← Сира

Сира · id 7706

دروس الهجرة - عطية سالم

عطية سالم

Полный текст (106 стр.). Показаны 71–106 · переход к 76.

стр. 71

تشابه مواقف الأنبياء في الأزمات هنا وقفة مقارنة بين أمور تختص بالغار، وأمور فيها عامل مشترك في جميع غزوات النبي ﷺ . أولاً: قال: الله في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، لا نقول: إن النون في: (معنا) نون العظمة؛ لأن الرسول ﷺ من أخلاقه التواضع، فيكون ضاماً معه أبا بكر، فمعية الله لهما. وبالمقارنة مع هذا المأزق الضيق داخل الغار فهناك موقف آخر مشابه، وهو موقف موسى ﵇ ببني إسرائيل على ساحل البحر، فإن الله أمره أن يخرج ببني إسرائيل ويمضي، قال: إلى أين يا رب؟ قال: حيث ترى السحابة فامش خلفها، فمشى وراء السحابة، فإذا بالسحابة توقفه على ساحل البحر، وأتبعهم فرعون وجنوده، فنظر من كان مع موسى فإذا البحر أمامهم والعدو وراءهم، فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، لكن قال نبي الله موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء:٦٢]. فموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول في هذا الموقف المشابه: (إِنَّ مَعِيَ)، وهنا يقول الرسول ﷺ في الغار: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). ولنعرف أيضاً منزلة الصديق ومشاركته الفعلية في الهجرة حتى استحق أن يكون داخلاً ضمن تلك المعية، ولذا جمع الضمير: (إن الله معنا) بينما موسى مع قومه كانوا خائفين وليسوا على مستوى موسى ﵇ ويقينه بالله، بل اليقين الراسخ لموسى وحده، ولهذا أفرد الضمير في المعية فقال: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي)، وما قال: (ربكم) فكانت ثقة موسى بربه وعناية الله بموسى أقوى وأشد من البقية؛ فهذه مقارنة في نوع المعية التي سجلها الله لرسوله وصاحبه في الغار. ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]، ما قال: (عليهما)؛ لأن النبي هو الأصل ومن سكينة الله عليه أخذ يطمئن أبا بكر: (ما بالك باثنين الله ثالثهما)، فقد كان أبو بكر خائفاً، وأشرنا إلى المقارنة بين خوف أبي بكر في الغار وطمأنينة أبي بكر في العريش في بدر. أبو بكر في الغار خائف والرسول يطمئنه، وأبو بكر في العريش مطمئن والرسول مبتهل بالدعاء إلى الله، وفي غاية الضراعة: (اللهم وعدك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد، اللهم انجز لي ما وعدتني) واجتهد في الدعاء حتى إن رداءه ليسقط في الأرض ويأخذه أبو بكر ويرده على كتفيه. وأشرنا فيما سبق بأن الفارق: أن النبي ﷺ حين كان في الغار لم تكن توجد بعد جماعة ولا أمة يتحمل مسئوليتها في ذلك الوقت، ويعلم بأن الله معه ومع صاحبه، ولكن في بدر كان قد خرج بعدد من المسلمين وكانوا سبعمائة وأربعة عشر رجلاً، يقابلون ألفاً من المشركين بكامل العدة، إذاًَ: كان يجتهد في الدعاء من أجل غيره لا لنفسه، كما قال الله: ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] وقال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

стр. 72

نزول السكينة من الله على رسوله نصرة وطمأنينة إذا تأملنا هذا الأمر بالذات بذاته نجد أنه من أقوى عوامل النصر في جميع المعارك؛ يقابل هذا شدة الخوف والرعب في قلوب الأعداء، فهو أقوى أسباب الهزيمة، ولكي نقف على هذه النقطة نأخذ مواقف النبي ﷺ في غزواته، وكذلك غيره من الأنبياء. فمن ذلك موقف طالوت مع بني إسرائيل: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦]، إلى أن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، هل أقروا بذلك؟ لا، بل قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢٤٧] فكان الجواب ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ [البقرة:٢٤٧] لم يقل: في المال، أو الحسب أو النسب، بل بمقومات القيادة، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، العلم للتخطيط وبعد النظر وطلب الحكمة، والجسم منفذ، ولهذا فكل قائد جهول أو أحمق إنما يردي قومه ويردي نفسه، وتكون جنايته على نفسه وعلى من معه أشد من نكاية الأعداء، وما أشبه الليلة بالبارحة. ثم يقول لهم نبيهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ [البقرة:٢٤٨]، كما قال هنا: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]، فكذلك التابوت الذي جعله الله آية لملك طالوت وبه يثبت الملك، وبه يكون النصر، ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨]. لم يكن من عوامل تثبيت ملك طالوت وتنصيبه ملكاً، تاج مرصع ولا سيف مذهب، ولا كان شيئاً من الأدوات المادية، بل السكينة وحسب، وأيضاً: (مِنْ رَبِّكُمْ) فكانت النتيجة عندما التقوا، أن قوماً قالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] وقال الآخرون: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا﴾ [البقرة:٢٥٠]، (أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) بالسكينة، (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) بالسكينة، (وَانْصُرْنَا)؛ فكانت تلك الآية من ربهم إنما هي السكينة.

стр. 73

نزول السكينة في حادثة الغار نأتي إلى النبي ﷺ فنجد أول المواقف وأولى العوامل إنزال السكينة في بادئ الأمر في بدء الهجرة: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] بأي شيء؟ ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]. ثم انظروا إلى إعجاز القرآن، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠]، لاحظوا يا إخوان كلمة: (وَجَعَلَ) جاءت مع كلمة المشركين، أما في إعلاء كلمة الله، قال: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤٠]، دون أن يأتي معها: جعل؛ لأن الجعل تصيير الشيء، تقول: جعلت القماش ثوباً، وجعلت العجين خبزاً، أي: صيرته. فهنا في هذا الموقف إشارة إلى تلك المقارنة، (ثَانِيَ اثْنَيْنِ)، يواجهان (الَّذِينَ كَفَرُوا) هنا عند الغار، وهنا حدث إنزال السكينة على رسوله، وتأييده بجنود لم يروها، وفي تلك اللحظة جعل الله كلمة الذين كفروا السفلى، فصارت سافلة بجعل الله إياها كذلك. إذاً: قبل هذا كانت متعالية تعالوا على رسول الله، وآذوا المسلمين، وأخرجوا رسول الله من بيته؛ فجعل الله كلمتهم سفلى؛ في ذلك الوقت، وكأن الغار كان نقطة تحول. وكلمة الله هي العليا من قبل هذا، حتى لا يقول قائل: وجعل الله كلمته هي العليا بعد أن كانت سافلة، لا والله، هي عليا من أول يوم، ويكفي أنها من أول لحظة جاءت كانت دائماً وأبداً في ازدياد، كان النبي وحده معه خديجة، وعلي، وأبي بكر ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩]. إذاً: هي عليا من أول يوم، ولهذا قال: (وَكَلِمَةُ)، بالرفع -وبهذا يعلم ضرورة معرفة الإعراب في كتاب الله- وأما: (كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فهي مفعول به لـ (جَعَلَ). ولكن (كَلِمَةُ اللَّهِ) مبتدأ ابتداءً لأنها العلياء. قال: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ)، ما قال: وكلمة الله العليا، بل خصصها بالضمير المنفصل، (هي) للتخصيص لها دون كلمات الأعداء والأنداد. بعد أن وجدنا أثر إنزال السكينة على طالوت بمجيء التابوت بها، نأتي إلى السكينة مع نبيه ﷺ ، وقلنا: أول نقطة في أول الأمر في الغار، والهجرة أول حدث فعلي لرسول الله ﷺ .

стр. 74

نصرة الله لنبيه بالسكينة في غزوة بدر وقعة بدر التي تتحدث عنها سورة الأنفال، واقرأ من سورة الأنفال الآية السابعة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ [الأنفال:٧]، التي هي العير، ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] ولكن: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال:٧ - ٨]. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، وهو شدة اجتهاد للنبي ﷺ بالدعاء في العريش، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِي * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٩ - ١٠]. إذاًَ: طمأنينة القلوب مقدمة حتى ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]، إذاً: من عوامل النصر طمأنينة القلب التي هي ضد الخوف والهلع كما سيأتي. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:١١] إلى آخر السياق، ويقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢]. إذاً: هنا في بدر وعدهم الله إحدى الطائفتين دون أن يسميها لهم، فكان بمثابة إغراء لهم، وبعد هذا ذهبت العير وجاء النفير، فقال لهم: كنتم تودون أن غير ذات الشوكة ولكن الله يريد شيئاً آخر، ليحق الحق بكلماته، ثم إذا كنتم وجهاً لوجه والتقى الجمعان، ولجأتم إلى الله، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] وأمدكم بألف من الملائكة، وبعد هذا الألف آلاف أُخر. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١]، هذه الأمنة أو الأمن حينما كان المسلمون لا يعرفون الواقع؛ فخرجوا بسلاح خفيف وعدد قليل، وواجهوا العدد والعُدد والكبرياء والفخار، وحينئذٍ كان لابد من الخوف، فيأتي الله سبحانه بالنعاس لهم ليطمئنوا، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال:١٠] وثم جانب آخر: فهو مهمة الملائكة، فالله أيضاً يطمئن وقد كان يكفي ملكٌ واحد يطمس عيونهم بجناحه، ولكنه امتحان من الله ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢] إذاً: الأمنة في جانب المسلمين، والرعب في جانب الذين كفروا، فكانت النتيجة أن قتلوا سبعين وأسروا سبعين، وغنموا ما شاء الله.

стр. 75

نصرة الله لنبيه بالسكينة في عزوة الأحزاب في الآية (٢٥) من سورة الأحزاب، حكى الله مجيء قريش بأحلافها، وتحزبوا على أهل المدينة ليبيدوهم عن آخرهم، ولما سمع النبي ﷺ بأمرهم وشاور أصحابه أشار عليه سلمان الفارسي قائلاً: كنا إذا حُوربنا خندقنا، فأخذ بالفكرة وحفر الخندق. وفي هذا العمل النبوي أخذ النبي ﷺ -وهو يأتيه الوحي من الله- بخبرة عسكرية فارسية، ولذا يقول والدنا رحمة الله تعالى علينا وعليه، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]: ومن الأقوم أن يعمل ولي أمر المسلمين على حفاظ الإسلام والمسلمين: بلادهم، أموالهم، أعراضهم، دماءهم، وكل ممتلكاتهم، وله أن يستعين بخبرة أي إنسان ولو كان كافراً. هذه فكرة الخندق لم تكن العرب تعملها، ولذا لما جاءت قريش وجاء عمرو بن عبد ود وهو من كبار شجعان العرب، قال: إنها لمكيدة ما كانت العرب تعرفها. وتقدمت الإشارة أيضاً إلى الاستعانة بخبرة خريت الطريق عبد الله بن أريقط، وكان على دين قومه، فائتمناه على الرواحل وأن يأتيهما على الموعد بعد ثلاثة أيام، أي: أنهما ائتمناه على أنفسهما، وعلى الدعوة؛ لأنه رجل أمين وفي، ما قالوا: هذا رجل مشرك لا نستعين بخبرته. وكذلك لما همّ النبي ﷺ أن ينهى عن الغيلة، والغيلة هي: أن ترضع المرأة طفلها وقد حملت بأخيه من بعده، يعني: رضاع لبن الحمل؛ لأن العرب كانت تقول: إن الطفل إذا رضع من لبن الحامل كان لين العظام؛ لأن الحمل يخلخل حليب الأم. وكانوا يقولون: فوارس لم يغالوا في رضاع فتنبو في أكفهم السيوف يمتدحون ذلك، معناها: أن الذين رضعوا من الحامل لا تتماسك السيوف في أيديهم، أما الذين لم يرضعوا من حامل فهم أقوياء أشداء، فالسيوف في أيديهم لا تخطئ ولا تبعد الرمية. قال: (هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت فإذا فارس والروم يغيلون ولا يضر أولادهم شيئاً)، إذاً: استفاد من تجارب الآخرين وترك النهي عن الغيلة. فهنا أشار سلمان رضي الله تعالى عنه بعمل الخندق، وجاء المشركون وكانت النتيجة ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]. رد الله المشركين.

стр. 76

نصرة الله لنبيه بالسكينة في إجلاء اليهود قال الله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦]، والذين ظاهروا المشركين في غزوة الخندق هم اليهود، فقد نقضوا العهد، وكانت شديدة على المسلمين، وبلغت القلوب الحناجر، ولكن الله سلم، فمن جانب المشركين ردهم الله بغيظهم ولم ينالوا خيراً، ومن جانب من عاونوهم وظاهروهم أنزلهم الله من صياصيهم، أي: من حصونهم، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦]، ونتيجة هذا الرعب هي: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦]. إذاً: السكينة والطمأنينة من عوامل النصر، والرعب في القلب من عوامل الهزيمة. وكانت نتيجة ذلك، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧]، كل ذلك نتيجة الطمأنينة. أيضاً في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر:٢]، فمن شدة الخوف والرعب صاروا هم بأنفسهم يخربون بيوتهم، هكذا هم اليهود؛ إذا ربحوا في حروب سنين أضاعوا ذلك بخطوة إلى الوراء.

стр. 77

نصرة الله لنبيه بالسكينة في الحديبية كانت غزوة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، قال تعالى في أول سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١ - ٤]. إذاً: من عوامل النصر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين، لماذا؟ قال الله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤] هذا موقف. الموقف الثاني: إنزال السكينة أيضاً في أحرج المواقف، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] وكانت هذه البيعة حينما أرسل النبي ﷺ عثمان يفاوض أهل مكة على أن يسمحوا لهم أن يعتمروا ويطوفوا بالبيت ثم يخرجوا عنهم، لكن المشركين كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٦]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] من الإيمان؛ لأنه قال في أول السورة: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وهنا علم ما في قلوبهم من آثار السكينة التي جاء ذكرها في أول السورة: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨]. وذلك أنهم بايعوا رسول الله حينما قيل بأن عثمان قد قتل، فقال: (بايعوني على الموت) فبايعوه عن يقين وطمأنينة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ﴾ [الفتح:١٨]، بهذه السكينة، ﴿فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرةً يَأْخُذُنَهَا﴾ [الفتح:١٨ - ١٩]. ففي صلح الحديبية كانت السكينة لها عامل كبير في موقف المؤمنين، وثباتهم أمام قريش عن بكرة أبيها وهم على مشارف الحرم.

стр. 78

نصرة الله لنبيه بالسكينة في غزوة حنين ونأتي لآخر غزوات النبي ﷺ ، وهي غزوة حنين: في سورة التوبة الآية الخامسة والعشرين، يقول الله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]، أي: بعد أن أعجبتكم الكثرة، ولم تغن عنكم شيئاً من موقفكم مع عدوكم، ضاقت عليكم الأرض ورحابتها، ووليتم مدبرين منهزمين ولم يبق إلا النبي ﷺ العباس وبعض الرجال، وقال ﷺ : (يا عباس! ناد أهل الشجرة). فرجعوا إليه ﷺ وهو ينادي ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) يعلن عن نفسه وسط المعركة وأصحابه منهزمون عنه. فرجعوا إليه وأعادوا الكرة، وأخذ الحصى ورماها في وجوه الكفار، فنصرهم الله. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة:٢٥]، منها: الغار، وبدر، والأحزاب، وهنا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة:٢٥]، وأنتم قد أعجبتكم كثرتكم، ولكن لما دخلكم العجب بالكثرة، وظننتم بأن الكثرة معها النصر، حتى قال قائل: لن نغلب اليوم من قلة! وهل النصر بالقلة والكثرة؟! قال الله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]. وهنا: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ﴾ [التوبة:٢٥ - ٢٦]، (ثم) هنا للتراخي، يعني: بعد ما انهزمتم فعلاً وقال القائل: لن يرده إلا البحر، وقال آخر: بطل سحر محمد، وقال صفوان بن أمية وهو رجل على دين قومه، وكان مع رسول الله حمية ومعه أدراعه أعارها لرسول الله، يقول لأخيه: اضبط فاك لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن. أي: يقودني ويسوسني، وربان السفينة هو الذي يقودها، ومن ذلك رب الدابة ورب البيت. ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦]، هنا جاء: (وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم فروا وانهزموا، فردهم بالسكينة، بعد تلك الهزيمة ينزل الله سبحانه السكينة على رسوله لثباته ووقوفه وسط المعركة ينادي: (إليَّ عباد الله، يا أهل بيعة الشجرة)؛ لأنهم كانوا منهزمين. ثم ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦]؛ لأن النصر من عند الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]. نرجع مرة أخرى إلى الغار، وفي قوله سبحانه: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠]. ونحن الآن في هذه الآونة العصيبة، وفي هذا المد الطغياني، يجب أن نعلم أن هناك أموراً يجب مراعاتها على الباغي والمبغي عليه، والعادي والمعتدى عليه، وهي: أن ننادي العادي بأن يراجع نفسه ويرجع عن طغيانه، فإن قوى الشر الباغية مدحورة، والله سبحانه هو الذي يؤيد بنصره من يشاء، وهو الذي يهزم جند عدوه. ونقول للفريق الثاني: عليك بتقوى الله، والرجوع إليه، فإن الله عنده عوامل النصر من سكنية وجنود لا نعلمها، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]. ولعلنا أيها الإخوة نكتفي هذه الليلة بهذه المقارنة، وبيان عامل السكينة الذي أنزله الله على رسوله، وأثر هذا العامل في غزوات النبي صلوات الله وسلامه عليه كلها، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 79

الهجرة النبوية [٧]

стр. 80

نزول النبي على أم معبد والأحكام المستفادة من ذلك الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد تقدم الكلام عن الهجرة إلى أن وصلنا إلى الغار، وما كان من أحداث خارجه وداخله، وأثر السكينة التي أنزلها الله على رسوله ﷺ ، وأيده بجنود لم تروها، واستعراض ذلك على سبيل الإجمال، وإنزال السكينة في جميع الأزمات من بداية الهجرة إلى بدر، والأحزاب، والحديبية، وحنين، وفي المقابل إنزال الرعب في قلوب الأعداء، وأن السكينة هي أقوى عوامل النصر، والرعب والهلع هو أشد عوامل الهزيمة. كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه قد أعطى عبد الله بن أريقط الديلي راحلتين، وواعده بعد ثلاثة أيام لكي يأتي بهما إلى غار ثور، فجاء على الموعد، وخرج النبي ﷺ وأبو بكر حينما انقطع الطلب عنهم، فقدم أبو بكر رضي الله تعالى عنه خير الراحلتين للرسول ﷺ ، وهي الناقة القصواء التي ظلت عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: (لا أركب جملاً ليس لي، قال: هي لك يا رسول الله، قال: الثمن! قال: هي لك من عندي، قال: الثمن! قال: إني اشتريتهما بثمانمائة درهم، قال: هي عليَّ بذلك). فركب ﷺ ناقته، وركب أبو بكر ومضى ابن أريقط يقود الركب ويسير بهم في طريق غير مأهول. وعامر بن فهيرة الذي كان يأتي بالغنم في الليل ليسقيهما من اللبن، ويمحو أثر عبد الله بن أبي بكر قال: أنا أرافقكما؛ فاصطحباه معهما لخدمتهما، وكان أبو بكر رضي الله تارة يمشي وتارة يركب، فيتعاقب على الجمل هو وعامر بن فهيرة، وانفرد ﷺ براحلته، ومضيا على بركة الله. وأخذ الدليل بهما إلى جهة الساحل، وكانت عادة أهل مكة إذا أرادوا قصد المدينة أن يبتعدوا عن الساحل؛ لأن الاقتراب من الساحل يطيل عليهم السفر، ولهذا خرج الرسول ﷺ من المدينة إلى مكة في الحج في تسعة أيام، لكن رحلة الهجرة ظلت خمسة عشر يوماً؛ لأنه أخذ بهم طريقاً غير مأهول. ويمكن أن نقول: إن الترتيبات للهجرة قد انتهت إلى الخروج من الغار، ولكن بقيت أحداث الطريق، وتلك الأحداث بمثابة معالم على الطريق.

стр. 81

أحداث خيمة أم معبد أول حدث: مرور ﷺ بعد عسفان بامرأة يقال لها أم معبد، كانت تجلس وتطعم وتسقي من مر بها، وكان بيتها نائياً عن بيوت الحي. فلما قدم ﷺ وأبو بكر رأيا بيتاً متطرفاً فقصدا إليه، فوجدا فيه تلك المرأة، فسألها أبو بكر ﵁: هل عندكِ من لحم أو لبن أو تمر أو شيء تعطينا إياه من باب الإكرام للضيف، أو حتى ما نشتريه بالثمن، قالت: لو كان عندي شيء ما أحوجتكما إلى السؤال، إن كنت يا هذا تريد اللحم فعليك بسيد الحي، أما أنا فامرأة ليس عندي شيء، فنظر ﷺ إلى شاة ضعيفة خلفها لا تستطيع أن تلحق بالغنم، قال: (ما شأن تلك العنز في طرف البيت؟ قالت: إنها ضعيفة، قال: عليَّ بها). وفي بعض الروايات: أنهما تنحيا جانباً في ظل شجرة ونزلا، فجاء غلام لـ أم معبد كانت قد قالت له: يا هذا خذ الشاة والشفرة، واذهب بها إلى هذين فقل لهما: اذبحاها وكلا وأطعمانا، فقال ﷺ : (رد الشفرة وائتني بالقدح، قال: إنها كنز، قال: رد الشفرة وائتني بقدح، فذهب وقال: إنه يقول: رد الشفرة وائتني بقدح). وفي بعض الروايات قال: (عليَّ بتلك الشاة، فقالت: هي كنز) وبعضها يقول: (أتأذنين لي بحلبها؟ قالت: احلبها إن كان بها حلب)، فأخذها فمسح على ظهرها وعلى ضرعها ودعا الله وأخذ يحلب في الإناء، فملأ الإناء فأعطى أبا بكر وأعطى من معه، ثم شرب وقال: (ساقي القوم آخرهم شرباً) ثم عاود وحلب وملأ الإناء وقال للغلام: (اذهب بهذا لأمك). وفي بعض الروايات الأخرى: أنه طلب منه شاة فجاء بعنز ضعيف ودعا وحلبها وأعطى أبا بكر فشرب، قال: ائت بغيرها، فجاء بالثانية كذلك وحلب وسقى صاحبهما عامر بن فهيرة، وقال: ائت بغيرها، فحلب فشرب، وهكذا إلى أربع من العنز الضعاف. فيحلب ويسقي أصحابه ثم يحلب لـ أم معبد، وفي آخر أمر تلك الشاة، تقول أم معبد وكان الوقت فيه قحط وجوع، فبقيت تلك الشاة عندنا بحلبها إلى زمن عمر رضي الله تعالى عنه، وفي عام الرمادة لم يكن في الحي حليب أبداً إلا تلك الشاة، تحلب لهم ولجيرانهم، ببركة دعاء رسول الله ﷺ . وفي الأثر: جاء أبو معبد ووجد الحليب قال: يا أم معبد من أين لكِ هذا وليس عندكِ حلوب؟ قالت: مرّ بنا رجل كريم الوجه سمح طلق، وأخذت تعدد صفاته، ومن أراد هذه الصفات فليرجع إليها في كتب السيرة؛ فكل ما وصف رسول الله ﷺ من صفات جمال الذات وجمال الصفات جاءت بها تلك العجوز، فقال: لئن كنتِ صدقتِ فيما قلتِ فلعله صاحب قريش الذي يطلبونه، قالت: إنه رجل مبارك. وكانوا يسمونه: حالب الحوائل، والحائل هي التي ليس فيها شيء فهو يحلبها، وكانوا يسمونه: الرجل المبارك، حتى إنه بعد ذلك كثر غنمها، وجاءت إلى المدينة ومر بها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فعرفه الغلام، قال: هذا صاحب الرجل المبارك، فدعته فقالت: أين صاحبك؟ قال: هو ذاك، قالت: ماذا يكون؟ قال: نبي الله، قالت: خذني إليه، فجاء بها إليه وأدخلها عليه وأعلنت إسلامها، وكساها وأطعمها وأعطاها، وقيل إن أبا معبد جاء أيضاً، بل إن أبا معبد قيل إنه أراد أن يلحق برسول الله ﷺ في ذلك اليوم. إن الدارس للسيرة والمستأنس بأحداثها يقف هنا وقفة: قوم متخففون من الزاد، جاءوا إلى صاحبة خيمة، فأرسلت إليهما فاعتذرت، ثم بطوعها واختيارها أرسلت الشاة والشفرة، وجعلتهما كأنهما أصحاب بيت: (اذبحا وكلا وأطعمانا)، فلم يكن من رسول الله ﷺ أن يرضى بذبح الشاة واكتفى بحلبها، وهنا تساؤلات، لماذا لم يذبح وصاحبتها تريد أن تأكل معهم، وقد جادت بها عن طيب نفس؟ هنا يقول القائل: تلك بداية الرحلة، وهي رحلة دعوة وليست رحلة احتلال، أو اعتداء، أو اغتصاب، ولكنها رحلة دعوة إلى الفطرة السمحاء، والدين الإسلامي دين الفطرة، ولكأنه ﷺ يقول للعالم: إن رحلتي في الهجرة رحلة سلم وخير وبركة وفطرة ونماء، وليست رحلة إراقة للدماء ولو كان لشاة، وتظل الشاة تحلب لقومها عدة سنين بعد ذلك.

стр. 82

من آداب الضيف مع مضيفه وهنا ناحية أدبية: إذا كان تكلف المضيف لضيفه وقرب إليه الشاة، واستطاع الضيف أن يخفف على مضيفه مئونة الضيافة، فإن هذا من كرم الأخلاق، وقد فعله النبي ﷺ في يوم من الأيام كما يقول أبو هريرة. إني لأُصرع من الجوع ويمر بي فلان وفلان، وينظر إليَّ ولا يدري ما بي، حتى مر بي رسول الله ﷺ وقال: أبا هر ماذا بك؟ فنظرت إليه، وقال: بك الجوع، قلت: بلى يا رسول الله، قال: الحق، وجئنا إلى عمر، فقال: يا عمر ما الذي أخرجك؟ قال: أخرجني الجوع، قال: الحق، ومر بفلان وفلان، قال: ومشى بنا رسول الله ﷺ حتى دخل حائط فلان، فسأل عنه رسول الله، فقال أهله: ذهب يستعذب لنا الماء. ولم تكن المياه العذبة متوفرة في المدينة، وكان أحسن بئر في المدينة به ماء عذب بئر رومة، الذي يسمونه بئر عثمان، وكان لرجل يهودي وكان يتحكم في بيع الماء، فقال ﷺ : (من يشتري بئر رومة وله الجنة؟) فذهب عثمان، وساومه على البئر فأبى، فاحتال له عثمان وقال: بعني نصفه بقيمته، فوافق. فكان يوماً لـ عثمان ويوماً لليهودي، وهذه قسمة عادلة، فقام عثمان ونادى في المدينة، اليوم الذي لي أبيحه للجميع يأخذونه في سبيل الله، فكان الناس يأخذون الماء مجاناًً في يوم عثمان، وفي يوم رومة يبيعه لهم، فصاروا يأخذون في يوم عثمان ما يكفيهم ليومين، ثم ساوم اليهودي عثمان على أن يشتري النصف الآخر ولو بربع الباقي، فاشتراه عثمان وصار بئر عثمان. قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، ثم ما لبث أن جاء وقال: ما رأيت أكرم ضيوفاً مني اليوم؛ رسول الله وأصحابه، فذهب فقطع تمراً من نخله، ووضعه أمامهم، وأخذ الشفرة وذهب ليذبح، فقال له رسول الله: تجنب الحلوب وذات الولد، فوجهه وأرفق به؛ لأن الحلوب تحلب لأصحاب البيت، وذات الولد ترضع ولدها، فذهب وذبح غير الحلوب وغير ذات الولد، وشوى وطبخ وقدم لرسول الله وأصحابه، ثم قال رسول الله: (والله لتسألن يومئذ عن النعيم، ظل بارد ورطب وتمر ولحم وماء عذب، والله لتسألن يومئذٍ عن النعيم. نسأل الله تعالى أن يتم علينا نعمه، وأن يوزعنا شكرها، نسأل الله العلي القدير أن يديمها لنا وأن يتمها علينا وأن يوزعنا شكرها، وأن يجعلها عوناً لنا على طاعته. فهنا قال: (رد الشفرة وائت بالإناء) وهنا قال له: (واذبح وتجنب ذات الضرع والولد) لقائل أن يقول: إنما وجد في الخيمة امرأة، والمرأة لها رجل، والمال مال الرجل في الغالب؛ فلعله ﷺ لم يرد أن تتصرف المرأة في مال زوجها في غيبته، بينما الذي ذبح في البستان صاحب المال. وكذلك أم معبد تقول: ونحن في حالة قحط وضعف، فلذلك يذبح شاتهم، لكن هذا في بستان ونخيل وثمار وبه ذات الولد وغيرها، فالحال هنا حال يسار، فلا مانع أن تقبل مكرمة مضيفك إذا كان ذا يسار، لكن لا كما يفعل البدو في البادية من تعنت وتعصب وأنه لابد أن تذبح للضيف.

стр. 83

الفرق بين البخل والإسراف في الضيافة ومن العجب ما يذكره زميل لي، كان أبوه أمير قرية، وجاءه ضيف قبل أذان الظهر فذبح له، وأذن المؤذن، فصلوا ورجعوا، فوجد ضيفاً قد أتى وقد طبخت الذبيحة، ثم قدمت للضيوف فإذا بالضيف الثاني يمتنع عن الأكل، قال: هذه ليست ذبيحتي، هذه ذبيحة الأول، كيف آكل على حساب الأول! انظروا إلى أي حد بلغ التشدد، وإلى أي حد وصل التعصب، فأخذ العصا وقال: أقسم بالله! إما أن تأكل مع هذا وإلا لا تدخل بيتي بعد اليوم. فليست المسألة بالتعصب ولا بالعادات الشديدة، وليست هي بمسألة التكفير، وليست هي بمسألة الشح والبخل، فالرسول ﷺ يعطينا الدرس هنا في تلك الخيمة بأنه لم يرد إراقة الدم في بداية طريق الهجرة الخيرة ويراعي ظروف المضيفة، بينما هنا في المدينة لما وجد اليسار ووجد صاحب المال قبل المكرمة. وأيضاً مما يذكر في هذا الباب: أن رجلاً صنع طعاماً ودعا رسول الله ﷺ وأصحابه، فجاءوا فأكلوا قليلاً وامتنع البعض، فقال ﷺ : (أخوكم تكلف لكم فكلوا). سمعت أن أحد آل الشيخ، دعا الملك عبد العزيز في ذلك الوقت، وجاء بعض الناس يجعلون أنفسهم كأنهم على شبع فينال الواحد من بعض الطعام قليلاً ثم يرفع يده، والعار عندهم إذا واحد رفع يده ومد آخر يده بعده، لأنه يقال: هذا قنوع وهذا جشع. فكان الشيخ عبد الله يغفر الله له حاضراً وهم جالسون، وأراد شخص أن يرفع يده، فأخذ بالعصا وأقسم بالله، وقال: يا عبد العزيز والله ما واحد يرفع يده قبل أن يشبعوا كلهم، وإلا والله أشبعته بالعصا، فأكلوا حتى شبعوا. ثم قال: الذي شبع يقوم ولا على البقية من أن يأكلوا حتى يشبعوا، اتركهم لحريتهم، المهم أن من لم يشبع يأكل ولا عار عليه، حتى سموها فيما بعد عادة سعودية، الذي شبع يقوم والذي ما شبع يأكل ولا عار على واحد منهما. على كلٍ مراعاة آداب الطعام ومراعاة آداب الضيافة والإرفاق بالمضيف من مكارم أخلاق الضيف.

стр. 84

أحداث مهمة وقعت في الهجرة هناك في مكة لم يكونوا يعلمون أين توجه رسول الله؟ وهناك بعض الأحداث التي وقعت بعد خروج الرسول وصاحبه من مكة.

стр. 85

مجيء أبي قحافة إلى بيت أبي بكر جاء أبو قحافة والد أبي بكر إلى بيت أبي بكر حين سمع أنه خرج مع محمد، فقال لـ أسماء: ماذا ترك لكم؟ تقول أسماء: والله ما ترك لنا شيئاً، فجئت إلى حجارة ووضعتها في كيس ووضعتها في الكوة فلما جاء أبو قحافة قال: ماذا ترك لكم أبوكم؟ قالت: ترك لنا خيراً كثيراً، وكان قد كف بصره، فأخذت يده ووضعتها على الكيس فلمسه، فقال: هذا خير كثير. بعد ذلك جاء أبو جهل وطرق الباب بشدة، فخرجت إليه، فقال: أين أبوك؟ فقلت: لا أدري، تقول: فلطمني على وجهي فأسقط خرصي من أذني! هل هذه رجولة؟ لأن الحقد والحسد والحماقة تدفع صاحبها إلى أن يرتكب ما لا يرتكبه الجهال. ومن جانب آخر بعد ثلاثة أيام من خروجهم من الغار وهم لا يعلمون أين اتجاههم، تقول أسماء: جاء رجل من الجن ببطن الوادي يتغنى بأبيات، حيث سمعوا صوتاً يهتف فوق جبل أبي قبيس بأبيات، منها: جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم ترجلا فأفلح من كان رفيق محمد فعرفوا بأن وجهته كانت إلى خيمة أم معبد، وخيمة أم معبد بالنسبة إلى مكة في طريق المدينة، وكفار قريش كانوا قد طلبوه فلم يجدوه، وكانوا قد جعلوا لكل واحد منهما ديتين لمن يأتي بهما أمواتاً أو أحياء؛ لأنهم علموا أنهما إذا وصلا إلى المدينة فقد فاتهم الأمر، ويعرفون أن الأوس والخزرج سوف تقاتلهم، فأردوا أن يدركوه قبل أن يصل.

стр. 86

لحوق سراقة بالنبي ﷺ وأبي بكر ﵁ سمع الخبر سراقة بن مالك وكان جالساً مع قومه، وسمع جُعل قريش لمن يأتي بهما أحياء أو أمواتاً، فطمع في الجُعل، وسمع رجلاً يقول: رأيت سواداً بالساحل أرى أنه محمد وصاحبه، يقول سراقة: فعلمت أنهما هما، ولكني قلت: ليسا هناك، إنما هو فلان وفلان مرا علينا من هنا، فهو يغطي الخبر طمعاً في الجعل. قال: ودخلت البيت وأمرت جاريتي أن تجهز فرسي ونزلت من وراء البيت، وأخذت رمحي وركبت فرسي ولحقت بهما، فأدركهما بعد أن فارقا خيمة أم معبد، يقول عن نفسه: فلما اقتربت منهما أخرجت من كنانتي الأزلام واستقسمت، فخرج السهم الذي فيه: لا تصبهم بمكروه، فخالفت الأزلام ومضيت، فلما دنوت منهما عثرت بي فرسي فسقطت عنها فقمت، فلما لحقت بهما غاصت قوائم فرسي في الأرض إلى ركبتيها، فعلمت أن ذلك منهما، فناديتهما الأمان، وكان أبو بكر كثيراً ما يلتفت ورسول الله لم يلتفت أبداً، وكان من شأن أبي بكر أن يقول: يا رسول الله أدركنا الطلب، أدركنا الطلب. ويبكي، فقال له رسول الله: (ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: الطلب أدركنا، قال: لا تخف إن الله معنا، فسيكفيكهم الله). يقول سراقة: ما إن قال ذلك إلا وغاصت قوائم فرسي، فناديتهما الأمان، وقلت: يا محمد! لقد علمت أن ما أصابني منك، فادع ربك أن يكشف عني هذا ولكما الأمان مني، فوقف ودعا وخرجت قوائم فرسي، فعلمت أنه حقاً رسول الله، فأعلن تصديقه برسول الله ﷺ ، قال: وعرضت عليهما الزاد فامتنعا، وقلت: بماذا تأمراني؟ قالا: رد عنا الطلب، فقلت: اكتبوا لي كتاب أمان، فقال صلى الله عليه وسالم لـ عامر بن فهيرة: اكتب له، وقيل الذي كتب له أبو بكر على قطعة جلد أو على عظم، فوقف سراقة في مكانه ومضى رسول الله ﷺ بأصحابه. وبعد فترة جاء الطلب من قريش فقال لهم: قد كفيتم هذه الجهة، اطلبوه في غيرها، وكل من لقيه كان يقول له: قد كفيت هذا الوجه فاطلبه في غيره. ومكث ثلاثة أيام ثم أخذ يحدث بما لقي وما صار له من فرسه، فسمع بذلك أبو جهل فأرسل يحذر بني جعشم أي: أهل سراقة، وكان سراقة سيد قومه، فخاف إذا تفشت القصة عند الناس أن يعلم مكان رسول الله، وهذه معجزة. يقول ابن هشام وغيره عن سراقة: جاء في أول اليوم طالباً رسول الله وفي آخر اليوم مدافعاً عنه. فقال سراقة لـ أبي جهل: والله يا أبا الحكم لو رأيت ما وقع لي ولفرسي لعلمت أن محمداً نبي حقاً، وقد علمت أن دينه منتشر ومنتصر.

стр. 87

مرور النبي ﷺ برعاة غنم ومضى رسول الله ﷺ في طريقه، ومن الأحداث أيضاً أنه مر براعي غنم، فقال: (يا غلام! لمن أنت؟ قال: لرجل من أسلم، فالتفت ﷺ لـ أبي بكر وقال: سلمت يا أبا بكر، ثم قال: ما اسمك؟ قال: مسعود، قال: سعدت يا أبا بكر). فقال أبو بكر للغلام: أفي غنمك حلوب؟ قال: لا، قال: وهذه ما بالها؟ قال: هذه عنز كانت حاملاً وأسقطت حملها وليس فيها شيء، قال: فجاء بها ولمس ظهرها ومس ضرعها ودعا الله فحلب في قدح، وبعد أن حلب لمس الضرع فعاد كما كان، وجاء أبو بكر ﵁ بهذا الحليب ومعه خرقة لتصفية الحليب من الشعر وتنظيفه، وهذا من العناية والخدمة من أبي بكر لرسول الله. قال: ثم أخذت الماء وصببته على ظهر القدح لأبرده، لأن القدح في الحر يصير حاراً فبرده وصب الحليب فيه، وكان رسول الله قد نام في ظل الشجرة، فانتظر حتى استيقظ رسول الله ﷺ وقال: اشرب يا رسول الله. ومشى ثم مر أيضاً بغلام أسود ومعه غنم، ونفس القضية في حلب الشاة، فلما رأى الغلام هذا قال: (من أنت؟ والله ما فعل ذلك رجل قبلك، قال: أو تكتم عليَّ إن أنا قلت لك؟ قال: نعم، قال: أنا محمد رسول الله، قال: أريد أن أتبعك، والله ما يفعل ذلك إلا نبي)، وكأن الرسول ﷺ في طريق هجرته يضع رايات ومعالم لكل من جاء وراءه، وذلك بأفعاله، فيعلم بأن معالم الطريق كلها دالة على رسالته، وأنها هداية ومعجزات. وقد قلنا: إن معالم الطريق في الهجرة كلها دروس وعبر للعامي وطالب العلم، فحينما قال الغلام: (أريد أن أتبعك) لو كان رجلاً آخر لقال: أهلاً وسهلاً ومرحباً، لكن الرسول ﷺ قال له: (إنك لن تستطيع اليوم)، مع أنه كان أحوج ما يكون لرفيق ولمساعد، ولكن قال: (إنك لن تستطيع اليوم، ولكن انتظر في غنم قومك حتى تسمع بي قد ظهرت)، أي: إذا سمعت بأني قد وصلت وظهرت وأصبح لي أعوان وأنصار، وصار الدين والمسلمون أحراراً ففي تلك الساعة لك أن تتبعني، أما الآن فلا تعرض نفسك لأخطار، وهذا أسمى ما يمكن من مراعاة الحكمة في الدعوة ومراعاة أحوال الأفراد، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. ومضى ﷺ فلقيهم الزبير وكان تاجراً ومعه قماش، فكساهما ثياباً بيضاً، وكذلك طلحة مروا عليه وأعطاهم وكساهم، ومضيا في طريق البر والخير حتى قدما إلى قباء يوم الإثنين قيل: أول ربيع الأول، وقيل: في نصفه، وقيل: في سبعة وعشرين منه.

стр. 88

سبل انتشار الأخبار في القديم كان من شأن أصحاب المدينة لما علموا بخروج النبي ﷺ إليهم ما كان، ولكن من أين علموا؟ الإعلام في الجاهلية أسرع من الإعلام اليوم، بمعنى: لو قسنا سرعة انتشار الخبر على وسائل المواصلات في ذلك الوقت لكان أسرع، الخبر اليوم يحصل في مكان من العالم وفي نصف ساعة يعم العالم كله؛ لأن وسائل النقل تنقل عبر الأثير، لكن في السابق كانت وسائل النقل إنما هي الإبل، وكانت وسائل الإعلام هي: الشعر، والخطابة، والكلمة التي تنقل الخبر. أما أهل مكة فقد سمعوا هاتفاً يهتف بهذا، ونرجع مرة أخرى للهاتف فقد نسينا أمراً ما: من أين جاء هذا الهاتف؟ تقول أسماء: رجل من الجن، وكأنهم كانوا معتادين مجيء هاتف يهتف، وهذا إما أن يكون فعلاً جنياً مؤمناً وإما أن يكون ملكاً. وقد تكررت هتافات مؤمني الجن بخصوص الإسلام في عدة مواقف منها هذا الموقف، ونحن نعلم بأن الجن قد آمنت عند عودة رسول الله من الطائف حينما رأته قائماً يصلي، كما قال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، ومنهم من آمن، فلا مانع أن يكون هناك من مؤمني الجن من يتابع حالة رسولنا. وكذلك في غزوة بدر سمعوا ليلة الوقعة هاتفاً يهتف: ألا فاخرجوا إلى مصارعكم يا بني فلان، فيسمعون الصوت ولا يرون القائل. وقد حدث مثل هذا في انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وذلك أنهم لما أرادوا أن يغسلوا رسول الله ﷺ ترددوا، كيف نغسل رسول الله؟ هل نجرده كما نجرد موتانا؟ فألقى الله عليهم سنة من النوم وسمعوا من ركن البيت صوتاً يقول: غسلوا رسول الله ولا تجردوه. يذكر ابن كثير أيضاً: أنه في زمان عمر، لما كان سارية قائد الجيش في تركستان، كان عمر على المنبر يخطب، فإذا بالحاضرين يسمعون عمر يقطع الخطبة ويقول: يا سارية الجبل، ونجد البعض يشكك في هذه الرواية ويوردها على مقياس ليس مقياسها، ويزنها بميزان غير ميزانها، هل ميزان الحرارة يصلح لما يوزن بالكيلو جرام، أو ميزان الرطوبة يصلح في ميزان الحرارة، أو ميزان كثافة الحليب والدسم يصلح في ميزان الحرارة، أو مقياس ضغط الدم يصلح لقياس السكر في الدم؟ لا، فكل نوع له ميزانه الخاص. فخوارق العادات حينما تعرضها على مقياس العقل لا يمكن أن يصدقها، فبعضنا قال: كيف يمكن أن يراه عمر وهو في تركستان؟ وكيف يسمع الرجل هناك صوت عمر بدون تلغراف أو تليفون؟ ولكن ما الذي يمنع أن يكون المولى سبحانه ينصر دينه ويعز جنده بأن يرسل إليهم هاتفاً يهتف، ويكون على صوت عمر ليسمعه الجيش ويلزم الجبل ويتحصن به حتى لا يأتيه العدو من ورائه، وما الذي يمنع الله سبحانه من أن يرسل إلى عمر أيضاً من يعلمه بالموقف فيقول عمر كلمته ويكلف الله من يحملها من الجن أو الملائكة، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، إذاً: لا مانع إن صح الخبر، وإذا لم يصح يبقى كأخبار إسرائيلية أو أخبار تاريخية.

стр. 89

أحداث قباء ومضى ﷺ في طريقه إلى أن شارف المدينة، وقبل وصوله ﷺ كان أهل المدينة يخرجون عن بكرة أبيهم إلى قباء، ينتظرون مقدم رسول الله ﷺ إلى أن تشتد عليهم الشمس فيعودون إلى بيوتهم. وفي يوم قدومه ﷺ خرجوا على عاداتهم حتى إذا اشتد عليهم الحر رجعوا إلى بيوتهم، وإذا برجل يهودي على بيت له ينظر حاجة له، فيرى من يأتي مبيضاً يلوح به السراب، فعرف أنه محمد ومن معه، فنادى: يا بني قيلة! هذا جدكم الذي تنتظرون. وقيلة هي جدة الأوس والخزرج، وكانوا ينتسبون إليها، فلما سمعوه ينادي بهذا خرجوا عن بكرة أبيهم في سلاحهم.

стр. 90

استقبال الأنصار للنبي ﷺ وصاحبه وصل ﷺ فرأى النخيل فجلس تحته، وقام أبو بكر بجواره، والناس يتوافدون عليهما، ومن لم يكن يعرف رسول الله من قبل يرى أبا بكر فيظنه هو فيسلم عليه، حتى أصبحت الشمس عمودية فقام أبو بكر بردائه يظلل رسول الله، فعرفوا رسول الله من صاحبه. وكان قد نزل أولاً على بني عمرو بن عوف ومكث هناك، وجاءه أهل المدينة والوافدون هناك في بني عمرو، وكان البيت موجوداً إلى العام الماضي حتى أزيل في توسعة ميدان مسجد قباء. نزل عنده ﷺ ، وكان بجانبه بيت أنصاري آخر يأتيه المهاجرون العزاب وينزلون عنده، ومن يأتي من المهاجرين بأسرهم أو بأولادهم ينزلون عليه. وصل الرسول يوم الإثنين وخرج يوم الجمعة التالية، وفي تلك الفترة التي قضاها بنى مسجد قباء.

стр. 91

بشائر نصر الله لدينه نحن هنا عند مشارف المدينة نقف وقفة طويلة، ونتأمل ما يمكن أن يسميه الإنسان: تفاؤلاً. الرسول تفاءل لما علم أن الراعي رجل من أسلم وقال لـ أبي بكر: (سلمت) وتفاءل لما سمع أن اسم الراعي (مسعود) وقال: (سعدت)، ونحن نتفاءل، ولكن بأي شيء؟ نعود إلى بداية الرحلة وإلى نهايتها، وإلى ما بين ذلك، فإن دليل الرحلة هو عبد الله بن أريقط وهو رجل مشرك، ولما قدم المدينة أعلن عن وصوله يهودي. فمن الفأل الحسن أن يكون الله سبحانه قد سخر الأعداء لخدمة رسوله ﷺ ، فالمشركون ممثلون في شخصية ابن أريقط وهو يقود الركب رغماً عن أنوفهم إلى المدينة، وها هم اليهود أعداء الإسلام والمسلمين بحقد وحسد هم الذين يعلنون مقدم رسول الله، فمن باب الفأل الحسن أن نقول: لقد سخر الله أعداء الإسلام والمسلمين لخدمة دينه ورسوله ﷺ . أما النصارى فقد أمن جانبهم حينما ذهب المهاجرون الأولون إلى الحبشة، وما كان من أثر الهجرة الأولى إلى الحبشة بين يدي النجاشي يدل على هذا، وهذا النجاشي قد أعلن إسلامه وتصديقه لرسول الله، وقال: (لولا ما أنا فيه من الملك لوددت أن أخلص إلى محمد لأغسل التراب عن قدميه). تاج النصرانية على رأس النجاشي يطأطئ ليغسل التراب عن قدمي رسول الله، وها هي أصنام وأوثان الشرك تتكسر وتتحطم في ابن أريقط ليقود ركب الهجرة إلى المدينة، وهاهم اليهود الحاقدون الحاسدون هم الذين يعلنون عن وصول رسول الله إلى المدينة، إذاً: فالإسلام ظاهر على المشركين وعلى اليهود، وقد ظهر على النصرانية من قبل، فماذا بقي بعد ذلك؟ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨].

стр. 92

بناء المسجد بقباء حينما وصل ﷺ إلى قباء لم تنته الهجرة بعد؛ لأن قباء ليست هي المقر النهائي، وإنما نزل فيها مؤقتاً، وانظروا إلى أول عمل عمله النبي ﷺ إنه بناء المسجد. ومما يذكرون في قصته: أن النبي ﷺ قال: (من يركب الناقة، فقام رجل، فقال: اسمك؟ قال: اسمي كذا، قال: اجلس، حتى جاء اسم يرتضيه وركب وقال: أرخ لها زمامها، وقامت وخطت على مربع، وقال: خطوا على آثارها وأقيموا بناء المسجد). وكانت القبلة أول قدوم النبي المدينة إلى بيت المقدس، ثم بعد ذلك تحولت، وأراه جبريل الكعبة وهو يضع قبلة هذا المسجد النبوي الشريف. في قباء بُني المسجد، فكانت عناية النبي ﷺ بادئ ذي بدء بالمسجد. لماذا؟ لأن المسجد هو بيت الأمة ومحل اجتماع المسلمين، ومكان تشاورهم، وغير ذلك من الأمور التي سنؤجلها حتى يأتي الحديث عن المسجد النبوي إن شاء الله. ثم أخذ في طريقه -بعد أن وضع مسجد قباء- إلى المدينة أو يثرب، وهو اسمها الأول. ثم وهو في قباء سأل عن أبي أمامة قالوا: إنه في قومه، وكان بينه وبين بني عوف ما بين القبائل، ولا يستطيع أن يأتي وحده، فإذا به في الليل يدخل عليه أبو أمامة، قال: (كيف خلصت وحدك في الليل وأنت حرب لهؤلاء القوم؟ قال: ما كان لي أن أسمع بقدوم رسول الله وأتأخر عنه فقال لبني عوف: أجيروا أبا أمامة) أي: اجعلوه في جواركم حتى يستطيع أن يذهب ويأتي، قالوا: أجره أنت يا رسول الله! انظروا يا إخوان! إنما يجير من القوم واحد منهم، فإذا بهم يضعون حقهم في الجوار لرسول الله وكأنه المسئول عنهم، قالوا: أنت تجير علينا، أي: ما دمت قد وصلتَ فليس لنا كلمة، وأنت الذي تتحكم في أنفسنا وأموالنا وأرواحنا. فأجاره رسول الله ﷺ ، ومن أول خطوة يجد رسول الله ﷺ الالتحام من أهل المدينة.

стр. 93

استقبال الأنصار للنبي ﷺ بالعَدد والعُدد ثم مضى في طريقه، وكانت قبائل المدينة تمتد مع الوادي من قباء إلى المدينة شمالاً، فكان كلما مر بحي من الأحياء يجد أهله في العَدَد والعُدَد يأخذون بزمام الناقة: هلم إلينا يا رسول الله، هلم إلى العَدَد والعُدَد والمنعة؛ لأنهم بايعوه عند العقبة على هذا. قبل مجيئه ﵇ كانت المدينة منقسمة إلى قسمين، فقد استمرت الحروب فيما بينهم مائة سنة، والخمس سنوات التي سبقت مقدمة هي التي وضعت الحرب فيها أوزارها، وكانت الجروح لم تلتئم بعد، وهاهم الأوس والخزرج، أفينزل عند الأوس فيكون على حساب الخزرج، أم ينزل عند الخزرج فيكون على حساب الأوس، وهو إنما جاء ليجمع الجميع تحت راية واحدة؟! فإذا به وهو النبي المرسل الموحى إليه من ربه يقول لهم: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة)، أي: خلوا سبيل الناقة. وهكذا كلما مرت بحي قال: خلوا سبيلها خلوا سبيلها، حتى أتت إلى أمام هذا المسجد وبركت، وهي في كل هذا مأمورة، ولم ينزل عنها ابتداءً حتى لا يقولوا: غمزها، بل بقي عليها، ثم نهضت وهم ينظرون، ثم دارت واستدارت وتلفتت، وكأن مهندساً يأخذ خارطة إلى محل معين ويتبع الخارطة ويتأكد من الموقع. فرجعت إلى المحل الأول وبركت ومدت عنقها كعلامة على النزول، فنزل ﷺ عنها وقال: (هو المنزل إن شاء الله). كل القبائل تعرض عليه العَدَد والعُدَد والمنعة وهو يعتذر إليهم ويقول: إنها مأمورة، وأنا تبع لها، حتى لا يتحمل مسئولية نزوله وإكرامه قوماً على قوم، حتى إن أخواله بني النجار ليقولون: هلم إلى أخوالك، فقال: (خلوا سبيلها). ولما جاء إلى المحل الذي نزل فيه كان كل واحد يقول: عندي عندي، أما أبو أيوب فقد أخذ الرحل وأدخله بيته، فقال الرسول: (أين رحلي؟ قالوا: أدخله أبو أيوب، قال: المرء مع رحله). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 94

الهجرة النبوية [٨]

стр. 95

نزول النبي ﷺ على أبي أيوب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد وصل بنا الحديث عن الهجرة إلى وصول الركب المبارك إلى قباء وبناء المسجد بها، ثم النزول من قباء إلى المدينة، ومروره ﷺ بأحياء الأوس والخزرج، وكلما مر بحي تلقاه أهله: هلم يا رسول الله إلى العَدَد والعُدَد والمنعة، فيقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة).

стр. 96

إرشاد الله لناقة الرسول ﷺ إلى مكان إقامته أشرنا أن النبي ﷺ ترك الأمر لما يُسخر الله إليه الناقة ليخرج من عهدة تحمل مسئولية مجاملة فريق على آخر، وهذا من الحكمة الإلهية. وأيضاً مما يشعر بأن الله سبحانه يجعل عند للحيوانات إدراكاً، ما جاء في الموطأ في باب فضل يوم الجمعة: أن الرسول ﷺ قال: (وما من دابة إلا وتصيخ بسمعها من فجر يوم الجمعة إلى غروب الشمس، فرقاً من الساعة)، فالحيوانات تعرف أن الساعة تقوم يوم الجمعة وتصغي بسمعها للنفخة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وما جاء في نص القرآن الكريم من خبر الهدهد وما رأى عليه بلقيس وأصحابها، وجاء مستنكراً أنهم يسجدون للشمس والقمر ولا يسجدون لله. أيضاً في مقالة النملة: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]. وهذه أمور يثبتها القرآن الكريم. إذاً: لا مانع من أن الله سبحانه يهدي الناقة إلى المكان الذي يريد الله أن يكون مقراً لرسول الله ﷺ ، دون أن يكون على رسول الله لوم ولا مسئولية في أن يقدم فريقاً على فريق. وكان الأوس والخزرج كفرسي رهان عند رسول الله، إذا فعل الأوس مكرمة بادر الخزرج إلى أن يفعلوا مكرمة مثلها، ولما جاءت الناقة نزلت في حلة بني النجار وكان أعز حي في أحياء المدينة فبادر الناس هناك لرسول الله: في بيتي، عندي يا رسول الله، هلم إلى بيتي، وهو ينتظر ساكتاً، ثم التفت إلى ناقته ورحله فوجد الناقة بدون رحل، فقال: (أين رحلي؟ قالوا: احتمله أبو أيوب إلى بيته، فقال: المرء مع رحله) فتكون المشكلة قد انتهت، ولا أحد يستطيع أن يقول: لماذا اخترت أبا أيوب؟

стр. 97

قصة تبع اليمن وبناء بيت أبي أيوب الأنصاري من يقرأ كتب السيرة يجد روايات عجيبة لبيت أبي أيوب، وإن اختلفت في سياقها فإنها تتفق في المغزى والمعنى. ما هو بيت أبي أيوب هذا؟ ومن أبو أيوب؟ يقولون: إن أحد التبابعة من ملوك اليمن مر بالمدينة وهو في طريقه إلى أفريقيا، وبعض الروايات تقول: وكان معه مائة وثلاثون فارساً وضعف ذلك راجلاًَ، ومعه من أجل العلم والحكمة العدد الكبير، فلما وصلوا إلى المدينة تبايع أربعمائة من أهل العلم والمعرفة ألَّا يخرجوا من المدينة مع الملك، مع أنهم جاءوا معه وهم رفقاؤه. فسألهم الملك: علام امتنعتم؟ وعلام تحبون البقاء في هذه البلاد؟ قالوا: إن البيت -البيت العتيق- وهذه البلدة تتشرف ببعثة نبي آخر الزمان اسمه محمد، ونحن نقيم ننتظره. فأراد أن يقيم معهم ووثق من كلامهم. ؛ لكن ما استطاع. تقول هذه الرواية: فبنى أربعمائة بيت لكل واحد بيتاً، واشترى أربعمائة جارية فأعتقهن وزوج كل واحد بجارية وأعطاه عطاءً جزلاً، وبنى بيتاً حتى إذا جاء النبي سكن فيه، وكتب كتاباً وختمه بالذهب وأعطاه إلى كبير هؤلاء العلماء والحكماء، وقال: إن أدركته أبلغه سلامي وأعطه كتابي، ومما كتب فيه: شهدتُ على أحمد أنه رسول الله خالق النسم ولو طال عمري إلى عهده لكنت وزيراً له وابن عم شهد بأنه آمن برسول الله، ولو أنه أدركه لكان وزيراً له، أي: معيناً مساعداً وابنَ عمه. وختم الكتاب وقال لكبير العلماء: إن أدركته فأعطه كتابي، وإن لم تدركه فأعطه لولدك، وولدك لولده، وولد ولدك لولده، حتى يصل إليه. تقول هذه الرواية أيضاً: لما ظهر النبي ﷺ وصل الكتاب إلى رجل اسمه أبو ليلى، فذهب به إلى رسول الله في مكة، فلما جاء به قبل أن يكلمه قال: (أنت أبو ليلى؟ قال: من أنت؟ والله ما وجهك بوجه ساحر، كيف عرفت أني أبو ليلى؟ قال: معك الكتاب كذا، قال: بلى) هذه رواية. والرواية الأخرى تقول: إن هذا الملك لما مر بالمدينة خلف ولده عليها ملكاً، ومضى في سبيل رحلته، ثم أتى موسم جني الثمار فذهب إلى حائط رجل وصعد على النخلة وأخذ يجني من رطبها، وهي ليست مِلْكَه، فجاء صاحب النخلة وضربه بالمنجل في رأسه فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبَّر. انظروا الحمية إلى أين؟! من أجل قليل من الرطب يقتل الملك عليها، وكما يقال: غمط الحق غصة، فليس هناك إنسان يقبل الظلم على نفسه، حتى الحيوان لا يقبل الظلم على نفسه، ولا يوجد إنسان يقبل انتهاب ماله وهو قادر على أن يرده؛ ولكن أما كان حقه أن يقول له: انزل، لماذا صعدت؟ وفي عودة الملك وجدهم قد قتلوا ولده، فأراد أن يقتلهم جميعاً، فحاصرهم، فكانوا يقتتلون نهاراً ويكفون عن القتال ليلاً، وطال الحصار إلى أن نفد طعام الجيش المقاتل، فقال أهل المدينة فيما بينهم: هذا الجيش ما عنده طعام، وليس من الإنصاف أن نقاتل قوماً جياعاً في النهار، ونأوي إلى بيوتنا ونسائنا نطعم ونشبع ونستريح. فقالوا: نخرج لهم العشاء. فتعجب الملك وقال: والله ما وجدت مثل هذه القرية، نقاتلهم نهاراً ويُقْروننا ليلاً؟! جيش محاصِر يقاتل ولما نفد زادهم لم يقل عدوهم: الحمد لله غداً نأخذهم ونذبِّحهم. بل قالوا: نطعمهم ونقاتلهم. وأبت عليهم مروءتهم أن يقاتلوا عدواً يقع تحت وطأة الجوع، قالوا: ليست هذه مكافأة، مثل الفارس يقاتل راجلاً، فعليه أن يترجل مثله، أو يمهله حتى يجد فارساً يجول ويصول معه، وهكذا كانت شيمة العرب، الفارس لا ينازل إلا من كان عدلاً له فتعجب الملك من أمرهم؛ وبينما هو على تلك الحالة إذ خرج إليه حبران من أحبار اليهود بالمدينة، وسألاه: أيها الملك! ماذا تريد؟ قال: أريد أن أنتقم لولدي وأستأصل أهل هذه القرية. قالا له: إنك لن تسلَّط عليهم. قال: ولماذا؟ قالا: إنها مهاجَر آخر نبي؛ أيهاجر إليها وهي خراب؟! ليس معقولاً. ثم تكلما واستمع منهما، فوجد عندهما علماً، فاستأنس لهما وصدقهما. فلما خاطباه وسمع كلامهما، ووجد عندهما علماً، اتعظ وتنازل عن دم ولده، وسأل أهل العلم، وهذا هو الواجب على الملوك والرؤساء والزعماء والقادة: أن يرجعوا إلى العلماء؛ لأن عندهم هدى ونوراً من الله، وهذان كانا على كتاب وعلى دين سماوي. فقالا له: ارحل عنها، وابن بيتاً، فإذا جاء نبي ذلك الزمان لجأ إليه، فبنى بيتاً وكتب كتاباً. فسواء كان اختيار المدينة من الأربعمائة الذين تبايعوا وتعاهدوا على البقاء ينتظرون، أو كان بسبب قتل ولد الملك، المهم أن الملك بنى بيتاً وكتب كتاباً ودفعه لكبير العلماء أو لواحد من أبناء هذين الحبرين. وقالت الرواية الأولى: الأوس والخزرج من أبناء الأربعمائة. وقالت الرواية الثانية: أبو أيوب من نسل كبير الأحبار الذين بقوا في المدينة. فلما علم أن عندهما علماً قال: لابد أن تصحباني إلى بلادي اليمن، فامتنعا عليه، فقال: لا غنى لي عنكما، وأخذهما قسراً عليهما، فتبعاه. وتتمةً للفائدة: فإن هذا الملك وهو في طريقه إلى مكة خرج عليه رجلان من هذيل، قالا: أيها الملك! إنك قادم على مكة، ونريد أن ندلك على كنز بها، إن أنت أخذته أغناك الدهر كله. قال: وما هو؟ قالا: كنز في جوف بيت العرب. يعنيان: اهدم الكعبة وخذ الكنز. فلما سمع ذلك دعا الحبرين وسألهما، قالا: أيها الملك! لقد أرادا هلاكك. غدراً بك، قال: ولأي شيء؟! قالا: إن هذا البيت هو البيت العتيق، أعتق من أيدي الجبابرة، ما تسلط عليه جبار إلا أهلكه الله، فأرادا لك الهلاك، وإذا أردت أن تعرف حقيقة الأمر فأظهر لهما إذا أتياك قبولك والموافقة واصحبهما معك إلى مكة حتى يشتركان في الهدم. فلما وفدا عليه من الغد قال: جزاكما الله خيراً، دللتماني على كنز عظيم، ولا أريد أن آخذ الكنز وحدي، وحيث دللتماني عليه لابد أن تذهبا معي ونقتسم المال. فقالا: لا نريد منه شيئاً، هو لك وحدك. قال: عجيب! تدلاني على كنز ولا تريدان منه شيئاً، إذاً: الأمر فيه خيانة، وضرب أعناقهما. ثم سأل الحبرين: ماذا تشيران عليَّ إذا أتيت البيت؟ قالا: تدخله متواضعاً لله وحده، وتكرم جيرانه، وتكسوه. انظروا يا إخوان! هاهم أحبار اليهود، وهاهو ملك المجوس وثني وهو في طريقه إلى الإيمان يعظم البيت ويسمع نصيحة العلماء في زمنه، فيدخل مكة متواضعاً، ويعظم حرمة البيت، ويكرم جيرانه، ويكسو الكعبة. وصدق الله العظيم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]. فالبيت له رب يحميه من زمان قديم كما قال عبد المطلب: جئتك أطلبك إبلاً لي أخذه رجالك. قال: قد كنتَ عظيماً في نظري والآن صغرت، جئت أهدم بيت عزك وشرفك ودينك، فتترك الكلام معي فيه وتكلمني في إبل؟! قال: نعم. الإبل لي وأنا أطالب بها، أما البيت فله رب يحميه، لست أنا الذي أحميه. وما أشبه الليلة بالبارحة! ينادون بإنقاذ الحرمين، وجهلوا وعميت بصائرهم عن واقع الحرمين، هل الحرمان مقفولان؟ الحرمان بلدان مفتوحان ليل نهار، والحرم في مكة مفتوح أربعاً وعشرين ساعة، والحرم في المدينة يُقفل ساعات من الليل، وما خلت الكعبة وقتاً من الأوقات من طائف لله، ففي كل وقت وفي كل أوان يأتيه رجال: ((وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)) [الحج:٢٧] يطوفون ويسعون ويعتمرون. ولكن إذا أراد الله فضيحة شخص جعل فضيحته من طريقه هو، والمسجد النبوي ما خلا من زائر أو مُصَلَّ من مسلم على رسول الله وصاحبيه. لماذا هؤلاء الناس يأتون من جميع أقطار الإسلام، لماذا لا يوجد من قال كلمة ذم؟ بل العكس كلٌّ يعترف بالجميل، يرفع الواحد أكف الشكر لله أن يجد الحرمين في هذه النعمة، نسأل الله أن يديمها علينا وأن يتمها لنا.

стр. 98

إكرام الأنصار وأبي أيوب لرسول الله ﷺ نرجع إلى بيت أبي أيوب ونزول النبي ﷺ في ذلك البيت الذي بناه ذلك الملك لينزل فيه نبي آخر الزمان إذا هاجر إلى المدينة. ومن هنا يقول بعض العلماء تعليقاً على ذلك: نزل في بيته؛ ولم يكن لأحد منة عليه، وقد شاهدنا في أول الهجرة: لما قدَّم أبو بكر ﵁ الرواحل ماذا قال رسول الله؟ قال: (لا أركب بعيراً ليس لي، قال: هو لك يا رسول الله، قال: لا. الثمن، بكم اشتريتهما؟ قال: بثمانمائة، قال: هو عليَّ بثمنه)، فلم يقبل إلا مثامنة. ثم لما أراد بناء المسجد -على ما سيأتي أمره أيضاً تتمةً لهذه الجزئية- كانت الأرض ملكاً لرجلين: سهل وسهيل فقال: (ثامنوني عليها، قالا: خذها، قال: بل بالثمن، فاشتراها منهما بعشرين ديناراً ذهباً، دفعها أبو بكر رضي الله تعالى عنه في حينه)، وهذه من مكرمات أبي بكر. نزل ﷺ بيت أبي أيوب، ففرح الأنصار بنزول رسول الله، وكان أشد الفرح من الحي الذي نزل فيه، وفي كل ليلة كان يجتمع على باب أبي أيوب القصعة والقصعتان والثلاث والأربع والخمس، كلهم يريدون أن يحصلوا على شرف وبركة أكل رسول الله ﷺ من طعامهم. لما نزل ﷺ نزل في الدور الأول، وأبو أيوب وأم أيوب في الدور العلوي، تقول الرواية: استيقظ أبو أيوب ذات ليلة، وقال لـ أم أيوب: (كيف ننام في علوٍ رسول الله تحته؟!). انظروا يا إخوان! لا أحد يقول لي: حرام وحلال؛ أو دليله في كذا، فهذا إحساس وشعور بالتعظيم، وتكريم لرسول الله ﷺ ، وشعور الإيمان، قال: (كيف ننام في علوٍ رسول الله تحته؟! يقول: فتجنبنا جانباً ونمنا إلى الصباح، ورواية أخرى تقول: انكسر حِبٌّ لنا -الحِب: الزير الصغير- فقمت أنا وأم أيوب فزعين، وعندنا قطيفة واحدة هي لحافنا، فقمنا نجفف الماء مخافة أن يقطر منه شيء على رسول الله فيؤذيه). وسواء كان الإحساس الأول أو كان الخوف الثاني، فكل ذلك يدل على توقير وتكريم واحترام رسول الله ﷺ . (فلما أصبح الصباح غدوت على رسول الله وقلت: يا رسول الله! أما البارحة فلم أنم لا أنا ولا أم أيوب، قال: وما ذاك؟ فذكر له إحدى الروايتين، وقال: يا رسول الله، أريد أن تكون أنت في العلو؛ لأنك يوحى إليك، ونحن نكون في الأسفل، قال: يا أبا أيوب في الأسفل أهون عليّ، وأرفق بأصحابي الذين يأتونني). انظر المراعاة إلى أين؟! قال: عندما أكون في الدور الأول يجيء الذي يزورني فيجدني أمامه؛ لكن إذا كنت في الأعلى احتاج الزائر إلى الصعود ففيها مشقة عليك وربما مشقة على أصحابي. قال: لا يا رسول الله، أنا لا أستريح أبداً وأنا فوق، فنزل على رغبته، وكان ﷺ في علو البيت وأبو أيوب في أسفله. كان أبو أيوب رضي الله تعالى عنه إذا صنع الطعام يقدم القصعة أولاً لرسول الله، فيتناول منها ما شاء الله، ثم يأخذها أبو أيوب، يقول: ونتتبع مواضع يده التماساً للبركة، وفي يوم من الأيام رجعت إلينا قصعتنا ولم نرَ فيها أثر أكله منها، فقمت وصعدت حالاً: أستغفر الله وأتوب إليه يا رسول الله! ماذا فعلنا حتى غضبتَ علينا ولم تأكل طعامنا، فقال: (يا أبا أيوب، ما غضبت عليك، وما تركته غضباً، ولكن فيه من تلك البقول -كان فيها كرَّاث ونحوه- فكلوا أنتم، قال: كيف نأكل ما لم تأكله أنت؟ قال: لستُ كأحدكم، إني أناجي من لا تناجون)، هنا عادت الفوارق؛ أنا ما آكل منها، ولا يليق لي أن آكل منها؛ لكن أنتم كلوا. إذاً: هناك أشياء تكون من خصائصه ﷺ يُمنع منها وتُباح للأمة، كما يوجد العكس؛ فقد تكون هناك أشياء تباح له ﷺ وتحرم على الأمة، ويسمونها الخصائص. مما أبيح له وحرم علينا: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وكذلك الوصال: (لستُ كأحدكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني). إذاً: وبعد ذلك لم يضعوا له في الطعام من هذه البقوليات، وبقي في بيت أبي أيوب حتى تحول وبنى بيوتاً لزوجاته، وأول ما بنى لـ عائشة.

стр. 99

بناء النبي ﷺ للمسجد بالمدينة في هذه الأثناء لما نزل عند بيت أبي أيوب كان أمام بيته مكاناً يسمونه: مربد - وهو يقع عند مكتبة عارف حكمت وبعضهم يقول: البيت الذي هو مقابل المكتبة وبينهما الزقاق فقط، وبضعهم يقول: هو مكان المكتبة. فقال ﷺ : (لمن هذا المربد؟ قالوا: ليتيمين أو لـ سهل وسهيل ابني عمرو، فدعا بهما وجاء وليهما، وقال: ثامني على هذه الأرض -وقيل: مربد، وقيل: نخيل، وقيل غير هذا فقال: هي لك يا رسول الله، وأنا أرضيهما عنها بأرض بدلاً منها أو بقيمتها، قال: لا. ثامنوني عليها، فثامنوه واشتراها ﷺ ودفع أبو بكر قيمتها عشرين ديناراً ذهبا). نحن في هذا المقام نعلق ونقول: هذه من مكارم أبي بكر، ولا يوجد مسلم يأتي يصلي في هذا المسجد إلا ولـ أبي بكر فضل عليه وله أجر معه.

стр. 100

بناء النبي ﷺ لحجر أزواجه وبدأ ﷺ وبنى أول حجرة شرقي المسجد، فقال أبو بكر لرسول الله: (بنيت الحجرة! لماذا لم تبن بزوجك عائش -وكان عقد عليها وعمرها سبع سنين وبلغت تسع سنين عندما دخل بها- قال: ما عندي ما أمهرها) أي: ليس عندي صداقها. وقد جاء عنه النهي عن أن يدخل الإنسان على المرأة قبل أن يدفع لها شيئاً، كما جاء في زواج علي بـ فاطمة رضي الله تعالى عنهما أنه (لما خطبها قال له الرسول: ماذا تعطيها؟ قال: ليس عندي شيء، قال: أين درعك الحطمية، أعطها إياها. أما ماذا ستفعل بالدرع؟! فكما تشاء، تتملكه أو تبيعه أو ترده على زوجها، المهم أنه صداقها. فقال: ما عندك ما تمهرها؟ أنا أمهرها عنك. ودفع أبو بكر لـ عائشة صداقها، وهنا نقف وقفة طويلة، فالرجل العاقل إذا وجد الزوج الصالح لابنته، فلا يتساهل في الشروط أو الطلبات فقط، بل يعينه بما يستطيع. ما المانع ما دام يجد الكفؤ لابنته، فهي ليست ما كثة عنده في البيت؟! عندما تدفع أنت وتشتري رجلاً طيباً وتطمئن إليه ويكرم ابنتك؛ أليس أحسن من أن تبيعها وتأخذ ثمنها وغداً ترجع عليك؟! ما أطيب السنة وما أجملها وأوسطها وأيسرها! ثم كان ﵊ كلما تزوج امرأة بنى لها حجرة، وصارت حجرات زوجات رسول الله ﷺ من الشرق إلى الشمال، وبيت حفصة من الجنوب. إلى هنا وصلت رحلة الهجرة إلى غايتها، ويمكن أن نعتبر ما تقدم الحديث عنه من أول تدبير النبي ﷺ بنوم علي في فراشه، وإعداد أبي بكر الرواحل، والاتفاق مع ابن أريقط، ومواعداته إلى الغار بعد ثلاث، كله بداية وتاريخ ومنهج الهجرة؛ إلى أن وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة وبدأ في بناء المسجد.

стр. 101

نتائج الهجرة النبوية تمت الهجرة؛ ولكن ما نتائج الهجرة؟ الرسول ﷺ كان في مكة يقابل الوثنيين المشركين، وهم جبهة واحدة، وقوم سذج، بمعنى: لم تسبق إلى عقولهم أفكار: عقائد طرائق مناهج متعددة مختلفة؛ ولكن ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، ولذا كان الواحد منهم إذا تعقل وتروَّى ووضح له الحق سرعان ما يؤمن. عمر بن الخطاب عندما ذهب لأخته لينتقم منها لأنها أسلمت هي وزوجها، سمع القرآن فتحول وتغير، وقال: (دلوني على محمد)؛ كل هذا في لحظات. سراقة يدرك رسول الله في الطريق ليأخذه لينال الجُعل من الإبل، ففي أول النهار كان يطلبه وفي آخر النهار صار يحرسه. لماذا؟ كان عندهم فطرة نقية سليمة، مغطىً عليها بغطاء الوثنية، وكان هذا الغطاء سهل الانتزاع.

стр. 102

فئات المجتمع في المدينة حينما جاء ﷺ إلى المدينة وجد المجتمع في المدينة مكون من يهود ومشركين، وهنا تعددت الجبهات. بعد أن وصل ﷺ وبدأ يظهر سلطانه نبتت نابتة النفاق. إذاً: أصبح في المدينة ثلاث جهات؟ · مشركون صرحاء. · ويهود. حاقدون وحاسدون. · وجنس مذبذب يعمل في الخفاء، في الظاهر لك وفي الخفاء عليك. وكان المنافقون أخطر بلا شك. إذاً: على الدارس أن ينظر كيف واجه النبي ﷺ الموقف في المدينة من ثلاث جهات: الجهة الأولى: الجبهات المتعددة، كيف يوفق فيها، حيث أصبح في المدينة أربع فرق: ١ - يهود مستوطنون على حقد: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥] هذا موقفهم ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]. وبعد هذا كله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]. أولاً: ما يودون أن ينزل عليكم خير؛ لكن الله ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]. ثانياً: نزلت الرحمة: فحاولوا أن يردوكم ما استطاعوا كفاراً حسداً منهم لكم. ثالثاً: جاءوا للتشكيك: قالوا: الجنة لا يدخلها إلا يهودي أو نصراني، وأنتم لن تدخلوها. هذا موقف اليهود. ٢ - موقف المشركين. ٣ - القلة المسلمة. ٤ - نابتة النفاق.

стр. 103

موقف الرسول ﷺ من المشركين في المدينة والعجيب أن الرسول ﷺ أرخى العنان للمشركين، وتركهم مع المسلمين. ومن وقائع مواقف المسلمين مع المشركين: أن أحدهم بالأمس كان له صنم في فناء بيته، وكان يُعنى به ويعطره ويطيبه، ولم يكن ابناه قادرين أن يقولا لأبيهما شيئاً، وأرادا أن يلقناه درساً! ماذا يفعلان؟ عمدا إلى هذا الصنم فنكساه ليلاً، فيصبح أبوهم فيلقى الصنم منكساً، فيغضب لهذا، فيعدِّله ويثبته. ثم طال الزمن وقال: أنا تعبت معك، لو أعلم من الذي يفعل فيك هذا لانتقمت لك؛ لكن هذا السيف عندك، من عدا عليك فانتقم لنفسك، فمن الغد لا وجد الصنم ولا وجد السيف. أخذا هذا الصنم وأخذا السيف معه وبحثا عن كلب ميت، وجاءا وربطا الكلب والصنم ورمياه في بئر معطلة، فلما أصبح لم يجده، فأخذ يبحث يميناً ويساراً حتى وجده، وأراد الله له الهداية. وكما قلنا: إن أهل الوثنية كانوا على الفطرة، لكن تحتاج من يقشع عنها الغشاء. فلما نظر قال: لو كنت إلهاً حقاً ما قرنت مع كلب ثم رده وغسله ووضعه محله؛ ولكن ترك عبادته، وقليلاً قليلاً تركه بالكلية، ورجع إلى صوابه وأسلم، فكان المسلمون مع المشركين وهم كلهم من جنس واحد ومن عائلة واحدة ومن قبيلة واحدة، كانوا يأتون ببعضهم وكان بعضهم يتبع بعضاً. مصعب بن عمير لما جاء المدينة قبل أن يصل النبي ﷺ جاء إلى بني عبد الأشهل، وجاء سعد بن معاذ فجلس هناك ومعه بعض الأشخاص، فقال سعد لأحد جلسائه: اذهب إلى هذا الرجل وقل له: (اذهب عنا لقد أفسدت علينا شبابنا) وكان ما زال على الشرك؛ فجاءه وتكلم عليه. فقال له مصعب: أوَ غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن تجلس وأعرض عليك ما عندي، فإن قبلته فبها ونعمت، وإلا كففتُ عنك ما تكره. قال: أنصفت. لاحظوا العقل! حاكمه إلى عقله، فطلب منه أن يجلس فيسمع ثم يشاور عقله، فإن وجدت وصاحبه أيضاً عاقل قال: أنصفت، وركز رمحه وجلس يستمع، فلما عرض عليه الإسلام وقرأ عليه شيئاً من القرآن قال: نِعْم هذا! ونطق بالشهادتين ورجع لأصحابه. قال جليس سعد: والله لقد رجع إليك فلان بوجه غير الذي ذهب به عنك قال له: ماذا قلت؟ قال: قلت له ما أمرتني به. قال: ما أغنيت عني شيئاً، ثم قام وجاء، إلى مصعب فقال له تلك المقالة. قال له جليسه: هذا سيد بني الأشهل، اصدِقِ الله فيه، وهنا رأس مال الداعية إلى الله، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، فلما جاءه أيضاً تكلم عليه واشتد في الكلام. قال: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تجلس وتسمع ما أقول، فإن طاب لك فبها ونعمت، وإلا كففت عنك. قال: أنصفتَ. وركز رمحه وجلس، فلما سمع قال: ما أحسن هذا! ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟. قال: يغتسل وينطق بشهادة الحق. فذهب فاغتسل وجاء ونطق بشهادة الحق، وذهب إلى قومه ووقف وقال: يا معشر بني عبد الأشهل! ما تعلمونني فيكم؟ قالوا: سيدنا. قال: كلامكم عليَّ حرام رجالكم ونساؤكم وكبيركم وصغيركم حتى تشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأن محمداً رسول الله؛ فباتوا عن بكرة أبيهم مسلمين. ماذا فعل مصعب مع هؤلاء؟ صدَقَ الله فيهم، وأخذهم باللطف وأسمعهم كتاب الله. وهكذا الوثنية ما لم يكن فيها عناد، انظر إلى الوليد لما سمع القرآن قال: (والله إن لِكلامه لَحلاوة ... ) إلى آخر كلامه، ولكن العناد الذي حصل كان سببه كما قالوا: حملوا فحملنا، وأطعموا فأطعمنا، ثم قالوا: منا نبي، فماذا نقول نحن؟ فكان امتناعهم عناداً. فهذه الوثنية أمرها هيِّن؛ لكن الخطر كل الخطر، مِمَّن يحمل الحقد والحسد.

стр. 104

موقف النبي ﷺ من يهود المدينة واجه النبي ﷺ : قوة نجد، ويهود، وتوجد قلة مسلمة يحافظ عليها، ونبتت نابتة النفاق. لما وصل ﷺ وكان عبد الله بن سلام هو حبر اليهود وأعلمهم وأعلاهم نسباً، فلما سمع برسول الله ﷺ جاءه وعرف أنه النبي حقاً، وشهد شهادة الحق، ثم قال: (يا رسول الله، إن اليهود يعلمون منزلتي فيهم ومكانتي؛ ولكنهم قوم بُهت، ادعهم وسلهم عني قبل أن تخبرهم بإسلامي، فدعا اليهود، قال: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا. قال: ألا تسلموا؟ قالوا: لا، قال: وإذا كان عبد الله بن سلام قد أسلم! قالوا: حاشا لله، ولا يمكن أن يسلم! قال: اخرج عليهم يا عبد الله، قال: يا معشر يهود! والله إنكم لتعلمون أنه النبي الحق والذي كنا ننتظر مجيئه، أسلموا تَسلموا، قالوا: أنت أكذبنا وابن أكذبنا، قال: يا رسول الله! هذا الذي كنت خائفاً منه).

стр. 105

اختصام المهاجرين والأنصار في سلمان ممن بادر بالإسلام أيضاً: سلمان الفارسي، بعضهم يقول: أسلم بعدما جاء الرسول إلى المدينة، وبعضهم يقول: أسلم وهو لا يزال في قباء أول قدوم النبي إلى المدينة، وكان على نخلة لسيده الذي اشتراه، يشتغل فيها ويجني رطباً. ولما سمع بوصول محمد ﷺ جاء بشيء من الرطب، وقدَّمه وقال: يا محمد! هذه صدقة مني عليك وعلى أصحابك، فقال ﷺ لأصحابه: كلوا. وهو لم يأكل، فقال سلمان: هذه واحدة. ثم ذهب وجاء من الغد بمثلها، وقال: يا محمد! هذه هدية مني إليك، فأكل وأكلوا معه، فقال: هذه الثانية. فسمعه رسول الله ﷺ بالأمس يقول: هذه واحدة، وسمعه من الغد يقول: هذه الثانية. فلما أراد أن يدبر قال: هلمَّ يا سلمان انظر الثالثة، وكشف له قميصه عن خاتم النبوة بين كتفيه، قال: انظر الثالثة يا سلمان؛ لأن في كتبهم أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ويوجد خاتم النبوة بين كتفيه، فلما رآه سلمان أهوى عليه وقبَّله، وقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنك رسول الله. سلمان الفارسي -مثلما يقولون- مُنْتَهٍ أمرُه؛ لأنه أخذ يتنقل من فارس إلى العراق، وكلما جاء إلى أحبار وإلى علماء يرفعونه إلى غيرهم، حتى دفعوه إلى أحبار الشام، وأحبار الشام دفعوه إلى يثرب، قالوا: انتظره في يثرب فإنها دار هجرته. فجاء إلى المدينة ينتظر مجيء رسول الله ﷺ . ولهذا حينما كان في غزوة الخندق وقسم النبي ﷺ أهل المدينة إلى قسمين: راية للماهجرين، وراية للأنصار، اختلفوا في سلمان؛ المهاجرون يقولون: سلمان تحت رايتنا؛ لأنه آتٍ من الخارج، والأنصار يقولون: سلمان تحت رايتنا؛ لأنه كان موجوداً ينتظر رسول الله. ففض هذه الخصومة رسول الله ﷺ بقوله: (سلمان منا آل البيت). أي فخر هذا؟! هكذا واجه النبي ﷺ تلك الطوائف المختلفة.

стр. 106

بناء الرسول لمجتمع المدينة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً حركة الهجرة من بلد إلى بلد تعتمد كثيراً على الناحية الاقتصادية؛ لأن مواردَ البلد حركةُ أهلها، فإذا استقدمت أشخاصاً واستقبلت العديد من غير أبنائها كان ذلك على حساب مواردها، والعالم اليوم عند هجرة كل شعب ينزل به ضيم ويضطر إلى الهجرة إلى جواره، أول ما يفكر فيه أهل البلد المضياف اقتصادياته وتأمين حاجيات المهاجرين؛ هذا أمر طبيعي، فكيف عالجت المدينة استقبال المهاجرين وموارد المدينة آنذاك أغلبها في يد اليهود: الصياغة والصرافة والزراعة والتجارة، حتى إن الرسول ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى ودرعه مرهون في شعير عند يهودي. وجابر بن عبد الله مات أبوه وهو مدين ليهودي. جاء اليهودي يطالب بالدين في أوسق من تمر، فقال له: خذ ثمرة البستان هذه، قال له: بل تكيل وترد لي الأوسق التي أخذها أبوك. لم يقبل أن يأخذ الثمرة كلها، ويقعد جابر كئيباً، حتى جاء الرسول ﷺ إليه ومشى في البستان ودعا بالبركة، فوفى اليهودي، فوفاه وبقي عنده الكثير. يهمنا أن المتحكم في الاقتصاد هم اليهود؟ إذاً: كيف تعالَج هذه الناحية؟ سيأتي معالجتها بالإخاء وصفاء النفس؛ وعفة المهاجرين، وبذل وإيثار الأنصار. بيَّن سبحانه في قسمة فيء بني النضير: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨] أخرجوا منها وليس باختيارهم ولا استطاعوا أن يحملوا منها شيئاً. مثال ذلك صهيب لما جاء مهاجراً وأدركته قريش وقالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك، والآن صرت ذا مال، وتريد أن تفوتنا بنفسك وبمالك؟! قال: لو دللتكم على مالي، أترجعون إليه وتتركونني. قالوا: نعم. قال: مالي دفنته في المكان الفلاني، ولما وصل بشره النبي ﷺ فقال: (ربح البيع أبا يحيى)، اشترى نفسه. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر:٨] يقابلهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. يا إخوان! نحن نعاصر هذه الأحداث التي تعيشها دول الخليج العربي، ولنا إخوة من الكويت أخرجوا من ديارهم وأموالهم فعلاً، واختاروا ما شاءوا من جيرانهم سواءً من دول الخليج أو من السعودية أو غيرها، أعتقد أن كل إنسان يدرك أن لهؤلاء الناس حقاً فيما عنده بقدر استطاعته، والناس يتفاوتون في هذا المجال، لا نقول: الإيثار على النفس، ولا نقول: الشح والبخل والضن بما في اليد، بل علينا أن نساعد هؤلاء، فقد كانوا أغنياء في بلادهم، أعزةً في جماعتهم، أهل يسار في بيوتهم، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. إذاً: هذا الحدث أو هذا الموقف يذكرنا بما يجب علينا كإخوة في الله قبل كل شيء، ثم كإخوة في الوطن والعروبة والجوار، كل دواعي مكارم الأخلاق تدعونا إلى أن نقف بجانبهم وأن نساندهم. كان هذا الموقف مما واجهه النبي ﷺ وواجهه المهاجرون مع الأنصار، فكان مجتمع المدينة قسمين: مهاجرون يتعففون، حتى إن الأنصاري كان يقول لأخيه المهاجري: هلم أقاسمك مالي، هلم أنزل لك عن إحدى زوجتي، فـ ابن عوف قال: بارك الله لك في زوجاتك، وبارك الله لك في مالك، دلني على السوق، وذهب يعمل. علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يمر على امرأة قد جمعت الطين والتبن وعندها البئر قالوا: ما بال هذه المرأة؟ قال: ما وجدت من يحمل لها الماء حتى تعجن هذا الطين لتصلح بيتها، قال: علام تؤاجرين الرجل، قالت: الدلو بتمرة، فملأ لها عدة دلاء، وأخذ عدة من التمر ورجع بها إلى رسول الله، قال: من أين هذا يا علي؟ قال له: من كذا وكذا، فأكل معه منها يد عاملة، منتجة. إذاً: ما أشبه الليلة بالبارحة، هذه هي الناحية التي عالج بها الإسلام الموقف من الناحية الاقتصادية. أما الناحية السياسية في تلك الطوائف المتعددة فقد عالجها رسول الله بأقصى حكمة، فجمع الجميع وكتب كتاباً: (هذا ما تعاهد عليه الأوس والخزرج واليهود بالمدينة، كل قبيلة تحمل تبعتها -يتعاونون فيما بينهم- ولا تحمي قبيلة صاحبَ دخيلة ولا صاحب جناية، ومن آوى كذا فعليه كذا، والأمر في المدينة كذا، وما اختلفتم فيه فأمره إلى رسول الله ﷺ . ومما عاهد عليه اليهود: أن لا يعينوا عليه عدواً، وأن يعينوه فيما نابه)، أي: لا يتأخرون في المساعدة إذا لزم الأمر. وهكذا صارت كل الأحزاب والفرق الموجودة في المدينة ضمن معاهدة رسمية يرجع أمرها إلى رسول الله ﷺ . أما من الناحية الأخرى بين الأفراد فقد آخى بين المسلمين. والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.