Полный текст (366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أدلة دخول العمل في مسمى الإيمان
إذا نظرنا في الأدلة وجدنا أن الله تعالى سمى كثيراً من الأعمال البدنية والمالية إيماناً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢-٤] ، فهذه خمس خصال: منها ثلاث من الأعمال القلبية، وهي قوله تعالى: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، وواحدة مِن أعمال البدن وهي إقام الصلاة، وواحدة عبادة مالية وهي: النفقة (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) ، فهذه كلها جعلها الله تعالى من الإيمان.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٥-١٦] ، فهذه كلها جعلها الله علامة على الإيمان، يعني: إنما المؤمنون حقاً هم الذين يفعلون هذه الأشياء.
فهذا كله دليل على أن هذه الأعمال من الإيمان.
ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] ، جعل هذه كلها من الإيمان، وأشباه ذلك من الآيات، ولا شك أن هذه أدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان.
وقد وردت السنة بذلك، ففي الصحيحين قوله ﷺ : (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول (لا إله إلا الله) ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، فانظر كيف ذكر ثلاث خصال: خصلة قولية: (قول لا إله إلا الله) ، وخصلة فعلية: (إماطة الأذى عن الطريق) ، وخصلة قلبية: (والحياء من الإيمان) .
هذه أدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ولذلك اتفق السلف من أهل السنة على تعريف الإيمان بمثل ما ذكر الإسماعيلي، فقالوا: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
فالقول الذي باللسان يدخل فيه الذكر، والدعاء، والقراءة، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه كل الأعمال القولية التي باللسان.
والاعتقاد بالجنان يدخل فيه الأعمال القلبية، فيدخل فيه الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والحياء إلى آخر أعمال القلوب، وهي كثيرة وكلها من الإيمان.
وكذلك أيضاً الأعمال البدنية كالركوع والسجود، والقيام والقعود، والجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكذلك الصيام، والطواف بالبيت والوقوف بشعائره، وما أشبه ذلك من الأعمال البدنية كلها داخلة في مسمى الإيمان؛ لأنها من الأعمال المندوبة المأمور بها.
وكذلك أيضاً الأعمال المالية، وإن لم يذكروها في التعريف لدخولها في الأعمال البدنية؛ لأن المال يكتسب غالباً بالبدن، فإذا أنفق في سبيل الله فإن ذلك عمل صالح، فالزكوات والصدقات من الإيمان، والتوسعة على ذوي الحاجات وكفالة الأيتام من الإيمان، والنفقة في وجوه البر كعمارة المساجد ونشر العلم وكل ما يصرف فيه المال بما هو قربة إلى الله تعالى فإنه من الإيمان؛ لكونها أعمالاً صالحةً يحبها الله تعالى.
فلا شك أن الإيمان أصبح بذلك مسمىً شرعياً بعد أن نقله الشرع إلى هذا المسمى، كما أن الشرع نقل الإسلام، فالإسلام في اللغة: الإذعان والانقياد والاستسلام لمن يقود الإنسان.
فنقله الشرع إلى أن أصبح اسماً لأركان الإسلام الظاهرة، وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج وما يلحق بها.
وهكذا نقل الإحسان؛ إذ الإحسان في اللغة: اسم لإيصال الخير إلى الغير.
ولكن نقله الشرع وجعله عبادة الله وحده وإصلاح العمل له، (أن تعبد الله كأنك تراه) ، فتصدق الشرع في هذه الكلمات، فيقال -مثلاً-: هذه الكلمات لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع، كما أن أضدادها أيضاً لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع، فالشرك تعريفه في اللغة: الاشتراك بين اثنين في استحقاق.
وتعريفه في الشرع: دعوة غير الله مع الله.
والتوحيد له تعريف في اللغة، وهو: الفرد الواحد.
أي: ذكر شخص واحد مفرد.
وتعريفه في الشرع: إفراد الله تعالى بالعبادة.
وكذلك الفسوق أصله في اللغة: الخروج.
ويطلق في الشرع على العصيان، أي: الخروج عن طاعة الله تعالى.
وكذلك النفاق تعريفه في اللغة: الإخفاء وتعريفه في الشرع: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر.
فكذلك نقول: إن هذه اللفظة: -الإيمان- نقلها الشرع وسماها بهذا الاسم.
стр. 177
بيان مفاسد مذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان
إن الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق، يسوون بين الناس فيه، فيقولون: إيمان أفسق الناس كإيمان الملائكة وأكابر الصحابة.
فعلى هذا لا فرق عندهم في الإيمان بين هذا وبين هذا، والناس كلهم سواء في هذا الإيمان، ولا شك أن في هذا تسهيلاً في المعاصي؛ لأنه إذا عرف أن المعاصي لا تضره وأن إيمانه كامل فإنه -ولابد- سوف يتساهل بأمر الله، فيفعل ما يستطيعه من الذنوب، فيشرب الخمور، ويسمع الأغاني، ويأكل الربا، ويقتل، ويفسق، ويزني، ويفجر، ويكذب، ويفعل كل المعاصي ويقول: إيماني كامل ما دام أن هذه ليست من الإيمان، فالإيمان الذي في القلب موجود.
ويقولون: إن أهله في أصله سواء، فيعتقد أن إيمانه كامل، وهذا ما حمل كثيراً منهم على الانهماك في المعاصي، وهم الذين يسمون (المرجئة) ، وما أكثر الذين أنكروا عليهم وردوا عليهم قولهم حيث اعتقدوا أن الإيمان شيء واحد وأن أهله فيه سواء، فعند ذلك صاروا يعتمدون على واسع الرحمة وكرم الله، حتى قال قائلهم: فكثر ما استطعت من المعاصي إذا كان القدوم على كريم كأنه يبيح لهم المعاصي، بل يأمرهم بتكثيرها.
стр. 178
سبب تسمية المرجئة
قيل: إنهم سموا (مرجئة) لأنهم أرجأوا الأعمال عن مسمى الإيمان.
أي: أخروها.
قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] يعني: تؤخر.
فسموا (مرجئةً) ؛ لأنهم أرجأوا -أي: أخروا الأعمال- عن مسمى الإيمان، ولا شك أن هذا تهاون بالأسماء الشرعية.
وقيل: إنهم سموا (مرجئة) ؛ لأنهم غلبوا باب الرجاء.
أي: أنهم اعتمدوا على أحاديث الرجاء، حيث جاء في القرآن آيات في تغليب الرجاء، وجاء فيه آيات في تغليب الخوف أو في الأمر بالخوف، وقد تكلم العلماء على آيات الرجاء وآيات الخوف وقالوا: ينبغي للإنسان في حالة النشاط والقوة أن يغلب جانب الخوف وأن يكثر من الأعمال الصالحة، ويهرب من السيئات، ويخاف من التفريط والإهمال، ويكون دائماً خائفاً فزعاً يحذر عذاب الله ويخشى نقمته وعقوبته، أما إذا نزل به الأمر وحضره الأجل فيفضل أن يغلب جانب الرجاء حتى يقدم على ربه تعالى وهو يحسن الظن به، كما ورد في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) .
وذهب بعضهم إلى أنك في حالة الدنيا تعمل بهما جميعاً، أي: تعمل بالخوف وبالرجاء، فلا تغلب الرجاء فتكون من المرجئة، ولا تغلب الخوف فتكون من الوعيدية كالخوارج والمعتزلة، بل تتوسط، والتوسط بينهما أن يكون دائماً خائفاً راجياً، واستدل على ذلك بالآيات التي فيها الجمع بينهما، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] فجمع بينهما (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ) ، هذا في جانب الرجاء، فقال: (وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) ، هذا في جانب الخوف.
وهكذا أيضاً يذكر الله آية الرجاء ثم آية الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦] انظر كيف جمع بينهما، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] أتبع العقاب بالمغفرة، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩-٥٠] ، فجمع بينهما في آيتين متتابعتين.
والحكمة في ذلك أن يكون المؤمن في حياته جامعاً بينهما، فإذا تذكر عذاب الله تعالى خاف خوفاً شديداً وأكثر من الأعمال الصالحة، وإذا تذكر سعة رحمة الله تعالى رجاها وعمل الأعمال الصالحة التي تدفعه إلى رضى الله تعالى وتؤهله لأن يكون من أوليائه.
وقد ورد في الأثر أن من كبائر الذنوب الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، وكلها مأخوذة من القرآن، فالقنوط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] ، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، فاليأس هو قطع الرجاء، وكذلك القنوط هو قطع الرجاء بالكلية من رحمة الله تعالى، فلو قدر -مثلاً- أن إنساناً شب على الذنوب وأكثر منها وحمل نفسه ما لا تطيق من السيئات فإنه مع ذلك لا يقنط ولا يقل: أنا قد عملت سيئة كبيرة فلا يمكن أن تنالني الرحمة، وأنا مقدم على النار، وأنا سأصبر على النار حيث إني عملت كذا وكذا من السيئات وعملت من الكفر والتكذيب كذا وكذا.
فيقطع الرجاء ولا يجوز له ذلك، بل عليه أن يستحضر رحمة الله تعالى ويرجوه حتى يرحمه ربه.
وكذلك أيضاً قسم آخر ذكروه في قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ، فالأمن من مكر الله أيضاً من كبائر الذنوب، وذلك لأن هؤلاء الذين ينهمكون في المعاصي ويكثرون منها ولا يخافون نقمة الله ولا بطشه ولا عذابه يعتبرون كأنهم آمنين، كأن عندهم صك أمان أنهم لا يدخلون النار، أو صك أمان أنهم لا يعذبون وأنهم آمنون من غضب الله تعالى ونقمته.
стр. 179
أدلة زيادة الإيمان ونقصانه
ذكر أهل السنة في تعريف الإيمان أنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد جاءت الأدلة على زيادة الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، ولا شك أن هذا دليل صريح على أن هذه المقالة زادت إيمانهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر:٣١] ، وهذا صريح في أنه يزيد إيمانهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] ، صريح في أن السكنية زادت إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] .
يقول العلماء: كل شيء يقبل الزيادة فإنه يقبل النقصان.
فإذا كان الإيمان يزيد فإنه ينقص، فالطاعات تزيده والمعاصي تنقصه، فالركعات النوافل يزيد بها الإيمان، والصدقة ولو بقليل يزيد بها الإيمان، والكلمة الطيبة يزيد بها الإيمان، والدعوات التي يدعو بها العبد ربه يزيد بها إيمانه، والاعتكاف ولو ليلة -مثلاً- في مسجد، وكذلك حج أو عمرة أو تقرب إلى الله بطواف أو جهاد في سبيل الله أو نفقة في وجوه الخير يزيد به الإيمان، وبضد ذلك ينقص الإيمان، فالرجل -مثلاً-: إذا مشى إلى المساجد زاد إيمانه، وإذا مشى إلى أماكن الرقص واللعب نقص إيمانه، وإذا أنفق في سبيل الله أو في وجوه الخير زاد إيمانه، وإذا أنفق في الباطل والملاهي والأغاني ونحوها نقص إيمانه، وإذا تكلم بدعاء أو بدعوة إلى الله تعالى زاد إيمانه، وإذا تكلم بسباب أو بلعن أو شتم أو عيب أو نحو ذلك نقص إيمانه، وإذا نظر في كتاب الله تعالى للاعتبار زاد إيمانه، وإذا نظر في الأفلام وفي الصور الخليعة ونحوها نقص إيمانه، وإذا استمع إلى الذكر وخشع قلبه زاد إيمانه، وإذا استمع إلى الغناء والملاهي وما أشبهها نقص إيمانه، وهكذا الضد بالضد.
ولهذا ذكر البخاري في (كتاب الإيمان) من صحيحه عن معاذ أنه قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة) ، فجعل ذكره وفكره وتعلمه إيماناً، فدل على أن هذا يضاف إلى الإيمان فيزداد به.
وقد أخذوا النقص من الحديث المشهور الذي في الصحيح أنه ﷺ قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل العاقل من إحداكن) ، فوصف النساء بنقص الدين، والدين هو الإيمان، فمن كثرت طاعته لا شك أنه أزيد ممن نقصت طاعته.
فالطاعات التي هي العبادات يكون صاحبها أكثر إيماناً من صاحب المعاصي، فمن يصلي النوافل ويحافظ على الرواتب لا شك أنه أزيد إيماناً من الذي يقتصر على الفرائض، والذي يسبح الله تعالى بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين أفضل وأكمل إيماناً من الذي يسبح عشراً عشراً وأشباه ذلك، فكلما زادت الأعمال زاد بها الإيمان.
ومسألة الإيمان مسألة طويلة، ولعله يأتينا فيها أيضاً زيادة كلام عند قوله: [إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل] إلى آخره.
стр. 180
قول أهل السنة في أصحاب الكبائر
أصحاب الكبائر هم أهل الذنوب الذين عملوا سيئات وذنوباً دون الكفر، كالذين يأكلون الربا، أو يزنون، أو يشربون الخمر، أو يقتلون النفس التي حرم الله، أو يأكلون أموال اليتامى، أي أنهم من يفعلون شيئاً من المعاصي، هؤلاء للناس فيهم ثلاثة مذاهب: ومذهب الخوارج: أنهم كفار.
ومذهب المعتزلة: أنهم ليسوا مؤمنين ولا كفاراً، بل في منزلة بينهما.
ومذهب أهل السنة: أنهم مؤمنون إيماناً ناقصاً.
стр. 181
أوصاف أهل القبلة
أهل التوحيد الذين يستقبلون القبلة ويتوجهون إليها ويعترفون بقبلة المسلمين وكل من كان من الأمة المحمدية الذين استجابوا لله تعالى لرسوله يسمون أهل القبلة، أي: أنهم في صلاتهم وذبائحهم يستقبلون القبلة، وأنهم يحنون إلى القبلة ويذهبون إليها حجاجاً وعماراً، فلذلك يسمون أهل القبلة، فهم يؤمنون بالله تعالى إلهاً ورباً وخالقاً، ويعبدونه ولا يعبدون غيره، ولا يصرفون شيئاً من عبادته ولا من حقه لمخلوق سواه، فهم أهل التوحيد، يقولون: (لا إله إلا الله) ويعملون بها.
فلا يدخل في ذلك الذين يعبدون القبور -ويسمون القبوريين- فإنهم ليسوا من أهل التوحيد؛ لأنهم شابهوا قوم نوح الذين عبدوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وشابهوا قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون التماثيل ويعكفون لها، وكذلك الذين يعبدون الأشجار والأحجار، يتبركون بهذه الشجرة ويعتقدون فيها، أو يتبركون بهذا الغار أو بهذه الصخرة أو القبة أو العين أو ما أشبه ذلك ويعتقدون أنها تنفع وتشفع وتدفع وتفيدهم، فلأجل ذلك يتمسحون بها ويعكفون عندها ويأخذون تربتها، وربما أيضاً دعوها كدعاء المشركون العزى: يا عزى.
يا عزى.
فمثل هؤلاء ليسوا من أهل القبلة ولو صلوا وصاموا، وليسوا من أهل التوحيد؛ فلا يدخلون في هذا الباب، إنما الكلام في المسلمين من أهل التوحيد، ومن أهل القبلة وارتكبوا الكبائر.
стр. 182
قول الخوارج في أصحاب الكبائر والرد عليهم
أصحاب الكبائر عند أهل السنة هم من فعلوا من الذنوب ما دون الشرك، فإننا لا نخرجهم من الإسلام ولا من الإيمان، بل نقول: إنهم مؤمنون ولكن إيمانهم ناقص.
فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويسمى فاسقاً -أي: عاصياً- لأجل الكبيرة التي اقترفها، ويسمى ناقص الإيمان؛ لأن نقص إيمانه حمله على أن يفعل المعاصي ويترك الطاعات، فلذلك نقول: إنه لا يخرج بذلك من مسمى الإيمان.
هذا هو قول أهل السنة.
أما الخوارج فإنهم يكفرون العاصي أياً كانت معصيته، فيكفرون الذين يأكلون أموال اليتامى ويخلدونهم في النار، ويستبيحون قتلهم وسفك دماءهم ونهب أموالهم وسبي نسائهم، ويقولون: إن الله توعدهم بالنار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] .
ومثل ذلك قذف المحصنات، فقد توعد الله عليه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٣-٢٥] ، فيكفرونه إذا رمى محصناً أو محصنة، وأخرجوه من الإيمان وأدخلوه الكفر واستباحوا قتله.
يقول العلماء عن الخوارج: إنهم يجعلون الذنب كفراً والعفو ذنباً، فمثل هؤلاء قد قاتلهم الصحابة وبدعوهم وشنعوا عليهم.
ثم جاء المعتزلة فوافقوا الخوارج في بعض الأشياء، منها أن أهل الذنوب الذين يموتون عليها يخلدون في النار ولا يخرجون منها، فإذا مات وهو يأكل الربا، أو مات وهو يزني أو يسرق، أو يأكل مال يتيم من غير توبة، أو مات وقد قذف محصناً، أو تولى يوم الزحف، أو نحو ذلك من المعاصي فعند المعتزلة أنه خالد في النار لا يخرج منها، ولكنهم في الدنيا لا يعاملونه معاملة الكافر ولا معاملة المسلم بل هو في منزلة بينهما، هذه حالة المعتزلة.
ونحن نقول: إن أحداً من أهل التوحيد وممن يصلي إلى القبلة لو ارتكب ذنوباً كبيرة مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله فإنه لا يكفر، ولا نخرجه من الإيمان ولا ندخله في الكفر، ولا نقول: إنه يخلد في النار.
بل: أمرهم في الآخرة إلى الله تعالى، إن شاء غفر لهم وأدخلهم الجنة، وإن شاء أدخلهم النار بحسب سيئاتهم وذنوبهم، ثم مآلهم بعد تكفير الذنوب إلى أن يخرجوا إما بشفاعة الشافعين وإما برحمة الله تعالى، وذلك إذا عُذبوا العذاب الذي يتحملونه بقدر ذنوبهم، ومن الأدلة على ذلك هذه الآية التي ذكرها الإسماعيلي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فقد جاءت هذه الآية في موضعين في سورة النساء، (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) ، يعني: ما دون الشرك (لِمَنْ يَشَاءُ) ، إن شاء غفر لهم رحمة منه وفضلاً.
وأدخلهم الجنة أول وهلة، وإن شاء أدخلهم دار العذاب للتطهير والتمحيص، كإدخال الحديد في كير الحداد حتى يصفيه مما فيه من الأدران والصدأ، فيدخلهم النار بقدر ذنوبهم ثم يخرجهم منها.
стр. 183
خلاف أهل السنة في تارك الصلاة
стр. 184
القائلون بكفر تارك الصلاة وأدلتهم
قال المصنف ﵀: [واختلفوا في متعمد ترك الصلاة المفروضة حتى يذهب وقتها من غير عذر فكفّره جماعة] .
منهم: عمر ومعاوية وابن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء، ومن التابعيين: إبراهيم النخعي وابن المبارك والسختياني وابن راهويه وابن حنبل وابن أبي شيبة وغيرهم.
وكذلك أيضاً من مشايخنا الذين أدركناهم: محمد بن إبراهيم وعبد الله بن حميد رحمهما الله يريان أنه يكفر، وكذلك شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز وابن عثيمين يريان أنه يكفر، وتجد فتاويهما، ولا شك أن هذا القول هو الذي تؤيده الأدلة، والأدلة عليه كثيرة.
فمن القرآن قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] قيل: إن (غيّا) ما ذكر من سيئاتهم أنهم اتبعوا الشهوات وأضاعوا الصلاة، وتوعدهم بغي، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤-٧] ، فتوعدهم بويل، قيل: إنه شدة العذاب وذكر من أعمالهم أنهم يصلون ولكن يؤخرون الصلاة عن وقتها ويراؤون بها.
ومن الأدلة أيضاً أن الله حكى عن أهل النار حين قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦] ، فبدأوا أعمالهم بترك الصلاة.
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] يعني: في الدنيا.
فيمتنعون مع قدرتهم، فهذا دليل على أنهم توعدوا في الآخرة بالعذاب.
ومن السنة قول النبي ﷺ في حديث جابر المشهور: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ، ولا شك أنه حديث صحيح مشهور، وكذلك أيضاً حديث بريدة في صحيح مسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) ، وحديث: (من ترك الصلاة فقد برئت منه ذمة الله) .
وفي صحيح البخاري: (من ترك العصر حتى يخرج وقتها فقد برئت منه الذمة) ، وفي رواية: (من ترك العصر حبط عمله) يعني: تركاً كلياً.
وفي حديث آخر: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ماله) ، وثبت في الصحيح عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة.
ولا شك أن هذه أدلة واضحة في أن من ترك الصلاة متعمداً وهو موقن بأنها فريضة الله ومعترف بذلك فإنه يعامل معاملة الكفر.
стр. 185
القائلون بعدم كفر تارك الصلاة وأدلتهم
هناك آخرون لا يكفرون تارك الصلاة، كـ الشافعي وجماعة من أصحابه لا يرون أنه كافر، ويقولون: إن الترك ليس هو الجحد ولكنه التهاون، أو أن المراد بتركها جحدها، وهناك فرق بين الترك والجحود.
وقالوا: إن من جحد وجوبها فإنه يكفر ولو صلى، فلو رأينا إنساناً يصلي ولكنه يطعن في الصلاة ويقول: هذه الصلاة عبث، وهذه الصلاة مشغلة ولا فائدة فيها، ولا أهمية لها، وأنتم تصلون بدون فائدة، ولا حاجة إلى هذه الصلاة ويسب الصلاة ويتمنى أنها ما فرضت فنقول: إن هذا كافر ولو أنه يصلي، ما دام أنه ينكر فرضيتها وجوبها.
فالحاصل أن هنا قولين: قول لأكثر العلماء المتقدمين والمتأخرين أن الصلاة تركها كفر.
وقول أنه ليس بكفر ولكنه فسوق.
والقول الراجح أنه إذا أصر على الترك، واستمر على ذلك، ثم صبر على القتل حتى قتل فإنه يحكم بكفره ويقتل كافراً.
أما إذا تاب وأناب ودعي إلى الصلاة فاستجاب لها ولو كان قد تركها مدة فإننا لا نحكم بكفره.
стр. 186
قتل تارك الصلاة
مذهب أهل السنة عدم التكفير بالذنوب ما لم تبلغ تلك الذنوب درجة الشرك، وأن الذنوب التي هي دون الشرك لا يكفرون بها ولا يخرجون صاحبها من الملة إذا كان من أهل القبلة، والمذاهب المخالفة مذهبان: الأول: مذهب الخوارج، وهم يكفرون أصحاب الذنوب ويخرجونهم من الإسلام ويدخلونهم في الكفر، ويستحلون دماءهم وأموالهم، ويحكمون بأنهم في النار مخلدين فيها.
الثاني: مذهب المعتزلة، وهم يجعلونهم في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، فلا يجعلونهم مؤمنين مسلمين يوالون أو يناصرون، ولا يجعلونهم كفاراً يقاتلون وتستحل دماؤهم، بل هم في منزلة بين المنزلتين، وأما في الآخرة فإنهم يحكمون بخلودهم في النار.
أما نحن -أهل السنة- فإننا لا نكفرهم، ولكن نقول للعاصي: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
هكذا عبر شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية.
واختلفوا في ترك الصلاة: هل يكفر به أم لا يكفر به على قولين، وتعرض المؤلف الإسماعيلي للقولين، فذكر قول من كفروه وأخرجوه من الإسلام، والذين لم يكفروه، وحكى أن الذين لم يكفروه حملوا قوله ﷺ : (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) على أن المراد بالترك هنا: التبري منها والتبري من أهلها وجحدها، واستدل لهذا الاستنباط بقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف:٣٧] ، فإنه هاهنا عبر بالترك والمراد به الجحود والإنكار.
ولكن ظاهر الأحاديث إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وقد اتفقوا -عدا الحنفية- على أنه يقتل، ولكن اختلفوا هل يقتل حداً أو ردة؟ فالذين قالوا: يقتل حداً قالوا: يكون ذنبه كذنب الزاني الذي يقتل لأجل الزنا، والقاتل الذي يقتل قصاصاً، فيعامل بعد القتل معاملة المسلمين بأن يصلى عليه ويدفن مع المسلمين.
والذين قالوا: يقتل قتل ردة قالوا: يحكم بكفره قبل قتله، ويمنع أن يرث أقاربه من المسلمين ولا يرثونه، ويفرق بينه وبين امرأته إذا كانت تصلي، وإذا مات فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يوارى كما يوارى الكفار.
هذا هو الذي يترتب على هذا الخلاف.
ولكن المسألة قد فرضوا فيها فرضاً شبه مستحيل، وهو أنهم يقولون: إننا إذا علمنا أنه تارك للصلاة أحضرناه ثم وعظناه وخوفناه، فإذا أصر وقال: لا أصلي هددناه بالقتل، فإذا امتنع وقال: لو قطعتموني قطعة قطعة فإني لا أصلي.
وأصر على ترك الصلاة حتى قتل، فالذي يفعل هذا لا شك أنه ليس مقراً بالصلاة، ولا يمكن أن يقول: أنا أقر بالصلاة، وأشهد أنها فريضة الله وعمود الإسلام وركن من أركانه، وأن الله قد فرضها على نبيه ليلة الإسراء فوق السماء السابعة، وأنه قال: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) ، وأنه جعلها آخر ما يفقد من الدين وأول ما يحاسب عليه العباد، وجعلها أظهر العبادات البدنية، أقر بذلك كله وأقر بأنها فريضة الله، ولكني مع ذلك لا أصلي ولو قطعتموني قطعة قطعة فهل يمكن أن يكون هذا صادقاً في أنه مقر بذلك؟ يتضح أنه كاذب في قوله: إنه مقر بها وإنها عبادة وفريضة الله.
يستحيل أو يستبعد أن يقر ويعترف بها ومع ذلك يصر على تركها ويصر على القتل ويصبر عليه وهو مع ذلك مقر بها.
فعرف بذلك أن مثل هؤلاء الذين لا يصلون لو عرضوا على السيف فإنهم لا يصبرون، بل يقولون: لا تقتلونا ونحن سنصلي.
ولا يمكن أن أحداً منهم يقر بالصلاة ويعترف بها ويصبر على القتل، فالذي يصبر على القتل نقول له: أنت كاذب في قولك: إنك تقر، فإذاً نعاملك معاملة الكفار الكاذبين.
والمسألة قد بحثها ابن القيم ﵀ وأطال فيها في كتاب الصلاة، فابتدأ الكتاب بقول من يقول: إنه يقتل.
ثم في أثناء الكتاب ذكر أدلة من يقول: إنه كافر وإنه خارج من الإسلام.
وأورد على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، ثم ذكر أدلة من لا يكفره وبين دلالتها، ثم حكم بينهما وبين القول المختار، وبين أنه لا يمكن أن يصبر على القتل وهو مع ذلك معترف بأنها فريضة الله.
стр. 187
الأسئلة
стр. 188
كيفية التعامل مع رؤساء العمل من أصحاب البدع
السؤال
إذا ابتلي إنسان بصاحب عقيدة إسماعيلية في عمله رئيس عليه، فكيف يتعامل معه خاصة وهو يظهر أخلاقاً عالية واحتراماً كبيراً؟
الجواب
إذا ابتلي بمبتدع وصار هذا المبتدع رئيساً عليه فإننا نقول له: بالنسبة إلى عملك الذي أسند إليك فإنك ستؤديه كما ينبغي، وأما موافقة هذا المبتدع على شيء من بدعته فإن ذلك لا يجوز، ولا شك أن المبتدع لا يستطيع أن يلزم من تحت ولايته بشيء من البدعة، وذلك لأن هذه البدعة عقائدية، فلا يقول لهم: ألزمكم بأن تعتقدوا كذا، أو تعتقدوا كذا وكذا، أو تنكروا كذا وكذا.
لا يستطيع أن يلزمهم، ولا أن يقول لهم: ألزمكم -مثلاً- بأن تشتموا الخلفاء الراشدين أو تسبوهم، أو تدعو أهل البيت أو تعبدوهم من دون الله.
كما يصنع هو، ولا يقول: ألزمكم بأن تعتقدوا في الأولياء أنهم أفضل من الأنبياء.
كقول الصوفية أو ما أشبه ذلك، أما الأعمال الإدارية الفنية فإنه يتحمل ذلك إلى أن يجد رئيساً أفضل منه.
стр. 189
حكم الأعمال والأقوال الكفرية من غير اعتقاد
السؤال
ما حكم من عمل عملاً كفرياً أو تكلم بكلمات كفرية، وهل يشترط في ذلك الاعتقاد، وهل يحكم عليه بالكفر؟
الجواب
ليس من تكلم بكلمة كفرية يحكم بكفره مطلقاً؛ لأنها قد تجري على لسانه من غير اعتقاد، وقد يكون متأولاً أو نحو ذلك، ولكن يستفصل بعد ذلك، فإذا رؤي من عقيدته الاعتراف بما قاله فإنه يحكم بكفره، ويدعى إلى التوبة ويهدد إذا لم يتب، وقد كفر الله تعالى المستهزئين بقوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] لما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء.
واعتذروا بقولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] فقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] .
فالحاصل أن من أتى بكلمة كفر ناطقاً بها من غير اعتقاد فإنه يستفصل منه، فإذا رؤي أنه مصر عليها حكم بكفره، وإذا ادعى أنه متأول أو جاهل قبل عذره وقبلت توبته.
стр. 190
شمول التركة لكل أموال المورث
السؤال
بعد وفاة والدي صرف مبلغ معين له مما يسمى مكافأة نهاية الخدمة، ووزع للأولاد ما عدا اثنين منهم لم يبلغوا بعد وأربعاً من البنات، فهل هذا المبلغ يعتبر إرثاً ويوزع من التركة؟
الجواب
أرى أنه ما دام خرج باسمه فإنه يلحق بالتركة، ويقسم بين الورثة الذين يرثونه من أولاده ذكوراً وإناثاً على حسب ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
стр. 191
حكم إسبال الثياب
السؤال
نلاحظ على بعض الإخوة إسبال الثياب، وهو لا يليق بالمسلم فضلاً عن طالب العلم، فنرجوا التوجيه وبيان الموضع المحرم والمكروه والمباح؟
الجواب
لا يخفى على طالب العلم ما ورد من الوعيد في إسبال الثياب، مثل قوله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) ، فبدأ بالمسبل، وهو الذي يرخي ثيابه إلى ما تحت الكعب، وورد الحديث بلفظ: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) ، وهذا أيضاً وعيد شديد، وكأنه يقول: إن هذا الموضع الذي ستره وهو لا يجوز ستره -وهو ما تحت الكعب- يعذب بالنار.
وإذا عذب به فإنه تعذب بقية البدن، أو يكون سبباً في تعذيب الإنسان كله، والأحاديث في ذلك كثيرة، وفي الحديث المشهور في صحيح مسلم قال ﷺ : (أزرة المؤمن إلى نصف الساق، ولا حرج فيما بينه وبين الكعب) أباح له ما بينه وبين الكعب، ولكنه فضل أن تكون أزرته -يعني: إزاره أو قميصه أو عباءته- إلى نصف الساق، والمستحب أن تكون بين ذلك، أي: مستدق الساق، وهو أدق ما تصير إليه.
فهذا هو الأفضل، أن تكون الأزرة واللباس إلى هذا الحد، وذلك لأنه منتهى الكعب، والكعب ينتهي بمستدق الساق، فيكون هذا المقدر هو الذي يجعل اللباس إليه، فلينتبه طالب العلم ولينبه إخوانه وأقاربه على هذا الذنب الذي تهاون به الكثير.
стр. 192
رد الاستدلال بحديث البطاقة على عدم كفر تارك الصلاة
السؤال
يحتج الذين لا يقولون بكفر تارك الصلاة بحديث البطاقة، فكيف نرد عليهم؟
الجواب
لم يذكر أنه تارك للصلاة، إنما ذكر أن هذه البطاقة رجحت بالسيئات، ولا يمنع أن توجد أعمال كثيرة من الصالحات ومن جملتها الصلاة، إنما ذكر أن له تسعة وتسعين سجلاً كل سجل منها مد البصر، وأن فيها سيئات، وأنه لما قيل له: ألك عذر، ألك حسنة لم يتذكر شيئاً، فأخرجت له تلك البطاقة ووضعت في كفة الميزان، ولكن لا يجزم أن لا يكون هناك في الكفة غيرها، والصحيح أن هذه الكلمة إذا كانت عن يقين وعقيدة وإيمان قوي وتصديق بمدلولها فإن صاحبها يحافظ على الصلوات ويداوم عليها، ولا يليق أن يقولها وهو موقن بها ثم مع ذلك يترك الصلوات ويتساهل بها، فلا شك أن ترك الصلاة يعتبر تهاوناً بالشهادتين.
стр. 193
وجوب تشمير الأكمام الطويلة في الصلاة وخارجها
السؤال
من طبيعة عملنا لبس (البدلة) ، و (البدلة) لها أكمام طويلة، وفي النظام لابد من التشمير إلى المرفق، فهل يلزم فك أو إزالة هذا التشمير إذا جاءت الصلاة؟ وأيضاً في الثوب إذا توضأت ودخلت في الصلاة قبل أن تنزل الأكمام، فهل في هذا نهي؟
الجواب
لا فرق في وجوب الرفع إلى مستدق الساق بين هذه الأكسية البدلات أو البنطلونات أو الأزر أو السراويلات أو العباءات، فالكل يكون إلى مستدق الساق، فإذا كانت البدلة لها أكمام تصل إلى الأرض فإنه يشمرها ويرفعها إلى أن تكون إلى مستدق الساق ويربطها بإبرة أو نحو ذلك، أو يرفعها حتى لا يكون مسبلاً، والإسبال عام في الصلاة وفي غير الصلاة.
أما أكمام اليدين فعليه أن يستر بها الذراعين، ولكن إذا احتاج إلى أن يشمرها عن الذراعين فلا بأس، والأفضل أن يستر الذراعين، وكذلك أكمام الرجلين إذا كان في الصلاة وكانت مسبلة فإنه يشمرها إلى مستدق الساق، والأولى أنه يقصها أو يرفعها إلى أن تصل إلى مستدق الساق.
وإذا عمل ذلك -أي: التشمير- قبل أن يدخل في الصلاة فلا حرج، ولا يدخل في حديث: (ولا نكف شعراً ولا ثوباً) .
стр. 194
نصيحة للموسوس في صلاته
السؤال
أحياناً أشك في الوضوء، وأحياناً في الصلاة: هل كبرت تكبيرة الإحرام أم لا، وهل قرأت الفاتحة أم لا، وأحياناً: هل قرأت التشهد الأخير أم لا، وأحياناً: هل سلمت أم لم أسلم، فما التوجيه في ذلك؟
الجواب
يبتلى بهذا كثير من الموسوسين الذين يتغلب عليهم الشيطان ويلقي في أنفسهم هذه الوسوسة، فيتردد أحدهم كثيراً ويتألم ويتعذب ويلقى عنتاً ومشقة وصعوبة، فنقول: مثل هؤلاء عليهم الاستعاذة من الشيطان والإكثار من الذكر والدعاء، وننصحهم بأن لا يلتفتوا إلى هذه التوهمات، فإن الأصل أنك توضأت، فإذا جاءك الشيطان وقال: قد بقي من أعضائك كذا وكذا وأنت قد فرغت فلا تلتفت إلى ذلك، وإذا جاءك في الصلاة بعدما تكبر فقال: إنك ما كبرت فلا تلتفت إلى ذلك، وإذا جاءك في الصلاة بعدما فرغت من القراءة وشككك هل قرأت أم لا فالأصل أنك قرأت؛ لأنك متعود لذلك فلا تُعِد القراءة، وكذلك لا تعد شيئاً من ركعات الصلاة ولا من أركانها، واستعذ بالله من الشيطان حتى تريح نفسك من هذه التوهمات.
стр. 195
الأعمال من مسمى الإيمان
السؤال
هل جنس العمل ركن في الإيمان ومن لم يأت به كفر؟
الجواب
لا شك أن الأعمال من مسمى الإيمان، وأن العمل نفسه جزء من الإيمان، وقد سمى الله تعالى الصلاة إيماناً فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم قبل صرف القبلة.
فجعل ذلك إيماناً، فمن لم يعمل لا يكون مؤمناً حقاً، أي أن تركه للعمل دليل على أنه لم يكمل إيمانه، فترك الصلاة نقص في الإيمان، وكذلك ترك الزكوات نقص في الإيمان وثلم فيه، فمن لم يأت بالأعمال الصالحة فإن إيمانه ناقص.
стр. 196
حكم الصلاة في المقابر
السؤال
كنا نحفر قبراً فأدركتنا صلاة العصر فأديناها جماعةً في المقبرة، فما الحكم في ذلك؟
الجواب
ورد النهي عن الصلاة في المقابر، ولكن ما دام أن هذا العمل صدر منكم عن جهل وعدم استحضار للدليل فيعفى عن ذلك ولا تعاد، وإذا حضرت الصلاة في مثل هذا فإنهم يخرجون عن المقبرة ويصلون في المساجد التي في داخل البلد.
стр. 197
حكم إعطاء الزكاة لمدين بدين ربوي
السؤال
لي قريب عليه ديون كثيرة من ضمنها دين ربوي، وهو مسجون على هذا الدين الربوي، فهل أعطيه من الزكاة؟
الجواب
تحل له الزكاة ما دام أنه سجين لأجل الدين، ولو كان أصحابها عصاة فالإثم عليهم، وقد يكون مضطراً.
وعلى كل حال إذا وجد شيء من الزكاة فإنها تحل له.
стр. 198
رد الاعتذار بالإرهاق عن صلاة الجماعة
السؤال
رجل إذا عاد من العمل يتكاسل عن أداء الصلاة مع الجماعة، وعندما ينصح ويحث على أدائها مع الجماعة يعتذر بأنه مرهق ومتعب من العمل، فهل يعد هذا عذراً للتخلف عن صلاة الجماعة؟
الجواب
لا يعد هذا عذراً، والصلاة ليس فيها صعوبة ولا مشقة، فواجب أن يخبر بأنه لا عذر له، وليس العمل والإرهاق عذراً في ترك الصلاة؛ لأن المساجد قريبة، وقد يكون أيضاً عنده سيارة توصله إلى المسجد بلا كلفة ولا مشقة.
ويقال له أيضاً: إن الصلاة أولى من العمل الذي أنت تشتغل فيه، سواءٌ أكان عملاً حكومياً أم فردياً، فالصلاة أولى بأن يهتم لها، وأن يترك لها من الوقت ما يكفي، فعلى كل حال لا عذر له في ذلك، وفي إمكانه أن يريح بدنه بعد الصلاة.
стр. 199
شرح اعتقاد أهل السنة [١٠]
من عقائد أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعة لرسول الله ﷺ وأنبيائه والمؤمنين، وإثبات حوض النبي ﷺ ، والحساب، وأننا لا نشهد لأحد أنه من أهل الجنة أو النار إلا بدليل من الكتاب والسنة.
стр. 200
الفرق بين الإسلام والإيمان
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة في بحثه في مسائل الإيمان: [وقال كثير منهم: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموماً إلى الآخر فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعاً.
أو مفردين أريد بأحدهما معنىً لم يرد بالآخر، وإن ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم.
وكثير منهم قالوا: الإسلام والإيمان واحد، فقال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] ، فلو أن الإيمان غيره لم يقبل، وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] .
ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختص بالاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به، كما قال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، وقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧] ، وهذا أيضاً دليل لمن قال: هما واحد.
ويقولون: إن الله يخرج من النار قوماً من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين برحمته، وإن الشفاعة حق، وإن الحوض حق، والميزان حق.
والحساب حق، ولا يقطعون على أحد من أهل الملة أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار؛ لأن علم ذلك مغيب عنهم لا يدرون على ماذا يموت: أعلى الإسلام أم على الكفر؟ ولكن يقولون: إن من مات على الإسلام مجتنباً للكبائر والأهواء والآثام فهو من أهل الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] ، ولم يذكر عنهم ذنباً، ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة:٨] .
ومن شهد له النبي ﷺ بعينه بأنه من أهل الجنة وصح له ذلك عنه فإنهم يشهدون له بذلك اتباعاً لرسول الله ﷺ وتصديقاً لقوله] .
تكلم هنا على الفرق بين الإسلام والإيمان، وقد تقدم قول أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وعلى هذا اتفق سلف الأمة، ولما ابتدأ البخاري كتابه بعد المقدمة بالإيمان قال: وهو قول وفعل.
ويريد بالفعل فعل القلب وفعل الجوارح، جاء بهذه العبارة من نفسه، ونقل عنه أنه لما ذكر مشايخه الذين ذكرهم في صحيحه قال: إني خرجت هذه الأحاديث عن أكثر من ثلاثمائة شيخ كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل.
ولكن اختلفوا هل الإسلام والإيمان بمعنى واحد أو بينهما فرق.
على أقوال.
فذهب كثير من العلماء إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وأن من أطلق عليه مسلم فإنه يصدق عليه أنه مؤمن وبالعكس، ويميل إلى هذا ابن رجب في شرح الأربعين النووية في شرح حديث جبريل الذي فيه تفسير الإسلام والإيمان، أن أحدهما يفسر بما يفسر به الآخر، سواء اجتمعا أو افترقا.
وذهب آخرون إلى أنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، ومعنى ذلك أنهما إذا ذكرا جميعاً فلكل واحد منهما تفسير، وإذا ذكر أحدهما أغنى عن الآخر، فيفسر الإيمان بأنه الأعمال الباطنة والإسلام بأنه الأعمال الظاهرة، وذلك بناء على الأصل، فإن أصل الإيمان هو التصديق بالقلب الذي هو يقينه وتصديقه، وأصل الإسلام هو الإذعان والانقياد، يقال: استسلم فلان للأمير وبمعنى: انقاد له وأذعن ولم يعص ولم يتخلف ولم يتبرم.
فلذلك يقال: المسلم هو الذي استسلم لأمر الله وانقاد له، وأذعن وخضع له وتواضع، وأطاعه طوعاً وكرهاً، أطاع الله تعالى مختاراً دون أن يتردد في أمر من أمور الدين، إذا أمر بأمر بادر إليه، وإذا نهي عن شيء في الإسلام تركه وابتعد عنه، يعتقد أن ما أمر الله به فإنه عين المصلحة، وما نهى عنه فإنه عين المفسدة، متى سمع بأن لله طاعة في كذا سارع إليها وأتى إليها محباً لها مندفعاً إليها اندفاعاً قوياً كأنه يقاد باختياره دون أن يكون مكرهاً، فمثل هذا يسمى مسلماً، ويقال مثلاً في الإبل: استسلم البعير لقائده.
أي: أذعن وانقاد له.
فمثلاً: إذا رأيت اثنان يقودان جملين، أحد الجملين مطاوع لمن يقوده، عندما يقوده يتبع قائده ولا يتردد ولا يستعصي ولا يعاند، بل هو مذعن منقاد لا يلتوي ولا يمتنع، فيسمى هذا مستسلماً، بينما الجمل الثاني دائماً ينفر ممن يقوده ويستعصي عليه ويجر رأسه إذا قاده بخطامه، وربما تفلت من الذي يقوده وشرد وهرب منه، فيقال: هذا الجمل غير مستسلم.
وورد في ذلك حديث ولو كان ضعيفاً لكنه يستشهد به: (مثل المؤمن كمثل الجمل الأنف إن قيد انقاد، وإن أنيخ ولو على صخرة استناخ) ، هكذا مثل المسلم بأنه كالجمل الأنف، أي: الجمل المذلل الذي يكون بيد من يقوده، إن قاده إلى مرتفع، وإن قاده إلى منخفض، وإن قاده إلى مكان مظلم، وإن قاده إلى مكان فيه حجارة أو نحو ذلك فإنه ينقاد مع من يقوده ويستسلم ولا يستعصي أبداً، هذا حقاً هو الذي يصير مثل المؤمن، إن قيد انقاد، وإن أنيخ ولو على صخرة ولو على رأس جبل استناخ، هذا تعريف الإسلام.
وفسره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بأنه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
فالاستسلام هو ما ذكرنا، يقول الله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣] يعني: له أسلموا واستسلموا، وأنابوا وأذعنوا، فجميع المخلوقات مستسلمة له تحت تصرفه وتقديره.
فهذه حقيقة الإسلام، فعرفنا أن كلاً من الإسلام والإيمان له معنى في اللغة وله معنى في الشرع، ولكن يظهر أن الشرع يستعمل الإسلام فيما يستعمل فيه الإيمان، ففي حديث جبريل المشهور فرق بينهما، قال: (فأخبرني عن الإيمان.
قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، ففسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وذلك دليل على أنه هو في الأصل اليقين أو عمل القلب، وفي تعريف الإسلام (وقال: أخبرني عن الإسلام.
قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً) ، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، فالشهادتان ولو كانتا قولاً لكنها ظاهرتان، فيظهر أثرهما بأن يعبد الله وحده ويطيعه، والصلاة أمر ظاهر مشاهد، والصوم كذلك أيضاً أمر ظاهر مشاهد، والزكاة إيتاؤها أيضاً أمر ظاهر، والحج أمر ظاهر، فهذه هي الأعمال الظاهرة، لكن جاء في حديث ابن عباس في وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال: (آمركم بأربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا الخمس من المغنم) ، فجعل هذا هو الإيمان، فذكر فيه الشهادتين والصلاة والزكاة، فدل على أنه قد يفسر الإسلام بما يفسر به الإيمان، وبالعكس فإن كلاً منهما يدخل في الآخر، فإذا ذكرا جميعاً فالإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان هو أعمال القلب، وإذا اقتصر على الإسلام فإنه يستلزم دخول أعمال القلب فيه، وإن اقتصر على الإيمان كذلك دخلت فيه الأعمال الظاهرة لأنها من تعريفه، وقد كتب فيه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية ﵀، وهو أوسع من كتب فيه، فكتب فيه كتاب الإيمان الكبير، وكتاب الإيمان الأوسط، وكتاب الإيمان الصغير، ولكن كتاب الإيمان الصغير يظهر أنه ليس من كتابته، وإنما هو من كتابة بعض أصحابه اختصره من كتبه، وإذا تأملنا كتاب الإيمان الكبير ظهر لنا أنه ﵀ كأنه لا يوافق على أن الإسلام يدخل فيه الإيمان، بل يرى أن الإسلام يختص بالأعمال الظاهرة، وأن من وصف بأنه مسلم لا يوصف بالإيمان، فهذا هو الذي يميل إليه، وقد سبقه إلى الكتابة في الإيمان علماء كثر، فمنهم: ابن أبي شيبة صاحب المصنف له رسالة في الإيمان مطبوعة، ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام، وإن كان من علماء اللغة لكنه أيضاً من علماء الشرع، له رسالة أيضاً مطبوعة في الإيمان، ومنهم الإمام ابن منده واسمه: محمد بن إسحاق، عالم مشهور، له كتاب مطبوع في ثلاثة أجزاء اسمه أيضاً (الإيمان) ، مما يدل على أن السلف ﵏ اهتموا بهذه المسألة، فكتبوا فيها وتوسعوا، فالحاصل أن الإسلام يفسر عند الإطلاق بالأعمال الظاهرة، وهي الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وتدخل فيه بقية الأعمال الظاهرة، وتكون الأركان الخمسة بمنزلة الدعائم التي يقوم عليها ولا يتم إلا بها، كما إذا فرضنا مثلاً أن بيتاً قائماً على أربعة أركان فإننا نسمي كل ركن دعيمة، وجمعها دعائم، أي: أسس يقوم عليها ولا يتم إلا بها، فلو انهد جانب من جوانبه أصبح مفتوحاً تدخله السباع والدواب، ويدخله اللصوص، ولا يصلح أن يسكن، سواء انهد الجانب الأيمن أو الأيسر أو الأمامي أو الخلفي فلا يصلح للسكنى، فيقولون: كذلك الإسلام إذا ترك ركن من أركانه فإنه لا يتم ولا ينتفع به صاحبه، وجعلوا الركن الأساسي عمديته اللتين يعتمد عليهما، فقالوا: الشهادتان بمنزلة الأساس أو بمنزلة الأرض التي يعتمد عليها والسقف الذي يظله، فإذا عدمت الشهادتان أو إحداهما فإنه لا ينتفع به، ولا يمكن أن يكون، فالإنسان لا يبني بيتاً في الهواء، لابد أن يكون البيت على قرار، ثم لو بناه ولم يسقفه بل تركه مفتوح السقف لم ينتفع به، فلابد أن يكون له أساس وهو الأرض وسقف وهو أعلاه، فجعل الشهادتين بمنزلة الأساس والسقف، وجعلت
стр. 201
إثبات الشفاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إن الله يخرج من النار قوماً من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين، وإن الشفاعة حق، والحوض حق، والمعاد حق، -وفي نسخة: والميزان حق- والحساب حق] .
هذه الفقرة تتعلق بالإيمان بما بعد الموت، تتعلق بالإيمان بالبعث وما يكون فيه، وفيها رد على المعتزلة والخوارج، فإنهم ينكرون شفاعة الشافعين، وقد ذكر العلماء أن طوائف المسلمين في الشفاعة على ثلاثة أقوال: قوم أثبتوها مطلقاً، وقوم أثبتوها بشروط، وقوم نفوها.
فالذين نفوا الشفاعة هم الخوارج والمعتزلة، وذلك لأنهم يكفرون الناس بالمعاصي، وعندهم أن من دخل النار من أصحاب الذنوب فإنه يخلد فيها، فالخوارج يكفرونه في الدنيا والآخرة، والمعتزلة يفسقونه في الدنيا ويحكمون بتخليده في الآخرة في النار، وينكرون على هذا شفاعة الشافعين، وينكرون أيضاً الأحاديث التي وردت في الشفاعة مع كثرتها، ويستدلون بمثل قول الله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣] ، وقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] ، فمثل هذه الآيات فيها نفي الشفاعة، فلذلك قالوا: ليس في الآخرة شفاعة، بل من دخل النار فهو مخلد فيها.
وقد يستدلون بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] ، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧] على أن من دخل النار فإنه لا يخرج منها، ولا دلالة في الآية، بل الآية فيها نفي الشفاعة التي هي بدون إذن الله، ولأجل ذلك أثبت الله تعالى الشفاعة بشرطين -وعليه قول أهل السنة-: الشرط الأول: الإذن للشافع.
الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع.
كما في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع، وذكر الرضا في سورة طه وفي سورة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩] ، فهذه الآية ذكر فيها الشرطين: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩] ، وذكر الإذن في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وفي آية سورة سبأ: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣] ، فكل هذه أدلة على أن هناك شفاعة، ولكنها لا تكون إلا بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، وعلى هذا فإن العبد لا يطلبها إلا من الله، فيقول: يا رب! اجعلني ممن تنفعه شفاعة الشافعين، أسألك أن تُشَفِّع فيِّ أنبياءك ورسلك وملائكتك، أسألك عملاً صالحاً أكون به أهلاً أن يشفع فيّ الشافعون.
وما أشبه ذلك.
ولا تطلب الشفاعة من الإنسان، فلا يقال: يا رسول الله! اشفع لنا.
لا تطلب الشفاعة إلا من الله تعالى؛ لأنه هو الذي يملكها، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤] أي: هو الذي يملكها.
وأخبر بأنهم لا تنفعهم الشفاعة يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٢-٤٨] .
فالحاصل أن قول أهل السنة: [أن الله يخرج من النار قوماً من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين، وإن الشفاعة حق] رد على المعتزلة الذين أنكروها.
كذلك الاعتراف بأن الحوض حق، وقد ورد فيه أكثر من أربعين حديثاً، منها ما جاء في وصفه أنه: (طوله مسيرة شهر، وعرضه مسيرة شهر، آنيته عدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً) يرده المؤمنون، ويذاد عنه الكفار، والمعاد يراد به البعث بعد الموت، وسمي معاداً لأن الناس عادوا إليه، كأنهم كانوا في الدنيا ثم عادوا من الدنيا إلى الدار الأخرى.
стр. 202
إثبات الميزان
والإيمان بالميزان أيضا حق، والميزان هو الذي ينصب وتوزن فيه أعمال العباد، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء:٤٧] .
وذكر الله تعالى أن الموازين تخف وترجح، فمن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون، ومن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦-٩] .
وورد في الأحاديث أنه ميزان له كفتان، وله لسان، وأنه توضع فيه الأعمال، وأنه يرجح أو يخف بحسب ما يوزن فيه.
стр. 203
إثبات الحساب
وكذلك الحساب حق، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨] ، ويقول تعالى عن المؤمن: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] ، وكذلك الكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٦] ، ويقول تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] ، ويخبر الله عن سرعة الحساب فيقول: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٢] ، فالحساب على الأعمال حق، ويقول في الحديث: (من نوقش الحساب عذب) ، فكل ذلك دليل على إثبات هذه الأشياء.
стр. 204
لا نقطع لأحد من أهل الملة أنه في الجنة أو في النار
قال المصنف رحمه الله تعالى في بيان عقيدة أهل السنة: [ولا يقطعون لأحد من أهل الملة بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار] ، فلا نشهد لمعين بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، وذلك لأنا لا نعلم ما يموت عليه، هل يموت على الإسلام أو على الكفر؟ لا نعلم الخواتيم ولا ندري ما مات عليه، بل نعتقد أن من مات على الإسلام حقاً مجتنباً للكبائر والأهواء والآثام فهو من أهل الجنة، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة:٧-٨] ، ولكن هذا مجمل، وكذلك من شهد له النبي ﷺ أنه من أهل الجنة سواء في الكتاب أو السنة فإننا نقر بأن ذلك حق ونشهد له، فلا نشهد لأحد بالجنة ولا بالنار إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ ، ونقف عند هذا، والله أعلم.
стр. 205
من يشهد له بالجنة أو بالنار
الشهادة بالجنة أو النار للمكلف مسألة من مسائل العقيدة، وعقيدة أهل السنة أنا لا نشهد بالجنة ولا بالنار إلا لمن ورد فيه نص صريح محدد أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، وإلا فإنا نتوقف ولا نجزم بالجنة ولا بالنار لمعين، وذكروا ذلك في كتب العقائد وقالوا: إنا لا ندري ما عاقبتهم، فهذا الإنسان الذي رأيناه مسلماً ومؤمناً وتقياً ونقياً لا ندري ما عاقبة أمره، ولا بماذا ختم له، فقد يختم له بعمل سيء، وكذلك هذا الكافر أو الفاسق أو المعاند الذي نراه سيء الديانة والمعتقد والأعمال ربما يتوب الله تعالى عليه قبل موته، فيختم له بخاتمة طيبة فيكون سعيداً؛ لقول النبي ﷺ : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) ؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فقد نرى إنساناً تقياً نقياً ولكن يختم له بخاتمة سيئة تكون هي آخر حياته، فيكون شقياً وتحبط أعماله، فيحكم له بأنه من أهل النار، وبالعكس، فقد نرى إنساناً طوال حياته وهو سيء الأعمال والأخلاق والمعتقد، وبعيد عن الله، فيختم له عند آخر أجله بعمل أهل السعادة فيكون من أهل الجنة، هذا من حيث العموم.
أما من حيث الخصوص فيشهد لمن شهد له النبي ﷺ ، وكذلك يشهد لعموم المؤمنين بالجنة، واستدل المؤلف بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة:٧-٨] ، والآيات كثيرة، وفيها أن أهل الأعمال الصالحة وأهل الإيمان من أهل الجنة، وأن أهل السيئات وأهل الكفر من أهل النار، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٢] ، وكذلك قوله: ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة:٦] ، فمن حيث العموم نقول: أهل الإيمان والعمل الصالح عموماً نشهد لهم بالجنة إذا كانت أعمالهم صالحة وكان إيمانهم حقيقياً ولم يكونوا مشركين ولا مبتدعين، نشهد لهم بالإيمان عموماً، إلا أننا لا نخصص فلاناً وفلاناً.
وكذلك أهل الكفر والبدع المكفرة نشهد لهم بالنار عموماً فنقول: من مات وهو على الكفر أو من مات وهو على البدع المكفرة فإنه من أهل النار، ولكن لا نخصص فلاناً وفلاناً.
стр. 206
من شهد لهم بالجنة في الكتاب والسنة
ورد النص بتعيين بعض الأشخاص فيقتصر عليهم، فقد ثبت أنه ﷺ ذكر أن العشرة من أهل الجنة الخلفاء الأربعة والستة الباقون من العشرة، والستة هم سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، مع الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، فنشهد لمن شهد له، وكذلك قوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ، وكذلك شهد لـ بلال بأنه سمع خفق أو خشخشة نعليه في الجنة، وشهد لـ ثابت بن قيس، فلما نزلت الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٣] خاف ثابت أنه من أهل النار؛ لأنه من الذين يرفعون أصواتهم عند رسول الله، فأرسل إليه النبي ﷺ يبشره بالجنة.
وكذلك بشر عكاشة بن محصن بالجنة، وغيرهم كثير، وقد ذكر كثير من العلماء عدداً منهم، مثل ما ذكره الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان في (الكواشف الجلية شرح العقيدة الواسطية) وغيره، فهؤلاء الذين ورد النص بأنهم من أهل الجنة، فنشهد لهم بها، وأما الباقون فإننا نرجو لهم كما سيأتينا في الصحابة، وكذلك بقية المؤمنين.
стр. 207
من شهد لهم بالنار في الكتاب والسنة
أما الشهادة بالنار فمثل أبي لهب، قال الله عنه: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] ، فهذا متحقق أنه من أهل النار، ومثل أبي طالب أخبر النبي ﵇ أنه جعل في ضحضاح من نار، ومثل أبي جهل الذي قال فيه: (إنه فرعون هذه الأمة) ، وقتل على كفره، وكذلك من الأمم السابقة الأمم الذين أهلكهم الله تعالى كفرعون وجنوده، وقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، ونحوهم ممن كذبوا رسلهم وأتاهم العذاب وهم على كفرهم، فهؤلاء يشهد لهم بالنار من حيث العموم كقوم نوح، ومن حيث الخصوص كـ فرعون وهامان وقارون ونحوهم.
وعلى كل حال: فالشهادة تحتاج إلى أدلة، وحيث إن الدليل إنما هو دليل العموم فإننا نقره على عمومه.
стр. 208
الأسئلة
стр. 209
حكم من صدم فمات من بجواره
السؤال
شخص معه زوجته في سيارته، فصدم فماتت الزوجة، هل على الزوج صيام شهرين، مع العلم أنه هو المصدوم؟
الجواب
الكفارة والدية على من كان منه الخطأ، فإذا كان الخطأ كله على الذي صدمهم فهو الذي يدفع الدية ويكفر بالصيام أو بالعتق، فإن كان عليه خطأ أو نسبة من الخطأ فعليه جزء من الدية وعليه الكفارة، فالحاصل أن الكفارة على من هو مخطئ سواء خطأً كلياً أو خطأً جزئياً، وتكون عليه الدية حسب النسبة من الخطأ، فمثلاً خطؤه عشرون في المائة عليه خمس الدية، أو خطؤه خمسة وعشرون في المائة فعليه ربع الدية، والكفارة تجب كاملة على الجميع، فعلى الطرفين كفارتان، هذا يصوم وهذا يصوم.
стр. 210
كيفية زكاة إيجار العمارة
السؤال
رجل اشترى عمارة فأجرها فكيف يزكي عنها، مع العلم أنه إذا جاءه مبلغ مناسب سيبيعها، فكيف تكون الزكاة؟
الجواب
نفس العمارة لا زكاة فيها بقيمتها، وإنما الزكاة في الأجرة، فإذا أجرها وحال الحول فعلى الإيجار زكاةٌ، فإن لم يحل عليه الحول وأنفقه في حينه فلا زكاة فيه، وإن أنفق بعضه فالزكاة فيما بقي، فمثلاً إذا أجرها بعشرين ألفاً وبدأت من شهر محرم فهذه العشرون ألفاً إذا جاء شهر اثني عشر وهي عنده زكاها، وإن أنفق منها وبقي نصفها زكى النصف.
стр. 211
حكم الانتساب إلى مذهب من المذاهب
السؤال
أنا شاب هداني الله إلى طريق أهل السنة والجماعة، فهل يجب عليّ أن أختار مذهباً من المذاهب الأربعة أنتسب إليه، أم يكفيني الأخذ بالأرجح من أقوال الأئمة وأعمل به دون أن أنتسب لمذهب معين؟
الجواب
لا يلزم الانتساب إلى مذهب معين، بل الذي عنده قدرة على الترجيح يعمل بما يتيسر له من أقوال العلماء، فلا يلزم أن يقول أنا شافعي أو أنا حنفي بل يتبع ما عليه جماهير المشايخ وعلماؤه الذين تعلم عليهم، فإن اختار مذهباً من المذاهب وترجحت له مسألة في مذهب آخر وعرف قوة الدليل فإنه يتبع الدليل ولو خالف المذهب الذي انتحله، فالعبرة بالدليل مع من كان.
стр. 212
حكم الصلاة خلف من يعتقد معتقد المعتزلة
السؤال
إنني أعيش بين قومي وهم يقولون بخلق القرآن وخلود أصحاب الكبائر في النار وعدم رؤية الله في الآخرة، فما حكم صلاتي خلفهم؟ مع العلم أني أصلي جميع الصلوات خلفهم، وإعادة جميع الصلوات فيه مشقة كما ترون من حالي هذه، فبماذا تنصحونني؟
الجواب
ننصحك بالدعوة إلى الله، وهؤلاء الذين تصفهم بهذا هم المعتزلة، فهم الذين ينكرون رؤية الله تعالى، وهم الذين يقولون بخلق القرآن، وهم الذين ينكرون قدرة الله تعالى على أفعال العباد، وهم الذين يخلدون أصحاب الكبائر في النار، فالمعتزلة الذين يغلون في إنكار صفات الله تعالى قد ذهب قوم إلى تكفيرهم، وقرأنا في كتاب (شرح اعتقاد أصول أهل السنة) للالكائي عدد من كفر المعتزلة والجهمية، حيث عد منهم خمسمائة من العلماء، ولكن مع ذلك إذا لم تجد إلا إماماً يعتقد هذا الاعتقاد فنرى أنك تصلي خلفه ولا نلزمك بالإعادة؛ وذلك لما سيأتي أن الصحابة كانوا يصلون خلف أئمة الجور ولا يؤمرون بالإعادة، وصل على معتقدك وديانتك.
كذلك أيضاً تأتي بما تعتقده في صلاتك ولو كانت صلاتهم فيها شيء من المخالفة؛ لأنه قد يكون بين أهل السنة وبين المبتدعة خلاف في بعض أركان الصلاة أو شروطها أو واجباتها فتأتي بما تستطيعه.
стр. 213
واجبنا نحو العوام الذين يقلدون أصحاب المذاهب المنحرفة
السؤال
ما هو الحكم في العوام الذين يتبعون أصحاب المذاهب المنحرفة عن طريق أهل السنة والجماعة، لكن هؤلاء العوام لا يعرفون عن عقائد تلك المذاهب شيئاً، فهل هم على الفطرة؟
الجواب
لاشك أن العوام لا يدرون ما هو الصواب، ولكن في العادة أنهم يقلدون من يرونه عالماً ويحسنون الظن به، فإذا رأوا عالماً جهبذاً نحريراً بليغاً فصيحاً كثير المعلومات والمحاضرات اعتقدوا أنه بحر لا ساحل له، وأن الصواب في جانبه، وأن من خالفه فإنه مخطئ، ولم يكونوا يعرفون غيره، فينخدعون به ويتبعونه، ولاشك أنهم مخطئون، وأن الواجب عليهم البحث واتباع الصواب، فيدخلون في قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٦-١٦٧] ، فهم لابد أنهم يتبرءون منهم في الآخرة، وكل منهم يدعي أنه هو الذي أضل صاحبه أو أنه ضل بسببه.
فعلى كل حال عليك أن تنصح العوام وتبين لهم الخطأ الذي وقعوا فيه، وأن الصواب هو قول أهل السنة، وتطلعهم على كتب سلف الأمة أهل القرون المفضلة، فإنه لا يوجد فيهم -والحمد لله- من هو على مذهب المعتزلة، ثم أيضاً هم المعترف بفضلهم وبحفظهم للسنة، فإذا أصروا على ذلك فإنك قد سلمت من الإثم وأقمت عليهم الحجة.
стр. 214
حكم إعادة الجماعة لاختلاف المذاهب
السؤال
ما قول السادة العلماء في حكم إعادة الجماعة في المسجد الواحد عدة مرات، وهل يوجد فرق في إعادة الجماعة في المسجد كأن يكون مفترض؟
الجواب
قد يكون قصده إعادة الجماعة لاختلاف المذاهب كما كان ذلك في الحرم المكي قبل ستين أو سبعين سنة، أي: قبل أن تستولي عليه المملكة، فقد كان الحرم يصلي فيه أربع جماعات، جماعة الحنابلة ومحرابهم في شرق الكعبة، وجماعة الحنفية ومحرابهم في شمال الكعبة، وجماعة المالكية ومحرابهم في غرب الكعبة، وجماعة الشافعية ومحرابهم في جنوب الكعبة بين الركنين، أربع جماعات كل منهم يعتقد أن صلاته لا تصح مع صلاة الآخر، فلما فتحت مكة ودخلت تحت هذه الدولة أقيمت عليهم الحجة وقيل لهم: هل الأئمة أنفسهم يكفر بعضهم بعضاً؟ أليس الشافعي كان يصلي خلف مالك ومالك يصلي خلف أبي حنيفة؟ وكذلك أيضاً الإمام أحمد كان يصلي خلف الشافعي، وكلهم يأخذ بعضهم عن بعض، فما هذا الاختلاف؟ فهداهم الله وصاروا جماعة واحدة.
نقول: لا يجوز تعدد الجماعات لاختلاف المذاهب إذا كان هذا قصد السائل.
وأما إن كان قصده إقامة جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى فهذا جائز بل ومسنون، فإذا صلى أصحاب الجماعة الذين أذن في المسجد لهم ثم جاء المتخلفون من هنا ومن هنا فلا يصلون فرادى، بل يصلون جماعة، يقدمون أحدهم يصلي بهم ويكون لهم فضل الجماعة، وإن لم يكن لهم فضل الذين في الجماعة الأولى، وهكذا لو قدر أنهم انتهوا من الصلاة وجاءت جماعة ثالثة فإنهم يصلون أيضاً جماعة ولا يصلون متفرقين، خلافاً لما اشتهر عن الشافعية والحنفية أنهم يصلون فرادى، وهذا قول مرضي عن الشافعي، ولكنه لم يكن معمولاً به في زمانه كالعمل به في هذا الزمان، والصحيح أنهم يصلون جماعة.
ولو قدر أنه دخل واحد وأنت قد صليت وأحببت أن تصلي معه حتى تحصل له فضيلة الجماعة فإن ذلك جائز، ودليله ما ثبت في الحديث أن رجلاً دخل بعدما صلى النبي ﷺ فقال: (من يتصدق على هذا -يعني يصلي معه-؟ فقام أبو بكر فصلى معه) ، فهذا دليل على جواز إعادة الجماعة وأنه يجوز أن يكون المتنفل أحد المعيدين، وسواءٌ أكان هو الإمام أم المأموم.
стр. 215
حكم قراءة صحيح البخاري بنية الشفاء ونحو ذلك
السؤال
قرأت في مقدمة شرح الترمذي (تحفة الأحوذي) للمباركفوري كلاماً يقول فيه: إن قراءة صحيح البخاري بنية كشف الكربة وشفاء المرضى وقضاء الحاجات جائز، حيث قرأت ذلك عن بعض علماء الهند وذكر أن هذا مجرب، وقد بلغ عند علماء الحديث مرتبة الشهرة، فهل يصح ذلك؟
الجواب
يمكن أنهم جربوا ذلك، ولكن لا ينطبق على كل فرد، ولاشك في أهمية صحيح البخاري، وأنه أصح الأحاديث، وأنه مشتمل على الأحاديث الصحيحة، ولكن وصوله إلى هذا الحد وقراءته لأجل الشفاء، أو قراءته لأجل إزالة الكروب ولأجل تفريج الهموم وما أشبه ذلك يختلف باختلاف الأحوال، ونحن نقول: الذي تقع فيه هذه الهموم والكروب والشدائد عليه أن يدعو الله تعالى بالأدعية الواردة والله تعالى يفرجها.
следующие страницы →