← Сира

Сира · id 7706

دروس الهجرة - عطية سالم

عطية سالم

Полный текст (106 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أحداث في الطريق من قباء إلى المدينة أخذ ﷺ ينزل من قباء إلى المدينة، وكانت القرى ومساكن القبائل تمتد من الجنوب إلى الشمال، فأخذ يسير على راحلته، ووقعت أحداث في قباء من مجيء العزاب العوائل إلى آخره خرج رسول ﷺ على راحلته. وكان كما يقول ابن كثير وغيره: واستشرف على البيوت أهل المدينة حتى العذارى والنسوة والصبيان والكبار والصغار، يريدون أن يروا رسول الله ﷺ ، فما مر بقبيلة من قباء إلى المدينة إلا وخرجوا إليه وأمسكوا بزمام الراحلة، وقالوا: هلم إلينا يا رسول الله، هلم إلى العَدد والعُدد والمنعة. لمْ يقولوا: على الطعام الطيب والرطب، والمجلس اللين؛ لأنه خرج من مكة على بيعة أهل المدينة من قبل السبعين الذين بايعوه على أن يمنعوه، فدعوه إلى المنعة والعدد ليفوا بما بايعوا عليه: هلم إلى العَدد والعُدد والمنعة، أي: على ما بايعناك عليه، فقال (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) أي: أنا ليس لي اختيار في موطن نزولي؛ فإن الناقة مأمورة بأن تنزل في المكان الذي يريده الله. سبحان الله! إن جئنا من جهة العادة والطبيعة: وأرحم خلق الله، وأفهم خلق الله، وإذا جئنا إلى الناحية الأخرى: رسول يوحى إليه من الله: خلوا سبيلها، اتركوها تمشي، كيف هذا؟ نبي يوحى إليه، آتٍ لكي يبلغ رسالة يقول هذا، ولكن وراء ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله. ومر على أخواله من بني النجار، فقالوا: هلم إلى أخوالك يا رسول الله! وهو يقول: (دعوها فإنها مأمورة) فمرت حتى جاءت إلى هذا الحي ونزلت الناقة وبركت، ثم لم ينزل عنها، بل الناقة بعد أن بركت ودارت واستدارت، وتلفتت ثم رجعت إلى مكانها الأول وبركت فيه، يقول ابن كثير: كالمتحقق من معالم يديه، يعني: مثل مهندس حكيم نبيه عنده خارطة لمنْجَم، أو لأمانة، أو لموقع، وهو ماضٍ على الخارطة من أجل أن يصل إلى الهدف الذي يريده، وهذه المأمورة سارت في طريقها إلى المكان الذي أراده الله لها ثم نزلت، ولما رجعت ونزلت المرة الثانية مدت عنقها، فقال ﷺ (﴿هو المنزل إن شاء الله).

стр. 37

نزول النبي ﷺ على أبي أيوب الأنصاري وصلنا إلى المكان، والمكان فيه عدة بيوت، منها بيت أبي أيوب الأنصاري، وكان رجلاً عاقلاً ما زاحم الناس، بل ذهبب إلى الرحل وأدخله إلى بيته، فقال الرسول: (أين رحلي؟ قالوا: احتمله أبو أيوب إلى بيته، فقال: المرء مع رحله). هنا موقفان: الأوس والخزرج استمروا في حرب لمدة مائة سنة، وما انتهت إلا قبل مجيء رسول الله بخمس سنوات، وكانا كفرسي رهان يتسابقان فيما يفعلانه لرسول الله، وجاء رسول الله على بيعة منهما معاً عند العقبة، فعندما يأتي المدينة وهما متنافسان عند من ينزل؟ إن نزل عند هؤلاء قالوا: والله آثرهم علينا، وإن نزل عند هؤلاء قالوا: والله آثرهم من أول الأمر علينا، فيوجد الصدع لأول لحظة، فكان الأفضل أن يترك الاختيار للمأمورة، وإن كان أردوا أن يعتبوا فليعتبوا على الناقة وهو يقول: والله أنا تركت أمري لله، والله ساق المأمورة، وهي التي نزلت حيث أمرت، فطابت النفوس بذلك. ثم المكان الذي نزل فيه به بيوت متجاورة، ينزل عند من منهم؟ لو اختار بيتاً على بيوت الحي لأثار أيضاً تساؤلاً: لماذا اختار بيت فلان؟ لكن عندما تكون من أحدهم بدون أن يشعر رسول الله ولا يشعر الجماعة ويلتفت ﷺ : (أين رحلي؟ ثم قال: المرء مع رحله) من هو هذا؟ إنه أبو أيوب، وكان اختيار بيت أبي أيوب من عند رسول الله؟ وهل حابى وجامل فيه على حساب الآخرين؟ لا. وينكشف الغيب عن سر وعن معجزة أخرى، ما هو سر بيت أبي أيوب؟ تاريخ بيت أبي أيوب يرجع إلى زمن ما قبل مولد رسول الله ﷺ ، وذلك حين جاء تبع من اليمن واستولى على المدينة في طريقه إلى غزو إفريقيا، وخلف ولده ملكاً عليها، وفي يوم من الأيام ذهب هذا الولد وصعد النخلة ليجني منها، فجاء صاحبها وضربه بالمنجل فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبّر. فلما رجع الملك وجد ولده قتيلاً، فأراد أن ينتقم لولده، فقاتل أهل المدينة فلم يغلبهم، وحاصرها فاستمر الحصار طويلاً، حتى نفد زاد الملك والجيش، فقال أهل المدينة فيما بينهم: والله ما أنصفنا عدونا! نقاتلهم حتى إذا أتى الليل أوينا إلى بيوتنا وزوجاتنا وطعامنا وفراشنا، وعدونا يبيت طاوياً جائعاً ونصبح نقاتله، أخرجوا إلى الجيش طعامهم، فقال الملك: واعجبا لأهل هذه القرية، نقاتلهم نهاراً ويقروننا ليلاً. إذاً: الأصالة في المدينة من قبل الهجرة، واستمرت تلك الأصالة حتى قدم إليها رسول الله ﷺ ، فإذا بهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. فقال الملك: إن أمر هذه البلدة لعجيب، فخرج إليه حبران، وقالوا: ما تريد يا أيها الملك من هذه القرية؟ قال: أريد أن أهدمها، قالا: لن تقدر، ولن تسلط عليها؛ لأنها مهاجر آخر نبي يأتي إليها، قال: وبم تشيران عليّ؟ قالا: أن تبني له بيتاً إذا ما نزل فيه، فبنى البيت وكتب كتاباً، وأعطاه لأحد أبناء الحبرين، وكان من نسلهما أبو أيوب الأنصاري، فجاء النبي ونزل في البيت الذي بناه الملك لينزل فيه النبي إذا جاء المدينة. ولعلنا نقف عند بيت أبي أيوب الأنصاري، ولنا مجلس آخر إن شاء الله نبدأ فيه بنتائج الهجرة، وكيف قابل النبي ﷺ بالدعوة والهجرة المجتمع المدني -إن صحت هذه التسمية- وبالله تعالى التوفيق حديث الهجرة حديث عميق، ودروسها دروس عظيمة؛ لأنها كما أسلفنا بمثابة الجسر الذي يربط بين الماضي والحاضر، والذي ينقل من الجاهلية إلى الإسلام ومن الجهل إلى العرفان، والحديث عن الهجرة له جوانب نحددها، وأرجو من كل طالب علم أن يمعن النظر في تلك الجوانب ويتأمل ترابط بعضها ببعض. أولاً: أن الهجرة سنة الأنبياء، والهجرة هي وسيلة انتشار الدعوة ووصولها إلى الأمم، فالخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هاجر إلى مصر ثم إلى الحجاز، ثم قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، ثم هجَّر من ذريته هاجر وإسماعيل، وكان بهذا التهجير ميلاد أمة جديدة نقلت دعوة من أرض النبوات بالشام، وعن أمة بني إسرائيل إلى أرض الحرمين الأمة العربية. وموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هاجر، وخرج مرتين، المرة الأولى حين أتاه الآتي وقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠]، فخرج خائفاً يترقب، ثم بعد ذلك رجع، وتحمل الرسالة وجاء إلى فرعون، وخرج مهاجراً ببني إسرائيل. ولوط ﵇ أيضاً خرج وهاجر وترك القرية وكان من أمرها ما كان. فهجرة نبينا ﷺ ليست بدعاً وليست جديدة، بل هي على سنن الرسل من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 38

جوانب الهجرة النبوية والجوانب التي نحددها للحديث عن الهجرة هي: أولاً منها: دوافعها، بمعنى: أسبابها ولماذا كانوا يهاجرون؟ ثانياً: مقدماتها، أي: الأحداث التي تسبق عملية الهجرة مباشرة. ثالثاً: منهجها، طريقتها، كيفيتها. رابعاً: نتائجها. وإذا جئنا إلى ما ذكرنا من هجرة الأنبياء نجد أن الأسباب والدوافع هي: تجنب إيذاء الأعداء والمشركين ليتمكن المؤمنون من وطن يؤدون فيه حق الله بحرية.

стр. 39

أسباب الهجرة النبوية من أسبابها ودوافعها: الفرار بالنفس والسلامة من القتل، ولا يكون ذلك إلا بعد الصبر والتحمل.

стр. 40

أسباب هجرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كم تحمل من قومه، وكم صابر مع أبيه! إلى حد أنهم جمعوا له الحطب وأوقدوا له النيران وألقوه فيها، وهو صابر لم يفر. ويذكر ابن كثير وغيره أنهم حينما صعب عليهم إلقاءه في النار مباشرة لعجزهم وعدم استطاعتهم الدنو منها لشدة لهيبها، جاء الشيطان وأوحى إليهم بعمل المنجنيق، والمنجنيق يرمي بالثقل إلى مسافة بعيدة، إلى أن جيء بإبراهيم ووضع في المنجنيق وهو صابر، ويأتيه جبريل ويقول: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فنعم. كلمات موجزة، وهذا كما يقولون: لكل مقام مقال؛ لأن الوقت ضيق، ولا حاجة لكثرة الشكوى ولكثرة الكلام، وكأنه يقول: علمه بحالي يغني عن سؤالي، وهل حالي خاف عليه حتى أقول له: ارحمني؟! فإنه مطلع وعالم وراءٍ، وهو يعلم. فصبر وتحمل وقاوم إلى أقصى حد، فكانت نتيجة صبره ونتيجة اتكاله على الله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ [الأنبياء:٦٩] كوني برداً ومع البرد سلام؛ لأن البرد قد يقتل، فتأتي القدرة الإلهية وتسلب النار خاصية إحراقها التي تذيب الحجر وتصهر الحديد؛ لأن الذي خلق إبراهيم وخلق النار واحد، وهو الذي أعطاها قوة الإحراق واللهيب وهو الذي يسلبها منها، بعد هذا خرج هو وسارة وكانت قضيتهما طويلة. نأتي إلى موسى ﵇، فإنه لما خرج إلى المدينة، وجد واحداً من شيعته وآخر من عدوه يقتتلان، فاستنصره الذي من شيعته، فضربه فقتله، ثم خرج وقابل الرجل الصالح أو النبي شعيباً، وتزوج ثم رجع، وجاء وكان من أمره أن الله في عودته يناديه ويناجيه ويبعثه إلى فرعون، فماذا كانت النتيجة؟ فرعون يذبح الأبناء ويستحيي النساء من قبل، والجو جو قاتل، وجاء موسى بالآيات، ولكن فرعون كابر أمام تلك الآيات ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، فما كان من موسى ﵇ وبني إسرائيل وقد أدركهم الضغط والتعذيب والتشريد والإيذاء من فرعون وجنوده إلا أن أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، فخرج، فماذا كانت النتيجة؟ البحر أمامهم وفرعون يكاد أن أدركهم، فيقول أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، ولكن موسى موقن بالله، فقد خرج بأمر من الله، وهو يعلم بأن الله لن يتخلى عنه ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء:٦٢]، وما دام معه ربه فلم يخاف من فرعون؟ ولم يخش البحر؟ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، أي: يرشدني ماذا أعمل؛ لأن قوة موسى أمام قوة فرعون ليست بشي. أيضاً تأتي المعجزة والقدرة الإلهية فتتدخل، فأوحى ربك إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه:٧٧] الماء الرجراج السيال، البحر المتلاطم، فيجمد الماء ويصير طرقاً، والأرض يابسة، وبنو إسرائيل كلهم اثنا عشر سبطاً، كل سبط لهم طريق مستقل يسيرون فيه، والطود الذي بين هذا الطريق وذاك الطريق فيه نوافذ حتى يطمئنوا على بعض، ولا يحدث قلق. صار الماء جامداً وفيه نوافذ، والذي سلب النار إحراقها سلب الماء سيلانه وأعطاه خاصية اليبوسة والجمود، وترك الطريق لفرعون ولمن جاء، وأغراه الشيطان فدخل، وكانت النتيجة إهلاك فرعون. إذاً: الرسل هاجروا، وما هاجروا إلا بعد أن أوذوا وصبروا، ولم يبق من طاقة الإنسان كبشر أن يتحمل؛ لأن الإنسان مهما كان سيؤذى وربما يتحمل لكن إلى متى؟ فكانت الهجرة.

стр. 41

هجرة المؤمنين هرباً من إيذاء المشركين أيضاً من أسباب الهجرة ودوافعها في الإسلام: إيذاء المشركين للمؤمنين، وكلنا يعلم ما كان عليه بلال وصهيب وعمار وآل ياسر: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة). بلال يؤتى به في الصحراء في القائلة، في شدة الحر على الرمضاء، لا تقدر أنت أن تمسها بقدمك، ويجرد هو ويطرح عليها، ويؤتى بصخرة حارة وتلقى على بطنه، ويقال له: ارجع عن دين محمد، فيقول: (أحد أحد). ما الذي كان يقيه هذا الحر؟ ويحمل عنه هذه الصخرة؟ إيمانه بالله ويقينه، كما قال هرقل لـ أبي سفيان: أيرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال: هكذا بشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب. أي: الإيمان إذا خالط القلوب فلا يمكن أن ينزع، ولا تقدر أن تخرجه. فاشتد إيذاء المشركين للمسلمين، حتى الرسول ﷺ ما سلم من إيذائهم، فقد كانوا يعتدون عليه، ويأتي أبو بكر رضي الله تعالى عنه ويدافع عنه، وفي بعض المرات جاء أبو بكر يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]، فتوجهوا إلى أبي بكر وأخذوا يضربونه حتى صرع، وأغمي عليه من كثرة الضرب الرسول ﷺ يصلي في ظل الكعبة، وعندما يسجد يأتي أشقاهم ويقول: إن بني فلان نحروا جزوراً اليوم فليذهب أحدكم ويأتي بسلا الجزور ويضعه بين كتفيه ﷺ وهو ساجد. وفي بعض كتب السيرة: أنه وضع قدمه على رقبته وهو ساجد، والمولى يمهله، ويذهب الذاهب إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويخبرها، وتأتي فترفع الأذى عن كتفيه. عثمان بن مظعون كان في جوار رجل من سادات المشركين، فكان يمشي في مكة ويأتي إلى الكعبة، فيرى إخوانه المستضعفين يعذبون من قبل صناديد قريش، فحز هذا في نفسه، قال: أنا أنعم بالطمأنينة والأمن بجوار رجل مشرك وإخواني يعذبون؟! انظروا المروءة والإحساس: أنا آمن وأنعم في أمن رجل مشرك وإخواني في العقيدة يعذبون! ما دام أننا إخوان في العقيدة فيجب أن نكون إخواناً في كل شيء، فذهب للذي أجاره وقال: يا فلان جزيت خيراً، جئت أرد عليك جوارك، قال: لماذا يا ابن أخي، هل آذاك أحد؟ هل تعرض لك أحد؟ قال: لا، ولكني رأيت نفسي أنعم في جوارك وإخواني يعذبون فأردت أن أكون معهم، قال: يا ابن أخي! إن كنت تريد أن ترد علي جواري فائت علانية في نادي قريش كما أجرتك علانية في نادي قريش، فجاءه في نادي قريش وقال: يا أبا فلان! وفت ذمتك؛ إنك لوفي كريم، ولكني أريد أن أرد إليك جوارك، قال: يا ابن أخي إنك في مأمن، وما السبب؟ قال: أردت أن أكون مثل إخواني يصيبني ما يصيبهم، قال: قبلت. وخرج من عنده، ويمر بناد من أندية قريش وفيهم لبيد الشاعر المعروف ينشدهم الشعر فجلس، فقال لبيد كلمته المشهورة: ألا إن كل شيء ما خلا الله باطل فقالوا: صدقت. ثم أكمل البيت: وكل نعيم لا محالة زائل قال له: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، الشاعر يقول ذلك على مقتضى قياس الدنيا؛ لأنه لا يؤمن بالجنة ولا بنعيمها، فالشاعر صادق في معتقده، والناقد للشعر أو للمقالة أو للكلمة يجب أن يراعي جميع الملابسات من كل جهة، ولكن الذي رد عليه لم ينظر من نفس الزاوية وبنفس الفكر الذي نظر به الشاعر، بل بمنظار جديد ألا وهو منظار الإيمان باليوم الآخر؛ فلما رد عليه وقال: كذبت! قطع الشاعر الشعر وقال: ما هذا يا معشر قريش! والله ما سبق أن أحداً رد على قولي قبل اليوم، وجعلها إهانة كبيرة جداً في حقه. وكانت الشعراء في السابق لهم الكلمة، وكأنه وزير الإعلام في الدولة، وكانت القبيلة تفخر بنبوغ شاعر أو ظهور فارس، لأن هذا يدافع عنها بالكلمة، وهذا يدافع عنها بالقوة، فيحميانها باللسان والسنان. فقام رجل حمية ولطم عثمان ﵁ على عينه فخضرها، وذلك لأن الكدمة تجعل الدم يحتبس تحت الجلد، فإذا احتبس الدم تحت الجلد اخضر الجلد، ثم بعد زمن يتشرب الجلد الدم، وكان الذي أجاره موجوداً فقال: والله يا ابن أخي لقد كنت في غنىً عن هذا، قال: لا والله! لعيني الأخرى في حاجة لمثل ما أصاب أختها! ما هؤلاء الرجال؟! يضرب على عينه ومجيره يقول: (لقد كنت في غنىً عن هذا، فيقول له: لا، إن عيني السليمة في حاجة لمثل ما أصاب هذه)، وذلك لأنه يعلم أنه أوذي في سبيل الله. فوقع ﵁ في الشدة والتعذيب مع المسلمين، أما الرسول ﷺ فقد كان في جوار عمه أبي طالب، وقد أعلنها: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً فكان عنده من يحميه، وأما المسلمون فلم يكن عندهم من يحميهم، فأشفق عليهم ووجههم للهجرة إلى الحبشة، وسيأتي الحديث عنها إجمالاً.

стр. 42

حصار قريش للمسلمين توفي عم النبي ﷺ ، وتوفيت خديجة رضي الله تعالى عنها. كانت الشدة التي وجدت في مكة حينئذ لم يسبق لها نظير في العالم، فقد تآمرت قريش على بني هاشم خاصة ليقاطعوهم، وكتبوا الصحيفة الظالمة في خيف بني كنانة، وفيها: لا نزوجهم ولا نتزوج منهم، ولا نبيعهم ولا نبتاع منهم. فوقع عليهم حصار اقتصادي واجتماعي، وانحصروا في الشعب، هل هناك مضارة أكثر من هذا؟ يقول ابن هشام وغيره: حتى إن بعضهم كان يأكل ورق الشجر خديجة التي كانت ذات أموال طائلة لا تقدر أن تحصل على شيء منها، وكان الرجل يأتي في ظلام الليل إلى فم الشعب بالبعير عليه الطعام ويضربه لينطلق في الشعب! والحصار الاقتصادي من أشد ما يكون على الناس، سواء كان على الأفراد أو الجماعات أو الأمم؛ لأن الإنسان -كما قيل- مدني بطبعه، وقانون الحياة مبناه على المعاوضة، فلو صدق المسلمون في استخدام هذا الحصار لنجحوا، وهو أشد سلاح. لما رجع النبي ﷺ من تبوك وجاء الثلاثة الذين خلفوا يعتذرون، أوقع عليهم الرسول ﷺ حصاراً، فمنع الناس من الكلام معهم، ثم أمرهم أن يرسلوا زوجاتهم إلى بيوت أهاليهن، قال كعب بن مالك: (أتيت إلى ابن عم لي في بستانه فسلمت عليه فلم يرد عليّ السلام! فقلت له: هل أنا مؤمن أو منافق؟ فما رد علي، فقلت: أتعلم أني أحب الله ورسوله، أم لا؟ فما رد علي، فكانت هذه أشد علي من غيرها. ابن عمه لا يرد عليه حتى السلام! فالكل قاطعهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كما حكى الله عنهم. إذاً: حينما يفرض حصار على أمة، ويشدد هذا الحصار، فهو أصعب ما يكون عليها؛ لأنك تعطل فيها الجبلة الإنسانية؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، وأنت تقطع عنه هذه المدنية، وتجعله في ضيق شديد، لا يحيا حتى كما يحيا الحيوان، فالحيوان يمكن أن يأكل من أي شيء، لكن إذا منعته المرعى والماء أصبح في طريقه إلى الموت. كتبت الصحيفة، وقوطع بنو هاشم، وكان البلاء أشد ما يكون على المسلمين، ولما أراد الله إظهار معجزة لرسوله، جاء الرسول إلى عمه وقال: (يا عم! إن الصحيفة التي كتبوها سلط الله عليها الأرضة!). وفي بعض الروايات: (فأكلت منها لفظ الجلالة!)؛ لأن الصحيفة ظالمة، ولا ينبغي أن يكون لفظ الجلالة في صحيفة ظالمة. وفي بعض الروايات: (فأكلتها إلا لفظ الجلالة) لأن لفظ الجلالة محترم، ولا تسلط عليه الأرضة، على كل سلط الله الأرضة على الصحيفة، والأرضة هي: حشرة دون النمل الأبيض كما يقولون، فأكلت الصحيفة، وميزت بين لفظ الجلالة وبين غيره، سواء أكلته أو تركته. فجاء أبو طالب إلى سادات قريش وقال لهم: الآن أفصل بينكم وبين محمد: لقد أخبرني محمد عن الصحيفة بكذا، فافتحوا الكعبة وانظروا فيها الصحيفة فإن كان صادقاً فعليكم أن ترجعوا عن المقاطعة وعليكم أن تنقضوا الصحيفة، وتعلموا أنكم ظالمون في ذلك، وإن كان كذب فيما قال أسلمتكم إياه، وشأنكم به. وتآمر معهم أيضاً أربعة نفر من الكفار بالليل، فقالوا: كيف نقاطع أبناء عمنا وأرحامنا وأقاربنا، نحن نأكل ونشرب مع زوجاتنا وهم جائعون! فاتفقوا على الدعوة إلى نقضها، وأبو طالب لا يدري ما خبرهم، وهم يدرون عن خبر أبي طالب. وفي الصباح جاء واحد من هنا، وواحد من هنا، بطريقة منظمة، وقام أحدهم وقال: يا معشر قريش! ما هذه الصحيفة التي كتبناها على بني عمومتنا، إنها لصحيفة ظالمة، ولا ينبغي أن تستمر، فقام الثاني وقال: نعم، إن هذا الحصار لباطل، وقام الثالث من هناك وقال: نعم، هذا الكلام الذي قالوه حق، ونحن لا نرضى بالصحيفة، وقام الرابع فقال مثل مقالتهم، فقال أبو جهل وكان داهية: هذا أمر دُبِّر بليل، أي: ليس وليد الساعة، بل هذا أمر متفق عليه من قبل، فلما قالوا تلك المقالة؛ قام أبو طالب وقال: أنا أكفيكم المهمة، لقد أخبرني ابن أخي بأن الصحيفة سلطت عليها الأرضة، وأخبرني بكذا وكذا، فقاموا إلى الصحيفة فوجدوها كما قال ﷺ ، فانفك الحصار. قبل الهجرة وقعت شدائد، منها تعذيب الضعفاء: كـ بلال وعمار وياسر وأم عمار، وعندما توفي أبو طالب وتوفيت خديجة اشتد عليهم الأمر وقالوا: هذه سنة الشدة؛ لأن الأمر اشتد فيها على رسول الله ﷺ ، وتجرأ عليه المشركون بما لم يكونوا يجرءون عليه من قبل. وفي هذه السنة ذهب ﷺ إلى الطائف، وكان من أمر الطائف ما ذكرنا من قبل، ثم رجع ودخل في جوار رجل مشرك، له أبناء أربعة، فأخذ يطوف مع رسول الله ويعلن جواره له، وأبناؤه بالسلاح عند أركان البيت، وجاء أبو سفيان لما رأى هذا المنظر، فقال له: أمجير أم تابع؟ أي: أنت تطوف مع محمد، فهل اتبعته وصرت معه تناصره علينا، أم أنت ما زلت مشركاً معنا وإنما أجرته؟ قال: بل مجير، يعني: وهو لا زال مشركاً، فقال: قد أجرنا من أجرت. وكان دخوله ﷺ في جوار رجل مشرك عين الحكمة، ولم يدخل في جوار مسلم حتى لا تكون القضية قضية حماس وحمية، وتقوم حرب أهلية في مكة، والمسلمون في قلة لا يمكنهم أن يقابلوا المشركين، ولو قاتلوهم حينئذ لانتهت الدعوة.

стр. 43

تآمر المشركين على قتل الرسول ﷺ ثم تآمرت قريش بكاملها على الضربة الأخيرة، فقد عجزوا عن رسول الله، وبعض أصحابه قد ذهبوا إلى الحبشة، ولم يبق معهم إلا رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا في دار الندوة ليتآمروا في ذلك. وعند اجتماعهم طُرِق عليهم الباب، فإذا بشيخ يرتدي ثياب أهل نجد فقالوا: من أنت وماذا تريد؟ قال: أنا رجل من أهل نجد، علمت باجتماعكم ولن تعدموا مني رأياً، فسمحوا له بالدخول، وكانوايعرفون أن أهل نجد أهل رأي ومشورة، وكان هذا شيطاناً في صورة إنسان، فقال: علمت أنكم اجتمعتم من أجل محمد، قالوا: نعم، قال: ماذا عندكم؟ قال واحد منهم: نحبسه ونقيده ونتركه حتى يموت، وقال آخر: نخرجه بعيداً عنا ونستريح منه، فإذا بهذا يقول: كل هذه آراء غير سليمة، فقال آخر: نقتله ونستريح، قال: بنو هاشم لا يتركون دمه، وإذا أنتم حبستموه فسيأتي بنو هاشم ويخلصونه، وإن أنتم أخرجتموه فبحلاوة كلامه وطلاوة لسانه سيألب الناس عليكم، ثم يعود ويغزوكم بمن معه، وإن قتلتموه قاتلتكم بنو هاشم، قالوا: ما هو الرأي عندك؟ قال: الرأي عندي أن تندبوا عشرة شباب من عشرة قبائل، ويبيتونه على باب بيته، فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، ولا تستطيع بنو هاشم أن تقاتل القبائل كلها، فإذا تفرق دمه في القبائل فسيقولون: نريد دم ولدنا، فتقولون: نحن كلنا قتلناه، فيتركون طلب القصاص، ويرضون بالدية، والدية دية واحدة، قالوا: هذا هو الرأي. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] يثبتوك أي: يحبسوك، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ صفة المكر من حيث هي مجردة هي صفة ذم؛ ولكن عندما تقول: فلان مكر بفلان، لكن فلان كان أمكر منه، يكون هذا من المدح، أي: كان أذكى منه، وكان أقدر منه على المكر، فتصير صفة مدح للثاني؛ لأنه أبطل مكر الأول، وهنا يقول علماء الكلام وعلماء البلاغة: هذا من أسلوب المشاكلة، ولذا أجمع علماء الكلام على أنه لا يجوز أن تسمي الله بالماكر؛ لأنه قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ في مقابل. (ومكروا)، لا تقلها وحدها، بل قلها مع أختها، حتى يتبين الفرق ويتبين فيها المدح، واستدلوا بقول الشاعر شاعر: قالوا اختر طعاماً نجد لك طبخة فقلت اطبخوا لي جبة وقميصاً كان هذا الشاعر في الشتاء، فقال له قوم: نكرمك بالأكل والشرب، فكأنهم يريدون إكرامه وإظهار الجود عليه، فقالوا اختر طعاماً نجد لك طبخه، أي: اختر الطعام الذي تريد أن نطبخه لك، فقال لهم: اطبخوا لي جبة وقميصاً، والجبة والقميص لا تطبخ، ولكن هذا في مقابل قولهم: نجد لك طبخه، أي: أنتم ترون هذا البرد وتقولون: اختر طعاماً، فقوله: اطبخوا لي، وقعت بدلاً من خيطوا لي، وهو في مقابل قولهم: نجد لك طبخه، وهنا قال الله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فهذه صفة جلال وكمال لله؛ لأنه أبطل مكر الآخرين. اتفق المشركون على ذلك، فماذا كانت النتيجة؟ رب العزة لم يتخل عن رسوله، وجاء جبريل إلى الرسول ﷺ قال له: (لا تبت في فراشك الليلة) وجعل رسول الله ﷺ علياً ينام مكانه، وخرج ﷺ تحت ظلال تلك السيوف، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، وكانوا عشرة قد ألقى الله عليهم النعاس، وكانوا واقفين مستندين على الجدران، والسيوف في أيديهم، فمر من أمامهم ولم يره أحد منهم، ولم يخرج ويتركهم في حالهم، بل أخذ التراب من تحت أقدامهم وجعله على رءوسهم، زيادة في إذلالهم، واعتزازاً بدين الله، وبتأييد الله له. إن إيذاء المشركين للمسلمين جعلهم يهاجرون، والإيذاء كما وقع على أفراد المسلمين، كذلك وقع على رسول الله ﷺ ، وكان آخر ذلك الإيذاء التآمر على قتله! لم تكن الهجرة هروباً بدون موجب، ولا خروجاً بدون صبر، بل تحملوا وصبروا إلى أقصى ما يمكن، عثمان بن مظعون الذي قال: إن عيني السليمة في حاجة إلى ضربة مثل الثانية، هل يوجد صبر أكثر من هذا؟ وآخر يطرح في الصحراء في الرمل الحار وتوضع الصخرة عليه ليرجع عن الدين فيقول: (أحد، أحد و) أم عمار تُغرّق في الماء وتعذب، ثم تقتل بالحربة بطعنة في فرجها! فصبروا إلى ما لا نهاية، وبعد هذا جاء الفرج. إذاً: الهجرة من سنن الأنبياء، ونحن لماذا نشرح السيرة بهذا الأسلوب؟ أنا أرجو أن يكون هذا الأسلوب أخف ما يكون لطلبة العلم، وعامة لكل الحاضرين والمستمعين؛ لأن الهجرة ليست مجرد أرقام، أو سرد أحداث، أو مجرد وقت نمضيه، بل في كل جانب من جوانبها دروس وعبر، وسبق أن كتبنا في الثمانينات معالم على طريق الهجرة، وذكرنا في كل خطوة منها معلماً إسلامياً للدعوة، وعرفنا أن الهجرة من سنن الأنبياء، وعرفنا أن الهجرة سببها الإيذاء، وإذا كان المسلم يعيش في جو إيذاء وإرهاب فهل يستطيع أن يؤدي عبادة الله؟ لا يقدر، إذاً: عليه أن يطلب موطناً آخر يمكن أن يؤدي فيه حق الله بطمأنينة.

стр. 44

مقدمات الهجرة انتهينا من الدوافع والأسباب، بقيت المقدمات. والفرق بين المقدمات والأسباب: أن المقدمات أحداث وقعت إبان الهجرة ساعدت عليها، أما الأسباب فهي الأمور التي دفعت للتفكير فيها، وجعلتهم يهاجرون، فالمقدمات هي الأحداث التي واكبت بداية الهجرة، وقبل وقوعها وساعدت عليها، وهيأت الجو لها. أقرب لك الموضوع بضرب مثال: لو تريد أن تبني بيتاً، ما هو سبب بنيانك للبيت؟ قد يكون السبب هو السكن، لأنك جربت بيوت الإيجار؛ قد يقول لك صاحب البيت: اخرج، أو يقول: زد في الأجرة، فهذه أمور تجعلك تفكر بأنك تبني لك بيتاً. ثم من المقدمات لذلك صندوق التنمية، فاقترضت منه، الآن هذا ليس سبباً بل مقدمات، وبعد أن تقترض تعمل مخططاً، وتنظر مواد البناء، فهذه مقدمات موجودة تساعد على إقامة البنيان على حسب المخططات، وعلى حسب مرادك، ثم النتيجة: تسكن وأنت آمن، لا أحد يقول لك: اخرج. الهجرة لها دوافعها وأسبابها، وقد انتهينا منها على سبيل الإجمال، وطالب العلم له أن يبحث عن المزيد ويضيفه إلى ذلك.

стр. 45

بيعة العقبة كانت قضية الطائف تجمع بين الأسباب والمقدمات، لكن من المقدمات الفعلية: أن النبي ﷺ في موسم الحج كان يأتي القبائل في منازلها، وكانت منى والمزدلفة وعرفة أسواقاً من أسواق العرب، وكانت عرفة وذو المجاز وعكاظ على طريق اليمن، والقبائل تأتي إلى عكاظ من الطائف، فمنى كلها أسواق تجارية للعرب تجتمع فيها، ويعلنون فيها انتاجهم الأدبي، فالشاعر ينشد قصيدته، والخطيب يلقي كلمته، والتاجر يبيع سلعته من الحيوانات أو غيرها من المبيعات، ويتبادل الناس السلع والأغراض في تلك الأسواق. فالمشاعر كانت أسواقاً في الجاهلية، وكانت أيضاً أماكن عبادة في الحج، فكان ﷺ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويأتي القبائل في منازلها، ويقول لهم: أنا رسول الله، هل فيكم من يحميني حتى أبلغ دعوة الله؟، مرة قال له رجل: أنا أحميك فماذا لي من بعدك؟ قال: لك ما للمسلمين، قال: لا؛ بل يكون لي الأمر من بعدك، قال: ما هي مساومة ولا ميراث. فكان يعرض نفسه ﷺ على القبائل، وقبل الهجرة بسنتين جاء نفر من الأوس أو الخزرج ومعهم سيدان من ساداتهم، قال: من أنتم؟ قالوا: من الخزرج، قال: من حلفاء يهود؟ قالوا: بلى، قال: ألا تجلسون أُحدثكم؟ قالوا: نعم، فجلسوا، فحدثهم وقال: أنا رسول الله، ألا تتبعونني! ألا تؤمنون بي، ألا تبلغوا قومكم. فلما سمعوا كلمة: (رسول الله) كان ذلك شيئاً جديداً عليهم. وكان من المقدمات السابقة للهجرة أن أهل المدينة كانوا أصنافاً متعادين: اليهود ثلاث قبائل: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، وأما العرب فكانت: الأوس والخزرج، وأحياناً تقوم حروب بين الأوس والخزرج، وبعضهم يستنصر بقبائل اليهود، وأحياناً تقوم الحرب بين العرب وبين اليهود، فلما تضيق الضائقة على اليهود يقولون: سيبعث نبي آخر الزمان، ونتبعه ونقاتلكم معه، ثم نفنيكم كما أفنيت عاد وثمود، يهددونهم بالنبي الذي سيأتي، فلما سمعوا كلمة: أنا نبي، وهم كانوا موجودين في الحرم، قال بعضهم لبعض: لعل هذا هو النبي الذي يتوعدكم به اليهود، وعندهم خبره، واليهود لا يدرون من هو هذا النبي، ومتى يكون، لكن هذه إرهاصات ومقدمات. فكان عندهم خيال وسماع عن النبي ﷺ ، فإذا بهم يجدون النبي أمامهم، فقالوا: لا تسبقكم يهود إليه، فتعاهدوا معه ورجعوا إلى المدينة خفية، وانتشرت الأخبار خفية عن اليهود، وفي العام الثاني يذهب من المدينة من الأوس والخزرج سبعون بدل السبعة، وتواعدوا أن يجتمعوا عند العقبة في آخر الليل، وكان ﷺ قد أرسل مصعب بن عمير ليعلم أهل المدينة، وقصته طويلة. فجاءوا بعد نصف الليل إلى العقبة، وجاء مع رسول الله العباس رضي الله تعالى عنه يستوثق له، فقال لهم: أتبايعونه على الهجرة إليكم؟ قالوا: نعم، وله علينا عهد أن نحميه مما نحمي منه أنفسنا وأولادنا، فقال: يا معشر الأوس والخزرج! إن كنتم واثقين من أنفسكم وبيعتكم فذاك، وإن كنتم تخشون أن تتكالب عليكم العرب وتتراجعون عنه فإنه في منعة من قومه، فقالوا: نحن على عهدنا، فقال ﷺ : أخرجوا لي اثني عشر نفراً منكم، يكونون نقباء عليكم. فأخرجوا له اثني عشر رجلاً، وكانوا نقباء على قومهم، ومن العجيب أن هذا العدد -اثني عشر نقيباً- يعادل عدد أسباط بني إسرائيل! كما قال الله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]، فكانوا اثني عشر سبطاً، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل عند العرب، فكانوا اثني عشر نقيباً، ونصبهم نقباء على هؤلاء، وتمت البيعة. تمت البيعة في آخر الليل والناس بمنى نائمون، لا أحد منهم يعلم بالبيعة، هنا يأتي موقف على طالب العلم، بل وعلى كل رجل سياسي، بل وعلى كل شخص مسئول، يقف الرسول ﷺ موقف المسئولية، ويقدر الأبعاد، وكان الرسول يعرض نفسه على القبائل، ولم يواجه أحداً، فهؤلاء بعد البيعة -وهم عدد لا يستهان به- قالوا: (يا رسول الله! ائذن لنا) بدون فوضى، بل يلتزمون بالأمر، ويستمعون ويطيعون، ولا يتصرفون إلا بعد الأمر قالوا: (ائذن لنا أن نميل على أهل الموسم بأسيافنا)، وهم وإن كانوا سبعين فقط، والقوم سبعة آلاف نياماً وآمنين، فالقلة المسلحة التي تأتي على تبييت نية وغدر؛ يمكن أن تقتل الآلاف، فماذا كان من رسول الله ﷺ ؟ هل قال: هيا خذوا حقي، هيا انتصروا؟! لا والله! بل قال: (إنا لم نؤمر بحرب) أي: مثل ما استئذنتموني فأنا أستئذن ربي، إذاً: المسألة ليست فوضى، هم يستأذنون رسول الله ﷺ ويطلبون الأمر والإذن منه، وهو ينتظر الأمر من الله، وهكذا الكون، وهكذا النظام، وهكذا تكون الأمة ويستقر أمرها، أمة ضاربة بين يدي رسول الله، ولكن مع القوة الضاربة حلم وعقل ورشاد وثبات وصدق ومنهج. فإذا كان الداعية في أمة ووجد شباباً متحمساً ومندفعاً فلا يدفعهم؛ لأنك إذا كنت على سفح جبل، وأمامك صخرة فلن تقدر على أن تحركها، لكن إذا جاء سيل ودفعها من فوق فإنك تستطيع دفعها ولو كنت ضعيفاً، لكن مع الدفع الشديد الذي حركها إذا أردت أن تدفعها؛ زدت في اندفاعها. فالشباب المتحمس لا ينبغي أن نزيد في حماسه وندفعه على غير هدى، بل يجب توفير ما يقولون عنه: عوامل الضمان، ولذا فمسيرة الدعوة إلى الله تحتاج إلى قوة وحماس وشجاعة وتضحية، ومعها عقلية، وحلم، وروية، ونظر، وتجاوب، وقيادة حكيمة؛ لأن القوة بدون قيادة حكيمة مثل الوحش، ولكن: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني ولولا الرأي يدبر الشجاع لألقى بنفسه إلى التهلكة، ولا قيمة له! يتقدم هؤلاء ويعرضون على رسول الله ﷺ قوة ضاربة وحماساً لا نظير له، والرسول ﷺ يخبرهم بأن الوقت لم يحن، وكل شيء له أوان. تمت البيعة، وذهب مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلم الناس الإسلام، وكان يأتيهم على مياههم، وانتشر الإسلام في المدينة. وكان هناك مهاجرون في الحبشة، وقد أشرنا إلى موقفهم، ولنتعد هذه الحلقة، ونبقى في المقدمات! إذاً: من مقدمات الهجرة: مجيء نفر من المدينة من الأوس والخزرج، وقد سمعوا من جيرانهم اليهود بمبعث نبي فيقاتلونهم معه، فسبقوهم إليه.

стр. 46

الإسراء والمعراج ومن المقدمات أيضاً: الإسراء والمعراج فكان له دور من التأييد، والطمأنينة، ومن زيادة الإيمان واليقين وعلى ما هو عليه ﷺ . كان الإسراء والمعراج قبل الهجرة بسنة وأشهر، وكيف يكون الإسراء والمعراج مقدمة للهجرة؟ كان الرسول ﷺ في بيت أم هانئ في مكة، يريد الله في تلك الأزمة بعد عودته من الطائف -على المشهور عند علماء السيرة- أن يكرمه، رجع الرسول من الطائف إلى مكة وهو مكسور الخاطر، ونتلطف مع رسول الله ﷺ في العبارة؛ لأن كل ما أصابه كان في سبيل الله. إذاً: رجع من الطائف بغير ما كان يتوقع، وكان دخوله مكة بصورة لا نرضاها لأنفسنا، ولكن رضيها ﷺ لنفسه من أجل مصلحة المسلمين، فكان الموقف موقف شدة، وتضييق وإساءة، فكان الإسراء والمعراج، فيه غرضان: الغرض الأول: مواساة رسول الله ﷺ بسبب ما ناله من أهل الطائف. الغرض الثاني: إطلاعه على الملأ الأعلى، وعلى مستقبل الدعوة. كأنه قال له: الطائف أساءت إليك وأدمت قدميك، فلا تحزن وهلم إلى بيت المقدس، فهو خير من الطائف ألف مرة، ومنعوك من الدخول إلى مكة إلا وأنت في جوار رجل مشرك، فلا تحزن، هلم فإن أنبياء الله ورسله، سيستقبلونك. ثقيف وقريش لم يستقبلوه، والله جمع له الأنبياء ليستقبلوه في بيت المقدس. ومر على موسى ﵇ وهو في قبره يصلي عند الكثيب الأحمر كما في الحديث، ويجده أيضاً مع الأنبياء عندما استقبلوه، الآن عندما يأتي ضيف للدولة يكون في استقباله سمو كذا ومعالي كذا وفضيلة كذا، وكبار الشخصيات، لأنه ضيف الحكومة، فالرسول كان في ضيافة المولى، فكان الأنبياء في استقباله عند قدومه بيت المقدس، فهذه تعوض عليك أحسن مما فات. وكأن الله قال لرسوله: سلطوا عليك السفهاء، وحن عليك عتبة وشيبة بقطف عنب، فهذه ثلاثة أوان: إناء من لبن، وإناء من ماء، وإناء من خمر، اختر؟ فيلهمه الله أن يختار اللبن، فيقول له جبريل: (هديت إلى الفطرة، ولو أخذت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو أخذت الخمر لغويت وغوت أمتك، ولكن هديت إلى الفطرة) فصار هذا أحسن من كرامة ثقيف وضيافتهم. يأتي أمر الصلاة، وما هو وقت صلاة الفريضة، فإنها لم تفرض، ولكن النافلة موجودة، نريد أن نصلي فمن يؤمنا؟ آدم أبو البشر موجود، نوح موجود وهو أبو البشر الثاني، إبراهيم أبو الرسل موجود، موسى الكليم موجود، عيسى كلمة الله موجود، فمن الذي يتقدم هؤلاء؟ نحن نعرف في شرعنا -وإن كان شرعنا لا يدل على شرع من قبلنا: - (لا يؤمن الرجل الرجل في بيته إلا بإذنه)، فإذا كنت ضيفاً عند أحد ولو كنت المفتي، فليس لك حق في أن تتقدم عليه وتصلي به -لأنه صاحب البيت- حتى يأذن لك. نعم هناك حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، لكن الحق في البيت لصاحب البيت، فإذا قدم صاحب البيت غيره، فهذا يدل على أن صاحب البيت تنازل عن حقه، وأكرم من قدمه. فجميع الأنبياء كانوا في موطنهم؛ لأن الشام بلد الأنبياء، ما بعث الله نبياً إلا من أرض الشام وحول بيت المقدس، حتى انتقلت النبوة إلى الحجاز، وبعث إسماعيل، ثم بعث الرسول ﷺ من ذريته، فيكون من التكريم العظيم استقبال الأنبياء لسيد المرسلين، وتقديمهم له عليهم ليصلي بهم، فهل كان في هذا تعويض عن الذي فات أم لا؟ هل فيه مؤانسة عن تلك الإساءة أم لا؟ نعم بلا شك. ثم يكون من بيت المقدس العروج إلى السماء، وهنا وقفة: إذا كان في نهاية الرحلة عروج إلى الملأ الأعلى، ويقولون: إن مكة والكعبة أعلى نقطة على وجه الأرض إلى جهة السماء، أي أقرب، فلماذا لم يكن العروج من مكة إلى السماء مباشرةً؟ قالوا: لأن الرسول ﷺ لو عرج به من مكة إلى السماء ثم نزل، لم يكن عنده ما يقوله لأهل مكة؟ وهم غير مصدقين، لكن لما يؤخذ من بيت أم هانئ في ليلة يذهب فيها إلى بيت المقدس، ويصلي بالأنبياء، ثم يعرج به إلى السماء ويرى ملكوت الله الأعلى، ويريه الله من آياته الكبرى، ثم ينزل ويرجع بالبراق ويأتي إلى أهل مكة، ويقول لهم: ذهبت السماوات العلى عن طريق بيت المقدس، فسألوه: كيف بيت المقدس؟ فيجد في يده ما يقدمه إليهم من بينات على تلك الرحلة، وإذا أثبت لهم الذهاب إلى بيت المقدس والعودة في تلك الليلة فممكن أن يثبت ما بعده! إذاً: كان الذهاب من مكة إلى بيت المقدس لأن الله فتح له بيت المقدس، ويريد المولى سبحانه أن يقيم البرهان لـ هرقل على ذلك الحدث، فـ هرقل كان ينظر في النجوم، ولما جاءه خطاب رسول الله بعد الهجرة: (أسلم تسلم)، سأل أبا سفيان عن رسول الله عدة أسئلة. فـ هرقل علم أن هذا نبي حقاً، فأراد أبو سفيان أن يرمي إلى بركة العسل حجراً، فيعكرها، فقال: ألا أخبرك بخبر تعلم كذبه؟! قال: ما هو؟ قال: أُخبرنا بأنه جاء إلى مسجدكم هذا وصلى فيه ورجع في ليلة واحدة، ونحن نضرب له أكباد الإبل شهراً! فقال سادن المسجد الأقصى: والله لقد علمت بتلك الليلة، وقص خبره.

стр. 47

الهجرة النبوية [٤]

стр. 48

حال الأوس والخزرج قبل الهجرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة: تقدم الكلام على موضوع الهجرة، وتقدم بيان أن الحديث يتناوله من عدة جهات، وذكرنا الدوافع والأسباب التي أدت إلى الهجرة، سواء كانت هجرة النبي ﷺ ، أو هجرة الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وكان ملخص ذلك: اشتداد إيذاء الكفار للمسلمين، وتضييقهم عليهم، وعدم تمكينهم من أداء عبادتهم لله على الوجه المطلوب، ومعلوم أن الأرض كلها لله، والإسلام لا يعرف وطناً. ثم ذكرنا من مقدمات الهجرة: خروجه ﷺ إلى الطائف، وهو من الأسباب والمقدمات، وكان من أقوى المقدمات مجيء أناس من الأوس والخزرج كانوا يسمعون من اليهود بقرب مبعث نبي سينتمون إليه، ويقاتلون العرب معه ويستأصلونهم، وكان من عادته ﷺ أن يعرض نفسه على العرب في مواسم الحج وفي أسواق العرب، فعرض نفسه على هؤلاء النفر وعرفوه، ثم رجعوا إلى المدينة وفشا الخبر بها، وفي العام الثاني تضاعف العدد، وكانت بيعة العقبة من المقدمات. وأيضاً مما قوى ودعم تلك المقدمات: ما جاء في قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (كانت الحرب بين الأوس والخزرج مائة سنة، كلما أخمدت اشتعلت، وما انتهت إلا قبل الهجرة النبوية بخمس سنوات، فكانت تهيئة لمقدم رسول الله ﷺ لأنهم ملوا الحرب. وفعلاً -يا إخوان- الحرب دمار وضياع، والمنتصر فيها خسران، وكما يقولون: الحرب في أوائلها تقبل كفتاة تدل بجمالها وبشبابها وبروائها، فتغري المغرورين الذين ينخدعون بزخرفها ومطامعها، وخاصة إذا كانت لديهم العدة والعتاد، فعند نشوة القوة لا يفكرون في العواقب، ولكنها بعد فترة تقف كعجوز شمطاء قد ذهب شبابها، وذبل رواؤها، وانطفأ جمالها، وتقوس ظهرها! ظلت الحرب بينهم مائة سنة، وملها الناس، وأخذ كل يبحث عن الخلاص، وكان اليهود إذا غُلبوا يتوعدون العرب ببعثة نبي آخر الزمان وأنهم سوف يتبعونه، فكان الجو في المدينة مهيأً، وأري النبي ﷺ دار هجرته كما قال: (أريت دار هجرتي، أرضاً سبخة ذات نخيل، وأُراها هجر أو يثرب). هجر هي: الأحساء، ويثرب هي: المدينة، والذي يعرف البلدين يجد الشبه بينهما -في التربة والمناخ والأشجار- قوياً جداً، ثم أراد الله الكرامة والشرف والخير للمدينة.

стр. 49

حادثة الإسراء والمعراج الحديث عن الإسراء كمقدمة للهجرة نوجزه في الآتي:

стр. 50

بداية الإسراء كان ﷺ في بيت أم هانئ -كما في رواية البخاري - مستلقياً على ظهره، فإذا بسقف البيت انفرج، ودائماً ننبه أن السيرة النبوية ليست مجرد قصص أو روايات، بل يجب على المسلم أن يقف عند كل جزئية وكل حدث ليستخلص العبرة. انفرج السقف ونزل ملكان بصورة رجلين فأخذاه إلى الحطيم إلى زمزم، وشقا صدره، وأخرجا قلبه وغسلاه بماء زمزم، وملآه إيماناً وحكمة، ثم كانت الرحلة المباركة. نقف وقفة: هل هذه أول مرة يأتيه ملك أو ملكان، أو أن جبريل وغيره كانوا يأتون إليه مراراً؟ وهل كانوا يرونه موضع مجيئهم؟ لا. لم يكن يشعر إلا وجبريل عنده، يأتي من الجدار أو الباب أو السقف أو الأرض، لا يدري إلا وجبريل أمامه، لكن في هذه المرة بالذات تغاير مجيء الملك عن المرات الأخرى، في المرات المتقدمة كان يأتي جبريل ويوحي إليه بما أوحاه الله إليه، يجيء مجيئاً سلمياً تعليمياً، لكن هذه المرة كان فيها شق الصدر، والصدر دم ولحم وهو إنسان، فلكي لا يجزع ﷺ أراه الله هذا السقف ينفرج وهو جماد من جذوع النخل أو من خشب الشجر، وينزل من نزل منه ثم يعود فينطبق، فإذا رأى الجماد الذي لا يحس ولا يلتئم ولا يلتحم؛ إذا رأى بعينه انفراجه والتحامه، فلا يشق عليه إذا أسند ووسد ليشق صدره، والصدر دم ولحم, وكم من عضو ينجرح ثم يلتئم؛ لأن الجسم فيه حيوية وقابلية لالتئام الجروح، فالتئام الجرح بعد الشق أقرب وأيسر من التئام السقف وهو من الجماد؛ فكانت هذه كما يقال: عملية تنبيه وطمأنينة لرسول الله ﷺ . فإن قيل: قد سبق أن شق صدره وهو رضيع في بني ساعدة عند حليمة رضي الله تعالى عنها؟ نقول: نعم، ولكن كان طفلاً صغيراً، ولما جاء أخوه من الرضاعة إلى أمه وقال: أدركي أخي! فإن رجلين أخذاه فأضجعاه وشقا صدره! أي: غصباً عنه، والآن هو كبير، بعد البعثة، وهو وفي درجة النبوة عندما يشق صدره، إذاً: كان انفراج السقف بمثابة الطمأنينة، وشق صدره لم يكن عملية جراحية فيها تخدير، بل يرى بعينه، ويدرك بقلبه وشعوره.

стр. 51

شق الصدر ليلة الإسراء ودوره في التهيئة للمعراج هنا وقفة أخرى: ما الحاجة إلى شق الصدر، وغسل القلب بزمزم، وملؤه إيماناً وحكمة ويقيناً؟ السلف كانوا يقولون: من باب التبرك، وزيادة الإيمان واليقين، أما نحن الآن فنستطيع أن نضيف شيئاً جديداً؛ لأننا في زمن غزو الفضاء، وفي زمن تدريب وتهيئة رجال الفضاء، فهم تأخذهم الدول، وتجري لهم التجارب، وتعمل لهم الاحتياطات في زمن طويل، ثم تلبسهم من اللباس ما يقاوم الطقس الجوي، ويقاوم عملية الاحتكاك، ويضعونهم في مركبات خاصة، ولولا ذلك المركب لاحترقوا من سرعة وقوة احتكاكهم بالهواء وبالأجرام من حولهم. كان ذاك العمل يحول من شخصية رسول الله ﷺ من بشر عادي إلى بشر فوق العادي من الناحية المادية والجسمانية، ليستطيع أن يقاوم وأن يخترق هذا الفضاء مع سرعة الانتقال وشدة الاحتكاك دونما ضرر عليه. ومن جانب آخر -وهو أقوى وأهم- تهيئة يقينية معنوية روحية ليقوى على القيام في ذاك المقام الذي ذكره القرآن: بالتنويه عنه ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٢ - ١٤]، ثم ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٧ - ١٨]. فتلك الآيات الكبرى يزيغ بصر الإنسان العادي عنها، ولا يقوى على تصورها، ويطغى فؤاده فلا يقوى على إدراك ما هو أمامه، أي: تأخذه دهشة الموقف، ولكن ما سبق لرسول الله جعله رابط الجأش، ثابت القدم، حاد البصر، ثابت الجنان، قوي القلب، ما زاغ بصره عما رأى من سدرة المنتهى ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦]. (ما) هنا للتنكير وللتعظيم، كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢]، وأمام هذا الذي غشي السدرة ما زاغ البصر، وما زاغ الفؤاد، مع أنه رأى من آيات ربه الكبرى! إذاً: كان هذا الإعداد ليتهيأ وليقوى على ذلك الموقف، وقد جاء في الحديث: (أن سدرة المنتهى ينتهي عندها خبر الأرض، وينتهي إليها خبر السماء، ووقف جبريل عندها وقال: هذا منتهاي يا محمد؛ تقدم أنت!)، إذاً: الموقف يحتاج إلى إعداد، ويحتاج إلى تهيئة، فكان ذلك بشق الصدر وملئه إيماناً وحكمة. وجيء بالبراق، والبراق -كما وصفه ﷺ دابة دون الفرس وفوق الحمار، يضع حافره حيث انتهى طرفه، أي أن خطوته مد البصر، كما يقال في عرف الوقت الحاضر: سرعة الضوء، وسرعة الضوء تتضاعف أضاعفاً على سرعة الصوت، إذاً: لا نستنكر الذهاب في لحظات، والعودة في لحظات. قُرِّب البراق فلم يثبت، فقال له جبريل: (اثبت! فما ركبك خير منه) ﷺ ، يقولون: إن إبراهيم ركب البراق، وكان يأتي من الشام إلى مكة عليه لكي يزور هاجر وإسماعيل، وهي شهر ذهاباً وشهر إياباً! فيذكرون أن البراق كان في الأمم الماضية ولكن: ما ركبه خير منه ﷺ ، فثبت البراق، وتصبب عرقاً، وينطلق رسول الله ﷺ عليه بصحبة جبريل إلى بيت المقدس.

стр. 52

الربط بين أحداث السيرة من واجب أحداث السيرة والتاريخ: الربط بين الصور المتقاربة، أو الجمع بين المتماثلات، ففي رحلة الإسراء مر ﷺ بالمدينة، وببيت لحم وغيرها إلى بيت المقدس، وبين الهجرة والإسراء سنة وبضعة أشهر. ففي الإسراء يأتي البراق ويأخذه من مكة إلى بيت المقدس في سرعة كسرعة الضوء، وبرفقة جبريل، بعد هذا جاءت الهجرة، والهجرة: انتقال الدعوة إلى موطن جديد، وكان الصديق رضي الله تعالى عنه تارة يمشي أمام رسول الله، وتارة من ورائه، وتارة يميناً، وتارة يساراً، فرأى منه رسول الله هذه الحالة فقال: (يا أبا بكر ما لي أراك تارة أمامي، وتارة ورائي، وتارة عن يميني، وتارة عن شمالي؟) أي: لماذا أنت غير مستقر على حالة واحدة؟ وانظر الفداء الصحيح، وانظر إلى الإيمان بالله؛ قال: (أتذكر الرصد فأكون أمامك) أي أخاف أن يكون هناك من يرصد الطريق فأكون أنا أمامه، (وأتذكر الطلب) أي: من يلحقهم من روائهم، (فأكون خلفك)، وكذلك عن اليمين واليسار. ولذا يجب على ولاة الأمور والقادة عند الأمور العظيمة الخطيرة أن يأخذوا أهبتهم لها، وأن يعدوا العدة، ولا يكونوا غافلين، فقال ﷺ : (يا أبا بكر! أتود لو كان شيء أن يكون فيك دوني؟ قال: بلى يا رسول الله أريد ذلك!)، حقاً لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح عليها، وقال معللاً لذلك: (يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، إن أصب أصب وحدي -أي: أنا فرد من الناس- أما أنت فصاحب الرسالة) أي: لست فرداً من الأمة، بل أنت تحمل رسالة الله إلى الخلق، إذاً: من واجب الخلق جميعاً أن يفدوا رسول الله بأنفسهم وأموالهم. خرج رسول الله، ودخل الغار، ومكث فيه ثلاثة أيام، بينما في الإسراء والمعراج كان بصحبة جبريل، فذهب في لحظات ثم رجع، لماذا لم يأت البراق في رحلة الهجرة كما جاء في حلة الإسراء والمعراج. فتلك رحلة سماوية وهذه رحلة أرضية، فكان الإسراء بالبراق وبصحبة جبريل، والهجرة كانت على الأقدام وعلى الرواحل، وباختفاء وبدخول إلى الغار، وبقيادة رجل مشرك، وهو عبد الله بن أريقط وهو على دين قومه. أما المغايرة فلأن رحلة الإسراء كانت رحلة تكريم، ورحلة اطلاع ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] فهي رحلة محاطة بالبركة والخير (لِنُرِيَهُ)، وهذه الرؤية البصرية لها آثارها فيما بعد على ما سيظهر في درس الهجرة. في الهجرة تشريع لكل الدعاة المسلمين، ولكل المصلحين أن يأخذوا الأهبة، ويعدوا العدة، ويلتزموا هذا المنهج، أما حدث الإسراء فكان فوق العادة، وحدث العادة في قانون البشر وفي استطاعة المخلوق أن يصدقه وأن ينفذه. ثم ننبه على قضية قد يثيرها بعض الناس وهي: الاستعانة بالكافر، هذا رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق ومكة مليئة بالرجال الخبيرين بالصحراء، ولكن لما لم يوجد مثل هذا الرجل المشرك خريتاً في الطريق أميناً على السر، فاستأجره رسول الله؛ لأنهم كانوا يخفون الهجرة، فائتمنوه على الرواحل، وواعدوه بعد ثلاثة أيام، فأتاهم إلى الغار، وانطلقوا على بركة الله. وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: الاستعانة بالكافر فيما لا علاقة له بالدين والتشريع والحلال والحرام لا بأس به، ما دام يحقق مصلحة للمسلمين، والعالم الإسلامي كله بأجمعه من شرقه إلى غربه، قاصيه ودانيه إلا من شاء الله، حينما يأتي موسم الحج، يأتون في البواخر والطائرات، ويقودها رجال غير مسلمين من جهة شركة فرنسية، أو روسية، أو إنجليزية، ولا مانع أن يكون قائد الطائرة الذي يوصلنا إلى الحرمين كافراً، ولا نقول: نحن لا نسافر بالطائرة إلا أن يكون الطيار مسلماً وموحداً وسنياً وسلفياً، فما علينا من هذا، وهذه المسألة يأتي التعليق عليها في محلها إن شاء الله.

стр. 53

قصة أبي سفيان مع هرقل هرقل حينما راسله النبي ﷺ بعد الهجرة يدعوه إلى الإسلام قال لأعوانه: لقد ظهر نجم نبي الختان، فأي الأمم تختتن؟ قالوا: العرب، قال: جاءني خطاب من رجل من العرب يدعي النبوة، وقد ظهر نجم نبي الختان. يعني: تطابق ما يعرفه في النجوم وما جاءه من الكتاب. ونحن لا نؤمن بعلم النجوم، وكذب المنجمون ولو صدقوا. قال: فإذا جاء وفد من العرب فآذنوني، فجاء أبو سفيان وكان هو قائدهم في الحرب والتجارة، فأجلسه بين يديه، وأجلس من معه خلفه، وقال: إني سائله فإن صدق فصدقوه، وإن كذب فكذبوه، فأخذ يسأله: هذا الذي بعث فيكم أكان له أب أو جد ملكاً عليكم؟ قال له: لا. قال: أكان له أب أو جد أو عم يدعو إلى ما دعا إليه؟ قال: لا. قال: أجربتم عليه الكذب؟ قال: لا. قال: من يدخل في دينه أيخرج عنه رغبة عنه؟ قال: لا. قال: أيتبعه الأغنياء أم الفقراء؟ قال: الفقراء. قال: أوقع بينكم وبينه حرب؟ قال: نعم، قال: كانت الدائرة لكم أو عليكم؟ قال: تارة لنا وتارة علينا؛ لأنه لم يقع بينهم إلا بدر وأحد إلى آخر الأسئلة. فقال للترجمان: أخبره أنه لو كان لآبائه ملك، لقلنا: يدعو إلى ملك آبائه باسم الدين، ولو كان في قومه من يدعو إلى النبوة وفشل فيها لقلنا: قلد من كان قبله، فأقول لك: إذا ترك الكذب عليكم فلأن يدع الكذب على الله من باب أولى، وأقول: إن الدين لا يدخله ولا يتمسك به إلا الفقراء، وهم أتباع الأنبياء؛ لأن الأغنياء يخافون على سلطانهم. وأقول: إن الذي يدخل الإيمان قلبه لا يرتد عنه إذا خالطت حلاوة الإيمان بشاشة القلوب، ثم قال: والله ليملكن موضع قدمي هاتين!! حينئذ سقط في يدي أبي سفيان؛ لأنه كان يتمنى أن يستنهض ملك بني الأصفر على رسول الله ﵌، ففتش في سجلاته، وعاد الخداع السياسي والدعايات الكاذبة، والعواطف المثيرة. وإثارة العواطف والحرب الباردة يستعملها العدو دائماً.

стр. 54

قصة عمرو بن العاص مع النجاشي عمرو بن العاص استخدم هذا عند النجاشي لما أرسلته قريش ليسترد المهاجرين إليها انتقاماً لغزوة بدر. ولما دخل على النجاشي ركع له كما يفعل أتباعه، وجلس عنده باحترام، وأخبره بأن جماعة جاءوا إليكم، وخرجوا عن دين آبائهم، ولم يدخلوا في دينك، فلما استدعاهم وبينهم جعفر، دخلوا عليه فلم يسجدوا له، قال: انظر إنهم لم يسجدوا لك، ولم يعتبروك عظيماً، يريد إثارة الملك عليهم، فقال: ما لكم لم تسجدوا لي كما يسجد الآخرون تحية؟ قالوا: ما كنا لنسجد لغير الله، وكانت هذه صفعة على عمرو، ثم قال: وما هذا الدين؟ قال: كنا في جاهلية وكنا وكنا فرحمنا الله وبعث فينا رجلاً منا، نعرف مولده ونشأته ونسبه، فأمرنا بعبادة الله وحده، وأمرنا بالصدق، وصلة الأرحام، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، ولا نغدر بقريب أو بعيد، ولا ننقض العهد مع الجار والبعيد. حينئذ كانت أيضاً صفعة من جهة ثانية على عمرو، فقال: اسأله: ماذا يقول صاحبهم في عيسى بن مريم؟ النصارى يقولون في عيسى: ابن الله، وبعضهم يقولون: ثالث ثلاثة، وبعضهم يقولون: الأب والابن وروح القدس، أشياء كثيرة يقولونها، فقال: ماذا يقول صاحبكم في عيسى بن مريم؟ قال جعفر: والله! لقد اشتد الأمر عليّ، ولكن لا أقول إلا ما قال الله في كتابه وأنزله على رسوله: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول وروح منه. فأخذ النجاشي بيده عوداً من الأرض -أي: قشة صغيرة- وقال: والذي أنزل التوراة والإنجيل! ما زاد صاحبكم على ما جاء به عيسى ولا مثل هذه، اذهبوا سيحوا في أرضي ما شئتم، وأسلم ﵁، فكان عمرو بن العاص يحب أن يصطاد في الماء العكر، ويثير النجاشي على المسلمين حتى يقول له: خذهم وردهم إلى مكة، فكانت النتيجة بالعكس. أيها الإخوة إن المولى سبحانه وهو رب الحق وهو رب الدين يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، ويقول في آية الفتح: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، وفي الصف قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩] فهذا تحد. أبو سفيان لما رأى أن الملك موافق ومصدق بالرسول ﷺ ويعد بأن محمداً سيملك موضع قدميه، قال: أيها الملك! لأخبرنك بأمر تعرف به كذبه، قال: ما هو؟ قال: لقد أخبرنا أنه في ليلة جاء إلى مسجدكم هذا، وصلى فيه، ورجع إلينا من ليلته، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً! وفي عرف السياسيين هذه تعتبر كذبة كبيرة، كيف نحن نضرب إليه أكباد الإبل أياماً وهو ذهب ورجع في ليلة؟ هذا شيء لا يمكن تصوره في العقل أبداً، ولكن الأمور فوق العقل، الأمور إما أن تنسب إلى العبد المخلوق، وإما أن تنسب إلى الخالق رب القدرة ورب الكون، الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن، فيكون، حينما قال أبو سفيان هذه المقالة، وقبل أن يفرغ هرقل من التعجب ومن الاستبعاد، نطق قائم على رأس هرقل وقال: نعم، لقد علمت بتلك الليلة. ما هذه المفاجأة! هرقل فوجئ بخبر أبي سفيان، فإذا به يفاجأ بما هو أكبر! لو وقفنا عند هذه الأحداث نحلل ونتأمل، هل نقرأ السيرة على أنها أحداث؟ لا والله، هذه إرادة الله لتبرز حقيقة الرسالة المحمدية فتسخر لها أعداء الإسلام، فإذا بالملك ينتبه ويقول: وما أدراك بهذه الليلة؟ قال: كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، وأذهب بالمفاتيح، وفي تلك الليلة جاءني الخدم وقالوا: إن الباب الفلاني -سماه باب العمود أو باب كذا- استعصى علينا إغلاقه، فذهبت فإذا بالخشبة التي تحتها قد منعت الباب من أن يغلق، هذه عجيبة، وما هي بالسحر ولا هي مغناطيس، ينظرون بأعينهم أن الخشب قد منع الباب والخشب لا ينكسر فلم يبق إلا أن يهدموا الجدار، قال: فدعوت النجاجرة ولم يقل: النجارين، وهذه عبارة ابن كثير في البداية والنهاية، فدعوت النجاجرة، يعني: هم عمال لخدمة المسجد، إن احتاج نجارة أو سباكة أو أي عناية ببيت المقدس، فعالجوه فعجزوا عنه فقالوا: لقد أمسى الليل، ولا نستطيع معالجته الآن، فلندعه إلى الصباح وفي ضوء النهار نصلحه، فقلت: لا بأس، فغدونا في الصباح فوجدنا الخشبة قد رجعت محلها! والباب قد رجع إلى ما كان عليه! فعرفت أن بابنا لم يمسك إلا لنبي، فهذه دلالة قوية على صدق ما قال. ماذا يقول أبو سفيان؟ أبو سفيان قدم هذه من أجل أن تكون حجة له على كذب محمد ﷺ ، وحاشاه من ذلك، فإذا بها تنقلب عليه! فصارت حجة عليه، وليس من واحد من أهل مكة من جماعته بل من خاصة الملك.

стр. 55

الإيمان بالغيب في الإسراء والمعراج قال رسول الله ﷺ : (مررت بموسى ﵇ قائماً يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ولو كنت هناك لأريتكم قبره) يعني: هو متأكد وليست بأوهام أو رؤى، بل يقول: لو كنت موجوداً الآن في محل ذاك الكثيب الأحمر لقلت لكم: هنا قبر موسى، وهنا كان يصلي! معالم في طريقه تنفي الادعاء والتوهم، وحقائق يقينية، ثم إذا به يرى موسى مع الأنبياء في استقباله، ويراه أيضاً في السماء السادسة، كان في الأرض ثم هو في السماوات!! كيف هذا؟! مر عليه بالبراق وهو يصلي، فإذا به يجده أمامه في السماء!! اسحبوا الكيف، فالكيف هنا ملغي، فلا يورد السؤال بالكيف والتشبيه والتكييف على ما كان فوق العادة وما كان خارقاً من المعجزات، لا تقل: كيف نبع الماء من أصابعه؟ كيف سبح الحصى في كفه؟ كيف حن الجذع إليه؟ كيف بردت النار على إبراهيم؟ لأن الكيف لا يسأل به عن الله ولا صفاته ولا أفعاله! إذاً: موسى كان يصلي في قبره، وهل الذين دفنوا موسى جعلوا له حجرة كبيرة، لأنه سيقوم ويقف ويصلي، أو أن هذا عالم البرزخ؟ هذا عالم البرزخ، وعالم البرزخ لا يخضع للمعقولات ولا للمنطق، إنه وراء المعقول، وقد قال ﷺ -وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى- (القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار) وجاء في الحديث أيضاً: (ويمد له فيه مد البصر) التراب كم فيه من الملايين؟ ولو مد لاثنين أو ثلاثة أو واحد مد البصر أين البقية؟! إذاً: لا تقل: كيف، فإنه قادر على كل شيء. يقول ابن كثير في تاريخه في وقعة البحرين: لما ذهب العلاء بن الحضرمي ووجد العدو قد حاز السفن إلى الجزيرة قال لجنده: (إني عازم على أمر، قالوا: وما هو؟ قال: أن أخوض البحر ونعبره لنقاتل العدو!! -ليس عنده سفن ويريد أن يمشي على الماء- وقد أراكم الله في البر آية، وهو قادر على أن يريكم في البحر آية). والآية التي أراهم الله تعالى في البر أنهم كانوا في صحراء الدهناء، وتلك المنطقة تبعد عن الرياض حوالي سبعمائة كيلو وكلها رمال، حينها نفد ماؤهم ولم يبق إلا الموت، فإذا بهم في ساعة اليأس والشدة ينظرون بأعينهم في وضح النهار إلى سحابة تأتي من بعيد حتى تقف فوقهم، وتمطر عليهم. سبحان الله! ما الذي أوقفها عندهم؟! لماذا لم تحط حملها هناك؟ لماذا لم تتعداهم؟ فقد كان معها توقيت، كما قال الله: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف:٥٧] فالله هو الذي يسوق السحاب ويسخره ويرسله، ثم أمطرت عليهم بأمر الله، فكيف تكون فرحتهم؟ لم يكونوا نائمين وقاموا ورأوا الماء، بل كانوا يرونها بأعينهم.

стр. 56

من معجزات الأنبياء صلى الله عليهم وسلم وكما وقع في هذا المسجد في المدينة عندما جاء الأعرابي يستغيث برسول الله ﷺ أن يستسقي لهم ربه، فقال: ادع لنا ربك، ماتت البهائم، وجف الضرع إلى آخر ما قال، فيرفع ﷺ يديه وهو على المنبر في خطبة الجمعة، ويطلب من الله السقيا، يقول الراوي: فما بيننا وبين سلع من دار ولا بيت. انظروا تخطيط المدينة كيف كان! فقد كان جبل سلع عند الباب الشامي، من المسجد إلى جبل سلع لم يكن يوجد بيوت. فنشأت سحابة من وراء سلع قدر الترس، والترس مستدير قطره تقريباً (٧٠%)، يتترس به الفارس ويتقي به ضربة الخصم، فنشأت سحابة كالترس صغيرة من وراء جل سلع، وكان وراء سلع أرض حارة قاحلة ولا يوجد بحر وراء سلع، وهذه نشأت من وراء سلع، حتى استقلت في سماء المدينة وانتشرت، وكانت مثل الترس فما الذي زاده؟ إنه الله سبحانه ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد:١٢]، ينشئه إنشاءً من العدم، فأمطرت قال الراوي: (فوالله! ما رأينا الشمس سبتاً)، السبت كناية عن أسبوع، أي: بقت هذه السحابة التي كانت قدر الترس وانتشرت أسبوعاً وهي تمطر، لا نريد أن نتكلم مع أصحاب الجغرافيا، وأصحاب تبخير البحار، وتبخير وتكاثف الماء، فالله الذي يسوقه حيث شاء إلى بلد ميت فيخرج به نباتاً فيحيي به الأرض بعد موتها. ثم جاء الأعرابي يطلب من النبي ﷺ أن يمسك السحاب عن المطر، يا سبحان الله! إن عطشنا اشتكينا، وإن شبعنا وارتوينا اشتكينا، هكذا الإنسان؛ فيرفع ﷺ يديه ويسأل الله أن يمسكها عنهم، فتمسك ويخرجون يمشون في الشمس ببركة دعاء رسول الله ﷺ الذي سأل الله فأجابه. نرجع إلى العلاء بن الحضرمي، قال: إن الله قادر أن يريكم آية في البحر كما أراكم آية في البر، فذكرهم واستدل لهم على قدرة الله بما وقع لهم في البر، فكانت القدرة تخطط بمقدمة لكي تعطيهم البصيرة، والنموذج. قالوا: توكل على الله ونحن معك؛ لأن الذي أنبع لنا الماء في الصحراء قادر على أن يجعل البحر أرضاً يبساً. فيتقدم ويخاطب البحر ويرجع إلى الله: (أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند نقاتل في سبيل الله، عزمت عليك لتجمدن لنعبر عليك حتى نقاتل أعداء الله، ثم قال لهم: امضوا باسم الله على بركة الله. يقول ابن كثير: ما ترجّل فارس ولا احتفى منتعل، فالراكب سار على فرسه، والراجل سار على رجليه، أقول: ليس ذلك على بساط الريح ولا على بساط البحر، بل على بساط القدرة، وذهبوا وقاتلوا وانتصروا وفتح الله عليهم وعادوا غانمين. بعدما رجعوا أصيب قائدهم العلاء ومات، فحفروا له ودفنوه، وبعدما دفنوه إذا بقوم من أهل تلك الأرض أتوهم بعدما نفضوا أيديهم فقالوا لهم: إن هذا الذي دفنتموه إن كان يعزّ عليكم لا تتركوه هنا، إن هذه الأرض تلفظ موتاها! وهذا أمر عجيب، الأرض تلفظ موتاها، والأرض لها طبيعة وإدراك، فهناك أشجار تمتص الدماء، وهناك أشجار تأكل الحشرات، فهؤلاء قالوا: إن طبيعة هذه الأرض أنها تلفظ الموتى، فهل يوجد جيولوجي يستطيع أن يذكر لنا السبب؟ فقالوا: ما حق ابن الحضرمي أن نتركه نهباً للسباع، فعزموا على نبش قبره ونقله إلى أرض لا تلفظ الموتى، فرجعوا إلى قبره، فنبشوه القبر فلم يجدوا فيه أحداً، ووجدوا القبر مد البصر. ولا نقول: إن هذه تجربة لتصديق حديث رسول الله، فإن الصادق المصدوق لا يحتاج إخباره إلى التجارب، فقد يخطئ الشخص في إجراء التجربة، وقد يخطئ في مقاييسه وموازينه، وهذا من باب التقريب لفهم حديث النبي ﵊، الذي لا ينطق عن الهوى. إذاً نرجع إلى موسى فقد رآه النبي ﵊ قائماً في قبره، إذاً: قبر موسى متسع يقوم فيه وينام. سعيد بن المسيب من خيرة وأفاضل كبار التابعين، يقولون في ترجمته: مضت عليه أربعون سنة ما نظر في قفا رجل في الصلاة؛ فقد كان يصلي في الصف الأول: وعشرون سنة لم يؤذن المؤذن للصلوات الخمس إلا وهو في المسجد، فلم يكن حمامة من حمائم المسجد، بل قل إن شئت: طوبة من طوب المسجد، بل ركناً من أركان المسجد. في وقعة الحرة -إي والله إنها كانت حرة شديدة وشديدة الحرارة- خلت المدينة وتعطلت الصلوات في المسجد النبوي عن أذان وإقامة ثلاثة أيام إلا من سعيد بن المسيب، فقد كان يأتي في أوقات الصلوات، كما في شرح العقيدة الواسطية لـ ابن الرشيد وابن تيمية وغيرهم يقولون: إنه سئل: كيف تصلي؟ قال: كنت أسمع الأذان من داخل الحجرة! فمن يؤذن هناك؟ وهل هذا نخضعه للعقل؟ لا؛ لأنه أمر خارق للعادة، وما كان معجزة لنبي فهو فوق العادة، وما كان كرامة لولي فهو تابع لمعجزة النبي، لأن هذا الولي الذي جاءت الكرامة على يده ما جرت لشعوذة ولا لمعصية، إنما جرت على يده لأنه على طريق صاحب المعجزة. إذاً: صلى النبي ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماوات وإلى الملأ الأعلى، حتى وصل به جبريل ﵇ إلى سدرة المنتهى، وقال: يا محمد هذا منتهاي فتقدم، ذاك الموقف ليس لأحد أن يجتهد فيه، ولا أن يقيس عليه، إنما هو أمر خارق للعادة فوق المعقول، ويقف كل إنسان على المنقول فيه. تقدم ﷺ ، وكان كما قال سبحانه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:٩ - ١١] وأوتي ﷺ هناك الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، وسورة الفاتحة ثم رجع، فلما رجع لقيه موسى وقال: بم رجعت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة. قال: لقد بلوت بني إسرائيل قبلك بأقل من ذلك وهم أقوى أبداناً فعجزوا، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فالتفت الرسول إلى جبريل كأنه يستشيره قال: نعم ارجع، فرجع وخفف عنه من خمس إلى خمس حتى صار الخمسون خمساً. هناك ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، فقد رأى المصطفى ﷺ بعيني رأسه وببصره لا ببصيرته، الجنة وما فيها من نعيم، ورأى النار وما فيها من جحيم عياذاً بالله، ورأى نتائج أعمال الأمة من عملٍ صالح وعمل طالح، ويدخل الجنة ويحدثنا عن أحداثها ومشاهدها، ويذكر بعض فضائل عمر وزيد بن حارثة وبلال وأشياء عديدة. وقد ساق أخبار الإسراء والمعراج ابن كثير في تاريخه وتفسيره، وذكر حوالي أربعين حديثاً فيما رأى ﷺ في تلك الرحلة، والذي رآه ﷺ في تلك الليلة هو منهج عملي لنتائج الأعمال من تشريع وأخلاق وتوجيه وعقائد، ثم رجع إلى الأرض. أقول: أيها الأخوة! الذي شاهد الجنة وما فيها ورأى نتائج أعمال الأمة، يزداد يقيناً بأن دعوته ماضية، وأن رسالته منطلقة وكاملة ونتائجها أمامها، فحينما يرجع إلى الناس فإنه يدعوهم وكله ثقة ويقين بما وعده الله. ولهذا لما تآمروا على قتله ليلة الهجرة خرج في ظلال عشرة سيوف ولم يبال بها، وأخذ التراب ووضعه على رءوسهم، لأنه مطمئن مستيقن بنصر الله، ولما كان في الغار وأبو بكر خائف يقول: (لو نظر أحدهم أسفل قدميه لأبصرنا فيقول: ما بالك باثنين الله ثالثهما) فكان في غاية الطمأنينة، وفي غاية اليقين، على ما سيأتي إن شاء الله. ثم يرجع وما بين بيت المقدس إلى مكة يعطيه الله الوثائق والمستندات التي يقدمها للمنكرين في تلك الرحلة، يقول: خذ هذا الإثبات، وهذه الأدلة على تلك الرحلة الصادقة، فمن ذلك: أنه مر على قوم نيام، معهم ماء في إناء فيأخذ الماء ويشربه ويضع الإناء ويمضي. ويمر على قافلة يتقدمها جمل أورق عليه غرارتان صفتهما كذا. ثم يأتي وقبل أن يطلع الصبح، وتخرج أم هانئ فتجده جالساً مستغرقاً في التفكير فتقول له: (بم تفكر يا رسول الله، قال: لقد أُسري بي هذه الليلة إلى بيت المقدس، وعرج بي إلى الملأ الأعلى، وعدت في صبيحة يومي) أو قال: (أرأيت مبيتي هذا عندك! لقد عرج بي إلى السماء، قالت: يا رسول الله! لا تحدث به القوم فيكذبوك، فقال ﵊: بل لأحدثن به). ويخرج من عندها إلى البيت الحرام، ويجلس منعزلاً كجلسته عند أم هانئ، فمر عليه أبو جهل فقال له: (يا محمد هل من جديد؟ -من باب الاستهزاء- قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: قد أُسري بي الليلة إلى بيت المقدس وعرج بي وعدت في الصباح، فقام أبو جهل يصفق ويصفر، وقال: أتقول هذا القول إذا دعوت قومك إليك؟ قال: نعم. فقال أبو جهل: هلموا يا قريش فاسمعوا من محمد ما يقول، وجاءوا إليه يهرعون، فأعاد عليهم المقالة). هذا وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 57

الهجرة النبوية [٥]

стр. 58

مواجهة الرسول لقريش بخبر الإسراء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: أيها الإخوة! وصل بنا الحديث في قضية الهجرة إلى بيان أسبابها ومقدماتها، ومن تلك المقدمات: الإسراء والمعراج، وقد أُسري برسول الله ﷺ وعرج به، وعاد من الإسراء وأخبر أم هانئ رضي الله تعالى عنها، فأوصته الكتمان مخافة أن يكذبه قومه، وذلك استبعاداً منها أن يصدقوه، فما استجاب لها، وخرج إلى الكعبة وهي تمسك بردائه، فيذهب ويجلس وينفرد عند الكعبة عن أندية قريش، ويمر به أبو جهل ويسأله من باب الاستغراب: هل من جديد يا محمد؟ فيقول: بلى. فيخبره بحدث الإسراء والمعراج، فإذا به يطير تعجباً ويقول: إذا ناديت القوم أتخبرهم بما أخبرتني؟ قال: بلى. وهنا يتساءل الإنسان: لماذا خرج ﷺ ولم يبادر بإخبارهم؟ ولماذا انفرد في مجلسه وفي بعض الروايات: (فجلس كئيباً يفكر)؟ ولعل الجواب في ذلك بأنه لم يخبرهم ابتداءً لما علم من شدة وقع الخبر على أم هانئ، فعلم أنهم سيكونون مثلها، ولاسيما وهم لم يؤمنوا، أما جلوسه منفرداً وعلى تلك الصورة فهذا يعطينا ما كان عليه ﷺ من تحمل المسئولية، فهو الآن بين أمرين: إن أخبرهم فهو يعلم أنهم سيكذبونه. وإن سكت فقد كتم ما أمره الله به، وهو لا يمكن أن يسكت أو يكتم حقاً ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٦٧] ولهذا كان مقام النبوة تكليفاً عظيماً بجانب أنه تكريم وتشريف. ذهب أبو جهل ودعا القوم، وقال: أخبرهم بما أخبرتني به، فأخبرهم، فقاموا ما بين مصفق ومصفر مستبعدين هذا الحديث، وذهبوا إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقالوا: ألم تسمع ما يقول صاحبك؟ قال: وماذا قال؟ قالوا: يقول إنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء في ليلة! قال: إنه لم يقل ذلك. قالوا: بلى إنه قال؛ فهلم واسمع منه. قال: إن يكن قاله فقد صدق! قالوا: أتصدقه في أنه أتى بيت المقدس ورجع في ليلة، قال: بلى. ثم كشف لهم عن حقيقة الأمر، فقال: إني لأصدقه على خبر السماء -ومعلوم أن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة، وسمك كل سماء خمسمائة سنة، وما بين كل سماء وسماء خمسمائة سنة- فكيف لا أصدقه على بيت المقدس؟

стр. 59

قاعدة انطلاق العمل بالشرع نقف هنا وقفة مع قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٧ - ٢٨] ثم يأتي بجملة اسمية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، وعند هذه الجملة -المبتدأ والخبر- تقوم جميع التكاليف، وينبني جميع التشريع، ويلتزم المسلم بكل أوامر ربه. قاعدة انطلاق العمل والاعتقاد بكل أنواعها: من عقائد، معاملات؛ دنيوية وأخروية، وبشرية؛ لأن الإنسان الفرد قبل أن يوقن ويؤمن بأن محمداً رسول الله لن يقبل شيئاً، أما إذا آمن وصدق بأن محمداً رسول الله فإنه سيقبل كل ما جاء به محمد في رسالته عن الله؛ ولهذا لما جاء سهيل بن عمرو في صلح الحديبية وأرادوا أن يكتبوا الصحيفة قال ﷺ : (اكتب يا علي! هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال: سهيل بن عمرو: لا تكتب (محمد رسول الله) لو كنت أعلم أنك رسول الله ما قاضيتك ولما منعتك عن البيت، اكتب: محمد بن عبد الله)؛ فقاعدة الإيمان نقطة الانطلاق، بل هي الفارق بين الحق والباطل، بين الإيمان والتصديق والكفر والتكذيب، (محمد رسول الله) كلمة من قالها التزم بكل ما جاء به. وقد أشرنا أن الرسول ﷺ حدث أصحابه ذات يوم فقال: (إن رجلاً من بني إسرائيل ركب بقرة -ماشية بطيئة- فالتفتت إليه وقالت: يا هذا؛ إنا لم نخلق لهذا! فقالوا: يا عجباً بقرة تتكلم! فقال ﷺ : نعم وأنا أومن بذلك ومعي أبو بكر وعمر وما هما ثمة) أي: لم يكونا موجودين والرسول يخبر عنهما أنهما يصدقان ذلك كما هو يصدقه، والذي جعل الرسول ﵊ يحكم على أبي بكر وعمر بأنهما يصدقان بذلك وهما ما سمعا ولا حضرا، أنه يعلم مدى يقين وإيمان أبي بكر وعمر بما يحدثهما به. وقال ﵊: (عدا الذئب على غنمة فطلبها الراعي واستنقذها منه، فقال الذئب للرجل: من لها يوم لا يكون لها راع غيري؟ فقالوا: عجباً لذئب يتكلم! قال: وأنا أومن بذلك ومعي أبو بكر وعمر). وقد حدث في هذه الأمة مثل ذلك، يقول ابن كثير: في عام الوفود سنة تسع من الهجرة، بعد فتح مكة وقبل حجة الوداع، جاءت وفود العرب إما لتعلن إسلامها، وإما لتجدد إيمانها، وفي تلك السنة جاء وفد الذئاب!! قال الذهبي: فجاء ذئب وأخذ يحوم حول القوم إلى أن جاء إلى رسول الله ﷺ وأخذ يلعب بذنبه وأخذ يحادثه، فإذا بالرسول ﷺ يقول: (هذا وافد الذئاب إليكم، كم ستعطونه من أغنامكم، قالوا: والله لا نعطيه شيئاً)، فهذه أمور فوق العقل، ولكن إذا صحت عن رسول الله ﷺ فلا إشكال بعد ذلك. ومن ذلك كثير، فالجماد -الحصى- سبح في كف رسول الله ﷺ ، والجذع يحن إليه ويسمع حنينه جميع من في المسجد، والذي يهمنا هو قوله ﷺ : (تكلم الذئب وأنا أومن بذلك ومعي أبو بكر وعمر، وما هما ثمة). منطلق تصديق أبي بكر وعمر وشهادة رسول الله لهما أساسها إما سماع وإما مشاهدة، والشاهد سمي شاهداً لأنه شاهد بعينه، والشاهد يعلم الغائب، وهذه ليست عن مشاهدة بعين ولا باستفاضة سمع، ولكن عن إيمان وتصديق بأن محمداً رسول الله.

стр. 60

وصف الرسول ﷺ بيت المقدس لقريش وبعد أن اجتمعوا عليه ﷺ قالوا له: صف لنا بيت المقدس، وهم يعلمون أن النبي ﵊ لا يعرف بيت المقدس ولم يسافر إليه قبل ذلك، وأنه عندما خرج به عمه إلى الشام لقيهم راهب في الطريق وكان هذا الراهب يعرفه أهل مكة وينزلون عنده ويبيتون ويضيفهم، فكان يسأل ويقول: أبعث فيكم نبي؟ قالوا: ما سمعنا بهذا، فلما كان ذلك الوقت الذي مر فيه النبي ﷺ صنع لهم طعاماً، وقال: احضروا مأدبتي، وما كان يفعل ذلك من قبل، فحضروا جميعاً، فلما نظر في وجوه القوم فلم يجد طلبته قال: أكلكم حاضر، قالوا: ما غاب عنا إلا غلام قال: ائتوا به؛ فلما جاءوا به وعرف علاماته قال لعمه: ماذا يكون منك هذا الغلام، قال: ولد أخي، قال: ارجع به ولا تذهب به إلى الشام إني أخاف عليه اليهود، فإنه سيكون له شأن. يقول ﷺ : (فلقد كربت كرباً شديداً) أي: لسؤال قريش؛ لأن لهم حق الطلب وهو ليس عنده الجواب لأنه دخله ليلاً فكيف يصفه؟ وهذا السؤال فيه دليل على أنه ﵊ أُسري وعُرج به روحاً وجسداً في اليقظة. الخلاصة قال ﵊: فكربت كرباً شديداً، فإذا بجبريل ﵇ يرفع لي بيت المقدس فأراه وأنظر إليه. وأخذ يصفه لهم بقدرة الله . ولا تسل: كيف؟ بل الواجب علينا أن نؤمن بذلك: هل انفرج له طريق في الفضاء، وأزيحت له الجبال، هل جيء به أمامه؟ هل أعطي القدرة على الرؤية عن بعد؟ كل هذا بقدرة الله، وكما أخبر ﷺ ، فقد جلاه له جبريل وأخذ ينظره ويديره ويقلبه ويصفه من كل جهة شاءوا. فذهلوا وصدقوا وأيقنوا أن الوصف صحيح، لكنهم لم يصدقوا بأنه أُسري به في ليلة، ثم قال لهم: مررت بعير بني فلان وسمع حفيف البراق فند جمل لهم وانكسرت فخذه، ومررت بعير لبني فلان وكانوا نياماً واضعين ماءً في إناء مخمر بكذا فشربت الماء، ومررت بعير بني فلان تصل إليكم مطلع الشمس يقدمها جمل أورق وعليه غرارتان صفتهما كذا. فخرجوا ينتظرون العير في الموعد الذي أخبرهم به، وفي تلك الساعة المحددة بطلوع الشمس إذا بالعير تخرج عليهم كما وصف ﷺ . وبعد فترة جاءت عير بني فلان، فسألوهم عن الماء، فقالوا: نعم كان لنا ماء في إناء مغطى وفي الصباح لم نجد منه شيئاً، ثم جاءت عير بني فلان فسألوهم عن البعير الذي ندّ وانكسرت فخذه، فقالوا: نعم والله في المحل الفلاني سمعنا صوتاً وما رأينا شيئاً؛ لأن الدنيا كانت ليلاً. والحكمة من هذا الجمع بين بيت المقدس وبين البيت الحرام هي إعلام النبي ﵊ أن تلك الأرض ستكون أرضاً إسلامية يفتحها الله على أمة الحبيب محمد ﵊. ولتكون رحلة الإسراء دليلاً على المعراج؛ لأنه لو عرج به ﵊ من الكعبة مباشرة إلى السماء، فمن أين سيأتي لهم بعلامات وأدلة على صدقه، وهم أصلاً لا يعرفون السماء.

стр. 61

دخول النبي ﷺ للجنة وما رآه فيها (دخل النبي ﵊ الجنة، ورأى قصراً عظيماً فيها، فيه حور عين فقال: لمن هذا؟ قالوا: لفتى من قريش يقال له عمر بن الخطاب يقول ﷺ : لقد هممت أن أدخل وأنظر ما فيه، ولكني تذكرت غيرتك يا عمر، فيبكي عمر -فرحاً بهذا الخبر واحتراماً لما احترم به رسوله شعوره- ويقول: أو منك أغار يا رسول الله). ورأى أيضاً قصراً لـ زيد بن حارثة رفيقه في رحلة الطائف. وأيضاً سأل بلالاً: (أي عمل لك أرجى عند الله؟ لقد سمعت حفيف نعليك أمامي في الجنة) بلال عبد حبشي اشتراه أبو بكر وأعتقه، وليس ملكاً من ملوك العالم ولا سيداً من سادات العرب؛ لكن الإسلام أعلى وأعز نسباً فيقول: (يا رسول الله! إني ما أحدثت حدثاً إلا أحدث له وضوءاً، وما توضأت وضوءاً إلا وصليت به ركعتين)، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بسنة الوضوء فقال: (بذلك سبقتني يا بلال) فنسب العبد عند الله عمله لا غير. وذكر نتائج أعمال الجهاد في سبيل الله، الذين يحصدون وينبت النبات من ورائهم ثم يحصدونه مرة أخرى، وكلما انتهوا من الحصاد رجعوا ثانية وهكذا، وهذا هو تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] ورأى ما عليه أكلة الربا، ورأى من لم يعمل بعلمه والآثار والنتائج المترتبة على ذلك، وأصبح يوم البعث الذي هو غيب مخفي عن البشر حقيقة مشاهدة أمامه، فازداد بهذا يقيناً؟

стр. 62

ترتيبات الهجرة في بيت أبي بكر والخروج إلى الغار ثم بعد ذلك كان أمر الأوس والخزرج من المبايعة، وكان حدث الهجرة، وقد هاجر الكثيرون. والرسول ما بادر بالهجرة قبل الناس بل كان كأنه يقود ركباً، وقائد الجيش يكون في المقدمة عند المعركة وفي مؤخرته عند الرحلة، فتأخر ﷺ في مكة ولم يبق بعده إلا إنسان عاجز عن الهجرة، وكل من كان يستطيع الهجرة فقد هاجر، وهناك كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يتطلع إلى الهجرة مثلما هاجر الناس، أما عمر فقد هاجر وعثمان هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وكلما أراد أبو بكر الخروج إلى الهجرة يقول له ﷺ : (لا تعجل لعل الله يجعل لك رفيقاً).

стр. 63

مجيء الرسول ﷺ إلى بيت أبي بكر تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما كانت تمر ليلة ويخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي إلى بيت أبي بكر إما عشية أو صباحاً) تقول: (وفي ظهيرة يوم أتى رسول الله ﷺ إلينا وما كان يأتي في مثل تلك الساعة، فلما دخل وسلم تنحى له أبو بكر عن سريره وأجلسه بجواره، فقال ﷺ : أخرج عنا من هنا). تبدأ الآن الخطة، وهي تحتاج إلى كتمان وسرية، وهكذا كان منهج الهجرة تشريعاً وتعليماً ومنهج وطريقة حياة، لكل الدعاة يجب عليهم أن يعملوا بها، قال: (أخرج عنا من هنا، فقال أبو بكر: يا رسول الله! ما هما إلا ابنتاي، وما عليهم بأس، قال رسول الله ﷺ : لقد أذن لي في الهجرة، فقال أبو بكر: الرفقة يا رسول الله، قال: نعم، قالت: عائشة: والله ما رأيت إنساناً يبكي فرحاً كبكاء أبي بكر في ذلك اليوم) فقال أبو بكر: (يا رسول الله! هاتان راحلتان كنت أعددتهما لهذا اليوم). قال العلماء: فذهب أبو بكر وبحث عن الدليل الخريت الذي يؤتمن على السر ويقوم بالخدمة، فجاء إلى عبد الله بن أريقط وكان على دين قومه، ولكنه معروف مشهور بالأمانة والوفاء، وبمعرفة الطريق، فأعطاه الرواحل وواعده عند الغار بعد ثلاثة أيام.

стр. 64

خروج الرسول ﷺ من مكة ومطاردة قريش له تقول عائشة ﵂: فلما كان ليلة الهجرة علمت قريش أن المسلمين قد هاجروا إلى المدينة، وأن رسول الله ﷺ قد وجد داراً وأهلاً وأعواناً وسيقاتلهم بهم. فأرادوا قتله، وأرادوا تنفيذ المؤامرة في ليلة الهجرة كما جاء في الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. فجاء ﷺ إلى علي وقال: (يا علي! نم في فراشي وتسجَّ ببردي ولن يصل إليك منهم أذى). علي في ذلك الوقت عمره في حدود السبع عشرة سنة، وها هو إيمان الفتية، وها هو أثر الشباب والناشئة في نصرة دين الله، فأهل الكهف كانوا فتية آمنوا بربهم، وصاحب موسى في الهجرة لطلب العلم كان فتى، كما قال ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف:٦٢]. لما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، أتى معهم أحد الفتيان وكان صغيراً، فرده النبي ﵊، فعاد مرة أخرى يقف على أطراف أصابعه ليراه النبي ﵊ صالحاً للقتال فيقبله، لكن يراه النبي ﵊ ويرده مرة أخرى، وهكذا، فيقول له أخوه: لماذا تفعل هذا، فيقول: أريد الشهادة. وفي أحد يرد النبي ﵊ غلاماً صغيراً، فيقولون: يا رسول الله! إنه رام، فيقبله ﵊، ويمر صحابي على غلام آخر يبكي، فيسأله: ما يبكيك يا غلام؟! فيقول: أجاز فلاناً ولم يجزني وأنا أصرعه، فأخذه إلى النبي ﵊ وأخبره الخبر، فأتى بهما وتصارعا فصرع صاحبه، فأجازهما النبي ﵊. وهنا يأتي علي رضي الله تعالى عنه وينام في فراش رسول الله ﷺ وهو ابن سبعة عشر عاماً، وهو كله ثقة وإيمان ويقين بوعد رسول الله إليه: (لن يصلك منهم أذى). تقول عائشة: وخرج رسول الله مع أبي بكر من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، ويصل أبو بكر مع رسول الله ﷺ ليلاً إلى الغار، فما كان من أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلا أن يحتاط ويتحرى لرسول الله ﷺ .

стр. 65

أحداث غار ثور يقول ابن كثير: فلما وصلا إلى فم الغار قال أبو بكر للنبي ﵊: (على رسلك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار) السين والتاء في الفعل للطلب، كما تقول: أستفسر أستشفع، أي: أطلب البراء في الغار من كل ما يخشى منه، والغيران في تلك المناطق مظنة الهوام والوحوش والحشرات، فينزل أبو بكر رضي الله تعالى عنه ويتحسس أرض الغار حتى يستأمنها ثم يقول لرسول الله: أنزل على بركة الله يا رسول الله. فينزلون في الغار، وقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه من تجار مكة، وكان عنده ولده عبد الله، فقال: يا عبد الله انزل في النهار إلى مكة وكن مع الناس لتسمع ما يقولون، وفي الليل تأتي لنا بالخبر، فكان عبد الله أشبه بجهاز إعلامي، ولكن إذا غدا عبد الله في النهار وذهب في الليل فإن أثره سيظهر في الطريق، فيكون دليلاً على مكان رسول الله وأبي بكر، ولذلك أمر أبو بكر داعيه عامر بن فهيرة بأن يأتيه بالغنم ليلاً ليمحو الأثر ويسقيهما من اللبن، فأحكمت الخطة. ولما أصبح الصبح وعلمت قريش بالخبر، وأن النائم هو علي بن أبي طالب أسقط في أيديهم، ومن المعلوم أن نوم علي وبقاءه في مكة كان لأمرين: الأول: للتمويه، والثاني: لرد الودائع التي كانت عند رسول الله ﷺ لأهلها، فالعجب كل العجب كيف يأمنونه على أنفس ما لديهم من أموالهم ولا يأمنونه على (لا إله إلا الله)! وهنا نقطة عظيمة جداً في الأخلاق والأمانة والوفاء، فقد كان القوم يتآمرون على قتله ﷺ ، وهو يحتال لأجلهم لرد أماناتهم إليهم، ولم يأخذها معه، فأي وفاء وأي أمانة عند رسول الله ﷺ . والعلة في عدم ردها قبل هجرته ﵊؛ لئلا يفشي أمر الهجرة وتفشل الخطة. ثم لحق علي برسول الله ﷺ وأدركه في قباء قبل أن ينزل المدينة. هناك في الغار يأتي الطلب، واقتفوا آثار الأقدام فدلتهم إلى الغار، وهذا شيء طبيعي، وحينما وصلوا إلى الغار وقفوا حائرين بين ما ترى أعينهم وبين ما تدرك عقولهم، وقفوا وقالوا: واعجباً! هذا الأثر يقودنا إلى الغار، ولكن الغار على بابه نبت نابت متدل إلى الأرض ولم يقطع، مما يدل على أن أحداً لم يدخل. ويجدون على فم الغار نسج عنكبوت يملأ فتحة الغار، فمتى جاء العنكبوت ونسج هذا الستار الكبير على باب الغار! ويجدون على فم الغار عش حمامة وفيه بيضة، فمتى جاءت الحمامة وبنت عشها وباضت؟ عيونهم تردهم، وعقولهم تدفعهم، فوقفوا في حيرة بين منطق العقل بأن الأثر توقف هنا، وبين رؤية العين بأن فم الغار لا يسمح بدخول أحد. فأمام تلك المشاهدات رجعوا من فم الغار، وما الذي ردهم وصدهم: هل هي الجيوش المجيشة، أم هم الفرسان الأشداء؟ لا، إن الذي ردهم من أضعف جند الله -عنكبوت- قال الله عنه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] لكأن الله يقول: قوتكم وغضبكم وحميتكم ما هي إلا كبيت العنكبوت الذي شاهدتموه.

стр. 66

دروس من وقاية الله لرسوله ﷺ وأبي بكر في غار ثور هناك حدثان: أحدهما مع أبي جهل والآخر في بني إسرائيل: أما الحدث الذي مع أبي جهل والرسول ﷺ في مكة: أنه جاء رجل من اليمن بتجارة قماش، وأخذ يبيع للناس، فباع لـ أبي جهل نسيئة، وذهب إليه ليعطيه الثمن فجحده، فجاء إلى نادي قريش وقال: يا قوم!! خلصوا لي حقي، قالوا: لا نقدر. قال: دلوني على من يقدر؟ فدلوه على رسول الله ﷺ سخرية؛ ولأنهم يريدون الوقيعة بالنبي ﵊. فذهب واشتكى إلى رسول الله ﷺ ، فقام وذهب معه إلى أبي جهل، وطرق عليه الباب، فخرج إليه ورحب به ﵊ وقال: ماذا تريد يا محمد؟ فقال ﵊: أعط هذا الرجل حقه، فدخل البيت وأعطى الرجل حقه، وذهب اليمني وقال لمن دله على النبي ﵊، نِعم من دللتموني عليه! فقد أعاد لي حقي. فلما سألوا أبا جهل عن سبب ذلك قال: والله لو رأيتم ما رأيت ما تكلمتم بكلمة، والله ما إن طرق محمد عليّ الباب إلا كاد قلبي أن ينخلع، فلما خرج ونظرت إليه وجدت عند كتفيه فحلين عظيمين كل منهما فاتح فاه يريد أن يلتقمني، سبحان الله! فالله يؤيد بنصره من يشاء. ولنرجع إلى الغار: فهؤلاء القوم جاءوا بصدور حاقدة وسيوف مصلتة بأيديهم يطلبون ثأراً لهم، لأنه تحداهم وسخر منهم عندما وضع التراب على رءوسهم، وعند فم الغار لم يكن هناك فحلان أو غير ذلك، إنما كان هناك عنكبوت، ليؤكد الله لهم أنهم أضعف من العنكبوت، وقيل في تحليل هذه الأمور: إن نسج العنكبوت كان مثالاً لضعفهم، والنبت المتدلي كان رمزاً إلى النبت والجناء والزرع والغرس والخير والزيادة، والحمامة دليل رحلة السلام، وأما الفرخ الذي داخل البيضة لكأنه يقول: لا زال الإسلام في البيضة، وغداً ستنكسر البيضة، ويخرج الفرخ، فيحلق بجناحيه ويطير حيث شاء. الحدث الثاني: ما أخبر به ﷺ عن ثلاثة من بني إسرائيل خرجوا فآواهم المبيت إلى غار فلما دخلوا الغار وإذا بصخرة تقع على فم الغار وتسده، ولم يستطيعوا الخروج، وقاموا يتوسلون بصالح أعمالهم، فأولهم الذي توسل بالأمانة في حق الأجير، وثانيهم: الذي توسل ببر الوالدين، وثالثهم: الذي توسل بالعفة عن الحرام، والصخرة تنزاح بعد كل توسل شيئاً فشيئاً حتى خرجوا. أما كان من الممكن إنزال صخرة تسد فم الغار أمام المشركين، لكن لم يحدث شيء من ذلك، بل ردهم نسيج العنكبوت.

стр. 67

موقف الرسول ﷺ وأبي بكر في الغار وفي غزوة بدر وأما في داخل الغار فـ أبو بكر يقول للرسول ﵊: (والله يا رسول الله لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا؛ فقال ﵊ بكل طمأنينة: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما). ويسجل القرآن الكريم ذلك فيقول: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. قد يقول قائل: لو اقتحموا عليهم الغار من أين سيكون المفر؟ يقول بعض الرواة -وبعضهم ينكرون هذه الروايات-: إن الله فتح لرسوله فتحة من الجبل إلى البحر وأراه سفينة واقفة، وكأن الله يقول: لا تخف فنصري معك وتأييدي بين يديك. ولنعقد مقارنة بين موقف النبي ﵊، وموقف أبي بكر هنا في الغار، وبين موقف النبي ﵊ وموقف أبي بكر في بدر: ففي بدر كان النبي ﵊ خائفاً قلقاً، حتى عندما دخل العريش قام يناشد ربه ويدعوه ويقول: (اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد) وأبو بكر هادئ مطمئن ساكن، يهدئ من روع النبي ﵊ ويقول: (حنانيك يا رسول الله، والله إن الله لمنجز لك وعدك). أما في الغار فكان العكس: فالنبي ﵊ هادئ ساكن وأبو بكر قلق مضطرب يقول: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا)، والنبي ﵊ يقول: (أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما). الشدة هي الشدة، لكن لماذا تغير أسلوب التعامل هنا عن هناك؟ أما سبب اطمئنان الرسول ﵊ في الغار رغم أنهما اثنان فقط، فلأن الله قد وعده بالنصر، أما في بدر فلأنه أصلاً لم يخرج للقتال إنما خرج يريد العير فجاء النفير، ولم يكن موعوداً بالنصر، وكان خوفه على أصحابه ولم يكن على نفسه. نسأل الله السلامة وجزاه الله عنا خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 68

الهجرة النبوية [٦]

стр. 69

نصرة الله لنبيه في طريق الهجرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد مضى بنا الحديث عن الهجرة من بيان أسبابها ومقدماتها، وبدأنا في طريقتها ومنهجها وخطتها، وتقدم ما كان من اعتزام أبي بكر رضي الله تعالى عنه على الهجرة مراراً، ورسول الله ﷺ يستمهله ويقول: (لعل الله يجعل لك رفيقاً)، وكان يطمع أبو بكر في صحبة النبي ﷺ . وذكرنا ما كان من السرية والتخطيط لإنجاح هذا الحدث، وأن من ذلك: أن النبي ﷺ لما أذن له في الهجرة جاء إلى بيت أبي بكر وقت القيلولة، ولم يكن يأتي في مثل ذلك الوقت، وبعد أن أخبره وشاوره معه خرج من خوخة خلف البيت، ولم يخرج من الباب العام، وكذلك: مبيت علي رضي الله تعالى عنه في فراش رسول الله ﷺ وتسجيه ببرده، وأيضاً: اتفاق أبي بكر رضي الله تعالى عنه مع ولده عبد الله أن يكون في مكة نهاراً يستمع أخبار الناس ويأتي إليهم في الغار ليلاً يخبرهم به، ويأتي بعد ذلك الراعي عامر بن فهيرة ويمشي بالغنم على أثر عبد الله فيمحو الأثر؛ لئلا يستهدي به الأعداء إلى الغار. ثم خرج ﷺ مع أبي بكر إلى الغار، واستبرأ أبو بكر الغار في التحفظ والخوف على رسول الله ﷺ ، وفي الطريق كان تارة يمشي أمامه، وتارة يمشي وراءه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فانتبه إليه ﷺ وقال: ما بالك يا أبا بكر هكذا؟ فيقول: يا رسول الله! أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون من ورائك، وأتذكر العدو فأكون عن يمينك أو عن شمالك، فيقول ﷺ ويبين فضل الصديق رضي الله تعالى عنه: (أتود يا أبا بكر إن يكن شيء يكون فيك أنت؟ قال: بلى فداك أبي وأمي يا رسول الله، إن أهلك أهلك وحدي، أما أنت فمعك الرسالة). وهكذا يمضي الصديق في طريقه مع رسول الله ﷺ حتى إذا ما وصلا الغار يطلب من رسول الله أن يتأنى حتى يسبق أبو بكر إلى الغار ليستبرئه، مخافة أن يكون فيه شيء يؤذي رسول الله ﷺ . وانتهينا إلى دخول الرسول ﷺ وصاحبه الغار، ومكثا فيه ثلاثة أيام، وقلنا: إن الحديث على أحداث الغار يتناول من كان خارج الغار من الطالبين، ومن كان داخل الغار من المطلوبين، أما من كان خارج الغار فإن الله قد ردهم بنسج العنكبوت وبيض الحمام ونبات أخضر متدل، وانتهى أمرهم. وهناك الصديق ﵁ كان يقول لرسول الله ﷺ : (والله يا رسول الله لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا)، فكان الصديق خائفاً بينما رسول الله ﷺ يطمئنه غاية الطمأنينة ويقول: (يا أبا بكر! ما بالك باثنين الله ثالثهما!) وانتهت مدة الغار ثلاثة أيام، وهي كما يقول العلماء: مدة الضيافة، ولكأنهما كانا في ضيافة الرحمن.

стр. 70

تسجيل وقائع نصرة الله لنبيه في القرآن يأتي القرآن الكريم يسجل هذا الموقف، ويلزمنا الوقوف مع من بداخل الغار وقفة طويلة. أولاً: النص الكريم ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠] حقيقة النصر مذكورة في قول الله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]. ثم يبين سبحانه وسائل النصر ووقائعه الفعلية، فيقول: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] أول وقفة مع هذا النص النظر إلى المقابلة، فإنه ذكر الكفار، وذكر اللذين أُخرجا، فالكفار جماعة أقوياء أشداء، وهما اثنان: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠]، ليسا في برحة في الأرض بل هما في غار مصمت ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠] والصحبة فضيلة ومنقبة لـ أبي بكر ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. جاء رجل إلى أحد أولاد الحسين بن علي ﵁ وتكلم على الأحداث الماضية المؤلمة التي وقعت بين الصحابة فسب من خالف علياً فقال له رضي الله تعالى عنه: يا هذا هل أنت من أهل هذه الآية: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٨] هل أنت من هؤلاء المهاجرين؟ قال: لا. قال: هل أنت من أهل هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:٩] قال: لا. لست من المهاجرين ولا من الأنصار، قال: وأنا أشهد أنك لست ممن قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] فقم عني. وجاء رجل من الشيعة إلى ابن عمر ونال من أبي بكر في حرمانه لـ فاطمة من ميراث أبيها، فقال له: رويدك! أتتهم أبا بكر!! فأخبرني في قوله سبحانه: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] من الثاني معه؟ قال: أبو بكر ﴿إِذْ هُمَا﴾ [التوبة:٤٠] ما المقصود بـ (هما)؟ قال: الرسول وأبو بكر ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠] من صاحبه؟ قال: أبو بكر ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] مع من؟ قال: مع الرسول وأبي بكر، قال: ائتني بواحد من أصحاب رسول الله ﷺ له اثنتان من هذه الأربع، فأدبر عنه ومضى. ولما ذكرت المقارنة بين أبي بكر وبين عمر وبين علي وعثمان قال عمر: والله! لليلة من أبي بكر مع رسول الله ﷺ في الغار خير من آل الخطاب جميعاً. ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٤٠]، إذاً: فليس فقط العنكبوت وبيض الحمام، بل هناك جنود أيضاً لم نرها، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠].

стр. 71

تشابه مواقف الأنبياء في الأزمات هنا وقفة مقارنة بين أمور تختص بالغار، وأمور فيها عامل مشترك في جميع غزوات النبي ﷺ . أولاً: قال: الله في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، لا نقول: إن النون في: (معنا) نون العظمة؛ لأن الرسول ﷺ من أخلاقه التواضع، فيكون ضاماً معه أبا بكر، فمعية الله لهما. وبالمقارنة مع هذا المأزق الضيق داخل الغار فهناك موقف آخر مشابه، وهو موقف موسى ﵇ ببني إسرائيل على ساحل البحر، فإن الله أمره أن يخرج ببني إسرائيل ويمضي، قال: إلى أين يا رب؟ قال: حيث ترى السحابة فامش خلفها، فمشى وراء السحابة، فإذا بالسحابة توقفه على ساحل البحر، وأتبعهم فرعون وجنوده، فنظر من كان مع موسى فإذا البحر أمامهم والعدو وراءهم، فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، لكن قال نبي الله موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء:٦٢]. فموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول في هذا الموقف المشابه: (إِنَّ مَعِيَ)، وهنا يقول الرسول ﷺ في الغار: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). ولنعرف أيضاً منزلة الصديق ومشاركته الفعلية في الهجرة حتى استحق أن يكون داخلاً ضمن تلك المعية، ولذا جمع الضمير: (إن الله معنا) بينما موسى مع قومه كانوا خائفين وليسوا على مستوى موسى ﵇ ويقينه بالله، بل اليقين الراسخ لموسى وحده، ولهذا أفرد الضمير في المعية فقال: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي)، وما قال: (ربكم) فكانت ثقة موسى بربه وعناية الله بموسى أقوى وأشد من البقية؛ فهذه مقارنة في نوع المعية التي سجلها الله لرسوله وصاحبه في الغار. ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]، ما قال: (عليهما)؛ لأن النبي هو الأصل ومن سكينة الله عليه أخذ يطمئن أبا بكر: (ما بالك باثنين الله ثالثهما)، فقد كان أبو بكر خائفاً، وأشرنا إلى المقارنة بين خوف أبي بكر في الغار وطمأنينة أبي بكر في العريش في بدر. أبو بكر في الغار خائف والرسول يطمئنه، وأبو بكر في العريش مطمئن والرسول مبتهل بالدعاء إلى الله، وفي غاية الضراعة: (اللهم وعدك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد، اللهم انجز لي ما وعدتني) واجتهد في الدعاء حتى إن رداءه ليسقط في الأرض ويأخذه أبو بكر ويرده على كتفيه. وأشرنا فيما سبق بأن الفارق: أن النبي ﷺ حين كان في الغار لم تكن توجد بعد جماعة ولا أمة يتحمل مسئوليتها في ذلك الوقت، ويعلم بأن الله معه ومع صاحبه، ولكن في بدر كان قد خرج بعدد من المسلمين وكانوا سبعمائة وأربعة عشر رجلاً، يقابلون ألفاً من المشركين بكامل العدة، إذاًَ: كان يجتهد في الدعاء من أجل غيره لا لنفسه، كما قال الله: ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] وقال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

стр. 72

نزول السكينة من الله على رسوله نصرة وطمأنينة إذا تأملنا هذا الأمر بالذات بذاته نجد أنه من أقوى عوامل النصر في جميع المعارك؛ يقابل هذا شدة الخوف والرعب في قلوب الأعداء، فهو أقوى أسباب الهزيمة، ولكي نقف على هذه النقطة نأخذ مواقف النبي ﷺ في غزواته، وكذلك غيره من الأنبياء. فمن ذلك موقف طالوت مع بني إسرائيل: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦]، إلى أن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، هل أقروا بذلك؟ لا، بل قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢٤٧] فكان الجواب ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ [البقرة:٢٤٧] لم يقل: في المال، أو الحسب أو النسب، بل بمقومات القيادة، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، العلم للتخطيط وبعد النظر وطلب الحكمة، والجسم منفذ، ولهذا فكل قائد جهول أو أحمق إنما يردي قومه ويردي نفسه، وتكون جنايته على نفسه وعلى من معه أشد من نكاية الأعداء، وما أشبه الليلة بالبارحة. ثم يقول لهم نبيهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ [البقرة:٢٤٨]، كما قال هنا: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]، فكذلك التابوت الذي جعله الله آية لملك طالوت وبه يثبت الملك، وبه يكون النصر، ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨]. لم يكن من عوامل تثبيت ملك طالوت وتنصيبه ملكاً، تاج مرصع ولا سيف مذهب، ولا كان شيئاً من الأدوات المادية، بل السكينة وحسب، وأيضاً: (مِنْ رَبِّكُمْ) فكانت النتيجة عندما التقوا، أن قوماً قالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] وقال الآخرون: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا﴾ [البقرة:٢٥٠]، (أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) بالسكينة، (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) بالسكينة، (وَانْصُرْنَا)؛ فكانت تلك الآية من ربهم إنما هي السكينة.

стр. 73

نزول السكينة في حادثة الغار نأتي إلى النبي ﷺ فنجد أول المواقف وأولى العوامل إنزال السكينة في بادئ الأمر في بدء الهجرة: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] بأي شيء؟ ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]. ثم انظروا إلى إعجاز القرآن، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠]، لاحظوا يا إخوان كلمة: (وَجَعَلَ) جاءت مع كلمة المشركين، أما في إعلاء كلمة الله، قال: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤٠]، دون أن يأتي معها: جعل؛ لأن الجعل تصيير الشيء، تقول: جعلت القماش ثوباً، وجعلت العجين خبزاً، أي: صيرته. فهنا في هذا الموقف إشارة إلى تلك المقارنة، (ثَانِيَ اثْنَيْنِ)، يواجهان (الَّذِينَ كَفَرُوا) هنا عند الغار، وهنا حدث إنزال السكينة على رسوله، وتأييده بجنود لم يروها، وفي تلك اللحظة جعل الله كلمة الذين كفروا السفلى، فصارت سافلة بجعل الله إياها كذلك. إذاً: قبل هذا كانت متعالية تعالوا على رسول الله، وآذوا المسلمين، وأخرجوا رسول الله من بيته؛ فجعل الله كلمتهم سفلى؛ في ذلك الوقت، وكأن الغار كان نقطة تحول. وكلمة الله هي العليا من قبل هذا، حتى لا يقول قائل: وجعل الله كلمته هي العليا بعد أن كانت سافلة، لا والله، هي عليا من أول يوم، ويكفي أنها من أول لحظة جاءت كانت دائماً وأبداً في ازدياد، كان النبي وحده معه خديجة، وعلي، وأبي بكر ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩]. إذاً: هي عليا من أول يوم، ولهذا قال: (وَكَلِمَةُ)، بالرفع -وبهذا يعلم ضرورة معرفة الإعراب في كتاب الله- وأما: (كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فهي مفعول به لـ (جَعَلَ). ولكن (كَلِمَةُ اللَّهِ) مبتدأ ابتداءً لأنها العلياء. قال: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ)، ما قال: وكلمة الله العليا، بل خصصها بالضمير المنفصل، (هي) للتخصيص لها دون كلمات الأعداء والأنداد. بعد أن وجدنا أثر إنزال السكينة على طالوت بمجيء التابوت بها، نأتي إلى السكينة مع نبيه ﷺ ، وقلنا: أول نقطة في أول الأمر في الغار، والهجرة أول حدث فعلي لرسول الله ﷺ .

стр. 74

نصرة الله لنبيه بالسكينة في غزوة بدر وقعة بدر التي تتحدث عنها سورة الأنفال، واقرأ من سورة الأنفال الآية السابعة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ [الأنفال:٧]، التي هي العير، ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] ولكن: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال:٧ - ٨]. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، وهو شدة اجتهاد للنبي ﷺ بالدعاء في العريش، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِي * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٩ - ١٠]. إذاًَ: طمأنينة القلوب مقدمة حتى ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]، إذاً: من عوامل النصر طمأنينة القلب التي هي ضد الخوف والهلع كما سيأتي. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:١١] إلى آخر السياق، ويقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢]. إذاً: هنا في بدر وعدهم الله إحدى الطائفتين دون أن يسميها لهم، فكان بمثابة إغراء لهم، وبعد هذا ذهبت العير وجاء النفير، فقال لهم: كنتم تودون أن غير ذات الشوكة ولكن الله يريد شيئاً آخر، ليحق الحق بكلماته، ثم إذا كنتم وجهاً لوجه والتقى الجمعان، ولجأتم إلى الله، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] وأمدكم بألف من الملائكة، وبعد هذا الألف آلاف أُخر. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١]، هذه الأمنة أو الأمن حينما كان المسلمون لا يعرفون الواقع؛ فخرجوا بسلاح خفيف وعدد قليل، وواجهوا العدد والعُدد والكبرياء والفخار، وحينئذٍ كان لابد من الخوف، فيأتي الله سبحانه بالنعاس لهم ليطمئنوا، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال:١٠] وثم جانب آخر: فهو مهمة الملائكة، فالله أيضاً يطمئن وقد كان يكفي ملكٌ واحد يطمس عيونهم بجناحه، ولكنه امتحان من الله ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢] إذاً: الأمنة في جانب المسلمين، والرعب في جانب الذين كفروا، فكانت النتيجة أن قتلوا سبعين وأسروا سبعين، وغنموا ما شاء الله.

стр. 75

نصرة الله لنبيه بالسكينة في عزوة الأحزاب في الآية (٢٥) من سورة الأحزاب، حكى الله مجيء قريش بأحلافها، وتحزبوا على أهل المدينة ليبيدوهم عن آخرهم، ولما سمع النبي ﷺ بأمرهم وشاور أصحابه أشار عليه سلمان الفارسي قائلاً: كنا إذا حُوربنا خندقنا، فأخذ بالفكرة وحفر الخندق. وفي هذا العمل النبوي أخذ النبي ﷺ -وهو يأتيه الوحي من الله- بخبرة عسكرية فارسية، ولذا يقول والدنا رحمة الله تعالى علينا وعليه، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]: ومن الأقوم أن يعمل ولي أمر المسلمين على حفاظ الإسلام والمسلمين: بلادهم، أموالهم، أعراضهم، دماءهم، وكل ممتلكاتهم، وله أن يستعين بخبرة أي إنسان ولو كان كافراً. هذه فكرة الخندق لم تكن العرب تعملها، ولذا لما جاءت قريش وجاء عمرو بن عبد ود وهو من كبار شجعان العرب، قال: إنها لمكيدة ما كانت العرب تعرفها. وتقدمت الإشارة أيضاً إلى الاستعانة بخبرة خريت الطريق عبد الله بن أريقط، وكان على دين قومه، فائتمناه على الرواحل وأن يأتيهما على الموعد بعد ثلاثة أيام، أي: أنهما ائتمناه على أنفسهما، وعلى الدعوة؛ لأنه رجل أمين وفي، ما قالوا: هذا رجل مشرك لا نستعين بخبرته. وكذلك لما همّ النبي ﷺ أن ينهى عن الغيلة، والغيلة هي: أن ترضع المرأة طفلها وقد حملت بأخيه من بعده، يعني: رضاع لبن الحمل؛ لأن العرب كانت تقول: إن الطفل إذا رضع من لبن الحامل كان لين العظام؛ لأن الحمل يخلخل حليب الأم. وكانوا يقولون: فوارس لم يغالوا في رضاع فتنبو في أكفهم السيوف يمتدحون ذلك، معناها: أن الذين رضعوا من الحامل لا تتماسك السيوف في أيديهم، أما الذين لم يرضعوا من حامل فهم أقوياء أشداء، فالسيوف في أيديهم لا تخطئ ولا تبعد الرمية. قال: (هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت فإذا فارس والروم يغيلون ولا يضر أولادهم شيئاً)، إذاً: استفاد من تجارب الآخرين وترك النهي عن الغيلة. فهنا أشار سلمان رضي الله تعالى عنه بعمل الخندق، وجاء المشركون وكانت النتيجة ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]. رد الله المشركين.
следующие страницы →