← Акыда

Акыда · id 7707

اعتقاد أهل السنة

ابن جبرين

Полный текст (366 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حكم القتال مع إمام الجور السؤال هل يجب قتال الفئة الباغية مع السلطان الجائر أم أنها لا تجب إلا مع الإمام العادل؟ الجواب ذكروا في قتال البغاة أموراً. أولاً: أنهم لابد أن يكون لهم شبهة، وتلك الشبهة تخول لهم أن يخرجوا، فإذا لم يكن لهم شبهة فإنهم قطاع طريق فيقاتلون بكل حال؛ لأنهم يقتلون المسلمين، أما إذا كانت لهم شبهة وعندهم شوكة ولهم قوة فقالوا: يلزم الإمام أن يراسلهم قبل البدء بقتالهم، ويسألهم: ماذا تنقمون؟ فإذا ذكروا له ماذا ينقمون أصلح الأحوال التي يدعونها إن كانت صدقاً، أو اعتذر عنهم وبين خطأهم في هذا الاجتهاد. ثانياً: بعدما يصرون على القتال ويمتنعون من الرجوع ففي هذه الحال يقاتلهم، وإذا كان كذلك فإننا نقاتل معه حتى ولو كان معه شيء من الجور أو المعاصي أو النقص أو التقصير، وذلك حفاظاً على بيضة الإسلام، وعلى جمعية المسلمين.

стр. 282

الضابط في تقسيم البلاد إلى بلاد كفر وبلاد إسلام السؤال ما الضابط في الحكم على البلاد بأنها بلاد إسلام، علماً بأن بعض دول الغرب تترك المسلمين يؤدون شعائر إسلامهم؟ الجواب إذا كان الحكم للكفر فإنها تعتبر بلاد كفر، لكن إذا كان بيننا وبينهم عهد فإننا لا نغزوهم ولا نقاتلهم، أما إذا كان الحكم للإسلام والمسلمين فإننا نحكم بأنها بلاد إسلام؛ لأن الأصل أنها بلاد إسلام، فمثلاً: أكثر بلاد أمريكا ونحوها بلاد كفر ولكن فيها مراكز إسلامية ودعاة مسلمون، وقد يقام فيها مساجد، فنقول: البلاد بلاد كفر وفيها مسلمون، وإذا انتقضت العهود التي بيننا وبينهم حل غزوهم وقتالهم، وما دام أنهم مسالمون ولهم عهود فإنهم لا يقاتلون. أما البلاد الإسلامية أصلاً -ولو كان فيها شيء من شعائر الكفر- فإن الحكم للبلاد التي فيها أصل الإسلام، فنقول مثلاً: بلاد تركيا بلاد إسلام، ولو أن فيها الآن اختلاطاً وقبوريين ومعاصي وخموراً، لكن الأصل أنها بلاد إسلام، وفيها المساجد والمكتبات والكتب ونحو ذلك فلا تكفر ولا تبدع، وكذلك كثير من البلاد الإفريقية لاشك أنها بلاد إسلام ولو ظهر فيها شيء من شعائر الكفر.

стр. 283

حكم من يكفر كل المجتمعات الإسلامية السؤال ما رأيكم فيمن يكفر المجتمعات الإسلامية قاطبة ويقول: إنها ارتدت بالكلية؟ الجواب هذا قول خاطئ، وذلك لأن المجتمعات الإسلامية لا شك أنها تهدف إلى الحق ولو كان فيها شيء من النقص أو الخلل، ومعلوم أنهم ما قصدوا إلا الحق والخير، فهم مسلمون موحدون يشهدون الشهادتين ويدعون إلى الصلاة وإلى أركان الإسلام، ويدعون إلى تحقيق الإيمان والاتصاف بالإيمان، فنقول: إنهم من أهل الإسلام ولا يجوز تكفيرهم. ونقول بعد ذلك: لا يضر اختلافهم في الأسماء، فالأسماء عادية، يرضى هؤلاء -مثلاً- أن يسموا أنصار السنة، فنقول: نتفقد أحوالكم، فإذا كنتم على العقيدة فإننا نقركم ونسميكم بما تريدون. وإذا قال هؤلاء: نحن نتسمى بأهل التوحيد قلنا: لكم اسمكم ولكن ننظر في أعمالكم. وإذا تسمى هؤلاء بالسلفيين نقول: لكم ما تسميتم به ولكن حققوا أعمالكم. وإذا تسمى هؤلاء بأهل الدعوة. قلنا: نوافقكم على ذلك ولكم اجتهادكم ونظركم. وإذا تسمى هؤلاء -مثلاً- بأهل الدعوة أو بأهل التوحيد أو بغير ذلك من الأحزاب التي أسماؤها حسنة نقرهم على تسميتهم، ولكن نتفقد أحوالهم. ثم هذه الأحزاب الأصل فيهم والغالب أنهم يدعون إلى الخير ويحبونه، والله تعالى يتولى أمورهم وشئونهم، ولا نقرهم على ما فيهم من الأخطاء التي يخطئون فيها بل ننتقدهم في ذلك الخطأ، ولا يصل الخطأ إلى التكفير، فإن التكفير أمره كبير.

стр. 284

شرح اعتقاد أهل السنة [١٤] يؤمن أهل السنة والجماعة أهل الحديث بأن الله تعالى قد جعل لكل حي مخلوق أجلاً هو بالغه بالموت، ورزقاً هو مستكمله إلى أن يموت من حلال أو حرام، ويؤمنون بالشيطان ووسوسته، وملابسته لبني آدم، وجريانه من ابن آدم مجرى الدم، وتسلطه عليه، وأن الاستعاذة بالله منه طريق النجاة والخلاص.

стр. 285

تقدير الله تعالى للآجال قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويقولون: إن الله أجَّل لكل حي مخلوق أجلاً هو بالغه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ، وإن مات أو قتل فهو عند انتهاء أجله المسمى له، كما قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، وإن الله تعالى يرزق كل حي مخلوق رزق الغذاء الذي به قوام الحياة، وهو ما يضمنه الله لمن أبقاهم لخلقه، وهو الذي رزقه من حلال أو من حرام، وكذلك رزق الزينة الفاضل عما يحيا به. ويؤمنون بأن الله تعالى خلق شياطين توسوس للآدميين ويخدعونهم ويغرونهم، وأن الشيطان يتخبط الإنسان، وأن في الدنيا سحر وسحرة، وأن السحر استعماله كفر من فاعله معتقداً له نافعاً ضاراً بغير إذن الله] . البحث الأول يتعلق بالآجال، وهو أن الله تعالى قدر الآجال وحدد الأعمار، وجعل لكل نفس عمراً محدداً لا يمكن أن تتجاوزه، ولا يمكن أن يزاد في عمره ولا أن ينقص، والعمر الذي كتبه الله له قبل أن يخلقه بل قبل أن يخلق الدنيا لابد أنه يصل إليه ولا يتجاوزه. ومعلوم أن ربنا سبحانه علم عدد الخلق قبل أن يخلقوا، علمهم بعددهم وبأوقات وجودهم وبأعمارهم وبأعمالهم ونحو ذلك، ففي الحديث: (إن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) ، وفي حديث آخر: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة) جرى القلم بما هو كائن وحادث إلى يوم القيامة، ولا يزاد عما جرى، وذلك في اللوح المحفوظ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

стр. 286

أنواع التقدير التقدير أربعة أنواع: تقدير عام وهو الذي في اللوح المحفوظ. وتقدير عمري، وهو الذي يكتب إذا كان الإنسان في الرحم، فيرسل الله الملك فيأمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، يكتب ذلك وهو في الرحم. وتقدير سنوي وهو ما يقدره الله في ليلة القدر إلى مثلها من الأعمال والآجال والوفيات والحوادث وما أشبهها. وتقدير يومي، وهو ما يحدث في ذلك اليوم نفسه، ودليله قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] . وأما قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] فالمراد المحو والإثبات لما في صحف الملائكة الموكلون بحفظ أعمال بني آدم وبكتابتها، فهم يكتبون الأعمال التي يعملها الإنسان والتي يقولها، ثم يأمرهم الله تعالى أن يمحوا ما لا ثواب فيه ولا عقاب، وما لا يترتب عليه جزاء، أو يمحوا السيئات التي تاب العبد منها وبدلها بحسنات، وأما ما في أم الكتاب -اللوح المحفوظ- فإنه لا يتغير: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] .

стр. 287

علم الله المسبق بقدر كل نفس لكل أجل كتاب، ولكل إنسان أجل، فما من نفس منفوسة إلا وقد علم الله تعالى قبل خلقها أجلها وعملها. وسعادتها أو شقاوتها، وحياة عاجلة أو آجلة، وحياة سعيدة أو تعيسة، قد علم الله ذلك كله، ولأجل ذلك أخبر تعالى بأنه كتب الآجال والأعمار ولا يتغير ما كتبه. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، نزلت هذه الآية في غزوة أحد، وذكر الله تعالى عن المنافقين بعض الكلمات التي قالوها، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] يتلومون لما رأوا أنه قتل بعض منهم في غزوة أحد، وقالوا: لو أخذوا رأينا لجلسنا في بيوتنا ولتحصنا في دورنا ولم نتعرض للقتل، فنحن الذين فرطنا فخرجنا ولاقينا هذا العدو فقتلوا منا من قتلوا، وسفكوا دماءنا، ولو أننا امتنعنا من الخروج لسلمنا من هذا القتل. هكذا حكى الله عنهم. ثم قال: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، فالله تعالى قد كتب القتل على هؤلاء الذين قتلوا، فلو تحصنوا ثم تحصنوا فإنه لابد أن يخرجوا ويقتلوا في المكان الذي حدد الله وعلم بأنهم سيقتلون فيه ولا يتجاوزنه. ومثله قوله تعالى في سورة النساء لما كتب الله عليهم القتال حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧] ، ثم قال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ولو تحصنتم بما تحصنتم به، فمن كتب الله عليه الموت في الوقت المحدد فإنه سيموت فيه، ومن كتب موته بشيء فإنه يموت به، ومن كتب الله أن موته يصير بقتل أو بضرب فلابد أن يحصل، أو بمرض كذا وكذا فلابد أن يحصل، فلابد أن يتحقق الموت الذي حقق الله تعالى وحدد أجله، يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] .

стр. 288

أمر الله للإنسان بالأخذ بالأسباب إن الإنسان مأمور بأن يتحصن ويحتفظ من أسباب الردى ومن أسباب الهلاك، وهذا التحصن والتحفظ مكتوب أيضاً قبل أن يخلق، مكتوب أنه سوف يعمل كذا وكذا من أسباب الحفظ والتحصن، وأنه يصاب بمرض كذا وكذا فيتعالج بالعلاج الذي يبرأ به ويزول عنه هذا المرض، ومكتوب -أيضاً- أنه سوف يتحفظ ويتحصن إذا دخل ميدان القتال أو دخل المعارك، ويكون تحصنه سبباً في وقايته، وهو مأمور بأن يأخذ حذره، ولأجل ذلك يكرر الله الأمر بالتحفظ فيقول تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] . يعني: احتياطاً ويقول تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] ، أمرهم بأن يأخذوا أسلحتهم وأن يكونوا حذرين، ولو كان الله قد قدر أنهم يصابون بكذا وكذا فإن هذا مأمور به وهو من الأسباب. وكذلك يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] ، فالإعداد مأمور به ولو كان قد قدر الله تعالى انهزاماً أو موتاً أو غلبة، والله تعالى قادر على أن يقتل المشركين بدون جهاد أو قتال، ولكن من حكمته أنه شرع لنا الجهاد حتى يكون ذلك سبباً من أسباب الانتصار، مع أنه قادر على أن ينصر عباده بدون قتال، وأن يخذل أعداءه بدون أن يقاتلهم المسلمون، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٤] ، فهو قادر على ذلك، ولكن من حكمته أنه شرع هذه الشرائع وقدر فيها هذه الآجال. فالحاصل أنَّا إذا قلنا: إن عمرك -أيها الإنسان- مكتوب فلا تقل: ما دام كذلك فإنني لا أفعل شيئاً، بل أستسلم لأمر الله تعالى. نقول: أنت مستسلم لأمر الله، وأمر الله نافذ فيك ولو فعلت ما فعلت، ولكن أنت مأمور بهذه الأسباب التي تكون سبباً من أسباب حياتك ووقايتك، ومعلوم أنك مأمور بأن تأكل وتشرب، وأن تركك لذلك إضرار بنفسك، وأنه سبب من أسباب الموت، ولكن مكتوب عليك أنك تأكل وتشرب. ومأمور أيضاً بأن تتوقى الحر والبرد، ولا تعرض نفسك لشدة الحر الذي يكون سبباً في الموت، ولا لشدة البرد الذي يكون سبباً في القتل ونحوه، ومنهي أن تفعل سبباً يودي بحياتك، فلا يجوز لك أن تلقي بنفسك من شاهق، ولا أن تطرح نفسك في بئر، كما لا يجوز لك أن تطعن نفسك وأن تقتلها وتقول: هذا مكتوب عليَّ وهذا عمري. بل أنت مأمور بأن تتوقى الأسباب التي فيها ضرر على نفسك، وفعلك لها وتوقيك لها مكتوب أيضاً وهو مقدر. وقد ورد في الحديث أن رجلاً قال: (يا رسول الله! أرأيت رقىً نسترقي بها وأدوية نتداوى بها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: هي من قدر الله) يعني: هذه الأدوية التي تتداوى بها وتتعالج بها هي مقدرة، ومكتوب أنك سوف تصاب بمرض كذا وأنك تتعالج بالعلاج الفلاني ويكون سبباً في شفائك ولذلك ورد في الحديث الأمر بالتداوي: (تداووا عباد الله؛ فإن الله ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء) . فنحن مأمورون بالتداوي والمرض والعلاج مكتوب، ومكتوب أن هذا يتداوى بكذا حتى يسلم، وهذا يصاب بكذا ولا يؤثر فيه العلاج وما أشبه ذلك، كل هذا داخل في تقدير الآجال، وأن الله تعالى أجل لكل حي ومخلوق أجلاً فهو بالغه، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ، فإذا مات أو قتل فإنه مات عند انتهاء أجله، فالمقتول ميت بأجله، سواء قتل في الجهاد، أو ظلماً، أو بحادث أو نحو ذلك، كل ذلك مكتوب، وليس له أن يتجاوزه، وهو مع ذلك مأمور بالتحفظ وبالتحصن حتى لا يلقي بنفسه إلى التهلكة.

стр. 289

تقدير الله لأرزاق العباد قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأن الله تعالى يرزق كل حي مخلوق رزق الغذاء الذي به قوام الحياة، وهو يضمنه الله لمن أبقاهم من خلقه، وهو الذي رزقه من حلال أو من حرام، وكذلك رزق الزينة الفاضل عما يحيا به] .

стр. 290

تيسير الله الرزق لعباده الرزق من الله تعالى، فهو الذي يسر أسبابه وجعلها في متناول الأيدي، وهو الذي سهلها ويسرها ولو شاء لما قدر العباد عليها، ولكن العبد أعطاه الله تعالى قوة وفكراً وعقلاً وذهناً، ثم أمره بأن يستعمل هذه القوة حتى يتكسب بها، ونهاه عن الإخلاد إلى الأرض، وأمره بأن يطلب المعيشة والرزق ويحرص على الرزق الحلال، فإذا أصابه فليعتقد أنه من الله تعالى، فهو الذي يسر أسباب هذا الرزق وسهلها. فالرزق من الله تعالى، والحلال والحرام كله رزق، ولكن معلوم أنه إذا اكتسب حراماً متعمداً ولو كان بتقدير من الله تعالى فإنه يعاقب على ذلك، وإذا تغذى بهذا الرزق الحرام فإنه يعاقب على ذلك (فكل لحم نبت على سحت فالنار أولى به) كما ورد، ولو كان مقدراً، فلو قال الإنسان: والله قدر أني آكل الربا، الله قدر أني أتغذى بهذا السحت أو بهذه السرقة أو بهذا المال المختلس أو ما أشبه ذلك نقول: نعم. هو تقدير من الله تعالى، ولكن الله تعالى أعطاك قوة وقدرة تتمكن بها من أن تكتسب الحلال، وبين لك الحلال وفصل ما حرمه وفصل ما أحله، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٩] يعني: كل ما في الأرض خلقه لكم. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] ، فصل لكم المحرمات وبينها فما بقي فإنه حلال. فعلينا أن نعتقد أن الرزق من الله تعالى، ومن أسماء الله الرزاق، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] يرزق عباده، ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] ، ويقول الله تعالى بعدما أمر عباده ببعض الأوامر: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] ، فالله هو الرازق وحده، ولكن العباد قد يكون على أيديهم أو بواسطتهم شيء من الرزق يسخره الله تعالى، فيسخر هذا لهذا حتى يعطيه ويمد له ما يقتات به وما يتغذى به، فيقال: هذا رزق من فلان. أو تقول: هذا رزق رزقنيه الله بواسطة فلان. فالله تعالى خير الرزاقين، فهو الذي يرزق وحده، وهو الذي يسخر قلوب هؤلاء لأن يعطفوا على الفقراء فيرزقوهم ويعطوهم ويكسوهم ويتصدقوا عليهم، فالرزق أصلاً من الله تعالى وحده، ولكن يجعله على أيدي بعض الناس ويجعلهم سبباً فيه. ولهذا ذكروا عن بعض الصالحين أنه اشتكى إليه أحد تلامذته الفقر والجوع، فكتب له أبياتاً وقال: اعرضها على أول من تجده. البيت الأول يقول فيه: أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر أنا جائع أنا حاسر أنا عاري ثم قال: هي ستة وأنا الضمين بنصفها فكن الضمين بنصفها يا باري فلما خرج بهذه الورقة رأى فارساً مقبلاً فمدها إليه، فبمجرد ما قرأها استتبعه وعطف الله قلبه عليه وأعطاه ما يقتات به، ولا شك أن هذا وسيلة من الوسائل، أن الإنسان يطلب الرزق ولو بواسطة بعض الخلق الذين جعل الله تعالى على أيديهم شيئاً من المال، وليس في ذلك غضاضة. وعلى كل حال فالرزق أصله من الله تعالى، وهو المسبب له، سواءً فعل العبد الأسباب فنجحت أو فعلها ولم تنجح، فعليه أن يفعل الأسباب، ثم بعد ذلك يثق بأن الله تعالى هو المسبب. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة:٦٣-٦٥] ، فلو شاء الله تعالى لجعل هذه الزروع حطاماً، فقد أخبر بأنهم يحرثون الأرض وينثرون فيها هذه البذور، ثم يسقونه بالماء، ثم ينبت، ثم يصير زرعاً، ثم يحصدونه ويجمعون منه هذا القمح وهذه الأقوات، فلو شاء الله تعالى لما أنبتت هذه الأرض، ولو شاء لسلط عليه ريحاً أو مرضاً أو ظمأً فأصبح حطاماً، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ . إذاً فالأصل أن الله تعالى هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب، فنؤمن بأن الله يرزق كل حي مخلوق رزق الغذاء الذي يقتات به، وهو مع ذلك مأمور بأن يبذل السبب، ويطلب الرزق، فيبذل الأسباب، فإذا بذلها فالله تعالى يتكفل له بالرزق.

стр. 291

الأمر بالاكتساب مقيد بالأخذ بالأسباب الآيات التي فيها الأمر بالاكتساب مقيدة بالآيات التي فيها أن الله تعالى هو مسبب الأسباب، فإذا قرأت قول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] فهذا مدح لهم، أو إقرار لهم أنهم يسافرون في الأرض (يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) يتطلبون الرزق. وكذلك إذا قرأت قول الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠] ، فلماذا يمشون في الأسواق؟ يطلبون الرزق يقتاتون به، فالله تعالى هو الذي أباح ذلك لهم وأمرهم به. وإذا قرأت قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] امشوا واطلبوا الرزق بما أقدركم الله تعالى، فهو سبحانه أعطاكم الأيدي والأرجل، فتتمكنون من المسير والتنقل من بلد إلى بلد، وكذلك أيضاً الأيدي تتمكنون بها من الصناعة والحرفة والعمل اليدوي الذي تحصلون منه على رزق تقتاتون به وتقوتون به من تحت أيديكم، فالإنسان ما دام طفلاً صغيراً فإن الله يحنن عليه قلبي أبويه حتى يعطفان عليه ويعطيانه ويغذيانه، فإذا ترعرع وكبر وقوي عند ذلك هو مأمور بأن يتطلب لنفسه ويتكسب، والله تعالى يعينه إن استعان به. وهكذا الآيات التي فيها الإخبار بأن الرزق من الله مقيدة بالآيات الأخرى، فمثل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] يعني: الله يرزقها ويؤتيها رزقها. فما رأينا دابة ماتت من الجوع إلا أن تحبس، فالدواب والحشرات والطيور كلها تعيش، أخبر النبي ﷺ بأنها سيأتيها رزقها، يقول في الحديث: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) ، فالطيور لا تجلس في أوكارها، بل تذهب وتطلب الرزق وتقع عليه، ولكن جعل الله تعالى لها رزقاً يناسبها تجده، والوحوش ما رأينا شيئاً منها ولا من السباع ولا الحشرات يموت جوعاً، بل يسهل الله تعالى له رزقه ويرزقه إلى أن يتغذى ويقتات، كلها جعل الله من طبعها أنها تطلب الرزق، والله تعالى هو الذي يرزقها: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] يعني أن الله خلق لها رزقاً وأوجده، ولكن من طبعها أنها تذهب وتأكل ما تجده، وتتقلب في الأرض، ويسهل الله لها الرزق الذي ييسره وتتقوت به وتتغذى. فعرف بذلك أن رزق الله تعالى الذي فيه قوام الحياة ميسر لكل مخلوق، وهو الذي يضمنه الله لمن أبقاه الله من خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] تضمن الله أنه يرزق الدواب كلها، وكلمة (دابة) تعني كل ما يدب على الأرض، ويدخل فيه الطيور، ولو كانت قد تسمى طيوراً في الآيات الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام:٣٨] ، فقد قسمهم إلى قسمين: دابة، وطير، ولكن معلوم أن الطير لا يستغني عن الوقوع على الأرض؛ لأن رزقه يكون في الأرض أصلاً، فهو يدب على الأرض فيدخل في الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] ، إذاً تضمن الله تعالى بالرزق لمن أبقاه. وقد اختلف هل يسمى الحرام رزقاً؟ والصحيح أنه رزق؛ لأن الله هو الذي يسره، ولكن حرم تعاطيه، وحرم التعاطي والتكسب بالحرام، ومع ذلك هو رزق من تغذى به فقد تغذى بما وصل إليه، ولكنه منهي عن أن يتعاطاه، وهو الذي رزقه من حلال أو حرام. وقوله: [وكذلك رزق الزينة الفاضل عما يحيا به] يعني الزائد عن حاجته، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] ، فهذه الطيبات للذين آمنوا في الحياة الدنيا ولكنها مشتركة بينهم وبين غيرهم، وأما في الآخرة فإنها خاصة بأهل الإيمان ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] . ويدخل في الزينة الأكسية والألبسة والكماليات التي تكمل بها الحياة من المساكن والمراكب والفرش والأواني والأدوات التي تستعمل كلها من زينة الدنيا التي زينها الله تعالى للناس، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] ، كل هذه من زينة الدنيا التي زينها الله تعالى للناس وأباح لهم أن يستعملوا منها ما هو حلال، ولكن هذا كله متاع يأخذون منه ما يتمتعون في هذه الحياة ويعبرونها إلى أن تنتهي أعمارهم.

стр. 292

وسوسة الشياطين لبني آدم وملابستهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويؤمنون بأن الله تعالى خلق الشياطين توسوس للآدميين ويخدعونهم ويغرونهم، وأن الشيطان يتخبط الإنسان] . أي: يؤمن أهل الحديث بأن الشياطين مسلطون على الإنسان، وأن الله تعالى هو الذي سلطهم ولو شاء لأهلك الشياطين، فأولهم إبليس اللعين الذي امتنع عن السجود لآدم وتكبر، قال الله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] . ولما طرده الله ورجمه وقال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر:٣٤-٣٥] ، سأل النظرة فقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] (أنظرني) يعني: أخرني وأمهلني فأمهله الله وأنظره ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٧-٣٨] ، فبقي معمراً هو وذريته، فصاروا يتسلطون على نوع الإنسان، وأقسم إبليس بأن يضل نوع هذا الإنسان وأن يخرجهم من النور إلى الظلمات، أقسم على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٨-١١٩] ، هكذا التزم بأنه يتسلط عليهم ويوسوس لهم ويحاول إغواءهم وإغراءهم، قال الله تعالى له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧-٧٨] ، ومع ذلك التزم بأنه سيغويهم حتى إنه لما قال الله تعالى له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥] ، قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] . سلطه الله تعالى على نوع هذا الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] ، فالله تعالى هو الذي سلط على الإنسان هذا العدو من الشياطين الذي أخبر النبي ﷺ بأنه يجري من الإنسان مجرى الدم: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) ، ينفذ في جسد الإنسان مع العروق، ويصل إلى ما يصل إليه الدم، والدم معروف أنه في كل جزء من أجزاء البدن، فمعناه أنه يلابس الإنسان. ولكن يقول العلماء: إن الله تعالى أعطى الإنسان سلاحاً يتقوى به، فالأمور التي تحرز من الشيطان عشرة ذكرها ابن القيم في تفسير سورة الناس في بدائع الفوائد عند قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] فبدأها بالاستعاذة، أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كما أمرنا الله تعالى بذلك. ثم منها الذكر؛ لأن ذكر الله تعالى يطرد الشياطين، وذكر العمل الصالح أنه يطرد الشياطين، ودعاء الله تعالى وسؤاله سبب لطرد الشياطين. ومنها القراءة، وبالأخص قراءة آية الكرسي؛ فإنها وسيلة من وسائل طرد الشيطان كما ورد ذلك في الحديث. وكذلك مجالس العلم والخير سبب لطرد الشياطين، وسبب لنزول الملائكة. وكذلك حماية الإنسان نفسه من المعاصي سبب لطرد الشياطين، ذلك لأن المعاصي يتسلط بواسطتها الشيطان على الإنسان. وهكذا ختم اليوم أو الليل بخاتمة حسنة بذكر أو بدعاء سبب أيضاً لطرد الشياطين. فالشيطان عدو للإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] ، فإذا عرفنا أنه عدو لنا فإن علينا أن نتحصن منه حتى لا يتسلط علينا، وقد أخبر الله تعالى بأنه يوسوس في صدور الناس فقال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٥] ، وأخبرنا باسمه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] فالوسواس: هو الذي يقذف الوسوسة في القلب. والخناس: هو الذي ينخنس ويصغر وينقبض. يعني: إنه وسواس عند الغفلة وخناس عند الذكر. فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به خنس الشيطان وهرب وذل وهان وابتعد عنه، وإذا غفل العبد وسوس إليه وألقى في صدره الوساوس والأوهام. فأخبر الله بأنهم يخدعونهم ويغرونهم، كما في قوله تعالى عن الشيطان أنه قال لما قال الله له: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء:٦٣-٦٤] قيل: إن من أصواته الغناء ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] ، يعني: بقواتك وبما تملكه ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤] ، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠] ، فهذه المواعيد تكون في قلب الإنسان، بأن يلقي في قلبه أنك إذا فعلت كذا حصل لك وحصل لك. وأول ذلك وسوسته للأبوين، قال الله تعالى عنه: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] هذه حيلة من الشيطان ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] ، الشجرة التي نهيا عنها، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢١-٢٢] ، فهذه حيل الشيطان. وذكر الله أيضاً أنه يتخبط الإنسان، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، كأنه يتسلط عليه حتى يغلب عليه فيقوم ويسقط ويقوم ويسقط، مثل الذي تسلط عليه جني فصار يصرعه، فالشيطان يتسلط علي الإنسان ويلابسه ويصرعه ويتقوى عليه، ولكن عليه أن يستعيذ بالله من شره، وأن يتحفظ بالله تعالى منه حتى يحفظه، ومن اعتصم بالله تعالى عصمه وأعانه. كذلك أيضاً من عقيدة أهل السنة وأهل الحديث أن في الدنيا سحراً وسحرة، وأن السحر واستعماله كفر من فاعله إذا كان معتقداً له نافعاً ضاراً بغير إذن الله. وعمل السحرة معلوم أنه قد سماه الله تعالى كفراً، ووصف أهله بما يقرب من الكفر؛ فلأجل ذلك يحذر منه العلماء، ثم يعتقدون أن الضرر الذي يصير بسببه إنما هو بقدر الله تعالى وبقضائه. والله أعلم.

стр. 293

الأسئلة

стр. 294

الجمع بين كون الأجل محدود وتزيده الأعمال الصالحة السؤال كيف نجمع بين قول الرسول ﷺ : (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) ، وكون الآجال محددة لا يزاد فيها ولا ينقص؟ الجواب الله تعالى جعل أسباباً، وتلك الأسباب مقدرة في الأزل، فصلة الرحم من الأسباب التي يطول بها العمر، فأنت مأمور بأن تصل رحمك، وصلة الرحم تزيد في العمر: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) ، ولكن مع ذلك فإن هذه الزيادة التي في الرزق والأجل مكتوبة في الأزل قبل أن تخلق السماوات والأرض، وقبل أن يخلق الخلق مكتوب أن هذا يوفق بصلة الرحم فيزاد في رزقه ويبسط له فيه، ويكون سبباً في زيادة وطول عمره وحياته، إذاً فهذا من الله تعالى أزلاً، فأنت مأمور ولك قدرة على ذلك، أعطاك الله تعالى هذه القدرة على أن تصل رحمك وتحسن إلى أقاربك ونحو ذلك، ووعدك بأن هذا سبب أزلي في زيادة الأعمار.

стр. 295

الجمع بين ضمان الله لرزق العباد وبين حصول المجاعات السؤال كيف نجمع بين قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] وما نراه اليوم في بعض الدول من المجاعات وغيرها؟ الجواب لا شك أن الله تعالى يسلط على من يشاء ما يشاء، هذا تصرفه في عباده، فإذا سلط على بعض منهم الجوع والجهد الذي يموت به خلق كثير فذلك من تصرفه في خلقه، وإذا وسع على آخرين وبسط لهم الرزق فذلك من تصرفه في خلقه، فرزق الدواب والمخلوقات ونحوها من الله تعالى، ولكن إذا حبس الرزق فلحكمة يريدها الله تعالى، فأحياناً يحبس المطر من السماء وذلك يكون سبباً في جفاف الأرض ويبسها، ولعلهم يعتبرون ويعرفون أن المسبب هو الله تعالى فيقبلون على العبادة ويعرفون حق الله تعالى عليهم، ويعتبرون بما يحدث لهم في هذه الأرض، كذلك أيضاً قد ينزل مطراً وماء من السماء ولكن ينزع منه البركة التي يكون من أثارها كثرة النباتات والخير ونحو ذلك فلا يستفيدون منه شيئاً، فليعتبروا وليعرفوا أن قدرة الله فوق كل شيء، هذا هو الأصل. فالحاصل أن ما يحدث من العقوبات هو بتقدير من الله تعالى ليعتبر الآخرون وليأخذوا حذرهم.

стр. 296

حكم فك السحر بالسحر السؤال ابتليت عائلة كاملة بالسحر على يد أحد المقيمين، فقد سلط عليهم الجن بسبب حب الساحر لإحدى الفتيات، ولقد جربت الرقية الشرعية ولكن لم يكتب الله لهم الشفاء، وأخيراً عرض على هذه العائلة الذهاب إلى إحدى البلاد لفك هذا السحر على يد ساحر عظيم في تلك البلاد، فهل يجوز فك السحر بالسحر إذا كان في مثل هذه الحالة، ولقد مضى على هذه العائلة أكثر من ست سنوات وهم في معاناة؟ الجواب لا يسلط على أحد عقوبة أو شيء من هذه الأمور إلا بذنب، كما ورد في الحديث: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة) ، وقد يكون التسليط من الله تعالى ابتلاء وامتحاناً، وقد يكون التسليط لرفع المقام ولرفع الدرجات، فنقول لهؤلاء: لابد من أحد ثلاثة أمور: الأول: إما أنكم قصرتم في أمر الله وارتكبتم معاصي وسيئات، فكانت هذه العقوبة عقوبة عاجلة على ما اقترفتم من السوء والذنوب، فتفقدوا أنفسكم وأصلحوها وتوبوا إلى ربكم، وبدلوا السيئات بالحسنات، وأصلحوا أعمالكم إصلاحاً جذرياً حتى يشفيكم الله تعالى ويزيل ما بكم من بأس. الثاني: وإما أن تعتقدوا أن هذا ابتلاء من الله وامتحان، فإن الله قد يبتلي بعض عباده الصالحين، ويكون من آثار هذا الابتلاء ابتلاؤهم في الصبر أو عدمه، فالله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] ، فإذا أصبتم بهذا وعرفتم أنه ابتلاء لضعف الإيمان أو لقوة الإيمان فصبرتم وصابرتم واحتسبتم، ولم يكن في ذلك شيء من الجزع ولا التشكي ولا إظهار شكاية الله على عباده أو خلقه فإن هذا دليل على الصبر، و (من تصبر يصبره الله تعالى) . الثالث: أن يكون لرفع الدرجات، فإذا قلتم: نحن مستقيمون، وليس عندنا معاصٍ، وبيوتنا مطهرة، وليس فيها آلات لهو، ولم يكن عندنا في بيوتنا من يعصي الله تعالى طرفة عين، ونحن من أفضل الناس وأشدهم طواعية وأكثرهم أعمالاً حسنة، ومع ذلك كيف يسلط علينا ذلك؟! فنقول: هذا لرفع درجاتكم، فاصبروا واحتسبوا إلى أن يجعل الله لكم مخرجاً. ثم نقول بعد ذلك: عليكم بفعل الأسباب المباحة، وهي كثيرة، فإذا لجئوا إلى كثرة الذكر قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم. فهذا من أساب إزالة هذا البأس وإبطال هذا العمل، كذلك أيضاً إذا أكثروا من قراءة كتاب الله تعالى ولهجوا بقراءته كان هذا من الأسباب في إبطال هذه الأعمال الشيطانية، كذلك أيضاً إذا أكثروا من دعاء الله تعالى في ليل ونهار، ورفعوا أكف الضراعة إلى الله تعالى كان هذا من أساب الشفاء وإزالة هذه الأشياء، وأما أنهم يلجئون إلى السحرة ويقولون: نريد أن نذهب إلى ساحر حتى يبطل عمل هذا السحر فإن هذا مما لا تقره الشريعة، وإنما لم يحصل الشفاء لبعض الموانع.

стр. 297

كيفية الجمع بين السعي في طلب الرزق وطلب العلم السؤال عندما أسمع الكلام حول فعل أسباب جلب الرزق أتمنى أن أشرع في العمل لاكتساب الرزق، ثم أشعر أن هذا سيشغلني عن طلب العلم والدعوة وأنني سأتعلق بالدنيا، فما نصيحتكم لي حفظكم الله؟ الجواب لا تنقطع من طلب الرزق ولا تنقطع من العمل ولا من التعلم، ففي الإمكان الجمع بينهما؛ فطلب الرزق له وقت وطلب العلم له وقت، والليل والنهار فيهما وقت واسع، فبإمكانك أن تجعل وقتاً لطلب العلم كالليل مثلاً في مثل هذا الوقت ونحوه، ووقتاً لطلب الرزق بقدر ما تيسر.

стр. 298

عدم منافاة التداوي لكمال التوحيد السؤال ما صحة قول من يقول: إن التداوي والعلاج ينافي كمال التوحيد؟ الجواب لا ينافي ذلك إذا عرف أنها أسباب، فالنبي ﷺ يقول: (تداووا عباد الله ولا تداووا بحرام) ، وقال: (كل داء له شفاء إلا داء السام) يعني: إلا داء الموت، فإذا عرفنا أن كل الأمراض لها علاج وعالجناها واعتمدنا على الله، وعرفنا أنه الذي يسهل ويسبب الشفاء؛ فلا يكون ذلك منافياً لكمال التوحيد لاعتقاد المتداوي بأن الله هو الذي أمر بهذا، وهو الذي أنزل هذا.

стр. 299

حكم تقليد النساء الكافرات في قصات الشعر السؤال انتشرت في هذا الزمان قصات الشعر بين أوساط النساء مما يقلدون فيه أعداء الله وأعداء رسوله من الكافرات بموضات تأتي من الشرق أو الغرب، ويدعين أن هذا من باب التجمل لأزواجهن؛ فهل هذا صحيح؟ الجواب ليس بصحيح بل هذا من التقليد لنساء الغرب، وهذا مما يشوه بالمنظر والخلقة ولو ادعت النساء أنه جمال وزينة، ويحسن المظاهر ويجملها فإن هذا ليس بصحيح، ولو زين إلى بعض الأزواج أنه جمال فلا يجوز أن يتجاوب على هذا، فنحن نقول: إن الجمال الحقيقي هو في بقاء المرأة على هيئتها وخلقتها دون أن تغير شيئاً من خلق الله تعالى، كذلك أيضاً في تربية شعر رأسها على هيئته، وتظفيره ظفائر دون أن تقص منه أو أن تجعله قصاصات متفاوتة، أو أن تغيره بأصباغ ملونة متعددة، أو نحو ذلك من التقليد فكل ذلك تقليد للغرب وتغيير للخلقة، ولا يغتر بمن يطلب ذلك من امرأته؛ فإن هؤلاء ممن انخدعوا بتقليد الغربيين. فالمرأة عليها أن ترضى بما كان عليه أسلافها، وما عرفت هذه الأشياء إلا بعدما ابتلوا بالاختلاطات الغربية التي جاءت من قبل أناس يريدون بذلك الفتنة، ولا شك أن النساء إذا تعاطين ذلك فإنهن لابد أن يندفعن ويخرجن إلى الأسواق ويتحلين بهذه الحلي حتى يلفتن الأنظار، ويكون ذلك سبباً لفتنة كثير من الناس.

стр. 300

حكم تحويل الأرض الزراعية إلى مساكن السؤال لدي أرض زراعية يوجد بها عدد كبير من النخيل المثمر، فهل لي أن أزيل النخيل وأجعلها استثماراً، أي: أرضاً سكنية، علماً بأن المجاورة لها أصبحت أراضي سكنية الآن؟ الجواب لك ذلك مادام أنها ملكك، فلك أن تبيع أرضها وتبيعها مساكن مثلاً، أو تبيعها على من يعمرها، أو تعمرها بنفسك مساكن إذا رأيت أن المساكن أكثر غلة من النخيل، ولا شك أن النخل فيه فائدة حيث هذه التمرة التي هي من أحسن الأغذية، ولكن إذا قلت الثمرة أو رؤي أن غيرها أكثر منها منفعة جاز استبدالها. ولا عبرة بما اشتهر عند العوام من أن قطع النخل لا يجوز، والأصل أن الإنسان يتصرف في ماله بما يراه الأصلح.

стр. 301

حكم من صلى على غير طهارة السؤال أحياناً ينتقض وضوئي وتأتي الصلاة وأصلي على غير طهارة، فإذا سلمت من الصلاة تذكرت أني لم أتوضأ وأنني صليت على غير طهارة فماذا عليّ؟ الجواب من صلى على غير طهارة فعليه الإعادة إذا كان متحققاً أنه صلى وهو لم يتوضأ، أو انتقض وضوؤه بعدما توضأ ولم يجدد الوضوء، فلابد أن يعيد ذلك الوضوء وأن يصلي وهو على طهارة.

стр. 302

ساكني الجنة ممن مات في الدنيا السؤال هل يدخل الله أحداً الجنة قبل يوم القيامة، وما حقيقة الحساب الوارد في الحديث للرجل الذي قال (إنه يدخل الجنة بعمله) هل وقع أم أن الله أطلع نبيه على الغيب؟ الجواب الجنة علمها عند الله تعالى، والذين يستحقونها هم أولياء الله الذين خصهم بكرامته وبفضله، وأما الآن فإنها حيث لا يعلم مكانها إلا الله تعالى، وقد أخبر النبي ﷺ : (بأن أرواح الشهداء في الجنة في أجواف طير خضر تعلق في شجر الجنة) ، وكذلك أيضاً أطلع الله تعالى نبيه ﷺ على أفراد من أهل الجنة، ومنهم بعض الصحابة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة كالعشرة ونحوهم؛ لأن الله تعالى جعلهم مستحقين لدخول الجنة.

стр. 303

شرح اعتقاد أهل السنة [١٥] اتفق أهل السنة والجماعة على وجود السحر، وأنه حقيقة تؤثر في الأشياء وتؤذي الإنسان، وأن كل ذلك بإذن الله . والساحر عمله كفر؛ لأن الشياطين لا تلبي له ما يريد إلا بعدما يكفر بالله رب العالمين، وحينها تخدمه ويخدمها، لذا كان حكمه القتل، ولا يحل السحر عن المسحور إلا بالرقى الشرعية وبصالح الأعمال، ولا يجوز أن يحل بسحر مثله. ومما يراه أهل السنة والجماعة البعد عن البدع والمعاصي وأهلهما ونصحهم، ويحثون الناس على طلب العلم؛ لأنه يعلم المسلم ما يجب عليه وما يلزمه من أمور دينه.

стр. 304

السحر حقيقته وأدلة ثبوته في الدنيا سحر وسحرة، والسحرة محكوم بكفرهم، ومن اعتقد أن السحر يكون بغير قدرة الله أو بغير إذنه فقد كفر. وسبب ذكر السحر في هذه العقيدة أن المعتزلة أنكروا وجوده إنكاراً عجيباً وعناداً منهم، وإلا فإنه مشاهد وجود السحرة ووجود أعمالهم السحرية، ولذلك فأهل السنة يقرون بوجود السحر، ويقولون: إنه لا يكون إلا بإذن الله الكوني القدري. وقد دل على وجوده وتأثيره الكتاب والسنة، فقد ذكر الله تعالى ما يحصل من الشياطين وتعليمهم السحر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ، فلا شك أن هذه الآية صريحة في أن هناك سحراً، وأنه يؤثر ويضر، وأن منه ما يقتل ويمرض ويفرق بين المرء وزوجه، ولكن الجميع بإذن الله تعالى الكوني القدري لا الشرعي الديني. فإن الله تعالى حرم الإضرار بالمسلمين ديناً وشرعاً، ولكن أعطى هؤلاء السحرة قدرة خاضعة لقدرته تعالى يؤثرون بها في هؤلاء المسحورين، فمن السحر ما يحصل به الموت، ومنه ما يمرض، أو يحصل به الانصراف الكلي عن الزوجة أو الأهل أو المال أو ما أشبه ذلك. ومن الأدلة أيضاً أمر الله تعالى بالاستعاذة من السحرة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] ، وهن السواحر، فلولا أن لهن شراً يضر ويؤثر لما أمر بالاستعاذة من شرهن. والذين قالوا: إنه ليس له حقيقة استدلوا بما حكى الله تعالى عن سحرة فرعون قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٦-٦٩] . ذكروا أن السحر كان منتشراً وفاشياً في عهد فرعون، وأن هناك سحرة مشهورين بتعلم السحر، فلما أخبرهم فرعون بأن موسى قلب عصاه حية تسعى عند ذلك جاؤوا بحبال وبعصي فألقوها في الوادي، وإذا بالوادي كله كأنه حيات تضطرب وتسعى، فعند ذلك أوجس في نفسه خيفة موسى، فذكر العلماء أن هذا خيال، ولذلك قال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) ، يعني: ليس له حقيقة وإنما هو خيال. وذلك لأن السحرة قد يلبسون على أعين الناظرين فيوهمونهم بما لا حقيقة له، ويخيلون إليهم أشياء يعتقدون أنها حقيقة وهي خيالات، هذا معنى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] . وعلى كل حال فالوجود ظاهر في أن السحر له حقيقة.

стр. 305

أدلة وجود السحر حقيقة من الأدلة ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن يهودياً سحر النبي ﷺ ، تقول عائشة: (حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله) . وفي رواية: (أنه يأتي النساء وما يأتيهن) . وهذا العمل الذي عمله هذا اليهودي الذي يقال له: لبيد بن الأعصم لم يكن في جسم النبي ﷺ ، ولا في عقله؛ فإن الله تعالى قد عصمه وحفظه، ولكنه فيما يتعلق بالنساء، عمل عملاً كأنه صار حائلاً بين المرء وبين نسائه بأن يخيل إليه أنه يأتيهن وما يأتيهن، أو حال بينه وبين القدرة الجنسية، والله أعلم. فالحاصل أن هذا مما أثر فيه هذا السحر، فلما دله الله تعالى على موضع ذلك السحر وأخرجه بطل عمله وقام كأنما نشط من عقال، وقال: (إن الله تعالى قد شفاني) ، فلذلك استدل به على أنه قدر يؤثر في هذا النوع، وهذا أيضاً مشاهد أن السحرة يعملون من السحر ما يبطلون به شهوة الرجل حتى لا يستطيع أن يأتي امرأته، وإذا قرب منها بطلت شهوته. ومن ذلك أيضاً الحديث الذي أورده ابن كثير ورواه ابن جرير عن عائشة أن امرأة جاءتها بعدما توفى النبي ﷺ وذكرت لها أن زوجها غاب عنها، فجاءتها عجوز فقالت لها: أتحبين أن يرجع زوجكِ؟ قالت: نعم. تقول: فجاءتني بالليل وأركبتني، وركبت وإياها على كلبين أسودين، فلم يكن إلا قليل حتى كنا ببابل، فأتينا إلى إنسانين في ذلك المكان، وقلت: إني أريد أن أتعلم السحر. فقالا: إنما نحن فتنه فلا تكفري. فقلت: إني أريد أن أتعلم. فقال لها: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. تقول: ففعلت. فخرج منها شيء أسود فصعد في السماء، فقالوا: صدقتِ، هذا هو الإيمان خرج منكِ. ثم إنهم علموها. تقول: فأعطتني حباً أو قمحاً فقالت: ابذريه في الأرض. فقلت: انبت فنبت، فقلت: انضج. فنضج، فقلت: انطحن فانطحن. فلما رأيت أني لا آمر بشيء إلا حصل سقط في يدي. فهذه المرأة تعلمت من هذين هذا الأمر، وهو أنها لا تأمر بشيء إلا حصل، وهذا نوع مما يدل على أن للسحر حقيقة. وأما وقائع الناس فهي شيء كثير وهو أمر مشاهد.

стр. 306

كيفية قلب الساحر للحقائق إذا قلت: كيف يتمكن الساحر -وهو إنسان بشر مثلنا- من أن يقلب الإنسان إلى فرس -مثلاً- أو قط. أو وعل؟! أو كيف يقلب قلبه من مستقيم إلى منحرف؟! أو كيف يؤلف بين الاثنين أو يفرق بينهما ويوقع بينهما هذه الوحشة مع كونهما متحابين أو نحو ذلك؟ فكيف يتمكن الإنسان من هذا العمل الذي فيه قلب للحقائق وتغيير لها؟! أجاب العلماء بأن الإنسان لا يفعل شيئاً، ولا يقدر على فعل شيء يخالف الطبائع الأصلية، وإنما تفعل ذلك الشياطين، ذلك لأن الشيطان له قدرة على ملابسة الإنسان ومماسته، وكذلك الساحر قد يكون عنده قدرة على تسخير قوم من الجن ثم تسليطهم على من يريد، فإذا سلط هذا الجني الذي هو من جنوده على فلان لابسه ذلك الجني أو ذلك الشيطان، فإذا لابسه فإنه قد يغير هيكله ويقلب صورته، وقد يحوله إلى حيوان بهيم كما يذكر ذلك في الحكايات ونحوها، يذكر أن ساحراً أو ساحرةً قلبت إنساناً إلى حصان أو فرس، وأن ساحراً قلب إنساناً إلى وعل له قرون، والحكايات في ذلك مشاهدة وكثيرة. فالشيطان هو الذي يلابس ذلك الإنسان الذي عمل له، فيستطيع بإذن الله أن يغير هيكله، وأن يقلب صورته ومودته، ويغير محبته إلى بغض أو بغضه إلى محبة، أو ما أشبه ذلك، فهذا من الشيطان لا من ذلك الإنسان الذي هو الساحر؛ فإنه ليس عنده هذه القدرة ولا هذا التمكن، فهذا حقيقة السحر، أنه ليس بفعل الإنسان ولكن بفعل الشياطين الذين يسخرهم ذلك الساحر.

стр. 307

كفر الساحر قال المصنف ﵀: [السحر واستعماله كفر من فاعله] أي أن الساحر كافر. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] ، وذلك لأن اليهود اتهموا سليمان ﵇ بأنه ساحر، فقالوا: كيف يركب على الريح؟! وكيف تحمله الريح وهو على بساطه فيسير مسيرة شهر في نصف يوم؟ كما قال الله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] ، فقالوا: هذا دليل على أنه ساحر، وكيف سخرت له الشياطين وسخرت له الجن؟ كما أخبر الله في قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٧-٣٨] ، قالوا: فلابد أنه ساحر. فنزهه الله وبين أنه نبي، ولكن هذه كرامة ومعجزة حيث سخر له الريح وسخر له الشياطين. (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) ، الشياطين الذين يعلمون الناس السحر كفروا، وهذا دليل على أن من تعلم منهم فإنه تعلم الكفر، ومن الأدلة على كفره أيضاً في نفس الآية قوله: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) ، فإذاً كانوا يقولون له: (فَلا تَكْفُرْ) ، أي: فلا تتعلم السحر فإن ذلك كفر، فهذا هو وجه الدلالة. ومعلوم أن هذا الساحر الذي يتعلم السحر وتخدمه هذه الشياطين لا تخدمه إلا بعدما يخدمها، فالساحر يخدم الشياطين ويخدم مردة الجن، فلأجل ذلك يصيرون طوع إشارته ويصيرون تحت إمرته، فيلابسون من يريد ملابستهم، ويضرون من يريد إضرارهم، فهو يخدمهم ويعبدهم، ولا يطيعونه لأول مرة، بل لابد أنهم يطلبون منه أن يتقرب إليهم، فكثيراً ما يذكر أنهم يذبحون للجن أو للشياطين من دون الله، ويرضون منه أن يذبح لهم -مثلاً- ولو عصفوراً أو دجاجةً أو نحو ذلك باسم الشيطان الفلاني أو نحوه، وربما يدعو الشيطان ويسجد له في حالة كفره وندائه له من دون الله، والنداء لا شك أنه شرك وكفر، فإذا ناداه ودعاه واستجاب له ولبى طلبه عند ذلك يسجد له من دون الله تعالى، فيكون أشرك بدعائه مع الله، وأشرك بالسجود له، وأشرك بالذبح له من دون الله تعالى، وهكذا أيضاً قد يحملونه على أن يترك العبادات حتى يكون من أوليائهم، فيترك الصلوات والنفقات الواجبة عليه والصوم، ويأكل في رمضان أو ما أشبه ذلك، كل ذلك ليتحقق أنه أطاعهم طوعاً ظاهراً. ومعروف أيضاً أن الشياطين يألفون النجاسات والقذارات وما أشبهها، فلذلك يطلبون منه إذا أراد أن يستخدمهم أن يستعمل النجاسات، فربما يلطخ بدنه بالدماء أو بالأبوال أو بالعذرة أو ما أشبه ذلك، ولأجل ذلك أمر الإنسان إذا دخل الخلاء أن يستعيذ بالله من شرورهم ويقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) أي: ذكران الشياطين وإناثهم. وأمر النبي ﵇ بالتستر إذا دخل الإنسان الخلاء، قال: (إن الشياطين تلعب بمقاعد بني آدم) ، وأخبر: (إن هذه الحشوش محتضرة) يعني الأماكن التي يتخلى فيها. فإذا خدمهم هذا الخادم وهو الساحر بأن تلبس بهذه النجاسات وتلطخ بها عند ذلك عرفوا أنه صار طوع إشارتهم فأصبح خادماً لهم وأصبحوا خداماً له مسخرين، ولا يستطيعون حينها أن يتخلوا عن أمر يشير به إليهم، ويستطيع أنه يسخر -مثلاً- مائة عفريت أو مئات من العفاريت والجن، فيقول: يا هذا! تسلط على فلان أو على فلانة، لابس فلاناً. فإذا لابسه، فقدر أنه مات سلط آخر وقال: اذهب فحل محله. ونحو ذلك، فما خدموه إلا لأنه خدمهم، ولأنه كفر بالله وآمن بهم، ولأجل ذلك نعتقد أنه كافر.

стр. 308

عقوبة الساحر اتفق جمهور العلماء على أنه يقتل، واستدلوا بالحديث الذي في السنن عن جندب الخير بلفظ (حد الساحر ضربة بالسيف -وفي رواية: ضربه بالسيف-) ، وقالوا في سبب روايته: إن جندباً دخل على بعض الأمراء في عهد بني أمية وإذا عنده ساحر، وإذا ذلك الساحر يفعل أشياء مستغربة، حتى إنه يمسك رجلاً فيقطع رأسه فيبقى رأسه في يده، ثم بعد ذلك يرده مكانه وهم ينظرون، فيقولون: سبحان الله! يحيي الموتى، ويميت فيحيي. فعند ذلك في اليوم الثاني اشتمل جندب على سيف، واستعاذ بالله من الشيطان، وقرأ بعض الآيات، فلما قرب من الساحر ضربه بالسيف حتى قطع رأسه، وقال: أحيِ نفسك -يعني: إن كنت صادقاً-. ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (حد الساحر ضربه بالسيف) ؛ فإذا حكمنا بأنه كافر فإنه يقتل. وكذلك ما روي عن عمر، ففي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة أنه قال: كتب إلينا عمر ﵁ أن: (اقتلوا كل ساحر وساحرة) ، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. فهذا أمر من عمر -وهو أحد الخلفاء الراشدين- بقتل السحرة، وكذلك ذكروا أن حفصة بنت عمر -وهي إحدى أمهات المؤمنين- كان لها جارية، وكانت قد دبرتها -أي: أعتقتها عن دبر، فعند ذلك عملت تلك الجارية لها سحراً، ثم اعترفت، فقالت لها: لماذا؟ قالت: أردت أن تموتي حتى أعتق. فأمرت بها أن تقتل لما أنها اعترفت بذلك، والوقائع في ذلك كثيرة تدل على أن هذا حده. أما الإمام الشافعي فلم ير أنه يقتل ولا أنه يكفر، ولكنه يقول: نأتي بالساحر ونقول له: صف لنا سحرك، فإذا وصفه بشيء فيه كفر أو شرك فإننا عند ذلك نكفره ونقتله، وإن وصفه بشيء دون ذلك فلا، ومعلوم أنه إذا أحضر وهدد بالقتل فسوف ينكر ذلك. والحاصل أن السحر موجود، وأن السحرة يستخدمون الشياطين، وأن الشياطين لا تخدمهم إلا بعدما يكفرون بالله ويتقربون إليها بما تحبه منهم، وأنهم بذلك يصبحون كفاراً، وأن حد الساحر القتل، وأنه على الصحيح يقتل حداً ولا يستتاب، هذا هو الذي مشى عليه العلماء. كذلك أيضاً من اعتقد أن السحر يكون بغير إذن الله، وأنه ينفع ويضر بغير إذن الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ، وذلك لأنه لا يكون في الوجود إلا ما يريد، فالله تعالى هو الذي يسلط هؤلاء ويعطيهم من هذه القوة ما يكون مخالفاً للعادة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١٣٧] ، ولكن الله أعطاهم وسلطهم حتى يكون ذلك علامة على أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

стр. 309

علاج السحر أما علاجه فقد ذكر العلماء أن علاجه الناجح بالإيمان بالله تعالى وبالعمل الصالح، وبالقراءات والأدعية والأوراد ونحوها، ولذلك يقول ابن القيم في كلام له: النشرة التي هي حل السحر عن المسحور نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فيتقرب الناشر والمنشر إلى الشيطان بما يحبه فيبطل عمله عن المسحور. وهذا لا يجوز. يعني: لا يجوز أن تذهب إلى ساحر وتقول له: حُلَّ السحر عن فلان. سواءٌ أكان هو الذي عمل السحر أم غيره؛ فإن هذا إقرار للسحرة واستخدام لهم، وإذا عرفنا أن حد الساحر القتل فكيف مع ذلك نقره ونقول له: حُلَّ السحر أو حُلَّ سحرك؟! بل إذا عرفنا أنه ساحر فإننا نبادر فنقتله. إذاً فلا يجوز حل السحر إلا بالرقية وبالقراءة وبالأدعية النافعة وبالأدوية المفيدة وما أشبه ذلك، هذا هو الذي يحل به، ومعلوم أن كثيراً ممن يبتلون ويصابون بهذا العمل الشيطاني يقولون: إننا قرأنا عند فلان وقرأنا عند القراء ولم نر فائدة! فنقول لهم: أتيتم من قبل أنفسكم، فإذا أردت أن تنفعك الرقية فنأمرك أولاً بأن تصحح عقيدتك، وتؤمن إيماناً يقينياً بأركان الإيمان وبأمور الغيب كلها. ثانياً: لابد أن تحافظ على الأعمال الصالحة وتتقرب إلى الله تعالى بها. ثالثاً: لابد أن تتنزه عن المحرمات والشركيات والبدع والمعاصي والملاهي وآلات الشيطان وما يحبه، وتنزه نفسك ومنزلك عن كل ما يألفه الشيطان ويتشجع به. رابعاً: لابد أن تعتقد يقيناً أن هذه القراءة النافعة تؤثر، فلا تجعلها كتجربة، لا كما يقول أحدهم: أنا أفعل أو أرقي أو أسترقي تجربة، فإن شفيت وإلا فما ضرت. بل إنها لا تفيد إلا مع اليقين بها، وأن توقن يقيناً كالشمس أنها نافعة وأنها هي الشفاء النافع إذا تمت الشروط. خامساً: حال الراقي، أن يكون الراقي من أهل الإيمان والتقى والورع، ومن المستقيمين على طاعة الله تعالى، فمثل هؤلاء بإذن الله رقيتهم تفيد، ومن أسباب ذلك أيضاً كون الراقي مقتصراً على الأكل الحلال، ولا يطعم إلا شيئاً حلالاً ليس فيه شبهة، وقد تأيد ذلك بوقائع كثيرة: ذكروا أن رجلاً كان -بإذن الله- إذا أُعطي الإناء ليقرأ فيه نفث فيه نفثتين أو ثلاثاً، وصار بإذن الله شفاءً لمن استعمله إذا تمت الشروط وسبب ذلك تنزهه عن الحرام وتقيده بالعبادات وبالطاعات وما أشبهها، وكذلك أيضاً كان رجل مجرب بالشفاء بإذن الله إذا رقى أحداً، فسُئل عن ذلك فأخبر: أن أباه عندما حضره الموت قال له: يا بني! لا تأكل إلا من هذا البستان، إياك أن تأكل من غيره فإنه رزق حلال. فاقتصر على بستان فيه نخلات وشجرات يسقيها ويشتري من ثمرتها ما يصلحها به ويتقوت بها ولا يدخل في بطنه شيئاً من غيرها تحقيقاً أنها حلال، فكان ذلك سبب إجابة دعوته وشفاء من يرقيهم من المرضى ونحوهم. فلذلك نقول: لابد من هذه الشروط في الرقية: أولها: إصلاح العمل، أن يصلح ذلك المريض عمله. ثانياً: أن ينزه نفسه عن المعاصي والسيئات. ثالثاً: أن يصلح منزله ويبعد عنه الملاهي وما أشبهها. رابعاً: أن يعتقد يقيناً أن الرقية نافعة ومؤثرة. خامساً: أن يكون الراقي من أهل الورع والزهد. سادسها: أن يستعمل في الرقى الآيات التي وردت الرقية بها وعرف تأثيرها، مثل آية الكرسي، وآيات السحر الثلاث في سورة الأعراف، وهن قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٨-١١٩] ، وفي سورة يونس قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨١-٨٢] ، وفي سورة طه قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٧-٦٩] ، فيقرأ هذه الآيات، ويقرأ آية الكرسي وآيتين من آخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، وسورة الفاتحة، وأول سورة البقرة، وأول سورة آل عمران، وآخرها، وآيات من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأعراف:٥٤] إلى ثلاث آيات، وأول سورة يونس، وأول سورة طه، وأول سورة النحل، وآيتين من آخر سورة الإسراء، وعشر آيات من أول سورة الصافات، وأربع من آخر سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] ، وسورتي المعوذتين، وسورة الإخلاص، وكذلك الأدعية التي وردت، مثل قوله: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ، وقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) ، وأدعية مأثورة في ذلك بإذن الله يكون من آثارها إبطال عمل هؤلاء السحرة.

стр. 310

عقيدة أهل السنة في التعامل مع البدع والمبتدعة والعصاة قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويرون مجانبة البدعة والآثام والفخر والتكبر والعجب والخيانة والدغل والاغتيال والسعاية. ويرون كف الأذى، وترك الغيبة إلا لمن أظهر بدعة وهوىً ويدعو إليهما، فالقول فيه ليس بغيبة عندهم، ويرون تعلم العلم وطلبه من أهله، والجد في تعلم القرآن وعلومه وتفسيره، وسماع سنن الرسول ﷺ وجمعها والتفقه فيها، وطلب آثار أصحابه، والكف عن الوقيعة فيهم، وتأول القبيح عليهم، ويكلونهم فيما جرى بينهم على التأويل إلى الله مع لزوم الجماعة والتعفف في المأكل] . من الخصال التي يرونها ويدعون إليها ويعتقدونها مجانبة البدعة أياً كانت، سواءٌ عملية أو عقدية، ومجانبة أهلها والدعاة إليها. فمن البدع الاعتقادية بدعة الجهمية، والخوارج، والمعتزلة، والأشاعرة، والجبرية، والرافضة، والمرجئة، والمتصوفة، وكذلك البدع الجديدة، كبدعة القبوريين ونحوهم، وبدعة ما يسمى بالبعثيين والعلمانيين وما أشبهها، فإن مجانبتها ومجانبة أهلها من واجبات الإسلام، وذلك لئلا يستحسن ما هو قبيح. أما البدع العملية فالمراد بها المحدثات في الدين، ولو لم تصل إلى الكفر ولكنها زيادة في الدين، فلا يشاركون أهلها فيها، ولو عرف أن أهلها قد يستحسنونها. وذلك مثل إحياء ليلة المولد، قد يقولون: ما نحييها إلا بذكر وبقراءة وبصلاة على النبي ﷺ ! نقول: إنها بدعة، ولو قلتم ما قلتم. وكذلك أيضاً الذين يحيون أول ليلة جمعة من رجب بصلاة يسمونها صلاة الرغائب، لا شك أن هذه بدعة لم يكن لها أصل في العهد القديم في الإسلام، وإنما حدثت في القرن الرابع وما بعده. كذلك أيضاً إحياء ليلة الخامس والعشرين من رجب ويسمونها ليلة الإسراء والمعراج، ولا حقيقة لها، ولم يرد ما يدل على إحيائها ولا تخصيصها، وهكذا الاجتماعات التي لا مبرر لها، فهناك بدع كثيرة في الصلوات، والأذكار، والأذان، والجنائز وما أشبهها مذكورة في الكثير من الكتب، ككتاب (السنن والمبتدعات) ، وكتاب (الباعث على إنكار البدع والحوادث) ، وكتاب ابن وضاح (البدع والنهي عنها) ، وما أشبه ذلك. أما الآثام فالمراد بها المعاصي التي يكون صاحبها آثماً، فكأنه يقول: يحثون على التوبة، ويبعدون صاحبهم ممن يكون منهم عن الذنب الذي يسبب له إثماً وجرماً ووزراً. والأصل في الإثم أنه يؤثم صاحبه، وقد سمى الله تعالى الميسر والخمر إثماً، أو جعل فيهما إثماً فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ، وقد حرم الله تعالى الإثم، أي: الذنب الذي يؤثم صاحبه، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف:٣٣] يعني: والذنب الذي يحصل صاحبه على إثم. أي: على جرم وعقوبة وأوزار. والآثام هي الذنوب والأوزار.

стр. 311

معاملتهم لأصحاب المعاصي أما الفخر والتكبر والعجب فهذه معاصٍ يتصف بها بعض الناس فتوقعه في الترفع، فالفخر محرم، وهو فعل من أفعال الجاهلية، ورد في الحديث قوله: (إن الله حرم عليكم عُبية الجاهلية وفخرها بالأباء) ، كانوا يتفاخرون بأفعال الأباء، يقول أحدهم: آباؤنا الذين فعلوا، وآباؤنا الذين قتلوا وسلبوا وصبروا. فيفتخرون بمآثر آبائهم مع أن آبائهم قد ماتوا وصاروا إلى ما صاروا إليه. كذلك أيضاً في الإسلام لا يفتخر الإنسان بأفعال من سبقه، حتى يقول بعضهم: إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولد أي أنك لا ينفعك إلا أن تعتز بأفعالك أنت لا بأفعال من سبقك، مع أن الإنسان عليه أن يتواضع، وأن يتذلل، وأن يصغر نفسه، وأن لا يفتخر على الناس. والتكبر قريب من الافتخار، وهو الإعجاب بالنفس والترفع عن الناس واحتقار الآخرين وازدراؤهم، وقد فسره الرسول ﷺ بقوله: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) ، (بطر الحق) يعني: رده (غمط الناس) يعني: احتقارهم. بأن يرى الناس كأنهم صغار بالنسبة إليه، ويرى نفسه أرفع منهم رتبة وأعلى منهم منزلةً، ويفرض عليهم -مثلاً- أن يقوموا له وهو جالس، وأن يحترموه ويقدروه ويوقروه ولو لم يكن أهلاً، ويسخط على من لم يفعل ذلك، ويفرض نفسه أكبر من غيره، ولا شك أنه يتكبر على الله، والمتكبر يتكبر على الله تعالى، لذا نقول للمتكبر: تذكر عظمة الله تعالى وتذكر حقارة الإنسان. ذكروا أن بعض المتكبرين حضر عند أحد العلماء الذين في مجلس يذكر فيه ويعظ، وقد عرفه ذلك العالم، فقال له ذلك المتكبر: وحيك أما تحترمني؟ أما تعرف من أنا؟ فقال: نعم أعرفك، أنت الذي أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفه قذرة، وحشوك بين ذلك بول وعذرة. يعني: لا ترفع نفسك فإن هذه صفتك، هذا مبدؤك وهذا منتهاك، فكيف تتكبر؟! أما العجب فالمراد به الإعجاب بالنفس، وذلك بأن تعجبه أفعاله، فعند ذلك يرى أن هذا الإعجاب سبب في نجاته وفلاحه وفوزه، ولا يجوز للإنسان أن يعجب بنفسه، بل عليه أن يحقر نفسه ولو بلغ ما بلغ، ولو كان عالماً جليلاً، أو عابداً كبيراً، بل يتصاغر ويتواضع ويتذلل لله تعالى، ولا تعجبه أعماله ولا يفتخر بها، ولا يقول: أنا الذي عملت كذا وكذا. فيمدح نفسه بصلاته وبتهجده وبقراءته، فيكون إعجابه هذا سبباً في إحباط أعماله. أما الخيانة فهي خصلة ذميمة، وهي من خصال المنافقين، وصف النبي ﷺ المنافق بقوله: (وإذا اؤتمن خان) ، وقد تكون الخيانة عامةً في الودائع والأمانات، وكذلك في الأعمال التي يؤتمن عليها الإنسان، والتوسع فيها لا يحتاج إليه. والدغل فسره بأنه الشر، وهو كون الإنسان في قلبه غل على إخوانه وحقد عليهم وبغضاء، فينهى عن ذلك، ويؤمر الإنسان بأن يكون سليم الصدر محباً لإخوته ولو فعلوا ما فعلوا، فلا يكون في قلبه غل ولا حقد ولا شنآن ولا بغضاء، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢] . أي: لا يحملنكم بغضهم على أن لا تعدلوا. والسعاية فسرها بأنها النميمة، ويسمى النمام ساعياً، وهو الذي يسعى بين الناس بالنميمة ليفسد بينهم، وقد ذكر النبي ﷺ أنها من أسباب عذاب القبر في قصة ذلك الذي يعذب في قبره، قال: (كان يمشي بالنميمة) ، وورد فهيا أيضاً أحاديث كثيرة تدل على عظم الذنب بها، حتى قال: (يفسد النمام في الساعة أكثر مما يفسد الساحر في السنة) . قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون كف الأذى وترك الغيبة] . كف الأذى عن الناس يعني أن تكف عنهم أذاك. حتى قال النبي ﵇ في حديث أبي ذر لما قال له: فإن لم أجد؟ قال: (تكف أذاك عن الناس فإنه صدقة منك على نفسك) ، والغيبة تفسيرها بأنها ذكرك أخاك بما يكره. أي: أن تذكره في حال غيبته بشيء لو كان حاضراً لما ذكرته به، فبذلك تكون مغتاباً له، وقد عَدَّ الله تعالى الغيبة ذنباً كبيراً، حتى قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات:١٢] يعني أن المغتاب كأنه يأكل لحم أخيه ميتاً. ويرخص في غيبة من أظهر بدعة وهو يدعو إليها، فالقول فيه ليس بغيبة، ولذلك يقولون: لا غيبة لفاسق، ولا لمعلن ومجاهر، فإذا جاهر إنسان بمعاصٍ أو ببدع فإن ذكره ليس بغيبة، وكذلك ذكر معايبه، وقد تكلم علماء الحديث في الرواة الذين رووا الحديث، فذكروا أن فلاناً غير ثقة، وأن فلاناً كذاب، وأن فلاناً سيئ الحفظ، مع كونهم قد ماتوا، ولم يعدوا ذلك من الغيبة بل جعلوه من النصيحة، وذلك لأنهم حملوا هذا العلم وليسوا أهلاً له، فلا بد أن نبين مراتبهم حتى يعرف من يكون أهلاً لحمل العلم وقبول الرواية ومن ليس كذلك، ذكروا ذلك في علم الجرح والتعديل.

стр. 312

نصحهم بطلب العلم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون تعلم العلم وطلبه من مظانه، والجد في تعلم القرآن وعلومه وتفسيره، وسماع سنن الرسول ﷺ وجمعها والتفقه فيها، وطلب آثار أصحابه] . لا شك أن تعلم العلم من الواجبات، وذلك لأن العمل لا بد أن يكون على بصيرة، فلا بد أن يكون العامل على علم، فمن عمل بغير علم فإنه يفسد أكثر مما يصلح، فنقول للإنسان: تعلم قبل أن تعمل. فإذا قيل لإنسان يتوضأ: كيف تتوضأ؟ وكان لا يعلم فلابد أن يتعلم كيفية الوضوء، وإذا قيل له: هل انتقض وضوؤك قال: لا أدري تعلم نواقض الوضوء، ويتعلم موجبات الغسل، ويتعلم كيفية الصلاة حتى يصلي صلاة تحزنه، ويتعلم هذا العلم من مظانه، ومظانه هي الجد في تعلم القرآن وعلومه وتفسيره، فيتعلم القرآن وعلوم القرآن، وقد ألفت فيها مؤلفات، وكذلك أيضاً يتعلم تفاسير القرآن وما ورد فيه حتى يكون على علم وبصيرة وبرهان، وكذلك أيضاً يتعلم سنن النبي ﷺ ، والسنن هي الأحاديث التي رويت عنه من أقواله أو أفعاله أو تقريراته، لابد من تعلمها حتى يعرف الإنسان كيف يعمل؛ فإنها هي الموضحة والمبينة لكتاب الله تعالى، والنبي ﷺ بعثه الله تعالى معلماً للأمة حتى يعملوا على بصيرة، فهو أمرهم بالعمل، ثم بين لهم كيفية العمل، وبين ذلك بأقواله وبينه بأفعاله، فلابد أن المتعلم يرجع إلى هذين المرجعين: الكتاب والسنة، فيجد فيهما ما يحتاج إليه من هذه الأعمال، يجد فيهما الواجبات، ويتعلم الفرائض التي أوجبها الله تعالى كأركان الإسلام وكيف يؤديها ويعمل بها، وكذلك أيضاً يجد فيها العقائد وما يجب اعتقاده. وما يلزمه، ويجد ذلك أيضاً ظاهراً في أفعال النبي ﷺ وغيره، وآثار الصحابة ﵃؛ فهم الذين نقلوا لنا السنة. كذلك الكف عن الوقيعة في الصحابة أو سبهم أو ذكر شيء من مساوئهم، وتأول القبيح عليهم فيما جرى بينهم، ونكلهم فيه على التأويل إلى الله ، وبذلك نسلم من أن نقع فيهم بما لا يأمر الله به أو لم يبحه، والله أعلم.

стр. 313

الأسئلة

стр. 314

حكم أخذ الأجر على الرقى الشرعية السؤال يلاحظ اليوم كثرة القراء الذين يدعون أنهم يرقون بالرقى الشرعية، ويؤخذ على هؤلاء القراء تفرغ بعضهم لهذا العمل، ثم أخذهم أجراً بعده على القراءة، وقراءة بعضهم على مجمع من الناس وغير ذلك، فما هو التوجيه في مثل هذا؟ الجواب القراءة المفيدة لابد أن يكون القارئ فيها أولاً من أهل التوحيد والعقيدة الصحيحة، ثانياً: أن يكون مستقيماً في دينه وأخلاقه، ثالثاً: البعد عن الملاحظات التي تقدح في عدالته، فيبتعد عن الظنون السيئة والمحرمات والمعاصي وما أشبهها؛ إذ يوجد كثير من هؤلاء القراء يظهر أن غرضهم مادي ودنيوي، فلأجل ذلك يقل الانتفاع بقراءتهم والتأثر بها، ولكن لما كان قصدهم المال، وربما يأخذون أموالاً زائدة على عملهم كان النفع بهم قليلاً. فنصيحتنا لمن أراد أن يعمل بهذه الرقية ونحوها أن يكون قصده وجه الله تعالى، ونفع المسلمين، ومحاربة السحرة والمشعوذين والكهنة والمنجمين ونحوهم وإبطال مكايدهم، وكذلك أن يلتزم بالقراءة الشرعية، فيتعلم الرقى والآيات والأحاديث التي يرقى بها، ويعلم كيفية الرقية وكيفية تأثيرها وما أشبه ذلك، ويتبرع بعمله فلا يأخذ إلا شيئاً يسيراً مقابل تفرغه وتكلفته وما أشبه ذلك حتى لا يضر الناس وينفع الله تعالى به.

стр. 315

صفة من يرقي الناس السؤال هل ينصح كل أحد بأن يقرأ على الناس؟ الجواب الرقية ليست موقوفة على شخص معين، ولكنها بإذن الله تكون لمن كان عنده الأهلية، فهي إنما تؤثر بإذن الله، وتنفع إذا تمت الشروط والصفات التي تستدعيها، ومنها الاقتصار على الأكل الحلال، والاستقامة، فإذا كان الإنسان مستقيماً على طاعة الله وعالماً بالأدلة وعارفاً بالآيات والأدعية ونحوها واحتيج إليه فلا يحقر نفسه، ولأجل ذلك قال في الحديث: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه) فهذا فيه نفع، فإذا كان عندك قدرة على ذلك ومعرفة واجتمعت فيك الصفات والمؤهلات واحتيج إليك فلا تمنع نفسك من نفع إخوتك المسلمين، وأما إذا لم يكن كذلك وأنت لست بأهل فلا.

стр. 316

حَدُّ الساحر السؤال هناك امرأة ساحرة قريبة لنا تتردد إلى بيتنا، ويطلب منها أهل بيتنا أن ترى لهم بعض الأمور، والسؤال عن بعض الأشياء، ومنهم أمي وأبي، فكيف أتصرف معهم؟ الجواب لا يجوز إقرارها على هذا العمل، والواجب إذا عرف ذلك أن يرفع بأمرها حتى ينفذ بها حكم الله (حد الساحر ضربه بالسيف) ، ولو كانت قريبة لك، ولو كان أهلك ينتفعون بسؤالها ويسألونها عن بعض الأشياء؛ لأن السحرة يستخدمون الشياطين، والشياطين تخبرهم بأمور غيبية تخبر الكهنة والشياطين والسحرة بأن فلاناً سحره بالمكان الفلاني وما أشبه ذلك، فحدها إذا لم تتب القتل، فلا بد من القتل بالسيف حتى ينفذ بها حكم الله.

стр. 317

علامات الساحر السؤال ما هي العلامات التي يعرف بها الساحر؟ الجواب لا شك أن الساحر هو الذي يتعاطى الأمور التي تضر الناس، فإما أن يعمل أعمالاً يصل ضررها إلى فلان أو فلان ويعترف بذلك، أو ينقل ذلك عنه، وإما أن ترى من أعماله أنه يجمع الشعر من فلان وفلان والخرق التي لها اتصال بفلان، ثم يذكر عليها أسماء الشياطين ونحوهم، وكذلك يجمعون كسراً من حديد أو حجارة أو ودع وما أشبه ذلك، فإذا رؤي أنه يعمل مثل هذه الأعمال فإن هذه من أعمال السحرة، فينتبه له ويحذر منه.

стр. 318

حكم الاستعانة بالجن المسلمين السؤال هل تجوز الاستعانة بالجن المسلم إذا كان يستطيع أن يساعد؟ الجواب ما أظن ذلك صحيحاً، ولكن ذكر بعض المشايخ أنه لا مانع من ذلك، وأن هناك جناً مسلمين، وأنهم يساعدون المسلم ويدلونه على الخير، فلا بأس بذلك، وبعض الأولين توقظهم الجن للصلوات وللتهجد في آخر الليل، ولم يكن عندهم ساعات تنبههم، يقول أحدهم: فإذا بقي من الليل ساعة أو ساعتان جاء من ينبهني ويقول: يا فلان! قم فقد حان الوقت، حان وقت التهجد. فإذا استيقظ لم ير أحداً، فمثل هؤلاء جن مسلمون يعينون إخوتهم على فعل الخير ونحو ذلك، ولا بأس بمثل هؤلاء ولكن لا يطلبهم ولا يتقرب إليهم، أما إذا تمثلوا له وأخبروه بما يريد ولو لم يرهم أو نحو ذلك فلعل ذلك مما لا بأس به.

стр. 319

حكم إنكار الرقية السؤال يستدل بعض الذين ينكرون الرقية بالمرأة التي كانت تصرع فقال لها النبي ﷺ : (أدعو الله لك بالشفاء أو تصبري؟ فقالت: أصبر) ، ولم يقل لها: أرقيك؟ الجواب قد ورد أيضاً ما يدل على فضل الصبر، فهذه المرأة لما قال لها: (تصبرين ولك الجنة) آثرت الجنة، وقالت: كيف لا أصبر إذا كنت من أهل الجنة، فضمن لها الجنة، حتى قال ابن عباس لأحد تلامذته: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟! هذه المرأة السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أصرع وأتكشف، فادع الله لي، فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك. فقالت: أصبر. ثم قالت: إني أتكشف فادع الله لي. فدعا لها) ، فالتكشف لا شك أنه شيء تتضرر منه، أن تتكشف أمام الأجانب، فدعا لها وبقي الصرع معها أو صبرت عليه، فلا شك أن من بشر بالجنة على عمل كان به صعوبة آثر الجنة كما آثرت هذه المرأة.

стр. 320

قلب الساحر لحقائق الإنس السؤال هل الساحر يستطيع تحويل صورة الإنسان إلى بهيمة أم أن هذا تخييل فقط؟ الجواب يذكر الذين شاهدوا الوقائع أنه واقع، وأشار إلى ذلك ابن جرير في تفسيره، وكذلك أيضاً بعض الوقائع، وصفة ذلك أن الشيطان يلابس ذلك الإنسان، فمعلوم أن الجن والشياطين لهم قدرة على التشكل الجني، ونحن لا نراه ولكن قد نسمع كلامه ولا نرى شخصه، ولكن له قدرة على التشكل، فتارة يظهر بصفة كلب، وتارة بصورة قط، وتارة بصورة وعل، وتارة بصورة إنسان، وتارة بصورة حية كما ورد ذلك في الحديث الذي فيه قوله (إن في هذه الدور جناً مسلمين يتمثلون بصورة حيات) ، فإذا كان كذلك فلا مانع من أنه إذا لابسه قلب هيكله بإذن الله تعالى إلى صورة حيوان أو نحوه على ما يريد الذي سلطه.
следующие страницы →