Полный текст (366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إثبات صحة خلافة عمر ﵁
تولى عمر ﵁ الخلافة، وكان قد سمي قديماً: الفاروق، أي: الذي فرق الله بإسلامه بين الحق والباطل.
فنعم ما صار، ولما تولى الخلافة بحزم عند ذلك ضبط الخلافة وضبط البلاد ووالى الجيوش التي يرسلها لغزو الكفار، وفتحت في عهده جميع بلاد الشام ومصر والعراق، وأكثر بلاد إيران، وكثير من بلاد أفريقيا، والكثير من بلاد الهند والسند أو ما حولها، كل ذلك بحزمه ﵁، وقتل في زمانه خليفة الفرس الذي يقال له: يزدجرد، كل ذلك في ظرف هذه المدة القصيرة التي هي مدة ثلاث عشرة سنة.
ثم تسلط عليه أبو لؤلؤة فقتله وهو في المحراب، فجعل ﵁ الخلافة شورى بين ستة من الصحابة، ولم يجعل منهم سعيد بن زيد لكونه ابن عمه.
стр. 247
خلافة عثمان ﵁
اتفق الستة على أن يقدموا عثمان، وذلك لقرابته من النبي ﷺ ، ولكونه قد تزوج اثنتين من بنات النبي ﷺ ، ولكونه أيضاً ذا حزم وعزم وقوة فاتفقوا على خلافته.
وتمت له الخلافة، ووالى أيضاً الجيوش، وفتحت في عهده كثير من بلاد الترك والروم وما وراء النهر وما أشبه ذلك، وتسلط عليه بعض الثوار والأعراب في آخر خلافته وقتل ﵁.
стр. 248
خلافة علي وولده الحسن ﵄
بعدما قتل عثمان رأى الصحابة الذين في المدينة أنه ليس أحق بالخلافة من علي بن أبي طالب فبايعوه، ولكن تفرقت عليه الأمة، فثار بعض الصحابة متوجهين نحو العراق لقتال قتلة عثمان، وحصلت الوقعة المشهورة في العراق المسماة بوقعة الجمل، ثم بعدما انفصلت الحرب وتمت الولاية لـ علي ﵁ على العراق حصلت وقعة أخرى تسمى وقعة صفين بين أهل الشام وبين أهل العراق، وقتل فيها أيضاً خلق كثير، حيث إن أهل العراق جاؤوا مع علي لطلب جمع الكلمة ولطلب المبايعة لأمير المؤمنين، وأهل الشام جاؤوا مع معاوية مطالبين بدم عثمان، وبأخذ الثأر ممن قتله، فـ علي يقول لهم: بايعوني حتى تتم وتجتمع الكلمة ثم بعد ذلك نقاتلهم، ومعاوية يقول: لا نبايعك حتى تسلم إلينا قتلة عثمان وبكل حال حصل ما حصل من الفتن، ثم لم تزل الخلافات في جيش علي إلى أن قتله الخوارج في سنة (٤٠هـ) .
وبعد أن قتل تولى ولده الحسن نصف سنة، ثم تنازل عن الخلافة لـ معاوية في سنة إحدى وأربعين من الهجرة، واجتمعت الخلافة لـ معاوية، وسمي ذلك العام عام الجماعة، واستمرت الخلافة في بني أمية في معاوية وابنه، ثم في بني مروان إلى أن انتهت دولتهم في سنة اثنين وثلاثين وما تولى الخلافة بنو العباس، وكل ذلك مذكور في السير وفي كتب التاريخ.
قال المؤلف ﵀: [نعتقد خلافة الخلفاء الراشدين وأن خلافتهم حق، دل على ذلك قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ] .
هذا هو الحديث المشهور عن العرباض في السنن، وكذلك قوله في حديث رواه سفينة مولى رسول الله ﷺ أنه قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً) ، وهذه الخلافة التي أخبر بأنها ثلاثون هي مدة خلافة الخلفاء الراشدين الذين آخرهم الحسن بن علي ﵁، ثم بعد ذلك صارت ملكاً، ومعاوية أول الملوك وهو أحسن وأفضل الملوك الذين هم ملوك الإسلام، وله سيرة حسنة، فيقول الكلوذاني في آخر عقيدته: ولابن هند في القلوب مودة ومحبة فليرغمن المعتدي ذاك الأمين المجتبى لكتابة الـ وحي المنزل ذو التقى والسؤدد
стр. 249
الخلفاء الراشديون وفضائلهم وأدلة استخلافهم
أما فضائلهم فهي أشهر من أن تذكر، وقد اهتم بهم العلماء ﵃، فقد جعل البخاري في صحيحه كتاب (فضائل الصحابة) ، فبدأ بفضائل أبي بكر، ثم ثنى بفضائل عمر، ثم ثلث بفضائل عثمان، ثم بفضائل علي، وذلك دليل على أنه كان يعتقد خلافتهم، وأن هذا الترتيب ترتيبهم في الفضل وترتيبهم في الخلافة.
ومثله أيضاً مسلم في صحيحه، فقد بدأ بفضائل الأربعة الخلفاء على ترتيبهم، وذكر كل فضائلهم التي صحت عنده، وذلك دليل على مزايا لهم، وهي فضائل من قرأها عرف بذلك صحة خلافتهم، وعرف أهليتهم لهذه الولاية.
وكذلك الترمذي في سننه، فإنه جعل في آخر سننه كتاب الفضائل، بدأها بفضائل الخلفاء الأربعة، واستوفى ما ثبت عنده أو ما يقرب من الثبوت، وكذلك أيضاً قد أفردت بكتب، فمنها (كتاب فضائل الصحابة) للإمام أحمد، مطبوع في مجلدين بهذا العنوان: (كتاب فضائل الصحابة) ، وهكذا فعل الذين كتبوا في التاريخ.
ولا شك أن ذلك دليل على أهمية خلافة هؤلاء وصحتها، وأن من طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار أهله، كما قال ذلك شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية.
والكلام في ترتيبهم طويل، وله جانبان: أولاً: ترتيبهم في الخلافة.
وثانياً: ترتيبهم في الفضل.
فقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) ، وهذا يعني ترتيبهم في الفضل، يعني أبا بكر أفضلهم، بل أفضل هذه الأمة، ثم يليه بالفضل عمر، ثم يليه بالفضل عثمان، هكذا كانوا يقولون، وهكذا أيضاً أقرهم النبي ﷺ .
وثبت أيضاً في الصحيح عن علي ﵁ من طرق متواترة أنه كان يخطب على المنبر في الكوفة فيقول على رؤوس الأشهاد: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر.
ولكن الرافضة لا يأخذون من كلامه إلا ما يوافق أهواءهم، ويكذبون عليه ويردون ما ثبت عنه حقاً، وسأله مرة الحسن فقال: يا أبت! من أفضل هذه الأمة؟ فقال: يا بني! أبو بكر، فقال: ثم من؟ قال: عمر.
قال الحسن: ثم أنت؟ فقال: ما أبوك إلا واحد من المسلمين.
قال ذلك على وجه التواضع.
وعلى كل حال هكذا ترتيبهم في الفضل وترتيبهم في الخلافة.
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة في كلامه على حقوق الصحابة ﵃: [ويقولون بتفضيل الصحابة ﵃؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] ، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة:١٠٠] ، ومن أثبت الله رضاه عنه لم يكن منه بعد ذلك ما يوجب سخط الله ، ولم يوجب ذلك للتابعين إلا بشرط الإحسان، فمن كان من التابعين من بعدهم لم يأت بشرط الإحسان فلا مدخل له في ذلك.
ومن غاظه مكانهم من الله فهو مخوف عليه ما لا شيء أعظم منه؛ لقوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] ، فأخبر أنه جعلهم غيظاً للكافرين.
وقالوا بخلافتهم؛ لقول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] ، فخاطب بقوله: (منكم) من نزلت الآية وهو مع النبي ﷺ على دينه، فقال بعد ذلك: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥] ، فمكن الله بـ أبي بكر وعمر وعثمان الدين وعد الله آمنين يغزون ولا يُغزون، ويخيفون العدو ولا يخيفهم العدو.
وقال لقوم تخلفوا عن نبيه ﵇ في الغزوة التي ندبهم الله بقوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة:٨٣] ، فلما لقوا النبي ﷺ يسألونه الإذن في الخروج للغزو فلما يأذن لهم أنزل الله : ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:١٥] وقال لهم: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦] .
والذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ أحياء خوطبوا بذلك لما تخلفوا عنه، وبقي منهم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فأوجب لهم بطاعتهم إياهم الأجر وبترك طاعتهم العذاب الأليم إيذاناً من الله بخلافتهم ﵃، ولا جعل في قلوبنا غلاً لأحد منهم، فإذا ثبتت خلافة واحد منهم انتظم منها خلافة الأربعة] .
стр. 250
أدلة استخلاف الرسول لأبي بكر
إن الأمة الإسلامية -ما عدا الرافضة- متفقة على أن الخليفة الحق الذي خلافته حق هو: أبو بكر، واتفقوا على أنه يسمى خليفة رسول الله، فكانوا ينادونه: يا خليفة رسول الله ﷺ .
وقالوا: إن النبي ﷺ استخلفه في الصلاة فاستخلفناه بعد ذلك في أمرنا وإمارته علينا.
واستدلوا أيضاً بأدلة أخرى منها: قوله ﷺ : (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) ، فجعلهما قدوة، وأخبر بأنهما من بعده، أي: أنهما خليفتان.
وثبت أن امرأة جاءت إليه تسأله عن أمر فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك -كأنها تعني الموت-؟ فقال: (إن لم تجديني فائتي أبا بكر) ، فأخذوا من هذه الإشارات أنه أراد بذلك استخلافه، وأنه رشحه لهذه الولاية، ونعم ما فعل، ونعم الخليفة.
стр. 251
فضائل أبي بكر ﵁
لا شك في كثرة فضائل أبي بكر ﵁، فإن الله تعالى مدحه وذكر له فضائل، وأنزل فيه قول الله تعالى في سورة الليل: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧-٢١] ، هذه الآيات نزلت في أبي بكر، وذلك لأنه كان ذا مال وتجارة، فإذا أسلم أحد من العبيد الضعفاء اشتراه فأعتقه، فيقول له أبوه: يا بني! لو أنك تشتري وتعتق أُناساً أقوياء يحرسونك ويحفظونك؟ فيقول ﵁: حمايتي أريد، يعني: ما أريد إلا الحماية، والحماية في هذا من الله تعالى، كأنه يقول: إذا أعتقت هؤلاء فإن الله هو الذي سوف يحرسني ويحفظني وينصرني، فأنزل الله فيه هذه الآية، ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] شهادة له بأنه الأتقى، وأنه على هذه الصفة: ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] ، ويخرج ماله لكي يزكي نفسه، وأنه لا يطلب بذلك إلا ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] .
ونزل فيه أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] ، فالذي جاء بالصدق نبينا ﷺ ، والذي صدق به هو أبو بكر ﵁، وذلك لأنه لما أخبر النبي ﷺ قريشاً بقصة الإسراء وأنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع، لما أخبر بذلك قريشاً استغربوا لذلك وقالوا: هذا هو علامة الكذب، كيف ونحن نسافر مسيرة شهر ذهاباً ومسيرة شهر رجوعاً وأنت تقطع ذلك في ليلة واحدة؟! هذا هو عين الكذب.
فجاؤوا إلى أبي بكر وقالوا: أدرك صاحبك، فإنه يزعم أنه أسري به البارحة إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة! فقال: لقد صدق، لقد صدق.
فقالوا: أتصدقه في هذا؟ فقال: أصدقه في أعجب منه، في خبر السماء.
يعني أنه: يصدقه في أن خبر السماء ينزل إليه في لحظة من اللحظات ويرتفع، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] .
مع أنه أيضاً يعتبر صاحب الفضل الكبير في قصة الهجرة، فإنه لما عزم النبي ﷺ على الهجرة قال: الصحبة يا رسول الله؟ فقال: (الصحبة) ، ثم قال: إن عندي راحلتين كنت أعلفهما أعدهما لهذا السفر فخذ إحدهما، فقال: (نعم ولكن بالثمن) ، فعند ذلك لما عزما على السفر وكانت قريش قد دبرت مكيدة لقتل النبي ﷺ ، فخرج هو وأبو بكر ليلاً ولجأا إلى غار ثور ومكثا فيه ثلاثة أيام، وصار ولد أبي بكر يأتيهما في الليل بغنمه ويحلب لهما من الغنم، وأعطيا رواحلهما إلى رجل يقال له: ابن أريقط لحيفظها لهما، وجاءت قريش تلتمسه فأعماهم الله تعالى عنه، وأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] قال له: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!) فالله يحرسهما والله يحفظهما، هذه خصيصة لـ أبي بكر ﵁.
صحب النبي ﷺ في سفره من مكة إلى المدينة، ولازمه ملازمة تامة إلى أن توفي وهو ملازم له، ولم يتخلف عنه في غزوة من الغزوات.
وفي سنة تسع ائتمنه على الحجاج، وأرسله ليحج في ذلك العام وليبلغ الناس ما أنزل الله تعالى، وليقيم للناس حجهم، وصحب النبي ﷺ أيضاً في سنة عشر في حجة الوداع، فكل ذلك دليل على فضله.
стр. 252
قول أهل السنة في الصحابة ورد قول الرافضة
نقول بتفضيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكذلك أيضاً بقية الخلفاء، وذلك لأن الرافضة صاروا يطعنون في الصحابة كلهم لا يستثنون منهم إلا عدداً يسيراً كـ عمار وصهيب وسلمان وعدداً يسيراً من الموالي يدعون أن هؤلاء هم الذين بقوا مع علي، وأما البقية فإنهم ارتدوا لما لم يبايعوا علياً، فصاروا يطعنون في الصحابة ويشتمونهم، ويستنكرون جميع ما ورد فيهم من الأدلة التي تدل على فضلهم.
وقد استدل الرافضة على قولهم بحديث النبي ﷺ : (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) ، فالرافضة يقولون: إن الصحابة أحدثوا بعده.
أي أن من حدثهم كتمانهم -بزعم الرافضة- الخلافة التي لـ علي أو الوصية التي لـ علي، وبهذا الكتمان صاروا بذلك محدثين مرتدين.
مع أنَّا نقول: إن الصحابة ﵃ هم الذين قاتلوا المرتدين، وأنزل الله تعالى فيهم الآيات، ومنها آية سورة المائدة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] ، هكذا وصفهم بست خصال، من هؤلاء؟ هم الصحابة الذين قاتلوا المرتدين من العرب الذين ارتدوا حول المدينة، ثبت هؤلاء الصحابة ﵃ بالمدينة وبمكة وبغيرها من القرى التي حولها، ثبتوا رغم كثرة من انحرف وارتد، فقاتلوا أولئك الذين ارتدوا حتى ردوهم إلى الإسلام.
وشهد الله لهم بأنهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وأنهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] متواضعين لبعضهم، و: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] ، وكذلك قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] ، وهذه الصفات تنطبق على الصحابة ﵃، وقد جحدها الرافضة وادعوا أن هذا ليس وصفاً لهم.
وأنزل الله فيهم أيضاً آيات في آخر سورة الأنفال، وهي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] ، فمن تنطبق عليه هذه الآيات؟ ذكر الله تعالى فيها الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا، هؤلاء هم المجاهدون، ثم ذكر فيها الأنصار ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] ، فالأنصار والمهاجرون هم الذين تضمنتهم هذه الآية ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] ، فالذين لم يتولوهم ماذا تقول فيهم؟ تقول: ليسوا منهم، وليسوا من المؤمنين ولا من أولياء المؤمنين، بل هم برآء منهم.
فالرافضة الذين يتبرؤون منهم يتصفون بهذه الصفات -أنهم ليسوا منهم- ويدخلون في النص الذي بعده: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٤] ثم قال تعالى في وصف الصحابة مرة أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤] ، كل هذا وصف للمؤمنين وشهادة لهم.
والرافضة يقولون: إن هذه الفضائل التي مدحهم الله بها بطلت بردتهم؟! وهل الله تعالى يمدحهم وهو يعلم أنهم سيرتدون؟! أليس الله عالماً بمن يستحق المدح؟! لو كانوا سيرتدون ما مدحهم الله تعالى ولا أثنى عليهم هذا الثناء، فإن الله عالم بمن يموت على الإسلام ومن يموت مرتداً.
فهذه هي القاعدة عند الرافضة، أن فضائل الصحابة بطلت بردتهم، وهذه الحجة واهية؛ فإن الله تعالى لا يمكن أن يمدحهم هذا المدح وهو يعلم أنهم سيرتدون في وقت من الأوقات وستحبط أعمالهم، فالله تعالى عالم بكل شيء.
ثم نقول للرافضة: هذا تنقص منكم لله تعالى؛ إذ معناه أن الله لا يعلم الأمور المستقبلة، فيمدحهم وهو لا يعلم أنهم سوف ينقلبون ويرتدون ويكفرون بعد ذلك وسوف ينقضون بيعتهم.
واستدل المؤلف بهذه الآية في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] رضي الله عن الذين بايعوه تحت الشجرة وهم أكثر من ألف وأربعمائة، ومنهم الخلفاء الراشدون، والعشرة وأجلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بايعوه على أن لا يفروا، وقيل: إنهم بايعوه على الموت.
والمعنى متقارب، كأنهم يقولون: نبايعك على أن نقاتل فنقتل أو ننتصر ولو أدى ذلك إلى الموت، وعلى أننا لا نفر ولو قتلنا واحداً بعد واحد.
هذا الرضا معناه أن الله تعالى رضي أعمالهم وأقوالهم، وعلم سعادتهم وأهليتهم فصرح بأنه رضي عنهم.
ومن العجائب أني رأيت لبعض الرافضة في هذا الزمان رسالة بعنوان (المراجعات) ، ومن عجائبها أنه لما ذكر هذه الفضيلة قال: اقرءوا ما قبلها، إن الله تعالى ذكر أنهم سوف يرتدون، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠] ، فيقول: هذا دليل على أن منهم من نكث.
فهل هذا صحيح؟! هل في الآية دليل على أن فيهم من ينكث أو من نكث؟! إنما أخبر الله بأن من نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى فإنما يوفي لنفسه، وليس فيها أن أنهم نكثوا كلهم كما تقوله الرافضة، إنما فيها الإخبار بأن الذين يبايعونه فإنهم يبايعون الله، ثم أيضاً ليست هي بيعة الرضوان، بل البيعة العامة؛ إذ كل من جاء مسلماً فإنه يبايع النبي ﷺ ، فالله تعالى يخبرهم ويقول: أيها المؤمنون الأعراب وأهل الحضر والصغار والكبار والنساء والرجال! أنتم تبايعون النبي ﷺ على الإسلام، ولكن احذروا إذا نكثتم، فإن نكثكم على أنفسكم وضرركم بهذا النكث يعود عليكم فخذوا حذركم.
ومعلوم أن هناك من بايع من الأعراب ثم نكث وارتد بعد موت النبي ﷺ .
إذاً فليست الآية يراد بها أهل بيعة الرضوان؛ لأن أهل بيعة الرضوان ثبت رضا الله تعالى عنهم، فلا يمكن أن يسخط عليهم بعده أبداً؛ لأنه إذا حل رضاه على قوم فلا يسخط بعده أبداً.
ثبت أيضاً في الصحيح أنه ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) ، ولما كان في غزوة حنين وتقابلوا مع هوازن، وكانت هوازن معها نبال شديدة انهزم الكثير من الصحابة، فعند ذلك أمر العباس بأن يصيح وينادي: يا أصحاب الشجرة.
فلما سمعوا ذلك قالوا: لبيك لبيك.
ولووا أعناق رواحلهم وجاؤوا مسرعين نحو الصوت، تذكروا هذه البيعة، ولا شك أن هذا دليل على أنهم أوفياء بما عاهدوا الله تعالى عليه.
كذلك هذه الآية في سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠] هذه الآية ذكر الله تعالى فيها نوعين من الصحابة، الأول هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والثاني هم الأتباع من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة أو من غير مكة من القرى إلى المدينة، والأنصار هم الذين أسلموا من أهل المدينة ونصروا الله تعالى ورسوله.
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] قيل: إن المراد الذين أسلموا بعد الفتح، وقيل: الذين أسلموا بعد صلح الحديبية.
وقيل: المراد الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة.
أي: ساروا على طريقتهم، وتمسكوا بسنتهم فهؤلاء جميعهم من أتباعهم، فهؤلاء المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃، فما أعظمها من فضيلة أن يرضى الله تعالى عنهم وأن يثبت الله تعالى رضاه عنهم.
إذاً من أثبت الله رضاه عنهم لم يكن منهم بعد ذلك ما يوجب سخط الله، ولا يمكن أن يثبت الله أنه رضي عنهم وهو يعلم أنهم سيسخطون ربهم فيما بعد ذلك، ولم يوجب للتابعين ذلك إلا بشرط الإحسان فقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) ، ولم يقل: اتبعوهمَ فقط، بل: (بِإِحْسَانٍ) ، فأوجب للمحسنين من أتباعهم الرضا، فمن كان من التابعين ومن بعدهم يتنقصهم لم يقم بالإحسان، ولم يكن حرياً بالإحسان، فلا مدخل له في ذلك، فالذين جاؤوا من بعدهم ولكنهم يتنقصونهم ويعيبونهم ويقدحون في خلافتهم لا شك أن مثل هؤلاء لم يتبعوهم بإحسان بل اتبعوهم بإساءة.
فأساؤوا صحبتهم، وأساؤوا سمعتهم، وسبوهم وتنقصوهم، فأين هم من الإحسان؟! ليسوا من أهل الرضا.
يقول: [ومن غاظه مكانهم من الله فهو مخوف عليه ما لا شيء أعظم منه] .
الذي يغيظه مكانهم كافر، دليل ذلك هذه الآية في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] ، ثم وصفهم بصفات فقال: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩] هكذا مثلهم الله، ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .
فنقول: أي
стр. 253
حكم مبغض الصحابة
إن من يبغض الصحابة يحكم عليه بالكفر؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] ، فمن غاظه مكانهم من الله، ومن غاظه سبقهم وفضلهم ومزاياهم خيف عليه أن يدخل في هذه الآية: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) .
فيقال للذين قد غاظهم مكانهم: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] ، فإن الله تعالى قد رفع مكانة صحابة نبيه ﷺ ، وجعل لهم المحبة والمودة في قلوب المؤمنين، وحفظ بهم هذا الدين، وجعلهم خلفاً بعد نبيه ﷺ ، فحفظوا على الأمة الإسلامية الدين، وحفظوا القرآن ودونه من حفظه منهم، وبثوه وكتبوه في المصاحف، وفسروه للأمة وبينوه، وحفظ بهم السنة والشريعة، فحفظها على من بعدهم، وجعل الله في قلوبهم المحبة للإسلام ولأهله، فنصحوا للمسلمين وبلغوهم الشريعة الإسلامية، وحرصوا على أن يكونوا دعاة إلى الله تعالى، فبذلوا في نصحهم لإخوانهم المسلمين النفس والنفيس، وتركوا بلادهم وأولادهم وأموالهم وغزوا في سبيل الله، وتعرضوا للقتل وللأذى وللتعب كل ذلك لنصر الإسلام ولنشره في ربوع البلاد الإسلامية، وللقضاء على الكفر والفسوق والعصيان والبدع.
فكيف مع ذلك يطعن فيهم؟! وكيف يدعى بأنهم كفار ومرتدون؟! فإذا كانوا مرتدين وكفاراً ولم يبق على الإسلام منهم إلا أفراد قلة، فمن الذي حفظ لنا الإسلام؟! ومن الذي نقل لنا القرآن؟! ومن الذي نقل لنا السنة؟! ومن الذي نقل لنا العبادات من الصلوات والزكوات والصيام والحج والجهاد والبيع والشراء والتجارة والحلال والحرام والأحوال الشخصية والعقود والجنايات والآداب والأخلاق؟! ما نقلت إلا بواسطتهم، فإذا كانوا كفاراً فإن هذه تكون باطلة ولا نكون على دين، ولا يكون هناك دين إسلامي.
فالذين طعنوا في القرآن وادعوا أنهم حذفوا منه الثلثين أو أكثر معناه أن الله ما حفظ على الأمة إسلامها، وما قامت الحجة على المتأخرين، مع أن الله تعالى يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] ، فإذا لم يكونوا ثقات عدولاً فمن الذي حفظ لنا الإسلام؟! إذاً لا نكون على إسلام صحيح.
وكذلك حفظوا السنة حتى دونت في الصحيحين والسنن والمسانيد والمجاميع والكتب، حفظوها حتى دونت ورويت عنهم بالأسانيد الصحيحة، فإذا كانوا كفاراً أو مرتدين فمعناه أن هذه الثروات الكبيرة التي هي هذه الأحاديث النبوية غير صحيحة؛ لأنها نقلت عن هؤلاء الذين هم مرتدون على حد تعبير خصومهم، فبطلت بذلك السنة بأكملها، ولاشك أن هذا طعن كبير في هذه الشريعة الإسلامية.
ثم إذا اتفقنا على أن الله تعالى حفظ القرآن كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فإن هذا القرآن الذي حفظه إنما جاء بواسطتهم.
стр. 254
الاستدلال بالقرآن على فضل الصحابة
وبما أن هذا القرآن أصبح محفوظاً متعبداً بتلاوته، فلابد أن يكون كله حجة وكله دليلاً، فيستدل به على فضلهم، فقد ذكر الله تعالى فضلهم ونوه بمقامهم في عدة سور قرآنية.
ففي سورة المائدة قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤] .
وفي آخر سورة الأنفال قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة، كل ذلك في مدحهم.
وفي سورة التوبة قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾ [التوبة:١٠٠] ، إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة:١١٨] .
وكذلك قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠] .
وهكذا قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧] أربعون ألفاً من الصحابة اتبعوه في ساعة العسرة، أي: في غزوته إلى تبوك، هؤلاء قد تاب الله عليهم ورضي عنهم.
وكذلك قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] .
وكذلك قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر:٨] ، وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩] ، إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] .
ونحن نقوله ونرجو أن نكون من المعتقدين له: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] ، والغل الحقد والحسد والبغضاء، فمن كان في قلبه غل لهم فإنه شقي ليس من أتباعهم حقاً.
وهذه الآيات في سورة الحشر فيمن يستحق الفيء، فإن الآيات في تقسيم الفيء الذمي هو: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] ، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:٩] ، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر:١٠] ، فالذين جاؤوا من بعدهم إن كانوا يدعون على الصحابة ويكفرون من آمن قبلهم فليسوا من أهل الفيء ولا يستحقونه، هذا استنباط الإمام أحمد ﵀.
ثم إن المؤلف استنبط من بعض الآيات خلافة الخلفاء، فمن ذلك الآية التي في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] فقوله: (منكم) لا شك أن الخطاب واقع للصحابة، وأن الصحابة هم الذين استخلفوا في الأرض، وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] شهادة لهم بأنهم آمنوا وعملوا الصالحات.
ثم وعدهم بثلاثة أشياء: الأول: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] .
الثاني: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥] ، وهذا قد حصل.
الثالث: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] ، وهذا أيضاً قد حصل، فإن الله تعالى قد أبدلهم بعد خوفهم أمناً، فأمنوا بعدما نشروا دين الله تعالى وانتشر الإسلام في أطراف البلاد فأمنت البلاد، فأصبح الناس إخواناً لا يعرض أحد لأحد، يسافر الرجل وحده ولا يعرض له أحد، وقد بشرهم بذلك النبي ﷺ ، ففي حديث عدي بن حاتم أنه ﷺ قال: (ليوشكن أن ترى الظعينة ترحل من عدن حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله) ، وعدن في أقصى اليمن كما هو معروف، وقد وجد ذلك في عهد الصحابة، والظعينة: هي المرأة تركب على بعير لوحدها.
ولو كانت منهية عن السفر، ولكن معناه أنه وجد أمن حتى لو سافرت وحدها لرجعت إلى أهلها دون أن تخاف على شيء أبداً، وهذا واقع أيضاً.
وبكل حال فهذا قد تحقق مبدؤه في عهد النبي ﷺ ، ثم كان بعد ذلك في عهد الخلفاء رضي الله تعالى عنهم.
ثم إن الله تعالى أخبرهم بالمنافقين الذين أسلموا ظاهراً ولم يؤمنوا باطناً، وتخلفوا عن غزوة تبوك، وعاتبهم الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣] .
ثم أخبر بأنهم سوف يطلبون الخروج حتى يبدلوا كلام الله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] يريدون أن يغيروا كلام الله، فقال له في سورة التوبة: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣] ، ثم قال في سورة الفتح: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦] ، فمتى دعوا؟ دعوا في عهد الصحابة وعهد الخلفاء الراشدين، ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦] ، فهذا حصل في عهد الخلفاء، أنهم ﵃ دعوا هؤلاء الأعراب وغيرهم من المتخلفين، فمنهم من أطاع ومنهم من لم يطع، فوعد الله الذي أطاعوا بأن يثيبهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وتوعد الذين تولوا بأن يعذبهم عذاباً أليماً.
والذين كانوا في عهد النبي ﷺ أحياء خوطبوا بذلك لما تخلفوا عنه، وبقي من هم في خلافة الخلفاء ما أوجب لهم بطاعتهم إياهم الأجر وبترك طاعتهم العذاب إيذاناً من الله بخلافتهم.
ولا شك أن هذه أدلة واضحة على خلافتهم، وكذلك على فضلهم، فيعتقد المسلم أنهم خير الأمة، ولا يكون مثلهم بعدهم، فهم خير قرون الأمة، زكاهم النبي ﷺ بقوله: (خير الناس قرني -أو: القرن الذين بعثت فيهم- ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .
ولاشك أن هذه التزكية واقعة على الصحابة؛ إذ هم القرن الذين بعث فيهم النبي ﷺ ، فالصحابة خير من الذين بعدهم من تلامذتهم وأولادهم -من حيث العموم-، ولأجل ذلك اتفق العلماء على عدالتهم، فإذا روى الحديث صحابي لم يسألوا عنه، بل يقولون: الصحابة كلهم عدول لا نتردد في أحد منهم؛ وذلك لأن الله تعالى زكاهم في هذه الآيات: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، فهذه التزكية تسبب قبول رواياتهم، وتسبب أيضاً الترحم عليهم.
هذا ما يعتقده كل مسلم، ولا عبرة بمن انحرف عن الصحابة ﵃، وقد ذكر شيخ الإسلام: أن أهل السنة وسط في الصحابة بين غلاة وجفاة، ولكن في الحقيقة الغلو والجفاء كله في الرافضة، فإنهم غلوا في حق علي وذريته، وجفوا في حق الباقيين.
فغلوهم في علي وذريته الذين يسمونهم أهل البيت هو أن دعوهم من دون الله، وجعلوهم مقبولي الرواية، وعلقوا عليهم ما ليس لهم، وجفاؤهم في حق الباقين التكفير والتضليل والتنديد بهم، مع أن الخوارج أيضاً قد جفوا في حق علي وكفروه، وكذلك كفروا أكثر الصحابة الذين معه بل أكثر المسلمين، وادعوا أنهم مرتدون، وذلك لأن الخوارج يكفرون بارتكاب الذنب، فصار الخوارج جفاة في حق علي وذريته، والرافضة غلاة في حقهم جفاة في حق بقية الصحابة.
стр. 255
الأسئلة
стр. 256
كيفية التعامل مع الرافضة المظهرين لحسن الخلق
السؤال
ما الحكم فيمن يقول: إننا لم نر شيئاً يسوؤنا من الرافضة، فهم يظهرون لنا خلقاً حسناً وتعاملاً طيباً، وهم ليسوا كما تقولون وتحذرون، وخصوصاً أن بعضهم إذا سئل عن بعض ما ينسب إلى الرافضة ينكر ذلك، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟
الجواب
معلوم أن الرافضة حدثوا في وسط القرن الأول ولكنهم كانوا قلة، ثم صاروا يتمكنون ويزدادون قوة إلى أن صار لهم مكانة، ولكن طوال هذه القرون كانوا أذلة لم يتمكنوا، ولما رأوا أنهم لابد يختلطوا بالناس رأوا كتمان أمرهم، ورووا عن جعفر الصادق أنه كان يقول: (التقية ديني ودين آبائي) ، فصاروا يتعاملون معنا بالتقية، بمعنى أنهم إذا لقوا أهل السنة أخذوا يمدحون السنة ويترضون عن الصحابة ويمدحونهم، ولكن قلوبهم ممتلئة غيظاً وحقداً عليهم، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] ، فيتصفون بصفات المنافقين، هذه عقيدتهم، وأدلة ذلك كثيرة والواقع يشهد بذلك.
فإذا قرأنا في كتبهم التي فيما بينهم وجدناهم يصرحون بمعتقدهم، فيسبون الصحابة ﵃، ويحملون الآيات ما لا تحتمله، فيقولون في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] : الجبت والطاغوت أبو بكر وعمر هكذا يقولون.
ويقولون في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] قالوا: يدا أبي لهب أبو بكر وعمر!! ويقولون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] البقرة هي عائشة بنت أبي بكر.
هكذا يقولون! ثم تأويلاتهم في كتب تفاسيرهم أمرها عجائب، لهم تفاسير ولكن أكثر تفاسيرهم التي في إيران والعراق يخفونها ويكتمونها، ولكن بعد أن طبعت لم تعد خفية.
فنحن نقول: إذا رأيتم وعلمتم أن هؤلاء من الرافضة الذين يسمون أنفسهم شيعة فخذوا حذركم منهم، وكونوا على حذر، وذلك لأنهم يضمرون العداوة لكل أهل السنة، ويودون أن يفتكوا بهم بكل ما يستطيعون، وتتقطع قلوبهم حسرة وغيظاً على كل من هو من أهل السنة، ويحبون أن يوصلوا إلى أهل السنة ما يستطيعونه من الأضرار، والشواهد كثيرة، والحكايات عنهم في ذلك مشهورة.
حتى إن بعض الإخوان في مكة ذكر أنه كان بجوارهم في الموسم بعض من الجعفرية، يقول: فكنا إذا خرجنا نحو المسجد ولقيناه فصافحناه بأيدينا رجع يغسل يديه؛ لأنه يعتقد أن أيدينا نجسة، فيرجع يغسلها حتى لا يصلي بهذه النجاسة، وفي زعمه أن أيدينا نجسة.
والمكائد التي نقلت عنهم كثيرة.
وإذا قدر أن فيهم من هم قريبون من الحق فإننا نجادلهم ونبين لهم، فإذا هداهم الله تعالى ورجعوا وتركوا مذهبهم فلا بأس، وقد رجع كثير من شبابهم لما رأوا الأمور التي في مذهبهم والتي تضحك المجانين، وعرفوا بذلك بعدهم عن الصواب.
стр. 257
حقيقة الدعوات المنادية بالتقريب بين الرافضة والسنة
السؤال
تظهر بين فترة وأخرى صيحات تنادي بالتقريب بين الرافضة والسنة، فما توجيهكم لذلك؟
الجواب
هذا كان في أوائل القرن الرابع عشر، أي: في حدود سنة (١٣١٠) إلى حدود سنة (١٣٥٠) ، حين كان الرافضة الذين في إيران والعراق يتصلون بأهل مصر والشام ويحاولون التقريب، ويقولون: نحن مسلمون.
ثم يذكرون خصالهم التي يتمدحون بها، فيقولون: لماذا نتفرق؟ ولماذا يحصل هذا التفريق بيننا وبينكم وأنتم مسلمون ونحن مسلمون؟ فما الفرق بيننا؟ هكذا يقولون.
ثم انتبه لهم بعض العلماء، وانخدع بهم كثير من علماء مصر وقالوا: إنهم إخواننا وإنهم مسلمون.
وممن انتبه لهم: محب الدين الخطيب ﵀، وذلك لأنه عندما نظر إلى ما يدعون إليه من التقريب وما هو التقريب الذي يريدونه نظر إلى أنهم يجتذبوننا إلى أن نصير مثلهم، وإلى أن نتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر ونسبهما، وكذلك أيضاً نتبرأ من الصحابة ونطعن فيهم وما أشبه ذلك، ونرد كتب الصحيح ونتبرأ منها، هذا هو التقريب الذي يريدونه، فعند ذلك ألف رسالته المطبوعة التي صارت غيظاً لهم، وسماها (الخطوط العريضة) .
ولما فطن لهم قال: هذا التقريب الذي يدعوننا إليه ليس تنازلاً منهم عن شيء من عقيدتهم، فما قالوا: تنازلوا عن شيء من عقيدتكم ونتنازل نحن عن شيء من عقيدتنا.
ولا قالوا: اتركوا بعضاً من التشدد ونحن نترك بعضاً من التشدد.
بل قالوا: ندعوكم إلى أن تتبرؤوا من الشيخين، وتتبرؤوا من الصحيحين اللذين فيهما أحاديث مكذوبة، وتقولوا كذا وكذا.
هذا هو التقريب الذي يزعمونه.
وانتبه لهم أيضاً عالم آخر رد عليهم، يقال له: ابن جبهان وله الكتاب المطبوع الذي اسمه (تبديد الظلام وتنبيه النيام) ، وفيه بيان لما يدعون إليه من هذا التقريب، وبيان أن تقريبهم إنما هو دعوة إلى عقيدتهم.
هذا هو الصحيح.
فنحن نقول: أهل السنة قبلكم، وأنتم ما أحدثتم إلا في آخر القرن الأول وما بعده، فإذا كان أهل السنة قبلكم فلماذا تدعونهم إلى شيء حادث متجدد؟! وإذا كان كذلك فنحن ندعوكم إلى التقريب، نحن نترضى عن أهل البيت الذين تترضون عنهم، فأنتم تقولون: نحن نحب أهل البيت.
ونحن كذلك نحب أهل البيت، ولكن لسنا مثلكم نعبد أهل البيت كما تعبدونهم، ونحن نحب بقية الصحابة وأنتم تبغضونهم وتلعنونهم، فأين التقريب؟! ونحن نتمسك بالقرآن وأنتم تطعنون فيه وتدعون التحريف فيه وأن الصحابة خانوه وحذفوا أكثر من ثلثيه مما يتعلق بولاية أهل البيت وبفضائل أهل البيت، حذفوا منه أكثر من عشرة آلاف آية على حد زعمهم.
ويقولون: إن جعفر الصادق -وقد كذبوا عليه عشرات الآلاف من الكذب- كان يقول: عندنا مصحف فاطمة مثل مصحفكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه آية من مصحفكم هذا.
فأين هذا المصحف الذين يقولونه؟! فعرف بذلك أنهم أعداء ألداء لأهل السنة، فلا يعتبر تقريبهم الذي يدعونه.
стр. 258
شر الرافضة الممتد عبر التاريخ
السؤال
ما صحة قول من يقول: إن الرافضة أكثر وأبلغ شراً وبغضاً من اليهود والنصارى؟
الجواب
يمكن أن يكون هذا صحيحاً، وقد قال ذلك المتقدمون، فـ ابن القيم يقول في النونية: إن الروافض شر من وطئ الحصى من كل إنس ناطق أو جان ويدل على ذلك أفعالهم، وقد طبع كتاب يتحدث عن المقاربة بين اليهود والرافضة يذكر فيه كاتبه أن الرافضة قالوا كذا واليهود سبقوهم، وأن الرافضة قالوا كذا واليهود سبقوهم، وأن الرافضة واليهود اجتمعوا على مقالة كذا وكذا.
ثم بتتبع التاريخ يعلم أن كل نكبة حصلت على الإسلام والمسلمين سببها الرافضة، فمن ذلك القضاء على الخلافة في العراق، وقتل الخليفة العباسي المستعصم، وسبب ذلك أن الرافضة تمكنوا وكثروا في العراق وبالأخص في بغداد، وكان وزير الخليفة يقال له: ابن العلقمي وهو رافضي خبيث، كان يحب أن تنتقل الخلافة من آل العباس إلى آل علي، فهو الذي مكن لـ هولاكو رئيس التتار أن يخدع الخليفة فخرج إليهم، فلما خرج إليهم الخليفة قبضوا عليه وجعلوه في كيس وداسوه بالأرجل إلى أن مات، ثم بعد ذلك دخلوا بغداد، وماذا حصل؟ قتل فيها مئات الألوف أو ألوف الألوف، وسفكت فيها الدماء حتى كادوا ألا يبقوا أحداً، هذه المصيبة كلها بواسطة هذا الخبيث الذي هو ابن العلقمي.
стр. 259
الرد على بعض المطاعن على خلافة عثمان
السؤال
ما رأيكم في من يطعن في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه ويقول: إنها فجوة بين خلافة عمر وعلي، وإنه حملته الحمية على أن ولّى أبناء عمه على المسلمين؟
الجواب
لا شك أنه خليفة راشد من الخلفاء الراشدين.
فأولاً: رضيه الصحابة وولوه.
وثانياً: أنه لم يبطل شيئاً من الجهاد، بل الجهاد مستمر في عهده، والغزو والفتوح تواصلاً في عهده ﵁.
وثالثاً: أن سيرته أتم سيرة، فهو الذي نسخ المصاحف وأرسلها إلى الآفاق، وأمرهم بأن يقتصروا عليها ويقرؤوها، وكان أيضاً في سيرته عابداً أشد العبادة، كما قيل عنه: ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وتحميداً فهذه سيرته في نفسه.
أما كونه قرب أقاربه فهذا ليس بعيب عليه، ولا ينكر عليه إذا قرب مثلاً بعض أقاربه كـ معاوية، مع أن معاوية ولاه قبله عمر ﵁ على الشام، وكان حازماً فيه قوة وشجاعة وإقدام، وحصل في زمنه فتوح كثيرة، كذلك أيضاً كونه قرب مروان بن الحكم وجعله كاتباً عنده لا يستنكر ذلك عليه، لكن الثوار من الأعراب هم الذين استنكروا هذا التقريب وقالوا: كيف تقرب ابن عمك هذا؟ فإنك ما قربته إلا لأجل الحمية ونحو ذلك! فهو يقول: النبي ﷺ كان يخص أقاربه من بني هاشم بسهم ذوي القربى، وأنا رأيت أن هؤلاء هم ذوي القربى.
فلا ينكر عليه.
стр. 260
منهج أهل السنة فيما وقع من الخلاف بين الصحابة
السؤال
هل قراءة قصة الخلاف الذي حصل بين الصحابة في كتب السير مذموم أم لا بأس به؟ وما منهج السلف في ذلك؟
الجواب
لا بأس بذلك مع الاعتذار عنهم أنهم مجتهدون، وأن نكف عن كل ما شجر بينهم من الخلاف، ونقول: أمرهم إلى الله تعالى، ونعرف أن الحوادث هذه التي حدثت كثير منها لا صحة له بل هو مكذوب، والذي منه صحيح هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران، وإما مجتهدون مخطئون فلهم أجر واحد وخطؤهم مغفور.
стр. 261
حكم إجابة وليمة العرس
السؤال
هل إجابة دعوة وليمة العرس واجبة؟ وهل الوجوب بمجرد الدعوة أم لابد من موافقة المدعو؟ وما حكم الإجابة لمجرد الدعوة بالبطاقات؟
الجواب
وردت أدلة في إجابة الدعوة، ولكن ذلك محمول على حالات خاصة، وهي إذا كان التخلف يسيء الظن بالمتخلف فيقال: امتنع عن هذه الدعوة فذلك دليل على أنه حاقد علينا.
أو: إنه لم يرض.
أو: يبغضنا.
أو نحو ذلك، فلذلك قالوا: الوجوب الذي ورد في حديث: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله) خاص في بعض الأزمنة وفي بعض الأمكنة.
فأما هذه الدعوات التي هي إما بطاقات تفرق أو نشرات أو نحوها فأرى أن الإنسان إذا أجاب فلا بأس حتى يجيب أصحابه وإخوته، وإذا اعتذر أو كان له عذر فلا حرج.
стр. 262
من يقع عليه الصيام في كفارة قتل الخطأ
السؤال
توفي أخ لي غرقاً وعمره أربع سنوات ونصف في بركة لأحد أقاربنا، وكان برفقته والدتي وبعض إخواني أحدهم أكبر مني سناً، والسؤال: هل هناك صيام بسبب موته؟ وعلى من يكون: أعلى والدتي، أم أختي، أم صاحب المزرعة، أم على والدي؟
الجواب
معلوم أن الطفل الذي في سن الرابعة لا يملكه أبواه، فهو كثيراً ما يتقلب، وكثيراً ما يذهب ويجيء ويصعد وينزل، ولا يستطع أبوه ولا أمه أن يتحكما فيه أو أن يمسكاه، فأظن أنه لا كفارة على الأم؛ لأنها لا تستطيع أن تملكه، ولا على الأب في كونه أحضرهما إلى هذه المزرعة، ولا على صاحب المزرعة الذي جعل هذه البركة مكشوفة، فكل منهم لم يصدر منه ذنب يستحق به أن يدفع دية أو أن يصوم كفارة.
стр. 263
نصيحة لمن تراوده شكوك في العقيدة
السؤال
تراودني أحياناً بعض الشكوك في العقيدة، وأنا مقر ومؤمن -ولله الحمد-، ومن الذين يتأثرون ويبكون بقراءة القرآن، فأرجو من فضيلتكم التوجيه والإرشاد؟
الجواب
ننصحك بأن تكرر قراءة العقيدة مرة بعد مرة، وكذلك أيضاً تقرأ الأدلة التي ترسخها في القلب وترسيها، وننصحك أن تكثر من قراءة القرآن؛ فإن العقيدة مأخوذة من أدلة القرآن والسنة، وننصحك بكثرة الاستعاذة من الشيطان والبعد عن وساوس الشيطان وأوهامه وتخيلاته، فلعلك إذا ابتعدت عن ذلك كله زالت عنك تلك الشكوك.
стр. 264
كتاب صفوة التفاسير
السؤال
ما رأيكم في صفوة التفاسير للصابوني؟
الجواب
هو كغيره من التفاسير، والصابوني معلوم أنه على عقيدة الأشاعرة، ولكن لكونه في هذه البلاد التي ظهر فيها مذهب أهل السنة لم يستطع أن يفصح بعقيدته كما أفصح الأولون بعقيدتهم من إنكار الاستواء وصفة العلو.
والصفات الفعلية، وتأويل الرحمة والمحبة والغضب والرضا وما أشبه ذلك تأويلاً ظاهراً، وتأويل صفات الوجه واليد والساق وما أشبه ذلك، فهو ينكر هذه الصفات، وتأويله لها تأويل خفي لا يتفطن له، أما المتقدمون من الأشاعرة مثل الرازي والبيضاوي والنسفي ونحوهم فإنهم يصرحون بالتأويل، ويردون ذلك رداً واضحاً.
وبكل حال ففيه فوائد، ولكن الذي يكون جاهلاً بأمور العقيدة ينبغي أن يتجنب ما فيه من الأمور التي فيها شيء من المخالفة في العقيدة، أو يقرأه على عالم حتى ينبهه على الأخطاء العقدية التي فيه.
стр. 265
فضل صيام الأيام البيض
السؤال
ما هو الوارد في فضل صيام التطوع خصوصاً الأيام البيض؟
الجواب
معلوم أن الصيام عبادة من العبادات التي يحبها الله تعالى، واصطفاها لنفسه في قوله: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به) ، والإنسان ينبغي له أن يعود نفسه على الصوم حتى يحب العبادة التي يحبها الله تعالى، وأقل شيء أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وأفضلها أيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وأخبر بأنها أيام البيض؛ لكون لياليها بيضاً وأيامها بيضاً، فصيامها ورد فيه فضل: (إذا صمت فصم من الشهر ثلاثاً، فصم ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر) .
وإن صام غيرها أجزأه ذلك، وقد كان ابن عمر ﵁ يصوم ثلاثة من أول الشهر، فإذا قيل له: ألا تصوم أيام البيض يقول: وما يدريني أني أدرك البيض؟ وبعضهم يفضل أن يصوم من كل أسبوع يومي الاثنين والخميس، فقد كان النبي ﷺ يحافظ عليهما، ويقول: (إنها تعرض الأعمال فيهما، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) ، فمن صام الاثنين والخميس، أو أيام البيض، أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو ثقل عليه في أيام الحر مثلاً وأجلها إلى الأيام التي يكون فيها الحر خفيفاً كان له بكل ذلك له أجر إن شاء الله.
стр. 266
شروط التوبة
السؤال
أنا شاب ملتزم وقعت في جريمة من كبائر الذنوب، ولم يعلم بي إلا الله ، وأنا على ذلك نادم، وأحس بأنني قد هلكت، فهل من نصيحة؟
الجواب
ننصحك بأن تتوب فيما بينك وبين الله تعالى؛ فإن التوبة تمحوا الذنب، والندم توبة، فحقق شروط التوبة: أولاً: أنك تظهر الندم والأسف على ما وقع منك من هذه الكبيرة ومن هذا الذنب.
ثانياً: عاهد ربك على أن لا تعود ولا يتكرر منك هذا الذنب في بقية حياتك.
ثالثاً: أكثر من الاستغفار والأعمال الصالحة، فإن ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] .
стр. 267
شرح اعتقاد أهل السنة [١٣]
من محاسن عقيدة أهل السنة والجماعة الدالة على حرصهم على جمع الكلمة: أنهم يرون عدم الخروج على الولاة وإن كانوا ظلمة أو فجرة، ويرون الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، ونصحهم والدعاء لهم؛ لأن الخروج عليهم فتنة تسفك فيها الدماء ولا طائل منها، متمثلين في ذلك بهدي السلف من الصحابة ومن بعدهم.
стр. 268
معاملة أهل السنة لأئمة الجور
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويرون الصلاة -الجمعة وغيرها- خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً، فإن الله فرض الجمعة وأمر بإتيانها فرضاً مطلقاً، مع علمه تعالى بأن القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، فلم يستثن وقتاً دون وقت، ولا أمراً بالنداء للجمعة دون أمر.
ويرون جهاد الكافر معهم وإن كانوا جورة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل.
ولا يرون الخروج بالسيف عليهم ولا القتال في الفتنة.
ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام العدل إذا كان ووجد على شرطهم في ذلك.
ويرون الدار دار إسلام لا دار كفر كما رأتها المعتزلة، مادام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين.
ويرون أن أحداً لا تخلص له الجنة وإن عمل أي عمل إلا بفضل الله ورحمته التي يخص بهما من يشاء؛ فإن عمله للخير وتناوله الطاعات إنما كان عن فضل الله الذي لو لم يتفضل به عليه لم يكن لأحد عليه حجة ولا عتب، كما قال الله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] ، وقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] ، وقال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]] .
يقول: [ويرون الصلاة -الجمعة وغيرها- خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً] .
ورد حديث: (صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله) ، وذلك لأن هذه الكلمة عنوان الإسلام، فمن قال هذه الشهادة اعتبر داخلاً في الإسلام، ومن أهل الإسلام، ولكنه بعد ذلك يطالب بتكملة الشهادتين.
وكان في أول الأمر الذين يتقدمون في الإمامة في صلاة الجمعة أو العيد أو الصلوات المكتوبة قد يكونون هم ولاة الأمر، كأمير البلدة أو نائبه أو نحوه، وهو أيضاً الذي يتولى الخطابة والإمامة، فيتحرج بعض المسلمين عن الصلاة خلفه إذا كان عاصياً.
والمعاصي التي كانت في ذلك الزمان معاص عادية أشهرها شرب الخمر، وكان كثير من الأمراء يشربون الخمر، كما أثر ذلك عن بعض خلفاء بني أمية، وكذلك نوابهم، وكذلك كثير من خلفاء بني العباس ونوابهم وأمراؤهم كانوا يتعاطون الخمر ويبيتون عليه، فهذه معصية.
وكذلك أيضاً من المعاصي المشتهرة الغناء، حيث كانوا يتخذون الإماء لأجل الغناء، ويشترون التي هي مغنية ويزيدون في ثمنها لأجل الغناء، ويحضرون لها الطبول والأعواد حتى يستمعوا إلى ضربها غنائها ويطربون لذلك، فهذا مشتهر أيضاً في أولئك الأمراء ونحوهم.
ومن المعاصي أيضاً تأخير الصلاة عن وقتها، وبالأخص صلاة الظهر والعصر، فيؤخرونها عن وقتها ومع ذلك فإنهم يؤدونها، ولم يكونوا يتكاسلون عنها ويتركونها، وإنما ينشغلون إما بشهواتهم وإما بنوم وراحة إلى أن يتأخر وقت الظهر فلا يصلونه إلى قرب العصر، ووقت العصر فلا يصلونه إلا نصف ما بعد العصر.
هذه هي أشهر المعاصي التي اشتهرت عن كثير من أولئك.
ومن المعاصي أيضاً الظلم، أنهم كانوا يظلمون كثيراً من الناس بالتهم الباطلة، وأكثر ذلك عن طريق أخذهم للأموال التي يجبونها إلى بيت المال وغالبها ضرائب، فيجعلون على الموالي -ولو كانوا مسلمين- ضرائب سنوية، ومن أسلم من أهل الكتاب لم يسقطوا عنه الجزية بل يأخذوا الجزية منه ولو بعد إسلامه، حتى أسقطها عمر بن عبد العزيز ﵁، وكذلك كثير منهم يأخذون ضرائب على الأموال بغير حق، وربما يستولون على الأموال كالبساتين والمصانع والأراضي ونحوها ويستبدون بها ويأخذونها بغير رضا من أصحابها ويضيفونها إلى أموالهم، فهذا مما يعابون به.
فلأجل ذلك يقولون: كيف نصلي خلفهم وهم ظلمة يأخذون الأموال لأنفسهم، أو يؤخرون الصلاة، أو يفعلون هذه المعاصي؟ كيف نؤدي الصلاة خلفهم مع أن الصلاة مكتوبة علينا وفريضة الله تعالى؟ فجاء النص بالصلاة خلفهم، فكان الصحابة يصلون خلفهم، فذكروا أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان والياً على الكوفة، وكان متهماً بشرب الخمر، فتقدم مرة ليصلي بهم صلاة الفجر وهو سكران فصلى بهم أربعاً، فلما سلم قال: أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة.
صلى خلفه ابن مسعود وهو عالم الصحابة الذي أرسله عمر إلى الكوفة ليفتي الناس ويعلمهم ﵃، ثم لما ثبت ذلك عنه أمر عثمان ﵁ بجلده، فجلده عبد الله بن جعفر بأمر علي ﵁ أربعين جلدة.
وكذلك الحجاج بن يوسف والي العراق من قبل بني أمية اشتهر عنه نوع من المعاصي، وأكثرها الصلف والشدة والسجن للأبرياء، وكان سريع القتل فيقتل بالتهمة ويحبس، والسجن في مكان ضيق.
فالحاصل أنه اشتهر عنه هذا النوع من الظلم، ويمكن أنه كان يحبس أيضاً بغير ذلك، ولكن هذا الذي اشتهر عنه هو الظلم والحبس والضرب والشدة، ومع ذلك فإن الصحابة الذين في العراق كانوا يصلون خلفه، ولما حج بالناس في حياة ابن عمر كان ابن عمر يصلي خلفه حتى في عرفة، وكان هو الذي يتولى الخطبة والصلاة، فكان الصحابة ومنهم ابن عمر يصلون خلفه.
وذلك دليل على أنهم فهموا أن الصلاة خلفهم فيها جمع الكلمة، وأنها لا تعتبر باطلة، وقد ورد أيضاً أحاديث، منها أنه ﷺ قال: (يصلون لكم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم) ، وأخبر بأنه: (يأتي قوم يؤخرون الصلاة عن أوقاتها.
قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا -أو ما أقاموا فيكم الصلاة-) ، والأحاديث كثيرة في الأمر بالصلاة خلف الأمراء ولو كانوا عصاة أو نحوهم.
فيرى أهل السنة وأهل الحديث الصلاة -جمعة كانت أو غيرها- خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجراً إذا كان الفجور لا يوصل إلى الكفر، فإن الله تعالى أمر بالجمعة وفرضها وأمر بإتيانها: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] ، والله تعالى عالم بأن القائمين عليها قد يكون منهم فاجر وفاسق، وعالم بأنه قد يتولاها غير تقي كما وقع ذلك، فلذلك فرض الإتيان إليها في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] [ولم يستثن وقتاً دون وقت] ، ولم يقل: إلا إذا كان المقيمون لها عصاة أو فجاراً.
بل أطلق ذلك.
[ولا أمراً بالنداء للجمعة دون أمر] ، فالنداء للجمعة عام: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، ولو كان الذين يقيمونها عصاة أو فجاراً.
والحكمة في ذلك جمع الكلمة، وذلك لأننا إذا عصيناهم فلابد أن يحصل ظلم وعسف وجبروت، ونحو ذلك.
стр. 269
إعادة الصلاة خلف أئمة البدع المكفرة
إذا قدر مثلاً أن خطيب الجمعة متهم ببدعة فإن تلك البدعة لا تخول ترك الصلاة خلفه، فلو كان -مثلاً- متصوفاً، ولكن له سلطة وولاية، أو كان معتزلياً -وأهل السنة لا يكفرون المعتزلة مطلقاً-، وكذلك لو كان أشعرياً أو نحو ذلك فلا يكفر، ويصلى خلفه، ومن صلى خلفهم فإنا لا نأمره بإعادة الصلاة.
لكن إذا كان مشركاً فإنه يؤمر بإعادة الصلاة، فإذا عرف أنه من أهل وحدة الوجود وممن بدعتهم مكفرة، أو أنه من القبوريين الذين يدعون الأموات ويهتفون بأسمائهم ويدعونهم من دون الله تعالى، فمثل هؤلاء ولو كانوا يتسمون بأنهم مسلمون فإن دعاءهم لغير الله تعالى يحبط أعمالهم، فيصيرون بذلك مشركين.
فإذا عرفت -مثلاً- أن هذا الخطيب أو أن هذا الإمام مشرك يعبد أهل البيت - علياً أو ذريته- كالرافضة، أو يعبد عبد القادر، أو ابن علوان، أو البدوي، أو نحوهم من المعبودات، بمعنى أنه يطوف بالقبر، أو يدعو الميت نفسه فيقول: يا معروف! أو: يا جنيد! أو يا ابن علوان! أو: يا عبد القادر! أو: يا كذا وكذا! أنا في حسبك، أو: ما لي إلا الله وأنت.
أو نحو ذلك فإن هذا يعتبر مشركاً فلا تصح الصلاة خلفه؛ لأن شركه أخرجه من الإسلام، فإذا اضطر الإنسان إلى أن يصلي خلفهم فإنَّا نأمره بالإعادة، ولكن متى يكون مضطراً؟ موجود في كثير من البلاد الإفريقية أن ولاة الأمر وأئمة وخطباء المساجد من هؤلاء المتصوفة، ومعهم كثير من البدع المكفرة، ومن أشهرها أنهم يدعون الأموات ويعتقدون فيهم، أو أنهم غلاة في التصوف، بمعنى أنهم ملاحدة أو اتحادية، فيقول بعض أهل الخير: إذا لم نصل خلفهم آذونا واتهمونا بأننا نخالفهم أو نكفرهم، فيؤذوننا ويسجنوننا ويقتلوننا ويشردوننا ويطردوننا، فماذا نفعل؟ فنقول: إن وصلت البدعة إلى التكفير فإنك تصلي معهم مداراة لهم وتعيد، وإن لم تصل البدعة إلى التكفير فصلِّ معهم، فصلاتك لك وصلاتهم لهم، وأجاز بعض العلماء أن تدخل معهم وأنت تنوي الانفراد، فتتابع الإمام ولكنك منفرد تصلي لنفسك، فتقرأ ولو كان يقرأ، وتسمع بقولك (سمع الله لمن حمده) ، وتصلي صلاة كاملة بنية أنك منفرد إذا خشيت على نفسك من أن يتهموك بأنك ثوري أو إرهابي أو مخالف أو نحو ذلك فيضروك، فلك أن تتقي شرهم بذلك، وإن تمكنت من أن تصلي وحدك، أو وجدت مسجداً -ولو بعيداً- فيه إمام مستقيم فهو الأولى.
стр. 270
جهاد الكفار والحج مع أئمة الجور
يقول: [ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جورة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل] .
الجهاد: هو قتال الكفار.
فمن عقيدة أهل السنة أنهم يرون الحج والجهاد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، وذلك لأنه في الزمان القديم لا يتيسر الحج إلا مع أمير يحفظ أولئك الحجاج، ويكون معه جيش قوي وأسلحة حتى لا يعترض للحجاج قطاع الطريق من الأعراب ونحوهم الذين يعترضونهم ويأخذون أمتعتهم، فيأمرون على الحج أميراً قوياً، وقد يكون ذلك الأمير متلبساً بشيء من المعاصي، إما بتأخير الصلاة، وإما بشرب المسكرات، وإما باستماع الأغاني ونحوها.
فيقولون: الحج معه خير من ترك الحج، والحج معه أولى من الحج منفرداً والتعرض لقطاع الطريق.
كذلك أيضاً الجهاد قتال الكفار، وهو الغزو، ولابد أن يكون لهم أمير، فليس شرطاً أن يكون ذلك الأمير مهذباً أو تقياً نقياً، بل يجاهد معه في نصر الإسلام، ويجتمع المجاهدون تحت رايته ويطيعونه، ويسيرون بتدبيره، ولا يجوز الغزو إلا بإذنه، ويلزمهم طاعته والصبر معه والسير بسيره، وعليه أن يرفق بهم ولا يكلفهم ولا يشق عليهم، وعليهم أن يسمعوا له ويطيعوا ولو كان منتقداً أو مرتكباً شيئاً من المعاصي، فإن ذلك لا يخول لهم أن يتركوا الجهاد، فالجهاد عبادة عظيمة وشعيرة من شعائر الإسلام بها أظهر الله تعالى الدين ونصره، وبها انتصر المسلمون وقضوا على كثير من الملل الكفرية، فما دام أن فيه مصلحة فإننا نجاهد كل كافر مع كل أمير ولو كان الأمير من الفجرة أو من الجورة.
стр. 271
الدعاء لهم وعدم الخروج عليهم بالسيف
موقفنا مع ولاة الأمور أن ندعوا لهم بالصلاح وبالإصلاح، وندعو لهم بالعطف إلى العدل وبأن يردهم الله تعالى إلى العدل، فإن الدعوة لهم فيها خير وفوائد.
أولاً: أننا نأمن في ولايتهم، نعرف أن في ولايتهم على البلاد خير كثير حيث تأمن البلاد وتسلم من قطاع الطريق وتسلم من الفتن نحوها.
ثانياً: جمع كلمة المسلمين، واتفاقهم على إمام واحد أو ولي واحد، فلذلك إذا رأينا منهم شيئاً من الجور أو ارتكاب شيء من المعاصي، أو نقصاً ننصحهم وندلهم على طرق الخير، ولا ننسى أن ندعوا الله لهم بالإصلاح وأن يردهم إلى العدل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز الخروج عليهم بالسيف] .
الخروج عليهم معناه: الخروج على الأئمة.
فلا يجوز ولو كانوا عصاة، وما ذاك إلا أن في الخروج عليهم مفاسد كبيرة، وهو سبب للفتن وللقتل ولاستباحة الأموال والبلاد ولتفرق الكلمة، وقد كان السلف رحمهم الله تعالى ينهون عن الخروج على الأئمة بالسيف ولو جاروا وظلموا وبطشوا، ويقولون: ليس في الخروج عليهم مصلحة، بل إن ذلك يؤدي إلى مفاسد كبيرة.
وفي عهد الإمام أحمد وجد كثير من الأئمة ممن عليهم مآخذ، من آخرهم الذي أدركه هو المعتصم، وكان قبله المأمون الذي فتن الناس ودعاهم إلى القول بخلق القرآن، ومع ذلك كان يدعو لهم ﵀ بالصلاح والإصلاح، ويستأذنه بعض أصحابه في أن يثوروا ويخرجوا عليهم ويقاتلوهم فيقول: ماذا تحصلون عليه من قتالهم؟ لا تحصلون إلا على فشل وعلى ذل وهوان.
ويضرب لهم أمثلة للذين خرجوا على أئمة الجور أنهم باؤوا بالفشل منذ العهد الأول.
فمثلاً: في عهد بني أمية كانت ثورات كثيرة وكلها باءت بالفشل، فمن أشهرها فتنة ابن الأشعث، وذلك لأنه بعثه الحجاج لقتال بعض بلاد الأفغان لما بلغهم أن أمير كابول منع الجزية، فعند ذلك أرسله للغزو وشدد عليه، ولما شدد عليه خلع بيعة الحجاج وطاعته، ثم خلع بيعة عبد الملك وطاعته، ثم كان في النهاية أن بايعه الجيش، ثم أهل العراق، ثم حصل القتال بينه وبين الحجاج، ثم كانت الهزيمة على ابن الأشعث وقتله بعد ذلك، وحصل بذلك أن قتل في هذه الفتنة أكثر من ثمانين ألفاً بسبب هذه الفتنة ولم يحصلوا على نتيجة.
ثم بعده: ابن المهلب أراد أن يخلع أيضاً بيعة خلفاء بني أمية لما رأى طاعة الجيش له وباء بالفشل.
ثم بعده: قتيبة بن مسلم الذي فتح كثيراً من بلاد الهند وما وراء النهر والسند ورأى طاعة الجيش له وخلع بيعة خليفة بني أمية ولم يحض إلا بالفشل.
فيضرب الإمام أحمد مثلاً بهؤلاء، وكذلك في خلافة المنصور لما تمت البيعة لبني العباس ثار عليه اثنان من أولاد الحسن بن علي أحدهما في المدينة والثاني في البصرة، ومع كثرة الجيوش التي بايعتهم ومع ذلك باءا بالفشل.
فمن عقيدة أهل السنة عدم الخروج على الأئمة بالسيف، وخالف في ذلك طائفتان: الخوارج والمعتزلة.
فالخوارج ثاروا في عهد علي، وقاتلهم علي وشردهم، وبقي منهم بقايا صاروا يثورون كلما تقووا في عهد بني أمية، ولكنهم لا ينتصرون غالباً، ولو حصل لهم شيء من الانتصارات في بعض الأحيان.
أما المعتزلة فإن من عقيدتهم جواز الخروج على أئمة الجور، هذا من معتقدهم ولكنهم لم ينفذوا ذلك؛ لأن الغالب عليهم التفرق، فلم يصلوا إلى وقت يثورون فيه ويقاتلون الأئمة ويخرجون عليهم.
فالحاصل أن أهل السنة يرون عدم الخروج على الأئمة بالسيف، ويرون عدم القتال في الفتن بين المسلمين، وأن ذلك ضعف للإسلام وللمسلمين، ثم إذا ثارت ثائرة على إمام المسلمين فإن على عموم المسلمين أن يقاتلوهم بأمر ذلك الإمام، وهؤلاء يسمون (البغاة) ، وهم الذين يثورون على إمام المسلمين أو أمير المؤمنين بشبهة تعرض لهم، فإذا كانت لديهم شوكة وقوة فإن الإمام أولاً يزيل الشبهات التي عندهم، بأن يراسلهم وينظر ما هي الشبه التي يتشبثون بها ويتعلقون بها فيزيلها، ثم ثانياً يقاتلهم، ويلزم الجيش طاعته والصبر والقتال معه للفئة الباغية.
стр. 272
ضوابط دار الإسلام عند أهل السنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون الدار دار الإسلام لا دار الكفر كما رأتها المعتزلة، مادام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين] .
أهل السنة يعتبرون أن البلاد بلاد إسلام مادام أن فيها المساجد والمؤذنين، ومن يقيمون الصلاة، ولو كان فيها معاصٍ كخمور ومزامير وأغانٍ وملاهٍ وتماثيل وما أشبه ذلك، فإنهم يحكمون بأن البلاد بلاد إسلام، فلا يجوز استحلالها، ولا استباحة محارمها، ولا قتال أهلها ولو غلب أو كثر فيهم الفسوق والفساد، وإنما يقتصرون على الدعوة والسعي في الإصلاح، وتسمى (دار إسلام) .
أما المعتزلة فإنهم يكفرونها، ويرون أنها دار كفر إذا ظهر فيها عندهم شيء من الكفر، هكذا يدعون، إذا ظهر فيها شيء من المعاصي اعتبروها دار كفر، واعتبروا أهلها كفاراً، وحكموا بالأكثرية أو بالأمكنية، وهذا خلاف معتقد أهل السنة أن الدار دار الإسلام ولو حصل فيها ما حصل من الخلل.
وإذا اعتبرت دار كفر فمعناه أنه يقضى على المساجد التي فيها وعلى الكتب؛ إذ قد يكون فيها كتب إسلامية ومصاحف وما أشبه ذلك، وكثير الآن من البلاد يظهر فيها شيء من شعائر الكفر، وإن لم تكن تتصور فيما سبق، وذلك مثل أن يرخص في الزنا مادام أن المرأة حرة في نفسها وموافقة، فيقولون: لها الحرية أن تبذل نفسها ولا شك أن هذا مخالف للشرائع الإسلامية، ولكن لا تصل البلاد التي يظهر فيها ذلك إلى أنها بلاد كفر تغزى وتقاتل.
وكذلك إظهار بيع الخمور، حيث يوجد في كثير من البلاد أنهم يذيعون بيع الخمور علناً، فضلاً عن شربها، فهذه البلاد أيضاً لا تصل إلى كونها بلاد كفر، ما دام أن فيها مصلين ومساجد ومؤذنين، وأنهم يتسمون بالإسلام، وأن في مساجدهم مصاحف وكتب إسلامية وما أشبه ذلك.
وكذلك لو وجد فيهم محاكم غير شرعية يحكمون بالقوانين الوضعية ونحوها، فنقول: الحكم بالكفر على ذلك الشخص الذي يتولى هذا الحكم ولا نحكم على البلاد كلها، بل نقول: البلاد بلاد إسلام.
ونعتبرها دار إسلام لا دار كفر خلافاً للمعتزلة، إذا كان فيها نداء بالصلاة والإقامة لها إذا كان ذلك ظاهراً وأهل الصلاة يتمكنون، أما لو عدمت هذه الأشياء فإنها تصبح دار كفر إذا رأينا أن هذه البلاد هدمت فيها المساجد، وأحرقت فيها المصاحف وكتب الإسلام، ومنع الذي يرفع صوته بالإسلام، ومنع الذي يصلي، ومن رأوه يصلي قتلوه أو سجنوه، وأبيح فيها الكفر، وعبدت فيها الأوثان، وأظهر فيها الشرك، وحكم فيها بغير شرع الله تعالى، ومنع فيها من يظهر الإسلام أو يتكلم به، فإنها تصبح دار كفر.
стр. 273
سعة فضل الله على العباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون أن أحداً لا تخلص له الجنة وإن عمل أي عمل إلا بفضل الله ورحمته التي يختص بهما من يشاء] .
هذه مسألة جديدة، وهي اعتقادنا أن الإنسان لا يكون من أهل الجنة بمجرد عمله، بل بفضل الله تعالى وبرحمته، وإن كانت الأعمال من جملة الأسباب لدخول الجنة، كما قال النبي ﷺ : (لن يدخل أحد منكم عمله الجنة.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) .
فنعتقد أنه لا يخلص له الجنة وإن عمل عملاً كثيراً إلا بفضل الله وبرحمته التي يختص بهما من يشاء، وعمله للخير وتناوله الطاعات إنما كان عن فضل الله، ونقول: إن الله تعالى هو الذي مّنَّ عليك وهو الذي هداك، فله النعمة علينا، وله الفضل أن هدانا للإسلام وأقبل بقلوبنا على طاعته وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، فلو لم يتفضل علينا لم يكن لأحد منا حجة على الله تعالى، ولو خذل عباده فإنه لا عذر لهم ولا حجة.
والله تعالى يذكر عباده دائماً بفضله فيقول: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١] أي: تذكروا أنكم تحت فضل الله تعالى ونعمته فهو المتفضل عليكم، وهو الذي وفقكم وهداكم للإسلام، ولو شاء لخذلكم ولسلط عليكم الأعداء، فاشكروه على فضله تعالى ونعمته ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] ، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ [النساء:٨٣] فلولا أنه تفضل عليكم وهداكم وخصكم بواسع فضله -فهو يختص برحمته من يشاء- لولا ذلك لكنتم أشقياء، ولكنه يختص بفضله من يشاء، فاشكروه على ذلك.
فنحن نعترف بفضل الله تعالى علينا، ونحمده على أن هدانا للإسلام، ونسأله أن يَمُنَّ علينا بتكميل هذا الإسلام، ومع ذلك نرغب إليه أن يعمنا بواسع رحمته وبفضله، وأن يتجاوز عن أخطائنا ونقصنا وتقصيرنا، فنحن كلنا أخطاء إلا أن يتجاوز الله عنا، وأعمالنا قليلة ولو عملنا أي عمل.
стр. 274
أثر العمل الصالح في دخول صاحبه الجنة
مما يتعلق بالأعمال كون العمل لا يستقل بإدخال صاحبه الجنة، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١] ، فقد أخبر الله تعالى بأنه المتفضل على عباده، وأنه لولا تفضله عليهم ما زكوا ولا تزكوا ولا عملوا، ولكنه تعالى تفضل على هؤلاء فهداهم، وله النعمة والفضل عليهم، ومن الذكر الذي ورد بعد دبر كل صلاة أن يقول العبد: (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن) ، فله المن على عباده والفضل عليهم.
ولما أخذ النبي ﷺ يعدد على الأنصار خصالهم التي تميزوا بها كان يذكرهم ويقول: (ألا تقولون: جئتنا وحيداً فنصرناك، وجئتنا طريداً فآويناك؟) فأخذوا يقولون: الله ورسله أمنَّ، المنة لله ولرسوله.
فحقاً لله المنة على عباده، وله الفضل عليهم، فإذا أنعم على بعض العباد فهداهم وأقبل بقلوبهم على طاعته فإنه المتفضل وله الفضل في ذلك، وإذا خذل بعض العباد وحال بينهم وبين رشدهم، وأضلهم على علم فله الحكمة في ذلك، يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] ، فالله تعالى هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن هداه الله فقد تفضل عليه، ومن خذله وأضله فقد عامله بعدله.
ولا ينسب إلى الله تعالى ظلم ولا جور، بل هو العادل في عباده، فأعمالهم التي عملوها فضل من الله تعالى، وقد ورد في حديث أنه: (يجاء برجل قد عمل من الحسنات أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: أدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: يا رب! ألست أدخلها بأعمالي؟ فعند ذلك يقول الله: حاسبوا عبدي -أي: على نعمي عليه-.
فإذا بدأوا في الحساب يقول الله لنعمة البصر: خذي حقكِ من أعماله.
فتأخذ من أعماله، ثم يقول لنعمة السمع: خذي حقكِ.
فلا تكاد أن تترك من أعماله شيئاً، فعند ذلك يقول الله: ادخلوه النار.
فيقول: يا ربي! بل برحمتك أدخلني الجنة) ، فعند ذلك يدخله الله الجنة ويعترف بأن أعماله التي عمل لا تستقل بإدخاله الجنة مهما كثرت ومهما عظمت.
والأكثر تصريحاً من ذلك الحديث الذي هو قوله ﷺ : (لن يدخل أحداً منكم الجنة عمله -أو: فلن يدخل أحد منكم الجنة بعمله- قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ، فإذا كان النبي ﷺ مع جده في العمل واجتهاده ونشاطه وجهاده وصلاته وذكره وأعماله وأدعيته، ومع ما حباه الله تعالى به وعصمه من الخطايا والزلات مع ذلك يقول: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ، فكيف بمن دونه؟ لا شك أن الأعمال سبب، ولذلك يعلق الله تعالى بها الجزاء على الأعمال سيئها وحسنها، وكثيراً ما يقول: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢] ، ويقول: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] ، فيجعل العمل هو السبب الذي حصلوا به على ذلك الجزاء.
فالأعمال الصالحة هي أسباب للجزاء بالجنة وبالثواب وبرضا الله تعالى، ولكن تلك الأعمال الصالحة أليست فضلاً من الله تعالى؟ هو الذي تفضل على عباده فهداهم، وأقبل بقلوبهم على طاعته، وبصرهم بالحق وهداهم، وأرشدهم وسددهم، وربط على قلبوهم وثبتهم، ولو شاء لأضلهم سيما مع كثرة المضلات، فإنه قد سلط عليهم أنواعاً من المضلات، فإذا أعانهم على تلك الأعداء فثبتوا كان ذلك فضلاً منه ورحمة، فإنه سلط عليهم الأبالسة والشياطين، وحمى أولياءه من الشياطين فضلاً منه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩-١٠٠] ، أخبر بأنه ليس له سلطان إلا على من خذلهم الله تعالى وسلطه عليهم.
فأخبر بأنه حمى أولياءه المؤمنين وحال بينه وبينهم، فأعطاهم من الأسلحة ما يقهرونه ويذلونه ويتغلبون به على وساوسه وخطراته، فأمرهم بالاستعاذة منه، وإذا استعاذوا بالله تعالى أعاذهم، وكذلك أمرهم بذكر الله وذكر الله يطرد الشياطين، وأمرهم أن يدعوه حتى يحول بينهم وبين أعدائهم ويحميهم ويعصمهم، وأمرهم بقراءة كلامه أو ما تيسر منه، وقراءته أيضاً سلاح يحول بينهم وبين أعدائهم، فإذا وفقهم وأعانهم على هذه القراءة والأذكار والأدعية والاستعاذة ونحوها صارت معهم أسلحة يفتكون بها في أعدائهم من الشياطين، وتعينهم على قهرهم وقمعهم وإذلالهم.
وسلط عليهم أيضاً أعداء آخرين، كما يقول بعض الشعراء: إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي فهؤلاء الأعداء إنما يتغلب عليهم بتوفيق من الله تعالى ونصر منه وتأييد، فإذا أيده الله تعالى وقواه تقوى على هؤلاء الأعداء وانتصر عليهم، وقوي على أن يمسك نفسه ويقهرها ويقودها إلى طاعة ربه تعالى، وإذا تسلطت عليه نفسه ولم يكن معه ما يقهرها انقاد لشهواته ولهوه وأصبح غير مستقل بأمر الله تعالى ولا قادر على أمر الله تعالى.
стр. 275
الأسئلة
стр. 276
سبب ذكر طاعة ولاة الأمر في العقائد
السؤال
لماذا أدخل باب طاعة ولاة الأمور في كتب العقائد؟
الجواب
السمع والطاعة لله تعالى، ومن طاعة الله وطاعة رسوله طاعة من ولاه الله، ولذلك قال النبي ﷺ : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقط أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) ، وكان إذا أَمَّر أميراً أمر من كان معه بأن يطيعه، على أن تكون الطاعة في المعروف (إنما الطاعة في المعروف) ، وبكل حال لا شك أن طاعة الله وطاعة رسوله من العقيدة، فيدخل في العقيدة طاعة ولاة الأمر الذين أمرنا بطاعتهم.
стр. 277
حكم تكفير من يخالف حكم الله
السؤال
يستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] على كفر ولاة الأمور في الدول التي يوجد بها بنوك ربوية أو مخالفات في وسائل الإعلام أو غيرها، فكيف يرد عليهم؟
الجواب
أولاً: الكفر هنا قد اختلف فيه: هل هو كفر عملي أو كفر اعتقادي؟ فيرى كثير من العلماء أنه كفر عملي وهو لا يخرج من الملة، ويرى بعضهم أنه كفر دون كفر.
ثانياً: أن الآية فيمن لم يحكم بشيء مما أنزل الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤] ، فمعناها: أنهم لا يحكم بكفرهم إلا إذا لم يحكموا بشيء مما أنزل الله ولو بآية، أو بحديث من كتاب الله ولا من سنة رسوله، ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤] أي: لم يحكم بشيء مما أنزل الله.
ثالثاً: لا شك أن تغيير شرع الله تعالى تغييراً جذرياً يعتبر اعتراضاً على الله تعالى، والاعتراض على الله والانتقاد له يعتبر كفراً، ولكن إذا اعتبرناه كفراً عملياً رأينا أن الخروج على أهله من الخروج على الأئمة، ولا شك أن فيه فتنة ومضرة على الذين يخرجون، وذلك لأن هؤلاء الأئمة الأمراء بأيديهم القوة والأسلحة الفتاكة، فالذين يخرجون عليهم لا يقدرون على مقاومتهم ولو خرجوا بحق.
فلأجل ذلك يقول الشافعي في الأبيات المشهورة: لك العقل الذي زين الفتى إذا أنت لم تقو عدوك داره وقبّل يد الجاني التي لست قادراً على قطعها وارقب سقوط جداره ترقب إلى أن يظهر الله القوة للإسلام والمسلمين.
стр. 278
موقف المؤمن من البلاد التي انتشرت فيها المنكرات
السؤال
إذا كثرت المنكرات في مجتمع من المجتمعات وفشت وطمت، ثم نصح ولاة أمورها سراً ومع ذلك لم يستجيبوا، فما هو العمل؟
الجواب
ليس لك إلا أن تكرر النصيحة، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تحرص على الدلالة على الخير، وأن تنجو بنفسك وبمن تستطيع النجاة به من أهل الخير مع أهل الخير المستجيبين لك، وحينئذٍ تكون معذوراً، وقد ورد في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] يقول: (إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر من قلة الموافق وكثرة المخالف) ، ففي تلك الحال يكون الإنسان مهتماً بصلاح نفسه.
стр. 279
كيفية نصح ولاة الأمر
السؤال
إذا لم نستطع الوصول إلى ولاة الأمر لنصحهم، فكيف ننصحهم؟
الجواب
أولاً: تدعو لهم.
ثانياً: تنصح جلساءهم الذين تستطيع أن تصل إليهم، أو جلساء جلسائهم لعلهم ينصحونهم أو يؤثرون فيهم.
ثالثاً: تحرص على إصلاح من تقدر عليه من المسلمين بما تستطيعه من وجوه الإصلاح، وفي إصلاح بعض من المسلمين خير كثير، فهو أولى من ترك الإصلاح حتى يكون الشعب كله منحرفاً أو فاسداً، فبعض الشر أهون من بعض، فإذا رأينا -مثلاً- أن الأشرار لهم الغلبة والتمكن، وأنهم ينفذون كلماتهم ويبطشون بأهل الخير ويذلونهم ويهينونهم، ورأيناهم يزيدون ويفشون ويتمكنون، ورأينا الشر يستطير، ورأينا المصلين في قلة وذلة، وحملة القرآن ونحوهم، ورأينا العصاة أهل الخمور والفجور والفساد وما أشبه ذلك لهم التمكن فلابد أن نتصل بأهل الخير من إخواننا، ونتمسك بطاعة الله، ونتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، وكل من رأيناه محباً للخير أو قريباً منه نصحناه سراً وبينا له، (والحق ضالة المؤمن) ، فبذلك يظهر الخير ولو قليلاً قليلاً إلى أن يظهر أهله ولو بعد حين.
стр. 280
أنواع الخوارج وصور خروجهم
السؤال
هل الخروج يكون بالسيف فقط أم باللسان أيضاً؟
الجواب
لا شك أن أصل الخروج هو منابذتهم، فيقال: خرج على الأئمة بمعنى: نابذهم، وكفرهم، واستباح قتالهم، واستباح محارمهم.
فهذا هو الأصل في الخروج.
ولكن القسم الثاني يسمى تكفيراً وتضليلاً، وهو أيضاً قد يكون سبباً في وصول الأذى إلى ذلك المكفر، فإنَّا إذا رأينا مجموعتين: مجموعة يقاتلون الأئمة، وعندهم من القوة والذخائر ما يتمكنون به من أن يقاتلوا الإمام وأتباع الإمام والمسلمين الذين في طواعية ذلك الإمام سميناهم خوارج وسميناهم أهل خروج عن الطاعة.
ورأينا آخرين على معتقدهم ولكنهم لا يخرجون ولا يقاتلون ويسمون القعد، نقول هؤلاء: أيضاً لهم حكم الأولين، وقد يكون الأولون هم الذين يتأثرون بهم، وذلك لأن كثيراً من الخوارج في العهد الأول لا يرون القتال، ولكنهم يسمون القعد من القعود، ويقال: أنهم قاعدون، ولكنهم يحثون الآخرين الذين عندهم قوة وجرأة على القتال، يقولون: قاتلوهم فإن لكم أجراً، ولكم ولكم.
ذكروا ذلك في ترجمة عمران بن حطان، وكان أولاً من أهل السنة، وروى أحاديث عن عائشة وغيرها من الصحابة، وحدث عنه بعض العلماء، وله أحاديث في صحيح البخاري إلا أنه في آخر عمره تزوج امرأة من الخوارج يظن أنه سيؤثر فيها وأنه سيصلحها ولكنها أفسدته، فغيرت عقيدته فأصبح خارجياً، ولكنه من الخوارج القعد وليس من الذين يقاتلون، وهو الذي مدح ابن ملجم الذي قتل علياً بالأبيات المشهورة التي يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزاناً فرد عليه بعضهم بقوله: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش سخطاناً إني لأذكره يوماً فألعنه جهراً وألعن عمران بن حطانا فالحاصل أن مثل هؤلاء يقال لهم: القُعَّد، فيعتبرون الحكام مثل غيرهم أنهم داخلون في الكفر.
стр. 281
حكم القتال مع إمام الجور
السؤال
هل يجب قتال الفئة الباغية مع السلطان الجائر أم أنها لا تجب إلا مع الإمام العادل؟
الجواب
ذكروا في قتال البغاة أموراً.
أولاً: أنهم لابد أن يكون لهم شبهة، وتلك الشبهة تخول لهم أن يخرجوا، فإذا لم يكن لهم شبهة فإنهم قطاع طريق فيقاتلون بكل حال؛ لأنهم يقتلون المسلمين، أما إذا كانت لهم شبهة وعندهم شوكة ولهم قوة فقالوا: يلزم الإمام أن يراسلهم قبل البدء بقتالهم، ويسألهم: ماذا تنقمون؟ فإذا ذكروا له ماذا ينقمون أصلح الأحوال التي يدعونها إن كانت صدقاً، أو اعتذر عنهم وبين خطأهم في هذا الاجتهاد.
ثانياً: بعدما يصرون على القتال ويمتنعون من الرجوع ففي هذه الحال يقاتلهم، وإذا كان كذلك فإننا نقاتل معه حتى ولو كان معه شيء من الجور أو المعاصي أو النقص أو التقصير، وذلك حفاظاً على بيضة الإسلام، وعلى جمعية المسلمين.
стр. 282
الضابط في تقسيم البلاد إلى بلاد كفر وبلاد إسلام
السؤال
ما الضابط في الحكم على البلاد بأنها بلاد إسلام، علماً بأن بعض دول الغرب تترك المسلمين يؤدون شعائر إسلامهم؟
الجواب
إذا كان الحكم للكفر فإنها تعتبر بلاد كفر، لكن إذا كان بيننا وبينهم عهد فإننا لا نغزوهم ولا نقاتلهم، أما إذا كان الحكم للإسلام والمسلمين فإننا نحكم بأنها بلاد إسلام؛ لأن الأصل أنها بلاد إسلام، فمثلاً: أكثر بلاد أمريكا ونحوها بلاد كفر ولكن فيها مراكز إسلامية ودعاة مسلمون، وقد يقام فيها مساجد، فنقول: البلاد بلاد كفر وفيها مسلمون، وإذا انتقضت العهود التي بيننا وبينهم حل غزوهم وقتالهم، وما دام أنهم مسالمون ولهم عهود فإنهم لا يقاتلون.
أما البلاد الإسلامية أصلاً -ولو كان فيها شيء من شعائر الكفر- فإن الحكم للبلاد التي فيها أصل الإسلام، فنقول مثلاً: بلاد تركيا بلاد إسلام، ولو أن فيها الآن اختلاطاً وقبوريين ومعاصي وخموراً، لكن الأصل أنها بلاد إسلام، وفيها المساجد والمكتبات والكتب ونحو ذلك فلا تكفر ولا تبدع، وكذلك كثير من البلاد الإفريقية لاشك أنها بلاد إسلام ولو ظهر فيها شيء من شعائر الكفر.
стр. 283
حكم من يكفر كل المجتمعات الإسلامية
السؤال
ما رأيكم فيمن يكفر المجتمعات الإسلامية قاطبة ويقول: إنها ارتدت بالكلية؟
الجواب
هذا قول خاطئ، وذلك لأن المجتمعات الإسلامية لا شك أنها تهدف إلى الحق ولو كان فيها شيء من النقص أو الخلل، ومعلوم أنهم ما قصدوا إلا الحق والخير، فهم مسلمون موحدون يشهدون الشهادتين ويدعون إلى الصلاة وإلى أركان الإسلام، ويدعون إلى تحقيق الإيمان والاتصاف بالإيمان، فنقول: إنهم من أهل الإسلام ولا يجوز تكفيرهم.
ونقول بعد ذلك: لا يضر اختلافهم في الأسماء، فالأسماء عادية، يرضى هؤلاء -مثلاً- أن يسموا أنصار السنة، فنقول: نتفقد أحوالكم، فإذا كنتم على العقيدة فإننا نقركم ونسميكم بما تريدون.
وإذا قال هؤلاء: نحن نتسمى بأهل التوحيد قلنا: لكم اسمكم ولكن ننظر في أعمالكم.
وإذا تسمى هؤلاء بالسلفيين نقول: لكم ما تسميتم به ولكن حققوا أعمالكم.
وإذا تسمى هؤلاء بأهل الدعوة.
قلنا: نوافقكم على ذلك ولكم اجتهادكم ونظركم.
وإذا تسمى هؤلاء -مثلاً- بأهل الدعوة أو بأهل التوحيد أو بغير ذلك من الأحزاب التي أسماؤها حسنة نقرهم على تسميتهم، ولكن نتفقد أحوالهم.
ثم هذه الأحزاب الأصل فيهم والغالب أنهم يدعون إلى الخير ويحبونه، والله تعالى يتولى أمورهم وشئونهم، ولا نقرهم على ما فيهم من الأخطاء التي يخطئون فيها بل ننتقدهم في ذلك الخطأ، ولا يصل الخطأ إلى التكفير، فإن التكفير أمره كبير.
стр. 284
شرح اعتقاد أهل السنة [١٤]
يؤمن أهل السنة والجماعة أهل الحديث بأن الله تعالى قد جعل لكل حي مخلوق أجلاً هو بالغه بالموت، ورزقاً هو مستكمله إلى أن يموت من حلال أو حرام، ويؤمنون بالشيطان ووسوسته، وملابسته لبني آدم، وجريانه من ابن آدم مجرى الدم، وتسلطه عليه، وأن الاستعاذة بالله منه طريق النجاة والخلاص.
стр. 285
تقدير الله تعالى للآجال
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويقولون: إن الله أجَّل لكل حي مخلوق أجلاً هو بالغه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ، وإن مات أو قتل فهو عند انتهاء أجله المسمى له، كما قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، وإن الله تعالى يرزق كل حي مخلوق رزق الغذاء الذي به قوام الحياة، وهو ما يضمنه الله لمن أبقاهم لخلقه، وهو الذي رزقه من حلال أو من حرام، وكذلك رزق الزينة الفاضل عما يحيا به.
ويؤمنون بأن الله تعالى خلق شياطين توسوس للآدميين ويخدعونهم ويغرونهم، وأن الشيطان يتخبط الإنسان، وأن في الدنيا سحر وسحرة، وأن السحر استعماله كفر من فاعله معتقداً له نافعاً ضاراً بغير إذن الله] .
البحث الأول يتعلق بالآجال، وهو أن الله تعالى قدر الآجال وحدد الأعمار، وجعل لكل نفس عمراً محدداً لا يمكن أن تتجاوزه، ولا يمكن أن يزاد في عمره ولا أن ينقص، والعمر الذي كتبه الله له قبل أن يخلقه بل قبل أن يخلق الدنيا لابد أنه يصل إليه ولا يتجاوزه.
ومعلوم أن ربنا سبحانه علم عدد الخلق قبل أن يخلقوا، علمهم بعددهم وبأوقات وجودهم وبأعمارهم وبأعمالهم ونحو ذلك، ففي الحديث: (إن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) ، وفي حديث آخر: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب.
فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة) جرى القلم بما هو كائن وحادث إلى يوم القيامة، ولا يزاد عما جرى، وذلك في اللوح المحفوظ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
следующие страницы →