: بلى، فهم به أن يقتله وهو صغير، وإذا برجل أبرص، وبرجل كذا، وكل يدعوه إلى الإسلام ويدعو له بالاسم الأعظم فيشفى. حينها شعر الملك بمن يخالفه في مجلسه، إن قتله قالوا: قتل صغيراً، ماذا يفعل؟ أمر جماعة من جنده وقال: خذوه واذهبوا به في البحر، فإذا توسطتم اللجة فألقوه في الماء وارجعوا، لا يريد أن يتحمل تبعته، وهذا من الضعف. فلما توسطوا وأرادوا إلقاءه، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت -نفس الدعاء- فاضطرب القارب وتناثروا وسقطوا وبقي هو في القارب، ومن الغد إذا به في مجلس الملك يروي له ما حدث عندما أرادوا قتله، وأن الله أنجاني منهم، وكفانيهم بما شاء، قال: الله أيضاً؟ ثم جاء بجماعة آخرين كي يذهبوا به إلى قمة الجبل، قال لهم: إذا صعدتم الجبل فارجموه من قمة الجبل فلما ذهبوا به ووصلوا إلى القمة وأرادوا رميه قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فاهتز الجبل فتناثروا وبقي جالساً، ومن الغد جاء إلى مجلس الملك، ثم انتهى الأمر إلى ما تعلمون من قتله من كنانة الصبي. إذاً: اللهم اكفنيهم بما شئت، قالها ﷺ حينما جاء سراقة، ثم ماذا حدث لـ سراقة؟ يقول ابن كثير: فغاصت قوائم فرسه الأربع في الأرض، وكانت أرض صلبة وليست رملية، ولا طيناً تلزق، ولا ماء بل قاعاً صلبة جامدة، فإذا بها تتفتح لقوائم الفرس، وتنزل قوائم الفرس إلى أسفل، وفي بعض الروايات الأخرى: (فعثرت به فرسه، فسقط عنها، وما كان من خلقها)، وفي بعض الروايات: أخذ الأقداح وعمل القرعة، هل أدركه أو أتركه، فخرج (أتركه)، فلم يقبل لأنه يريد المائة من الإبل، والسهام التي يحملها وأقداحه في الجاهلية تقول له: اتركه، وهو غير قابل بهذا، فلما دنا غاصت قوائم فرسه في الأرض، أو عثرت به وسقط عنها. المهم نادى: يا محمد! ادع ربك كي ينجيني مما أنا فيه ولن يصيبك مني أذى. هناك عرف بأن لمحمد رباً أحسن من ربه، وعرف الحق، فلما دعا له النبي قام، فتعجب سراقة مما رأى، وقام يعرض عليهم الزاد فقالوا: نحن في غنى عن ذلك. قال: خذ هذا السهم من كنانتي وستمر بغنمي، فاعرضه على الراعي وخذ من غنمي ما شئت. قال: يغنينا الله عن غنمك. ثم قال له ﷺ : (أتعجب يا سراقة من هذا؟ كيف بك يا سراقة إذا أنت لبست سواري كسرى؟ قال كسرى أنوشروان؟!) أمر مذهل ما استطاع سراقة أن يتحمل، فهذا شخص أخرجه قومه، كما قال الله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] ويمكر به قومه، ثم هو وصاحبه فقط ويعد سراقة بأن دينه سيظهر، وأنه سوف يأخذ عرش كسرى، وأن سراقة يلبس سواريه. هذا وقد اختفيت في الغار ثلاثة أيام، وأنت خائف من قومك إلى قوم آخرين يؤوونك، وتبحث عن مأوى جديد لدعوتك، ومع هذا تعدني بسواري كسرى؛ فقال: اكتب لي كتاباً بسواري كسرى، فقال ﷺ : (اكتب له يا أبا بكر، فكتب له) فرجع سراقة، وكلما رأى طلباً يطلب النبي ﷺ قال: ارجعوا اطلبوه في غيره فقد كُفيتم تلك الجهة، وانظر إلى التعبير في الحديث والصدق في الكلام؛ لأنه أعطى عهداً: لقد كفيتم تلك الجهة! هذا سراقة الآن يفي الله له بوعد رسوله، ففي زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يفتح الله على المسلمين المدائن، ويؤتى بلباس كسرى وله سواران من الذهب، وله تيجان وصولجان وأشياء عجيبة جداً، فنظروا فإذا هو لباس طويل لرجل ضخم، وعمر رضي الله تعالى عنه كان يريد أن يراه كي يعطيه من يرتديه، فأخذوا يستقرئون الحاضرين فلم يجدوا أطول من سراقة، فلبس والصك في جيبه، وتذكر: (كيف بك إذا أنت لبست سواري كسرى). فلبس ورآه الناس، ثم قالوا له: انزع، فقال: لا، هذا أعطانيه رسول الله ﷺ وهو في طريق الهجرة، وأعطاني عليه كتاباً، أما عمر رضي الله تعالى عنه الملهم الذي يفر الشيطان من طريقه، كما في الحديث: (لو كان فيكم ملهمون لكان عمر) ونزل الوحي مصدقاً ومطابقاً لما قال عمر في عدة مرات، قال عمر: يا سراقة! إنما قال: (إذا أنت لبست) فقد لبست، وما قال تملكت، وأخذه منه عمر بالمحاكمة إلى كتابه، وعدك بأن تلبس فقد لبست، وكونك تلبسه لا يملكك، فانتزعه منه. يهمنا قوله ﷺ في ذلك الوقت لـ سراقة: (كيف بك إذا لبست سواري كسرى) وهذه لها نظائر كثيرة في السنة كما حدث في غزوة الخندق عند الكدية، وأشياء أخرى.

стр. 33

نزول النبي ﷺ في خيمة أم معبد بعدما أمن الرسول ﷺ الطلب وبعد عن مكة، مر على امرأة تسمى أم معبد، وهي امرأة في طريق المسافرين تكرم الضيوف. فلما نزلوا عليها قال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (هل عندك من لحم شراء أو قرى، إن تبيعي نشتري، وإن تقرينا نقبل) قالت: يا هذا! إن كنت تريد القرى واللحمة فعليك بشيخ القبيلة، أنا امرأة عجوز في الطريق. فنظر ﷺ إلى شاة ضعيفة في البيت، وفي بعض الروايات: أنه نزل بجانبها في الظل، فلما وجدتهم جالسين ووجوههم وجوه خيرة، دعت غلامها وقالت: يا غلام! خذ هذه الشاة الكنوز والشفرة، واذهب بها إليهما وقل لهما: اذبحاها وكلا وأطعمانا منها. هنا تأتي معجزة أخرى ويأتي موقف يحتاج إلى تأمل وتعمق: أنتم طلبتم لحم قرى أو شرى وجاءكم اللحم، فإذا بسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، إذا بالرحيم والرحمة المهداة حينما يكون في طريقه إلى خطوات الدعوة وارتياد موطن آخر، يأبى أن يريق دماً في طريقه ولو كان لشاة، يقول: يا غلام! رد الشفرة، وائتني بقدح. فقالت العجوز: قل له: إنها كنوز وليس فيها شيء. قال: قلت له. قالت له: خذ، وأخذ الإناء وذهب إليهما، فأخذ ﷺ العنز ومسح ضرعها ودعا الله، فدر ضرعها، وحلب وملئ الإناء، وقال: اسقها أولاً، قالت: لا والله أنت أحق بالسقيا أولاً، فشرب ﷺ ، وشرب أبو بكر، وشربت المرأة، وشرب الغلام، وبقي الإناء ملآن باللبن، ثم دعا الله فانكمش الضرع وعاد كما كان. فلما جاء أبو معبد، قال: من أين لكم هذا اللبن؟ قالت: من شاتنا. قال: أليست بكنوز؟ قالت: بلى، فقد مر بنا رجل، لئن كان ساحراً لهو أسحر الناس على وجه الأرض، ولئن كان صالحاً لهو أصلح الناس على وجه الأرض. قال: لعله رجل قريش، قالت: لا أدري، ومضى ﷺ في طريقه حتى وصل إلى قباء.

стр. 34

أعمال النبي ﵊ في قباء من غرائب الصدف أو الترتيبات الإلهية أن أهل قباء تسامعوا بخروج رسول الله إليهم، فكانوا كل يوم ينتظرونه من جهة الجنوب وهي جهة مكة، وإذا اشتد عليهم حر الشمس يرجعون إلى بيوتهم، وهكذا كل يوم ينتظرون المجيء فلم يأت. وفي يوم من الأيام بعد أن رجعوا إلى بيوتهم ولم يبق أحد، إذا برجل يهودي على أطمة يرى نبينا ﷺ وأبا بكر فيعرفهما، فيقول: يا بني قيلة! هذا جدكم قد حضر. الجد بمعنى: الحظ، وبنو قيلة: هم الأوس والخزرج. وسموا بذلك لأن أمهم الأخيرة كانت تسمى قيلة. فقاموا إليه سراعاً، وما كانوا رأوا رسول الله، ولا يعرفون رسول الله من صاحبه، فلما ارتفعت الشمس وقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه يظلل رسول الله ﷺ بردائه، عندها عرفوا رسول الله، فتقدموا إليه، وجاء ﷺ ونزل بقباء. الموقف هنا: من الذي كان يقود الركب؟ كان رجلاً مشركاً، ومن الذي أعلن عن وصول رسول الله إلى المدينة؟ يهودي، وهذا من باب الإرهاص بأن الله سبحانه ناصر دينه، ومستخدم المشرك واليهودي لخدمة هذا الدين، وإرادة الله فوق كل شيء. وصل ﷺ قباء، ويتفقون بأن وصوله كان في يوم الإثنين، كما أن خروجه من مكة كان يوم الإثنين أيضاً. ثم صعد من قباء يوم الجمعة التالية أو الجمعة التي بعدها -يختلفون في ذلك- والذي يهمنا أنه في الجمعة الأولى، وفي مدة أربعة أيام بنى مسجد قباء.

стр. 35

عناية الإسلام بالمساجد عناية الإسلام قبل كل شيء بالمسجد؛ لأن المسجد هو قصبة البلدة، وبيت الأمة، والمجمع الأكبر، ويكفي فيه قوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦]، فأول شيء وضع هو المسجد، ولكن لم وضع؟ بعضهم يقول: وضع للعبادة، ووضع لكذا، نقول: بل وضع للعمران، أول بناء وأول حضارة وأول استقرار إنما هو للبيت الحرام، وهكذا النبي ﷺ أول ما وصل قباء باشر بناء المسجد؛ لأن المسجد قاعدة تجمع، ومن ثم يكون الانطلاق. وأمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه كان على هذا المنهج، فلما أراد أن يبني الكوفة قال لقائدها: اختر مكاناً رابياً -أي: مرتفعاً؛ لأنه أنقى للهواء- ثم اختر رجلاً رامياً يقف وسط المكان ويرمي إلى الجهات الأربع، وعليه فخط المسجد حيث وقف، واجعل بناء البيوت حيث وقعت السهام، واجعل ما بين البيوت والمسجد ميداناً عاماً. أين تخطيط المدن على هذا المنوال؟ نحن عندنا إمكانيات لبناء شوارع متسعة، ولكن بعد خمس عشرة سنة نريد أن نوسعها؛ وذلك بسبب قصر النظر، فهذا التخطيط الذي فعله عمر كان لمئات السنين، أما تخطيطنا فلعصرنا ولوقتنا، شارع عرضه مائة متر، ويخطط على مائة متر، وينفذ على خمسين، والأراضي واسعة، وأنت تأخذها ثم تتركها حتى تقام العمائر، ثم تهدم وتوسع. عمر اعتبر المسجد قصبة القرية الجديدة والبيوت من حوله. فعني ﷺ بمسجد قباء، ويتفق علماء السيرة والتاريخ: أن النبي ﷺ انتدب الناس وقال: من يركب الناقة؟ قالوا: فلان، وبعضهم يقول: هذا في حلبها، وبعضهم قال: أمر رجلاً أن يركب القصواء وترك لها زمامها، فاستدارت دورة كاملة يخط على أثرها المسجد؛ فخط المسجد، وعند وضع المحراب، وليس هو بمحراب مبني؛ يقولون: إن جبريل ﵇ أتى رسول الله وأراه المكان حتى رأى الكعبة، وقد وضعت قبلة المسجد على ما رأى. ثم كانت فضيلة هذا المسجد (أن من خرج من بيته متطهراً إلى قباء، فصلى في المسجد ركعتين كان له كأجر عمرة) ولا نناقش في سند هذا الحديث؛ فهذا عند جمهور المحدثين معمول به.

стр. 36

أحداث في الطريق من قباء إلى المدينة أخذ ﷺ ينزل من قباء إلى المدينة، وكانت القرى ومساكن القبائل تمتد من الجنوب إلى الشمال، فأخذ يسير على راحلته، ووقعت أحداث في قباء من مجيء العزاب العوائل إلى آخره خرج رسول ﷺ على راحلته. وكان كما يقول ابن كثير وغيره: واستشرف على البيوت أهل المدينة حتى العذارى والنسوة والصبيان والكبار والصغار، يريدون أن يروا رسول الله ﷺ ، فما مر بقبيلة من قباء إلى المدينة إلا وخرجوا إليه وأمسكوا بزمام الراحلة، وقالوا: هلم إلينا يا رسول الله، هلم إلى العَدد والعُدد والمنعة. لمْ يقولوا: على الطعام الطيب والرطب، والمجلس اللين؛ لأنه خرج من مكة على بيعة أهل المدينة من قبل السبعين الذين بايعوه على أن يمنعوه، فدعوه إلى المنعة والعدد ليفوا بما بايعوا عليه: هلم إلى العَدد والعُدد والمنعة، أي: على ما بايعناك عليه، فقال (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) أي: أنا ليس لي اختيار في موطن نزولي؛ فإن الناقة مأمورة بأن تنزل في المكان الذي يريده الله. سبحان الله! إن جئنا من جهة العادة والطبيعة: وأرحم خلق الله، وأفهم خلق الله، وإذا جئنا إلى الناحية الأخرى: رسول يوحى إليه من الله: خلوا سبيلها، اتركوها تمشي، كيف هذا؟ نبي يوحى إليه، آتٍ لكي يبلغ رسالة يقول هذا، ولكن وراء ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله. ومر على أخواله من بني النجار، فقالوا: هلم إلى أخوالك يا رسول الله! وهو يقول: (دعوها فإنها مأمورة) فمرت حتى جاءت إلى هذا الحي ونزلت الناقة وبركت، ثم لم ينزل عنها، بل الناقة بعد أن بركت ودارت واستدارت، وتلفتت ثم رجعت إلى مكانها الأول وبركت فيه، يقول ابن كثير: كالمتحقق من معالم يديه، يعني: مثل مهندس حكيم نبيه عنده خارطة لمنْجَم، أو لأمانة، أو لموقع، وهو ماضٍ على الخارطة من أجل أن يصل إلى الهدف الذي يريده، وهذه المأمورة سارت في طريقها إلى المكان الذي أراده الله لها ثم نزلت، ولما رجعت ونزلت المرة الثانية مدت عنقها، فقال ﷺ (﴿هو المنزل إن شاء الله).

стр. 37

نزول النبي ﷺ على أبي أيوب الأنصاري وصلنا إلى المكان، والمكان فيه عدة بيوت، منها بيت أبي أيوب الأنصاري، وكان رجلاً عاقلاً ما زاحم الناس، بل ذهبب إلى الرحل وأدخله إلى بيته، فقال الرسول: (أين رحلي؟ قالوا: احتمله أبو أيوب إلى بيته، فقال: المرء مع رحله). هنا موقفان: الأوس والخزرج استمروا في حرب لمدة مائة سنة، وما انتهت إلا قبل مجيء رسول الله بخمس سنوات، وكانا كفرسي رهان يتسابقان فيما يفعلانه لرسول الله، وجاء رسول الله على بيعة منهما معاً عند العقبة، فعندما يأتي المدينة وهما متنافسان عند من ينزل؟ إن نزل عند هؤلاء قالوا: والله آثرهم علينا، وإن نزل عند هؤلاء قالوا: والله آثرهم من أول الأمر علينا، فيوجد الصدع لأول لحظة، فكان الأفضل أن يترك الاختيار للمأمورة، وإن كان أردوا أن يعتبوا فليعتبوا على الناقة وهو يقول: والله أنا تركت أمري لله، والله ساق المأمورة، وهي التي نزلت حيث أمرت، فطابت النفوس بذلك. ثم المكان الذي نزل فيه به بيوت متجاورة، ينزل عند من منهم؟ لو اختار بيتاً على بيوت الحي لأثار أيضاً تساؤلاً: لماذا اختار بيت فلان؟ لكن عندما تكون من أحدهم بدون أن يشعر رسول الله ولا يشعر الجماعة ويلتفت ﷺ : (أين رحلي؟ ثم قال: المرء مع رحله) من هو هذا؟ إنه أبو أيوب، وكان اختيار بيت أبي أيوب من عند رسول الله؟ وهل حابى وجامل فيه على حساب الآخرين؟ لا. وينكشف الغيب عن سر وعن معجزة أخرى، ما هو سر بيت أبي أيوب؟ تاريخ بيت أبي أيوب يرجع إلى زمن ما قبل مولد رسول الله ﷺ ، وذلك حين جاء تبع من اليمن واستولى على المدينة في طريقه إلى غزو إفريقيا، وخلف ولده ملكاً عليها، وفي يوم من الأيام ذهب هذا الولد وصعد النخلة ليجني منها، فجاء صاحبها وضربه بالمنجل فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبّر. فلما رجع الملك وجد ولده قتيلاً، فأراد أن ينتقم لولده، فقاتل أهل المدينة فلم يغلبهم، وحاصرها فاستمر الحصار طويلاً، حتى نفد زاد الملك والجيش، فقال أهل المدينة فيما بينهم: والله ما أنصفنا عدونا! نقاتلهم حتى إذا أتى الليل أوينا إلى بيوتنا وزوجاتنا وطعامنا وفراشنا، وعدونا يبيت طاوياً جائعاً ونصبح نقاتله، أخرجوا إلى الجيش طعامهم، فقال الملك: واعجبا لأهل هذه القرية، نقاتلهم نهاراً ويقروننا ليلاً. إذاً: الأصالة في المدينة من قبل الهجرة، واستمرت تلك الأصالة حتى قدم إليها رسول الله ﷺ ، فإذا بهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. فقال الملك: إن أمر هذه البلدة لعجيب، فخرج إليه حبران، وقالوا: ما تريد يا أيها الملك من هذه القرية؟ قال: أريد أن أهدمها، قالا: لن تقدر، ولن تسلط عليها؛ لأنها مهاجر آخر نبي يأتي إليها، قال: وبم تشيران عليّ؟ قالا: أن تبني له بيتاً إذا ما نزل فيه، فبنى البيت وكتب كتاباً، وأعطاه لأحد أبناء الحبرين، وكان من نسلهما أبو أيوب الأنصاري، فجاء النبي ونزل في البيت الذي بناه الملك لينزل فيه النبي إذا جاء المدينة. ولعلنا نقف عند بيت أبي أيوب الأنصاري، ولنا مجلس آخر إن شاء الله نبدأ فيه بنتائج الهجرة، وكيف قابل النبي ﷺ بالدعوة والهجرة المجتمع المدني -إن صحت هذه التسمية- وبالله تعالى التوفيق حديث الهجرة حديث عميق، ودروسها دروس عظيمة؛ لأنها كما أسلفنا بمثابة الجسر الذي يربط بين الماضي والحاضر، والذي ينقل من الجاهلية إلى الإسلام ومن الجهل إلى العرفان، والحديث عن الهجرة له جوانب نحددها، وأرجو من كل طالب علم أن يمعن النظر في تلك الجوانب ويتأمل ترابط بعضها ببعض. أولاً: أن الهجرة سنة الأنبياء، والهجرة هي وسيلة انتشار الدعوة ووصولها إلى الأمم، فالخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هاجر إلى مصر ثم إلى الحجاز، ثم قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، ثم هجَّر من ذريته هاجر وإسماعيل، وكان بهذا التهجير ميلاد أمة جديدة نقلت دعوة من أرض النبوات بالشام، وعن أمة بني إسرائيل إلى أرض الحرمين الأمة العربية. وموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هاجر، وخرج مرتين، المرة الأولى حين أتاه الآتي وقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠]، فخرج خائفاً يترقب، ثم بعد ذلك رجع، وتحمل الرسالة وجاء إلى فرعون، وخرج مهاجراً ببني إسرائيل. ولوط ﵇ أيضاً خرج وهاجر وترك القرية وكان من أمرها ما كان. فهجرة نبينا ﷺ ليست بدعاً وليست جديدة، بل هي على سنن الرسل من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 38

جوانب الهجرة النبوية والجوانب التي نحددها للحديث عن الهجرة هي: أولاً منها: دوافعها، بمعنى: أسبابها ولماذا كانوا يهاجرون؟ ثانياً: مقدماتها، أي: الأحداث التي تسبق عملية الهجرة مباشرة. ثالثاً: منهجها، طريقتها، كيفيتها. رابعاً: نتائجها. وإذا جئنا إلى ما ذكرنا من هجرة الأنبياء نجد أن الأسباب والدوافع هي: تجنب إيذاء الأعداء والمشركين ليتمكن المؤمنون من وطن يؤدون فيه حق الله بحرية.

стр. 39

أسباب الهجرة النبوية من أسبابها ودوافعها: الفرار بالنفس والسلامة من القتل، ولا يكون ذلك إلا بعد الصبر والتحمل.

стр. 40

أسباب هجرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كم تحمل من قومه، وكم صابر مع أبيه! إلى حد أنهم جمعوا له الحطب وأوقدوا له النيران وألقوه فيها، وهو صابر لم يفر. ويذكر ابن كثير وغيره أنهم حينما صعب عليهم إلقاءه في النار مباشرة لعجزهم وعدم استطاعتهم الدنو منها لشدة لهيبها، جاء الشيطان وأوحى إليهم بعمل المنجنيق، والمنجنيق يرمي بالثقل إلى مسافة بعيدة، إلى أن جيء بإبراهيم ووضع في المنجنيق وهو صابر، ويأتيه جبريل ويقول: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فنعم. كلمات موجزة، وهذا كما يقولون: لكل مقام مقال؛ لأن الوقت ضيق، ولا حاجة لكثرة الشكوى ولكثرة الكلام، وكأنه يقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي، وهل حالي خاف عليه حتى أقول له: ارحمني؟! فإنه مطلع وعالم وراءٍ، وهو يعلم. فصبر وتحمل وقاوم إلى أقصى حد، فكانت نتيجة صبره ونتيجة اتكاله على الله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ [الأنبياء:٦٩] كوني برداً ومع البرد سلام؛ لأن البرد قد يقتل، فتأتي القدرة الإلهية وتسلب النار خاصية إحراقها التي تذيب الحجر وتصهر الحديد؛ لأن الذي خلق إبراهيم وخلق النار واحد، وهو الذي أعطاها قوة الإحراق واللهيب وهو الذي يسلبها منها، بعد هذا خرج هو وسارة وكانت قضيتهما طويلة. نأتي إلى موسى ﵇، فإنه لما خرج إلى المدينة، وجد واحداً من شيعته وآخر من عدوه يقتتلان، فاستنصره الذي من شيعته، فضربه فقتله، ثم خرج وقابل الرجل الصالح أو النبي شعيباً، وتزوج ثم رجع، وجاء وكان من أمره أن الله في عودته يناديه ويناجيه ويبعثه إلى فرعون، فماذا كانت النتيجة؟ فرعون يذبح الأبناء ويستحيي النساء من قبل، والجو جو قاتل، وجاء موسى بالآيات، ولكن فرعون كابر أمام تلك الآيات ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، فما كان من موسى ﵇ وبني إسرائيل وقد أدركهم الضغط والتعذيب والتشريد والإيذاء من فرعون وجنوده إلا أن أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، فخرج، فماذا كانت النتيجة؟ البحر أمامهم وفرعون يكاد أن أدركهم، فيقول أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، ولكن موسى موقن بالله، فقد خرج بأمر من الله، وهو يعلم بأن الله لن يتخلى عنه ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء:٦٢]، وما دام معه ربه فلم يخاف من فرعون؟ ولم يخش البحر؟ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، أي: يرشدني ماذا أعمل؛ لأن قوة موسى أمام قوة فرعون ليست بشي. أيضاً تأتي المعجزة والقدرة الإلهية فتتدخل، فأوحى ربك إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه:٧٧] الماء الرجراج السيال، البحر المتلاطم، فيجمد الماء ويصير طرقاً، والأرض يابسة، وبنو إسرائيل كلهم اثنا عشر سبطاً، كل سبط لهم طريق مستقل يسيرون فيه، والطود الذي بين هذا الطريق وذاك الطريق فيه نوافذ حتى يطمئنوا على بعض، ولا يحدث قلق. صار الماء جامداً وفيه نوافذ، والذي سلب النار إحراقها سلب الماء سيلانه وأعطاه خاصية اليبوسة والجمود، وترك الطريق لفرعون ولمن جاء، وأغراه الشيطان فدخل، وكانت النتيجة إهلاك فرعون. إذاً: الرسل هاجروا، وما هاجروا إلا بعد أن أوذوا وصبروا، ولم يبق من طاقة الإنسان كبشر أن يتحمل؛ لأن الإنسان مهما كان سيؤذى وربما يتحمل لكن إلى متى؟ فكانت الهجرة.
следующие страницы →