← Акыда

Акыда · id 7707

اعتقاد أهل السنة

ابن جبرين

Полный текст (366 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إثبات صفة الوجه لله من قوله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله) السؤال في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٩] ألا نستطيع أن نقول: إن المقصود بالوجه هاهنا ابتغاء مرضاة الله، مع إيماننا بأن لله وجهاً يليق بجلاله؟ الجواب وكذلك قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] ، فهي عبارة عن إخلاص العمل، فإذا قلت: إن فلاناً يريد بعمله وجه الله فالمعنى: يلتمس رضاه، ولا يريد غيره. ففيها دلالة على إثبات صفة الوجه، وحث على إخلاص العمل لله، وأن لا يخالطه شيء من الرياء والسمعة، فإذا كان العمل خالصاً لله فإنه مما أريد به وجه الله، كأنه يقول: أريد به الله تعالى، أو: أريد به رضا الله. وأطلق الوجه لأنه الذي تحصل به المواجهة، أو لأنه أطلق على الذات، وعلى الإخلاص في العمل.

стр. 107

الرد على منكري الجهاد بعد الرسول السؤال بماذا نرد على من ينكر الجهاد في سبيل الله ويقول: إن الجهاد خاص بزمن رسول الله ﷺ . ويقول: إن جميع آيات الجهاد منسوخة خصوصاً آية السيف. ويستدل بقول الله : ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ، ويقول: لم يقل الله تعالى: أن أكرهوهم وارفعوا عليهم السلاح؟ الجواب هذا السؤال قد يستدعي شرحاً طويلاً، ولكن نقول له: تأمل فعل الصحابة، فهل توقفوا بعد النبي ﷺ أم استمروا على الجهاد والقتال؟ بل ما فتحوا الفتوح إلا بعده ﷺ ، مثل العراق، ومصر، وخراسان، والهند والسند، وما وراء النهر، وأفريقيا بأكملها، ووصلوا إلى الأندلس، كل ذلك بعده ﷺ ، هذا من جهة. من جهة ثانية: الأدلة من السنة على عموم الجهاد، ولم يذكر أنه خاص، فإنه ﷺ لما سئل: (أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) ، وكذلك قوله: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ،وكذلك عموم الآيات التي فيها الأمر بالجهاد، والتي فيها ثوابهم، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] ، وقوله: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٥] ، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] ، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:١٢٣] ، والآيات والأحاديث في ذلك معلومة.

стр. 108

قضاء الصيام لمن تأخر فيه السؤال امرأة كان عليها قضاء بعض الأيام منذ اثني عشر عاماً مضت، فكيف تقضي ذلك؟ الجواب لابد مع القضاء من كفارة، وتقضي ولو متفرقاً، ثم عن التفريط والتأخير كفارة إطعام مسكين عن كل يوم.

стр. 109

تعلم معتقدات الفرق الأخرى السؤال لماذا نتعلم أقوال الفرق ومعتقداتهم، ولماذا لا نكتفي بتعلم عقيدة أهل السنة؟ الجواب الإنسان يبتلى غالباً بمجالسة أولئك المعتزلة والضلال والمبتدعة، وإذا ابتلي بمجالستهم فالغالب أنهم يلقون شيئاً من شبهاتهم وأدلتهم التي يشوهون بها ويموهون، فإذا كان الإنسان عنده أسلحة قوية وأدلة متمكنة استطاع أن يرد عليهم أقوالهم، فمعرفتها لأجل الحذر منها، ولذلك يقول حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه) ، فأنت عليك بمعرفة مذهب أهل السنة ومعتقدهم، وإذا كنت تخشى أنك تبتلى بمجالسة أولئك المبتدعة فإن عليك أن تسأل عن مذهبهم وشبهاتهم، حتى إذا عرفتها وعرفت كيف تردها استطعت إبطالها والرد عليهم حتى لا تصل إلى فكرك ويصعب بعد ذلك تخليصها من ذاكرتك.

стр. 110

شرح اعتقاد أهل السنة [٦] عقيدة أهل السنة والجماعة هي وسط بين عقائد الفرق في كل شيء، فهم يثبتون عقيدتهم دون أي تناقض أو زيادة أو نقص، أو خضوع لآراء الرجال على مر الأزمان، ومن ذلك أنهم يثبتون لله مشيئة كما يليق به ، وكذلك يثبتون للعبد مشيئة ولكنها تعمل تحت مشيئة الرب تعالى العامة، وتحت تصرفاته الكونية، ولهم في ذلك أدلتهم الواضحة من الكتاب والسنة، كما أنهم يعتقدون أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، لفظه ومعناه من الله تعالى.

стр. 111

مشيئة الله ومشيئة العبد عند أهل السنة إن من أهم أمور العقيدة معرفة الله تعالى والإيمان به، وذلك يستدعي الإيمان بوجود الله وبكمال قدرته، وبكمال تصرفه في خلقه، وكذلك الإيمان بأسمائه وصفاته التي هي أسماء حسنى وصفات علا، والتي هي صفات كمال ونعوت جلال، وما سوى ذلك فإنه يعتبر تابعاً لبقية أركان الإيمان، وكذلك أمور العقيدة تابعة للإيمان بالله، وذلك لأن من آمن بالله تعالى وبصفاته وبوحدانيته وبكماله استدعى ذلك عبادته، واستدعى ذلك طاعته وحده، وتصديق رسله الذين بلغوا عنه، واستدعى ذلك وحدانيته وتوحيده، وإخلاص العبادة له، وما يتفرع عن ذلك من الأعمال تابع لهذا الاعتقاد. قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] . ويقولون: لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله، ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله، ولا أن يبدل علم الله، فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو، والقادر لا يغلب. ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه كيفما تصرف بقراءة القراء له وبلفظه فإنه كلام الله، وأنه محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ في القرآن يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن] . قال المعلق جزاه الله خيراً: مسألة اللفظ في القرآن اضطرب فيها أقوام من أهل الحديث والسنة، قال ابن قتيبة في كتاب (الاختلاف في اللفظ) : ثم انتهى بنا القول إلى ذكر غرضنا من هذا الكتاب وغايتنا من اختلاف أهل الحديث في اللفظ بالقرآن وتشانئهم وإكفار بعضهم بعضاً، وليس مما اختلفوا فيه مما يقطع الألفة، ولا مما يوجب الوحشة؛ لأنهم مجموعون على أصل واحد وهو: القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال ابن القيم: وأئمة السنة والحديث يميزون بين ما قام بالعبد وما قام بالرب، والقرآن عندهم جميعه كلام الله؛ حروفه ومعانيه، وأصوات العباد وحركاتهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله. إلى أن قال: البخاري أعلم بهذه المسألة، وأولاه بالصواب فيها من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله، فإن الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفياً وإثباتاً على اللفظ إلى أن قال: والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد به أمران: أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له. الثاني: التلفظ به والأداء له فعل العبد. فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني، فمنع الإطلاقين، وأبو عبد الله البخاري ميز وفصل، وأشبع الكلام في ذلك، وفرق بين ما قام في الرب وبين ما قام في العبد، وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم، ونفى اسم الخلق عن الملفوظ، وهو القرآن الذي سمعه جبرائيل من الله، وسمعه محمد من جبرائيل. تنبيه: لقد زعم كثير من أهل الأهواء أن الإمام البخاري قال: لفظي بالقرآن مخلوق. ولكن بعد التحقيق تبين أن نسبة هذا القول للإمام البخاري ﵀ من قبل شهادة الزور عليه، وأنه براء من هذه المقالة، ولقد صرح الإمام البخاري نفسه أن من قال: إني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب عليَّ. قال محمد بن نصر: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله! قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه! فقال: ليس إلا ما أقول. وقال أبو عمرو الخفاف: أتيت البخاري فناظرته في الأحاديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله! هاهنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو! احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقومك والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة. فالثابت عنه أنه قال: أفعالنا مخلوقة. فيدخل في هذا تلفظ القارئ بالقرآن، وكتابة الكاتب لألفاظ القرآن، وحفظ الحافظ للقرآن، وجهر القارئ بالقرآن، وحسن صوته وتغنيه بالقرآن، فهي أمور مخلوقة؛ لأنها من أفعال العباد، فهذا ما ذهب إليه ﵀، وهذا تفصيله في المسألة فتأمل.

стр. 112

أدلة أهل السنة في إثبات الصفات الذاتية والفعلية ذكرنا أن صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية. فصفة الوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] ، وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] ونحوه صفة ذات؛ لأن الوجه بعض من الذات. وصفة السمع والبصر في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:١٣٤] ، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة:١] ، وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨] هاتان صفتان ذاتيتان. وصفة العلم والقدرة صفات ذاتية أيضاً ولا شك أنه دائماً متصف بالعلم وبالقدرة، وما ذاك إلا أنها صفات كمال، وإذا فقدت حل بدلها نقص، فلذلك نقول: إنها صفات ذاتية. وكذلك صفة القوة والعزة صفات ذاتية أيضاً، وذلك لأنها ملازمة للموصوف، فهو تعالى قوي، ولا يكون في وقت من الأوقات مخالفاً للقوة، وكذلك عزيز لا تنتفي عنه العزة في وقت من الأوقات. فلذلك يثبت أهل السنة هذه الصفات ويجعلونها صفات ذاتية، ويوافقهم الأشاعرة على إثبات السمع والبصر والقدرة والإرادة والحياة والعلم والكلام، وذلك لأنهم أثبتوها بالعقل، ولم يستندوا في إثباتها إلى النقل، فلما رأوا أن العقل يثبتها أثبتوها، ولكن ألزموا بالبقية كالقوة والعزة والحكمة، وبإثبات صفات الذات كالوجه واليد وما أشبه ذلك، فيلزمهم إثبات ذلك. وقد ذكرنا أن الله تعالى وصف نفسه بأنه بصير، كما في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:١٣٤] ، والبصر هو إدراك الأشياء. ويقول العلماء: إن الله تعالى سمى نفسه بصيراً، فيلزم إثبات كمال البصر. ويقولون أيضاً: إنه سبحانه كما أثبت الاسم-بصيراً- فقد أثبت الفعل، كما في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، (أسمع وأرى) هذان فعلان، وكذلك في قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨] (يراك) فعل مضارع، فيدل على إثبات أن الله تعالى يرى العباد، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية. وكذلك أيضاً أثبت لنفسه صفة العين في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] ، وأثبت الأعين: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ﴿وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود:٣٧] والعين هي آلة البصر، فأثبت لنفسه هذه الصفات -البصر والعين والرؤية- أي أنه يرى، وكل ذلك أدلة واضحة في إثبات هذه الصفات، فيثبتها أهل السنة كما جاءت. وقد ورد في آية طه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] ، فهذا فيه إثبات العين مفرد، ولكن يراد بها الجنس، كما أثبت اليد في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] أي: جنس اليد. وورد في آية القمر: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] بلفظ الجمع، والجمع هاهنا مضاف إلى ضمير الجمع (أعيننا) ، وقد ذكرنا أن هذا الجمع لأجل التعظيم، فالله تعالى يذكر نفسه بلفظ الجمع، كما في قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف:٣٢] والجمع يذكره من يعظم نفسه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف:٣٢] ، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود:٣٧] ، فقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ﴿وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود:٣٧] من باب ذكر الجمع لمناسبة ضمير الجمع. فهذا هو دليل إثبات هذه الصفات.

стр. 113

مشيئة العبد تحت مشيئة الله يتكرر إسناد المشيئة إلى الله تعالى في الآيات والأحاديث، وقد ثبت أنه ﵊ قال في الدعاء: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن) . ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] ، وقوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٦] ، ولا شك أن الله تعالى قد أعطى العباد مشيئة تناسبهم، ولكن مشيئتهم مرتبطة بمشيئة الله، فلا يشاؤون إلا ما شاءه الله، فهو أولاً أثبت لهم المشيئة: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] ، ثم ربط مشيئتهم بمشيئته: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] ، ومن هنا نعرف أن مشيئة الله تعالى غالبة لمشيئة العبد، وأن العبد له مشيئة تناسبه. ذلك أن الله أعطاه قوة يزاول بها الأعمال وتنسب إليه، سواءٌ أكانت أعمالاً بدنية، أم قلبية، أم قولية، فإنها تنسب إليه، كما نسب الله تعالى بعض الأقوال إلى أصحابها، فنسب الله إلى فرعون قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ، ولو شاء الله تعالى لأخرس لسانه ولم ينطق بهذه الكلمة، وكذلك النمرود الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] لو شاء الله لأعجمه وحال بينه وبين أن ينطق بهذه الكلمة الكفرية، ولكن الله تعالى مكنه منها، فالكلمة تنسب إليه، ويعاقب عليها ويحاسب، وهي داخلة تحت مشيئة الله تعالى، فهو الذي مكنه وأقدره على ذلك، وتنسب الأفعال إلى العباد لأنهم مصدرها. وكذلك الأعمال الصالحة تنسب إليهم لأنهم الذين باشروها ولو كان وجودها متوقفاً على إرادة الله تعالى وقدرته ومشيئته، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس:٩٩] ،يعني: لو شاء مشيئة قدرية لآمنوا، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً واهتدوا كلهم، ولكن حكمته اقتضت أن يكون منهم بر وفاجر، ومؤمن وكافر، وذلك كله خاضع لإرادة الله تعالى، حيث خلق دارين الجنة والنار، وجعل لكل منهما أهلاً. ولو أنه أعطى كل نفس هداها وهدى الناس كلهم لما كان هناك فرق بين المؤمن والكافر، ولما كان هناك جنة ونار، لكن جعل من حكمته أنه هذا ميله إلى الكفر، وهذا ميله إلى الإسلام، فمكن لهؤلاء ومكن لهؤلاء، قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤] ، فإذا شاء الله تعالى خضعوا وأقبلوا كلهم وأنابوا إلى ربهم، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت أن يكونوا قسمين, وأن يكونوا في الآخرة فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير، مع أن الحجة لله عليهم، فإذا قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] ف الجواب إن الله أعطاكم قدرة ومشيئة تناسبكم تقدرون بها على أن تطعموا من تريدون إطعامه. وإذا قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ [النحل:٣٥] فالجواب أن نقول: مشيئة الله نافذة، ولكنه سبحانه قد مكنكم وأعطاكم هذه المشيئة التي تناسبكم وتستطيعون بها مزاولة الأعمال والبقاء عليها، فأنتم قد مكنكم الله، وأعطاكم السمع والبصر والأفئدة، وفتح لكم أبواب المعرفة، وأقام عليكم الحجة، وأزال عنكم الأعذار، وبين لكم طرق الخير وطرق الشر، وهدى من شاء فضلاً منه، وأضل من شاء عدلاً منه، وجعل هناك وسائل تجذب هؤلاء إلى الخير ووسائل تصد هؤلاء عن الشر، فسلط على الإنسان أعداءه من الشياطين، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم:٨٣] هي فتنة وابتلاء من الله، وخص الكفار بالشياطين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ ، يعني: الكفار. (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠] ولهذا يعترف الشيطان فيقول: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] .

стр. 114

الأدلة العقلية على وجود مشيئة للعبد إن الله سبحانه قد أقام الحجج, وقطع الأعذار، وبين الخير والشر، وهدى من هدى فضلاً منه، وأعطى الجميع قدرة تناسبهم ومكنهم، وأعطاهم السمع والبصر والفؤاد والقوة والأيدي والأرجل يعملون ويتمكنون، وهكذا، فأمرهم بأن يعملوا، فمنهم من عمل ومنهم من لم يعمل. وهذا فيما يتعلق بالأعمال الصالحة وغيرها، وهذا أيضاً يطرد على الأعمال الدنيوية، وذلك لأن الله تعالى أعطى الإنسان القدرة على مزاولة الأعمال والتكسب وتحصيل الأرزاق، فليس قوت الإنسان ينزل عليه من السماء طعاماً ناضجاً، ولكن يؤمر بأن يتكسب ويتسبب ويحترف ويحرث ويستعمل ما أعطاه الله من القوة، فهو بهذا يستطيع مزاولة الأعمال الدنيوية، وهذه القدرة التي مكنه الله تعالى منها هي خاضعة لقدرة الله، ولو شاء لشل حركته كما يفعل بالمعوقين، أو لأقعده فلم يستطع القيام، ولشل يديه فلم يستطع العمل، ولأخرس لسانه فلا يستطيع النطق، ولأعمى بصره وأصم سمعه فلم يستطع السمع والبصر، كما فعل ذلك بمن شاء من خلقه، ولكن أعطاه هذه الأمور حتى يعمل لدنياه ولآخرته. ومن طبع الإنسان أنه ينبعث لطلب المكاسب والرزق، كما أن من طبع الحيوان والبهائم أنها تنتشر في الأرض وتطلب الرزق، ولا تجلس في أوكارها ولا بيوتها، والطيور أخبر النبي ﷺ أنها تتقلب: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً) ، والبهائم إذا أطلقت فإنها تنتشر في الأرض وترعى بأفواهها، والإنسان كذلك ينتشر في الأرض ويطلب الرزق ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] يمشي في مناكبها فيحرث إذا كان يستطيع، ويحفر إذا كان يحفر، ويتكسب بأنواع المكاسب، ويتعاطى حرفة وصناعة أو ما أشبه ذلك ليحصل منها على قوته الذي يقتات به، فكما أنه لا يجلس في منزله ويطلب الرزق أن ينزل عليه من السماء نقول له: فكذلك الآخرة اعمل لها كما تعمل للدنيا، ولا تعتمد على القضاء والقدر وتقول: ما هداني الله، ولو هداني الله لفعلت كذا وكذا. وقد عاب الله تعالى على الذين يقولون هذا، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦-٥٧] كأنهم يحتجون بالقدر، وأن الله ما هداهم، فإذا رأيت الذين يقولون هذا فقل: إن الله أعطاك ما تقدر به. وكثيراً ما ننصح بعض الجهلة ونقول لهم: استقيموا على طاعة الله، وأقيموا عبادة الله، وأنقذوا أنفسكم من عذاب الله فيحتجون بالقدر، ويقول أحدهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] ، وما علم أن الله تعالى قد أعطاه أسباب الهداية، كما في قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧-٨] . والكلام على هذه المسألة -مسألة الاحتجاج بالقدر- طويل فكثيراً ما نلقى منهم عنتاً وتعنتاً وصعوبة رد، حيث إن هؤلاء العصاة يتمادون في معصيتهم ولا يرجعون إلى رشدهم ولا إلى الحق، فيقال لهم: أربعوا على أنفسكم، فأنتم الآن لا توافقون على الاعتداء عليكم، فكيف نجمع بين هذين النقيضين؟ ولعله يأتينا زيادة بحث في هذا.

стр. 115

علم الله قائم لا يتبدل قال المصنف ﵀: [ويقولون: لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله، ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله، ولا أن يبدل علم الله، فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو، والقادر لا يغلب] . لا سبيل لأحد أن يخرج عن الملة، فالله تعالى عالم بنا وبأحوالنا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، فإذا كان يعلم وساوس النفس وخطرات القلب فإنه لا تخفى عليه أعمال العباد كلهم، يعلم السر وأخفى، ويعلم الجهر وما يخفى، ويعلم ما كان وما لم يكن وما سوف يكون، فلا يخرج عن علم الله تعالى شيء. وكذلك أيضاً أفعال العباد وقدرتهم لا تخرج عن مشيئة الله، ولا قدرة لهم على أن يخالفوا مشيئة الله تعالى، فمشيئة الله غالبة، ولهذا قال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٦] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] في موضعين، وكثيراً ما يذكر أن مشيئة الله تعالى غالبة على كل شيء، ولكن المشيئة والقدرة التي منحها العباد تناسبهم، إذا ليس لأحد أن يبدل علم الله تعالى. فالله تعالى هو العالم، فمتى علم في هذا الإنسان شيئاً فلابد أن يحصل ما علمه الله فيه، سواءٌ أكان قريباً أم بعيداً، فإذا علم الله تعالى في هذا الإنسان أنه يموت سعيداً فلو حاول الناس كلهم أن يردوه عن السعاة لم يستطيعوا، ولو شقي وعصى في وقت من الأوقات لرد الله له رشده إلى أن يموت وهو على السعادة، وكذلك العكس، فإذا علم الله شقاوة عبد وحاول الناس كلهم أن يهدوه لم يستطيعوا، ولو اهتدى في زمان من الأزمنة فإن الله تعالى إذا قدر أنه يموت على الشقاوة لابد وأن يموت عليها مهما كانت الحال.

стр. 116

أدلة أهل السنة على أن القرآن كلام الله يقول المؤلف: [ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه كيفما تصرف بقراءة القراء له وبلفظه فإنه كلام الله، وأنه محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ في القرآن يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن] . مسألة خلق القرآن من أقدم المسائل خلافاً بين أهل السنة وبين المعتزلة، وما ذاك إلا أن المعتزلة أنكروا صفة الكلام، وينكرون أن يكون الله تعالى متكلماً، ويرمون من أثبت الكلام بأنه مشبه وممثل، وذلك لأنهم يعتقدون أن الكلام لا يخرج إلا من بين الشفتين، ومن اللسان واللهوات والحنجرة التي تدفعه بالنفس وبالهواء، وأن هذه إنما هي في المخلوق، فإذا قلنا: إن الله متكلم فلابد أن يكون كلام الله مثلما نعقله، أي أنه يخرج من هذه المخارج التي يخرج منها كلام البشر، فيكون ذلك تشبيهاً، هذا هو الذي دفعهم إلى إنكار صفة الكلام، فأنكروا ما أخبر الله تعالى به من أنه كلم موسى ﵊.

стр. 117

الأدلة من القرآن الكريم الآيات الواردة في إثبات صفة الكلام مثل قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وما أشبه ذلك، فكثيراً ما يذكر الله تعالى أنه كلم موسى، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] يعني: موسى، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ، ولاشك أن هذا كلام صريح على أنه كلم موسى. ذكروا أن بعض المعتزلة جاء إلى أبي عمرو بن العلاء -أحد القراء السبعة- وطلب منه أن يقرأ هذه الآية بنصب الاسم الشريف، فقال اقرأها: (وكلم الله موسى تكليماً) وقصده بذلك أن يكون موسى هو الذي كلم الله، وأن لا يكون الله مكلماً له، ولكن أبا عمرو بن العلاء كان ذا فطنة وفهم، فقال: هب أني قرأت هذه الآية كذلك، كيف تصنع بقول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ؟ فبهت ذلك المعتزلي، وعرف أن هذه الآية لا حيلة له في تحريفها. ثم ذكر شيخ الإسلام أن المعتزلة حرفوا قوله: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وقالوا: التكليم: هو التجريح، فـ (كلمه) أي: جرحه بأظافر الحكمة، ويريدون بذلك نفي أنه كلمه بكلام سمعه. والتكليم الأصل أنه المخاطبة، والعرب إذا أرادوا التجريح فلابد أن يكون هناك قرينة تدل عليه، وليس في القرآن هذه اللفظة وإن كانت في اللغة، وفي الحديث: (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي اللون لون دم والريح ريح المسك) ، ولكن بعيد أن يفسر التكليم بأنه التجريح، وذلك لأن المتبادر أنه الكلام. ثم إن تفسيرهم للتكليم بأنه التجريح يرده التصريح بالكلام، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] فصرح بالكلام، ولم يقل: بتجريحي. فلا حيلة لهم في أن يردوا هذه اللفظة. كذلك آيات النداء: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء:١٠] ، ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات:١٦] ، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢] ولاشك أن النداء لا يكون إلا بكلام مسموع، فهو يرد تأويلهم التكليم بأنه التجريح، والنداء صوت يسمع ويظهر. كذلك أيضاً الكلام الذي حكاه الله تعالى عن نفسه لموسى وخاطبه به كلام صريح في قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات:١٦] (اذْهَبْ) هذا هو الكلام الذي ناداه به: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات:١٧] ، كذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] هذا أيضاً كلام صريح، وهكذا قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه:١٠-١٣] إلى آخر الكلام، هذا هو الذي سمعه من ربه، أنه ناداه بهذا الكلام: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ، وكذلك قوله تعالى لما ذكر أنه نودي في الوداي المقدس من الشجرة ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [القصص:٣٠-٣١] لاشك أن هذا هو الكلام. فهل يقال: إن هذا تجريح؟ لاشك أن المعتزلة في تأولهم وفي تكلفهم قد وقعوا في تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأشبهوا في ذلك اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. وأول من أظهر ذلك القول هو الجهم بن صفوان، وكان قد أخذه عن شيمته الجعد بن درهم الذي لما قرأ في القرآن أن الله كلم موسى أنكر ذلك وقال: ما كلم الله موسى، وما اتخذ الله اتخذ إبراهيم خليلاً -والخليل هو الحبيب- أنكر ذلك وقال: لم يكن الله ليحب أحداً، ولا ليتخذ أحداً خليلاً. فاشتهرت هذه المقالة عنه فقتل في القصة المشهورة التي ذكرها البخاري بسنده في خلق أفعال العباد، وهي أنه أوثقه أمير الكوفة- خالد القسري، ثم خطب الناس في يوم العيد، ولما انتهى من خطبته قال لهم: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولا كلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فقتله، فجعله بمنزلة الأضحية التي تذبح في يوم العيد، وكان أضحيته، أي: تقرب بها إلى الله تعالى. وذكر ذلك ابن القيم في أول النونية في قوله: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان إذا قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان فذكر السبب أنه قال: ليس إبراهيم خليل الرحمن، وليس موسى كليم الرحمن، ولم يكلم الله أحداً من خلقه.

стр. 118

الأدلة من السنة النبوية الأدلة من السنة واضحة أيضاً، منها قوله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة نادى الله تعالى آدم، فينادي بصوت: يا آدم! إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) وكذلك قوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان) يكلمه ربه بدون مترجم، يسمع كلام الله ويكلمه، ولاشك أن هذه أدلة واضحة. كذلك أيضاً من القرآن يذكر الله تعالى كلماته، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود:١١٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] (تمت) أي: أنها وصفت بالتمام وبالكمال، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] ، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] تكلم العلماء على مثل هذه الآيات وقالوا: كيف ينفد كلام الله؟ ليس لكلماته نهاية وليس لها بداية، والمخلوق له بداية ونهاية، وذلك لأن الله تعالى أخبر بأنه لو أن بحار الدنيا صارت مداداً -يعني: حبراً- وأن أشجار الدنيا من أولها إلى آخرها صارت أقلاماً، فكتب بتلك الأقلام وكتب بذلك المداد، وجعل مع البحار مثلها سبع مرات لنفد البحر وكتب به حتى ينفد. مع غزارة البحر، ولتكسرت الأقلام دون أن ينفد كلام الله. فهذه أدلة واضحة في إثبات صفة الكلام لله تعالى.

стр. 119

الرد على شبهة المعتزلة بخلق القرآن لما أنكر المعتزلة صفة الكلام وقالوا: إن ذلك يستدعي تشبيهاً بين لهم أهل السنة أنه لا يستدعي تشبيهاً، فالله تعالى يتكلم كما يشاء، ولا يلزم أن يكون كلامه يخرج من المخارج التي يخرج منها كلام الآدمي، فلا يلزم أن يكون هناك قصبة هوائية، ولا أن يكون هناك لهاة أو أسنان أو شفتان أو لسان أو نحو ذلك، فإن الله تعالى قادر على أن يتكلم كما يشاء، ونحن الآن نشاهد الأدوات التي يخرج منها الكلام، وليس لها هذه الأدوات التي لدينا، فعندنا -مثلاً- هذه الأشرطة التي هي جماد، ومع ذلك تسجل الكلام وتحفظه، ثم بعد ذلك يخرج كما هو، ولا نقول: إن هذا الحديد أو إن هذه الأشرطة لها ألسنة وقصبات وشفاه وما أشبه ذلك، بل يخرج منها الكلام كما دخل، فلا يلزم أن يكون هناك ما التزموه. إذاً فالله تعالى قادر على أن يتكلم كما يشاء، وأن يسمع كلامه من شاء من عباده كما أسمعه موسى، وكما كلم نبينا صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء. وبعد أن أنكر المعتزلة هذه الصفة احتج عليهم أهل السنة بالقرآن، وقيل: إذا قلتم: إن الله تعالى لا يتكلم نخصمكم بالقرآن؛ لأن القرآن من الله تعالى فهو كلامه. فعند ذلك انتقلوا إلى حجة أخرى، ألا وهي أنه مخلوق، سبحان الله! أليس من الأعراض؟ فكيف يكون العرض مخلوقاً؟ فقالوا: مخلوق. قيل لهم: كيف خلقه؟ قالوا: خلقه كما خلق الأرض والشجر والبشر والأعراض والجواهر وما أشبهها. فقيل لهم: كيف خلقه؟ قالوا: مخلوق فقط. يحاول خصومهم أن يجدوا جواباً واضحاً يتضح به أنهم يقولون بأنه مخلوق بصفة كذا وكذا، ولكنهم يتوقفون عند كلمة (مخلوق) . فلما تمكنت هذه الشبهة عند ذلك أوضح العلماء ﵏ ما عندهم من العلم وما يعتقدونه، فأوضحوا بأن القرآن كلام الله تكلم به كما شاء، وأنه من جملة كلام الله، وكلام الله تعالى ليس بمحصور، بل لا يمكن حصره، كذلك أيضاً الكتب التي أنزلها على الأنبياء كلها كلامه، فالتوراة والإنجيل والزبور كلامه، والصحف التي أنزلها على موسى وعلى إبراهيم كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٦-٣٧] هي كلام الله، والألواح التي أعطاها الله موسى هي كلامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف:١٥٠] ، وقوله تعالى: ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأعراف:١٥٤] ، وكذلك: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥] لا شك أن هذه كلها كلام الله تكلم بها كما يشاء. وإذا اعتقدنا أنها كلام الله فإننا نعتقد أنه تكلم بها حقيقة، وأنه أوحاها إلى أنبيائه من البشر بواسطة رسله من الملائكة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٥] يعني: جعله الله تعالى بهذا اللسان العربي الواضح الذي يكون مفهوماً للمخاطبين. إذاً فهو كلام الله أنزله على أنبيائه، وكل من أنزل عليه وحي فإنه كلامه، ينزل عليهم كلامه الذي تكلم به كما يشاء، فالقرآن كيفما تلي وكيفما قرأ فهو كلام الله لا يخرج عن ذلك، إذا كتب في المصاحف فهو كلام الله، وإذا سمعنا القارئ يقرؤه فهو كلام الله تعالى، وإذا حفظه الحافظ في صدره قلنا: هذا يحفظ كلام الله تعالى. وإذا رتله قلنا: هذا يرتل كلام الله. وإذا لحنه فإنا نقول: هذا يلحن كلام الله. فالكلام في الأصل هو الكلام الذي يتكلم به الله تعالى كيفما قرئ وتلي وتصرف في قراءة القارئ وبألفاظ القراء، فهو كلام الله يحفظونه في صدورهم، وهو كلام الله يكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله تعالى لا شيء منه مخلوق، ابتدأ الله تعالى كلامه وإليه يعود، كما ورد في الأحاديث أنه في آخر الزمان يمسح من المصاحف والصدور، عندما لا يعمل به، فهو كلام الله تعالى منزل غير مخلوق. وإذا قرأه القارئ فإننا نقول: حركات القارئ مخلوقة، وأما نفس الحروف التي يقرأها والكلام الذي ينطق به فإنه غير مخلوق، بل هو كلام الله، وكلام الله تعالى من علمه، وعلمه ليس بمخلوق؛ لكونه صفة من صفاته، ومن ادعى أن علم الله تعالى أو شيئاً من صفاته الذاتية مخلوقة فقد كفر؛ حيث جعل ربه الذي هو خالق كل شيء محلاً للحوادث.

стр. 120

فتنة القول بخلق القرآن وصمود أحمد بن حنبل لما وقعت فتنة القول بخلق القرآن تمكنت في آخر القرن الثاني، ولكن ما اشتهر الإلزام بها إلا في أول القرن الثالث، وذلك لأن الخليفة المأمون انخدع ببعض المعتزلة فقربهم، ومن أشهر من قربه أحمد بن أبي دؤاد، وكان لسناً جريئاً في الكلام قوي الحجة، عنده من الجرأة والفصاحة والبلاغة ما جعله يكون محلاً للثقة، فوثق به الخليفة المأمون، ولما وثق به قربه وولاه القضاء، وصار وزيراً له وجليساً، فكان من جملة ما دعا الخليفة إليه أن يبين له أن هذا القول من واجب المسلمين ومن عقيدتهم، وأن الذي يقول: إن الله متكلم فقد شبه الله تعالى بالمحدثات، ويكون بذلك كافراً. حتى أدى الأمر إلى أن قتل كثير من أهل السنة بسبب تصلبهم في هذا الأمر وعدم امتناعهم من القول بخلق القرآن، وكان من جملة الذين تصلبوا وصبروا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فأصر على أن يصبر على الحبس والضرب، فضرب وجلد جلدات، ولما استدعاه المأمون دعا الله ألا يريه وجهه، فمات المأمون قبل أن يصل إليه، ولكنه أوصى أخاه المعتصم بأن يستمر في هذه الفتنة، فاستمر فيها، وحبس الإمام أحمد وبقي سجيناً مدة طويلة، وجلد جلدات كثيرة، ولكنه تصلب وصبر. ثم جاءه بعض المعتزلة وقال: يا أحمد! قل في أذني إن القرآن مخلوق وأنا أخلصك من هذه الأنكال وهذه الأغلال ومن هذا العذاب. فقال له أحمد: قل في أذني: إن الله متكلم، وإن القرآن كلام الله وأنا أشفع لك عند الله وأشهد لك بأنك من المؤمنين بكلام الله. ومن جملة ما احتج به عليهم من الأدلة أن كلام الله تعالى لا يمكن أن يتغير، فقرأت في بعض التراجم أنه جيء به وقيل له: هل رأيت رؤيا؟ فقال: نعم، رأيت رؤيا. قالوا: ما هي؟ قال: رأيت كأني قمت لأصلي، فقرأت في الركعة الأولى بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ، فلما قمت للركعة الثانية أردت أن أقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فلم أقدر، فالتفت فوقي وإذا القرآن ميت، فعند ذلك أخذته وغسلته وكفنته. فقال المعتصم ومن حوله: وهل القرآن يموت؟! فقال: أنتم تقولون: إن القرآن مخلوق، وكل مخلوق يموت. فعرفوا أن هذه حجة عليهم، يقول: لو كان القرآن مخلوقاً فالمخلوق يموت ويأتي عليه العدم، فإذا أنكرتم هذه الرؤيا فأنكروا قولكم: إن القرآن مخلوق. والرؤيا التي ذكرها رأيتها مكتوبة، فيمكن أنها أيضاً مطبوعة في بعض الكتب المطولة كترجمة الإمام أحمد المطولة لـ ابن الجوزي وغيرها. فعلى كل حال القرآن كلام الله تعالى حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف.

стр. 121

مناقشة المبتدعة في قولهم بخلق القرآن مسألة الكلام هي من أقدم المسائل الخلافية بين أهل السنة والمبتدعة، حيث أنكر المبتدعة أن الله تعالى متكلم، ثم احتج عليهم بالقرآن فادعوا أنه مخلوق، فعند ذلك طال الخصام والنزاع بينهم وبين أهل السنة في تفنيد شبهاتهم والرد عليهم، واتفقت كلمة المسلمين من أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله، وصرحوا بأنه غير مخلوق، بل إنه عين الكلام الذي أتى به جبريل ينسخ حكم كل كتاب، وهو عين كلام الله الذي تكلم به وحياً وسمعه منه رسوله الملكي وبلغه إلى رسوله البشري، وهو على ما هو فيه حكم وأحكام، وأوامر ونواهٍ، وقصص وأمثال، وعبر ومواعظ، ووعد ووعيد، ومحكم ومتشابه، ومطلق ومقيد، كل ذلك كلام الله تعالى. ثم معلوم أن الله تعالى تكفل بحفظه وتولى ذلك، حفظه الله حتى وصل إلينا كما هو، نحفظه في الصدور، ونكتبه في السطور، ولا يخرج بذلك عن كونه كلام الله حروفه ومعانيه، فنرد على المعتزلة الذين قالوا: إنه مخلوق بأن الله تعالى سماه كلامه في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٥] ، ومعلوم أنهم يسمعونه من القراء، يسمعونه من قراءة النبي ﷺ وقراءة الصحابة، ومع ذلك لم يخرج عن كونه كلام الله، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، ومعلوم أنه لا يسمعه إلا من القراء، لا يسمعه من الملك ولا من الرب تعالى، بل بواسطة القراء، وكذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ﴾ [الفتح:١٥] . وقد أثبت الله تعالى لنفسه القول في عدة آيات، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب:٤] ، ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩] ، ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١١٥] فالقول لا شك أنه هو الكلام. كذلك يرد على الأشاعرة الذين يدعون أن هذا القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله، وأنه ليس هو كلام الله عيناً، وذلك لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى لا يتكلم بمثل هذه الحروف، وقالوا: كلام الله هو المعاني دون الألفاظ. وشبهتهم بيت ينشدونه كثيراً، وهو قول القائل: إن الكلام لفي الفوائد وإنما جعل اللسان على الفوائد دليلاً يرددون هذا البيت ويقولون: هذا قول الشاعر العربي، والشاعر العربي يجعل الكلام هو المعنى لا أنه هو اللفظ. وقد بحث العلماء عن هذا الشاعر فقالوا: إنه الأخطل فنظرنا فإذا البيت لم يوجد في ديوانه المشهور، ثم رواه بعضهم: (إن البيان لفي الفؤاد) ، وهذا أقرب على تقدير ثبوته عن الأخطل، ثم نظرنا فإذا هذا الشاعر نصراني لم يدخل في الإسلام، تمسك بنصرانيته ولو كان من العرب من بني تغلب، والنصارى قد ضلوا في معنى الكلام، حيث اعتقدوا أن عيسى هو نفس الكلمة، فعلى هذا يكون هذا الشاعر تكلم به على معتقده الباطل، فلا يكون حجة. هذا هو دليل هؤلاء الأشاعرة، يقبلون هذا البيت ويعتمدونه في الكلام الذي هو أوضح شيء، فيقولون: إن الكلام هو المعاني، وأما الحروف التي تسمع فليست كلاماً. وهذا مخالفة للحس ومخالفة للظاهر؛ إذ العرب لا يسمون الساكت متكلماً، وما دام ساكتاً فلا ينسب إليه كلام ولو حدث نفسه، ولو تصور في قلبه أشياء. فالكلام هو ما ينطق به، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فالقرآن الذي هو كلام الله هو عين الحروف والكلمات الموجودة، والآيات والسور هي عين كلام الله، وهي التي ذكرها الله تعالى للمشركين وتحداهم بها في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور:٣٤] ، ومعلوم أن المراد بـ (مثله) هي هذه الحروف، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] ، فليس المراد المعاني بل الألفاظ والحروف، وهو الذي قال المشركون فيه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] يريدون به هذا القرآن الذي هو حروف وكلمات، فبطل بذلك دعوى هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام هو المعنى دون اللفظ. والسلف ﵏ بدعوا وشنعوا على من يقول: إنه مخلوق. وجعلوهم جهمية معتزلة مبتدعة منكرين لصفة من صفات الله تعالى. ثم جاءتنا -أيضاً- عبارة قد ترد في بعض كلامهم، وهي قولهم: لفظي بالقرآن مخلوق. وهذه العبارة محتملة، فلأجل ذلك نهى عنها السلف ﵏، وشددوا في النهي عن استعمالها، وبدعوا من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. لأنه إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق فإنه يحتمل معنيين: يحتمل أن يريد باللفظ الملفوظ، ويحتمل: أن يريد باللفظ الحركات، فمعلوم أن حركات الإنسان مخلوقة، حركات فمه، وحركات شفتيه، وحركات لسانه، وحركات قصبته الهوائية، وحركات نفسه مخلوقة، فالإنسان بحركاته وبأفعاله مخلوق، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] . فإذا قصد الإنسان أن حركاته مخلوقة فإنه صحيح، وعلى هذا بين العلماء أن أفعال العباد مخلوقة. أما إذا كان يريد باللفظ الملفوظ فإن القرآن كلام الله ولو تلفظ به من تلفظ به، فهو كلام الله أينما قرئ وأينما تلي وأينما نسخ، عبر شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية بقوله: إن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً. عبارة واضحة، ولأجل ذلك نقول: إذا سمعنا من يقول مثلاً: (إنما الأعمال بالنيات) قلنا: هذا كلام النبي ﷺ . وإذا سمعنا من يتكلم بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) قلنا: هذا كلام النبي ﷺ ؛ لأنه الذي ابتدأه. فكذلك إذا سمعنا من يقول -مثلاً-: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] قلنا: هذا كلام الله. فهو الذي تكلم به ابتداءً، وإذا جاء في القرآن حكاية لكلام غير الله فإننا ننسبه إلى أنه كلام الله، فنقول مثلاً: قال الله تعالى عن فرعون: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، وقال الله عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ، وقال الله عن نوح: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ [نوح:٢١] ، وقال الله عن موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦] ، أي: حكى الله تعالى قول موسى، فيكون القول لموسى ولكن بعدما حكاه الله تعالى في القرآن أصبح من كلام الله. فعبارة السلف ﵏ إذا أرادوا التعبير الواضح يقولون: القول قول الباري والصوت صوت القاري. فيقال: استمعوا للقرآن بصوت القارئ فلان بن فلان. فصوت القارئ وحركاته لا شك أنه مخلوق، وأما نفس المقروء الذي هو كلام الله فإنه ليس بمخلوق.

стр. 122

الأسئلة

стр. 123

رد الاستدلال بقوله: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) على خلق القرآن السؤال إذا قال قائل: إن القرآن مخلوق، واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] فبماذا نجيبه؟ الجواب ذكر هذا ابن أبي العز في شرح الطحاوية في مناقشة أدلة المعتزلة، فإنهم استدلوا بعمومات، فاستدلوا بآيات الجعل في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] ، وكان قد استدل بها بشر المريسي في مجادلته مع عبد العزيز الكناني كما ذكر ذلك في رسالته التي تسمى (الحيدة) ، فخاصمه الكناني وقال له: الجعل ليس هو الخلق، بل الجعل هو التصيير، فإنا نخصمكم بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] فهل المراد أنهم خلقوا القرآن عضين؟ وقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف:١٥] فهل المراد: خلقوا له من عباده جزءاً؟ وأشباه ذلك، فكذلك الجعل في هذه الآية بمعنى التصيير، (جعلناه) أي: صيرناه عربياً. أي: أنزلناه بهذا اللسان العربي. وقد تقرأ في القرآن من أوله إلى آخره فلا تجد لفظاً صريحاً يفهم منه أن القرآن وصف بأنه مخلوق، بينما سائر المخلوقات يصرح بها بذلك، قال بعض العلماء: إن الله ذكر القرآن في أكثر من خمسين موضعاً، ولم يصرح في موضع واحد بالخلق، وذكر الإنسان في سبعة عشر موضعاً وصرح فيها كلها بالخلق، ومن أقرب ذلك أول سورة الرحمن ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:١-٣] انظر كيف فرق: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ) . ويستدل المعتزلة بعموم قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] ، وأجاب أيضاً عن هذه الآية الكناني في رسالته الحيدة، وذلك أن بشراً قال له: أتقر بأن الله خالق كل شيء؟ فإن قلت: إنه خالق كل شيء وإن القرآن شيء خوصمت؛ لأنه مخلوق، وإن قلت: إنه ليس بشيء كفرت؛ لأنه مشاهد أنه من الأشياء. فأجابه بأنه شيء لا كالأشياء، وأن الآية ليست على عمومها، ويستثنى منها صفات الله، فالله تعالى بصفاته ليس شيء منه مخلوق.

стр. 124

حكم قول: اللفظ بالقرآن مخلوق السؤال ورد أن من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق هو الذهلي شيخ البخاري، فهل هذا الكلام صحيح؟ الجواب محمد بن يحيى الذهلي هو الذي اتهم البخاري بأنه يقول: إن اللفظ بالقرآن مخلوق، وهو الذي شنع على البخاري وقال: إن البخاري يقول: إن اللفظ بالقرآن مخلوق. فلأجل ذلك وقعت بينه وبين البخاري وحشة، فامتنع من أن يصادق البخاري حتى اضطر البخاري أن خرج من بلده نيسابور التي هي بلاد الذهلي. ثم حقق العلماء أن البخاري لم يقل هذه المقالة، كما في النقول التي وردت في التعليق، وإنما قال: إن حركاتنا بالقرآن مخلوقة. وعبارة أهل السنة أنهم يقولون: القول قول الباري واللفظ لفظ القاري. اللفظ والحركات التي يتحرك بها اللسان هذه مخلوقة، فحركات الإنسان بيده وبلسانه مخلوقة؛ لأن الله خالق كل شيء، ومن جملة مخلوقاته حركات وأفعال العباد، لكن الملفوظ الذي يتلفظ به إذا كان هو القرآن فإنه ليس بمخلوق؛ لأنه كلام الله.

стр. 125

القراءات السبع عين كلام الله السؤال هل القراءات المختلفة أو الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن من كلام الله، أو أن كلام الله واحد ولكن رخص في قراءته على سبعة أحرف؟ الجواب الأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن كلها كلام الله، أي أن الله تعالى تكلم بها على أية لغة وكذلك على أية قراءة، فكلها كلام الله، فعلى أي قراءة قرأتها فإن ذلك عين كلام الله، نشهد بذلك ونقر أن هذا القرآن كلام الله الذي بلغه جبريل إلى محمد ﷺ .

стр. 126

شمول الفعل الماضي للمتصف به مستقبلاً السؤال قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] فقوله: (كنتم) و (كان) إنما هي لمن كان في الماضي فقط، فكيف نرد على من يقول ذلك؟ الجواب لو كان بلفظ الماضي فلا يمنع أن يكون ذلك في المستقبل، فقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] يعني: كان في الماضي وهو كذلك في المستقبل. فالله تعالى موصوف بأنه سميع بصير في الأزل وفي الحال وفي المستقبل، فلا يلزم من قوله: (كنتم) أن الخيرية خاصة بالذين مضوا، بل الخيرية للذين مضوا وللحاليين الذين نزلت الآية وهم مخاطبون بها، ولمن سار على نهجهم ممن أتى بعدهم، فإن لفظ الماضي المراد به المتصف بهذا الصفة يبقى على صفته في مستقبل حياته.

стр. 127

حكم الصلاة خلف من يقول بخلق القرآن السؤال ما حكم السلام على من يعتقد أن القرآن مخلوق، وما حكم الصلاة خلفه؟ الجواب قد صرح العلماء الأولون بأنه كافر إذا كان يعتقد ذلك؛ فإنه يصف الله تعالى بصفات العدم، فما دام أن التصريحات المنقولة عن السلف ﵏ تقتضي كفره فنقول: يجب البراءة منه والبعد منه، وإعادة الصلاة إذا صليت خلفه وعلمت أنه من المعتزلة الذين يقولون بأن القرآن مخلوق، ويجب عدم الإقرار له حتى يسلم للإنسان دينه. لكن إذا اضطررت إلى أن تصلي خلفه فنرى أن تعيد الصلاة فيما بعد.

стр. 128

كثرة من يقول بخلق القرآن في الوقت الحاضر السؤال هل لا زال أحد في هذا الزمان يقول بخلق القرآن؟ الجواب المعتزلة لم ينقطعوا، فالرافضة بأسرهم على طريقة المعتزلة، وكذلك كثير من الذين يقولون: إنهم على مذهب زيد؛ فإنهم على طريقة المعتزلة، والمعتزلة معلوم أنهم يقولون بخلق القرآن، وكذلك بقايا من المعتزلة موجودون في كثير من البلاد الأفريقية، وفي كثير أيضاً من سوريا وغيرها، والطائفة الإباضية الذين في عمان وأفريقيا ونحوهم يقولون بهذه المقالة، والغالب أن الرافضة هم الذين بالغوا في ذلك وجعلوه دينهم وديدنهم، واعتقادهم أن القرآن مخلوق.

стр. 129

ضرورة الجمع بين الأسماء المتقابلة لله تعالى السؤال لماذا يقال: إن أسماء الله المتقابلة لا تذكر إلا مع بعضها مثل: المعز المذل، والمعطي المانع؟ الجواب قد تكلم العلماء عليها، فذكر ذلك ابن القيم في (الصواعق) ، وكذلك حافظ الحكمي في (شرح السلم) ، والشيخ ابن سلمان في (الكواشف شرح الواسطية) ، وذلك لأن في ذكر واحد منها نقص، والكمال إنما يكون بالاثنين، فإذا دعوت الله وقلت: (يا مذل) فإن هذا وصف مدح، أما إذا قلت: (يا معز يا مذل) فإنك وصفته بالكمال؛ لأنه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وكذلك إذا وصفته بأن قلت: (يا خافض) فإن في هذا شيئاً من النقص؛ لأن الخفض كأنه وصف فيه شيء من الإهانة، فإذا قلت: (يا خافض يا رافع) فقد أتيت بالوصفين المتقابلين، فالحاصل أن هذه أسماء مزدوجة: المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، المحي المييت، وأشباهها.

стр. 130

حكم استخدام المساجد للدعاية غير المباشرة السؤال توجد شركة تصنع مناديل وتضعها في المساجد وتكتب عليها اسم الشركة وأرقام هواتفها والخدمات التي تقدمها، وهذا من باب الدعاية لها، فهل يجوز وضع هذه المناديل في المساجد؟ الجواب يجوز ذلك للحاجة، والناس لا يكون فيهم اهتمام بقراءة الكتابة عليها، إنما يأخذون المناديل للاستعمال والتمسح بها، ولا يضر كونها مكتوباً عليها اسم الشركة التي تنتجها أو غيره. ومعلوم أن الكتابة التي على كرتون المناديل لا يتلفت إليها ولا يؤبه لها.

стр. 131

أهم المتون التي يحفظها طالب العلم السؤال يسر الله لي بحمده حفظ كتاب التوحيد، فماذا أحفظ بعده من كتب العقيدة؟ الجواب هذا خير كثير، فحفظ هذا الكتاب نعمة عظيمة؛ لأن فيه مجامع توحيد العبادة، ونوصيك أن تحفظ العقيدة الواسطية لـ ابن تيمية، فإنها مهمة في باب المعتقد مع اختصارها، ومحتوية على جل ما يعتقد، فهذا في باب العقيدة، وبعد ذلك أقبل على حفظ ما تيسر من الكتب الأخرى، مثل عمدة الأحكام، والأربعين النووية، وعمدة الفقه فيما يتعلق بالفقه، وحفظ بلوغ المرام فيما يتعلق بالأحاديث، وكلها -إن شاء الله- لها أهميتها.

стр. 132

القصر مع التردد الدائم على سكن بعيد للمكلف السؤال يوجد لدينا مزرعة تبعد عن الرياض حوالي خمسين كيلو متر، ويوجد فيها مسكن، وأذهب إليها دائماً، فهل يجوز لي القصر إذا ذهبت إليها؟ الجواب إذا كان فيها مسكن لكم وتعتبرون أنفسكم ساكنين في بلدتكم ومستقركم فليس لك القصر في هذا.

стр. 133

نصيحة أصحاب الدشات السؤال نرى في الآونة الأخيرة أنه قد قل من ينصح أصحاب الدشات، وذلك بأن بعضاً من أصحاب هذه الأجهزة يقول: إني لا أستخدمه إلا لرؤية الأخبار فقط، وبعض البرامج التي ليس فيها مخالفات كبيرة. فما حكم من يستخدم هذه الدشات فيما ذكر؟ ومن يستخدمها في جميع ما تبث من البرامج؟ وهل يجوز على الجار الاستمرار في نصح جاره الذي يمتلك هذا الجهاز؟ وإذا ظهر منه عدم تقبل النصيحة فماذا يعمل معه؟ الجواب هذه الدشات مصيبة كبيرة، ولا شك أنها بلية عظيمة في هذه الأزمنة، ولكن إذا كثرت وتمكنت تهاون الناس بها وعدوها أمراً عادياً، وننصح من عنده مثل هذه الأجهزة أن يطهر منزله منها، فإنها مفتاح كل شر، تجلب إليه الشرور شاء أم أبى، ولو تحفظ هو لا يستطيع أن يحفظ أولاده وهم شباب فارغون ذكوراً وإناثاً، لا يستطيع أن يتحكم فيهم، ونقول أيضاً للجيران: عليكم بالتناصح وتبادل النصيحة رجاء أن ينفع الله تعالى بها.

стр. 134

كيفية قضاء المفرط للصيام السؤال امرأة كان عليها قضاء بعض الأيام منذ اثني عشر عاماً مضت، فكيف تقضي ذلك؟ الجواب لابد مع القضاء من الكفارة، وتقضيه ولو متفرقاً، ثم عن التفريط والتأخير كفارة إطعام مسكين عن كل يوم.

стр. 135

سبب تعلم أهل السنة لمعتقدات غيرهم السؤال لماذا نتعلم أقوال الفرق ومعتقداتهم؟ ولماذا لا نكتفي بتعلم عقيدة أهل السنة؟ الجواب إن الإنسان يبتلى غالباً بمجالسة أولئك المعتزلة والضلال والمبتدعة، وإذا ابتلي بمجالستهم فالغالب أنهم يلقون شيئاً من شبهاتهم وأدلتهم التي يشوهون بها ويموهون بها، فإذا كان الإنسان عنده أسلحة قوية وأدلة متمكنة استطاع حينها أن يرد عليهم أقوالهم، فمعرفتها لأجل الحذر منها، ولذلك يقول حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه) . فأنت عليك بمعرفة مذهب أهل السنة ومعتقدهم، وإذا كنت تخشى أنك تبتلى بمجالسة أولئك المبتدعة فإن عليك أن تسأل عن مذهبهم وشبهاتهم، حتى إذا عرفتها وعرفت كيف تردها استطعت إبطالها والرد عليهم حتى لا تصل إلى فكرك، ويصعب بعد ذلك تخليصها من ذاكرتك.

стр. 136

حكم من اقترض من البنك بالتزوير السؤال حصلت على قرض من بنك التسليف منذ سنتين عن طريق التزوير، والآن أنا تبت إلى الله وأحس بهذا الذنب، فماذا علي؟ الجواب ننصحك أن ترد هذا القرض دفعة واحدة إذا استطعت أن تقترض من هنا ومن هنا حتى تسلم من هذا الإثم.

стр. 137

حكم ما ورد من أقوال البشر في القرآن السؤال قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [نوح:٢١] ، فكلام نوح مخلوق، وكلام الله ليس مخلوقاً، كيف يجمع بين هذا وهذا؟ الجواب كلام الله تعالى ليس بمخلوق، ولكن الله تعالى يحكي عن أنبيائه أنهم قالوا كذا، وأنهم سيقولون كذا وكذا، فالله تعالى تكلم في الأزل بما سيكون من كلام المخلوقين الذين ذكر الله عنهم أنهم سيقولون كذا وكذا.

стр. 138

شرح اعتقاد أهل السنة [٧] من عقائد أهل السنة والجماعة القائمة على الدليل من الكتاب والسنة: أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وينبذون كل الأقوال سوى ذلك، ويردون على أهل البدع قولهم، كما أنهم يثبتون لله علمه الأزلي المسبق بكل شيء، وأنه يقدر الأمور على ما يريد ، ولا يخوضون في علم القدر؛ إذ ذلك غيب لا يعلمه إلا الله .

стр. 139

اعتقاد أهل السنة بعلم الله الأزلي قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويقولون: إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله ، وإن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله ولا عذر، كما قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] ، وقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٢٩-٣٠] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] ، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] ، ومعنى (نبرأها) : نخلقها. بلا خلاف في اللغة، وقال مخبراً عن أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] ، وقال: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١] ، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] . ويقولون: إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله أمضاه وقدره، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله لا غنى لهم عنه في كل وقت] . سبق الحديث عن أفعال العباد، وقد أورد في هذه الفقرة ما يتعلق بخلق أفعال العباد، وبكمال قدرة الله تعالى وبعلمه السابق، ففي هذه الفقرة الكلام على القدرة والإرادة والمشيئة والعلم السابق، وكل ذلك موضح في كتب العقائد. فنعتقد أولاً أن الله تعالى بكل شيء عليم، وأنه علم الأشياء قبل أن توجد وتتحقق وقبل أن تظهر، علم ذلك بعلمه الأزلي القديم، فهو يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، هذه عقيدة أهل السنة. وأنكروا بذلك على غلاة المعتزلة الذين يدعون أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وقد جاء في القرآن أن الله تعالى أنكر على المشركين ذلك، كما في القصة التي رواها عبد الله بن عمرو وغيره أن ثلاثة من المشركين بمكة كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم اجتمعوا، فقال أحدهم: هل ترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال أحدهم: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا. فقال الآخر: إذا كان يسمع ما جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك:١٣] هكذا ظنهم. ثم إن الغلاة كـ معبد الجهني وغيلان القدري بالغوا وقالوا: إن الأمر أُنُف، وإن الله لا يعلم الأشياء حتى تحدث. فرد عليهم الأئمة رداً واضحاً، ولا شك أن القرآن فيه الرد الواضح عليهم، مثل قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] يعني: معرفة الأمور المستقبلة يسير على الله تعالى، فلا يصيب أحداً مصيبة إلا وهي مكتوبة قبل أن يخلق، بل قبل أن تخلق المخلوقات كلها كما قال في الحديث: (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) ، وفي حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله، وكتب في الذكر -يريد بـ (الذكر) اللوح المحفوظ- كل شيء كائن إلى يوم القيامة) ، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] ، كل ما هو كائن فإنه في اللوح المحفوظ، لا يتغير ولا يتبدل عما هو عليه. كذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] أي: مكتوب قبل أن توجد هذه المخلوقات كلها. فيسمى هذا النوع: العلم السابق. أي: علم الله بالأشياء قبل حدوثها، وذكر أن غلاة القدرية هم الذين أنكروه، فقال الشافعي ﵀ في حقهم: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا. أي: سلوهم: هل الله بكل شيء عليم؟ فإذا اعترفوا بأن الله بكل شيء عليم كما جاء في القرآن فقل: ما الفرق بين الماضي وبين المستقبل؟ إذا كان عليماً بالأشياء التي حدثت. فإنه عليم بالأشياء التي لم تحدث، فكلها شيء، وكل شيء حادث فإنه لابد أنه معلوم لله، وكل ما يحدث مكتوب قبل أن يحدث. ومع ذلك لا ينافي أنك مأمور بأن تعمل وبأن تبذل العمل، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ الكتاب السابق وقال: (ما منكم من أحد إلا وقد عُلم مقعده من الجنة ومقعده من النار. فقال بعضهم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ) ، فجعل التيسير له أسباب، وهو هذا العمل.

стр. 140

القدر أنواعه واعتقاد أهل السنة فيه الإيمان بالقدر السابق وبعلم الله القدير واجب على كل مسلم، وقد ذكروا أن هذا النوع على أربعة أقسام: التقدير العام، والتقدير العمري، والتقدير السنوي، والتقدير اليومي، فالتقدير العام هو الذي كتبه الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. وأما التقدير العمري فهو الذي يكتب والإنسان في رحم أمه، يبعث إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، يكتب ذلك وهو في الرحم مع أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا لكل إنسان، ولهذا قال في الحديث: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . وهكذا أيضاً أخبر بأن الله تعالى كتب على الإنسان كل شيء، وبأنه لا يتغير: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) ، وهذا علم الله تعالى السابق، استدل عليه بهذه الآية من سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] أي: من قبل أن نخلقها. أما القدر الذي أنكرته المعتزلة فهو قدرة الله تعالى على كل شيء، حيث إن المعتزلة يجعلون قدرة العبد أقوى من قدرة الرب، فيقولون: إن العباد مستقلون بأفعالهم، وليس لله قدرة على هداية أو إضلال، بل العباد هم الذين يهدون أنفسهم أو يضلون. ويقولون: لو أراد العبد أن يفعل شيئاً وأراد الله أن لا يفعله غلبت قدرة العبد قدرة الرب. فالعبد عندهم هو الذي يهدي نفسه أو يضلها، وأنكروا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣] ، وأنكروا قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] ، فمن يضله الله فلا يهديه أحد. وتكاثر في القرآن إسناد الإضلال والهداية إلى الله، كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣] . ويؤمن أهل السنة بأن قدرة الله تعالى عامة لكل شيء، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] ، ويدخل في ذلك أفعال العباد وحركاتهم، فهي لا تحصل إلا إذا شاءها الله تعالى وأرادها، قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] . فمشيئة الله تعالى وقدرته داخل فيها كل أفعال العباد، لا يكون في الوجود إلا ما يريد.

стр. 141

أفعال العباد وأكسابهم مخلوقة لله تعالى قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقولون: إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله تعالى، وإن أكساب العباد كلها مخلوقة لله] . قوله: [أكسابهم] يعني: أعمالهم. فالأشاعرة يقولون: إن أفعال العباد خلق الله وكسب العباد. فيثبتون للعبد كسباً، وكأنهم يبالغون في إثبات خلق الله تعالى للفعل، ولا يثبتون للعبد إلا كسباً، ولكن ذلك الكسب قد لا يكون له حقيقة. فمن الأشياء التي لا حقيقة لها الكسب عند الأشعري، ولهذا يقول بعض الشعراء: مما يقال ولا حقيقة تحته معلومة تدنوا من الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام يعني أنها تقال وليس لها حقيقة. ومع ذلك فكسب العبد نفسه وعمله مخلوقان لله تعالى، وهذه المسألة هي التي ألف فيها البخاري كتاب (خلق أفعال العباد) ، وأورد الأدلة على أن أفعال العباد كلها خلق الله، فحركاتهم لا تكون إلا بإرادة الله تعالى وبمشيئته، وأن الله يهدي من يشاء فضلاً منه ويضل من يشاء عدلاً منه، وإذا كان هو الذي يهدي ويضل فإنه مع ذلك لا حجة لمن أضله الله ، ولا حجة له في ارتكاب المعاصي ولا عذر له، لقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] أخبر بأن حجة الله أقوى من حجتهم، ورد على المشركين احتجاجهم بقدرة الله وبقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١٤٨] ، ثم مع ذلك قال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] ، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٢٩-٣٠] ، فالذين مَنَّ الله عليهم بالهداية ووفقهم وأعانهم حتى صاروا مهتدين: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ، أما الذين حق عليهم الضلال فهم الأشقياء، وهم الكفرة، وهم المحرومون الذين حقت عليهم الضلالة، والله تعالى هو الذي أضلهم وصرف قلوبهم وحال بينهم وبين الهداية عدلاً منه وحكمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] أخبر بأنه ذرأهم يعني خلقهم لها. وورد أيضاً في حديث الرسول ﷺ : (إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وإن الله خلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) ، وفي الحديث القدسي: (إن الله قبض قبضة فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي. وقبض قبضة أخرى وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي) ، حكمة من الله تعالى أنه قسم خلقه إلى قسمين، فالحاصل أن هداية الله تعالى فضل منه، وإضلاله عدل منه، ولهذا حكى الله تعالى عن أهل الجنة أنهم يقولون بعدما دخلوا الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] يعني: يعترفون بفضل الله تعالى عليهم، وبأنه هو الذي وفقهم وسددهم وأعانهم وأعطاهم ما يتميزون به عن أهل النار فضلاً منه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] . وكذلك عموم مشيئة الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] ، فلو شاء لجعلهم أمة واحدة كما في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٧-٨] ، فلو شاء لجعلهم أمة واحدة كلهم مهتدون، ولكن صرف قلوب هؤلاء عدلاً منه، وهدى قلوب هؤلاء فضلاً منه.

стр. 142

القضاء والقدر في عقيدة أهل السنة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقولون: إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله أمضاه وقدره] . ورد ذلك أيضاً في الحديث: (أن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره) أي: تؤمن بأن ما يحدث في الكون كله من الله مقدر، خيره وشره، حلوه ومره، ما يلائمك وما لا يلائمك، وتؤمن بأنه مكتوب عند الله تعالى، فإذا حصل لك رزق، ونعمة وصحة ورفاهية وراحة طيبة وسعة بال فاعلم أنه بقدر من الله وأن الله الذي قدره، وإذا أصبت بهم أو غم أو حزن أو فقر أو مرض أو مصيبة في مال أو بدن أو ولد أو أمر من الأمور التي تجلب لك السوء وتحزنك، فاعلم أنها مكتوبة وأنها مقدرة، وكذلك كل ما يحلو لك أو لا يحلو اعلم أنه من الله وأنه بقضاء من الله تعالى قدره وأمضاه. قال رحمه الله تعالى: [لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله تعالى] أي: الخلق. فالله تعالى هو الذي يعطي هؤلاء النفع وهؤلاء الضر، ويقدر عليهم ما قدره. قال رحمه الله تعالى: [وإنهم فقراء إلى الله ، لا غنى لهم عنه في كل وقت] . قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وفقر الإنسان فقر لازم ذاتي لا يمكن أن يتغير ولا أن يتحول، يقول شيخ الإسلام: فالفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي فالفقر للإنسان وصف ذاتي، والغنى للرب تعالى وصف ذاتي. وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف في هذه الفقرة يتعلق بالقضاء والقدر، وقد ذكر العلماء أن للقدر درجتين: الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم الأشياء قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ. والدرجة الثانية: أن الله تعالى أراد الأشياء الموجودة ثم خلقها. فالدرجة الأولى تتضمن العلم والكتابة، والدرجة الثانية تتضمن الإرادة والخلق، ولهذا يقولون: لا يكون في الوجود إلا ما يريد، ولا يمكن أن يحدث شيء في الوجود إلا بعد إرادة الله تعالى. ثم إن هذه الدرجة انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قوم أنكروها وقالوا: ليس لله قدرة على أفعال العباد. وهؤلاء هم المعتزلة، ولهذا يسمون مجوس هذه الأمة، حيث جعلوا مع الله خالقاً، فقالوا: كل أحد يخلق أفعاله، وليس لله قدرة على أفعال العباد. فجعلوا قدرة العباد أقوى من قدرة الله. القسم الثاني: طائفة غلت في هذه الدرجة وبالغت فيها، وهم الجبرية الذين جعلوا العبد كالأداة ليس له أي اختيار وليس له أي عمل، ولا تنسب إليه أية حركة، وجعلوا حركة العباد كحركة من ترتعش يده ولا يقدر على إمساكها، وجعلوا حركاته كحركات الشجر الذي تحركه الرياح بغير اختياره، ويسمون الجبرية؛ لأنهم يدعون أن العبد مجبور على أفعاله، وقد رد عليهم أهل السنة وقالوا: إن في هذا القول إبطالاً للشريعة وسلباً للحكمة، وذلك لأن الله تعالى يوجه الأوامر إلى الناس، ويأمر وينهى، ولولا أن للعباد قدرة على أفعالهم لما أمرهم بها، فكيف يقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] ، وهم مع ذلك لا يقدرون على شيء؟! وكيف يقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤] وهم لا يقدرون على شيء؟! وكيف يقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨] وهم لا يقدرون على شيء؟! وأيضاً فإن في الغلو في هذه الدرجة مخالفة للعقل، فالذين يدعون أنهم مجبورون على هذه الأفعال مضطربون في ذلك ومخالفون لعقولهم، ثم هم أيضاً مخالفون لواقعهم. والحاصل أن مثل هؤلاء يحتجون بالقدر على المعاصي، ولكن عندما يعاقبون لا يحتجون به، وفي أبيات لـ ابن القيم في الميمية يقول فيها: وعند مراد الله تفنى كَمَيِّت وعند مراد النفس تسدي وتلحم وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ظهيراً على الرحمن للجبر تزعم فجعلهم إذا جاء للناس حظ اهتموا بالأمر وعملوا لأجل حظ النفس، وإذا جاء أمر الله يفنى أحدهم كأنه ميت، وإذا وقع في معصية احتج بالقضاء وبالقدر، ومشهور أن بعض أولئك الزنادقة دخل على شيخ الإسلام ابن تيمية فأنشده أبياتاً يحتج فيها بالقدر أولها: أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجة وفيها قوله: دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل. بينوا لي قضيتي قضى بضلالي ثم قال أرض بالقضا فهل أنا راض بالذي فيه شقوتي ولما قرأها شيخ الإسلام وهو جالس عنده بعض تلاميذه أخذ يكتب رداً عليه، فكانوا يحسبون أنه يرد عليه نثراً وإذا هو يرد عليه نظماً، فرد عليه بأبيات زادت على المائة، وأولها: سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية إلى أن قال: وتدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طراً معشر القدرية سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا به الله أو ما رأوا به في الشريعة. ونحن نقول لهؤلاء الذين يحتجون بالقدر: نعاملكم بما تحتجون به. ولكنهم لا يقنعون. ذكر أن رجلاً سرق فجيء به إلى عمر، فقال: أتعاقبني على أمر مقدر ومكتوب علي؟ فقال عمر: أنت سرقت بقدر الله وأنا أقطع يدك بقدر الله. ولما سافر إلى الشام وذكر له أن الوباء قد وقع في الشام فرجع بأصحابه إلى المدينة قال أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟! فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله. فالله تعالى قدر لنا أننا نذهب ونرجع، فهذا قدر الله. وفي مثل هذا يقال لهم: نعاقبكم بذلك. وقد ذكروا أن بعض الخدم كان يقود رجلاً أعمى، فكان يتعثر به في الحفر، فلامه فقال: هذا قدر الله. فعند ذلك ضربه بعصاه حتى سقط، فقال: كيف تضربني؟ قال: هذا قدر الله. قدر الله تحتج به فنحن نحتج بالقدر. مع أنهم لا يحتجون به أيضاً في مصالح أهوائهم، كما ذكر ذلك ابن القيم: وعند مراد الناس تسدي وتلحم. والحاصل: أن هاتين الفرقتين متضادتان، فرقة المعتزلة الذين أنكروا قدرة الله وفرقة الجبرية الذين أنكروا قدرة العبد. القسم الثالث: وهم أهل السنة الذين أثبتوا لله تعالى قدرة عامة، وأثبتوا للعبد قدرة تناسبه وهي القدرة الخاصة، وجعلوها مرتبطة بقدرة الله تعالى، ولا تحصل إلا بعد قدرة الله ومشيئته، واستدلوا عليها بالآيات، مثل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] ، وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٥-٥٦] ، وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩] ، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] وأشباه ذلك، حيث جعل لهم مشيئة، وجعلوا مشيئتهم مرتبطة بمشيئة الله تعالى، فلذلك نقول: إن مشيئة العباد يتمكنون بها من مزاولة أعمالهم الدينية والدنيوية، فالله تعالى أعطى الإنسان هذه القوة فيحمل الأثقال، ويحرث ويحفر ويغرس، ويتمكن من الأشياء التي تناسبه، فهذه القوة التي أعطاه الله هي التي كلفه لأجلها، ولو كانت قدرة الله محيطة به، فهو أعطاه وأمره أن يمتثل ما أمره به، ولم يأمره إلا وعنده استطاعة، ولهذا يذكر أنه مكلف بقدر الاستطاعة، كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وكقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ، فأوامر الله تعالى ونواهيه لابد أن تكون مقدورة للعبد، وأن العبد يستطيع أن يفعلها وتنسب إليه لأنه الذي باشرها. فنقول: هذا مصلٍ، وهذا صائم، وهذا تقي، وهذا نقي، وهذا قارئ، وهذا بر بأبويه، وهذا محسن إلى إخوته، وهذا صدوق اللسان، وهذا طاهر القلب، وهذا طاهر الجنان. وبضد ذلك نقول: هذا فاجر، وشقي، وبعيد عن الخير، ومعاند، وخارج عن طاعة الله تعالى، وكذاب، وفاجر. فننسب إليه أفعاله التي فعلها ولو كانت بمشيئة الله، فالله تعالى لو شاء لرده عن هواه، ولكن لما كان مزاجه وهواه وطبعه سيئاً خلَّى بينه وبين هواه وخلَّى بينه وبين شيطانه، ولو هداه لاهتدى، ولكن لله الحكمة في أن هدى قوماً وأضل آخرين، فالخلق الذين في المنزل الواحد نشاهد أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم مهتدون متمسكون غاية التمسك صالحون في كل أعمالهم، وقسم منحرفون فسقة فجرة ليس معهم من الخير شيء، وقسم متوسطون معهم خير ومعهم شر، فالله تعالى أعطى هذا وأعطى هذا، ومَنَّ على هذا، وخذل هذا. إذاً فنؤمن بهذا كله، ونعلم أن هذا كله قضاء الله تعالى وقدره، لا رادَّ لما قضى ولا مغير لما أمر به.

стр. 143

مذاهب أهل القبلة في أفعال العباد أهل القبلة في أفعال العباد ثلاثة مذاهب: مذهب المعتزلة الذين ينكرون قدرة الله على أفعال العباد. ومذهب الجبرية الذين ينكرون قدرة العبد على فعله ويسلبونه أية حركة. ومذهب أهل السنة الذين يثبتون القوة والقدرة العامة لله تعالى، ويثبتون للعبد قدرة تناسبه مسبوقة بقدرة الله تعالى. وقول المعتزلة يسمونه عدلاً، وذلك لأنهم توهموا أن الله إذا خلق المعصية في العبد ثم عاقبه عليها صار ظلماً، فلأجل ذلك قالوا: العبد هو الذي يهدي نفسه أو يضل نفسه، والله لا يقدر على أن يهدي ولا يضل. فكانوا بذلك مفضلين قوة العبد على قوة الرب، وعندهم أن العبد يعصي ربه قسراً عليه وقهراً، وأن الله يُعصى قسراً، هذا قول المعتزلة. وأما الجبرية فهم الذين سلبوا العبد قدرته واستطاعته، ولم يثبتوا له أية قدرة. وقول أهل السنة وسط بينهما، أن للعباد قدرة على أفعالهم، وأن لهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، وبهذه القدرة التي أعطاهم الله كلّفهم وأمرهم ونهاهم، وما كلفهم إلا وهم قادرون، وما أمرهم إلا وهم مستطيعون. وفي المسألة بغير شك شيءٌ من الخفاء، ولأجل ذلك يقول الطحاوي في عقيدته: (القدر سر الله في خلقه) ، بمعنى أن هذه القدرة التي مكّن الله بها العبد وكلّفه بها خفيَّة، فلأجل ذلك صار القدر سراً، أي: سر الله في خلقه. وقد تكلّم العلماء على هذه المسألة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسائل في هذا الباب مطبوعة في الجزء الثامن من مجموع فتاويه، ومنها رسالة بعنوان (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والتعليل) . ولتلميذه ابن القيم كتاب كبير اسمه (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) ، وهو أوسع من تكلم في هذه المسألة، وبيّن القول الفصل فيها، وجمع بين الأدلة، وذلك لأنه قد يتوهم في الأدلة شيءٌ من المخالفة؛ لأن المشركين يحتجون بالقدر على المعاصي، فيقولون ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ [النحل:٣٥] ، ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] ، فأنكر الله تعالى عليهم هذا الاحتجاج، ومع ذلك يقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] ، ويقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤] ، ويقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] ، فكل ذلك دليل على أنهم لا يخرجون عن مشيئته ولا إرادته، ثم ذكر العلماء أن الإرادة في كتاب الله على نوعين: إرادة قدرية، وإرادة شرعية. وأن الإرادة القدرية هي التي يلزم وقوع المراد بها، ولكن قد يكون المراد بها محبوباً وقد يكون غير محبوب، فنقول: كل ما يحصل في الوجود فإنه مراد لله كوناً وقدراً، الطاعة والمعاصي، والخلق والرزق، والتدبيرات والحوادث التي تحدث في الدنيا كلها قد أرادها الله كوناً وقدراً، ولو شاء لم تحصل، ولهذا قال عن عمل السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: بإذن الله الكوني القدري، ليس الديني الشرعي. لأن الله تعالى حرّم عمل السحر وتوعّد عليه، ومع ذلك السحرة لا يفعلون شيئاً من قبل أنفسهم ولو أضروا من أضروا وحصل من الإضرار ما يحصل به، فإن ذلك مراد لله لا يخرج عن إرادته، فنقول: لا يحصل قتل في الدنيا إلا بإرادة الله الكونية، ولا تحصل معصية من زنا أو سرقة أو أكل مال حرام أو كسب حرام لا يحصل شيءٌ من ذلك إلا وقد أراد الله وجوده إرادة كونية قدرية، ولكن لا يلزم أن يكون محبوباً لله تعالى، وكذلك كل ما يحصل في الوجود، ومن تعبيراتهم أن يقولوا: لا يكون في الوجود إلا ما يريد. أي: إرادة كونية قدرية، أن قدر الله أنه سيحصل كذا وكذا، وكل ما قدره كوناً فإنه -ولا بد- حاصل، وهو مراد لله كوناً وقدراً. أما الإرادة الدينية الشرعية فهي التي تستلزم محبة المراد، ولكن لا تستلزم وقوعه، فنقول: الله أراد من الخلق كلهم أن يسلموا، فهل أسلموا كلهم؟ أسلم من هداه الله وسدده، ولم يسلم من خذله وحرمه، والله أراد من الجميع أن يدخلوا في الإسلام، هذه إرادة دينية شرعية، لكن المراد ديناً وشرعاً محبوب إلى الله، فنقول: الله يريد منا الإسلام ويحبه، يريد منا الصلاة ويحبها، ويريد منا أن نذكره ويحب ذلك، ويريد منا أن نتلو كتابه ويحب ذلك، ويريد منا أن نطيعه ونطيع رسله ونتبعهم، ويريد منا أن نؤمن به ونؤمن برسله، ويريد منا أن نذكره ونسبحه وندعوه ونخلص له الدين وحده، ويريد منا أن نتصدق ونزكي ونصوم ونجاهد ونصبر ونصدق ونحو ذلك، يريد ذلك منا إرادة دينية شرعية، يريدها من الجميع، ولكن قد تحصل من هذا ولا تحصل من هذا، مع أنه أراد من الجميع أن يكونوا صادقين وصابرين وقانتين مخبتين منيبين تائبين عابدين، يريد منهم ذلك كلهم، ولكن منهم من تتحقق منه هذه الإرادة فتجتمع فيه الإرادتان الدينية الشرعية والكونية القدرية، فنقول: إيمانك -أيها العبد الصالح- وصلواتك وعباداتك التي حصلت اجتمعت فيها الإرادتان: الإرادة الدينية والإرادة الكونية. وكفر هذا الكافر ومعصيته انفردت فيه الإرادة الكونية، وإيمان الكافر وطاعته انفردت فيه الإرادة الدينية ولم تحصل له الإرادة الكونية، فلو أراد الله إيمان الكافر كوناً وقدراً حصل، لكنه أراده ديناً وشرعاً ولم يرده كوناً وقدراً، فنتفطن للفرق بين الإرادتين، فهذا المراد بأفعال العباد.

стр. 144

الأسئلة

стр. 145

رد الاستدلال بقوله تعالى: (ولكن الله رمى) على الجبر السؤال لو قال قائل: إن العبد كأداة لا يفعل أي شيء ولكن الله يفعل. واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ؟ فما جوابه؟ الجواب العبد بغير شك مخلوق وأفعاله مخلوقة لله تعالى، ولكن الله تعالى أعطاه قوة، ولهذا أثبت في هذه الآية أنه رمى، وذلك دليل على أنه وقع منه الرمي، والآية نزلت في قصة بدر، وذلك لأن النبي ﷺ قبض قبضة من الحصباء ملء كفه ثم رمى بها في وجوه المشركين، وقال: (شاهت الوجوه) ، هذه القبضة لو كانت بقوته لما تجاوزت عشرين متراً أو نحوها، ولكن الله تعالى هو الذي دفعها فوصلت إلى أقاصي المشركين وهم نحو الألف، ولم يبق أحد منهم غالباً إلا ووصلت إلى وجهه أو ضربته في وجهه أو نحو ذلك، فأخبر بأنه هو الذي دفع الرمية حتى وصلت إلى أقاصيهم، ولم يكن ذلك كله بقوته ﵊، فلا حجة في الآية على سلب العبد قدرته وإرادته كقول الجبرية.
следующие страницы →