← Акыда

Акыда · id 7707

اعتقاد أهل السنة

ابن جبرين

Полный текст (366 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حَدُّ الساحر السؤال هناك امرأة ساحرة قريبة لنا تتردد إلى بيتنا، ويطلب منها أهل بيتنا أن ترى لهم بعض الأمور، والسؤال عن بعض الأشياء، ومنهم أمي وأبي، فكيف أتصرف معهم؟ الجواب لا يجوز إقرارها على هذا العمل، والواجب إذا عرف ذلك أن يرفع بأمرها حتى ينفذ بها حكم الله (حد الساحر ضربه بالسيف) ، ولو كانت قريبة لك، ولو كان أهلك ينتفعون بسؤالها ويسألونها عن بعض الأشياء؛ لأن السحرة يستخدمون الشياطين، والشياطين تخبرهم بأمور غيبية تخبر الكهنة والشياطين والسحرة بأن فلاناً سحره بالمكان الفلاني وما أشبه ذلك، فحدها إذا لم تتب القتل، فلا بد من القتل بالسيف حتى ينفذ بها حكم الله.

стр. 317

علامات الساحر السؤال ما هي العلامات التي يعرف بها الساحر؟ الجواب لا شك أن الساحر هو الذي يتعاطى الأمور التي تضر الناس، فإما أن يعمل أعمالاً يصل ضررها إلى فلان أو فلان ويعترف بذلك، أو ينقل ذلك عنه، وإما أن ترى من أعماله أنه يجمع الشعر من فلان وفلان والخرق التي لها اتصال بفلان، ثم يذكر عليها أسماء الشياطين ونحوهم، وكذلك يجمعون كسراً من حديد أو حجارة أو ودع وما أشبه ذلك، فإذا رؤي أنه يعمل مثل هذه الأعمال فإن هذه من أعمال السحرة، فينتبه له ويحذر منه.

стр. 318

حكم الاستعانة بالجن المسلمين السؤال هل تجوز الاستعانة بالجن المسلم إذا كان يستطيع أن يساعد؟ الجواب ما أظن ذلك صحيحاً، ولكن ذكر بعض المشايخ أنه لا مانع من ذلك، وأن هناك جناً مسلمين، وأنهم يساعدون المسلم ويدلونه على الخير، فلا بأس بذلك، وبعض الأولين توقظهم الجن للصلوات وللتهجد في آخر الليل، ولم يكن عندهم ساعات تنبههم، يقول أحدهم: فإذا بقي من الليل ساعة أو ساعتان جاء من ينبهني ويقول: يا فلان! قم فقد حان الوقت، حان وقت التهجد. فإذا استيقظ لم ير أحداً، فمثل هؤلاء جن مسلمون يعينون إخوتهم على فعل الخير ونحو ذلك، ولا بأس بمثل هؤلاء ولكن لا يطلبهم ولا يتقرب إليهم، أما إذا تمثلوا له وأخبروه بما يريد ولو لم يرهم أو نحو ذلك فلعل ذلك مما لا بأس به.

стр. 319

حكم إنكار الرقية السؤال يستدل بعض الذين ينكرون الرقية بالمرأة التي كانت تصرع فقال لها النبي ﷺ : (أدعو الله لك بالشفاء أو تصبري؟ فقالت: أصبر) ، ولم يقل لها: أرقيك؟ الجواب قد ورد أيضاً ما يدل على فضل الصبر، فهذه المرأة لما قال لها: (تصبرين ولك الجنة) آثرت الجنة، وقالت: كيف لا أصبر إذا كنت من أهل الجنة، فضمن لها الجنة، حتى قال ابن عباس لأحد تلامذته: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟! هذه المرأة السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أصرع وأتكشف، فادع الله لي، فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك. فقالت: أصبر. ثم قالت: إني أتكشف فادع الله لي. فدعا لها) ، فالتكشف لا شك أنه شيء تتضرر منه، أن تتكشف أمام الأجانب، فدعا لها وبقي الصرع معها أو صبرت عليه، فلا شك أن من بشر بالجنة على عمل كان به صعوبة آثر الجنة كما آثرت هذه المرأة.

стр. 320

قلب الساحر لحقائق الإنس السؤال هل الساحر يستطيع تحويل صورة الإنسان إلى بهيمة أم أن هذا تخييل فقط؟ الجواب يذكر الذين شاهدوا الوقائع أنه واقع، وأشار إلى ذلك ابن جرير في تفسيره، وكذلك أيضاً بعض الوقائع، وصفة ذلك أن الشيطان يلابس ذلك الإنسان، فمعلوم أن الجن والشياطين لهم قدرة على التشكل الجني، ونحن لا نراه ولكن قد نسمع كلامه ولا نرى شخصه، ولكن له قدرة على التشكل، فتارة يظهر بصفة كلب، وتارة بصورة قط، وتارة بصورة وعل، وتارة بصورة إنسان، وتارة بصورة حية كما ورد ذلك في الحديث الذي فيه قوله (إن في هذه الدور جناً مسلمين يتمثلون بصورة حيات) ، فإذا كان كذلك فلا مانع من أنه إذا لابسه قلب هيكله بإذن الله تعالى إلى صورة حيوان أو نحوه على ما يريد الذي سلطه.

стр. 321

حكم إقامة الحدود الشرعية من قبل الرعية السؤال هل يستدل بقصة جندب ﵁ على أنه يمكن إقامة الحدود من آحاد الرعية؟ الجواب قد يستدل بذلك إذا كان ذلك عنده دليل قوي وكان الآخرون جاهلين بذلك، فلعل ذلك الأمير كان جاهلاً بهذا الأمر، وكذلك أيضاً الحاضرون لم يكن لهم علم بهذا، لذا أقدم على إقامة هذا الحد، وأما إذا كان هناك من يأتي للحدود فلا يجوز للأفراد أن ينفذوها، بل يرفعوا بأمرها إلى ولاة الأمور الذين لهم الصلاحية في الحكم، وذلك لأنه ليس كل إنسان له قدرة على معرفة الحكم الشرعي، إنما يعرف ذلك من ولي ذلك من قبل الدولة.

стр. 322

قتل الساحر السؤال هل يقتل الساحر حداً أم ردة؟ الجوب: ظاهر الحديث أنَّه يقتل حداً: (حد الساحر ضربه بالسيف) ، ولكن إذا حكمنا بأنه كافر كما في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] ، وأن سحره كفر لكونه يعبد الشياطين ويتقرب إلى الجن ونحو ذلك، فإن هذا العمل يعتبر ردة ولو سمي حداً، كأنه سمي حداً لأنه عقوبة، أي: عقوبة هذا الساحر هذه صفتها.

стр. 323

معنى الاغتيال في كلام المؤلف السؤال في قول المصنف: [ويرون مجانبة البدعة] ، إلى قوله: [والاغتيال] ، فما هو الاغتيال، وهل هو المعروف الآن؟ الجواب الاغتيال الظاهر أنه قتل الغيلة، يعني: أن يخلو بإنسان فيخدعه ثم يقتله على حين غفلة أو غرة. يسمى هذا قاتل الغيلة، قيل: إنه لا يحتاج إلى رضا الأولياء بل يقتل عقوبة له على هذه الفعلة.

стр. 324

الجمع بين وعد الله للصحابة وبين قتل الخلفاء السؤال كيف نوفق بين أن الله وعد الصحابة بالأمن وأن بعض الخلفاء قتلوا؟ الجواب لاشك أنهم أخلوا بشيء من أسبابه، أو أن هذا يعتبر كرامة لهم أنهم قتلوا شهداء في سبيل الله تعالى؛ فإن عمر ﵁ دعا الله بأن يرزقه شهادة في بلد نبيه فاستجاب الله دعوته.

стр. 325

شرح اعتقاد أهل السنة [١٦] لم يفتأ الرافضة عبر الدهور والأزمان يطعنون في أصحاب النبي ﷺ ، وخاصة أكابرهم ﵃، متعمدين في ذلك الكذب عليهم، وينسبون إليهم ما ليس لهم، ويحملون النصوص ما لا تحتمل تحاملاً عليهم، ويستدلون على أقوالهم بما لا يصدقه أحد، والصحابة ﵃ هم أهل الفضل، وإليهم ينسب الفضل بإجماع أهل السنة والجماعة أهل الحق، الذين يوصون باحترامهم ومعرفة حقهم، ويوصون كذلك بالجماعة ولزومها، ويحثون على جمع الكلمة ويحذرون من تفرقها، ويوصون بالحق وأهله، وأكل كل ما هو حلال من محله، والسعي فيه وإليه كل على حسب جهده، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

стр. 326

بعض طعون الرافضة والرد عليها من عقيدة أهل السنة الترضي عن الصحابة والكف عن الوقيعة في الصحابة، وتأول القبيح عليهم، ويكلونهم فيما جرى بينهم على التأويل إلى الله ، وسبب إدخال هذا في العقيدة أن هناك أعداءً للصحابة أخذوا يولدون عليهم قصصاً ويلصقونها بهم ويعيبونهم بها. إما من الخوارج الذين قاتلهم علي ومن معه من الصحابة، ولا بد أن يكون لهم بقايا، وإما من الرافضة الذين غلوا في علي وذريته وجفو في حق بقية الصحابة، ولما غلب عليهم هذا الجفاء وحقدوا على الصحابة كان من آثار حقدهم أن ولدوا عليهم حكايات لا أصل لها، وتتبعوا عثرات وجدت من بعضهم، فجعلوا من الحبة قبة ومن الصغيرة كبيرة، وحملوا كلامهم على محامل بعيدة عن العقول، ونسوا أو تناسوا فضائل الصحابة وأعمالهم الجليلة التي تميزوا بها عمن سواهم، وأخذوا يكيلون لهم من التهم ويرمونهم بالعظائم ويسبونهم، من أجل ذلك كان من اعتقاد أئمة الحديث الكف عن الوقيعة فيهم، أي: عن السب لهم، وذلك يستلزم ذكر فضائلهم ومحاسنهم، والثناء عليهم والترضي عنهم، واعتقاد أنهم خير قرون هذه الأمة، كما خيرهم النبي ﷺ بقوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، كما أن الأمة أفضل الأمم، فإذا كانت الأمة المحمدية أفضل الأمم التي سبقتها فإن هذه الأمة أيضاً تتفاضل، فأفضلهم القرن الذي بعث فيهم النبي ﷺ ، وإذا كان كذلك فإن ما يرويه أعداؤهم من تلك المثالب والعيوب التي يقدحون بها فيهم أكثره كذب لاشك فيه، وذلك لأن العدو لابد أن يكذب على من عاداه، وما أكثر ما افترى عليهم أعداؤهم وقالوا عليهم ما لم يقولوا، وظنوا بهم ما ليس له أصل ولا حقيقة، ولم يبالوا أنهم يقولون الكذب. فإذا قرأنا في كتب الرد على الرافضة نجد أنهم يتعمدون الكذب عليهم، حتى يقول بعض السلف لما ذكر الرافضة: لو كذبت لهم حديثاً لملئوا جيبي ذهباً. أي: لو كذبت لهم حديثاً يناسبهم لكافئوني وأعطوني ما يقدرون عليه. وهذا يدل على أنهم يتعمدون الكذب. ونقول أيضاً: إذا كان فيها شيءٌ واقع فإن الأعداء يحملونه ما لا يحتمل، وإذا كان فيها شيء صحيح فإنه يغير عن هيئته ويزاد فيه، ويروونه على غير ما هو عليه، فيكونون قد زادوا فيه أو غيروا أسلوبه، ومعلوم أن الأسلوب يغير الحقيقة، فالإنسان قد يحكي قصة يعبر عنها بأسلوب تكون مدحاً، ثم يعبر عنها بأسلوب آخر يكون ذماً، يقول الشاعر: في زخرف القول تزيين لمنهجه والحق قد يعتريه سوء تعبير تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيئ الزنابير إن قلت: هذا مجاج النحل -تعني العسل- فهذه كلمة مدح، وإن قلت: هذا قيئ الزنابير فهذه كلمة ذم، والكل صحيح. فالحاصل أن تلك القصص إذا رويت بأسلوب فيه قدح أصبحت معايب ومثالب، مع أنها في الحقيقة قد تكون مدائح، ولنأت على ذلك بأمثلة مما يذكر عند الرافضة.

стр. 327

قصة صلح الحديبية ورد طعنهم لما اصطلح النبي ﷺ مع قريش في صلح الحديبية على أن يرجعوا في ذلك العام، وعلى أن من جاءهم مسلماً من أهل مكة يردونه إلى أهل مكة، ومن ارتد من المسلمين فإنه لا يرد على المسلمين كانت هذه الشروط مما ساءت الصحابة جميعاً، وتمنوا أنهم يدخلون مكة ويقاتلون، وقد كانوا بايعوا قبل ذلك بيعة الرضوان، فاستاء لذلك الصحابة، وكان ممن ظهر استياؤه عمر ﵁، فهو الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ألست تعدنا أننا ندخل مكة ونطوف بالبيت قال: بلى. ولكن هل قلت لك: إنك تدخلها هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك داخل البيت ومطوف به. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: إني رسول الله، ولن يضيعني، ولست أعصيه) . هذه قصة عمر في هذه المقالة، فماذا تفهم منها أيها السني؟ أفهم منها أنها دليل على حماسه وغيرته، وأنه يحب أن يتجشم المشقة ويقاتل ولو قتل؛ لأنه إذا قتل فإنه في الجنة، وأنه مع ذلك يحب أن يذل هؤلاء الكفار الذين أخرجوا الرسول من بلده وصدوه عن البيت، وتحمس أيضاً لأن بعضاً من الذين يأتون مسلمين مع ذلك يردون إلى المشركين ويلقون الأذى والعذاب، هذه أفعال تدل على حماسه وغيرته، وتدل على محبته للجهاد وللتفاني في سبيل الله ولنصرة الإسلام. هذا الذي نفهم منها، ولكن الرافضة تحملها ما لا تحتمل، وقالوا: إنه بذلك ينتقد حكم الرسول، ويعترض على حكم الله ورسوله، إنه بذلك يرد تدبير الرسول ويرد أمره، إن ذلك دليل على حقده على دين الإسلام. وغير ذلك، فجعلوها مثالب وحملوها ما لا تحتمل. وعمر ﵁ ندم بعد ذلك، يقول: (فعملت لذلك أعمالاً) يعني: بسبب هذا الاعتراض، فتجرأت وتسرعت ومع ذلك فإني ندمت على ذلك وعملت أعمالاً صالحة أكفر بها مما فعلت. لا شك أنه ما حمله على هذا إلا الحماس، ثم أيضاً ليس هو وحده الذي كره ذلك، كل الصحابة كرهوا هذا الصلح، حتى إنه لما أمرهم بأن يحلقوا وبأن يتحللوا توقفوا، وقالوا: أنحلق قبل أن نكمل عمرتنا؟! فامتنعوا كلهم، فدخل النبي ﷺ على أم سلمة فأخبرها أنه يأمر ولا ينفذ أمره، فأرشدته إلى أن يخرج ويدعو الحلاق فيحلق رأسه، فلما رأوه بدأ يحلق رأسه أخذ بعضهم يحلق لبعض، فكراهيتهم لذلك كلهم يدل على أنهم يحبون أن يقاتلوا المشركين ولا يرجعوا قبل أن يكملوا عمرتهم، ومنهم عمر، ولكن الرافضة ما توجهوا إلا على عمر.

стр. 328

وفاة النبي وطعنهم في عمر بصرف الخلافة عن علي لما مرض النبي ﷺ زاره بعض أصحابه فأخذ يوصيهم بوصايا قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بما كنت أجيزهم، وسكت في الثالثة أو نسيها، وقال في تلك الحال: ائتوني بكتاب أكتب لكم عن كتاب لا تضلوا بعده) ، وكان في البيت أصوات، فقال عمر ﵁: إن رسول الله ﷺ قد تعب وشق عليه فدعوه وعندنا كتاب الله تعالى لا نضل بعده، فلم يكتب لهم، هكذا ورد الحديث عنه أنه قال: (عندنا كتاب الله) والرافضة قالوا: هذا حقد من عمر، أراد بذلك أن يصرف الإمامة عن علي، وإن الرسول لما طلب كتاباً ما أراد بذلك إلا أن يكتب الخلافة لـ علي، ولكن عمر لما فطن لذلك صرفهم عن الكتاب ومنع الرسول أن يكتب الكتاب، فجعلوا ذلك عيباً لـ عمر، ويذكر أن ذلك يذكره صاحب الكتاب الذي عنوانه (ثم اهتديت) ، وهو مغربي ضل لما زار الرافضة ونصرهم، وصاحب كتاب (المراجعات) ، وكذلك ابن المطهر. فالحاصل أنه في هذه الحال ما أراد إلا الرفق بالنبي ﷺ لما رآه متعباً مجهداً، وعلم أيضاً أن في الكتاب ما يدل عليه في كتاب الله تعالى، فهل يكون عليه عيب في هذا؟ نقول: لا شك أنه ليس عليه عيب، بل الأصل أنه ﵁ ما أراد إلا خيراً، ولم يرد أن يصرف النبي ﷺ عن شيء يريده، ثم أيضاً أهل السنة يقولون: إنه لو استخلف لما استخلف غير أبي بكر، ويدل عليه أنه استخلفه في الصلاة، وأنه قال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) ، وغير ذلك من الأدلة التي أشار إليها تدل على أن الخليفة بعده أبو بكر، فلو كتب كتاباً في الولاية لما ولى غير أبي بكر. إذاً الرافضة في قولهم: إن عمر أراد بذلك أن يحقد على علي، وإنه أراد بذلك صرفه عن أي وصية لـ علي هذا من بهتانهم وكذبهم. ولما توفي النبي ﷺ وتحقق موته أنكر ذلك كثير من الصحابة، ومنهم عمر، وظنوا أنه إغماء، فكان عمر يقول: لا تقولوا مات، إنه حي، وسيجلد أناساً قالوا ذلك. وما أرد بذلك إلا إحسان الظن، وأن الله تعالى سيمتعه حتى يعيش، وفي نظره أنه مغمى عليه وأنه لم يمت، ولكن الرافضة حملوا فعله هذا على محمل بعيد، فقالوا: ما أراد بذلك إلا أن ينشئ انشغالاً عن استخلاف علي حتى يأتي أبو بكر، وكان أبو بكر غائباً، فأراد بذلك أن ينشغلوا، وإلا فإنه متيقن بأنه قد مات وبأن الموت واقع لا محالة، ولكن لما خاف أنهم يقولون: إنه استخلف علياً، وإنه ولى علياً. أراد بذلك أن يشغلهم. وعلي لم يقل: إني خليفة. ولم يقل أحد: إنه خليفة. ولم يقل أحد: إنه إمام وإنه استخلفه أو ولاه. وأبو بكر أيضاً لم يقل: إني مستخلف. ولم يكن يطلب خلافة، ولكن يظنون الظنون البعيدة، فيحملون الكلام ما لا يطيقه وما لا يتحمله. ثم توفي النبي ﷺ ، وكان قد جهز جيشاً إلى الشام وأمر عليهم أسامة بن زيد، وأمر أن يكون فيهم أبو بكر وعمر، فلما توفي ﷺ كان أبو بكر قد استخلف وأصبح والياً على المسلمين، فلابد أن يجلس في المدينة، ومن الضروري أن يجلس معه عمر؛ لأنه معه كالوزير، أما الجيش فإنه جهزه أبو بكر وأرسله إلى الشام، فأغار على الدور ورجع سالماً غانماً، فجعلوا هذا أيضاً من المثالب، فقالوا: لماذا تخلفوا عن جيش أسامة؟ ما أردوا بذلك إلا أن يظلموا علياً حقه، وأن يبخسوه ويتولوا الولاية ويأخذوها عنه. ونحو ذلك، وكل هذا أيضاً من البهتان والكذب عليهم. فالحاصل أنهم بذلك وجهوا هذه المثالب إلى الصحابة ﵃ يريدون بذلك التشفي وتبرير مواقفهم ومعتقداتهم.

стр. 329

مكفرات الذنوب للصحابة معلوم أن الصحابة كغيرهم بشر ليسوا معصومين، فإذا قدر أن أحداً منهم وقع منه ذنب فنحمله على أنه قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثانياً: أن يكون عمل أعمالاً صالحة تمحو عنه ذلك الذنب. ثالثاً: أن يكون غفر لهم بفضل سبقهم إلى الإسلام وسابقتهم إليه، فيكونون أحق بأن تغفر لهم تلك الذنوب. رابعاً: أنها تغفر لهم بشفاعة النبي ﷺ ، فإنهم أولى الناس بشفاعته لكونهم أهل صحبته وأهل رفقته والاجتماع معه، فإذا كان هذا في الذنوب الحقيقية أنها تغفر له بالتوبة أو بالأعمال الصالحة، أو لسابق الإسلام، أو بالشفاعة، أو بالابتلاء والامتحان والمصائب التي حصلت عليهم، أو باستغفار السلف لهم ودعاء الأمة لهم -وإلى الآن وهي تترضى عنهم وتترحم عليهم- إذا كان هذا في الذنوب الحقيقية فكيف بتلك الأمور التي وقعت منهم وليست ذنوباً، ولكنها اجتهادات منهم ﵃؟! والاجتهاد معروض على النظر، فإن كانوا مصيبين فلهم أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن كانوا مخطئين فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؛ لأنهم لم يتعمدوه.

стр. 330

موقف أهل السنة من الفتن التي وقعت بين الصحابة نكف عما شجر بينهم ووقع من الخلاف، ولا نتأوله، ونكف عما حصل بينهم، وكذلك نكلهم فيما جرى بينهم على التأويل، ونلتمس لهم الأعذار، ونعتذر عما حصل بينهم، ولاشك أنه حصل بينهم شيء من الخلافات، ولكنها محمولة على الاجتهاد، فمثلاً الذين ثاروا على عثمان ليسوا من الصحابة، وإنما هم من جفاة الأعراب الذين انتقدوه في نظرهم انتقادات خاطئة، فكان من آثارها أنهم ثاروا عليه إلى أن قتلوه، والله يتولى جزاءهم. فيقال: أمرهم إلى الله تعالى. ورأيت في بعض نشرات الرافضة المعاصرين أنهم يفتخرون بأن شيعتهم الذين ثاروا على عثمان حتى قتلوه، فجعلوا أولئك الأعراب الجفاة شيعتهم، هكذا يدعون. وعثمان لما قتل ﵁ قتل في موسم الحج، وكان كثير من الصحابة بمكة، ومنهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأولاد الزبير وغيرهم، فلما سمعوا بخبر قتله قالوا لا بد أن نذهب حتى نقاتل أولئك الجفاة من الأعراب الذين في حدود العراق، فتوجهوا وذهبوا معهم بـ عائشة أم المؤمنين ومعهم جمع، ولما سمع علي ﵁ بذهابهم أهمه أمرهم، وذلك لأنه أحب أن تجتمع الكلمة ويجتمع المسلمون ويبايعوه جميعاً قبل أن يحصل هذا القتال، فلما بلغه أمرهم لم يجد بداً من أن يذهب في أثرهم إلى العراق، ولما تقابلوا هناك التف مع جيشه كثير من الثوار الذين لهم سبب في قتل عثمان ﵁، ثم اجتمعوا وتفاوضوا واتفقوا في مساء ذلك اليوم على أنهم سوف يقتلون قتلة عثمان كانوا رؤساء قبائل، فلما سمعوا بذلك قالوا: لابد في آخر الليل أن نوقع قتالاً بيننا وبين جيش طلحة. ودبروا هذه المكيدة في آخر الليل وأوقعوا القتال ونشبت الحرب واستمرت يوماً أو يومين، وكانت عائشة في وسط المعركة على جمل لها، وسميت تلك الواقعة (واقعة الجمل) وقتل فيها طلحة والزبير وخلق كثير، وهي من الفتن، بعد ذلك انصرفوا بعد أن حصل ما حصل. هؤلاء أيضاً معذورون، فـ علي ﵁ في هذا القتال لم يكن متعمداً، وما أراد بذلك إلا جمع الكلمة وردهم حتى يبايعوه، بعد ذلك مناصري عثمان والزبير وطلحة ومن معهم ما أرادوا القتال، لكن الذي دبره هم أولئك الثوار، إذاً فهم محمولون على أنهم مجتهدون فنعذرهم بذلك، ونقول: القاتل منهم والمقتول مجتهد. ولا نعيب أحداً منهم، ونكل أمرهم إلى الله تعالى. وبعد ما استقر أمر علي في العراق وبايعه أهلها واستتب له مر بلغه خبر أهل الشام الذين تحمسوا لقتل عثمان وجاؤوا بحدهم وحديدهم يريدون أن يقاتلوا قتلة عثمان، فالتقوا بموضع يقال له (صفين) ، وقالوا لـ علي: سلم لنا قتلة عثمان فقال: بايعوني، فإذا اجتمعت الكلمة عند ذلك نتمكن نحن وأنتم من أولئك القتلة ونقتلهم واحداً واحداً مهما كانوا. فامتنعوا فوقعت المعركة بين الفريقين أهل العراق وأهل الشام. تلك المعركة أيضاً معركة عظيمة حصل فيها من القتل خلق كثير، فنعذرهم أيضاً لذلك، فنقول: معاوية ومن معه مجتهدون في طلبهم للثأر، وعلي ﵁ ومن معه مجتهدون في طلبهم الأمان والبيعة. ونكل أمرهم إلى الله، فنكف عما شجر بينهم، ولا شك أن هذا من الفتن التي أخبر بها النبي ﷺ وبين أنها ستقع، وحث من أدركها على أن يبتعد عنها، وكان ممن اعتزل تلك الفتن: سعد بن أبي وقاص ﵁، فإنه انعزل وصار في البادية وصار يستوحش من الناس، حتى إنه كان ينشد بيتاً يقول فيه: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير يعني: إنني أستوحش بصوت الإنسان وأستأنس بالذئاب، وأستوحش من الناس مخافة أن يدخلوني في هذه الفتن. وجاء كثير منهم إلى عبد الله بن عمر واستجاشوه وأثاروه، وقالوا له: ألا تقاتل معنا والله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:١٩٣] ؟ فقال عبد الله ﵁: (قاتلناهم حتى لم تكن فتنة، وأنتم تقاتلون حتى تكون الفتنة) فالذين اعتزلوا الفتنة هم الذين حازوا الصواب، وعلى كل حال نحمل ما وقع منهم على التأويل ونكلهم إلى الله .

стр. 331

وصايا المصنف لأهل السنة والجماعة قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة أثناء كلامه على الصحابة ومحاسنهم وفضائلهم: [مع لزوم الجماعة والتعفف في المأكل والمشرب والملبس، والسعي في عمل الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإعراض عن الجاهلين حتى يعلموهم ويبينوا لهم الحق، ثم الإنكار والعقوبة من بعد البيان، وإقامة العذر بينهم وبينهم. هذا أصل الدين والمذهب، واعتقاد أئمة أهل الحديث الذين لم تشنهم بدعة ولم تلبسهم فتنة، ولم يخفوا إلى مكروه في دين، فتمسكوا معتصمين بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا عنه، واعلموا أن الله تعالى أوجب محبته ومغفرته لمتبعي رسوله ﷺ في كتابه، وجعلهم الفرقة الناجية والجماعة المتبعة، فقال لمن أدعى أنه يحب الله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ، نفعنا الله وإياكم بالعلم، وعصمنا بالتقوى من الزيغ والضلال بمنه ورحمته] . انتهى ما قاله ﵀.

стр. 332

الوصية الأولى: لزوم الجماعة في هذه الخاتمة وصايا، منها لزوم الجماعة، والمراد بالجماعة هنا جماعة المسلمين، وعبروا بالجماعة عن أهل الحق الذين هم على طريقة السلف وعلى طريقة النبي ﷺ ، ولو كانوا قلة في بعض الأزمنة، ولو كثر المخالفون لهم فإنهم الجماعة، وهم أهل الحق والصواب، يقول ابن القيم في النونية لما ذكر إجماع أهل الحق: هذا وسادس عشرها إجماع أهل العلم أعني حجةً الأزمان من كل صاحب سنة شهدت له أهل الحديث وعسكر القرآن لا عبرة بمخالف فهم ولو كانوا عديد الشاء والبعران فلا عبرة بمن خالفهم ولو كانوا أكثر من الشاء والإبل، إنما العبرة بمن كان متمسكاً بالحق وكان على السنة والطريقة المحمدية، هؤلاء هم أهل الجماعة ولو قلّوا في بعض الأزمنة، وذلك لأن قدوتهم سلف الأمة وصحابة النبي ﷺ . ورد في تفسير الفرقة الناجية قوله ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الجماعة) ، وفي رواية: أنهم الجماعة، أي: جماعة المسلمين وسوادهم. وورد أيضاً في تفسيرهم في سنن الترمذي وغيره: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) . إن الذين يتمسكون بما كان عليه النبي ﷺ وما كان عليه الصحابة ﵃ لا شك أن هؤلاء هم أهل السنة وهم أهل الجماعة، فهم الذين يلزم أن نتمسك بسيرتهم ونسير على نهجهم، ولا شك أن منهم أئمة الحديث، فإنهم أولى بأن يكونوا هم الجماعة وهم أهل السنة، وذلك لأنهم اشتغلوا بسنة النبي ﷺ ، واشتغلوا بمتابعة أوامره ونواهيه، فكانوا أولى بأن يتمسكوا بهذه السنة وبهذه الشريعة، لذلك أهل الحديث الذين جعلوه شغلهم لم يوجد فيهم مبتدع إلا ما ندر، وذلك لأن توغلهم في الحديث وسماعهم له يحملهم على أن يعملوا به ويتبعوه، لذلك نقول: الزموا السنة، وعليكم بسنة المسلمين، وعليكم بجماعة المسلمين. فإذا قيل: إن عندنا فرقاً وأحزاباً فأي الأحزاب أولى بأن يكونوا على الصواب قلنا: لا تنظروا إلى تلك الأحزاب، ولكن انظروا إلى أعمال هذه الأحزاب، فإذا كانت موافقة للسنة النبوية وللشريعة الإسلامية فاعملوا بها وكونوا معهم، فإذا كان هذا الحزب باطلاً فخذوا الحق الذي معه ودعوا الباطل. ومعلوم أنه في هذا الأزمنة كثرت الأحزاب حتى وصلت في بعض الدول إلى مائة حزب، أحزاب متعددة، وكل حزب يتسمى باسم، فننظر من هم أهل الجماعة من تلك الأحزاب ونتبعهم ونؤيدهم، ونصوب رأيهم، ونأخذ من كل حزب ما معه من الحق ونصوبه، ونقول: أصبتم في هذا وأخطأتم في هذا، وهذا الخطأ عليكم أن تتركوه. كذلك أيضاً إذا رأينا تلك الأحزاب وعرفنا أن أهدافهم ما هي إلا الحق وقصد الخير ونصر الدين حرصنا على أن نجمعهم ونقرب بينهم، ونبين لهم أنه لا خلاف بينهم ما دام كل منهم قصده الحق والصواب، فإذا رأينا -مثلاً- حزباً من الأحزاب يتسمى بأهل السنة شجعناهم، ولكن نحثهم على أن يتمسكوا بالسنة، وإذا رأينا حزباً آخر يسمى بأهل التوحيد شجعناهم وقلنا لهم: نعم ما تسميتم به، فتسموا بهذا وحققوا الاسم ووحدوا الله تعالى وأطيعوه. وإذا رأينا حزباً آخر يتسمى أنصار الدين. قلنا: هذه تسمية جميلة طيبة تنصر الدين. وإذا رأينا حزباً تسمى بأهل الإصلاح قلنا: نعم ما فعلتم، فاحرصوا على الإصلاح، وحققوا دينكم، وأصلحوا بين إخوتكم. وإذا رأينا جماعة يتسمون بأهل الدعوة قلنا: نعم ما فعلتم، فأنتم أهل دعوة، ولكن تكون دعوتكم إلى حقيقة الإسلام، وإذا رأينا من يتسمى بأئمة السلف أو أهل السلف أو أتباع السلف. قلنا: نعم ما فعلتم من هذا، ولكن عليكم أن تحققوا ذلك الاتباع، وأن تكونوا من السلف حقاً متبعين لهم، وهكذا بقية الفرق. ثم لا شك أنه قد يحصل بين هذه الأحزاب شيء من التفرق ومن الاختلاف، فنحثهم على أن يتقاربوا وأن لا يكون بينهم شيء من الشنآن ولا البغضاء والأحقاد حتى يجتمعوا وتكون كلمتهم واحدة؛ فإن ذلك أهيب لهم، وأقوى لمعنوياتهم، ويكونون مهابين عند الأعداء والمبتدعة. فالمبتدعة إذا رأوا كلمة أهل السنة والجماعة واحدة واتفاقهم ودعوتهم إلى شيء واحد هابوهم، ولم يتجرؤوا على أن يردوا عليهم ولا أن يضللوهم أو يبدعوهم. إذاً فنحن نقول: هنيئاً لكم أيها الجماعة، أنتم أهل السنة وأنتم أهل الجماعة، فاجتمعوا حتى تكونوا إخوة هدفكم واحد، كلكم طلبتم الحديث والعلم، وكلكم على عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات والأفعال وأركان الإسلام وأركان الإيمان وأسماء الإيمان والدين وفي الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومتبعون للحق مع من كان لا تقولون ببدعة من البدع، وتتبرؤون من المبتدعة من جبرية وقدرية ومرجئة وأشعرية ومعتزلة ورافضة وصوفية أو قبوريين، تتبرؤن منهم جميعاً وتحقدون عليهم، إذاً فما الفرق بينكم؟ دعوا هذه الفروق اليسيرة التي تدعون أنها مخالفات، وتقاربوا فيما بينكم، واصطلحوا على أن تكون همتكم وأهدافكم واحدة حتى لا يقع التفرق الذي هو تحزب يؤدي إلى الاضطراب، فإن الله تعالى يعيب الذين يتحزبون، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ البينات﴾ [آل عمران:١٠٥] ، ﴿مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] ذم لهم على هذه الأفعال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١] ، فالحاصل أن لزوم الجماعة يستلزم التمسك بالسنة الحقة.

стр. 333

الوصية الثانية: التعفف في المأكل والمشرب في الحقيقة هذه الوصايا عظيمة، ولو أعطيناها حقها لكانت كل وصية تعتبر درساً، وذلك لأنه جمع فيها مثل هذه الإرشادات العظيمة. والتعفف في المأكل والمشرب والملبس يريد به الاقتصار على الحلال والبعد عن الحرام والبعد عن المشتبه، ومعلوم أن التعفف معناه: التورع. وذلك لأن الكسب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: حلال صريح، وحرام صريح، ومشتبه، وقد ذكر ذلك النبي ﷺ في حديث النعمان المشهور: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) ، لذلك أمرنا بالتعفف في المأكل والمشرب والملبس، أي أني لا أقدم على الشيء الذي أخشى أن يكون فيه شبهة وأن يكون من الحرام، بل أبتعد عنه حتى يسلم ديني، وذلك لأن التغذي بالحرام يكسب البدن سوء تغذية، فإذا تغذى بهذا الحرام أو بهذا المشتبه تغذى بدنه على شيء محرم مما يكون سبباً في عدم قبوله للنصائح وعدم انصياعه للأوامر والإرشادات وما أشبه ذلك، فيقال: هذا لا تؤثر فيه الموعظة. هذا لا يقبل النصيحة. هذا لا يتأثر بالإرشادات ولا بالنصائح ونحوها. والسبب هو أن لحمه نبت على سحت وتغذى بحرام فأثر ذلك في قسوة قلبه وصدوده عن الخير. إذاً فالتعفف سبب لين القلب، وكذلك الاقتصار على الحلال سبب لرقته ولإقباله على الله ولتقبله النصائح والعظات.

стр. 334

الوصية الثالثة: السعي في عمل الخير الخير هو كل شيء محبوب عند الله تعالى، ولا شك أيضاً أن النفوس المطمئنة والطيبة تعرف الخير والشر بطبعها وإن لم يكن عليه نصٌ، ولكن هناك نفوس منتكسة، وبسبب المعاصي والخلافات انتكست تلك النفوس، فأصبحت ترى الشر خيراً والخير شراً، وترى الطيب خبيثاً والخبيث طيباً، أما النفوس المطمئنة الطيبة فإنها تعرف عمل الخير، ولا حاجة إلى التوسع في ذلك، فالخير هو كل ما يحبه الله تعالى، فالإحسان إلى الناس من الخير، ونصيحتهم من الخير، ودلالتهم على الله تعالى وإرشادهم إلى ما ينفعهم من الخير، وكذلك التوسعة عليهم ونفعهم وإرشادهم وإعانة الضعيف منهم وتجهيز المنقطع والصدقة عليهم، والتوسعة على الفقير والعاجز ونحوه، والشفاعة لمن يستشفع أو يطلب شفاعة، وكذلك أيضاً كف الشر والذب عنهم بدلالتهم على الشر وتحذيرهم منه، كل هذا داخل في السعي في عمل الخير، وعبر بالسعي؛ لأن السعي في الأصل هو شدة المشي وقوة المسير، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، ولكن السعي هنا سعي عملي، بمعنى أن الإنسان يسعى في عمل الخير، فإذا سعى في جمع المال الطيب سعى في تفرقته وتوزعته على المستحقين صار في وجه البر والخير، وإذا سعى في إصلاح المسلمين وسعى في التأليف فيما بينهم وإزالة ما عندهم وبينهم من الشحناء والبغضاء ونحو ذلك كل ذلك سعي في عمل الخير.

стр. 335

الوصية الرابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أيضاً من واجبات الإسلام، والتوسع فيها لا مناسبة له. والمعروف هو ما أمر الله به ورسوله. والمنكر هو ما نهى الله تعالى عنه ورسوله، وسمي هذا معروفاً لأن النفوس الطيبة تعرفه وتألفه، وسمي هذا منكراً لأن النفس الطيبة تنكره وتستقبحه، فكل شيء تستقبحه النفوس الطيبة فإنه من المنكر، فيقال -مثلاً-: المسكرات من المنكرات، والفواحش من المنكرات كالزنا ومقدماته. ويقال: التبرج والاختلاط الذي يؤدي إلى فساد هذا من المنكرات، ويقال أيضاً: إن السباب واللعن والغيبة والنميمة والتنقص والسخرية والاستهزاء بالمسلمين وما أشبه ذلك من المنكرات. كما يقال: إن أضدادها من المعروف، فالإحسان إلى الناس ومدحهم، وإيصال الخير إليهم، والنصيحة لهم ودعوتهم إلى الله في الصلوات والمساجد وعمارتها كل ذلك من عمل الخير والمعروف، وكذلك ذكر الله تعالى، وتلاوة الكتاب، ودعا الله تعالى وإخلاص الدين له، وتعلم العلم وتعليمه والعمل به ونشره وما أشبه ذلك من المعروف. ثم الأمر يستدعي الإلزام، فإنك إذا أمرت فإنك تأمر بإلزام أو بإرشاد، فتارة تقول: أيها الإخوة! أيها المسلمون! أدعوكم إلى كل معروف، أدعوكم إلى أن تكونوا متحابين متوادين في ذات الله تعالى، أدعوكم إلى أن تكثروا من ذكر الله تعالى وتلاوة الكتاب، وأنهاكم عن المنكرات فلا تشربوا دخاناً ولا مسكراً، ولا تسهروا على لعب، ولا تستمعوا إلى غناء وباطل ونحو ذلك، فكل هذا من المنكر.

стр. 336

الوصية الخامسة: الإعراض عن الجاهلين وذلك حتى يعلمهم ويبين لهم الحق، قال الله تعالى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ، فما دام أنهم جاهلون فأعرض عنهم حتى يتبين لهم الحق، ويتبين لهم أنهم على غير الحق، فإذا علمتموهم بعد ذلك فألزموهم، فبين ثم الإنكار والعقوبة يكونان بعد البيان وإقامة الحجة عليهم، ومنهم الجهلة الذين يصدر منه بعض الأشياء التي تدل على جفاء وإعراض ونحو ذلك، فهذه الكلمات تدل على أنهم جهلة، كما في قصة ذلك الأعرابي - عيينة بن حصن - حينما دخل على عمر ﵁، وكان في عهد النبي ﷺ من قادة العرب وأشرافهم، وكان يتألفهم ويعطيهم من المال ما يتألفهم به، فلما قوي الإسلام في عهد عمر جعلهم كأفراد الناس، فجاء ودخل على عمر ﵁ وهو خليفة المسلمين فقال له: هيه يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. فـ عمر ﵁ أغضبته هذه الكلمة، وكان عنده الحر بن قيس، وهو ابن أخي عيينة، فقال: يا أمير المؤمنين! إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ، وإن هذا من الجاهلين. قال: فو الله ما جاوزها عمر، وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى.

стр. 337

معنى الإعراض عن الجاهلين ذكر المؤلف في الوصايا التي ختم بها عقيدته الإعراض عن الجاهلين. والمراد بالإعراض عنهم عدم عتابهم وعدم الأخذ عليهم ما داموا جاهلين، ولكن لابد أن نعلمهم حتى يزول الجهل، ولا نتركهم على جهلهم، ولا نعرض عنهم دائماً، بل نبدأ بتعليمهم ونوصيهم بالتعلم، ولكن إذا أصروا وعاندوا ولم يقبلوا فإن الإعراض عنهم أولى حتى يشعروا من أنفسهم بالنقص، قال الله تعالى في صفة بعض أوليائه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] ، هكذا حكى الله عن بعض أوليائه، واللغو هو الذي يسمعونه من الكلام الباطل أو السيئ الذي يعمرون به المجالس من خوض فيما لا فائدة فيه ولا أهمية له من صياح ولغط ونحو ذلك، فأولياء الله الصالحون إذا سمعوا هؤلاء اللاغين أعرضوا عنهم، ثم نصحوهم وقالوا: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ ، أي: نحن بريئون منكم ومن أعمالكم التي منها هذا اللغو ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ، وهذا دليل على أن أولئك الذين يخوضون في اللغو جاهلون. وكذلك أيضاً أمر الله تعالى نبيه ﷺ ثم أمر المؤمنين بالإعراض عن مجالس اللهو والباطل والاستهزاء والسخرية وما أشبهها، فأنزل على محمد ﷺ : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] . يعني: إذا لم تستطع أن تردهم وترشدهم وتهديهم إلى الصراط السوي وتدلهم عليه وتصرفهم عن هذا الخوض في آيات الله باستهزائهم بها فاجتنبهم ولا تجلس معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وهذه الآية نزلت في مكة خطاباً للنبي ﷺ ، وكان الخطاب -بغير شك- يعم جميع المؤمنين، فكأن المؤمنين لم يعملوا بها أو بعضهم، فعاتبهم الله في سورة مدنية فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠] ، فعاتبهم عتاباً أشد من العتاب الأول بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ يعني: إذا جلستم معهم وهم يخوضون في آيات الله فإنكم تكونون شركاء لهم في هذا الاسم. فهذه الآية عامة، فإذا جلست مع أناس في مجلس ورأيتهم يستهزئون ويسخرون بالملتزمين وبأهل الدين، أو يسخرون ببعض شعائر الإسلام ويلوكون بها ألسنتهم ويتنقصون بعض الشعائر وبعض أهل الخير ويعيبونهم بكذا وكذا، ويعيبون أهل الدين بجهلهم به كما عابت الكفار من جاء من مضر بأنهم رجعيون لم يتمسكوا بنص من الوحيين جاء به الأثر، فهؤلاء إن قدرت على أنك ترد عليهم وتبطل ما يقولونه وتقنعهم بأنهم على شر وأن عملهم عمل سيئ فإنك تفعل، أما إذا لم تقدر على ذلك فقم عنهم، وقل: إني بريء منكم لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمله وأنا بريء مما تعملون. فقم عنهم واترك مجالستهم حتى تسلم من الإثم ولا تعمك هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ . فالحاصل أن الله تعالى أمر بالإعراض عن الجاهلين حتى يتعلموا ويُبين لهم الحق، فإذا أصروا على جهلهم وعنادهم فيجب الإنكار عليهم، والعقوبة بعد البيان، وذلك لأنهم بعد البيان إذا أصروا على التجاهل كانوا ليسوا بجهلة ولكنهم مارقين. والناس من حيث العموم أربعة أقسام، كما ذكروا ذلك عن الخليل بن أحمد، ذكروا أنه كان مرة يُقطع أبياتاً من الشعر، فاستهجنه ابنه فقال لتلامذته: إن أبي أصابه هوس أو جنون. فدخلوا عليه فذكروا ذلك له، فقال: الناس أربعة: الأول: عالم ويدري أنه عالم، فهذا كامل فسودوه. الثاني: عالم ولا يدري أنه عالم، فهذا غافل فنبهوه. الثالث: جاهل ويدري أنه جاهل، فهذا مسترشد فأرشدوه. الرابع: جاهل ولا يدري أنه جاهل، فهذا مارق فاتركوه. وهو شر الأقسام، ويسمى الجاهل المركب الذي يكون جاهلاً ويدعي أنه عالم، يقول بعضهم في وصفه: لما جهلت جهلت أنك جاهل جهلاً وجهل الجهل داء معضل ويقول الآخر: ومن أعجب الأشياء أنك لا تدري وأنك لا تدري بأنك لا تدري تعتقد أنك عالم وأنت في الحقيقة جاهل، وبين الجاهلين تقلب. فالحاصل أنا نعرض عن الجاهلين حتى يتعلموا ويبين لهم الحق، فإذا تعلموا وبُين لهم الحق ففي ذلك الوقت لا نتركهم، بل نُنكر عليهم ونعاقبهم ونقيم العذر بينهم، ونأخذ الحق منهم، وما دموا جاهلين فإننا نرشدهم ونعلمهم.

стр. 338

الأسئلة

стр. 339

رد الاحتجاج بتقديم علي على عمر لأسبقيته بالإسلام السؤال إذا احتج الرافضة على تقديم علي على عمر رضي الله تعالى عنهما بأن علياً أسلم قبله بل هو من السابقين إلى الإسلام فكيف نرد عليهم؟ الجواب لا يلزم أن يكون أولى بالخلافة منه؛ لأن الخلافة لها أهل يناسبونها، والإسلام له فضل، فـ علي ﵁ بسبقه هذا له فضيلة السبق، ولكن معلوم أن الخلافه تستدعي حزماً وقوة وأهلية، فإذا رأى أبو بكر ﵁ أن عمر أولى أن يكون هو الخليفة لذلك فإنه رأي له وجهه. ثم أيضاً نقول: لما أسلم عمر ﵁ كان إسلامه فتحاً؛ إذ لما هداه الله تعالى ودخل في الإسلام انتصر المسلمون، أما علي ﵁ فقد أسلم وهو صبي ابن ثمان سنين أو عشر، وأما عمر فأسلم وهو رجل، ولما أسلم كان الصحابة الذين أسلموا قبله نحو الأربعين وكانوا مختفين في دار الأرقم، فقال عمر علاما نختفي؟ ألا نخرج؟ نحن أولى بأن نخرج وبأن نظهر ديننا. فخرجوا في صفين في أحد الصفين حمزة وفي الصف الثاني عمر، فاستاء المشركون لما رأوا قوتهم، ثم لما استخلف ﵁ كانت خلافته نصراً وأدى حزمه وقوته إلى انتصار المسلمين بسبب تجهيزه وتدبيره لهم في تلك المعارك. ثم بعد إسلامه حاز فضلاً، فكان قريناً للنبي ﷺ لا يفارقه في سفر ولا حضر، حتى شهد له علي لما دفنه بجانب أبي بكر مع النبي ﷺ ، يقول علي ﵁: (لقد ظننت أنهما سيدفنان إلى جانبه لأني كثيراً ما أسمع بالنبي ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) فدائماً كانا مرافقين له وقرينين له. إذاً فهو له هذه المزية، وله هذه الأهلية التي جعلته وزيراً خاصاً للنبي ﷺ .

стр. 340

رد الاستدلال على كفر الصحابة بحديث: (لا ترجعوا بعدي كفاراً) السؤال يستدل الرافضة على كفر الصحابة -على حد زعمهم- بأدلة، منها قول النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) . الجواب هذا الحديث قاله ﷺ في حجة الوداع، ومعلوم أن هذا في حق المستحلين، ولو كان على ظاهره لكان أول من قاتل علي، ومعناه أن علياً قد وقع في هذا الوعيد؛ فإنه أول من وقع منه هذا القتال في معركة الجمل، فنحن نحمل الذين تقاتلوا في موقعة الجمل مع علي والصحابة الذين مع الزبير وطلحة من الصحابة والتابعين وغيرهم نحملهم على أنهم متأولون لم يستحلوا ذلك، فالحديث محمول على الاستحلال، وأيضاً فقد ثبت أنه ﷺ قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) ، فهذا يدل على أنه يقتله لأجل نفس القتل لا لأجل أمر آخر، وعلى كل حال فهذا عليهم لا لهم؛ لأن أول من بدأ بالقتال في هذه المعركة علي ومن معه.

стр. 341

لزوم الحق وترك التفرق السؤال توجد في بلادنا كثير من الأحزاب، ومعلوم الخلاف بينهم وما هم عليه من التفرق، فهل لا بد لي من الانضمام إلى أحد الأحزاب، أم أعتزلها جميعاً وأحاول أن أنهج منهج النبي ﷺ والصحابة؟ الجواب حاول أنت ومن معك أن تزيل ما بينهم من الخلاف وتنظر في مناهجهم وأعمالهم، فالحزب الذي يزين التوسل بالقبور والصلاة في المقابر ونحو ذلك هذا اجتنبوه، والذي يدعو إلى الثورات وإلى الخروج على المسلمين وتكفيرهم كما تفعل الخوارج اجتنبوه أيضاً، والذي يعتقد ما تعتقده المبتدعة كإنكار صفات الله تعالى وصفات الكمال ووصفه بصفات النقائص ونحوها اجتنبوه، والذي ينكر شيئاً من تعاليم الإسلام كمن ينكر الاجتماع على الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يقول بخلق القرآن، أو ينكر صفة الكلام لله اجتنبوه إذا لم يرجع، وهكذا بقية الأحزاب التي عندها منكر، فإن كانوا كلهم موحدين وكلهم يعتقدون صفات الكمال لله، ومؤمنين باليوم الآخر وبما يكون فيه، وينكرون عبادة الأموات ودعاءهم من دون الله، وينكرون على من يقول بخلق القرآن أو يقول بأن الإيمان مجرد التصديق أو ما أشبه ذلك فلتحرص على أن تجمع بينهم حتى يصيروا جماعة واحدة وينسون ما بينهم من الخلاف، وأما إذا رأيت أنهم متمسكون بمذاهب باطلة فالزم الحق واعمل به ولو كنت وحدك.

стр. 342

مناصحة الرافضة السؤال هل ينصح أهل السنة الرافضة ومجادلتهم أم بتركهم وعدم الالتفات إليهم؟ الجوب: أما كبارهم والمسنون منهم فالعادة أنهم متمسكون بمذهبهم ويصعب ردهم، وأما شبابهم الذين درسوا في المدارس الحكومية واختلطوا بالمدرسين وبزملاء من أهل السنة فهؤلاء يمكن أن يتقبلوا، فلا بأس بعرض الحق عليهم وبيانه، فإن قبلوا وإلا قامت عليهم الحجة، ولو أظهروا القبول ظاهراً نكل أمرهم إلى الله، ثم نعتقد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

стр. 343

حكم أخذ ما زاد على القبضة من اللحية السؤال ظهرت في هذه الأيام ظاهرة انتشرت بين بعض الشباب الملتزم، وهي ظاهرة تقصير اللحية، وإذا أنكر عليه أحد قال: إن هذا وارد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ حيث إنه كان يأخذ ما زاد عن القبضة، وابن عمر معروف عنه شدة حرصه على الالتزام بالسنة وفعلها، فما هو التوجيه في هذا؟ الجواب قد قال بذلك كثير من العلماء، وقالوا: يجوز أخذ ما زاد على القبضة، ولكن الصحيح أنه لا يجوز، وابن عمر ما فعل ذلك إلا عند التحلل من عمرته، يقبض على لحيته ويأخذ ما زاد على القبضة، وهو متأول قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ، فرأى أن هذا من التقصير الذي أمر الله به أو ندب إليه، ولكن هذا فعل اجتهاد منه. فنقول: أولاً: لم يكن ابن عمر يفعل هذا الفعل دائماً، وإنما يفعله إذا تحلل من عمرة أو حج. ثانياً: ابن عمر متأولٌ الآية، وقد تبين أن الرأس خص بما يستر بالعمامة، وأن اللحية والعارضين من الوجه فلا يدخلان في الرأس، ولو تأول من تأول. ثالثاً: العمل برواية صاحب هذا الرأي، فـ ابن عمر من رواة حديث: (اعفوا اللحى) ، فالعمل بروايته أولى من العمل برأيه، ورأيه محض اجتهاد، وعلى كل حال فهذا هو القول الصواب الذي تؤيده الأدلة.

стр. 344

حكم الذهاب إلى الكهنة والعرافين السؤال إن أبي مريض منذ سنوات، وهو يطالبني أن أذهب به إلى الكهنة والعرافين، أو أن أعطيه مبلغاً من المال ليذهب إليهم، وأنا أنهاه ولم أوافقه، فبماذا تنصحونني؟ الجواب ننصحك بأن تقنعه بأن هذا لا يجوز، فقد ورد فيه الوعيد الشديد: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ، ثم احرص على أن تعالجه بالعلاج النافع عند الأطباء المعتبرين، أو القراء المخلصين الذين يستعملون القراءة النافعة بكتاب الله تعالى، أو بالأدعية النافعة، فإما أن تستعمل الأدوية المباحة عند أهل العلاج، وإما أن تستعمل القراءة المفيدة عند من يعلمها، وأما الكهنة ونحوهم فإياك وإياهم.

стр. 345

كيفية حساب من جمدت أجسامهم في الثلاجات السؤال بعض الأموات يبقى في ثلاجة الأموات سنة أو أقل أو أكثر للتحقيق أو غير ذلك، فهل يحاسب وهو على وجه الأرض، وإذا حوسب فكيف يعذب، وهل يجوز هذا الفعل؟ الجواب لا شك أنه بعد موته وإن لم يدفن ولو بقي في ثلاجة أو نحوها أنه يجري عليه حساب الله، وذلك لأن حساب البرزخ يجري على الأرواح ولو كان الجسد قد فني، ولو كان الجسد مثلجاً أو محفوظاً أو نحو ذلك، والحكم يبقى على أن الروح هي التي تتألم أو تتعذب، وأما الجسد فإنه وإن كان قد تلبس أو صار فيه هذا الأمر الذي هو كونه مثلجاً أو نحو ذلك لا يتأثر ظاهراً ولو تأثر باطناً خفياً، فالله أعلم بكيفية ذلك.

стр. 346

شرح اعتقاد أهل السنة [١٧] ختم المؤلف ﵀ هذه الرسالة بأمور هي كالنصيحة لأهل السنة والجماعة، وهي نصيحة جامعة ووصية فذة مفيدة لمن عمل بها، أولها: أن العقيدة أساس الملة وأصل الدين، وثانيها: أن أهل الحديث كلهم متفقون على عقيدة واحدة، وهي التي تنبع من نصوص الكتاب والسنة، وثالثها: أن أهل السنة لا يسارعون إلى المعاصي، متمسكون بحبل الله المتين الموصل إلى مرضاة الله وجناته جنات النعيم، متبعون في التمسك به هدي نبيهم ﷺ .

стр. 347

العقيدة أصل الدين وأساس مبناه قال المصنف ﵀: [هذا أصل الدين والمذهب] . جميع ما تقدم في هذه الرسالة جعله أصلاً، وأنت تعرف أن الأصل هو الأساس؛ لأنه الذي يُبنى عليه غيره كأساس الحائط والعمود، فإنه إذا تأصل وثبت تحمل ما يبنى عليه، وأما إذا كان على شفا جرف هار فإنه يسقط، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة:١٠٩] ، والجرف: هو ما يحفر في السيل، فإذا كان الإنسان بنى جداره قريباً من مجرى السيل، وجاء له السيل فحفر تحته وحمل التراب الذي تحته يبقى الجدار متعلقاً فيسقط، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:١٠٩] ، وهو مثال. فيقول: إن هذه القواعد وهذه العقائد هي أصل الدين -يعني: أساسه، ولاشك أن الأصل له فروع، فإذا ثبت الأصل واستقر فإن الأصول لها فروع تكون تابعة لها ومكملة، ولا شك أن من حافظ على الأصول حرص على الفروع، فمن عرف الله تعالى حق المعرفة، وآمن بقدرته وبعلمه وبسمعه وبصره وبعذابه وثوابه وبمنعه وعطائه، وتحقق بأنه قادر على أن يبطش بالعاصي وينزل به عقوبته، وبأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وآمن بالبعث بعد الموت وما يكون فيه لا شك أنه تنبعث جوارحه إلى الطاعات، فهذا معنى كونه على أصل وأساس تنبعث جوارحه، فيبادر إلى الصلوات ويكثر من نوافل العبادات، ويكثر من ذكر الله تعالى في كل الحالات، ويؤدي الصدقات والزكوات وما أشبهها، ويكثر من صيام التطوعات وما أشبهها، ويحج ويعتمر ويجاهد ويذكر الله ويدعوه ويتصدق، ويدعو إلى الله تعالى ويتعلم ما ينفعه ويتدبر كتاب الله، لأن هذا الإيمان والأصل الأصيل الذي امتلأ به قلبه دفعه إلى هذه الأعمال كلها. وكذلك أيضاً لابد أنه يبتعد عن الآثام وأنواع الإجرام إذا علم وتحقق أن ربه شديد العقاب وأنه سريع الحساب وأنه عزيز ذو انتقام وأنه يغضب على من عصاه وينتقم منه حرص على أن يبتعد عن المعاصي. إذاً فالأصل الأصيل هو العقيدة، وإذا ثبتت هذه العقيدة فالفروع التي تتفرع عنها تابعة لها مستلزمة لها. وأما المراد بالمذهب فهو ما قال به إمام مجتهد ومات وهو عليه، فيسمى مذهباً له، ولكن معروف أن أئمة أهل السنة كلهم متفقون على العقيدة، وليس بينهم اختلاف في العقيدة، فمذهبهم في العقيدة واحد، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.

стр. 348

أهل الحديث متفقون على عقيدة واحدة قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعتقاد أئمة أهل الحديث] . أي أن هذا الأصل وهذا المذهب هو معتقد أئمة الحديث، وخاصة أهل الحديث؛ لأنهم أولى بالاتباع، واشتغالهم بالحديث وتكرارهم له وروايتهم له وحفظه وكتابته ونسخه وسفرهم في طلبه وحرصهم على جمعه وتبويبه وترتيبه وتنسيقه وشرح غريبه وصحيحه من سقيمه ونحو ذلك هذا الاجتهاد الذي بذلوه في الحديث مكنهم من أن يعتقدوا الاعتقاد الصحيح، فغيرهم ليس مثلهم، فإذا نظرنا إلى أولئك المبتدعة الذين خالفوا في هذه العقيدة وجدنا سبب ذلك عدم اشتغالهم بالحديث، وإذا اشتغلوا به فإنما هو اشتغال أولي ومُجرد نظر وسماع دون أن يكون ذلك شغلهم الشاغل. فأئمة الحديث كـ البخاري ومسلم والإمام أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والإمام مالك، ومن قبلهم كـ شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرزاق بن همام ومحمد بن رافع وأشباههم هؤلاء جعلوا الحديث شغلهم الشاغل، صاروا يشتغلون به ليلهم ونهارهم لا يفترون ولا يملون، ويسافرون لأجل أن يتلقوا الأحاديث، ويحرصون على أن يأخذوها عن كبار السن، ويكتبونها ويجمعونها ويؤلفونها. فنقول: إنهم بذلك أهل لأن يكونوا أهل السنة والفرقة الناجية وعلى الطريقة المستقيمة، وعلى مثل ما عليه السلف والأئمة والصحابة والتابعون. قال المصنف ﵀: [لم تشنهم بدعة ولم تلبسهم فتنة] . البدع غالباً في غير أهل الحديث؛ لأننا إذا نظرنا إلى أولئك المبتدعة وجدناهم بعيدين عن الحديث، فمثلاً: بدعة التكفير التي هي بدعة الخوارج الذين يكفرون لا يعترفون بالأحاديث إنما يعكفون على القرآن، ومعلوم أن القرآن فيه مجملات، وهذه المجملات تحتاج إلى البيان من النبي ﷺ ؛ لأن الله كلفه بذلك بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، فلما اقتصروا على القرآن، وأخذوا بمجمله وبظواهره كفّروا بالذنوب، واستباحوا الخروج على المسلمين، وقتلوا الأبرياء، ولو كانوا من أهل الحديث لسمعوا حرمة قتل المسلم والتبديع في ذلك: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث) ، (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ، (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) لم يسمعوا بهذه، وإذا سمعوا بهذا لا يقبلوه. كذلك أيضاً بدعة القدرية الذين أنكروا علم الله تعالى، لم يسمعوا بالأحاديث التي فيها علم الله السابق، مثل حديث: (أول ما خلق الله القلم) ، وما أشبهه من الأحاديث، ولم يؤمنوا بقوله ﷺ : (ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم مقعدها من الجنة والنار) ، وكذلك الإيمان بقدرة الله تعالى، ما قبلوا ذلك ولم يشتغلوا به. وكذلك أيضاً بدعة المعتزلة الذين أنكروا صفات الله تعالى وسموا ذلك توحيداً، ولو أنهم تأملوا الأحاديث كأحاديث النزول والرؤية، وصفات الأفعال، وصفات العلو التي ذكر فيها أن الله تعالى في السماء وما أشبه ذلك، ولو كانوا يشتغلون بالأحاديث لتقبلوها. كذلك أيضاً يقال في الرافضة: إنهم لم يشتغلوا بالأحاديث، وتسلطوا على الآيات التي فيها فضل الصحابة وانشغلوا بها عن الأحاديث، وأعرضوا عن السنة، وإلا فلو تأملوا الأحاديث التي في فضل الشيخين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم لو تأملوا ما فيها لما صدوا عنها، ولعرفوا أنها حق ويقين، وأنها تدل على فضلهم ومزيتهم، ولكن لما لم يشتغلوا بها بقوا على جهلهم واعتقدوا ما اعتقدوه، ولو أن متأخريهم اشتغلوا بها، ولكن بعدما وقرت تلك البدعة في قلوبهم. ويقال كذلك في بقية البدع: إن من شانته البدعة ولبسته الفتنة فإنه ليس من أهل السنة، وليس من المتمسكين بما كانوا عليه، فالبدعة لا شك أنها تلبس أهلها والفتنة كذلك تلبسهم وتعمهم، ولا شك أنها أيضاً تحرفهم وتصرفهم وتصدهم عن الهدى.

стр. 349

أهل السنة لا يسارعون إلى مكروه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولم يخفوا إلى مكروه في دين] . يقال: خف فلان إلى الذنب. خف فلان إلى الغيبة. وخف فلان إلى النميمة. أي: أسرع إليها، كما يقال: خف إلى سماع الغناء واللهو والباطل وفعل الفواحش والنظر في المنكرات. فهؤلاء الذين وصفهم ما خفوا إلى المكروهات بل حجزوا أنفسهم، ولو كانت تلك المكروهات هي شيء من الدوافع النفسية، ولو كانت تشتهيها الأنفس وتتلذذ بها الأعين، ومعلوم أن الله تعالى حف النار بالشهوات، يقول في الحديث: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) ، فالذي يندفع مع تلك الشهوات يكون من أهل النار، مثل الزنا المحرم، والغناء الذي يلتذ به، والنظر إلى الأفلام والصور الفاتنة، والنظر إلى النساء المتبرجات، والكبر، والإعجاب، والبطش، وأكل الأموال بغير حق، والسلب والنهب، والقتل، والاستطالة على الناس، وما أشبه ذلك، إذا عرف أن هذه الشهوات تدفعه إلى مكروه وإلى ما لا يحبه الله تعالى فإنه لا يخف إليها، بل يحجز نفسه ويملكها ويمسك بزمامها ويصرفها إلى الحق والخير، ولو كان الخير ثقيلاً على النفس، فمعلوم أن الطاعات تكون ثقيلة على كثير من النفوس وإن كانت خفيفة على أهل الخير، فقد ذكر الله تعالى أن الصلاة ثقيلة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] .

стр. 350

وجوب الاعتصام بحبل الله قال المصنف رحمه الله تعالى: بعد ذلك يوصيكم فيقول: [فتمسكوا معتصمين بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا عنه] . كأنه يأخذ ذلك من الآية الكريمة في سورة آل عمران: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] إلى قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] . والتمسك: هو الإمساك بالشيء القوي الذي يكون سبباً في النجاة، والحبل في الأصل: هو الخيط الذي يُدلى به الدلو، ويفتل بليف أو نحوه، ثم يدلى به الدلو في الآبار ويُغترف به الماء ونحوه، وقد يكون هذا الحبل سبباً في الخروج من الأزمات والمهاوي والحفر والدركات النازلة ونحو ذلك. فشبه الله تعالى القرآن والسنة والدين بالحبل الذي دُلي من السماء، وروي في بعض الأحاديث أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إني رأيت حبلاً دُلي من السماء فصعدتَ فيه حتى علوت، ثم صعد به رجل بعدك حتى ارتفع عليه، ثم صعد به رجل ثالث فارتفع، ثم صعد به آخر فانقطع، ثم إنه عقد فصعد به حتى ارتفع) ، فأَوّلَ ذلك بالخلفاء الثلاثة بعده، وأنه يأتي عثمان وقد قُطع عليه؛ حيث إنه عاقه هؤلاء الذين عابوه، فجعل هذا الحبل حبلاً واضحاً حسياً وهو في الحقيقة حبل معنوي، أي أنه وسيلة إلى الصعود، كأنه دلي حبل من السماء، وأن الذي يتمسك به يصعد إلى الدرجات العالية، فلذلك يقال: تمسكوا به: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، فيأمرنا بالتمسك -أي: إمساكه باليدين بقوة-، والاجتماع على هذا الحبل وعدم التفرق.

стр. 351

وجوب محبة الرسول ومتابعته قال المصنف ﵀: [واعلموا أن الله تعالى أوجب محبته ومغفرته لمتبعي رسوله ﷺ في كتابه] . يعني: أوجب له محبته إذا اتبع رسوله كما ذُكر في الآية الآتية. [وجعلهم الفرقة الناجية والجماعة المتبعة] . يعني: الذين اتبعوا رسوله ﷺ هم الفرقة الناجية وهم الجماعة المتبعة، الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة التي جاء في وصفها: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) يعني بأصحابه أتباعه وصحابته، فمن كان على مثل ما هو عليه فإنه من الفرقة الناجية، وكذلك الجماعة المتبعة، قد ثبت في بعض الروايات أنه قال: (كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة) ، وفسروا الجماعة بأنهم المجتمعون على الحق والخير، هؤلاء حقاً هم جماعة الإسلام وجماعة المسلمين، وقد سبق أن أشرنا إلى الأدلة على ذلك.

стр. 352

علامة محبة الرسول اتباعه قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال لمن ادعى أنه يُحب الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]] . هذا خطاب لمن ادعى أنه يُحب الله وليس بصادق، ذكروا أن هذه الآية نزلت رداً على اليهود والنصارى الذين يدعون أنهم أحباب الله، حكى الله تعالى ذلك في سورة المائدة، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] أي: الذي نحبه ويحبنا ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ، فلما ادعوا هذه الدعوى كان لابد من تضليلهم أو امتحانهم، فامتحنوا بهذه الآية في سورة آل عمران، وهذه الآية تسمى آية المحنة، هذا هو الصحيح، وبعضهم يسميها آية المحبة، والصواب أنها آية المحنة، أي أن الله تعالى امتحن بها من يدعي أنه يحبه، فاختبره وجعل لمحبته علامة فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ، إذا كنتم صادقين في أنكم تحبون الله فإن لمحبة الله تعالى علامة، وهي اتباع رسله وخاتمهم محمد ﷺ ، فحققوا الاتباع حتى تكونوا صادقين في هذا الادعاء. أما مجرد دعوى أنكم تحبون الله ومع ذلك لا تتبعون الرسل، ولا تطيعونهم فإن هذه دعوى. والدعاوي إن لم يقيموا عليها بينات أربابها أدعياء فلابد أن تقيموا عليها بينة، وهذه البينة جعلها الله تعالى اتباع رسوله ﷺ ، والاتباع ليس هو مجرد القول؛ فإن كثيراً من الناس يقولون: نحن نحب الله ونحن نحب الرسول. ثم نقول لهم: لماذا لا تتبعونه؟ فيقولون: نحن متبعون له ونحن مطيعون له. فيقال: قد نقصتم في الاتباع وقصرتم فيه، وقد فاتكم كذا وكذا، وقد ارتكبتم كذا وكذا، فليس هذا هو حقاً الاتباع الواجب، الاتباع الواجب هو أن تتمسكوا بسنته، وأن تطيعوه في كل دقيق وجليل حتى تكونوا صادقين في أنكم من أتباعه حقاً. وقد رتب الله تعالى على اتباعه الهدى، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] ، فإذا رأيت الذي يسمع قول النبي ﷺ : (اعفوا اللحى) ومع ذلك يحلقها فقل له: أين الاتباع؟ لم تكن من المتبعين حقاً. وإذا رأيت الذي يطيل اللباس ويجر لباسه خيلاء فقل له: ألم يقل النبي ﷺ : (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء) ، فأين الاتباع؟ وأين الموافقة؟ وأين الطاعة؟ وهكذا إذا رأيت الذي يتكبر ويفتخر بأعماله أو بجاهه وبمنصبه فقل له: ألست تسمع قول النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ، فأين الطاعة؟ وأين الاتباع؟ إذاً لست حقاً من المتبعين له. والأمثلة على ذلك كثيرة. ثم نقول كذلك في جميع الذين يعصون الرسول ﷺ ، وكذلك في جميع الذين يتركون الطاعات وهم مع ذلك يقولون: نحن أتباع الرسول، ونحن من أمة محمد ومن أهل شريعته. فنقول: لم تحققوا هذا الانتساب والانتماء، ولم تحققوا ما ادعيتموه من أنكم تحبون الله ورسوله.

стр. 353

علامات صحة دعوى المحبة لله وللرسول ذكر عن بعض السلف أنه قال: (من ادعى محبة الله ولم يوافقه فدعواه باطلة) ، ومتى تكون دعواه صحيحة؟ إذا وافق أوامر الله وأوامر رسوله، وسأل بعضهم ذا النون المصري -وهو من التابعين-: متى أحب ربي؟ فقال: إذا كان ما يغضبه أمر عندك من الصَبِر. والصَبِر هو هذا النبات مر المذاق، يعني: إذا كانت المعاصي أمرّ عندك من الصَبِر، ولو كانت تشتهيها النفوس وتندفع إليها، ولكنك تكرهها لأن الله تعالى حرمها. ومعلوم أن الإنسان إذا كانت المعاصي عنده كريهة كانت الطاعات عنده لذيذة وسهلة ومحبوبة؛ لأن ربه تعالى أمر بها، ولأن الله تعالى حبب إلى عباده الطاعات وكره إليهم الكفر، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] حببه إليهم فصار لذيذاً عندهم، ولو كانت تلك العبادات ثقيلة، وقد ثبت أن النبي ﷺ جعل لمحبة الله تعالى علامة، وهي مأخوذة من هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ، ففي الحديث الصحيح يقول: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) ، فجعل هذه الثلاث علامة على صدق المحبة وعلى صدق الإيمان وحلاوته، ومعلوم أنه إذا أحب الله ورسوله فلابد أن يُطيعه، ولابد أن يمتثل أوامره، فإذا لم يمتثل فدعواه كاذبة، ولذلك يقول بعضهم: تعصي الإله وأنت تزعم حُبه هذا عجيب في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع فالمحبة الصادقة تستلزم طاعة المحبوب وموافقته واتباع ما أتى عنه، هذه حقاً هي علامة من يحب الله تعالى ورسوله.

стр. 354

فائدة اتباع الرسول جعل الله تعالى لاتباع الرسول فائدتين في هذه الآية، فقال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] ، ثم قال بعدها: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢] . فهاتان فائدتان عظيمتان لمحبة الله تعالى ولمحبة رسوله، وهاتان الفائدتان لا يقدر قدرهما إلا الله. الأولى: (يحببكم الله) ، والثانية: (يغفر لكم ذنوبكم) ، فما أعظمها من فائدة! كل منا يود أن الله تعالى يحبه، ويود أن الله يغفر له، فما أسهل ذلك السبب الذي تحصل به على محبة الله تعالى ومحبة رسوله! إنه يسير، وهو في هذه الآية: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ، ولا شك أن من أحبه الله تعالى فإنه يوفقه لكل خير، ويسدد خطاه، ويرشده ويثبته، فلا يميل إلى معصية ولا يفعل ذنباً، ولا يخل بطاعة بل تكون أفعاله كلها من الطاعات، وقد استدل على ذلك بالحديث القدسي الذي في صحيح البخاري، وهو قوله ﷺ حكاية عن الله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي بتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) ، وفي بعض الروايات: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه) . فالشاهد أن الله في هذا الحديث جعل التقرب بالنوافل بعد الفرائض سبباً لمحبة الله تعالى للعبد، فما بينك وبين أن تكون من أحباب الله إلا أن تتقرب إليه بالنوافل بعد الفضائل، فالمحافظة أولاً على الفرائض، كالصلوات والصدقات والزكوات والصوم والحج وما أشبه ذلك، وكذلك التقرب إلى الله بترك المحرمات كلها والابتعاد عنها، هذا هو الأول. وبعد ذلك تتقرب إلى الله تعالى بالنوافل بترك المكروهات وبفعل المستحبات التي رغّب الله تعالى فيها وأحبها، مثل نوافل الصلوات، وهي كثيرة، كصلاة الليل والضحى والرواتب وما أشبهها، ونوافل الأذكار التي تُفعل في خارج الصلاة من الذكر والدعاء والتسبيح والتكبير والتحميد، وما أشبه ذلك بواسطة قراءة القرآن، والقراءة منها واجب كما في الصلاة، ومنها ما هو مسنون وهو ما يكون خارج الصلاة، وكذلك نوافل الصدقات، والصيام، والجهاد، والحج، والقربات وما أشبه ذلك، كل هذه تسمى تطوعات. (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) ، وذكر أنه إذا تقرب إليه بهذه القربات فإن الله يحبه، ثم بعد أن يحبه تحصل له هذه الفائدة، وهو أن تكون حركاته كلها فيما يريده الله ويحبه، فلا يتكلم إلا بطاعة، ولا يستمع إلا إلى خير، ولا ينشط إلا إلى حسنات أو فعل طاعات، ولا يعمل بيديه إلا ما يرضي ربه سبحانه، ولا ينظر بعينه إلا إلى شيء يُفيده وينفعه، فيكون الله تعالى قد وفقه لما أحبه.

стр. 355

مكملات محبة الله ورسوله معلوم أن محبة الله تعالى لها مكملات، فمحبة الله لا شك أنها واجبة، وكذلك محبة رسوله ﵊، وعلامتها أن يبغض كل ما يشغله عن طاعة الله، ذكروا ذلك في تفسير الآية في سورة التوبة عند قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤] . يعني: إذا أحببتم شيئاً من هذه الأصناف الثمانية وقدمتموها على محبة الله ومحبة رسوله ومحبة الجهاد في سبيله فتربصوا وانتظروا ما يحل بكم؛ فقد قدمتم ما ليس بمقدم، وفضلتم ما ليس بفاضل، وأحببتم عرض الدنيا وقدمتموه على محبة الله تعالى ومحبة رسوله ومحبة ما يحبه الله تعالى. فعُرف بذلك أن هذه الخصلة التي هي قوله تعالى: ﴿إن كنتم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] أن فيها أجراً كبيراً، وأن الذي تحصل له محبة الله يحصل له الخير الكثير. وقد ذكروا في الحديث الذي في قصة خيبر عندما قال النبي ﷺ : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يده) فقالوا: فيه حث لكل منهم على أن يكون هو الذي يأخذ هذه الراية، وكلهم يقول: نحن نحب الله ورسوله، ولكن نريد الخصلة الثانية، وهي أن الله يُحبنا وأن رسوله يُحبنا، فمن حصلت له هذه فقد حصلت له الرتبة العالية، ولذلك بات الناس يخوضون أيهم يُعطاها، حتى قال عمر: (ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ) ، أراد بذلك أن يكون من الذين يحبهم الله ورسوله، فعرفنا بذلك أن من أحبه الله تعالى ورسوله فقد أراد به خيراً. وأما الخصلة الثانية وهي المغفرة في قوله تعالى: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] فهي أيضاً خصلة عظيمة نافعة، فما ذاك إلا أن الذي يحصل على مغفرة الله تعالى لذنبه يفوز بالدرجات العلى وبالأجر العظيم. وإذا قال قائل: أنا لست مذنباً فكيف تُغفر ذنوبي؟ نقول: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) ، فليس أحد منا إلا وعليه ذنب أو ذنوب، وليس أحد يأتي يوم القيامة إلا وعليه ذنوب، وقد كان النبي ﷺ يعد من الذنوب الغفلة عن ذكر الله تعالى، فيبادر بعد ذلك بالاستغفار، يقول ابن عمر ﵁: (كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد يقول: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة) يقول: (رب اغفر لي) ، والله تعالى قد غفر له، فقال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] ، ولكن يعد الغفلة ذنباً، فيقول في بعض الأحاديث: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) ، ومعنى قوله: (يغان على قلبي) يعني: يعتري قلبه شيء من الغفلة عن ذكر الله تعالى. فجعل هذه الغفلة ذنباً فبادر بعدها إلى الاستغفار، فنحن أولى بالاستغفار وأولى بطلب المغفرة وبالإتيان بأسبابها، فما أكثر غفلتنا! وما أكثر سهونا ولهونا! وما أكثر الخطايا التي نتحلمها! يتحمل الإنسان خطاياه بلسانه، وبعينه، وبسمعه وببصره وبيديه وبرجليه وبفرجه وبمأكله وبمشربه وبأعماله وغيرها، فهذه الخطايا وهذه الذنوب تحتاج منه إلى طلب المغفرة، إلى أن يطلب الله تعالى وهو صادق في أن يغفر له، وإلى أن يأتي بالأسباب التي تجعله من أهل المغفرة، ومن جملتها: الاتباع ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] . والغفر أصله الستر والمحو، أي: ستر الذنوب وإزالة آثارها، ومنه سمي المغفر الذي يُلبس على الرأس في الحرب؛ لأنه يستر الرأس، ولأنه يكون سبباً في ستر الرأس من السلاح ونحوه، فالحاصل أنا إذا قرأنا هذه الآية عرفنا أهميتها، وعرفنا أن الإنسان عليه أن يحقق الاتباع للرسول ﷺ حتى يكون من أهلها. فهذا آخر ما يتعلق بهذه الرسالة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.
следующие страницы →