← Акыда

Акыда · id 7707

اعتقاد أهل السنة

ابن جبرين

Полный текст (366 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح اعتقاد أهل السنة [١] ما زالت العقائد في كل وقت وحين هي التي تبني الرجال وتعدُّ الأمم والأجيال، ولما كان لها أثرها القوي على الصحابة رضوان الله عليهم، فلقد كان لهم في التاريخ من الأحداث ما ملأ سمع العالم وبصره، وهذه العقائد لابد لحاملها من ابتلاء وامتحان لتمحيص الخبيث من الطيب، وممن ابتلي فصبر ومضى قدماً على هذه العقيدة في أمة الإسلام أهل الحديث، فهم أصحاب العقيدة السليمة المبنية على الدليل من الكتاب والسنة النبوية.

стр. 2

فضل طلب العلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإني أهنئ طلبة العلم بنيتهم التي رفعتهم إلى هذه المساجد لتلقي العلوم، فإنها خصلة حميدة، وفائدة عظيمة، وحسنة كبيرة اختص بها من اهتم بطلب العلم والفائدة، فما أعظمها من فائدة وما أعظمها من حسنة! أولئك الذين فارقوا بيوتهم وأهليهم وأوطانهم، نهنئهم بأنها خصلة حميدة، وبأن الله تعالى أراد بهم خيراً؛ لقول النبي ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) ، ولم يفرق بين الطريق البعيد والطريق القريب، ولا شك أن الطريق البعيد الذي يسلكه ويقطع فيه مئات الأميال أو ألوفها أنه أعظم أجراً؛ حيث إنه عمل على مشقة وصعوبات، والأجر على قدر النصب، وقد ثبت عن النبي ﷺ لما ذكر فضل العلم أنه قال: (إن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر) ، وليس المقصود العالم الرباني، بل كل من علم علماً ولو قليلاً يصدق عليه أنه عالم، ولو بآية أو بآيات أو بأحاديث أو بنوع من العلوم، فالحاملون قليل العلم يصدق عليهم أنهم علماء، فتستغفر لهم الملائكة والدواب وحيتان البحر، وكذلك تتواضع لهم الملائكة، كما في الحديث: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) يعني: تتواضع لطالب العلم رضاً بالذي يصنعه. وأيضاً: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) ، فالذي يشتغل بالعبادة وبالصلوات وبالتهجد وبالصيام وبالركوع والسجود وبالذكر والدعاء ونحو ذلك، والذي يشتغل بطلب العلم وبتعلمه وبالتفقه في الدين بينهما فرق كبير، وقد أخبر في هذا الحديث بالفرق بينهما، وأن فضل هذا على هذا كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، ولا شك أن هذه خصال حميدة يشجع عليها من تجشم الصعاب وصبر على هذه المشقات وواصل التعلم. وأهنئ طلبة العلم بأنهم -والحمد لله- قد حصلوا على علم كثير وكبير، حتى ولو تعلم الواحد آية أو معرفة يحفظها أو يعقل معناها أو يعرف ما تدل عليه، فإن هذا علم كبير لا يقاس بغيره، ويفوق غيره ممن فاتته هذه الكلمة أو الآية.

стр. 3

مصدر العقائد في الأمم الموضوع الذي سوف نتطرق إليه هو موضوع اعتقاد أئمة الحديث واعتقاد أهل السنة جميعاً. ولا شك أن اعتقاد أهل السنة والجماعة هو اعتقاد الرسل جميعاً، فرسل الله تعالى من أولهم إلى آخرهم على عقيدة واحدة، ولم يختلف واحد منهم عن الآخر في أمر العقيدة، بل كلهم عقيدتهم واحدة، وما ذاك إلا أن هذه العقيدة التي يدعون إليها ويؤصلونها هي مما يتعلق بالأمور الغيبية وما ينتج عنها من الآثار الحسنة، والأصل فيها أنها علوم مستوحاة من كتب الله تعالى ومما بلغته رسله، ومأخوذة من الكتاب والسنة ومما جاءت به الرسل، والرسل كلهم على عقيدة واحدة ليس بينهم اختلاف، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (نحن -معاشر الأنبياء- أولاد علات، ديننا واحد) ، وأولاد العلات هم الذين أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، بمعنى أن أصل الدين الذي هو العقيدة متفق عليه بين أنبياء الله كلهم متقدمهم ومتأخرهم، وأما الشرائع والفروع فيحصل بينها اختلاف بحسب المناسبات: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨] ، ولكن أمر العقيدة مما هم متفقون فيه. وهكذا جاءت الرسل بأمر هذه العقيدة، وإذا كان كذلك فمن المهم تعلم هذه العقيدة، وأن يتعلمها كل مسلم حتى يكون مصدقاً لما جاءت به الرسل ومؤمناً به إيماناً كاملاً، ويكون متبعاً لهم حقيقة الاتباع، مقتفياً لآثارهم ليحشر في زمرتهم، هذه هي فائدة العقيدة. ولا شك أن عقيدة أهل السنة وأئمة الحديث مأخوذة من الوحيين: من كتاب الله ومن سنة رسوله ﵊، ومعلوم أن الأدلة التي تؤخذ من الوحيين أدلة قطعية الثبوت، والدلالة لا يتطرق إليها شك ولا توقف، ومن توقف فيها وشك فيها فهو ضال مضل، من شك في آية من كتاب الله وقال: هذه لم تثبت. أو أنكر ثبوت آية من القرآن اعتبر مكذباً للرسل؛ لأن من كذب رسولاً فقد كذب الرسل كلهم، ومن كذب خصلة يقينية جاء بها الرسول فقد كذب الرسالة كلها. إذاً هذه العقائد مأخوذة من أدلة قطعية، وذلك ليطمئن المسلم على صحة معتقده، ويعرف أنه حقاً على عقيدة ثابتة راسخة، وأنها هي التي تبعث على الأعمال، وتنبع عنها الأعمال الصالحة، ولأجل ذلك نأخذ أمثلة: فالرسل لما تيقنوا أن ما جاءهم وحي من الله تعالى، وأنه حق وصدق حملهم ذلك اليقين على أن صدعوا بالحق، وقابلوا الأمم بما يكرهون، وكلموا أممهم بكلام قوي، وذلك أنهم واثقون بأن ما يدعون إليه كله حق، فنبينا ﷺ لما تيقن أن الوحي الذي جاءه من الله تعالى، وأنه شرع الله ودينه، وأنه مرسل به ليبلغه صدع بالحق وأظهره وأعلنه، ولقي من ذلك ما لقي، ولكنه صبر وصابر، فلقي الأذى والسفه والمقاطعة، وآذاه من آذاه بأنواع من الأذى كما هو معروف في سيرته، ولكن ذلك لم يزده إلا تصلباً إلى أن أظهر الله دينه، واشتهر عنه ﷺ قوله: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك ما جئت به لن أتركه حتى يظهره الله أو أهلك دونه) ولا شك أن الذي حمله على ذلك هو يقينه بأنه على حق. كذلك أيضاً صحابته ﵃ لما تلقوا منه العقيدة ورسخت في قلوبهم أرسى من الجبال كان من آثارها أنهم صمدوا بها على هذا الإيمان، وثبتوا ثبوتاً يقينياً، وصبروا على فراق الأهل والمال، وصبروا على الأذى الذي لاقوه -كما هو مشهور في تراجمهم- من تعذيب وضرب، ووضع الصخور على صدورهم، وإلقائهم في الشمس مكتفين، وفي النهاية طردهم وإخراجهم من بلادهم أموالهم، فما الذي حملهم على تجشم هذه المشقات؟ إنها العقيدة الراسخة في قلوبهم. ومن آثارها أنهم اندفعوا يدعون إليها بكل ما يستطيعونه، اندفعوا يدعون إلى هذه العقيدة وهذا الدين حتى وصلوا البلاد البعيدة، وصبروا على الجهاد، وقاتلوا المشركين، وقتلوا من قتلوا وقتل منهم من قتل، فما الذي حملهم على أن قطعوا المسافات البعيدة للغزو؟ وما الذي حملهم على أن قابلوا جيوش الروم والفرس والترك والصقالبة والزنوج وغيرهم من المشركين الذين هم على أهبة القتال ومعهم القوة والكثرة والصحابة في قلة ضعف؟ إن معهم قوة الإيمان والعقيدة، فهذا دفعهم إلى أن أفنوا ما يملكونه من الأموال وأنفقوه، وتعرضوا للقتل ولسفك الدماء، ولا شك أن الذي حملهم على ذلك هو العقيدة التي رسخت ورست في جلودهم وقلوبهم، في الجلود والقلوب والدماء والعروق، فكانت مشربة بلحومهم ودمائهم، فهذا أثر هذه العقيدة في أولئك الصحابة. ويقال مثل ذلك أيضاً فيمن كان على هذه العقيدة في قديم الزمان وحديثه.

стр. 4

حال ضعاف العقيدة إذا ضعفت هذه العقيدة في القلب كانت عرضة للزوال وللتزعزع؛ ولأجل ذلك كثير من الناس الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم ينحرفون بسرعة ويرجعون القهقرى ويكفرون بعد إيمانهم؛ حيث إنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي هو اليقين الحقيقي؛ لأن اليقين هو الإيمان كله كما ورد عن بعض السلف أنهم قالوا: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. فاليقين هو الاعتقاد الصادق. وقد ذكر الله تعالى بعض الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم، وذكر أنهم يتزعزعون وينحرفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] ، هكذا حال بعض الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم، دخلوا في الإيمان ولكن دخولهم كان كتجربة، ينظرون في هذا الدين فإن جاء بما يوافق أهواءهم وما يحبونه ساروا مع أهله وإلا رجعوا إلى ما كانوا عليه، فإن أصابهم خير من نصر ورزق وفتح ومال وإقبال الدنيا عليهم وما يسرهم من زهرة الدنيا وزينتها اطمأنوا وساروا على ما هم عليه من معتقدهم ولو كان ضعيفاً. أما إذا ابتلوا وأصيبوا في أموالهم وأبدانهم بشيء من المصائب فما أسرع رجوعهم وما أسرع انقلابهم على أعقابهم، فأحدهم إذا أصابته فتنة أو أوذي أو اضطهد أو نحو ذلك انقلب على عقبيه.

стр. 5

ابتلاء الله لأصحاب الإيمان إن الله تعالى يبتلي العباد حتى يظهر منهم من هو راسخ العقيدة حقيقة ومن هو غير صحيح المعتقد. فمثلاً: بعض الناس يدخل في الإسلام من غير المسلمين، ويجعل ذلك كتجربة، ويقول: ننظر في هذا الإسلام الذي يدعو إليه هؤلاء، فإن جاء بما يوافقنا وإلا رجعنا إلى بلادنا وعشنا فيها على الدين الذي كان عليه أسلافنا. فهؤلاء قد يسلط الله عليهم ابتلاء وامتحاناً من الفقر والمرض والأذى، فإذا جاءتهم هذه المصائب سبوا الدين وسبوا هذا المعتقد، وقالوا: ليس في هذا الدين خير، بل منذ أسلمنا ونحن في هذه المصائب، فإذا شفينا من مرض أتى بدله، وإذا سلط علينا إنسان وتخلصنا منه تسلط علينا آخر. نقول لهم: اصبروا وصابروا، وتحملوا ما تلقونه من الأذى، فإذا كنتم على العقيدة الصحيحة فتحملوا ذلك ولا تتزعزعوا، ولا ترجعوا عما كنتم عليه فتخسروا دينكم وحياتكم؛ فإن البلاء يسلط على الأنبياء وأتباع الأنبياء، كما جاء في الحديث: (لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الدنيا وليس عليه خطيئة) ، وقال: (إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه وإلا خفف عنه) ، فالله تعالى ابتلى صحابة نبيه ﷺ عندما أسلموا وأخبرهم بهذا الابتلاء، ولكن أمرهم بالصبر، واقرأ قول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] ، فالذين صبروا واتقوا وتحملوا ما حملهم على ذلك إلا بشاشة الإيمان التي باشرت قلوبهم، والعقيدة الصحيحة ملأت أفئدتهم، والإيمان بالله وبدينه وبشريعته باشر أفئدتهم وأشربته لحومهم ودماؤهم، فعند ذلك صبروا وقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] ، ونقول: إن هذه آثار العقيدة. فإذاً أنت تعرف صادق العقيدة وقوي العقيدة، وتعرف الكاذب وضعيف العقيدة، ولكن لا يعرف ذلك ولا يظهر جلياً إلا عند الامتحان، فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، والامتحان هنا معروف أنه من الله تعالى، وذلك بأن يسلط الله الأذى المؤمن كامل الإيمان وعلى راسخ الإيمان، ويكون هذا التسليط وهذه المصائب التي تصيبه رفعاً لدرجاته وتكريماً له وزيادة في حسناته، كما حصل للأنبياء، وقد تكون في حق المؤمن أيضاً رفعاً لدرجاته ولكنها في الحقيقة اختبار وامتحان لكثير من الناس في أمر إيمانهم هل هم صادقون أم لا؟ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] ، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢-٣] أي: أتحسبون أن تقولوا: آمنا وتسلمون من الفتنة؟! لابد من الفتنة، ولابد من الابتلاء، فالله تعالى يبتلي من يبتليه لما ذكر من الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] ، والعلم هنا هو علم الظهور، أن يظهر معلوم الله تعالى في حينه، فيظهر علم الله في هذا الرجل أنه منافق وأنه يعبد الله على حرف، فلما جاءه هذه الابتلاء رجع القهقرى، وأن هذا قوي الإيمان، فما زادته الفتنة إلا ثباتاً ورسوخاً وتقدماً فيما هو عليه وصبرا ًواحتساباً.

стр. 6

حرص الصحابة على تعلم العلم ونشرهم له إن عقيدة أهل السنة وعقيدة أئمة الحديث هي ما كان عليه سلفهم الصالح، وكلمة السلف المراد بها أهل القرون المفضلة الذين زكاهم النبي ﷺ في حديث عمران: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، وفي حديث آخر أنه قال للصحابة: (أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم) يعني فضل الأقدمين، ولا شك أن هذا هو الواقع، وذلك لأن الصحابة ﵃ تلقوا هذه العقيدة عن نبيهم ﷺ ، فتلقوا عنه الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته، وبعظمة الله وبجلال ربهم وكبريائه على خلقه، ومعرفة حقوقه عليهم وما يجب عليهم، ولم يكن ذلك عن واسطة، بل أخذوه عن نبيهم مباشرة بدون واسطة، فلما كان ذلك كان هذا أكبر سبب في أن قلوبهم تمتلئ بالإيمان، فكان لذلك الأثر البليغ في كونهم كلهم صاروا على هذه العقيدة. وبالتتبع لم يوجد أحد من أصحاب النبي ﷺ دخل في بدعة ولا خالف السنة ولا جماعة المسلمين، ولا خرج على أئمة الدين، ولا انتحل نحلة مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، بل الصحابة زكاهم النبي ﷺ ، ولأجل ذلك عدلهم أئمة الحديث، فكلهم عدول، وما ذاك إلا لأنهم تلقوا هذا الوحي من نبيهم ﷺ ، وتعلموا القرآن وفيه أمور العقيدة والشريعة، وتعلموا السنة، وكان تعلمهم من السنة إيضاح لما في القرآن من أمور المعتقد والغيب، ولا شك أن هذا التعلم الذي تلقوه مباشرة دليل واضح على أن الإيمان وصل إلى قلوبهم؛ حيث لم يكن إيمانهم عن تقليد بل عن اتباع، سواء تعلموه من النبي ﷺ في زمن قليل أو كثير، ومعلوم أن بعضهم منذ أسلم بمكة -كالخلفاء الأربعة- إلى أن توفي النبي ﷺ وهم يتعلمون منه العلم والعمل، فكلما نزلت آية أو آيات علمهم، فإما أن يكتبوها وإما أن يحفظوها، ويشرحها لهم ويبين لهم ما تدل عليه، وهكذا الذين أسلموا بمكة من الصحابة الذين هاجروا معه إلى المدينة، والذين هاجروا قبل ذلك إلى الحبشة ثم إلى المدينة كلهم تلقوا علماً جماً في مكة والمدينة. كذلك أيضاً الذين أسلموا من أهل المدينة لا شك أنهم تلقوا عن النبي ﷺ علوماً جمة فيما يتعلق بالشريعة والعقيدة، ولم يكن ذلك عن واسطة بل مباشرة، وقد يكون بعضهم عن واسطة، وذلك لأن بعضهم قد ينشغل، ولحرصهم على العلم يسألون عنه غيرهم، ذكر ذلك عمر ﵁ لما كان نازلاً في العوالي، فقد كان هو وجار له من الأنصار يتناوبون الدخول، فيدخل أحدهما يوماً فيأتي بما حصل وما حدث، ويأتي الثاني في اليوم الثاني بما حدث وما حصل، ومن حرصهم على تلقي العلم أن أحدهم يكون في تجارته أو بيعه وشرائه يوماً فاليوم الثاني يتفرغ حتى يلازم النبي ﷺ ويتعلم منه. كان النبي ﵊ إذا كان في المدينة يجلس في المسجد ويكون له حلقة أو حلقات ليعلمهم وينبههم ويشرح لهم، ويلقنهم ويقص عليهم، وهم مصغون إليه ويستمعون ما يقول لهم ويعقلونه، وإذا أشكل عليهم شيء استفصلوا واستفسروا عنه، فحياتهم زمن النبي ﷺ كلها علم، وهكذا إذا سافروا معه لغزو أو لحج أو لعمرة لازموه ملازمة الظل ولم يتخلفوا عنه، وكل ذلك حرصاً على طاعته وتحمل شريعته ليكونوا من أهلها. ولا شك أن هذه الملازمة القوية أثرت في قلوبهم وعقائدهم، فلذلك صارت عقائدهم ثابتة لم تتغير، إلا ما كان من المنافقين الذين ذمهم الله ﵎ وذكر نفاقهم، فجل هؤلاء المنافقين لم يكونوا من المؤمنين؛ لقول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩] ، ومن صفة المنافقين ما وصفهم الله تعالى به في قوله: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] ، لكن الراسخون في العلم -خاصة المهاجرين والأنصار الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه- هؤلاء ثبتهم الله تعالى ولم يتزعزعوا ولم ينقل عنهم مخالفة في أمر هذه العقيدة.

стр. 7

نشر الصحابة لعلم النبوة بعد أن رأى الصحابة رضي الله عليهم حاجة الناس إلى هذا العلم الذي هو علم الاعتقاد لم يسكتوا، بل علموه تلامذتهم وأولادهم وأحفادهم، ورسخوه في قلوبهم خوفاً عليهم من الفتن والتغير بالشبهات، فتتلمذ عليهم تلامذة كثر، وتلقوا عنهم هذا العلم الجم في المدينة والكوفة والشام ومكة وغيرها، وتلامذتهم قاموا مقامهم، ومن أشهر التلامذة في المدينة الفقهاء السبعة الذي اشتهروا بهذا الاسم، نظمهم بعض العلماء بقوله: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجه فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه هؤلاء السبعة هم فقهاء المدينة وأكثرهم من قريش، وفيهم من ليس من قريش، وفيهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من هذيل، وعروة بن الزبير وهو من أكابر قريش، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب من بني مخزوم من أكابر قريش، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فجده الحارث بن هشام أخو أبي جهل من بني مخزوم، ومن الموالي سليمان بن يسار، وخارجه بن زيد بن ثابت من الأنصار. هؤلاء تلامذة للصحابة وهم قدوة لمن بعدهم، ولم يدخلوا في شيء من البدع، ولم ينقل عنهم شيء من المخالفات، بل هم من حملة العقيدة، ومن الذين بلغوا العلم ونفع الله تعالى بعلمهم نفعاً كبيراً. وبالكوفة أيضاً تتلمذ على ابن مسعود ﵁ تلامذة أفذاذ علماء أخذوا عنه واختصوا بالعلم به العلم الصحيح، وذلك لأن عمر ﵁ أرسله إلى الكوفة لما رأى الجهل العميق في المسلمين الجدد في العراق، فأرسله وآثرهم به على نفسه، ولا شك أنه ﵁ كان محترماً عندهم موقراً، وذلك لطول صحبته للنبي ﷺ ، فنفع الله به، وتتلمذ عليه خلق كثير من فقهاء التابعين بالكوفة يعرفون بأصحاب ابن مسعود، وعليهم يعتمد أيضاً الفقهاء هناك أتباع أبي حنيفة، فمن أصحاب ابن مسعود ﵁ هناك علقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، وإبراهيم النخعي، ونحوهم من حملة العلم. وهكذا أيضاً تتلمذ على أنس بن مالك في البصرة علماء أجلاء، ومن أشهرهم الحسن بن أبي الحسن، وهو الحسن البصري ﵀، فما أعظم أثره على المسلمين، وما أكثر الذين تأثروا به وانتفعوا، فقد نفع الله تعالى به ورزقه علماً جماً. وكذلك محمد بن سيرين، وسيرين كان مولى لـ أنس أعتقه، ولما أعتقه رزق الله سيرين بأولاد علماء، منهم أنس بن سيرين، سماه باسم مولاه، ومحمد بن سيرين، وحفصة بن سيرين، فهؤلاء أيضاً نبغوا في ذلك الزمان فنفع الله بهم. فنعرف بذلك أن التابعين ﵏ قد حفظوا السنة والعقيدة، وتلامذة الصحابة أخذوا عن الصحابة ﵃، وكيف لا يكونون أئمة مقتدىً بهم وهم قد تلقوا العلم عن معدنه الأصلي الذي هم صحابة رسول الله ﷺ ؟ وغيرهم كثير، وفي مكة أيضاً علماء أجلاء، كـ عطاء بن أبي رباح تلميذ عبد الله بن مسعود، وفي اليمن طاوس بن كيسان تلميذ ابن عباس قرأ عليه لما كان في اليمن وحفظ عنه كثيراً، وكذلك أيضاً في كثير من البلاد تلامذة للصحابة حفظ الله بهم العلم، ومثل هؤلاء يعتبرون أيضاً قدوة، لذلك كان التابعون في المرتبة الثانية بعد الصحابة.

стр. 8

ظهور البدع قد تقول: إنه حدث في التابعين بدع! نقول: صحيح، ولكن أولئك المبتدعة الذين انتحلوا بدعاً من التابعين لم يكونوا من تلامذة الصحابة غالباً، وإنما أخذوا بدعهم هذه عن أفكار سيئة وتأويلات بعيدة. ومعلوم أن الخوارج الذين خرجوا في سنة ست وثلاثين من التابعين؛ لأنهم من جيش علي ﵁، وأغلبهم من أهل العراق وكان فيها مجموعة كبيرة من الصحابة، ومع ذلك فإنهم خوارج، ولكن ليس فيهم مشهور بالعلم، وليس فيهم من تتلمذ تتلمذاً صحيحاً على الصحابة، وإنما قرؤوا القرآن، ولما قرؤوه ولم يقرؤوا تفسيره ولا معانيه أخذوا الآيات التي فيها عذاب فطبقوها على أهل زمانهم، فكان من عقيدتهم -كما سيأتي- أنهم يجعلون الذنب كفراً والعفو ذنباً، ولن نشتغل بهم، بل نقول: ولو كانوا من التابعين فإنهم ما قرؤوا العلم، ولا قرؤوا العقيدة الصحيحة حتى يكتبوا من حملة العلم، وإنما أخذوها من نظرياتهم ومن أفكارهم. وكذلك أيضاً القدرية الذين حدثوا في آخر عهد الصحابة وأدركهم ابن عمر ﵁ لم يكونوا مشهورين بالتتلمذ على الصحابة، ولكن اعتقادهم إنما هو عن أفكار سيئة، وأغلبها بسبب سوء معرفتهم وسوء نظرهم في الآيات وحملها على محامل بعيدة، فإن من عقيدتهم إنكار علم الله السابق، وأن الله لا يعلم الأشياء حتى تحدث، مثل غيلان القدري، ومعبد الجهني، وعمرو بن عبيد، فما عرف أنهم تتلمذوا على صحابي وأخذوا عنه العلم الصحيح، فعرف بذلك أن تلامذة الصحابة الذين تلقوا عنهم العلم الصحيح أصبحوا ورثة لهم، والعلماء ورثة الأنبياء، فأصبحوا مثالاً لهم، وأن الذين أخذوا العلوم من أفكارهم حصل في قلوبهم زيغ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ، نعوذ بالله من زيغ القلوب، فهذا بغير شك دليل على أن العلم الصحيح الذي يؤخذ من معدنه يثبت في القلب، ويكون له آثار حسنة. ولكن معلوم أنه في القرن الثاني بعد انقراض عهد الصحابة دخل في الإسلام بعض من لم يكونوا راغبين فيه، فكان من آثار دخولهم في الإسلام من غير صدق ويقين أن أثاروا كثيراً من الشبه، وأوقعوا كثيراً من الناس في الحيرة وشككوهم في عقائدهم ومبدأ أمرهم ومنتهاه، ونشروا بينهم شبهات الفلاسفة والمنجمين والزنادقة والملاحدة ونحوهم، فكلما أثاروا تلك الشبهات فيما بينهم انخدع بها الكثير، فلما رأى السلف ﵏ من تلامذة الصحابة وتلامذة التابعين هذه الآثار في هؤلاء المنحرفين لم يجدوا بداً من أن يصدعوا بالسنة ويظهروا أمر العقيدة ويصرحوا للناس بما هم عليه حتى يعرف جماهير الناس العقيدة السليمة فيتمسكوا بها، ويعلموا أن ما خالفها بدعة ونحلة سيئة.

стр. 9

محاربة السلف للبدع كان أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي إمام المسلمين في عهد تابعي التابعين في الشام، يقول ﵁: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه فوق سماواته، ونؤمن بما جاء في كتاب الله من الصفات. فما الذي حمله على أن يصدع بهذا، ويذكر الإيمان بأن الله فوق عرشه والإيمان بما جاءت به النصوص والآيات؟ حمله على ذلك ما فشا في زمانه من هذه البدع التي خشي منها على تلامذته وعلى زملائه أن يقعوا فيها فيكونوا منحرفين مخالفين للمعتقد السليم، والأوزاعي توفي سنة سبع وخمسين ومائة، أي: في وسط القرن الثاني. وهو من كبار تابعي التابعين، ومثله أيضاً الإمام مالك بن أنس عالم المدينة، فإنه اشتهر عنه من الإيمان بالصفات الشيء الكثير، مثل تفسيره للاستواء بقوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثلما صرح به من قوله: إن الله تعالى على عرشه، إن الله في السماء فوق عباده، وعلمه مع جميع العباد. فإنه ما صرح بذلك إلا لما اشتهرت البدع في ذلك الزمان وكثر الذين يتحدثون بها، فكان ذلك سبباً في أن السلف ﵏ أوضحوا ما يعتقدونه ليكون تلامذتهم على بصيرة، وذلك لأن المبتدعة ما سكتوا بل أخذوا ينشرون عقيدتهم، فالجهمية -مثلاً- صرحوا بأن القرآن مخلوق، وأن الله تعالى لا يتكلم، ولا يحب ولا يبغض، وأن الله ليس على عرشه، وليس فوق السماء ولا فوق العرش إله يعبد، إلى غير ذلك من تصريحاتهم التي تقشعر منها الجلود، فلما سمع السلف ﵏ ذلك أفصحوا بما أفصحوا به. وذكروا بأن بعض السلف ﵏ حبس جهمياً أو زنديقاً على هذه الزندقة، وبقي أياماً في السجن يمتحنه، فقيل له: إنه قد تاب. فقال: ائتونا به لنسأله ونعلم هل صحت توبته أم لا. فاختبره فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري أبائن من خلقه أم لا؟ فقال: ردوه إلى السجن فإنه لم يتب. وذلك لأنه لابد من الإيمان بهذا الاعتقاد كله، وهو أن الله تعالى على عرشه وأنه بائن من خلقه، أي: أنه ليس مختلطاً بهم كما يقوله كثير من الجهمية والحلولية ونحوهم، تعالى الله عما يقولون، لذلك اهتم السلف ﵏ بأمر العقيدة. وقد نقل شيخ الإسلام في الحموية قصة في ثلاث أو أربع صفحات عن عالم من علماء المدينة في زمن الإمام مالك، وهو عبد العزيز بن الماجشون، وإذا قرأت هذه الرسالة عرفت بذلك أن السلف ﵏ كانوا أولاً وقبل كل شيء يحبون العمل بالدليل ويتقيدون به، وأنهم يصرحون بما يعتقدونه ويذكرون ذلك ذكراً صريحاً، وأنهم ينكرون على المبتدعة ويضللونهم ويسفهون أحلامهم، وينكرون إنكاراً بليغاً على من رد شيئاً من أمر الله تعالى أو أمر رسوله أو خالف المعتقد السليم، ففي القرن الثاني عاش ابن الماجشون في زمن الإمام مالك، وفي ذلك دليل على أن البدع بدأت تظهر أعناقها، وبدأ أهلها يتمكنون، ولكن الحق حق، والحق وأهله أقوى وأكثر وأقوى حجة، وهذا في ذلك الزمان. أما في آخر القرن الثاني فقد قويت بدعة الجهمية، وذلك لأنهم صاروا يقتنصون الجهلة فيلقون عليهم تلك الشبهات، فيشبهون بها على طوائف كثيرة من الجهلة وضعفاء الإيمان فيشككونهم في أمور المعتقد، فظهر في ذلك الزمان كثير من الزنادقة الذين هم منافقون وإيمانهم متزعزع، ولكن انتبه لهم الولاة والأئمة وصاروا يحذرون منهم فيقولون: فلان متهم. فلان زنديق. ذكروا في التاريخ أن الخليفة المهدي أحضر واحداً من أولئك الزنادقة، ولما استفصل منه وجدت قرائن ونقول كثيرة تدل على أنه منافق وليس بمؤمن، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، وشاك في أمر الله تعالى وأمر البعث، فعند ذلك أمر بقتله، فلما تحقق أنه مقتول قال: أيها الخليفة! كيف تفعل بأربعة آلاف حديث كذبتها ونسبتها إلى نبيكم وبثثتها في الناس؟ أي: أنا قد أفسدت عليكم دينكم وعقائدكم بهذه الأحاديث التي بثثتها. فماذا قال الخليفة ﵀؟ قال: تعيش لها نقادها. أي: إن الله تعالى وفق هذه الأمة أن جعل فيها علماء يميزون الأحاديث ويعرفون الصحيح من السقيم، ويميزون المكذوب من الصادق، وذلك لمعرفتهم بكلام الرسول ﷺ ، ولمعرفتهم بما كان يدعو إليه وبما تهدف إليه شريعته. فهذا دليل على أن هناك من استفحل منه الشر وشكك الناس في أمر العقيدة، وبالأخص في الإيمان بالله، حيث كثر في ذلك الزمان الزنادقة الذين ينكرون وجود الله تعالى أو ينكرون البعث أو ينكرون حشر الأجساد، كالفلاسفة الذين ينكرون البعث الحقيقي، ولما كثروا اهتم بهم السلف رحمهم الله تعالى وبالغوا في الرد عليهم إلى أن قمعوا وظهر أمر الله.

стр. 10

أهل العقيدة الصحيحة هم أهل الحديث قدمنا بهذه المقدمة لنستدل بها على أثر العقيدة، ونستدل بها على أن العقيدة الصحيحة التي تلقاها الصحابة عن نبيهم ﷺ وتلقاها تلامذتهم عنهم وتابع التابعين عن التابعين هي التي بقيت، وهي العقيدة الصحيحة، وأن العقائد المنحرفة الزائغة لم تؤخذ من كتاب الله حتى لو استدلوا ببعض الآيات على غير مدلولها، ولا من السنة، ولا من الصحابة، ولا من تلامذة الصحابة، ولا من تلامذة تلامذتهم، وإنما أخذت من أفكار وقلوب زائغة منحرفة. فهذا يستدل به على أن العقيدة ما كان عليه السلف ﵏، وهم في الحقيقة أئمة الحديث، كما هو عنوان هذه الرسالة: (اعتقاد أئمة الحديث) ، وذلك لأن الصحابة تلقوها أحاديث، والتابعون أيضاً تلقوها عن الصحابة ونقلوها أحاديث، وكذلك تابعوهم تلقوها ونقلوها وحدثوا بها، فكانوا ينقلونها أحاديث، فيقول أحدهم -مثلاً-: حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. ويذكر حديثاً كحديث النزول أو الرؤية، فإذاً هي أحاديث ثم أصبحت عقيدة أهل الحديث. فأصبح أهل الحديث هم القدوة الذين يقتدى بهم، وذلك لأن المبتدعة لم يكونوا من أهل الحديث، وإذا نظرنا في سيرة عمرو بن عبيد وبشر بن غياث المريسي والجهم بن صفوان وابن أبي دؤاد ونحوهم من الجهمية أو المعتزلة لم نجدهم ممن رووا الأحاديث، بل لا يروون إلا ما يوافق أهواءهم أو يناسب بدعتهم، ولأجل ذلك لا تقبل أحاديثهم، والغالب أن الأحاديث التي يروونها لم تثبت، بل إنها مكذوبة أو موضوعة أو ضعيفة لأجل من فيها من المبتدعة، فأصبح أهل الحديث هم أهل العقيدة السلفية والفرقة الناجية المنصورة، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله) . سئل الإمام أحمد: من هم هذه الطائفة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وهذا صحيح، فإلم يكن أهل الحديث هم الفرقة الناجية فمن هم؟ أهل الحديث هم صحب النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فكأنهم صحابة؛ لأنهم صحبوا أنفاسه، والكلام الذي يروونه ويتناقلونه هو الكلام الذي نطق به، وبين كلماته أنفاسه التي تنفس بها وهو يتكلم، فيعتبرون كأنهم الصحابة على حد كلام هذا الشاعر. ولذلك يعرف أهل الحديث حقاً بأنهم هم الذين انتحلوا هذه النحلة واعتقدوا هذه العقيدة.

стр. 11

الأسئلة

стр. 12

تفنيد ما قيل عن الجيلاني من خرافات السؤال ذكرت بعض الكتاب التي تتحدث عن الفرق أن عبد القادر الجيلاني الإمام السلفي هو أول من أنشأ طريقة صوفية، فهل هذا صحيح؟ الجواب عبد القادر الجيلاني عالم من علماء الحنابلة، ويذكر في تراجم الحنابلة، ولكن انشغاله بالطرق حال بينه وبين انشغاله بالحديث، فهو من أهل الطرق وأهل العبادات القلبية، انشغل بالعبادات القلبية وبالزهد وبالتصوف، أي: عبادات الصوفية، لذلك لما اشتهر بأنه من الصوفية تعلق به المتصوفة، وصاروا يتوافدون إليه من أماكن بعيدة، ثم أعجبوا بعبادته وبزهده وبتقشفه مما كان سبباً في أن علقوا عليه تعليقات، وتلك التعليقات لا صحة لها، وحكوا عنه حكايات ليست واقعية بل هي مكذوبة، ولما اشتهرت تلك الحكايات وتلك الطرق وتلك القصص التي كتبت عنه وتناقلتها الصوفية كثر الذين يعتقدون فيه أنه ولي وأنه من سادات الأولياء، مما حمل كثيراً من الجهلة على أن عبدوه مع الله واعتقدوا فيه اعتقادات سيئة. وأذكر أني كنت في يوم عرفة عند جبل الرحمة، وكان هناك واحد من السودان ويظهر أنه من علمائهم، وكان ديدنه أن يقول: يا عبد القادر! أنجنا. يا عبد القادر! خذ بأيدينا. يا عبد القادر! أنت ملاذنا. فتكلمت معه فقابلني بقوله: أنا أقول: إنه لا تنزل قطرة من السماء إلا إذا أمر بها عبد القادر، ولا تنبت حبة في الأرض إلا بعدما يأذن فيها عبد القادر. سبحان الله! هذا -بغير شك- من آثار تلك الحكايات التي نشرها هؤلاء الجهلة. عبد القادر لا شك أنه دخل في الصوفية، وأنه وقع منه شيء من الحكايات، لكن لم يصل إلى تلك المرتبة، وعبد القادر عبد من العبيد ولد كما ولد غيره ومات كما مات غيره.

стр. 13

حكم بناء المساجد على القبور السؤال أشكل علي كون دعوة الرسل في العقائد واحدة مع قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١] ، وقد قال بعض أهل العلم: كان ذلك في شريعة من قبلنا جائزاً. كما يشكل ذلك مع سجود إخوة يوسف له؟ الجواب صاحب هذا القول جاهل، والذين اتخذوا المسجد على أهل الكهف ليسوا من الرسل، وليسوا من أتباع الرسل، بل هم مشركون، كما صرح الله بذلك عنهم في سورة الكهف، يقول الله تعالى عنهم: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ [الكهف:١٠] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٣-١٥] ، ثم يقول: ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ، أي: اعتزلتموهم واعتزلتوا معبوداتهم إلا الله ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾ [الكهف:١٦] ، ثم يقول عنهم: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٠] إذاً فهم كفار، ولا غرابة أن هؤلاء بنوا مسجداً على هؤلاء الذين اعتقدوا أنهم أولياء، فبناء المساجد على القبور ليس من شرائع الأنبياء، وإنما فعل ذلك هؤلاء المشركون. أما سجود إخوة يوسف ﵊ فيظهر أنه سجود تحية، وليس هو السجود الذي يكون بوضع الوجه على الأرض، ويمكن أن هذا كان جائزاً، وأنه ليس سجود تعظيم وإنما هو احترام.

стр. 14

الفرق بين البدعة وغير المشروع السؤال ما الفرق بين قولنا للعمل المخالف: إنه بدعة، أو: مخالف للسنة. أو: غير مشروع. وما الضابط في ذلك؟ الجواب البدعة هي المحدثة في الدين، فإذا قيل: هذا بدعة فالغالب أنها من القربات التي يتقرب بها وليس لها أصل في الدليل ولا في الشريعة، وإنما هي من المحدثات، سواءٌ أكان في العقائد كالتكفير بالذنوب، مثل اعتقاد الخوارج، وكذلك اعتقاد الخروج على الأئمة كقول المعتزلة، وكذلك اعتقاد التكفير بالذنب ونحو ذلك، أم في الفروع، كبدعة الموالد ممن يحيون المولد النبوي، أو يصلون أول ليلة جمعة من رجب ويسمونها صلاة الرغائب، أو يحيون ليلة خمس وعشرين منه ويسمونها ليلة الإسراء، كل هذه يقال لها: بدع. أما غير المشروع فيراد به أنه لم يأت به دليل واضح وإن لم يكن منهياً عنه نهياً صريحاً، وإن وجد ما يدل على مشروعيته، لكنه ليس دليلاً قوياً، فيقال -مثلاً-: رفع اليدين بعد الفريضة مباشرة غير مشروع. ولو وجدت أدلة تدل على رفع اليدين عند الدعاء، ويقال: صلاة أربع ركعات بسلام واحد غير مشروع؛ لأن الأصل السلام من كل ركعتين. وأشباه ذلك. فتعبيرات السلف والعلماء بحسب قوة الدليل أو عدمه.

стр. 15

إلصاق بدعة الخروج بالصحابة السؤال يذكر بعض العلماء أن عبد الله بن أبي معيط كان من الصحابة، وأنه كان من كبار الخوارج، فهل هذا صحيح؟ وكيف يعتذر عنه؟ الجواب لا أذكر أن لـ أبي معيط ابناً اسمه عبد الله، إنما له ولد اسمه عقبة بن أبي معيط، وعتبة ولد عقبة بن أبي معيط، فـ عقبة قتل في غزوة بدر، أما ولده فلم يكن من الصحابة فيما يظهر، ويظهر أنه كان صغيراً، ولم يذكر أنه من قريش، لكن لكونه من قريش تولى الإمارة في خلافة عثمان على بعض بلاد العراق، وذكر عنه أنه شرب الخمر، ثم إن عثمان ﵁ أقام عليه الحد، فأمر علياً فجلده أربعين جلدة لشربه الخمر ولثبوت ذلك عليه، ولم يذكر عنه أنه من الخوارج، ولعله من الأئمة أو غير ذلك.

стр. 16

حكم قبول رواية المبتدع السؤال تذكر كتب المصطلح رواية المبتدع وهل هي مقبولة أم لا والخلاف فيها وشروط قبول هذه الرواية، فما توجيه ذلك؟ الجواب البدع إما أن تكون مكفرة أو مفسقة، فالبدعة المكفرة لا يقبلون رواية صاحبها ولا كرامة، وذلك لأنهم يعتقدون أنه ليس من المسلمين، فكيف يكون عدلاً؟ أما البدع المفسقة فيقولون: ننظر في ذلك المبتدع، فإذا كان داعية من الدعاة إلى الرفض أو الاعتزال أو الجبر أو التعطيل أو التجهم أو الإرجاء أو نحو ذلك لم تقبل ولا كرامة، ولو كان حافظاً متقناً، وإذا روى حديثاً يقوي بدعته أو نحلته التي ينتحلها لم نقبله؛ لأن العادة أنه يتساهل بما يتعلق بمذهبه وبمعتقده. أما إذا عرف منه الصدق ولم يكن من الدعاة إلى بدعته، وروى ما لا يقوي بدعته ولا صلة له بذلك فيروى عنه من باب الحرص على إثبات العلم. ففي صحيح البخاري روايات كثيرة عن شيخ له اسمه عبيد الله بن موسى القواريري، وقد رمي بالتشيع، ولكن التشيع في ذلك الزمان ليس أهله هم الرافضة في هذا الزمان الذين يعبدون أهل البيت ويكفرون الصحابة ويطعنون في القرآن ويطعنون في السنة، بل هو يروي أحاديث في السنة وفي فضائل الصحابة، فروى عنه البخاري، وسبب ذلك علو السند؛ لأنه من المعمرين، فيروي عنه إيثاراً لعلو السند.

стр. 17

حكم أكل ذبائح أهل الكتاب المعاصرين السؤال أحل الله لنا ذبائح أهل الكتاب، ولكن من المعلوم أن بعضهم يعتقد أن عيسى ﵇ ابن الله، فهل تؤكل ذبيحة مثل هؤلاء؟ الجواب أحل الله الذبائح، ولكن بشروط، منها: أن يكونوا كتابيين حقيقة، ففي زماننا هذا يتسمون بأنهم كتابيون وليسوا كذلك، والله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥] ، فدل ذلك على اشتراط كونهم كتابيين حقيقة، ومنها: أن يذبحوا ذبحاً شرعياً بالسكين الحادة في موضع الذبح، وهذا ما كانوا عليه. ومنها: أن يذكروا اسم الله عند الذبح، وهذا من شريعتهم، والمتمسكون بشريعتهم النصرانية الأصلية أو باليهودية الأصلية من عقيدتهم أو من دينهم عدم حلهم لما مات حتف أنفه، وعدم حل ما لم يذبح في الحلق، فهم لا يأكلون إلا ما ذكر اسم الله عليه، وكذلك أيضاً لا يأكلون -كما في شريعتهم- إلا ما ذبح ذبحاً شرعياً. فإذا وجد في هذه الأزمنة من يذبح ذبحاً غير شرعي ولو قال: إنه كتابي -بل لو قال: إنه مسلم- فلا تؤكل ذبيحته، كالذين يذبحون بالصعق الكهربائي مثلاً، أو بالغمس في الماء الحار ثم بقطع الرأس بعد الموت، أو الذين يضغطونها إلى أن تموت ويحافظون على أن يبقى دمها فيها حتى يزيد في وزنها، لا شك أن هؤلاء ليسوا كتابيين حقيقة، أما لو كانوا كتابيين متمسكين -حتى لو قالوا: عيسى ابن الله- فإن العبرة بالذبح، أما عقائدهم فلهم.

стр. 18

حكم بيع الدم السؤال ما حكم بيع الدم؟ وما الحكم لو ذهب إنسان إلى مركز التبرع بالدم وهو يعلم أنهم يعطونه هدية عينية مقابل ذلك؟ وما الحكم لو كانت الهدية دراهم بدلاً من الهدية، فهل يعتبر بيعاً أم يعتبر عطية وهدية مقابل ذلك الدم؟ الجواب نعتقد أن هذا من الضروريات، فقد أصبح كثير من المرضى يعوقه المرض حتى ينشف دمه، فيكون من آثار ضعف الدم ضعف البنية وضعف تركيبه وحالته، وازدياد مرضه، فلا جرم في الطب الحديث أن يؤخذ له دم من آخر ويغذى به إلى أن يعيش، ولما كان كذلك كان هذا الدم يمكن أن يقال: إن له قيمة. وذلك لأن صاحبه قد يصيبه شيء من الضعف والوهن بعد إخراجه منه، فنقول: على مقتضى هذه القاعدة لا بأس بأخذ الهدية، ولكن يكره أن يبيعه، وأن يقول: خذوا مني بكذا وكذا. أما إذا أعطوه من دون فرض فلا مانع من أخذ ذلك إن شاء الله، والله أعلم.

стр. 19

شرح اعتقاد أهل السنة [٢] كانت بدعة الخوارج أول البدع ظهوراً في الإسلام، وقد ظهرت في عهد الصحابة، فحاربوها وحاربوا أهلها، ثم توالت البدع وتوالى معها دفاع أهل السنة عن الحق يزيد تارة وينقص أخرى، إلا أن القرون الأربعة التي تلت القرون الثلاثة المفضلة شهدت غموضاً للحق وإجباراً لأهله على السكوت إلا قلة من العلماء، حتى ظهر ابن تيمية ﵀ فصدع بالحق، وتجرأ على أهل البدع وفضحهم، وأنشأ مدرسته التي ما زالت تنضح بالخير إلى اليوم.

стр. 20

البدع منشؤها وانتشارها بين أهل الإسلام

стр. 21

بدعة الخوارج منشؤها ومعتقداتها بدعة الخوارج أول البدع التي وجدت، وقد وجدت في سنة ست وثلاثين للهجرة، وقد أخبر النبي ﷺ بخروجهم، وأخبر بأن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم، وأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأمر بقتالهم وقال: (أينما رأيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم) ، وقال: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم) ، وقاتلهم الصحابة ﵃ الذين كانوا مع علي ﵁. وعقيدتهم إنما هي في التكفير فقط، وقد بالغوا في أخذ آيات الوعيد وتمسكوا بها، فصاروا يطبقونها على كل من فعل ذنباً فيخرجونه من الإسلام، ولم يذكر عنهم خلاف في الأسماء والصفات، ولا في البعث والنشور، ولا في أسماء الإمام والدين. ومن جملة من كفروه علي وأصحابه الذين معه، وادعوا أنه بالتحكيم ارتد عن الإسلام، فهذه أول بدعة، ولا شك أنهم بعد ذلك تغيرت عقائدهم وأخذوا من عقائد المبتدعة الآخرين.

стр. 22

بدعة الجهمية منشؤها ومحنة الناس فيها حدثت بعد ذلك بدعة القدرية الذين ينكرون العلم السابق، ثم حدثت بعدهم بدعة التعطيل أو الاعتزال، وهي بدعة إنكار الصفات، وكان حدوثها في أول القرن الثاني، ولما انتشرت هذه البدعة وانتشر أهلها الذين يعطلون الله تعالى عن صفات الكمال وينكرون أن يوصف بما وصف به نفسه ويبالغون في إنكار الصفات أنكر عليهم السلف إنكاراً بليغاً وبدعوهم، وشنعوا عليهم وحذروا منهم، وصار كلام الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في التحذير من هذه البدعة التي سموا أهلها جهميةً، وذلك لأن أول من انتشرت عنه الجهم بن صفوان فهو الذي نشر بدعة إنكار الصفات، ولا شك أن كتب السلف ﵏ تعالج هذه البدع كلها، فمنهم من كتب في ذلك ويذكر العقيدة مجردة ويقول: نعتقد كذا ونعتقد كذا وكذا كذا. ولا مناقشة، ولا يذكر أقوال المبتدعة، ومنهم من يذكر البدع ويذكر الرد عليها، سواءٌ أكانت تلك البدع شبهات أم نحلاً، فيناقشونها ويبالغون في الرد على أهلها، ومنهم من يقتصر على الأدلة والآثار المنقولة عن السلف والأحاديث المأثورة المرفوعة أو الموقوفة، فباقتصارهم عليها يظهر الحق ويستبين ويعرف الباطل، وبضدها تتبين الأشياء. ولا شك أن كلامهم ﵏ كله في نصر الحق وإظهاره، ومعلوم أن بدعة الجهمية تمكنت في أول القرن الثالث، حيث إن الجهمية انضموا إلى بعض الخلفاء، كالخليفة المأمون بن الرشيد، فإنه انضم إليه بعض المبتدعة وقربهم، وذلك لأنه أحسن الظن بهم، ورأى فيهم بلاغة وفصاحة وقوة أسلوب وحسن تعبير، فظن أنهم على الحق، ومن أشهر الذين قربهم: ابن أبي دؤاد المبتدع الضال الذي أفسد عقيدة المسلمين في زمانه، ومال إليه الخليفة المأمون. وفي خلافة المأمون بالغ في تعذيب أهل السنة وتهديدهم في مسألة أن القرآن مخلوق، وكذلك تبعه أخوه المعتصم، ومشهور بأنه امتحن العلماء وضربهم وحبس من حبس منهم، وأوذي من أوذي من أهل السنة، وأجاب كثير معهم إلى ما طلب منهم، وادعوا بعد ذلك أنهم مكرهون، وتمسك من تمسك منهم. وكان من الذين تمسكوا بعقيدة أهل السنة الإمام أحمد، ولهذا يسمى (ناصر السنة) ، ويسمى (إمام أهل السنة) ، وقصته طويلة تجدوها في تاريخه، وذكر في ترجمته -عند ابن كثير في البداية والنهاية- قصة ضربه بين يدي المعتصم وصبره على ذلك، وكذلك ذكرها ابن الجوزي في ترجمته، وقد ألف ابن الجوزي كتاباً كله في ترجمة الإمام أحمد، وهو كتاب كبير. ومن كتب التاريخ تاريخ الذهبي، وهو مطبوع أيضاً، ونقل ترجمته أحمد محمد جعكر في أول كتاب (تحقيق المسند) من تاريخ الذهبي وفيها قصة تعذيبه، وأشار إلى ذلك كثير من الذين ترجموا له، ومنهم صاحب المنظومة التي يمدحه ويقول فيها: ومذهب الإمام أحمد بن محمد أعني ابن حنبل الفتى الشيباني ثم يقول فيها: ويقول عند الضرب لست بتابع يا ويحكم لكم بلا برهان أترون أني خائف من ضربكم لا والإله الواحد المنان كن حنبلياً ما حييت فإنني أوصيك خير وصية الإخوان ولقد نصحتك فإن قبلت فأحمد زين الثقات وسيد الفتيان إلى أن قال: حمداً لربي أن هداني لدينه وعلى طريقة أحمد أنشاني واختار مذهب أحمد لي مذهباً ومن الهوى والغي قد أنجاني فالحاصل أنه من الذين صبروا على هذه الفتنة وصابروا فيها إلى أن أظهره الله تعالى، ففي عهد المعتصم لقي أذى وعذاباً وضرباً وحبساً وبقي في الحبس مدة طويلة، وكان يتورع أن يأكل شيئاً من طعامهم، ويبقى اليومين والثلاثة لا يطعم لهم طعاماً حتى يأتيه أحد أولاده بشيء من الخبز من بيته الذي عرف مدخله، وبعد موت المعتصم بثمان سنين وانتقال الخلافة إلى ابنه الواثق خفف الابتلاء، ولكن لم يزل أهل السنة يخافون من إظهارها ويستخفون في معتقدهم. ثم بعد موته تولى ولده المتوكل، ولما تولى نَصَر السنة وقرب الإمام أحمد ورخص له أن يصدع بمذهبه، وأفصح بما كان يعتقده أهل السنة من أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبقي الأمر كذلك إلى أن توفي الإمام أحمد ﵀ في سنة إحدى وأربعين ومائتين والأمر هادئ، واستمرت بقية القرن والسنة فيها ظاهرة، ولكن لأهل البدع قوة وتمكن، وبالأخص المعتزلة، فقد كانوا من أقوى أهل البدع من ناحية الحجج العقلية، فكانوا يأتون بالشبهات العقلية ويشوهون بها على الناس ويشوشون بها، وغسلوا أدمغة كثير من المسلمين العوام، وملؤوا تلك الأدمغة بتلك البدع، وبالأخص بدعة إنكار الصفات الذاتية والصفات الفعلية. ثم انتشرت في آخر القرن الثالث والرابع وما بعده اصطلاحات يرددها المبتدعة في الصفات وفي إنكارها، كنفي التجسيم، ونفي الحيز والجهة والأبعاض والأجزاء والأعراض والتركيب والحوادث وحلولها وما أشبه ذلك، فصاروا يلقنون هذا تلامذتهم، ويذكرون أن نفيها إنما هو من باب التنزيه لله تعالى، فتمكنت هذه الكلمات في أهل ذلك الزمان واعتقدوا صحتها وسلامتها، وهي في الحقيقة أمور لم يرد فيها دليل، والمسلمون من أهل السنة لم يستعملوها نفياً ولا إثباتاً. وبعد انقضاء القرن الثالث كادت السنة أن تضيع، وكاد المحدثون أن لا يبقوا على المعتقد، وتمكن مذهب النفاة والمعطلة، واضمحل مذهب الإمام أحمد أو كاد أن يضمحل، ولم يبق عليه إلا أفراد يتسترون لا يعرفون إلا أنهم من أتباعه، ويستخفون بما هم عليه، وبقوا كذلك طوال هذه القرون ولا يعرف من ينصر السنة إلا أفراد قلة. وممن كان على مذهب الإمام أحمد في العقيدة عالم في أول القرن الرابع، وهو الإمام البربهاري، فقد أظهر عقيدة أهل السنة، وأظهر بأن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وبأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، وأن الله تعالى موصوف بصفات الكمال، وقام يفصلها، فقامت عليه الدنيا ولم تقعد، وحاربوه، وبدعوه وضللوه وهددوه بالقتل وبالسجن، واستخفى منهم استخفاء كثيراً، وصار مهدداً، هذا وهو فرد واحد بين أهل زمانه الذين هم أمم كثيرون، ولكن نصره الله كما نصر إمامه أحمد بن حنبل، وله كتاب مطبوع في العقيدة اسمه: (شرح السنة) ، إذا قرأته تعرف أنه متأثر بالسنة، وأنه على هذه العقيدة الراسخة وهي عقيدة أهل السنة، أما بقية أهل زمانه فمن كان منهم من أهل السنة فإنه متستر، وإلا فالبقية قد تركوا السنة الصحيحة.

стр. 23

بدعة الاعتزال والأشعرية ظهر مذهب الاعتزال في القرن الرابع وتمكن، ثم ظهر عالم في القرن الثالث يقال له: عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان شديد الجدل قوي الحجة، حتى شبهوه بالكلاب، وهي الحديدة التي يستعملها الحداد عندما يلقي الحديدة في النار حتى تحمر وتلين فيمسكها بحديدة لها أطراف يقال لها: الكلاب فسموه بذلك لقوة جدله. ثم إن أبا الحسن الأشعري وافقه على معتقده، وكان أبو الحسن الأشعري في أول أمره معتزلياً تتلمذ على أبي علي الجبائي وعلى ابنه وهما من المعتزلة، وأبي الهذيل العلاف وهو من علماء المعتزلة، والجاحظ وهو معتزلي، فلما تتلمذ عليهم انتحل نحلتهم وأخذ الاعتزال، وبقي على ذلك في أول عمره، ثم إنه اقترن بـ ابن كلاب فتتلمذ عليه وقرأ عليه، ثم سار على عقيدته وبقي عليها نحواً من أربعين سنة على ذلك، وألف كتباً كثيرة على عقيدة ابن كلاب، ونسبت بعد ذلك للأشعري، وصار أتباعه عليها يسمون الأشاعرة أو الأشعرية. ثم إن الأشعري في آخر حياته رجع لما قرأ كتب أهل السنة وكتب أهل الحديث، فاهتدى ورجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل الحديث وألف على ذلك رسالته المطبوعة باسم (الإبانة في أصول الديانة) ، وألف كتابه الذي سماه (مقالات الإسلاميين) ذكر فيه مقالات المعتزلة والكلابية والوعيدية والجبرية والمرجئة ونحوهم، وبالغ في ذكر مقالات الجهمية والمعتزلة وما ينتقد عليهم، ثم بعدما انتهى من هذه المقالات ذكر مقال أهل السنة، وسرد عقيدتهم سرداً محكماً، وبينها بياناً وافياً كافياً، ولما انتهى منها قال: وبكل ما قالوه نقول، وبكل ما ذهبوا إليه نذهب. فعرف بذلك أن الأشعري أصبح من أهل السنة في آخر أمره، وتجد هذا الفصل الذي ذكره قد نقله ابن القيم في أول كتابه (حادي الأرواح) وفي آخر الكتاب نفسه أيضاً، وكأنه يقول: هذا الكتاب الذي كتبته في ذكر الجنة أهله الذين يستحقونه هم أهل هذه العقيدة الذين اعتقدوها. ونقل منها شيئاً كثيراً في كتابه الذي سماه (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية) ، ونقل منه أيضاً شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى في (الحموية) ، ونقله تلميذه الإمام الذهبي في كتاب (العلو) ، مما يدل على أنهم تيقنوا أن الأشعري ﵀ كان على هذه العقيدة التي هي عقيدة السلف الصالح. ولكن مع الأسف فإن أهل زمانه وبعدهم إلى يومنا هذا تمسكوا بعقيدته التي في وسط حياته، والتي ألف عليها كتبه، والتي هي عقيدة ابن كلاب، تمسكوا بها، وسموا أنفسهم أشعرية وأشاعرة، واشتهروا بهذه النسبة، ولم يزالوا على ذلك ينتحلون هذه العقيدة، فهم يقولون: نحن في الفروع شوافع وفي المعتقد أشاعرة. هكذا يقولون، ولم لا تتبعون الشافعية في الأمرين: العقيدة والمذهب؟ وكذلك يقول الحنفية: نحن حنفية في الفروع وأشعرية في الأصول. فمذهب الأشاعرة هو الذي انتشر انتشاراً كثيراً، وما يزال ينتحله كثيرون ويفضلونه على غيره، ويناضلون ويجادلون في نصره، وينصرونه بكل ما يستطيعون، وفيه ألفوا كتباً كثيرة، فمن كتب المتقدمين كتاب (الإرشاد) للإمام الجويني الذي هو إمام الحرمين فيما يتعلق بهذه العقيدة، ولكنه شحنه بأصول المتكلمين الذين يتكلمون في العقائد ويجعلون تلك البراهين أو القواعد التي يقعدونها أدلة على ما يذهبون إليه، فهذه عقيدتهم، وكتاب الإرشاد مطبوع، ومنهم الرازي المشهور الذي يسمى الفخر الرازي صاحب التفسير الكبير، أبو عبد الله بن عمر الرازي، ألف كتاباً سماه (تأسيس التقديس) ، وجعله في عقيدة الأشاعرة، وأهداه إلى سلطان ذلك الزمان، وانتشر هذا الكتاب وهو ما يزال مطبوعاً منتشراً.

стр. 24

ظهور ابن تيمية وأثره في أهل السنة لما كان آخر القرن السابع وأهل السنة طوال هذه القرون يتسترون أخرج الله لهم عالماً من أهل السنة صدع بالحق، وهو ابن تيمية ﵀، فلم يبال بمخالفة أهل زمانه، بل تعلق بالحق واعتقده، وأحيا مذهب السلف ﵏، وناقش أهل زمانه في العقيدة، فثار عليه أهل زمانه في دمشق، فقد كان هناك علماء أجلاء، مثل ابن الزملكاني والسبكي المشهور، وهؤلاء أشاعرة، وقد تمكن مذهب الأشعرية منهم، وتلقوه عن مشائخهم، وصار مذهباً راسخاً عندهم، فجاء شيخ الإسلام وصرح بمذهب أهل السنة، وبالاستواء، وبالعلو، وبالصفات الفعلية والذاتية، فكان هذا مما كدر صفوهم، وقالوا: هذا سوف يخالفنا ويفسد علينا عقائدنا. فرفعوا أمره إلى والي دمشق، فجمعهم السلطان وقال لهم: ناظروه. فناظروه، وأحضر العقيدة الواسطية وقال لهم: هذه كتبتها من زمان كذا وكذا وأنا الآن على ما أقول وأعتقد. فقرؤوها فإذا هي آيات وأحاديث وأدلة وأقوال موافقة للحق، ولكنهم مع ذلك أخذوا ينكرون عليه التصاريح التي صرح بها، وظهرت حجته عليهم ولم يقدروا على مقاومته، ولكنهم مع الأسف لم يرجع منهم إلا القليل، بل بقوا على معتقدهم. وانتشرت عنه هذه العقيدة، فسمع به علماء في مصر من الحنفية ومن الشافعية الذين هم على مذهب الأشعري فرفعوا به إلى السلطان في مصر، وقالوا: نريد أن يأتينا حتى نناظره، وحتى لا يفسد علينا عقيدتنا ولا يفسد علينا جماهير الأمة فإنهم على هذا المعتقد. فكتب إليه السلطان أن يأتي إليهم، فذهب إليهم وأقام هناك سبع أو ست سنين في مصر كلها في جدال، وتصدى لمناظرته أو مجادلته عالم شافعي يدعى ابن عدوان، ونصبوا قاضياً لهم حنفياً يقال له: ابن مخلوف فحضروا عنده، فقال له ابن عدوان: أنا أشتكي وأنكر على هذا الرجل؛ فإنه يقول: إن الله في السماء بذاته، وإن الله يتكلم بحرف وصوت، وإن القرآن حروفه ومعانيه من كلام الله تعالى. ونحن نقول: إن كلام الله تعالى معنى قائم بذاته، وإن القرآن ليس كلام الله وإنما هو حكاية أو عبارة، ونحن لا نقول: إن الله ليس على عرشه. وأخذ يدلي عليهم الحجج، فعند ذلك قال ابن مخلوف: ما تقول يا فقيه؟ فابتدأ رحمه الله تعالى بمقدمة الحمد والثناء على الله تعالى، فقطعوا عليه حمده وقالوا: ما جئنا بك لتخطب، إنما جئنا بك لتحتج. فعند ذلك قال: فمن الحكم؟ فقالوا: قاضي القضاة ابن مخلوف. فقال: كيف تحكم علي وأنت خصمي؟ فعند ذلك غضب هذا القاضي المعترف بفضله وبسيادته، فلم يجد بداً من أن كتب: يسجن ابن تيمية. فوافق على أنه يسجن، وسجن لمدة سنتين أو أكثر، ولكن لم يتوقف عن الكتابة، بل كان يأتي تلامذة له ويلقون عليه الأسئلة ويملي عليهم أجوبتها، فكتب في تلك المدة كلها كتباً كثيرة، حتى جمع منها أكثر من عشرة مجلدات تسمى (الفتاوى المصرية) ، ثم جمعت وصار ينقل منها كثيراً. ثم أخرج، وحصلت بينه مناظرة وبين عدي بن مسافر وبعض الصوفية، فأنكروا عليه تشدده عليهم، وذلك لأنه ينكر على الصوفية أحوالهم الباطنة، فالحاصل أنه أعيد إلى السجن مرة ثانية وبقي فيه سنتين أو ثلاثاً، وبقي هناك إلى أن تخلص بعد ست سنين فرجع إلى دمشق. وبعد رجوعه إلى دمشق بقي يدرس ويعلم، وتتلمذ عليه بعد رجوعه التلميذ الخاص ابن القيم، وما رآه إلا بعدما رجع سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فتتلمذ عليه ابن القيم وابن كثير والذهبي وابن عبد الهادي ونحوهم، وقبلوا ما قال، وأظهر هؤلاء بالعقيدة، والشافعي منهم بقي على مذهبه ولكنه انتحل مذهب أهل السنة، فـ ابن كثير والذهبي كلاهما شافعي، ومع ذلك أخذا مذهب أهل السنة مع بقائهما على المذهب الشافعي، وأما ابن عبد الهادي وابن القيم فهما حنبليان، وكل منهم بقي على مذهبه في الفروع، وتغيروا عما كانوا عليه أو تلقوه من قبل، فـ ابن القيم يقول: إنه قبل أن يأتيه ابن تيمية قرأ على بعض المتكلمين وتلقى منهم بعض العقائد التي هي عقائد أشعرية أو نحوها، ولكن أنقذه الله بـ ابن تيمية لما جاء، كما أشار إلى ذلك في نونيته. فالحاصل أن هؤلاء في هذا القرن جددوا مذهب أهل السنة، فتجد كتب ابن القيم تعالج وتجادل في مذهب أهل السنة وفي إحياء هذا المذهب، مثل كتابه الذي سماه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) ، وهو مطبوع أكثره ومفقود بعضه، ومطبوع مختصره، وكتابه الذي سماه (اجتماع الجيوش الإسلامية) كلها تتعلق بالعقيدة. وابن تيمية ﵀ له كتب موسعة أوضح فيها مذهب أهل السنة، ورد على تأسيس التقديس للرازي، بكتاب موسع اسمه (نقض التأسيس) ، هذا النقض أتى عليه من الأساس، وفند حججه مما يدل على أنها إن كانت مشتهرة إلا أنها كبيت العنكبوت لا تقوم لمن كان ذا بصيرة. ورد على الرافضي ابن المطهر الذي ألف كتاباً سماه (منهاج الكرامة في منصب الإمامة) ، ولما جيء بهذا الكتاب إلى الإمام ابن تيمية إذا أوله يتعلق بالصفات، فنقضه نقضاً كاملاً ورد عليه رداً وافياً فيما يتعلق بالصفات، كذلك فيما يتعلق بالمذهب الرافضي في حججهم وشبهاتهم، والكتاب طبع أولاً في أربعة أجزاء ثم طبع أخيراً في عشرة أجزاء والحادي عشر فهارس، وهو ميسر لمن أراد اقتناءه والاطلاع عليه ليعرف أن هذا الإمام ﵀ قد بذل جهداً في نصر السنة، وأيضاً كتابه الثالث الذي سماه (العقل والنقل) ، وقد طبع في طبعته الأولى باسم (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) ، ثم طبع طبعة أخيرة باسم (درء تعارض العقل والنقل) ، وذلك لأن أكثر ما يحتج به هؤلاء الأشاعرة العقل، فيقولون: العقل ينكر كذا. العقل لا يقر بكذا وكذا. فأولاً أقنعهم بأن العقل ليس مرجعاً، بل المرجع الأساسي هو الشرع والسمع والنقل. وثانياً: بين لهم أن العقول الصحيحة توافق المنقولات الصريحة ولا يحصل بينها أي تفاوت، فليرجعوا إلى عقولهم وليحققوها. وبين لهم أيضاً أنهم متناقضون، فأحدهم يثبت صفة مثلاً ثم ينفيها، ففي نفيه يقول: نفاها العقل وفي إثباته يقول: أثبتها العقل عجباً لك فهل عقلك تغير، كيف تغير بين عشية وضحاها؟! عقل واحد ينفي ثم يثبت، ويأتيك عاقلان كل منهما يدعي كمال العقل، فهذا يثبت هذه الصفة وهذا ينفيها، أليس هذا دليلاً على أن هذه العقول ليست مرجعاً؟ فكيف يحكمونها ويجعلونها المرجع في هذه السنة أو هذا المعتقد. ولا شك أنه لما جادلهم بمثل هذه المجادلات انقطعت شبهاتهم، فالحاصل أنه ﵀ هو الذي أحيا هذه السنة بعدما كادت أن تضمحل. والعلماء الذين في تلك الفترة ما فتئوا يكتبون، ولكنهم لا يقدرون على أن يواجهوا العالم ولا أن يصرحوا، بل يكتبون كتابات يعطونها لتلامذتهم، ففي القرن الخامس ظهر عالم حنبلي يقال له: القاضي أبو يعلى بن الفراء، وكان قد قرأ على المتكلمين، وعلق بذهنه شيء من علم الكلام، ولكن لما كان منتحلاً لمذهب أحمد لم يجد بداً من أن يقتني كتب أحمد، واقتني الكتب التي ألفها الحنابلة، ولا شك أن منها ما يتعلق بالعقيدة، فلأجل ذلك صار على هذه العقيدة، وألف رسالة صغيرة تتعلق بصفة العلو، ولما ألفها قامت عليه الدنيا وأنكروا عليه وشنعوا، وقالوا: أبو يعلى مجسم أبو يعلى مشبه. مع أنه قاض معترف به وعالم جليل، وله كتاب مطبوع اسمه (إبطال التأويلات) ، يدل أيضاً على أنه مظهر للحق، وأنه على العقيدة السليمة، ولكنه لم يجرؤ مثلما تجرأ ابن تيمية في مناظرة أهل زمانه والإنكار عليهم إنكاراً بليغاً. ومثله الإمام ابن قدامة، له أيضاً كتب تتعلق بالعقيدة، وهو حنبلي المذهب، ومن مؤلفاته في العقيدة (لمعة الاعتقاد) ، ومنها كتب في إبطال التأويل وفي صفة العلو ونحو ذلك، ولكن لم يكن جريئاً على أن يظهر للعالم ويجادل ويناظر ويخاصم، وذلك لأن جل اهتمامه بتلامذته الذين يتتلمذون عليه، ولم ير أن يجادل أهل زمانه. ولا شك أن هناك أئمة وعلماء قد خالفوا في هذه العقائد التي هي عقيدة الأسماء والصفات، وذهبوا إلى كثير من التأويلات، ومنهم -مثلاً- الإمام النووي صاحب كتاب (رياض الصالحين) وصاحب (شرح مسلم) ، وله كتاب (الأذكار) ، و (المجموع شرح المهذب) ، وله كتب كثيرة، ولكن مشايخه الذين قرأ وتتلمذ عليهم طوال حياته في باب العقيدة أشاعرة؛ لأن المذهب الأشعري هو الذي عم في تلك البلاد، فلم يكن له من يلقنه مذهب أهل السنة، وكأنه لم يشتغل إلا بمذهب الشافعي، ولم يشتغل إلا بكتب مشايخه القديمين، وقراءته لكتب الحديث إنما هي قراءة عابرة، وقد تأثر بأهل زمانه، فلما تأثر بهم اعتقد ما هم عليه، فذهب إلى تأويل آيات الصفات وأحاديثها، فتجد أنه في شرح صحيح مسلم أتى على حديث النزول فأخذ يتأوله تأويلات بعيدة وينكر أن يكون نزولاً حقيقياً يليق بالله، وتمر به أيضاً أحاديث فيها صفات فعلية فيتأولها، حتى في رياض الصالحين يتأول كثيراً من الأحاديث التي فيها بعض الصفات إذا صارت مخالفة له. نقول: إن هذا بسبب تأثرهم بعلماء أهل زمانهم، ولا شك أن أهل الزمان لهم تأثير على غيرهم؛ فلذلك نقول: إن الإنسان عليه أن يختار من مشايخه أهل الثقة ممن يثق بعقيدتهم حتى يكونوا قدوة له، فإذا أخذ من هؤلاء المبتدعة تأثر بهم كما هو طريقة هؤلاء العلماء الذين منَّ الله عليهم بهذه المنزلة. ومنهم الحافظ ابن حجر، شافعي المذهب، شرح صحيح البخاري فمرت به الأدلة التي في أول كتاب الإيمان والتي في آخر كتاب التوحيد في صحيح البخاري، ومع ذلك نجد أنه كثيراً ما يسلط عليها التأويلات، وينقل تأويلات مشايخه والعلماء الذين قرأ عليهم، مع أنه قرأ أيضاً لـ ابن تيمية، وقرأ لـ

стр. 25

الأسئلة

стр. 26

حكم الخوارج من بين أهل الإسلام السؤال هل الخوارج كفار؟ وكيف يوجه حديث النبي ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ، وحديث: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) ؟ الجواب وردت هذه الأحاديث في مسلم، وفي البخاري بعضها، فمن العلماء من طبقها عليهم وقال: إنهم المرادون بهذه الأحاديث. ومنهم من قال: إنها صفات لآخرين لم يخرجوا بعد، أو يخرجون في آخر الزمان، أو ليسوا هم الذين خرجوا في عهد الصحابة. ولا شك أن كثيراً من الصفات تنطبق عليهم، مثل قوله: (إنهم يخرجون على حين فرقة من الناس، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق) ، وإن كان هذا قد ضعفه بعضهم، وعلى هذا فالصحيح أن الذين قاتلهم علي ﵁ لا يحكم بكفرهم، ولو كانوا يكفروننا فإننا لا نكفرهم، ولذلك سئل علي ﵁: أكفارٌ هم؟ فقال: من الكفر فروا. فقيل: أمنافقون؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً. قيل: ماذا نقول فيهم؟ قال: (هم إخواننا بالأمس بغوا علينا) فأطلق عليهم اسم البغاة، وهذا هو القول الصحيح، أنهم بغاة، وأنهم يقاتلون لكف شرهم، فإن البغاة هم الذين ينقمون على إمام المسلمين وينكرون عليه ويخرجون ولهم قوة وشوكة وشبهة يتشبثون بها، فتزال شبهتهم، كما بعث إليهم علي ابن عباس ﵃ وناقشهم حتى رجع منهم نحو الثلث، فإذا بقوا فإنهم يقاتلون قبل أن يرجعوا أو يكف شرهم، هذا في الخوارج، والآثار التي وردت فيهم إن كانت فيهم فهي من باب نصوص الوعيد، وإن كانت في غيرهم فينطبق عليهم بعضها لا كلها.

стр. 27

الحكم المترتب على من يقول بخلق القرآن السؤال ماذا يترتب على قول من يقول: إن القرآن مخلوق؟ الجواب يترتب عليه إنكار أن الله تعالى متكلم، وهو إنكار صفة كمال، ثم أيضاً يترتب عليه إنكار الأدلة التي دلت على ذلك، فالله أضافه إلى نفسه فقال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٥] ، فالذين يقولون: إنه مخلوق ينكرون نزول هذه الآيات، ثم نقول: ما الذي حملهم على اعتقاد عقيدتهم؟ نقول: ذلك أنه خيل إليهم أن الكلام إنما يصدر من متكلم له لسان وشفتان ونحو ذلك، فقالوا: لو أثبتنا الكلام لله لأثبتنا هذه الصفات، وإذا أثبتناها أثبتنا تجسيماً وتشبيهاً ونحو ذلك. فهكذا اعتقدوا، ولا شك أن من أنكر أن الله متكلم فقد وصفه بالنقص، ولعله يأتينا في صفة الكلام الأدلة على ذلك.

стр. 28

توجيه قول البخاري: لفظي بالقرآن مخلوق السؤال يروى عن البخاري ﵀ أنه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فما توضيح هذه العبارة؟ الجواب رويت عنه هذه المقولة، وبعضهم أنكرها، وبعضهم اعتذر عنه، البخاري ﵀ ألف كتابه الذي هو صحيح البخاري، وفي كتاب التوحيد ذكر الأدلة على إثبات أن الله متكلم وأن القرآن كلام الله، أوضح ذلك أتم إيضاح، ثم ألف كتابه (خلق أفعال العباد) يرد به على المعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يقدر على خلق أفعال العباد، وإن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. وينكرون أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويعطي ويمنع، فأثبت بهذا الكتاب خلق أفعال العباد. ولا شك أن كلمة (لفظي بالقرآن مخلوق) فيها احتمالان: احتمال صحيح واحتمال غير صحيح، فالصحيح إذا أريد بها: حركة لساني وشفتي ولهواتي. فهذه مخلوقة، فإن الله هو الذي خلق الإنسان وخلق أفعال الإنسان، فكونك تحرك شفتيك أنت الذي حركتها، ولكن الذي أقدرك على ذلك هو خالق العبد وخالق أفعاله، فإذا أريد باللفظ حركات الإنسان وحركات لهواته فهذا معنى صحيح. وأما المعنى الذي ليس بصحيح فهو أن يراد باللفظ الملفوظ، (لفظي) يعني: ما أتلفظ به وما يخرج مني عند التلفظ بالقرآن، فإذا قرأت -مثلاً-: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فهذه الألفاظ التي تلفظت بها إن كان يريد أنها مخلوقة فهذا ليس بصحيح، بل هو قول بعيد باطل يتنزه عنه البخاري وغيره. والحاصل أنها إن ثبتت عن البخاري فهو يريد بذلك حركات العبد، وإن لم تثبت فهو الأولى، والذين نهوا عن ذلك أرادوا بذلك النهي عن يعتقد أن اللفظ هو الملفوظ، كأنهم يقولون: إننا إذا سهلنا لهم أن يقولوا: اللفظ بالقرآن مخلوق دعاهم ذلك إلى أن يقولوا: إن لفظي بالقرآن مخلوق.

стр. 29

ضابط وصف الشخص بالبدعة السؤال متى يقال عن الشخص: إنه مبتدع؟ ومن الذي يحكم عليه؟ الجواب معلوم أن البدع إما أن يبتدعها الإنسان وإما أن يتبع فيها غيره، فإذا ابتدعها قيل: هذا مبتدع. أي أنه منتحل ببدعة لم يسبق إليها. فيقال مثلاً: إن معبداً الجهني ابتدع هذه البدعة التي هي إنكار علم الله السابق. ويقال: إن عمرو بن عبيد ابتدع بدعة كذا وكذا. ويقال: إن واصل بن عطاء ابتدع بدعة كذا وكذا. فمثل هذه البدع لا شك أنها بدع عميقة عريقة، وأن أصحابها يقال لهم: مبتدعون. أما الأتباع فيحكم عليهم أنهم أتباع المبتدعة، ولا شك أن متبع المبتدع مبتدع؛ لأنه عرف بأنها بدعة فاتبعه عليها، فهو مبتدع حقاً، لكن البدع تختلف، فمنها بدع مكفرة ومنها بدع مفسقة، وهذا فيما يتعلق بالعقائد. فالبدع المكفرة مثل بدعة غلاة الجهمية، يقول ابن القيم: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان يعني خمسمائة عالم. هؤلاء كفروهم، وهناك كذلك بدعة غلاة الرافضة وهي مكفرة، وهم الذين يطعنون في القرآن ويردون أحاديث الصحيحين ويكفرون الصحابة الذين نقلوها، فهذه لا شك أنها بدعة مكفرة؛ لأنهم طعنوا في الأصلين: الكتاب والسنة، أما البدع الأخرى كبدعة المرجئة والجبرية والأشاعرة فإنها بدع مفسقة ولا تصل إلى حد الكفر. وكذلك البدع في الفروع يقال لها: بدعة ولو لم تكن مكفرة ولا مفسقة، لكنها نقص في الدين تقدح في كمال التوحيد، مثل الذين يحتفلون بليلة الميلاد والمولد النبوي أو بليلة الإسراء، أو يحيون أول جمعة من رجب ويسمونها صلاة الرغائب أو ما أشبه ذلك، هذه البدع لا شك أنها بدع عملية وليست بدعاً اعتقادية، وإن كانوا يعتقدون أنها من السنة ولكنها ليست معتقداً. والحاصل أن المبتدع الذي يتبع البدعة وهو يعرف أنها بدعة وتقوم عليه الحجة يسمى مبتدعاً شاء أم أبى.

стр. 30

موقف الأشاعرة من أهل السنة في هذا الزمان السؤال هل للأشاعرة تمكن في هذا الزمان وأين؟ وهل صحيح أن كثيراً من الناس يعتقدون أن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب الأشاعرة؟ الجواب لهم تمكن في هذا الزمان، وقد قامت عليهم الحجة بعد طبع الكتب، وبالأخص كتب السلف، وقد امتعضوا امتعاضاً شديداً لما طبعت، فقد طبع كتاب (السنة) لـ عبد الله بن الإمام أحمد، وطبع كتاب (الرد على بشر المريسي) لـ عثمان بن سعيد الدارمي، ولما طبع امتعض أحد الأشاعرة، وهو زاهد الكوثري المشهور، عالم محدث مشهور له تحقيقات، وطبعت له مؤلفات، ولكنه متعصب لمعتقد الأشاعرة، فله تعليقات ينكر بها على أهل السنة، وله مقدمة كتاب (الأسماء والصفات) للبيهقي قدم فيه مقدمة حمل فيها على ابن تيمية وأخرجه من الإسلام وكذلك تلميذه ابن القيم، وله كتاب أيضاً في الرد على ابن القيم وغير ذلك، لقبهم فيها بألقاب شنيعة، حتى إنه استباح لعنهم وتضليلهم، فدل على أن لهم بقايا. وهذا العالم الكوثري له تلامذة جاءوا إلينا في كثير من الأوقات ودرسونا، ولما أفصحنا بتضليل الكوثري أخذوا يجادلوننا وقالوا: كيف تضللونه وهو العالم الجليل الكبير الزاهد، فيه كذا وكذا. وكثير من الذين جاءوا من مصر علماء مشهورين، ولكن على معتقد الأشعري، إلا أنهم يأخذون حذرهم، فلا يفصحون بمعتقدهم إذا كانوا يدرسون من يخشون أن ينكر عليهم، فإذا أنكر عليهم بعض التلاميذ قالوا: ننتقل إلى موضوع آخر. نقطع الكلام في هذا. وهكذا، ومنهم من اهتدى ورجع إلى الحق وقامت عليه الحجة، ومنهم من رجع إلى ما كان عليه، وهكذا أيضاً علماء في كثير من البلاد العربية والإسلامية ما يزالون يدرسون المذهب الأشعري، وكتبهم عليها شروح، أي: الكتب التي ألفت في العقائد الأشعرية، مثل (العقائد النسفية) للنسفي، وهو عالم أشعري مشهور، ومثل (بدء الأمالي) ، ومثل عقيدة اسمها (الخريدة) ، و (الجوهرة) ، و (الشيبانية) ولو كانت أخف، لكن الذين شرحوها غلاة في المذهب الأشعري، ينكر أحدهم على الشيباني، مثل قوله في قصيدته المشهورة: فلا حل في شيء تعالى ذو العلا ينكر بذلك أن الله في السماء أو نحو ذلك، وعلى كل حال ما يزال هناك من هو على هذا المذهب. والذين يقولون: إن أهل السنة هم الأشاعرة أنفسهم أقول لهم: أتذكر قبل ثلاثين سنة أو نحوها أنَّا كنا ندرس على بعض الأشاعرة، فأتى بمسألة التحسين والتقبيح، وأتى بمسألة في الإيمان فقال: هذا مذهب الأشاعرة، هذا مذهب أهل السنة. وهو مذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة، فقلنا: فأين مذهب أهل السنة؟ قال: هو مذهب الأشاعرة. وذلك لأنه أشعري، فالأشاعرة عندهم أهل السنة.

стр. 31

حكم أكل ذبائح الرافضة السؤال: هل يجوز أكل ذبائح الرافضة؟ الجواب الصحيح أنها لا تؤكل، خصوصاً غلاتهم الذين ينتحلون هذه النحلة، فهم يجمعون بين ثلاثة أشياء: الأول: الشرك الصحيح. فإنهم دائماً في الملمات لا يدعون إلا بـ (يا علي) أو (يا حسين) أو نحو ذلك. ثانياً: طعنهم في القرآن، ولو أظهروا أنهم لا يطعنون فيه، ولكنهم على معتقد خبيث. ثالثاً: تكفيرهم للصحابة، وردهم لكتب أهل السنة، فمثل هؤلاء لا تؤكل ذبائحهم.

стр. 32

حكم اقتسام التركة على غير القسمة الشرعية السؤال هل يجوز التقسيم بين الورثة إذا اصطلحوا على ذلك؟ الجواب الورثة إذا عرف أن التركة منحصرة فيهم فيصطلحون كما يريدون، ولكن الأولى أن يقسموا على كتاب الله حتى يقنع كل بحصته، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد.

стр. 33

شرح اعتقاد أهل السنة [٣] جرى أهل العلم من أصحاب العقيدة السليمة على نسبة اعتقادهم إلى أهل الحديث باعتبارهم أهل السنة والجماعة: ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بوجود الله تعالى والإقرار بذلك، وأنه الخالق لكل شيء المبدع له . ومن عقيدتهم: الإيمان بالملائكة وما لهم من وظائف، وما ذكر من صفاتهم، والإيمان برسل الله كلهم من دون استثناء، كما أنهم يقبلون كل ما نطق به الكتاب والسنة على أنهما الأدلة التي يجب الأخذ بها.

стр. 34

مذهب أهل السنة والجماعة في العقيدة قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [بسم الله الرحمن الرحيم، اعلموا -رحمنا الله وإياكم- أن مذهب أهل الحديث -أهل السنة والجماعة- الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى وما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، لا نعدل عما ورد به ولا سبيل إلى رده؛ إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة مضموناً لهم الهدى فيهما، مشهوداً لهم بأن نبيهم ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم، محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم. ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه ووصفه بها نبيه ﷺ ، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد الكيف. وأنه جل وعلا استوى على العرش بلا كيف، فإن الله تعالى أنهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه. وأنه مالك خلقه، وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق، ولا لمعنى دعاه إلى أن خلقهم، لكنه فعال لما يشاء ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل والخلق مسئولون عما يفعلون، وأنه مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بأسمائه التي سمى ووصف بها نفسه وسماه ووصفه بها نبيه ﵇، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب أو آفة؛ فإنه تعالى عن ذلك، وخلق آدم ﵇ بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه؛ إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف] . هكذا ابتدأ ﵀، وكأن الراوي حذف المقدمة؛ لأن عادة المؤلفين البدء بمقدمة فيها حمد الله والثناء عليه والشهادتان، والدوافع التي تدفع إلى ذلك الموضوع، وبيان الموضوع، ولم يذكر في هذه الرسالة، فإما أن يكون المؤلف اقتصر على العقيدة بنفسها ولم يذكر المقدمة، وإما أن يكون بعضهم اختصر المقدمة وترك ما لا حاجة إليه وذكر ما إليه حاجة. والخطاب بقوله: [اعلموا] عام للمسلمين الذين يقبلون الإرشادات والتعليمات والنصائح التي توجه إليهم؛ فإنهم هم الذين ينتفعون بما أمروا به، فالأمر بقوله: [اعلموا] أمر إرشاد وتوجيه ونصيحة، ومعناه أنه يأمركم، فإذا أردتم الخير وامتثلتم فإنكم مفلحون، ومن خالف ذلك وصد عنه فإنه يعتبر مخالفاً للنصيحة راداً لها. دعا المصنف في أول هذه العقيدة بالرحمة، فقال: [رحمنا الله وإياكم] ، وبدأ لنفسه فدعا بالرحمة ثم دعا بعد ذلك للمخاطبين بالرحمة، وهو دليل أيضاً على أنه يعترف بصفة الرحمة، أن الله تعالى واسع الرحمة، وأنه رحيم بعباده، والرحمة صفة فعلية يرحم الله بها من يشاء من خلقه، وقد اشتق منها لله أسماء كالرحمن والرحيم، وهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، فالرحمة صفة لله تعالى ثابتة يرحم بها من يشاء من خلقه، وكذلك وضع الرحمة في قلوب عباده، فأخبر النبي ﷺ بأن الله جعل الرحمة مائة جزء، وأنه وضع حزءاً منها بين العالمين يتراحمون به حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وتلك الرحمة وضعها الله تعالى في قلبي الأبوين ونحوهما. والرحمة في حق المخلوق رقة وشفقة على من يرحمه، فهو يرق قلبه أيضاً، أشفق عليه حتى حرص على إيصال الخير إليه ودفع الشر عنه، وثبت أنه ﷺ قال: (من لا يَرحم لا يُرحم) ، وقال لمن رأى قلبه قاسياً: (أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟!) ، فأفاد بأن الله يضع الرحمة في القلوب، والكلام هنا في أن الله رحيم بالعباد وأنه يرحم من يشاء، كما في قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت:٢١] ، وأن من رحمه فقد سعد، كما في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] ، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف:١٥٦] .

стр. 35

معنى المذهب لغة واصطلاحاً قول المصنف ﵀: [أن مذهب] . المذهب هو المسلك الذي يسلك، يقال: هذا مذهب فلان. أي: طريقه الذي ذهب منه وسلكه. ويقال: فلان ذهب في مذهب فلان. بمعنى: في طريقه الذي سلكه. ولكن اصطلح على أن المراد بالمذهب القول الذي يقتدى به بعده، أو الذي يختاره ويرجحه، ويسمى مذهباً له، أي: مسلكاً سلكه وقولاً رجحه على غيره بدليل اقترن به. أما المذاهب فيراد بها الأقوال التي تنسب إلى أربابها، ويطلق المذهب على كل قول قاله إمام مجتهد مات وهو مجتهد ومتمسك به، سواءٌ اقتدي به فيه أو لم يقتد به، وهو هنا أضاف المذهب إلى أهل الحديث.

стр. 36

أهل الحديث وسبب تسميتهم بذلك قوله: [مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة] ، وخصهم لأنهم القدوة، فمن يريد أن يقتدي بهم ويسير على نهجهم فليسلك هذا الطريق وليتمسك بهذا المذهب، ولأنهم أقرب إلى الصواب والنجاة والفلاح، ومعلوم أن أهل الحديث هم الذين تمسكوا به؛ لأن الأصل أنهم رووا الأحاديث ودونوها واشتغلوا بها وفتشوا في صحيحها وضعيفها، ونقبوا فيما يصلح أن يقبل وما لا يصلح أن يقبل، فصار ديدنهم وشغلهم الشاغل هو الاشتغال بالحديث. وما المراد بالحديث؟ لا شك أنه حديث النبي ﷺ الذي يتناقلونه. وكان الصحابة ﵃ في أول أمرهم يقبلون الحديث ممن رواه وممن نقله، ولكن بعدما دخل في الإسلام من ليس بمسلم إسلاماً صحيحاً وأخذ يختلق أحاديث وأقوالاً وينسبها إلى النبي ﷺ ، فعند ذلك اهتم المسلمون بهذه الأحاديث، فألزموا كل من روى حديثاً أن يذكر من حدثه به. قال مسلم في مقدمة صحيحه: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما ركب الناس الصعب والذلول قالوا: سموا لنا رجالكم. أي: حتى نعلم من يقبل ومن لا يقبل. فصاروا لا يأخذون الحديث ولا يتقبلونه إلا إذا عرفوا سنده، فصاروا يروونها بالأسانيد، فعند ذلك بحثوا في رجالها الذين نقلوها وترجموهم، وذكروا ما يقال فيهم، ومن هو أهل أن يكون محدثاً حافظاً، ومن ليس كذلك، فاشتغلوا بهذا، مثل الإمام البخاري، فقد كان شغله بالحديث طوال حياته ومثل الإمام أحمد ويحيى بن معين وهو رفيق للإمام أحمد وله تاريخ وتراجم مطبوعة، وعلي بن المديني وله كتب مطبوعة، والإمام مسلم، وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وكذلك مَنْ قبلهم اشتغلوا بالأحاديث وبنقلها وبتتبعها، ورد ما ليس بثابت منها وما ليس بصحيح، وتثبيت الثابت الصحيح، وقبول رواية هذا وقبول رواية هذا، فصار شغلهم الشاغل دائماً في الأحاديث، فإذا جلسوا في مجلس إنسان فليس لهم إلا أن يقولوا: ماذا تحفظ -يا فلان- من الأحاديث؟ ما عندك من الأحاديث؟ هذا الحديث رواه فلان عن فلان، فماذا تعرفون عن الراوي الفلاني؟ وماذا تعرفون عن شيخه وشيخ شيخه؟ وهكذا يكون دائماً شغلهم في التنقيب عن الأحاديث، فلذلك سموا أهل الحديث وكفى بهذا الاسم شرفاً، وذلك لأنه الحديث الذي أضيف إليه ﷺ .

стр. 37

تعريف السنة وسبب تسمية أهل السنة بذلك الاسم تطلق السنة على أحاديث النبي ﷺ ، وتقابل القرآن، فأنت تقول: أعطني دليلاً من الكتاب ومن السنة ومرادك بالسنة الأحاديث، فجعلت الأحاديث هي السنة؛ لأنها الطريقة التي بينها النبي ﷺ ، والسنة: اسم للطريقة التي يسار عليها كما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قال: سَنَّ النبي ﷺ ، وسَنَّ الخلفاء الراشدون بعده سنناً إلى آخره. ومراده بالسنن الطرق التي سنوها وشرعوها لمن بعدهم. فالنبي ﷺ شرع لأمته هذه الطرق التي يسيرون عليها، ألا وهي الأوامر والنواهي والأقوال والإرشادات، فسميت سنة لأنه بينها ووضحها، فكأنهم يسيرون عليها، فالسَنَن هي الطرق، ولذلك قال النبي ﷺ : (لتتبعن سَنَنِ من كان قبلكم) يعني: طرقهم. ولما قال له أصحابه: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: (الله أكبر! إنها السنن) يعني: الطرق المسلوكة قبلكم. فسماها سنناً، يعني: طرقاً ومماهد يسار عليها. ثم أطلقت السنة على العقيدة السليمة، فيقال: السنة جاءت بكذا وكذا وكثيرٌ من العلماء سموا كتبهم بالسنة، فللإمام أحمد كتاب اسمه (السنة) ، ولولده عبد الله كتاب اسمه (السنة) ، ولتلميذه أبي بكر الخلال (السنة) ، ولـ ابن أبي عاصم كتاب (السنة) ، والمراد بالسنة هنا ما يعتقد، فلا تدخل في سنن الأفعال، أما كتاب المروزي -واسمه محمد بن نصر المروزي - فهو يتعلق بالأحاديث والذب عنها وتصحيحها وما يقال فيها، ولا يتعلق بالعقيدة، بخلاف كتاب (السنة) لـ عبد الله ولأبيه ولتلميذه فإنها تتعلق بالعقيدة، ولبعض المتأخرين -وهو عالم يماني اسمه: ابن الوزير - كتاب مطبوع اسمه (الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم) ، فيراد بالسنة هنا الأحاديث، وكذلك أيضاً الأعمال. والحاصل أن أهل العقيدة السلفية يسمون (أهل الحديث) ، و (أهل السنة) ، و (أهل الجماعة) ، ويراد بالجماعة: المجتمعون على الحق والخير، والذين تجمعهم عقيدة سليمة ولو كان غيرهم أكثر منهم. ولقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على لزوم الجماعة، ففي حديث أبي ذر المشهور قال النبي ﷺ : (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) ، وفي أحاديث كثيرة أنه ﷺ قال: (عليكم بالجماعة) ، فهو يحث على لزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم.

стр. 38

المراد بالجماعة وعلى من تطلق أطلقت الجماعة على أهل العقيدة السليمة ولو قلوا في بعض الأزمنة، والأصل أنهم السواد الأعظم والأكثرية، ولكن قد يقلون في بعض الأزمنة، ولـ ابن الجوزي كتاب اسمه (تلبيس إبليس) ، وفي بعض الطبعات (نقد العلم والعلماء) ، بدأه بمقدمة على الحث بلزوم الجماعة، وكأنه يشير إلى أن الأكثرين غالباً الأقرب إلى الصواب، ولكن لو قدر أن الصواب صار مع غيرهم فإنا نأخذ بمن معه الصواب ولو كانوا قليلاً، فالحق حق وإن قل أهله، والباطل باطل وإن كثر أهله. ثم قد يراد بالجماعة أهل القرون المفضلة وبالأخص الصحابة، فكلهم على الحق لم يذكر فيهم مبتدع، والقرن الثاني وهم التابعون- الأصل فيهم أنهم على الحق؛ لأن فيهم الذين قرؤوا العلم وأخذوه عن الصحابة، وتلامذتهم تابعوا التابعين الأصل فيهم أنهم على الصواب والحق، وأما القرن الرابع وما بعده فهو الذي كثرت فيه البدع وكادت السنة أن تختفي. إذاً فقد يقال: إن الجماعة هم السلف الصالح، والجماعة هم أهل القرون الثلاثة المفضلة الذين زكاهم النبي ﷺ ، وهذه عقيدتهم.

стр. 39

الإقرار بالله أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقرار بالله] . هكذا عبر بالإقرار، والمراد الاعتراف، تقول: أقر بالشيء: أي: اعترف به. وقد تقول: لماذا لم يعبر بالإيمان كما ورد في حديث جبريل أن النبي ﷺ قال له (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن باليوم الآخر وتؤمن بالقدر) فقال: (تؤمن) ولم يقل: تقر؟ و الجواب كأن المؤلف هنا اختار لفظ الإقرار؛ لأنه يريد به الاعتراف الظاهر الذي يسمع من المعترف بذلك على رؤوس الأشهاد، والإيمان كأنه خفي؛ لأنه تصديق القلب ويقينه وعقيدته، والإقرار: إظهار للشيء الذي أقر به وإعلان له على رؤوس الأشهاد وتمسك به ولا شك أن من أظهر هذا الاعتراف وقال: أنا أقر وأعترف بأن الله هو إلهنا، وأنه أنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الخلق، وله ملائكة كرام كاتبون. ويعترف بذلك نقبل ذلك منه.

стр. 40

لوازم الإقرار بالله لم يذكر المصنف هنا إلا أربعة أركان: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولم يذكر اليوم الآخر ولا القدر، ولكنه سيذكر ذلك فيما بعد وإن لم يفصل فيه تفصيلاً. ولا شك أن الإقرار بهذه الأربعة يستلزم الإقرار بغيرها، فمن أقر بالله لزمه أن يقر بوجوده وبقدرته وبتصرفه وبتدبيره وبخلقه وبعلمه وبسائر صفاته التي وصف بها نفسه، وهذا هو الأصل، ولأجل ذلك تجد كثيراً من الأحاديث ذكر فيها الإقرار أو الإيمان بالله واليوم الآخر دون بقية أركان الإيمان، مثل قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ، وكقوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج) ؛ اقتصر على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بالله يدخل فيه التوحيد بأنواعه وأخبار الله تعالى والإيمان برسله؛ لأنهم جاؤوا بما أرسلهم به، ويدخل فيه الإيمان بكتبه؛ لأنها اشتملت على كلامه ووحيه وإرشاده، ويدخل فيه الإيمان بوعده وبوعيده ونحو ذلك، فهو الأصل، فمن آمن بالله أتبع إيمانه كل ما أخبر الله به وكل ما جاء عن الله تعالى.
следующие страницы →