Полный текст (366 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أفعال العباد وأكسابهم مخلوقة لله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقولون: إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله تعالى، وإن أكساب العباد كلها مخلوقة لله] .
قوله: [أكسابهم] يعني: أعمالهم.
فالأشاعرة يقولون: إن أفعال العباد خلق الله وكسب العباد.
فيثبتون للعبد كسباً، وكأنهم يبالغون في إثبات خلق الله تعالى للفعل، ولا يثبتون للعبد إلا كسباً، ولكن ذلك الكسب قد لا يكون له حقيقة.
فمن الأشياء التي لا حقيقة لها الكسب عند الأشعري، ولهذا يقول بعض الشعراء: مما يقال ولا حقيقة تحته معلومة تدنوا من الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام يعني أنها تقال وليس لها حقيقة.
ومع ذلك فكسب العبد نفسه وعمله مخلوقان لله تعالى، وهذه المسألة هي التي ألف فيها البخاري كتاب (خلق أفعال العباد) ، وأورد الأدلة على أن أفعال العباد كلها خلق الله، فحركاتهم لا تكون إلا بإرادة الله تعالى وبمشيئته، وأن الله يهدي من يشاء فضلاً منه ويضل من يشاء عدلاً منه، وإذا كان هو الذي يهدي ويضل فإنه مع ذلك لا حجة لمن أضله الله ، ولا حجة له في ارتكاب المعاصي ولا عذر له، لقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] أخبر بأن حجة الله أقوى من حجتهم، ورد على المشركين احتجاجهم بقدرة الله وبقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١٤٨] ، ثم مع ذلك قال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] ، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٢٩-٣٠] ، فالذين مَنَّ الله عليهم بالهداية ووفقهم وأعانهم حتى صاروا مهتدين: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ، أما الذين حق عليهم الضلال فهم الأشقياء، وهم الكفرة، وهم المحرومون الذين حقت عليهم الضلالة، والله تعالى هو الذي أضلهم وصرف قلوبهم وحال بينهم وبين الهداية عدلاً منه وحكمة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] أخبر بأنه ذرأهم يعني خلقهم لها.
وورد أيضاً في حديث الرسول ﷺ : (إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وإن الله خلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) ، وفي الحديث القدسي: (إن الله قبض قبضة فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي.
وقبض قبضة أخرى وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي) ، حكمة من الله تعالى أنه قسم خلقه إلى قسمين، فالحاصل أن هداية الله تعالى فضل منه، وإضلاله عدل منه، ولهذا حكى الله تعالى عن أهل الجنة أنهم يقولون بعدما دخلوا الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] يعني: يعترفون بفضل الله تعالى عليهم، وبأنه هو الذي وفقهم وسددهم وأعانهم وأعطاهم ما يتميزون به عن أهل النار فضلاً منه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] .
وكذلك عموم مشيئة الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] ، فلو شاء لجعلهم أمة واحدة كما في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٧-٨] ، فلو شاء لجعلهم أمة واحدة كلهم مهتدون، ولكن صرف قلوب هؤلاء عدلاً منه، وهدى قلوب هؤلاء فضلاً منه.
стр. 142
القضاء والقدر في عقيدة أهل السنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقولون: إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله أمضاه وقدره] .
ورد ذلك أيضاً في الحديث: (أن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره) أي: تؤمن بأن ما يحدث في الكون كله من الله مقدر، خيره وشره، حلوه ومره، ما يلائمك وما لا يلائمك، وتؤمن بأنه مكتوب عند الله تعالى، فإذا حصل لك رزق، ونعمة وصحة ورفاهية وراحة طيبة وسعة بال فاعلم أنه بقدر من الله وأن الله الذي قدره، وإذا أصبت بهم أو غم أو حزن أو فقر أو مرض أو مصيبة في مال أو بدن أو ولد أو أمر من الأمور التي تجلب لك السوء وتحزنك، فاعلم أنها مكتوبة وأنها مقدرة، وكذلك كل ما يحلو لك أو لا يحلو اعلم أنه من الله وأنه بقضاء من الله تعالى قدره وأمضاه.
قال رحمه الله تعالى: [لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله تعالى] أي: الخلق.
فالله تعالى هو الذي يعطي هؤلاء النفع وهؤلاء الضر، ويقدر عليهم ما قدره.
قال رحمه الله تعالى: [وإنهم فقراء إلى الله ، لا غنى لهم عنه في كل وقت] .
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، وفقر الإنسان فقر لازم ذاتي لا يمكن أن يتغير ولا أن يتحول، يقول شيخ الإسلام: فالفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي فالفقر للإنسان وصف ذاتي، والغنى للرب تعالى وصف ذاتي.
وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف في هذه الفقرة يتعلق بالقضاء والقدر، وقد ذكر العلماء أن للقدر درجتين: الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم الأشياء قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ.
والدرجة الثانية: أن الله تعالى أراد الأشياء الموجودة ثم خلقها.
فالدرجة الأولى تتضمن العلم والكتابة، والدرجة الثانية تتضمن الإرادة والخلق، ولهذا يقولون: لا يكون في الوجود إلا ما يريد، ولا يمكن أن يحدث شيء في الوجود إلا بعد إرادة الله تعالى.
ثم إن هذه الدرجة انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قوم أنكروها وقالوا: ليس لله قدرة على أفعال العباد.
وهؤلاء هم المعتزلة، ولهذا يسمون مجوس هذه الأمة، حيث جعلوا مع الله خالقاً، فقالوا: كل أحد يخلق أفعاله، وليس لله قدرة على أفعال العباد.
فجعلوا قدرة العباد أقوى من قدرة الله.
القسم الثاني: طائفة غلت في هذه الدرجة وبالغت فيها، وهم الجبرية الذين جعلوا العبد كالأداة ليس له أي اختيار وليس له أي عمل، ولا تنسب إليه أية حركة، وجعلوا حركة العباد كحركة من ترتعش يده ولا يقدر على إمساكها، وجعلوا حركاته كحركات الشجر الذي تحركه الرياح بغير اختياره، ويسمون الجبرية؛ لأنهم يدعون أن العبد مجبور على أفعاله، وقد رد عليهم أهل السنة وقالوا: إن في هذا القول إبطالاً للشريعة وسلباً للحكمة، وذلك لأن الله تعالى يوجه الأوامر إلى الناس، ويأمر وينهى، ولولا أن للعباد قدرة على أفعالهم لما أمرهم بها، فكيف يقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] ، وهم مع ذلك لا يقدرون على شيء؟! وكيف يقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤] وهم لا يقدرون على شيء؟! وكيف يقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨] وهم لا يقدرون على شيء؟! وأيضاً فإن في الغلو في هذه الدرجة مخالفة للعقل، فالذين يدعون أنهم مجبورون على هذه الأفعال مضطربون في ذلك ومخالفون لعقولهم، ثم هم أيضاً مخالفون لواقعهم.
والحاصل أن مثل هؤلاء يحتجون بالقدر على المعاصي، ولكن عندما يعاقبون لا يحتجون به، وفي أبيات لـ ابن القيم في الميمية يقول فيها: وعند مراد الله تفنى كَمَيِّت وعند مراد النفس تسدي وتلحم وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ظهيراً على الرحمن للجبر تزعم فجعلهم إذا جاء للناس حظ اهتموا بالأمر وعملوا لأجل حظ النفس، وإذا جاء أمر الله يفنى أحدهم كأنه ميت، وإذا وقع في معصية احتج بالقضاء وبالقدر، ومشهور أن بعض أولئك الزنادقة دخل على شيخ الإسلام ابن تيمية فأنشده أبياتاً يحتج فيها بالقدر أولها: أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجة وفيها قوله: دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل.
بينوا لي قضيتي قضى بضلالي ثم قال أرض بالقضا فهل أنا راض بالذي فيه شقوتي ولما قرأها شيخ الإسلام وهو جالس عنده بعض تلاميذه أخذ يكتب رداً عليه، فكانوا يحسبون أنه يرد عليه نثراً وإذا هو يرد عليه نظماً، فرد عليه بأبيات زادت على المائة، وأولها: سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية إلى أن قال: وتدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طراً معشر القدرية سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا به الله أو ما رأوا به في الشريعة.
ونحن نقول لهؤلاء الذين يحتجون بالقدر: نعاملكم بما تحتجون به.
ولكنهم لا يقنعون.
ذكر أن رجلاً سرق فجيء به إلى عمر، فقال: أتعاقبني على أمر مقدر ومكتوب علي؟ فقال عمر: أنت سرقت بقدر الله وأنا أقطع يدك بقدر الله.
ولما سافر إلى الشام وذكر له أن الوباء قد وقع في الشام فرجع بأصحابه إلى المدينة قال أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟! فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله.
فالله تعالى قدر لنا أننا نذهب ونرجع، فهذا قدر الله.
وفي مثل هذا يقال لهم: نعاقبكم بذلك.
وقد ذكروا أن بعض الخدم كان يقود رجلاً أعمى، فكان يتعثر به في الحفر، فلامه فقال: هذا قدر الله.
فعند ذلك ضربه بعصاه حتى سقط، فقال: كيف تضربني؟ قال: هذا قدر الله.
قدر الله تحتج به فنحن نحتج بالقدر.
مع أنهم لا يحتجون به أيضاً في مصالح أهوائهم، كما ذكر ذلك ابن القيم: وعند مراد الناس تسدي وتلحم.
والحاصل: أن هاتين الفرقتين متضادتان، فرقة المعتزلة الذين أنكروا قدرة الله وفرقة الجبرية الذين أنكروا قدرة العبد.
القسم الثالث: وهم أهل السنة الذين أثبتوا لله تعالى قدرة عامة، وأثبتوا للعبد قدرة تناسبه وهي القدرة الخاصة، وجعلوها مرتبطة بقدرة الله تعالى، ولا تحصل إلا بعد قدرة الله ومشيئته، واستدلوا عليها بالآيات، مثل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] ، وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٥-٥٦] ، وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩] ، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] وأشباه ذلك، حيث جعل لهم مشيئة، وجعلوا مشيئتهم مرتبطة بمشيئة الله تعالى، فلذلك نقول: إن مشيئة العباد يتمكنون بها من مزاولة أعمالهم الدينية والدنيوية، فالله تعالى أعطى الإنسان هذه القوة فيحمل الأثقال، ويحرث ويحفر ويغرس، ويتمكن من الأشياء التي تناسبه، فهذه القوة التي أعطاه الله هي التي كلفه لأجلها، ولو كانت قدرة الله محيطة به، فهو أعطاه وأمره أن يمتثل ما أمره به، ولم يأمره إلا وعنده استطاعة، ولهذا يذكر أنه مكلف بقدر الاستطاعة، كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وكقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ، فأوامر الله تعالى ونواهيه لابد أن تكون مقدورة للعبد، وأن العبد يستطيع أن يفعلها وتنسب إليه لأنه الذي باشرها.
فنقول: هذا مصلٍ، وهذا صائم، وهذا تقي، وهذا نقي، وهذا قارئ، وهذا بر بأبويه، وهذا محسن إلى إخوته، وهذا صدوق اللسان، وهذا طاهر القلب، وهذا طاهر الجنان.
وبضد ذلك نقول: هذا فاجر، وشقي، وبعيد عن الخير، ومعاند، وخارج عن طاعة الله تعالى، وكذاب، وفاجر.
فننسب إليه أفعاله التي فعلها ولو كانت بمشيئة الله، فالله تعالى لو شاء لرده عن هواه، ولكن لما كان مزاجه وهواه وطبعه سيئاً خلَّى بينه وبين هواه وخلَّى بينه وبين شيطانه، ولو هداه لاهتدى، ولكن لله الحكمة في أن هدى قوماً وأضل آخرين، فالخلق الذين في المنزل الواحد نشاهد أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم مهتدون متمسكون غاية التمسك صالحون في كل أعمالهم، وقسم منحرفون فسقة فجرة ليس معهم من الخير شيء، وقسم متوسطون معهم خير ومعهم شر، فالله تعالى أعطى هذا وأعطى هذا، ومَنَّ على هذا، وخذل هذا.
إذاً فنؤمن بهذا كله، ونعلم أن هذا كله قضاء الله تعالى وقدره، لا رادَّ لما قضى ولا مغير لما أمر به.
стр. 143
مذاهب أهل القبلة في أفعال العباد
أهل القبلة في أفعال العباد ثلاثة مذاهب: مذهب المعتزلة الذين ينكرون قدرة الله على أفعال العباد.
ومذهب الجبرية الذين ينكرون قدرة العبد على فعله ويسلبونه أية حركة.
ومذهب أهل السنة الذين يثبتون القوة والقدرة العامة لله تعالى، ويثبتون للعبد قدرة تناسبه مسبوقة بقدرة الله تعالى.
وقول المعتزلة يسمونه عدلاً، وذلك لأنهم توهموا أن الله إذا خلق المعصية في العبد ثم عاقبه عليها صار ظلماً، فلأجل ذلك قالوا: العبد هو الذي يهدي نفسه أو يضل نفسه، والله لا يقدر على أن يهدي ولا يضل.
فكانوا بذلك مفضلين قوة العبد على قوة الرب، وعندهم أن العبد يعصي ربه قسراً عليه وقهراً، وأن الله يُعصى قسراً، هذا قول المعتزلة.
وأما الجبرية فهم الذين سلبوا العبد قدرته واستطاعته، ولم يثبتوا له أية قدرة.
وقول أهل السنة وسط بينهما، أن للعباد قدرة على أفعالهم، وأن لهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، وبهذه القدرة التي أعطاهم الله كلّفهم وأمرهم ونهاهم، وما كلفهم إلا وهم قادرون، وما أمرهم إلا وهم مستطيعون.
وفي المسألة بغير شك شيءٌ من الخفاء، ولأجل ذلك يقول الطحاوي في عقيدته: (القدر سر الله في خلقه) ، بمعنى أن هذه القدرة التي مكّن الله بها العبد وكلّفه بها خفيَّة، فلأجل ذلك صار القدر سراً، أي: سر الله في خلقه.
وقد تكلّم العلماء على هذه المسألة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسائل في هذا الباب مطبوعة في الجزء الثامن من مجموع فتاويه، ومنها رسالة بعنوان (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والتعليل) .
ولتلميذه ابن القيم كتاب كبير اسمه (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) ، وهو أوسع من تكلم في هذه المسألة، وبيّن القول الفصل فيها، وجمع بين الأدلة، وذلك لأنه قد يتوهم في الأدلة شيءٌ من المخالفة؛ لأن المشركين يحتجون بالقدر على المعاصي، فيقولون ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا﴾ [النحل:٣٥] ، ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] ، فأنكر الله تعالى عليهم هذا الاحتجاج، ومع ذلك يقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] ، ويقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤] ، ويقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] ، فكل ذلك دليل على أنهم لا يخرجون عن مشيئته ولا إرادته، ثم ذكر العلماء أن الإرادة في كتاب الله على نوعين: إرادة قدرية، وإرادة شرعية.
وأن الإرادة القدرية هي التي يلزم وقوع المراد بها، ولكن قد يكون المراد بها محبوباً وقد يكون غير محبوب، فنقول: كل ما يحصل في الوجود فإنه مراد لله كوناً وقدراً، الطاعة والمعاصي، والخلق والرزق، والتدبيرات والحوادث التي تحدث في الدنيا كلها قد أرادها الله كوناً وقدراً، ولو شاء لم تحصل، ولهذا قال عن عمل السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: بإذن الله الكوني القدري، ليس الديني الشرعي.
لأن الله تعالى حرّم عمل السحر وتوعّد عليه، ومع ذلك السحرة لا يفعلون شيئاً من قبل أنفسهم ولو أضروا من أضروا وحصل من الإضرار ما يحصل به، فإن ذلك مراد لله لا يخرج عن إرادته، فنقول: لا يحصل قتل في الدنيا إلا بإرادة الله الكونية، ولا تحصل معصية من زنا أو سرقة أو أكل مال حرام أو كسب حرام لا يحصل شيءٌ من ذلك إلا وقد أراد الله وجوده إرادة كونية قدرية، ولكن لا يلزم أن يكون محبوباً لله تعالى، وكذلك كل ما يحصل في الوجود، ومن تعبيراتهم أن يقولوا: لا يكون في الوجود إلا ما يريد.
أي: إرادة كونية قدرية، أن قدر الله أنه سيحصل كذا وكذا، وكل ما قدره كوناً فإنه -ولا بد- حاصل، وهو مراد لله كوناً وقدراً.
أما الإرادة الدينية الشرعية فهي التي تستلزم محبة المراد، ولكن لا تستلزم وقوعه، فنقول: الله أراد من الخلق كلهم أن يسلموا، فهل أسلموا كلهم؟ أسلم من هداه الله وسدده، ولم يسلم من خذله وحرمه، والله أراد من الجميع أن يدخلوا في الإسلام، هذه إرادة دينية شرعية، لكن المراد ديناً وشرعاً محبوب إلى الله، فنقول: الله يريد منا الإسلام ويحبه، يريد منا الصلاة ويحبها، ويريد منا أن نذكره ويحب ذلك، ويريد منا أن نتلو كتابه ويحب ذلك، ويريد منا أن نطيعه ونطيع رسله ونتبعهم، ويريد منا أن نؤمن به ونؤمن برسله، ويريد منا أن نذكره ونسبحه وندعوه ونخلص له الدين وحده، ويريد منا أن نتصدق ونزكي ونصوم ونجاهد ونصبر ونصدق ونحو ذلك، يريد ذلك منا إرادة دينية شرعية، يريدها من الجميع، ولكن قد تحصل من هذا ولا تحصل من هذا، مع أنه أراد من الجميع أن يكونوا صادقين وصابرين وقانتين مخبتين منيبين تائبين عابدين، يريد منهم ذلك كلهم، ولكن منهم من تتحقق منه هذه الإرادة فتجتمع فيه الإرادتان الدينية الشرعية والكونية القدرية، فنقول: إيمانك -أيها العبد الصالح- وصلواتك وعباداتك التي حصلت اجتمعت فيها الإرادتان: الإرادة الدينية والإرادة الكونية.
وكفر هذا الكافر ومعصيته انفردت فيه الإرادة الكونية، وإيمان الكافر وطاعته انفردت فيه الإرادة الدينية ولم تحصل له الإرادة الكونية، فلو أراد الله إيمان الكافر كوناً وقدراً حصل، لكنه أراده ديناً وشرعاً ولم يرده كوناً وقدراً، فنتفطن للفرق بين الإرادتين، فهذا المراد بأفعال العباد.
стр. 144
الأسئلة
стр. 145
رد الاستدلال بقوله تعالى: (ولكن الله رمى) على الجبر
السؤال
لو قال قائل: إن العبد كأداة لا يفعل أي شيء ولكن الله يفعل.
واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ؟ فما جوابه؟
الجواب
العبد بغير شك مخلوق وأفعاله مخلوقة لله تعالى، ولكن الله تعالى أعطاه قوة، ولهذا أثبت في هذه الآية أنه رمى، وذلك دليل على أنه وقع منه الرمي، والآية نزلت في قصة بدر، وذلك لأن النبي ﷺ قبض قبضة من الحصباء ملء كفه ثم رمى بها في وجوه المشركين، وقال: (شاهت الوجوه) ، هذه القبضة لو كانت بقوته لما تجاوزت عشرين متراً أو نحوها، ولكن الله تعالى هو الذي دفعها فوصلت إلى أقاصي المشركين وهم نحو الألف، ولم يبق أحد منهم غالباً إلا ووصلت إلى وجهه أو ضربته في وجهه أو نحو ذلك، فأخبر بأنه هو الذي دفع الرمية حتى وصلت إلى أقاصيهم، ولم يكن ذلك كله بقوته ﵊، فلا حجة في الآية على سلب العبد قدرته وإرادته كقول الجبرية.
стр. 146
حكم حجز الأمكنة في المساجد
السائل: نرى بعض الإخوة يحجزون الأماكن في المسجد لأغراض متعددة، فمنهم من يخرج للوضوء، ومنهم من يذهب إلى البيت، فما الحكم في ذلك؟
الجواب
لا بأس إذا خرج لتجديد الوضوء أن يحجز مكانه حتى يرجع إليه، فقد ورد في الحديث قوله ﷺ : (إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) ، أو كما قال.
أما الذي يذهب ويطيل الغيبة ويبقى المكان محجوزاً ساعة أو ساعات فمثل هذا لا حق له فيه؛ لأن هذا تحجر لا يجوز.
стр. 147
توجيه حديث احتجاج آدم
السؤال
كيف يتم الجمع بين حديث احتجاج آدم وموسى ﵉ حين قال آدم: (أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة) ، وحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) ؟
الجواب
كتبه الله قبل أربعين سنة وهو في الطين؛ لأن كل إنسان يكتب عليه وهو في طينته أو وهو في بطن أمه، ويسمى هذا التقدير العمري، فآدم احتج بأن الله تعالى كتبه عليه قبل أن يخلقه بأربعين سنة، أي أن الله كتب عليه أنه يقع في المعصية التي يكون من آثارها خروجهما من الجنة.
واحتجاجه ليس هو احتجاجاً على المعصية، ولكن احتجاجاً على المصيبة، وموسى إنما لامه على المصيبة التي حصل ضررها على أولاده، وآدم احتج بالقدر على المصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصيبة جائز؛ لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] ، فبكل حال فكتابته في اللوح المحفوظ هذه أزلية قبل أن تخلق السماوات والأرض بألفي عام أو أكثر، وكتابته في صحيفة آدم قبل أن يخلق بأربعين سنة.
стр. 148
الفرق بين أنواع التقديرات
السؤال
ما الفرق بين التقدير العام والعمري والسنوي واليومي؟
الجواب
التقدير العام هو الذي كتب قبل أن تخلق المخلوقات، وهو الذي كُتِب في اللوح المحفوظ، والتقدير العمري هو الذي يكتب والإنسان في الرحم، وهو موجود في اللوح المحفوظ ولكن يكتب في صحيفة الإنسان أنه يعمل كذا وكذا، ويكتب ورزقه وأجله وشقاوته وسعادته، فهذا يكتب وهو في الرحم، والتقدير السنوي هو أن يكتب في صحف الملائكة ما يكون في ذلك العام في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] ، ولهذا تسمى ليلة القدر، أي أنها تقدر فيها الموجودات التي تحدث في ذلك العام إلى مثلها.
وأما التقدير اليومي فهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] ، والمراد حدوث الأفعال التي سبق تقديرها، أي: كل يوم يحدث أشياء سابق العلم بها، وإنما حدوثها وظهورها هو إظهار القدر، فيسمى تقديراً يومياً.
стр. 149
العرش أول المخلوقات
السؤال
كيف يجمع بين قول النبي ﷺ : (أول ما خلق الله القلم) ، وما ثبت أن العرش قبل القلم في الخلق؟
الجواب
في ذلك خلاف، هل القلم قبل العرش أو العرش قبل القلم، والصحيح أن العرش قبل القلم، نظم ذلك ابن القيم ﵀ في النونية فقال: والناس مختلفون في القلم الذي كتب القضاء به من الرحمن هل كان قبل العرش أو هو بعده قولان عند أبي العلا الحمداني والحق أن العرش قبل لأنه وقت الكتابة كان ذا أركان فرجّح أن العرش قبل ذلك، فقوله: (أول ما خلق الله) أي: أولية نسبية.
يعني أول شيء من هذه الموجودات الظاهرة، فأوليته نسبية، أي بالنسبة إلى المخلوقات الموجودة الآن، فيستثنى منها العرش، ورواه بعضهم بنصب (أول) وبنصب (القلم) (أولَ ما خلق الله القلمَ قال له) ، أي: أمره أول ما خلقه بالكتابة.
ولكن الرواية المشهورة أن (أول) مبتدأ (أولُ ما خلق الله القلمُ) .
стр. 150
حكم أكل طعام النصيرية
السؤال
ما حكم أكل طعام النصيرية المنتشرين في المطاعم حالياً؟
الجواب
يظهر أنهم مسلمون، ولكن عقيدتهم عقيدة سيئة، ولأجل سوء العقيدة التي بينها العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة له اسمها (الرد على النصِيرية) - يقال: إنهم ليسوا مسلمين حقاً، فلا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، ويلحقون بالمشركين ولو كان شركهم خفياً؛ لأن هناك قبائل يظهرون أنهم مع المسلمين ولا يحققون الإسلام حقاً، فلا يؤدون الصلوات مع المسلمين، ولا يدينون بدين الإسلام، ولا يعترفون بالقرآن كتاباً ولا بالسنة، ولا يعترفون بشرع الله، ولا يحرمون المحرمات التي حرم الله من الربا والزنا والخمور، فلا يعترفون بتحريمها بل يعتقدون حلها، فمثل هؤلاء كيف يكونون مسلمين؟!
стр. 151
حكم الصلاة خلف المبتدعة والفسقة
السؤال
ما حكم الصلاة خلف الإمام المسبل أو الحالق لحيته، وما حكم الصلاة خلف الإمام الصوفي حيث إننا في بلد تكثر فيه الأئمة الصوفية؟
الجواب
الفاسق وحالق لحيته يعتبران من العصاة، والصحابة كانوا يصلون خلف العصاة، فهؤلاء العصاة -وبالإخص المسلم الحالق وما أشبه ذلك- إذا كانوا كثيرين ومتمكنين فلا خيرة لأحد إلا أن يصلي خلفهم؛ حيث لا يجد غيرهم إذا كانوا أئمة معينين من قبل الدولة.
أما الصوفي فإن كان يعرف بأنه قبوري يغلو في الأموات ويدعوهم ونحو ذلك فهو مشرك فلا يصلى خلفه، وأما إذا كان معه شيء من عقيدة الصوفية فإن عقائد الصوفية تختلف، والغالب أيضاً أنهم يخفون معتقداتهم، وأن أكثر عقائدهم لا تخرج من الملة، وإن كان بعضها قد يقود إلى الكفر، فالشيء الخفي لا يوجب الكفر.
стр. 152
حكم التصرف في مال الوديعة
السؤال
هل يجوز لي أن أتصرف بمال عندي أمانة إذا دعتني الحاجة الماسة إلى صرفه مع تكفلي بضمان إعادة المال لصاحبه في أي وقت يطلبه؟
الجواب
الأمانات حقها أن تحفظ، ولكن إذا وثقت بأن صاحبها لا يحتاج إليها، وأنه أيضاً لا يلومك على تصرفك فيها عند الحاجة، ثم اقترضت منه شيئاً وعرفت أنك سترده قبل أن يحتاج إليه صاحبه فلعل ذلك جائز عند الحاجة.
стр. 153
حكم المسبوق بفرض ودخل وقت الفرض الثاني
السؤال
إذا دخلت المسجد وأنا لم أصلِّ المغرب وأقيمت صلاة العشاء، فهل أدخل مع الجماعة وأصلي العشاء أم يجب عليَّ أن أصلي المغرب أولاً؟ وهل يجوز لي أن أدخل مع الجماعة بنية المغرب، وكيف يكون ذلك؟
الجواب
هذه مسألة اختلف فيها مشايخنا الأولون، أما الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، والشيخ عبد الله بن حميد فيتمسكون بما ورد في كتب المذاهب، ويقولون: لا يجوز أن تدخل مع من يصلي العشاء ونيتك المغرب، بل انفرد وحدك وصل المغرب، ثم بعد ذلك ادخل معهم في بقية العشاء.
هكذا اختاروا، واستدلوا على قولهم بالأحاديث التي فيها النهي عن الاختلاف، لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه) ، واستدلوا أيضاً بأن هذا اختلاف ظاهر في العدد، فهذه ثلاث ركعات وهذه أربع، حتى ولو كانت العشاء مقصورة، فهذه ركعتان وهذه ثلاث؛ فيكون هذا من الاختلاف.
وأما مشايخنا المعاصرون، كالشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله فكأنه يقول: نرخص لهم في ذلك حفاظاً على صلاة الجماعة حتى لا تتعدد الجماعة، فيدخل معهم بنية المغرب، فإذا صلى ثلاث ركعات انتظرهم حتى يصلوا الرابعة ثم سلم معهم أو نوى الانفراد وتشهد لنفسه وسلم.
هكذا يرخص في ذلك، ولكل مجتهد نصيب.
стр. 154
شرح اعتقاد أهل السنة [٨]
من عقائد أهل السنة أهل الحق: أنهم يثبتون للمولى كل ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات من غير خوض في كيفية هذه الصفة أو مدلول هذا الاسم، ويقفون حيث وقف الرسول ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، وينكرون على أهل البدع إنكارهم لبعض الصفات بحجة أن العقل لم يثبتها.
ومن أعظم المسائل خلافاً بينهم وبين أهل البدع: مسألة النزول، ومسألة المجيء والإتيان، ومسألة الرؤية للرب ، وإثبات هذه المسائل على ما يثبته أهل السنة هو قول الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى، ومنهم الشافعي الذي ينتسب إليه الأشاعرة المنكرون لها.
стр. 155
إثبات صفة النزول لله تعالى ورد تأويلها
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [وإنه ينزل إلى السماء على ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ بلا اعتقاد كيف فيه.
ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله في القيامة دون الدنيا، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثواباً له في الآخرة، كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، وقال في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه كانوا بأجمعهم عنه محجوبين، وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله ، ولا التحديد له، ولكن يرونه جل وعز بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف.
]
стр. 156
النصوص المثبتة لصفتي النزول والإتيان
مسألة النزول من الصفات التي يفعلها الله تعالى إذا يشاء، ومثلها مسألة المجيء والإتيان، وقد دل القرآن على الإتيان والمجيء، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقال في سورة الأنعام: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] ، وقال في سورة الفجر: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، وكل ذلك إنما يكون في يوم القيامة.
ووردت الأحاديث في مجيء الله تعالى كما يشاء في يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وتكاثرت الأدلة عليه، واتفق سلف الأمة على إثبات هذه الصفة.
стр. 157
تأويلات المبتدعة لصفتي النزول والإتيان
ولما كان هذا المجيء وكذلك النزول الذي أثبته الله ورسوله في الأحاديث مخالفاً لما يعتقده المعتزلة ونحوهم أنكروا هذه الصفات، وقد قرأت في بعض التفاسير لبعض الأشاعرة لما أتى على الآية في سورة البقرة قال: وأما إتيان الله فقد أجمع المسلمون على أن الله منزهٌ عن المجيء والذهاب؛ لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات.
ثم ذكر أن في هذه الآية قولين: القول الأول: قول السلف، وهو إمرارها وتفويضها وعدم الخوض فيها -يزعم أن هذا قول السلف مع أن السلف قد صرحوا بالإيمان بهذه الصفات والاعتراف بمعانيها-، والقول الثاني: هو تحريفها الذي يسمى تأويلاً.
وقد سلطوا عليها التأويلات وتكلّفوا في صرفها، فآية سورة البقرة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] لا شك أن هذا عند قيام الساعة، يعني: أن يأتيهم الله تعالى لفصل القضاء بينهم ولعقاب من يعاقب.
والمتأولون قالوا: المجيء هنا لأمر الله.
أو قالوا: المأتي به محذوف تقديره: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بعذاب في ظلل من الغمام، أو: أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام.
وقرأنا في كتب التفسير عن بعض السلف أنهم قالوا: تأتي الملائكة في ظلل أو كالظلل من الغمام، ويأتي الله فيما يشاء، وهذا مذكور في تفسير ابن جرير وفي غيره من تفاسير السلف، اعترافٌ بأن الله تعالى يأتي كما يشاء.
وتأويلهم أيضاً لآية الأنعام: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] .
فالإتيان هنا لثلاثة أشياء: الملائكة والرب وآيات الرب، فتسلطوا على (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) فقالوا: أمره.
ولا شك أن ذلك يتعارض مع الجملة التي بعدها (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) ، لأن هذه تغني عنها إذا قالوا (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يعني أمره.
فقوله تعالى: (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) بعض آياته من أمره، فيكون هذا تكرار غير مستساغ، وينزه كلام الله تعالى أن يكون فيه هذا التكرار الذي لا فائدة فيه.
فلا بد أن يكون أمر الله تعالى يأتي في كل حين، وهذه الآية فيها تخويف لهم أن يأتيهم أمر الله تعالى، وأن يأتيهم الله، وأن تأتيهم بعض آياته، وأن تأتيهم الملائكة ونحو ذلك.
وكذلك قوله في سورة الفجر: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] لا شك أيضاً أنها صريحة في إثبات مجيء الله كما يشاء، (جَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ) يعني: وجاء جنس الملائكة، (صَفًّا) صفوفاً متتابعة صفاً وراء صف.
فهذه أدلة من القرآن.
وقد ذكرنا أن الأشاعرة والمعتزلة سلطوا عليها التأويلات لأنهم ينكرون صفات الأفعال، ويقولون: إن المجيء والذهاب من شأن المحدثات والمركبات.
ولا ندري ماذا يريدون بالمحدثات؟! فمعلوم أن إتيان ومجيء كل شيءٍ بحسبه، فلا يجوز أن نحكم فيها الآراء ونسلط عليها التقديرات ونتخرص بها تخرصاً لا موقع له ولا مستند، بل نعترف ونتحقق بأن كل ما ذكره الله عن نفسه فإنه حق ويقين.
فنقول: يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده، ولكن لا ندري ما كيفية إتيانه، كما أننا لا نكيف ذاته.
وأما النزول فهو وارد في الأحاديث مشهور، ذكر ابن كثير وغيره أنه مروي عن عشرة من الصحابة، وقد يكون لأكثر من العشرة، وحديث النزول روي بلفظ (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا) ، وبلفظ: (إذا كان في آخر الليل) ، أو: (نصف الليل) ، أو: (إذا كان ثلث الليل) ، أو: (يهبط الله إلى السماء الدنيا) ، أو ما أشبه ذلك من العبارات والألفاظ، وقد أورد الأحاديث ابن القيم ﵀ في كتابه (الصواعق) واستوفى ما ورد فيها مع الاقتصار على بعضها لا كلها، وتبعه حافظ الحكمي في (معارج القبول) فأورد الأحاديث التي وردت في النزول في آخر الليل بلفظ: (ينزل) أو (نزل) أو (يهبط) أو (هبط) أو ما أشبه ذلك، وهي أحاديث كثيرة يدل مجموعها على أنه مأثور عن النبي ﷺ ، وأنه حق ويقين.
ولما كان هذا مما يخالف معتقد المعتزلة والأشعرية ونحوهم الذين ينكرون صفات الأفعال كثُر خوضهم في ذلك فقدروا فيه التقديرات، فمنهم من قال: ينزل أمره.
تفسيراً بالتحريف.
ومنهم من قال: لا نقبل هذه الأحاديث ولو كانت صحيحة لأنها تخالف المعقول، فعقولنا تنزه الله عن مثل هذه التقديرات.
فردوها وسلطوا عليها التأويلات أو كذبوا بها.
стр. 158
رد أهل السنة على منكري النزول والمجيء
ولما اشتهر ذلك عندهم صرّح أهل السنة بمدلولها، وقالوا: نقول بها لأنا إذا رددناها لزمنا أن نرد شطر الدين؛ لأن الذين جاؤوا بهذه الأحاديث هم الذين جاؤوا بأحاديث الصلاة والصوم والصدقات والجهاد والمحرمات والمحللات.
فكيف نرد بعض حديثهم ونقبل بعض حديثهم، لا شك أن في هذا طعناً فيهم أنهم ليسوا بثقات؛ حيث إنه رُدّ قولهم، فإما أن نقبل أقوالهم كلها وإما أن نردها كلها.
ولهذا يقول الكلوذاني في عقيدته: قالوا النزول فقلت ناقله لنا قوم هم نقلوا شريعة أحمد قالوا فكيف نزوله فأجبتهم لم ينقل التكييف لي في مسند وهكذا أخبر بأنه نقلة لنا من نقل الشريعة، وأننا نقبله ولا نكيفه فقال: لم ينقل التكييف لي في مسند.
وهذا معنى ما ذكره الإسماعيلي: أنه ينزل إلى سماء الدنيا على ما صح به الخبر بلا اعتقاد كيف، يعني: لا نكيف النزول.
وذلك لأن الذين أنكروا ذلك أخذوا يكيفون: كيف ينزل؟ وهل يخلو منه العرش؟ وهل ينزل بعرشه؟ وهل تكون السماوات فوقه؟ وهل يحصل كذا وكذا؟ ولا دخل لنا في ذلك، ينزل كما يشاء، ونؤمن بذلك، ونعرف أن النزول حق يستدل به على صفة العلو، وذكر ذلك ابن عبد البر في (التوحيد) وقال: هذا دليل على إثبات صفة العلو لله؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى.
ورُفع إلى شيخ الإسلام ابن تيمية سؤال عن هذا النزول فأنكره أحد السائلين، وادعى أن الليل يختلف باختلاف البلاد، فإذا كان الليل عندنا كان النهار في البلاد الأخرى وإذا كان الليل في البلاد الأخرى كان الليل عندنا، يقول: على هذا يستلزم أن الله تعالى دائماً ينزل! فأجاب على هذا السؤال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والجواب مطبوع في رسالة بعنوان شرح حديث النزول، فتوسع في أحاديث النزول وفي أدلتها وفي ألفاظها، ثم بيّن حقيقة النزول وتوقف عن الكيفية، ثم أجاب عما ذكروه من أن الليل يختلف باختلاف البلاد، واعترف بذلك وقال: نحن نقول: ينزل ولا يشغله شأن عن شأن، فإذا نزل على هؤلاء فلا يشغله شأنه ألا ينزل على الآخرين، ثم ينزل على الآخرين كما يشاء فالحاصل أنه لا مانع من أن ينزل على كل قوم في ثلث ليلهم الأخير كما يشاء، هذا جواب.
وجواب ثان أنه يمكن أن يخص النزول بالجزيرة التي نزل فيها الوحي، والتي هي منبع الرسالة، أي: يكون النزول خاصاً بهم، وأن أولئك إذا نزل في هذا الوقت فلهم أن يجتهدوا في ذلك الوقت ولو كان عندهم نهاراً.
هذا ونحوه قول أهل السنة في إثبات هذه الصفة، وأنها من صفات الأفعال.
стр. 159
إثبات رؤية المؤمنين لله في الآخرة والرد على من أنكرها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله في القيامة دون الدنيا، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثواباً له في الآخرة] .
فرّق في أول الأمر بقوله (جواز الرؤية) ثم بعد ذلك قال: (ووجوبها) ، فيعتقدون الجواز ويعتقدون الوجوب، فالوجوب هو أن الله تعالى وعد المتقين بأنهم يلقون ربهم، وبأنهم يرونه ويكون ذلك من ثوابهم، ولا بد أن يحصل ذلك كما أخبر الله به وكما أخبر به النبي ﷺ .
ومسألة الرؤية هي أيضاً من المسائل التي عظم فيها الخلاف فأنكرها المعتزلة إنكاراً بليغاً وشددوا في إنكارها، وقالوا: لأنها -أولاً- تستلزم المقابلة، وثانياً تستلزم الجهة، وثالثاً تستلزم التجسيم -على حد تعبيرهم-.
وغير ذلك من التقديرات، فلذلك أنكروها.
وهذا مبني على معتقدهم الضال الذي يدينون به أن الله تعالى ليس في جهة، لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام، ولا خلف، ومعتقدهم أيضاً أن الله ليس بعرض ولا بجوهر.
وإذا نظرنا في معتقدهم في ذات الله تعالى رأينا أن حقيقة قولهم أنهم لا يثبتون ذاته، فلا جرم كان قولهم في هذا الباب مبنياً على عقيدتهم، وهي اعتقاد أن الله ليس في جهة، فإذا لم يكن في جهة فكيف يتمثل أمام الرائين، الرؤية لا بد أن تكون أمام الرائي، وأن تكون عن مقابلة ونظر، فأنكروها إنكاراً بليغاً.
ثم جاء الأشاعرة وهم أكثر وجوداً وأشد تكاثراً في البلاد، ومذهبهم هو المذهب المنتشر والمتمكن في كثير من البلاد الإسلامية، ولما كان أكثرهم على مذهب الشافعي في الفقه والأحكام، وكان الشافعي ﵀ يصرح بإثبات رؤية الله تعالى ويستدل بقوله للكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، ويقول: إن هذا من عقيدة المسلمين.
حينها لم يتجرؤوا على إنكار الرؤية إنكاراً واضحاً، بل أقروا بها إقراراً ظاهراً، ولكن في الحقيقة لا يثبتونها، فيقولون: نثبت رؤية الله، ولكن الرؤية التي نثبتها هي مكاشفات للقلوب وتخيلات ليست حقيقة.
فينكرون أن تكون الأحداق تقابل ذات الرب تعالى، ويقولون: ليس المراد من تلك الرؤية تقليب الأحداق نحو ذات الرب تعالى؛ فإن هذا محال -في زعمهم- لأنه يستلزم إثبات الجهة.
هذا هو معتقدهم.
فنقول: نحن نثبت الرؤية الحقيقية، ونثبت أن الله تعالى في جهة العلو فوق عباده، ونثبت أنه يتجلى لعباده كما يشاء، كما أننا وأنتم نثبت لله تعالى ذاتاً حقيقية، وإذا كان كذلك فلا بد أن تكون الذات تُرى، يراها عباده كما يشاء ويتجلى لعباده، وكما أنه تعالى يُسمع كلامه فلا بد أيضاً أن يكون يُرى كما يشاء ويتجلى لعباده، وهذا هو القول الذي تؤيده الأدلة.
وقد استُدِل على ذلك بأن موسى ﵇ سأل الرؤية بقوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، ولا بد أن موسى عالم بأنه يمكن أن يرى ربه، ولكن الله تعالى أخبر موسى بأنه لا يستطيع أن يتماثل وأن يثبت أمام عظمة الرب تعالى، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣] .
يقول أهل السنة: إن الله تعالى علّق رؤيته على ثبات الجبل واستقراره، ولا شك أنه ممكن، والتعليق على الممكن ممكن، وأيضاً فإن الله تجلّى للجبل والجبل جماد، فإذا جاز أن يتجلى للجبل فكيف لا يتجلى لعباده؟! ولكن عباده في الدنيا خلقتهم ضعيفة لا يمثلون ولا يثبتون أمام رؤية الله تعالى الذي هذه عظمته؛ لأنه ورد في الحديث: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فقد أخبر في هذا الحديث بأنه احتجب بالنور، وأن هذا النور لو كشفه لاحترق ما انتهى إليه من الخلق من جماد أو من حيوان أو نحو ذلك، فإذا كان في يوم القيامة أمد عباده المؤمنين في الجنة بقوة في أجسادهم وأنظارهم يثبتون بها لرؤية الله إذا تجلى لهم، ويكون ذلك من أعظم ثوابهم وأجرهم عند ربهم.
فنعتقد أن رؤية الله تعالى في الآخرة ممكنة، وأنها واقعة في الجنة، وقد ورد في حديث الشفاعة أن الله تعالى ينزل لفصل القضاء بين عباده كما يشاء، وأنه يقول: (لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الرب تعالى في صورة غير التي يعرفونها، فيقول: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: فارقنا الناس أحوج ما كنا إليهم، فلا نزال هاهنا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه.
فعند ذلك يكشف عن ساق فيسجد من كان يسجد لله تعالى في الدنيا اختياراً، ويتعذر السجود على من كان لا يسجد في الدنيا، وذلك معنى قوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] ) ، فالحاصل أن في هذا دليلاً على أنه يتجلى لعباده في يوم القيامة ويرونه ويعرفونه، هذا في يوم القيامة، وأما في الجنة فالأحاديث صريحة في إثبات أن الله تعالى يتجلى لعباده، وأنهم يزورون ربهم إما في كل أسبوع وإما في كل يوم مرة أو مرتين.
وفُسِّر قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] قالوا: ليس في الجنة شمس ولا ليل ولا نهار، بل كل وقتهم ضياء، ولذلك فلا بد أن يكون قوله (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) له معنى.
ففسِّر بأن ثوابهم الذي منه رؤية الله تعالى يكون بمقدار الغدو في الدنيا والعشي فيها.
ويدل أيضاً على ذلك حديث جرير في الصحيحين عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ، ويريد بهاتين الصلاتين العصر والفجر.
فقيل: الحكمة في ذلك أن الذين يواظبون على هذه الصلوات يكون من ثوابهم أن الله تعالى يتجلى لهم ويرونه بكرة وعشياً، أي: في وقت صلاة العصر والفجر.
فهؤلاء هم أعظم أهل الجنة ثواباً، وأما البقية من أهل الجنة فإنهم يرون ربهم بمقدار يوم الجمعة، ويسمى يوم المزيد، وبذلك فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] أن المزيد هو النظر إلى رؤية الله تعالى، وأن ذلك يكون بمقدار يوم الجمعة، أي: بعدما يمضي عليهم قدر سبعة الأيام، ففي يوم الجمعة يزورون ربهم، فقد ورد في الأحاديث أنهم ينصب لهم منابر من نور -أي: كراسي- ومنابر من لؤلؤ وذهب وفضة، ويجلس أدناهم -وما فيهم دني- على كثُب من اللؤلؤ لا يرون أن أهل المنابر أفضل منهم، لا يحصيهم إلا الله تعالى، يجلسون كما يشاء، ثم يتجلى لهم، فإذا تجلى لهم الرب تعالى لم يلتفتوا إلى غيره ماداموا مقابلين له، ويخاطبهم ويخاطبونه كما يشاء كذلك حتى يحتجب عنهم، فإذا رجعوا إلى أهليهم وزوجاتهم من الحور العين قالوا: لقد ازددتم بعدنا نعيماً.
فيقولون: وكيف لا وقد لقينا ربنا أو رأينا ربنا.
وفسِّر بذلك قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦] ، فالزيادة فسِّرت بأنها النظر إلى الله تعالى، (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) يعني الجنة، (وَزِيَادَةٌ) يعني النظر إلى وجه الله تعالى، فسّرها بذلك كثير من السلف، وروي ذلك مرفوعاً، وفسّرها بذلك أبو بكر الصديق ﵁ وغيرهم.
ثم قال: (وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ) ، يعني: ومتى نظروا إلى ربهم فلا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة.
والقتر: هو الغبرة التي تكون على الوجوه، لقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٤٠-٤١] ، فالحاصل أن هذا أكمل وأشرف نعيم أهل الجنة.
والذين أنكروا ذلك كأنهم حرموا أنفسهم أعظم لذة وأعظم نعيم يتنعم به أهل الجنة، وادعوا أن ذلك يكون تنقصاً لله تعالى، وأنه وصف له بوصف الحوادث أو المركبات أو ما أشبه ذلك، فالحاصل أنا نؤمن بجواز الرؤية من العباد لله تعالى في يوم القيامة، يرونه إذا نزل لفصل القضاء، ووجوبها لمن جعل الله ذلك لهم ثواباً في الآخرة، على أن ذلك من نعيم أهل الجنة، واستدل بهاتين الآيتين، الأولى: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، فاللفظة الأولى كُتبت بالضاد (نَاضِرَةٌ) من النضارة التي هي البهاء والسرور، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:١١] أي: بهاءً وزينة وجمالاً، لماذا؟ لأن تلك الوجوه نظرت إلى ربها فازدادت نضارة وحسناً، ولهذا قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وهذه الأخيرة كتبت بالظاء أخت الطاء من النظر الذي هو المعاينة، أي: تنظر إلى ربها.
فهي دليل واضح، فالله تعالى ذكر الوجوه لأن أثر النضارة يظهر على الوجه من إشراق الوجه وسروره، فإذا لقي ما يسره أشرق الوجه وأسفر، والأعين لا شك أنها في الوجه، أي: بالوجه حقاً، لهذا وصف الله تعالى وجوههم بأنها ناضرة إلى ربها ناظرة.
ثم استدل أيضاً بالآية الأخرى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، وعيد للكفار أنهم يوم القيامة وفي النار محجوبون عن ربهم، والحجاب عذاب لهم، ولا شك أن هذا دليل على أن المؤمنين ليسوا بمحجوبين، فلو كانوا لا يرون الله تعالى لكان كل الخلق محجوبين عن ربهم، فلما حجب الكفار لكونه غضب عليهم دلّ على أن المؤمنين لا يحجبون عنه لكونه رضي عنهم.
قال المصنف ﵀: [فلو كان المؤمنون كلهم والكاف
стр. 160
حكم استخدام لفظ التجسيم ونحوه في العقيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله ، ولا التحديد له، ولكن يرونه جل وعز بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف] .
كلمة (التجسيم) من الألفاظ المبتدعة التي لم ترد في الشرع إثباتاً ولا نفياً، وكان الأولى بالمؤلف أن لا يذكرها لأنها من جملة ما يحتجون به، حيث إنهم يقولون: إن الله تعالى ليس بجسم، وإذا لم يكن جسماً فكيف يُرى.
ويقولون: إن إثبات الرؤية يلزم منه أن يكون جسماً.
ويقسمون الموجودات إلى جواهر أو أعراض، والعرض هو ما ليس له جُرْم، والجسم ما له جُرْم، ونحو ذلك.
والصحيح أن كلمة التجسيم لا يجوز استعمالها، فمن قال: إن الله جسم فهو مبتدع، ومن قال: إن الله ليس بجسم فهو مبتدع.
يقول المعلق هنا: (التجسيم من الألفاظ المجملة المحدثة التي أحدثها أهل الكلام لم ترد في الكتاب والسنة، ولم تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، وما كان أغنى المؤلف ﵀ عن مثل هذه الكلمات المبتدعة، لذلك لا يجوز إطلاقها لا نفياً ولا إثباتاً، فإن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله نفياً أو إثباتاً) .
يُنكر على من استعمل لفظة التجسيم إثباتاً أو نفياً.
وقد تكلم على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في (المنهاج) وفي غير ذلك من كتبه، وأنكر على من يستعمل هذه الكلمات، ولما جادله بعض الأشاعرة قالوا له: يلزمك إذا قلت: إن الله يسمع لا كسمع المخلوق، وأن لله حياة لا كحياة المخلوقين، وإن لله علماً لا كعلم المخلوقين، وإن لله وجهاً لا كوجوه المخلوقين يلزمك أن تقول: إن لله جسماً لا كأجسام المخلوقين.
فاعتَرضَ على ذلك وقال: لفظة التجسيم ليس عليها دليل في الكتاب ولا في السنة، فلأجل ذلك ننكرها ولا نقول: إن الله جسم ولا إنه غير جسم، كما لا نقول: عرض ولا غير عرض، وكما لا نقول: جوهر ولا غير جوهر.
وكذلك كلمة (الحد) فالتحديد من العلماء من أطلقه وقال: إن لله تعالى حَداً.
ومنهم من قال: ليس لله حد.
والأولى التوقف في الأشياء التي لم يرد عليها دليل، والذين أثبتوا الحد لله أرادوا بذلك الرد على من ادعى أن الله تعالى في كل مكان وقالوا: ليس لله حد ولا منتهى.
فمن أجل أن يبطلوا قول هؤلاء الملاحدة الذين يدعون أو يصفون الله تعالى بأنه في كل مكان، أو بأنه عين وجود الموجودات صرّح أهل السنة أو بعضهم بأن الله تعالى له حد، أي: له منتهى، ولكن الكلمات التي لم يرد عليها دليل الأولى عدم إطلاقها.
وعلى كل حال فهذه المسائل -أي: مسألة النزول والرؤية- من المسائل الاعتقادية التي يدين بها أهل السنة، ويعتقدون أنها على الحقيقة وإن لم يكيفوها، فيتوقفون عن التكييف ويثبتون المعاني ويثبتون الدلالات.
стр. 161
ملخص اعتقاد أهل السنة في الرؤية
مسألة رؤية المؤمنين لربهم في القيامة وفي الجنة من المسائل التي طال الجدال فيها والنزاع مع المعتزلة ومن على طريقتهم، وذلك لأن سلف الأمة وأئمتها عملوا بالسنة وبالأحاديث التي ثبتت عندهم في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، واعتقدوا ذلك اعتقاداً صحيحاً، واعتقدوه ديناً، واستدلوا عليه بالآيات وبالأحاديث الصريحة، وبالنقول عن السلف الصالح، وذكروا ذلك في معتقداتهم.
فذكره الإمام الشافعي واستدل له بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، وذكر الرؤية الإمام أحمد واستدل له بقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] ، وبالأحاديث، وذكرها الطحاوي في عقيدته، والإسماعيلي في هذه العقيدة، والدارمي في مقدمة سننه، وعثمان بن سعيد في رده على الجهمية، وأكثر أئمة السلف الذين لهم مؤلفات نصوا على الرؤية وأثبتوها، وخالفهم في ذلك المعتزلة ومن على شاكلتهم.
وكان من جملة ما استدلوا به قول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فيرددون هذه الآية دليلاً على أنه لا يُرى، وقد استدل بها أهل السنة على أنه يُرى، حتى الأشاعرة جعلوها دليلاً على إثبات الرؤية، وقالوا: إن الإدراك شيء زائد على الرؤية، فإنه لم يقل: لا تراه.
بل قال: (لا تدركه) ، والإدراك هو إدراك الماهية وليس هو الرؤية.
وذكر عن ابن عباس أنه سُئل عن هذه الآية فقال: ألست ترى القمر؟ قال: بلى.
قال: أكله؟ قال: لا.
قال: فذلك الإدراك.
فنحن نرى القمر ولكنا نرى ما يقابلنا منه، ونراه أيضاً صغيراً مع أنه كبير، ومع ذلك لا ندرك ماهيته، ولا ندرك من أي شيء هو، هل هو تراب أو حجارة؟ لا ندري ما هيته، فذلك هو الإدراك.
والمعنى أن الأبصار إذا رأته فإنها لا تحيط به.
الحاصل أن الآية دليل على إثبات الرؤية، كأنه يقول: متى رأته الأبصار فإنها لا تحيط به، وذلك دليل على عظمته وكبريائه، فأصبحت الآية دليلاً لأهل السنة لا دليلاً عليهم.
وأكثر ما يتشبث به المعتزلة ونحوهم دليل العقل، حيث جعلوا العقل دليلاً، وقالوا: إن إثبات الرؤية يستلزم المقابلة، ويستلزم تحديق الأبصار وتقليبها نحو الخالق، أن يكون في جهة مقابلاً للناظرين، وهذا -في زعمهم- من المحال.
وليس فيما أخبر الله شيء تحيله العقول، بل كل ما أخبر الله به فإنه تقره العقول السليمة.
فالحاصل أن إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة هو قول أهل السنة ولا عبرة بقول أهل البدع.
стр. 162
الأسئلة
стр. 163
عقيدة أهل السنة في رؤية النبي لربه
السؤال
هل رأى الرسول ﷺ ربه أم لم يره؟
الجواب
هذه من المسائل التي اختلف فيها السلف؛ فروي عن ابن عباس إثبات الرؤية، وروي عن عائشة إنكارها بشدة، ولما سألها بعض التابعين: هل رأى محمد ربّه قالت: (لقد وقف شعري مما قلت) ، ثم ذكرت أنه ما رأى ربه في الدنيا، ثم استدل عليها بآية في سورة النجم ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] ، وآية في سورة التكوير ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: (إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين) ، فالضمير في ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] يعود إلى ملك الوحي، وهذا هو القول الصحيح أنه ما رآه في الدنيا، وذلك لأن الله تعالى منع موسى من الرؤية، وأخبر أنه لا يثبت أمام رؤيته كما لم يثبت الجبل، وأن خِلقة الإنسان في الدنيا لا تمكنه من الثبوت لجلال الله تعالى وعظمته.
وورد أيضاً في صحيح مسلم حديث أبي ذر: (سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه) ، وفي رواية: (رأيت نوراً) .
فأثبت أن هناك نوراً يمنع أن يتمثّل الإنسان أمام هذا النور، وقد ذكرنا قوله ﵊: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) .
فالراجح أنه ما رأى ربه، والأحاديث التي فيها أنه رآه محمولة على أنها رؤيا منامية، والرؤيا المنامية لا تدل على أنها رؤيا حقيقية.
стр. 164
رؤية الله في المنام
السؤال
هل من الممكن رؤية الله في المنام، وهل ثبت أن أحداً السلف رأى الله؟
الجواب
الرؤية في المنام واقعة، والنبي ﷺ أخبر بقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) ، وذكر أنه وضع يده على صدره وقال: (حتى وجدت برد أنامله بين صدري) ، وهذا تمثيل، والرؤيا المنامية إنما هي خيال، ولا يلزم منها أن يكون ذلك الذي رؤي مشابهاً لله تعالى، فالإنسان يتخيل أنه رأى في المنام ربه وأنه تهيأ له بكذا وكذا، ولكن لا يلزم أن يكون الرب مماثلاً لتلك الرؤيا أو لذلك الشيء الذي تمثّل أمام ذلك الرائي.
стр. 165
رد الاستدلال بحديث: (رداء الكبرياء على وجهه) على منع الرؤية
السؤال
يستدل منكروا الرؤية بهذا الحديث: (جنتان من فضة) إلى أن قال: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه) .
الجواب
الحديث صحيح، وقد قال ﷺ : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) .
فما بينهم وبين أن ينظروا إليه إلا هذا الرداء، ولكن لا شك أنه يكشف هذا الرداء إذا شاء لعباده ويتجلى لهم كما يشاء فينظرون إليه.
وجاء في الأحاديث أنه يتجلى لهم وأنه يكشف عنه الحجب، فهذا دليل واضح، وفيه أنه يتجلى لهم، وأن هذا الحجاب الذي هو رداء الكبرياء يكشفه إذا شاء.
стр. 166
رؤية الرجال والنساء لله في الجنة
السؤال
ذكر في الحديث أن أهل الجنة يرون الله تعالى، ثم يرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا جمالاً، فهل معنى هذا أن أهليهم لا يرون الله تعالى؟ وهل يعني هذا أن الرؤية خاصة بالرجال دون النساء؟
الجواب
الحديث ورد في ذكر الحور العين اللاتي خلقن في الجنة، ولكن نساء الجنة لهن أيضاً حظ من النعيم، فلا بد أن يكون لهن رؤية كما يشاء الله، وإن لم تكن محددة، وعلى كل حال فأهل الجنة رجالهم ونساؤهم لا بد أنهم يتنعمون بما يكون لذة لهم كما يشاء الله.
стр. 167
الجمع بين حجب الله للكافرين وبين حسابه لكل الخلق
السؤال
كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، وقول الرسول ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ؟
الجواب
الخطاب للمؤمنين، أخبر -أنكم أيها المؤمنون الذين يخاطبهم- سيحاسبكم ربكم ويكلمكم ولا يحتجب عنكم، فإما أن يكون المراد أنه يخاطب العباد ويكلمهم دون أن يحتاج إلى مترجم يترجم كلامه بل يكلمهم بما يفهمونه، وإما أنه يكلم كلاً منهم، فإن كان عاماً بمعنى: ما منكم من أحد -أيها الخلق- إلا سيكلمه فلا يلزم أن يكون متجلياً لهم، بل يكلمهم ولو كان محتجباً عنهم، وإن كان الخطاب للمؤمنين فلا يبعد أنه يكشف الحجاب لهم ويخاطبهم، ويراهم ويرونه كما يشاء.
стр. 168
أجر احتساب الولد الواحد عند الله تعالى
السؤال
من مات له ولد هل يدخل تحت حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة.
قال: قلنا: يا رسول الله! واثنان؟ قال: واثنان) ، قال أحد رواة الحديث لـ جابر: أراكم لو قلتم: وواحد لقال: وواحد.
قال: (وأنا والله أظن ذاك) ، فهل يدخل ذلك في هذا الحديث؟
الجواب
لا شك -إن شاء الله- أن من ولد له أولاد ذكور أو إناث ثم ماتوا أن الله تعالى يجزيه على صبره واحتسابه، حيث إن الله ركز حب الولد ذكوراً وإناثاً في قلوب الأبوين، فإذا مات وأحس بالمصيبة وصبر واحتسب أجره الله تعالى على قدر ما أصابه، ولو كان واحداً؛ لقولهم في الحديث: (ثم لم نسأله عن الواحد) .
فليصبر المصاب وليحتسب فيجد أجر المصيبة عند الله تعالى.
стр. 169
موقف أهل السنة من بدعة المولد
السؤال
نحن أهل بلد يكثر فيه بدعة الاحتفال بمولد الرسول ﷺ وإلقاء القصائد مع ذلك، ونحن نعلم قبح هذا العمل، ولكن لا نستطيع فعل شيء، فما موقفنا من هذا؟
الجواب
لا شك أنها بدعة منكرة ابتدعت في القرن الرابع، والذين ابتدعوها هم الرافضة، ثم استمر العمل بها في الجهلة من غير الرافضة ممن يتسمون بالسنة، وسبب ذلك الجهل بالسنة الحقيقية، حتى استحسنها كثير ممن ينتمي إلى العلم، ولكن في القرون المتأخرة في القرن التاسع وما بعده تمكنت، ولا تزال متمكنة في كثير من البلاد، يحتفلون في ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول، ويجتمعون ويقرؤون سيرة الرسول، ويدعي بعضهم أنه يحضرهم ويسمع كلامهم ويقرهم على ذلك، ثم ربما فعلوا شيئاً من المنكرات كالاختلاط بين الرجال والنساء، أو شيئاً من الأشعار واللهو الذي قد يكون فيه مبالغة في المدح والإطراء والغلو الذي نهى عنه النبي ﷺ .
فنقول: عليكم أن تنكروا على هؤلاء بحسب ما تستطيعون، فتسألونهم: هل هذا الاجتماع وإحياء هذه الليلة فعله رسول الله ﷺ أو لم يفعله؟ فلا بد أن يقولوا: ما فعله فهل فعله الخلفاء الراشدون الذين أُمرنا بالاقتداء بهم؟ فلا بد أن يقولوا: ما فعلوه فهل فعله السلف الصالح من أهل القرون المفضلة؟ فلا بد أن يقولوا: ما فعلوه.
فإذاً لا بد أن يكون بدعة؛ حيث إنه ما فعل إلا بعد القرون المفضلة.
ثم لا شك أنه ولو كان عملاً صالحاً، ولو كانوا يقرؤون القرآن والسيرة النبوية ويصلون على النبي ونحو ذلك فإنهم إما أن يقولوا: إنهم خير من السلف.
أو: إن السلف خير منهم.
فإذا اعترفوا بأن السلف خير منهم فكيف فاتتهم هذه العبادة التي جئتم بها بعدهم بعدة قرون، لعلكم بذلك تخالفونهم.
وإذا لم تقدروا على نصحهم فعليكم أن تعتزلوهم في تلك الليلة وتشتغلوا بشيءٍ ينفعكم إما بتعلم علم أو نحو ذلك، أو تتفرقوا وتتركوهم حتى يشعروا بذلك، ولعلكم أيضاً تقرؤون عليهم بعض ما كُتِب في هذا الموضوع.
стр. 170
حكم دخول المقبرة بالنعال
السؤال
هل يجوز دخول المقبرة بالنعال، وكيف نوفق بين ذلك وحديث: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم) ؟
الجواب
ورد فيه حديث بشير بن الخصاصية يقول: إنه ﷺ رأى رجلاً يمشي وعليه سبتيتان -نوع من النعال- فقال: (يا صاحب السبتيتين اخلع سبتيتيك) ، رواه أبو داود وغيره.
فاستُدل بهذا على أنه لا يجوز المشي بالنعال بين المقابر، ولكن يظهر أن تلك النعال السبتية لها خصوصية، وهي نوع من النعال، وأنه ما أمره بخلعها إلا لشيءٍ خاص، إما أن فيها نجاسة، وإما أنها صنعت من جلد ميتة أو نحو ذلك، فالحاصل أن هذا وإن أخذه بعض العلماء على ظاهره فالأظهر أنه لا يدل على المنع، والدليل الحديث المشهور عن البراء في قوله ﷺ لما ذكر الميت وأنه يعذب وأنه يأتيه الملكان ونحو ذلك قال: (فإذا انصرفوا عنه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان) ، فذكر أنه يسمع قرع نعالهم، فدل على أنهم يلبسون النعال، وهذا هو المشهور، أنه لا بأس بلبس النعال والأحذية ما عدا الأحذية التي فيها نجاسة أو ما أشبه ذلك مما يشبه السبتية.
стр. 171
حكم اختلاء عدة نساء بسائق السيارة
السؤال
ما حكم ذهاب المرأة لوحدها مع سائق أجنبي داخل المدينة؟ وما الحكم إذا كان عدد النساء اثنتين فما فوق، وما حكم ذهاب النساء إلى الحفلات التي تقام في الفنادق؟
الجواب
يكاد يستدعي هذا توسعاً، ولكن نقول: على المرأة أن تتحفظ وتتثبت وتعمل بما أمرها الله، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] ، فلا تذهب إلا لأمر ضروري، وكونها -مثلاً- تضطر وتذهب إلى الأسواق إذا كان هناك ضرورة ولم تجد من يقوم مقامها ولا من تبعثه لقضاء أو لشراء غرض تحتاجه فلا بأس بدخولها الأسواق، أما ركوبها مع السائق فلا يجوز ذلك على الإطلاق؛ لحديث النهي عن الخلوة، لقوله ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) ، فإن كان هناك ضرورة كذهابها إلى المستشفى لمرض أو نحو ذلك فيكون بقدر الحاجة، والأولى أن تركب معها امرأة أخرى، ولو إحدى جيرانها أو قريباتها، فإذا ذهبت إلى السوق أو المستشفى ولم تجد محرماً وكان ذلك لضرورة تستصحب معها امرأة أخرى حتى لا يحصل الانفراد ولا تحصل الخلوة، ولأنه إذا كانتا اثنتين أو ثلاثاً كان ذلك أبعد عن الريبة والتحدث مع السائق أو تحدث السائق معها أو نحو ذلك.
وأما ذهابها إلى بيوت الحفلات فلا يجوز إذا كان فيها منكر، وأما إذا لم يكن فيها منكر فلعل ذلك مباح وجائز، وهو مما اعتيد عليه إذا كانت بيوت الحفلات والأعراس ونحوها فيها اجتماع نساء وليس فيها رجال، والأغاني التي فيها ليست أغاني تشبيب ونحو ذلك، وليس فيها طبول وإنما فيها الدف الذي أمر بضربه، فلعل ذلك مما يتسامح فيه.
стр. 172
شرح اعتقاد أهل السنة [٩]
مما يميز عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يجمعون بين الأدلة، ويأخذون بها كلها، وهذا ما ينتج لهم القول الحق، وأما أهل البدع فإنهم يأخذون بجهة واحدة من الأدلة، مما ينتج عنه الابتداع في الدين والخطأ في كلام رب العالمين، ومن زللهم في المسائل: تعريفهم للإيمان بالتصديق، فأخذوا جانب اللغة وتركوا جانب الشرع، ثم تتابعت على هذا التعريف أخطاؤهم، ثم أتى من أخرج العصاة من الإيمان إلى الكفر، وأما أهل السنة فهم عندهم مؤمنون بإيمانهم فاسقون بعصيانهم.
стр. 173
حقيقة الإيمان عند أهل السنة وغيرهم
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويقولون: إن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن كثرت طاعته أزيد إيماناً ممن هو دونه في الطاعة.
ويقولون: إن أحداً من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين لو ارتكب ذنباً أو ذنوباً كثيرة صغائر أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
واختلفوا في متعمد ترك الصلاة المفروضة حتى يذهب وقتها من غير عذر، فكفره جماعة؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) ، وقوله: (من ترك الصلاة فقد كفر) ، و (من ترك الصلاة فقد برئت منه ذمة الله) ، وتأول جماعة منهم أنه يريد بذلك من تركها جاحداً لها، كما قال يوسف ﵇: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف:٣٧] ترك جحود الكفر، وقال كثير منهم: إن الإيمان قول وعمل] .
стр. 174
تعريف الإيمان عند أهل السنة
هاهنا ذكر تعريف الإيمان، حيث اختلف الناس في تعريفه، فذهبت المرجئة إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وغلاتهم قالوا: إن الإيمان هو المعرفة.
وذهب أهل السنة إلى أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهناك مذاهب أخرى لا دليل عليها.
ومما هو معلوم أن الإيمان من الألفاظ الشرعية التي استعملها الشرع ونقلها من معناها اللغوي إلى معنىً اصطلاحي شرعي، فأصبحت من الألفاظ الشرعية التي جاءت في لسان الشرع لمعنىً زائد عن المعنى اللغوي، وصحيح أن معناه في اللغة التصديق، مثل قوله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] ، أي: بمصدق لنا.
ومنه أيضاً تفسير الإيمان في حديث جبريل المشهور: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر) فالإيمان هنا هو التصديق بهذه الأشياء.
فإذاً الإيمان في اللغة هو التصديق، ولكن الشرع الشريف أضاف إليه الأعمال والأقوال فجعلها إيماناً، فأصبح الإيمان عاماً للأعمال، فالأعمال البدنية والقولية والعقلية القلبية والمالية كلها داخلة في مسمى الإيمان شرعاً، هذا هو قول أهل السنة.
стр. 175
تعريف الإيمان عند المخالفين لأهل السنة
الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق يسمون (مرجئة الفقهاء) ، وأكثرهم من الحنفية، حيث يذكرون أن الإيمان عندهم هو ما كان عليه في اللغة من أنه التصديق، ويقولون: إن اللسان العربي يدل على هذا.
ولكن يلزم من هذا محاذير وذلك أنه يلزم منه تسوية الناس في الإيمان، فما دام أن كلهم مؤمنون فلا يكون بينهم فرق في الإيمان، فيكون إيمان أجلاء الصحابة كإيمان أطرف الناس، وهذا فيه تسوية بين المتفاوتات، ومعلوم أن إيمان الصديق والفاروق وعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃ أقوى من إيمان غيرهم ممن جاء بعدهم ومن إيمان أهل هذا الزمان الذين في إيمانهم تزعزع وضعف، والدليل عليه أن إيمانهم الذي هو إيمان راسخ حَمَلَهم على الأعمال، والهجرة، والصبر على الأذى في ذات الله، والجهاد في سبيل الله، والإنفاق في مرضات الله تعالى، والاجتهاد في سبل الخير والأعمال الخيرية، فذلك دليل على أنه أقوى من إيمان غيرهم من سائر الناس، فهذا من حيث الإيمان الذي في القلب.
стр. 176
أدلة دخول العمل في مسمى الإيمان
إذا نظرنا في الأدلة وجدنا أن الله تعالى سمى كثيراً من الأعمال البدنية والمالية إيماناً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢-٤] ، فهذه خمس خصال: منها ثلاث من الأعمال القلبية، وهي قوله تعالى: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، وواحدة مِن أعمال البدن وهي إقام الصلاة، وواحدة عبادة مالية وهي: النفقة (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) ، فهذه كلها جعلها الله تعالى من الإيمان.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٥-١٦] ، فهذه كلها جعلها الله علامة على الإيمان، يعني: إنما المؤمنون حقاً هم الذين يفعلون هذه الأشياء.
فهذا كله دليل على أن هذه الأعمال من الإيمان.
ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، جعل هذه كلها من الإيمان، وأشباه ذلك من الآيات، ولا شك أن هذه أدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان.
وقد وردت السنة بذلك، ففي الصحيحين قوله ﷺ : (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول (لا إله إلا الله) ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، فانظر كيف ذكر ثلاث خصال: خصلة قولية: (قول لا إله إلا الله) ، وخصلة فعلية: (إماطة الأذى عن الطريق) ، وخصلة قلبية: (والحياء من الإيمان) .
هذه أدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ولذلك اتفق السلف من أهل السنة على تعريف الإيمان بمثل ما ذكر الإسماعيلي، فقالوا: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
فالقول الذي باللسان يدخل فيه الذكر، والدعاء، والقراءة، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه كل الأعمال القولية التي باللسان.
والاعتقاد بالجنان يدخل فيه الأعمال القلبية، فيدخل فيه الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والحياء إلى آخر أعمال القلوب، وهي كثيرة وكلها من الإيمان.
وكذلك أيضاً الأعمال البدنية كالركوع والسجود، والقيام والقعود، والجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكذلك الصيام، والطواف بالبيت والوقوف بشعائره، وما أشبه ذلك من الأعمال البدنية كلها داخلة في مسمى الإيمان؛ لأنها من الأعمال المندوبة المأمور بها.
وكذلك أيضاً الأعمال المالية، وإن لم يذكروها في التعريف لدخولها في الأعمال البدنية؛ لأن المال يكتسب غالباً بالبدن، فإذا أنفق في سبيل الله فإن ذلك عمل صالح، فالزكوات والصدقات من الإيمان، والتوسعة على ذوي الحاجات وكفالة الأيتام من الإيمان، والنفقة في وجوه البر كعمارة المساجد ونشر العلم وكل ما يصرف فيه المال بما هو قربة إلى الله تعالى فإنه من الإيمان؛ لكونها أعمالاً صالحةً يحبها الله تعالى.
فلا شك أن الإيمان أصبح بذلك مسمىً شرعياً بعد أن نقله الشرع إلى هذا المسمى، كما أن الشرع نقل الإسلام، فالإسلام في اللغة: الإذعان والانقياد والاستسلام لمن يقود الإنسان.
فنقله الشرع إلى أن أصبح اسماً لأركان الإسلام الظاهرة، وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج وما يلحق بها.
وهكذا نقل الإحسان؛ إذ الإحسان في اللغة: اسم لإيصال الخير إلى الغير.
ولكن نقله الشرع وجعله عبادة الله وحده وإصلاح العمل له، (أن تعبد الله كأنك تراه) ، فتصدق الشرع في هذه الكلمات، فيقال -مثلاً-: هذه الكلمات لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع، كما أن أضدادها أيضاً لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع، فالشرك تعريفه في اللغة: الاشتراك بين اثنين في استحقاق.
وتعريفه في الشرع: دعوة غير الله مع الله.
والتوحيد له تعريف في اللغة، وهو: الفرد الواحد.
أي: ذكر شخص واحد مفرد.
وتعريفه في الشرع: إفراد الله تعالى بالعبادة.
وكذلك الفسوق أصله في اللغة: الخروج.
ويطلق في الشرع على العصيان، أي: الخروج عن طاعة الله تعالى.
وكذلك النفاق تعريفه في اللغة: الإخفاء وتعريفه في الشرع: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر.
فكذلك نقول: إن هذه اللفظة: -الإيمان- نقلها الشرع وسماها بهذا الاسم.
стр. 177
بيان مفاسد مذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان
إن الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق، يسوون بين الناس فيه، فيقولون: إيمان أفسق الناس كإيمان الملائكة وأكابر الصحابة.
فعلى هذا لا فرق عندهم في الإيمان بين هذا وبين هذا، والناس كلهم سواء في هذا الإيمان، ولا شك أن في هذا تسهيلاً في المعاصي؛ لأنه إذا عرف أن المعاصي لا تضره وأن إيمانه كامل فإنه -ولابد- سوف يتساهل بأمر الله، فيفعل ما يستطيعه من الذنوب، فيشرب الخمور، ويسمع الأغاني، ويأكل الربا، ويقتل، ويفسق، ويزني، ويفجر، ويكذب، ويفعل كل المعاصي ويقول: إيماني كامل ما دام أن هذه ليست من الإيمان، فالإيمان الذي في القلب موجود.
ويقولون: إن أهله في أصله سواء، فيعتقد أن إيمانه كامل، وهذا ما حمل كثيراً منهم على الانهماك في المعاصي، وهم الذين يسمون (المرجئة) ، وما أكثر الذين أنكروا عليهم وردوا عليهم قولهم حيث اعتقدوا أن الإيمان شيء واحد وأن أهله فيه سواء، فعند ذلك صاروا يعتمدون على واسع الرحمة وكرم الله، حتى قال قائلهم: فكثر ما استطعت من المعاصي إذا كان القدوم على كريم كأنه يبيح لهم المعاصي، بل يأمرهم بتكثيرها.
стр. 178
سبب تسمية المرجئة
قيل: إنهم سموا (مرجئة) لأنهم أرجأوا الأعمال عن مسمى الإيمان.
أي: أخروها.
قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] يعني: تؤخر.
فسموا (مرجئةً) ؛ لأنهم أرجأوا -أي: أخروا الأعمال- عن مسمى الإيمان، ولا شك أن هذا تهاون بالأسماء الشرعية.
وقيل: إنهم سموا (مرجئة) ؛ لأنهم غلبوا باب الرجاء.
أي: أنهم اعتمدوا على أحاديث الرجاء، حيث جاء في القرآن آيات في تغليب الرجاء، وجاء فيه آيات في تغليب الخوف أو في الأمر بالخوف، وقد تكلم العلماء على آيات الرجاء وآيات الخوف وقالوا: ينبغي للإنسان في حالة النشاط والقوة أن يغلب جانب الخوف وأن يكثر من الأعمال الصالحة، ويهرب من السيئات، ويخاف من التفريط والإهمال، ويكون دائماً خائفاً فزعاً يحذر عذاب الله ويخشى نقمته وعقوبته، أما إذا نزل به الأمر وحضره الأجل فيفضل أن يغلب جانب الرجاء حتى يقدم على ربه تعالى وهو يحسن الظن به، كما ورد في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) .
وذهب بعضهم إلى أنك في حالة الدنيا تعمل بهما جميعاً، أي: تعمل بالخوف وبالرجاء، فلا تغلب الرجاء فتكون من المرجئة، ولا تغلب الخوف فتكون من الوعيدية كالخوارج والمعتزلة، بل تتوسط، والتوسط بينهما أن يكون دائماً خائفاً راجياً، واستدل على ذلك بالآيات التي فيها الجمع بينهما، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] فجمع بينهما (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ) ، هذا في جانب الرجاء، فقال: (وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) ، هذا في جانب الخوف.
وهكذا أيضاً يذكر الله آية الرجاء ثم آية الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦] انظر كيف جمع بينهما، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] أتبع العقاب بالمغفرة، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩-٥٠] ، فجمع بينهما في آيتين متتابعتين.
والحكمة في ذلك أن يكون المؤمن في حياته جامعاً بينهما، فإذا تذكر عذاب الله تعالى خاف خوفاً شديداً وأكثر من الأعمال الصالحة، وإذا تذكر سعة رحمة الله تعالى رجاها وعمل الأعمال الصالحة التي تدفعه إلى رضى الله تعالى وتؤهله لأن يكون من أوليائه.
وقد ورد في الأثر أن من كبائر الذنوب الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، وكلها مأخوذة من القرآن، فالقنوط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] ، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، فاليأس هو قطع الرجاء، وكذلك القنوط هو قطع الرجاء بالكلية من رحمة الله تعالى، فلو قدر -مثلاً- أن إنساناً شب على الذنوب وأكثر منها وحمل نفسه ما لا تطيق من السيئات فإنه مع ذلك لا يقنط ولا يقل: أنا قد عملت سيئة كبيرة فلا يمكن أن تنالني الرحمة، وأنا مقدم على النار، وأنا سأصبر على النار حيث إني عملت كذا وكذا من السيئات وعملت من الكفر والتكذيب كذا وكذا.
فيقطع الرجاء ولا يجوز له ذلك، بل عليه أن يستحضر رحمة الله تعالى ويرجوه حتى يرحمه ربه.
وكذلك أيضاً قسم آخر ذكروه في قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، فالأمن من مكر الله أيضاً من كبائر الذنوب، وذلك لأن هؤلاء الذين ينهمكون في المعاصي ويكثرون منها ولا يخافون نقمة الله ولا بطشه ولا عذابه يعتبرون كأنهم آمنين، كأن عندهم صك أمان أنهم لا يدخلون النار، أو صك أمان أنهم لا يعذبون وأنهم آمنون من غضب الله تعالى ونقمته.
стр. 179
أدلة زيادة الإيمان ونقصانه
ذكر أهل السنة في تعريف الإيمان أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد جاءت الأدلة على زيادة الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، ولا شك أن هذا دليل صريح على أن هذه المقالة زادت إيمانهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:٣١] ، وهذا صريح في أنه يزيد إيمانهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] ، صريح في أن السكنية زادت إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] .
يقول العلماء: كل شيء يقبل الزيادة فإنه يقبل النقصان.
فإذا كان الإيمان يزيد فإنه ينقص، فالطاعات تزيده والمعاصي تنقصه، فالركعات النوافل يزيد بها الإيمان، والصدقة ولو بقليل يزيد بها الإيمان، والكلمة الطيبة يزيد بها الإيمان، والدعوات التي يدعو بها العبد ربه يزيد بها إيمانه، والاعتكاف ولو ليلة -مثلاً- في مسجد، وكذلك حج أو عمرة أو تقرب إلى الله بطواف أو جهاد في سبيل الله أو نفقة في وجوه الخير يزيد به الإيمان، وبضد ذلك ينقص الإيمان، فالرجل -مثلاً-: إذا مشى إلى المساجد زاد إيمانه، وإذا مشى إلى أماكن الرقص واللعب نقص إيمانه، وإذا أنفق في سبيل الله أو في وجوه الخير زاد إيمانه، وإذا أنفق في الباطل والملاهي والأغاني ونحوها نقص إيمانه، وإذا تكلم بدعاء أو بدعوة إلى الله تعالى زاد إيمانه، وإذا تكلم بسباب أو بلعن أو شتم أو عيب أو نحو ذلك نقص إيمانه، وإذا نظر في كتاب الله تعالى للاعتبار زاد إيمانه، وإذا نظر في الأفلام وفي الصور الخليعة ونحوها نقص إيمانه، وإذا استمع إلى الذكر وخشع قلبه زاد إيمانه، وإذا استمع إلى الغناء والملاهي وما أشبهها نقص إيمانه، وهكذا الضد بالضد.
ولهذا ذكر البخاري في (كتاب الإيمان) من صحيحه عن معاذ أنه قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة) ، فجعل ذكره وفكره وتعلمه إيماناً، فدل على أن هذا يضاف إلى الإيمان فيزداد به.
وقد أخذوا النقص من الحديث المشهور الذي في الصحيح أنه ﷺ قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل العاقل من إحداكن) ، فوصف النساء بنقص الدين، والدين هو الإيمان، فمن كثرت طاعته لا شك أنه أزيد ممن نقصت طاعته.
فالطاعات التي هي العبادات يكون صاحبها أكثر إيماناً من صاحب المعاصي، فمن يصلي النوافل ويحافظ على الرواتب لا شك أنه أزيد إيماناً من الذي يقتصر على الفرائض، والذي يسبح الله تعالى بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين أفضل وأكمل إيماناً من الذي يسبح عشراً عشراً وأشباه ذلك، فكلما زادت الأعمال زاد بها الإيمان.
ومسألة الإيمان مسألة طويلة، ولعله يأتينا فيها أيضاً زيادة كلام عند قوله: [إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل] إلى آخره.
стр. 180
قول أهل السنة في أصحاب الكبائر
أصحاب الكبائر هم أهل الذنوب الذين عملوا سيئات وذنوباً دون الكفر، كالذين يأكلون الربا، أو يزنون، أو يشربون الخمر، أو يقتلون النفس التي حرم الله، أو يأكلون أموال اليتامى، أي أنهم من يفعلون شيئاً من المعاصي، هؤلاء للناس فيهم ثلاثة مذاهب: ومذهب الخوارج: أنهم كفار.
ومذهب المعتزلة: أنهم ليسوا مؤمنين ولا كفاراً، بل في منزلة بينهما.
ومذهب أهل السنة: أنهم مؤمنون إيماناً ناقصاً.
следующие страницы →