← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

استعلاء المسلم السؤال هل يشعر المسلم باستعلاءٍ إيماني هناك؟ الجواب نعم. إي والله، العجيب أن هذا الرجل سيد قطب ﵀، وأنا متأثر به في الظلال، يجعل جبهة المسلم عالية، خلال سنتين عرف جو أمريكا وعظمة أمريكا، فوجد حقارة ومهانة، فكان دائماً يقول في قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] قال: نحن الأعلون سنداً ومتناً، الله ربنا، والوحي مصدرنا، والرسول ﷺ إمامنا، والكعبة قبلتنا، فأي ناس أشرف منا؟ لا أحد. بعض المفكرين المسلمين الآن ينهار أمام حضارة أمريكا، بعضهم في شريط محاضرة يقول: القوم هناك في أمريكا، القوم في بريطانيا، القوم هناك. لا والله، القوم هنا، الإسلام هنا، الأبطال هنا، الشرفاء هنا، أما هناك فالضياع، ولذلك عرفهم سيد قطب وآكلهم، وشاربهم وذاقهم، ثم قدم فيهم قواعد استعلاء، تمشي وجبينك مرتفع.

стр. 10047

الدعوة في أمريكا السؤال كيف تكون دعوة الناس هناك وهم خائفون؟ الجواب أنا أقول لكم: إن بعض الأمور تشكر ولو كان من كافر، وأمرنا أن نكون عدولاً، أمريكا من أحسن الأجواء أو من أحسن الأماكن مناخاً للدعوة الإسلامية، ومن أخصب الأراضي، لأن هناك بإمكانك أن تستأجر قناة في التليفزيون فتتكلم عن الإسلام، إذا كانت عندك دولارات، فاستأجر ما شئت، بإمكانك أن تستأجر في صحيفة وتبث عن الإسلام، تأخذ منبراً، تتكلم للناس، تدخل الجامعة. مختار المسلاتي الداعية الليبي أخذ طالباً في جامعة لوس أنجلوس، وفي الفسحة يأخذ أكواباً من الشاي ويوزعها على الأمريكان، ويجلس يحدثهم عن الإسلام، ويعود كل يوم بخسمة يخرجهم من الظلمات إلى النور، فأنت هناك استأجر لك مكاناً، ولك أن تأخذ قناة تستأجرها في التليفزيون، وتخرج بغترتك وبمشلحك وبشتك وتتكلم عن الإسلام، والله يهدي على يديك من يشاء، لك أن تتكلم، ليست كـ روسيا، روسيا ذبح، روسيا نار، روسيا دمار، ولذلك اليوم قرأتُ في الشرق الأوسط أن سخروف الذي توفي قبل ثلاثة أيام أو أربعة لما عارضهم بكلمة ذبح مثل الكلب، وهو الذي اكتشف لهم الذرة، والقنبلة الذرية السوفيتية، أما أمريكا فبالعكس يُشكرون على هذا، فلك أن تتحدث وتناقش، وتتكلم عن دينك بطلاقة وحرية، لكن في حدود، وهناك العجيب أنك إذا نظرت في الشارع، ستجد الصيني والياباني والعربي والهندي والبرازيلي، ظلمات بعضها فوق بعض.

стр. 10048

أحوال الشباب الملتزم في أمريكا السؤال هل يوجد شباب ملتزم في أمريكا؟ وكيف حالهم؟ الجواب طيبون ونجوم ومصابيح دُجى، وهم أكثر في الاستقامة منا، ومنهم من يقوم الليل ويصوم النهار؛ لأنهم يقولون: ما صاننا بهذا المجتمع إلا كثرة النوافل.

стр. 10049

الدروس التي ألقيت في أمريكا السؤال هل الدروس والمواعظ التي ألقيتها في أمريكا هل تلقيها هنا في أبها؟ الجواب سجلت تسجيلات الرائد في الرياض ما وقع في المؤتمر في دنفر من محاضرات وأمسيات ودروس، وإن شاء الله تصل إلى أبها، وهذه مسئولية تسجيلات الأمير في أبها فتأخذها من الرائد في الرياض، وهو أكثر من اثنين وعشرين شريطاً من الدعاة والعلماء.

стр. 10050

أحوال الداعية أحمد ديدات السؤال هل عرفت شيئاً عن أحوال الداعية أحمد ديدات؟ الجواب سمعتُ آخر أخباره، لكني ما رأيته، ولكنه يتنقل من ولاية إلى ولاية، وأظنه الآن في أفريقيا.

стр. 10051

الراحة النفسية في أمريكا السؤال هل ارتحتَ نفسياً في أمريكا؟ الجواب لا ما ارتحتُ نفسياً، بل ضقتُ نفسياً.

стр. 10052

شريعة الطلاق في أمريكا السؤال هل شريعة الطلاق عندهم ممنوعة؟ الجواب لا. بل عندهم (٨٠%) ممن يتزوج يطلق، وهذا موجود في كتاب أمريكا التي رأيتها لـ مختار المسلاتي.

стр. 10053

وجود البدع والانحرافات السؤال هل هناك انحرافات أو بدع هناك؟ الجواب حدِّث ولا حرج، كل ما في الدنيا من ديانة، ففي أمريكا عيِّنة منها، كل ما في الدنيا من صلاح أو خراب عندهم عيِّنة منه، من أهل السنة عيِّنة، من الرافضة عيِّنة، من البوذية عيِّنة، من السيخ عيِّنة، من الهندوك عيِّنة، من الإسماعيلية عينة، من الباطنية عيِّنة، من الشيوعية عيِّنة، من الرأسمالية عيِّنة، من العلمانية عيِّنة، كل ما في الدنيا وما تتصور منه عيِّنة، ومن يدعي النبوة، والإنسان ينحط إلى درجة الحمار، الشذوذ الجنسي، الالتزام، الصلاة، قيام الليل، الدعاء، فأصبحت كلها كالحديقة فيها الشوك والورد، فحدِّث ولا حرج.

стр. 10054

نصيحة لمن يسافر إلى أمريكا السؤال ما نصيحتك لمن يسافر إلى أمريكا لغرض ما؟ وما نصيحتك لمن يذهب إلى هناك ليتعلم اللغة الإنجليزية؟ الجواب أما نصيحتي أولاً لمن أراد أن يسافر إلى أمريكا فلا يسافر إلا مضطراً، مثلما يضطر إلى أكل لحم الميتة، وهذا هو الاضطرار، والحمد لله الأمور أصبحت ميسرة، وأصبحت كثيرٌ من الإمكانيات موجودة في بلادنا، لا تضطر الشاب إلا في النادر للسفر، وإذا أراد أن يسافر فليتحصن بالإيمان، وبطاعة الواحد الديان، وليسافر بزوجته، وإلا فسوف يدخل إذا سافر بلا إيمان وبلا زوجة في لخبطة، وإن استطاع أن يأخذ أربع زوجات معه فليفعل. أما تعلم اللغة فأنا أنصح أن يُتعلم اللغة هنا، ولا يتعلم هناك؛ لأن الأسئلة التي تردنا في الولايات التي نزلناها مرعبة، يقول شافيلي: تعلمني الدكتورة وهي شابة وفتاة أمريكية خليعة داعرة زانية تعلمني؛ وليس عليها شيء، ما على جسدها إلا شيء بسيط، وتدور أمامه عند السبورة في خلوة محرمة، فكيف يصح هذا التعليم؟! ويتعلم الإنجليزية ليكون داعية ينفع المسلمين؟! الفتاة تجلس بجانبه على الكرسي وتمد رجلها على رجله، ثم يريد أن يكون داعية، بل يجب عليك أن تتعلم هنا، عندنا أقسام للإنجليزية هنا في جامعة الملك سعود، وما من جامعة إلا وفيها قسم، فتتعلم هنا، ثم تذهب لتكون داعية، بعض الناس يذهب من هنا، وهو ما أثر في بيته، ويقول: أريد أن أدعو في أمريكا، وهذا ليس بصحيح، بل الأقربون أولى بالمعروف، وإنما يذهب الإنسان في مثل هذه الجولات لأمور، بمستوى طبقة محددة من الناس بكلام محدد ولمهمة محددة، ثم يعود، وهناك أناس صالحون فيهم الخير.

стр. 10055

عن حضارة أمريكا السؤال حدثنا عن حضارة أمريكا المادية؟ الجواب أنا قلت في أثناء المحاضرة: حضارة أمريكا المادية بإمكان الإنسان أن يكسبها، الوثني الأفريقي، والأحمر الخواجة، والبلشفي الروسي، كلهم يشتركون، ولا علاقة لهم بالدين، وحضارتهم على مستوى عالٍ فهي تصل بهم إلى السماء، وقد قال كثير منهم، ومن استطاع أن يراجع ما كتبه صاحب الإنسان لا يقوم وحده، والإنسان ذلك المجهول وصاحب دع القلق وابدأ الحياة ليعرف أي حضارة سوف تنهار فيها؛ لأنهم فقدوا حضارة الإيمان والروح, فقدوا الأمن والسكينة، فقدوا الطمأنينة، فقدوا كيف يعرف الإنسان أن يعيش في عالم الغيب والشهادة، فقدوا حياة المستقبل، فقدوا الطريق إلى الله ، أصبحوا كالبهائم، بل البهائم أهدى منهم سبيلاً.

стр. 10056

نظرة الأمريكان إلى العرب السؤال هل كل الأمريكان ينظرون إلى العرب باستغراب حسب ما عندهم من أفكار عنهم؟ الجواب أما الأمريكان فأنا تصورت من سؤال الإخوة وبعض المفكرين الذين جلستُ معهم أن في بعض الولايات الذين يشتغلون بالسياسة يتصورون أن العرب لا شيء، كالأطفال، وأنها دول نامية، ورجعية، ومتخلفة، وأما بعض الولايات فلا يشتغلون بالسياسة، ولا يعرفون حتى الصحف اليومية، عندهم الأمر عادي، فدائماً متعوِّد على أن يمر بهندي وباكستاني وعربي وياباني وصينيي فالأمر عادي، ولذلك بعض الولايات يركزون النظر فينا، وبعضهم لا يتأثر، مثل ما هو حاصل عندنا، ففي جدة -مثلاً- من كثرة من ينزلها صاروا لا يستغربون مرور الخواجات، لكن في تهامة لو مرَّت من عندهم الخواجة لتعثروا ووقفوا، فهذه تختلف بنسب بين الولايات. وفي الختام: نسأل الله أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 10057

دروس في التوبة من المعلوم أن الذنب لا يسلم منه أحد؛ ولهذا فالإنسان بحاجة ماسة إلى التوبة صباح مساء، والتوبة الصادقة لها علامات، ومنها: أن يحافظ صاحبها على الأوقات، وأن يعيش مع السنة، وأن يكثر من ذكر الله تعالى، مع ندمه الشديد على ما سلف. ثم تطرق للحديث عن أمور ووصايا للجندي المسلم، وذكر منها: مراقبة المولى جل ذكره، وحسن الخلق مع الناس، والحرص والتزود من العلم الكفائي، والإكثار من نوافل العبادة ونحوها من الآداب.

стр. 10058

حاجتنا الماسة للتوبة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. ثم أما بعد: شكر الله لسيادتكم، وشكر الله لكم اجتماعكم، وجمعنا بكم في دار الكرامة. أخٌ زار إخوانه، ومحبٌ زار أحبابه؛ ليتدارس معهم الرسالة التي أرسل بها محمدٌ ﵊، فهي رسالتي ورسالتكم، ومهمتي ومهمتكم، ومسئوليتي ومسئوليتكم، لا تصلح أنت، ولا أصلح أنا، ولا نتآخى ولا نتآلف إلا بهذه الرسالة الخالدة، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لأنفال:٦٣]. كان الناس قبل مبعثه ﵊ أمواتاً ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١] كانوا يأكلون ويشربون، ويغنون ويرقصون ويطبلون؛ ولكنهم أموات، كانوا يخونون ويغشون، ويزنون ويغدرون ويرابون؛ ولكنهم أموات، فلما أتى محمدٌ ﵊ كتب في قلوبهم النور ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] أنا وأنت بحاجة إلى هذا النور، أن نستلم هذا النور، وأن نمضي في أفياء هذا النور، وأي قلبٍ لا يصل إليه هذا النور؛ فسوف يبقى أعمى في الدنيا والآخرة، لا يجد سعادة، ولا يجد نجاحاً، ولا يجد فوزاً، فلا إله إلا الله كم لرسالته ﵊ من إشراق! ولا إله إلا الله كم عمَّر الله بدعوته من قلوب! ولا إله إلا الله كم أحيا بدعوته من أرواح! يا إخوتي في الله: عنوان هذه الجلسة والمحاضرة " دروسٌ في التوبة". نحن نحتاج إلى التوبة صباح مساء؛ لأننا أذنبنا وقصرنا مع الله، وأخطأنا، المتكلم والسامع، ولكننا عرفنا أن لنا رباً ، يأخذ بالذنب ويغفر الذنب، فقلنا: نستغفر الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. يفتق الثوب؛ فيذهب به إلى الخياط، وتتعطل الآلة؛ فيذهب بها إلى المهندس، ويمرض المريض؛ فيذهب به إلى الطبيب، ولكن قلوبنا إذا تعطلت ومرضت وفتقت إلى أين يذهب بها؟ إلى الله الواحد الأحد، فلا يصلح القلوب إلا الله، ولا يشرح القلوب إلا الله، ولا ينور القلوب إلا الله ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. والقلوب تفزع، والقلوب تقسو وتصدى، والقلوب تقفل فلا ترى نوراً ولا حكمةً، ولا هداية ولا رسالة. كان ﵊ يقول: ﴿يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك﴾ والله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] ويثبت قلبه على النور، وحاجتنا أول ما نحتاج؛ بل هي أول المنازل وآخر المنازل التوبة النصوحة.

стр. 10059

ثلاث قضايا في التوبة واعلم يا مسلم: أن هناك ثلاث قضايا في التوبة: القضية الأولى: أنه لا يغفر الذنب إلا الواحد الأحد، ولو اجتمع ملوك الدنيا ومسئولوها، وزعماؤها وعلماؤها على أن يغفروا لك ذنباً واحداً ما استطاعوا، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران:١٣٥]. القضية الثانية: أنه مهما أتيت من ذنب ثم تبت إلى الله غفر الله ذنوبك وإن كانت جبالاً من الخطايا وسيلاً من السيئات، وتستغفر وتتوب وتعزم على أنك صادق؛ يغفرها الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. القضية الثالثة: أن الصغائر تجتمع على العبد حتى تهلكه، كمثل نظرة، وسماع أغنية، ولمحة، وقليلٌ من السيئات تجتمع فيتدكدك تحتها العبد، ويسحق والعياذ بالله! في الصحيحين: ﴿أن رجلاً من بني إسرائيل أذنب على نفسه ذنباً عظيماً -كان مؤمناً موحداً، ولكن أذنب وأخطأ- فلما أتته سكرات الموت قال لأبنائه: إذا مت فاجمعوا لي حطباً، وأشعلوا فيه النار ثم أحرقوني، ثم اسحقوني وذروني علَّ الريح أن تذهب بي في كل مكان، فجمعوا له حطباً وأحرقوه وسحقوه وذروه فذهب به الريح في كل مكان﴾ ولكن من الذي يجمعه؟! هو الواحد الأحد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] جمعه الله بكلمة (كن) فكان أمامه، وظن هذا الرجل أن الله لا يستطيع أن يجمعه: ﴿قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي، قال: يا ملائكتي أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾ رحمة الله واسعة، وفضله عظيم، لكن يوم يعرف العبد أن رحمة الله واسعة وفضله عظيم.

стр. 10060

أحوال الناس مع الذنوب والناس قسمان -ولا يسلم من الذنب أحد-: منهم من يذنب ويتوب ويستغفر، يتوضأ، ويصلي الخمس، ويراجع حسابه مع الله، يبكي، ويندم، ويتصدق، ويتوب، ويأتي بنوافل، فيغفر الله ذنبه ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ومنهم من يذنب ولكن يركب رأسه، ويغلبه هواه؛ فيتردى ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ولو رأيتهم يوم تركوا الصلوات الخمس، ووقعوا في المعاصي والفواحش، ووقعوا في المخدرات، وعقوا الوالدين، وقطعوا الأرحام، لرأيت أمراً عجيباً! المنافق والفاجر يرى ذنوبه كأنها ذبابٌ، قال به هكذا فطار، والمؤمن يرى ذنوبه كأنها جبلٌ يريد أن يسقط عليه، مات قلب الفاجر من الإعراض والعصيان. شبابٌ رأيناهم في بعض الأمكنة كالسجون، تركوا صلاة الفجر ثم وقعوا في المخدرات، قالوا: ما وقعنا في هذه السيئات إلا لما تركنا صلاة الفجر والصلوات الخمس. وصف الله الصلاة بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن متى تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟ يوم تكون صلاة، لا تكون لعبة في أيدي بعض الناس، يقدم عمله، ووظيفته، ومسئوليته على صلاته، واهتمامه بعمله أعظم من اهتمامه بصلاته، يقدر المسئول -وهذا مطلوب- أعظم من ربِّ البشر، ويخاف من البشر أعظم من خوفه من ربِّ البشر، ويوقر، ويقدر، ويحترم البشر أعظم من تقديره وتوقيره واحترامه لربِّ البشر: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء:١٠٨].

стр. 10061

مفهوم الأمانة العام يا مسلمون: يا أخيار! يا من جعلهم الله على ثغرة من ثغور الإسلام! يا من إذا صدقوا الله جعل أعينهم من العيون المنيبة التي لا تمسها النار! ﴿عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله﴾ ويوم يصدق العبد أولاً مع الله ويحمل الأمانة، ولا أقصد بالأمانة أن تقف في دوريتك أو نوبتك فقط، بل الأمانة مع ذلك أن تكون أميناً مع الله، أميناً في صدقك وعبادتك مع الواحد الأحد؛ لأن الذي يكون مع الله فهو مع القيادة وولاة الأمر ومع الشعب أخ، والذي يقطع حبله مع الله فهو مع البشر أقطع وأظلم وأغشم، ولذلك قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].

стр. 10062

أمانة حفظ الصلوات وأول الأمانات: الصلوات الخمس، يوم تصليها في جماعة، يوم تصليها في خشوع، يوم تعيش الصلوات الخمس، حينها: يحجب الله عنك الفواحش والمنكرات، ويتوب عليك توبةً ظاهرةً وباطنة، ويتقبلك فيمن تقبل، ويهديك سواء السبيل، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] والمصطفى ﷺ صح عنه أنه قال: ﴿من صلَّى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله؛ فالله الله! لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾. والصلوات الخمس حياة، وما ظلم من ظلم، ولا فجر من فجر، ولا وقع من وقع في المعاصي؛ إلا يوم أن ترك وأعرض عن الصلوات الخمس التي من تركها كفر.

стр. 10063

أمانة مراقبة الله في السر وأمانة أخرى وهي: حفظ الغيب مع الله، تتستر في الحيطان ولا يراك إلا الواحد الديان، وتتستر بالجدران ولا يراك إلا الرحمن. وإذا خلوت بريبة في ظلمةٍ والنفس داعية إلى الطغيانِ فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني إن من ينظر إلى أحوال بعض الناس يتعجب، أين المجتمع الذي عاشه ﵊؟! أين ذاك المجتمع الفاضل؟! المجتمع الذي ينام على القرآن، ويصحوا على القرآن، وتنتهي المساجد به! المجتمع الذي كان يمر ﵊ عليه في الليل الدامس، فيسمع القراءة من بيوت الأنصار وهم يرددون كلام الله! المجتمع الذي يقول عنه عمر: [[توليت القضاء في عهد أبي بكر سنة كاملة ما أتاني خصمان]] المجتمع الذي تصدق منه رجلٌ بقطعة لحم إلى جاره وهم في مجاعة، فدارت هذه القطعة إلى أن رجعت على المتصدق الأول!، المجتمع الذي رضي الله عليه من السماء، كانت كلمتهم واحدة، وحبهم واحدٌ في الله! ولكن انظر إلى مجتمعاتنا. إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا وفي كل يومٍ واعظ الموت يندبُ ولله كم غادٍ حبيبٍ ورائحٍ نشيعه للقبر والدمع يسكب ُ إذا قيل: أنتم قد علمتم فما الذي عملتم وكلٌ في الكتاب مرتب ُ نعم في الساحة صحوة، وهنا مساجد، ومصلون، وطلبة علم، وأخيار، وزهاد، وعباد، لكن الخبث إذا كثر لابد أن نخشى على أنفسنا منه، في المجتمع ظهر الربا وظهر الزنا ولا ننكره، ونسأل الله أن يغفر لنا، وهناك غناء ماجن في الجلسات، وضياع للأوقات، أشاب مسلم يصلي الصلوات الخمس، ويسهر على البلوت، وعلى الورق إلى الساعة الثانية؟! أين القرآن؟ أين طاعة الواحد الديان؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. أنت دقائق وثواني، إذا مضى منك دقيقة والله لن تعود لك هذه الدقيقة ولو اجتمع من في الدنيا، أنت أيام، يومك هذا الذي ينصرم الآن إذا غربت شمسه فلن يعود إليك، واحتسب أنه قد ذهب من عمرك. دقات قلب المرء قائلةً له إن الحياة دقائقٌ وثوانِ فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمرٌ ثانِ الفجرة يقولون يوم القيامة: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١] والله يقول عنهم: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].

стр. 10064

علامة التوبة الصادقة ومما ينبغي في التوبة أن يعرف أن الصادق في توبته: هو الذي يحفظ الواحد الأحد، ولكن حفظ الله معناه: أن تؤدي أوامر الله وأن تجتنب نواهيه، وأن تطيع الله ثم تطيع ولاة الأمر في طاعة الله لا في معصية الله ، ويوم تطيع الله تصدق في التوبة. قيل لأحد الصالحين: ما علامة التوبة؟ قال: بكاء العين، ووجل القلب، وطاعة الجوارح. وقيل لآخر: ما علامة التوبة؟ قال: أن ترغب فيما عند الله وتزهد فيما في الدنيا. وقيل لثالث: ما هي التوبة؟ قال: أن تجعل في ذهنك أول ليلة من ليالي القبر. وتذكر هذه الليلة يدفعنا إلى التوبة وإلى العودة إلى الله، ويوجد والحمد لله في الساحة عودة عظيمة إلى الله، وقد ذاق الناس طعم الكفر والإعراض والفجور، ثم ذاقوا طعم الإيمان فعادوا إلى الواحد الأحد. والله يخرج من يشاء من الظلمات إلى النور، ويوم يصدق العبد مع الله ، ويوم يعود العبد صادقاً مع الواحد الأحد، ولكن المقصد مما يحرك التوبة أن نذكر أول ليلة من ليالي القبر، ومثل لنفسك ليلتين اثنتين: ليلة وأنت مع أطفالك وزوجتك وأهلك في بيتك، وأنت مرتاح الحال وسليم البال، وطيب الضمير، وفي ليلةٍ ثانية تنتقل إلى القبر، ثم تطرح وحيداً. باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القللُ واستنزلوا بعد عزٍ من معاقلهم إلى مقابرهم يا بئس ما نزلوا ولا يوسع القبر عليك إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا ينوره أبداً إلا طاعة الواحد الأحد، وكما تعرفون جاء في الأحاديث الصحيحة: ﴿القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حفر النار﴾ سافر رجل -وقصته مشهورة وقد ذكرت في بعض الخطب- من أهل الرياض من الصالحين، وعنده زوجة صالحة تربت على القرآن والإيمان، سافرت معه، فأدى مناسك العمرة هو وزوجته، ويقول هو عن نفسه: لما خرجت أنا وزوجتي من البيت لأداء العمرة من الرياض ودعت أطفالها، وكأنها تودعهم الوداع الأخير، وكأن هاجساً هجس في خاطرها أنها لا تعود، وذهبت وأدت المناسك ولكن أولياء الله يحفظهم الله، وهذه ليالي وفراقات تحدث صباح مساء، ينتظر هذا الفراق صباح مساء، إن لم يأتك اليوم أتاك غداً، فلمَّا أدَّنا العمرة، وعادا من الطائف إلى الرياض، وقع لهما حادث في السيارة، ووقعت زوجته في الحادث، ونزل إليها من الباب الآخر فوجدها في سكرات الموت، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي تقول: عفا الله عنك من زوج، نلتقي في الجنة ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] اعلم أنك لن تجتمع بأطفالك ولا بأهلك ولا بأحبابك إلا إذا عملت صالحاً، واعلم أن الوحشة والفراق العظيم يوم ألا تعمل صالحاً، ولا تنجو بنفسك من الخطايا والذنوب. إخوتي في الله: أول ليلة من ليالي القبر جعلت كثيراً من أهل الإسلام يتوبون ويعودون، وجعلت أهل الغناء واللهو والعبث يعودون إلى الواحد الأحد، أحدهم يقول: غيرت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون القبر أول ليلةٍ بالله قل لي ما يكون واعلم أن أمرك ليس في يدك، وأنك لا تدري ما الله فاعلٌ بك، والأيام ثلاثة: يومٌ مضى وانتهى، الله أعلم ما كتب فيه فعلمه عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى، نسيته أنت ولكن الله ما نسيه وهو أمامك بالمرصاد، وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ويومٌ أنا وأنت نعيش فيه؛ فسدد وأصلح فيه، ويومٌ لم يأت وهو يوم غد فما عليك منه. سهرت أعينٌ ونامت عيون في شئون تكون أو لا تكون إن رباً كفاك ما كان في الأمس سيكفيك في غدٍ ما يكون وأنبه على قضايا ينبغي أن يتاب منها، وكل خطيئة واجبٌ عليك أن تتوب منها وجوباً حتمياً ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 10065

من علامة التوبة: حفظ الوقت أول علامات التوبة: أن تحفظ وقتك. الصحابة كما قلت: كانوا عباداً لله، ولكن تحولت عبادة الصحابة وسهرهم مع كتاب الله وذكر الله، والبكاء، تحولت في هذا الزمن عند بعض شباب المسلمين إلى الجلوس في المقاهي اللاهية اللاغية، وفي السهرات الحمراء، والسيجارة، ومع الكأس، ومع المخدرات، والمعصية والعياذ بالله! أظلمت الدنيا من كثرة المعصية، وقست القلوب من الفاحشة، وانقطع القطر من السماء من ظلم بني آدم، وفي الصحيح أن الله يقول: ﴿يسبني ابن آدم ويشتمني وما ينبغي له ذلك، أما سبه إياي فيسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار كيف أشاء﴾ يقول بعض العلماء في معناها: لا تنقموا على الدهر وانقموا من أنفسكم ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]. وإن من عقوبات هذه المعاصي والخطايا والذنوب: ما شاهده بعض الناس في قلوبهم يوم سلبت منها الطمأنينة والراحة، عاشوا كل شيء لكن ما وجدوا الإيمان، وملكوا كل شيء لكن ما وجدوا راحة الضمير والسعادة التي ينشدها الكافر اليوم، والتي يدخل الكفار في دين الله أفواجاً لما رأوا طعم السعادة، برفسورٌ في علم الهندسة، هندسة في تسيير الذرة، والضياء، والضوء، والأشعة، وفي الأخير ما وجد السعادة ولا الشهرة العالمية، فأصبح يقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وكثيرٌ منهم اليوم يقول: ظلمتمونا يا مسلمون! كان عندكم كنز الهداية والإيمان وما قدمتموه للبشرية، وقد قدمنا لكم ملاذ البشرية؛ هم قدموا لنا الميكرفون، والطائرة، والسيارة، والثلاجة، والبرادة، والمكيف، ولكن الإيمان الذي عندنا ما قدمناه، بل نحن نقول: إننا مفتقرون اليوم إلى الإيمان، ونعيش في بعد عنه. كثيرٌ من البيوت اليوم ما قامت على منهج لا إله إلا الله، وتجد فيها غناء، وتبرج، وجهلٌ بالسنة، وتخلفٌ عن الصلاة، وأكل ربا، وغيبة، وشهادة الزور، فمتى تصدق؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].

стр. 10066

من علامات التوبة: العيش مع السنة ومن علامة التوبة: أن تعيش مع السنة. من هو قدوتك في الحياة؟ من هو أستاذك؟ من هو شيخك الذي يعلمك؟ من الذي بيده مفتاح الجنة؟ والله لا ندخل الجنة، لا أنا ولا أنت ولا أي رجل حتى نتبع سنته ﷺ ونأتي من بابه بعد مبعثه، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهوديٌ ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار﴾ فهو قدوتك لا شرقي ولا غربي، ما دام أنه فعل هذا الفعل الصالح لك، والنصحية لك، والذي أنصح نفسي وإياك أن تفعله ولا تتأخر في تطبيقه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. كان ﵊ مصلياً، صائماً، صادقاً، عابداً، زاهداً، وفياً، محافظاً على الجماعة، كان متسنناً بخصال الفطرة، ملتحياً، يمقت إسبال الإزار، يدعو إلى الصدق وبر الوالدين وصلة الرحم، وكان يحرم الغناء، والربا، والزنا، والفحش، والجور، والرشوة، فبأي إنسانٍ نقتدي؟ ومن هو المعلم الذي ننجو إذا اتبعناه؟ إنه محمد ﵊، بأبي هو وأمي، وإذا لم تنصح نفسك باتباعه فاعلم أنك ترديت، قال بعض العلماء: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﵊؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

стр. 10067

من علامات التوبة: العيش مع الإسلام ومن علامات التوبة: أن تعيش في بيتك مسلماً، وفي سوقك، ودكانك وفي عملك، ألا تكون مسلماً فقط وقت الصلاة فإذا خرجت من المسجد خلعت مفهوم الصلاة، تقول: الصلاة الصلاة لكن أين مفهوم الصلاة؟ المحاكم تشكو من الرُّشا، والربا، والكذب، وشهادة الزور، المقاهي يأتي إليها مئات الشباب؛ الذين عقوا الوالدين، وقطعوا الرحم، وهجروا المسجد، وتركوا القرآن، وغنوا، وطبَّلوا، وزمَّروا، وأصبحوا كالبهائم، فأين مفهوم الصلاة عند هؤلاء؟! يوجد من كبار السن من لا يعرف عن الإسلام شيئاً، ولكن مع ذلك المستقبل لهذا الدين، والصحوة مع الإسلام، ولصالح هذه الدعوة الخالدة التي أتى بها محمد ﵊!

стр. 10068

من علامات التوبة: ذكر الله كثيراً ومن علامات التوبة: أن تكون ذاكراً للواحد الأحد. أهل الدنيا إذا اجتمعوا ذكروا دنياهم، وأولياء الله إذا اجتمعوا ذكروا الله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. قيل لبعض من الزهاد: ما علامة التوبة؟ قال: حركة اللسان بذكر الواحد الديان، وإصغاء الأذنين لكلام الرحمن، وارتياح القلب لذكره ولعبادته أو كما قال. فإذا لزم ذلك وعرفه فاعرف أن أحسن الساعات التي تقضيها في طاعة لله؛ أن يكون بيدك مصحف، أو شريط إسلامي تستمعه، أو كتابٌ تقرؤه، أو تذكر الله مع إخوانك، أو استغفارٌ وتوبة، أو تأملٌ في آيات الله، أو تربية في البيت، فوقت المؤمن محفوظ.

стр. 10069

كلمات موجهة إلى جنود الإسلام ولي معكم أيها الجنود الأبرار! كلمات: أولها: أبلغكم حبي لكم في الله الواحد الأحد، وما أنتم بغريبين عن الإسلام، بل أنتم أبناء خالد بن الوليد، وطارق بن زياد، وعقبة بن نافع، وصلاح الدين، ومن يشابه أبه فما ظلم. نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا جدكم خالد بن الوليد الجندي المسلم الذي عرف الله، كان جندياً لرب البشر قبل أن يكون جندياً للبشر، سلم قلبه لله، وكان عنده أكثر من مائة سيف ومائة فرس احتسب أجره واقتادها في سبيل الله؛ كما قال ﵊: ﴿إن خالداً سيف من سيوف الله، سله الله على المشركين﴾ كان عند خالد بن الوليد مصحف قالوا عنه: كان غلافه من جلد الجمل، فكان يفتحه في الصباح فتنهمر دموع خالد على القرآن؛ لأن حياته ومدرسته القرآن، وأول ما يستهل في صباحه القرآن، ولذلك أي قلبٍ افتتح بالقرآن فأي قلبٍ يكون؟! إن من يركب الطائرة اليوم، وينظر إلى الركاب يجد أكثرهم يتناولون الصُحف والمجلات، وقراءتها جائزة، ولا بد من قراءتها لمعرفة الواقع، لكن انظر إلى من يحمل مصحفه فيردد سورة، أو انظر إلى من يسبح، إن ذلك نادر الوقوع، فـ خالد بن الوليد عاش مع المصحف، ولذلك أعطاه الله ما تمنَّى، ونسأل الله له الفوز في الآخرة. حضر أبو سليمان معركة مؤتة، قال عنه ابن كثير: كسر تسعة أسياف في يده. حضر اليرموك فقال له أحد المسلمين لما رأى جيش الروم مائتين وثمانين ألفاً، وجيش المسلمين ما يقارب ثلاثين ألفاً: [[يا خالد! أرى أنَّا نفر اليوم إلى جبل سلمى أو إلى جبل آجا -في حايل - قال: لا والله! لا نفر إلى جبل سلمى ولا إلى جبل آجا ولكن إلى الله الملتجى، حسبنا الله ونعم الوكيل]] فنصره الله. هذا الجندي الذي قدم معلماً من معالم الحق كان يسأل الرسول ﵊: ماذا أقول يا رسول الله! عند النوم؛ فإنه يصيبني أرق وقلق، فأخبره ﵊ بدعاء فإذا هو طالب علم، وإذا هو قارئ للقرآن، وإذا هو زاهدٌ، وإذا هو متعبدٌ في الليل، وهو الشجاع المقدام في النهار؛ فهل يوجد أحد منا مثل خالد؟! وهل نعود لمدرسة خالد؟ وأما جدكم عقبة بن نافع الذي وقف على المحيط الأطلنطي ورفع سيفه وأشهر سلاحه وقال: [[أما والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتها بفرسي هذا لأرفع لا إله إلا الله]] وقد اكتشف فيما بعد أن وراء المحيط الأطلنطي قارات، ولو علم بها عقبة لفتحها بإذن الله وبكلمة الله.

стр. 10070

وصايا للجندي المسلم إن مما يلزم الجندي المسلم أموراً وهي:

стр. 10071

مراقبة المولى أولاً: تسمى عند اللواء الركن محمود شيث خطاب مراقبة المولى، أول شارة عليك وأول نجمة، وأول تاج تحمله مراقبة المولى. اللواء الركن محمود شيث خطاب العراقي غفر الله له ورفع منزلته، كان متسيباً في أول حياته، كان ضائعاً يعيش في الضلال، فكان لا يعرف المسجد ولا القرآن، لا يعرف إلا الأكل والشرب، والغناء والطبل والزمر، لكنه ما عرف النور، وما عرف الهداية ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] بالإيمان ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] بالفهم ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] كمن مثله في المعاصي؟! كان في الجيش العراقي ساكناً في ثكنة -يروي قصته بنفسه- فمر به أحد دعاة الإسلام، فوجده مع بعض القيادات العراقية في ثكنة وهم يشربون الخمر، قد غابوا عن رب البشر، فغابت قلوبهم عن الله؛ فعصوا الله، فقال له هذا الداعية: يا لواء محمود! إن عليكم رقيباً -يقصد الواحد الأحد الذي يعلم السر وأخفى، الذي سوف يحاسبك ويحاسبني يوم القيامة ويقول: يا فلان فعلت كذا يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا- قال هذا اللواء: لا يرانا إلا الكواكب، قال الداعية: وأين مكوكب الكواكب؟! قال: فلا زالت كلمته ترنُّ في ذهني حتى هداني الله يوماً من الأيام، فارتفعت في قلبي شحنة الإيمان؛ فذهبت بعد أن اغتسلت إلى المسجد وتوضأت وانفجرت باكياً، ثم أصبح داعية وعالماً، وأصبح منظراً للعسكرية الإسلامية. والشاهد أن أول لافتة للجندي مراقبة الواحد الأحد.

стр. 10072

حسن الخلق مع المسلمين ثانياً: حسن الخلق مع المسلمين. أنت تعرف أن الذي في الشارع من المواطنين أخوك، أو ابن عمك أو قريبك، أو مسلمٌ له عليك حق الرحمة، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن شر الرعاء الحطمة﴾ ومعنى ذلك: الذي يعصف بالناس، ويظلمهم، ويغلظ عليهم في الخطاب، ففي الناس شيخٌ كبيرٌ قد شابت لحيته؛ له عليك أن توقره، وفي الناس طالب علمٍ يحمل كتاب الله، وفي الناس رجلٌ صالح زاهد، وفي الناس قائم الليل، وفي الناس مسكينٌ فقير، وفي الناس أصناف آخرون من عباد الله، فلا بد أن تكون رحيماً بهم.

стр. 10073

الدعوة ثالثاً: أن تكون داعية. أن تمثل الإسلام، وأن تتصل بالناس، أنت في بلادٍ أعلنت إسلامها وقدسيتها، وأعلنت فيها لا إله إلا الله محمداً رسول الله، علمها أخضر، ولكن عليه لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وأنت تعرف أنك لست في أوروبا ولا في الصين ولا في أمريكا، أنت هنا في مهبط الوحي، في مهد الرسالات، فعليك أن تكون داعية؛ داعية تدعو الناس إلى منهج الله، تنصح العاصي وتدعوه إلى طريق الجنة، تنصح صاحب الحبوب المخدرة، وصاحب المسكر، وصاحب الشريط الغنائي، والفيديو المهدم، وصاحب الجريمة، والمتعاون على الفاحشة، والذي يريد ألا يستمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو عدو للإسلام، وأنت داعية في منصبك هذا، قال ﵊: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وقال: ﴿من رأى منكم منكراًَ فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ إن ولاة الأمر يدعون في بلادنا إلى إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجنودهم لا بد أن يمتثلوا لهذه الأوامر، ولا يخفى عليكم أن سر عظمتنا ونهضتنا ونصرنا بهذا الإيمان، ويوم نتخلَّى عنه نسحق ونصير شذر مذر.

стр. 10074

الحرص على نوافل العبادات رابعاً: أن تحرص على النوافل ما أقدرك الله على ذلك. فما يبقى لك في القبر إلا هذه النوافل، يقول ﵊ وقد قال له أحد الصحابة: ﴿يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة؟ قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾ ويقول ﵊: ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾. رأينا بعض الناس من أمثالكم الأخيار الأبرار وهم في القطاعات الإقليمية، كأنهم يعيشون في عصر الصحابة، أحدهم له وردٌ في المصحف (حزب) لا بد أن يقرأه في اليوم، وله تهليلات وتكبيرات، ويحافظ على السنن الرواتب، وقد تشرف بحمل سنة محمد ﷺ في مظهره وشكله، فأحبته القلوب، ودعا له ولاة الأمر وأحبوه؛ لأن من أحبه الله أحبه الناس، وفي الصحيح: ﴿إذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فيبغضه، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغض في الأرض﴾ والعياذ بالله! القبول من الواحد الأحد، والقلوب بيد الله، ويوم تعمر ما بينك وبين الله يعمر الله ما بينك وبين الناس: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب ترابُ والناس شهداء الله في أرضه، وأهل الحي أو القرية التي تسكن فيها يستشهدهم الله يوم العرض الأكبر عليك، ويسألهم عنك، وقد ورد في الصحيح ﴿كان ﵊ جالساً مع الصحابة، فمروا بجنازة من عنده، وإذا الناس يثنون على صاحب الجنازة خيراً -يصفونه بالمحافظة على الصلوات، ويصفونه ببر الوالدين، وبصلة الرحم، وبذكر الله، وبالصدق، وبالوفاء- قال ﵊: وجبت وجبت، ومروا برجلٍ شقيٍ -والعياذ بالله! - بعض الناس يتحمل الشقاء في الدنيا والآخرة، شقي في عمله، وفي مكتبه، وفي الشارع، والبيت، شقيٌ أينما ذهب، قال الناس: أراحنا الله منه، تارك الصلاة، عدو الدين، الفاجر، المعرض- فأثنوا عليه شراً فقال ﵊: وجبت وجبت وجبت، قالوا: يا رسول الله! ما قولك وجبت في الأولى ووجبت في الثانية؟ قال: أما الأول فأثنيتم عليه خيراً فقلت: وجبت له الجنة، وأما الثاني أثنيتم عليه شراً فقلت: وجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه﴾. فاحذر -يا أيها الأخ الكريم! - أن تنالك الألسنة، أو أن تشهد عليك يوم العرض الأكبر، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] يستشهد الله أهل حيك؛ هل كان يصلي في المسجد؟ فيقولون: لا. هل كان وفياً؟ فيقولون: لا. هل كان صادقاً؟ لا. فماذا نقول لله يوم القيامة؟! وبماذا نعتذر؟! أسأل الله لي ولكم الثبات.

стр. 10075

طلب العلوم الشرعية خامساً: أن على المسلم أن يحرص على طلب العلم ولو على حد أدنى من العلم الشرعي مما تقوم به صلاته. أنا لا أطلب من الجندي، أو الطبيب، أو المهندس، أو التاجر أن يكون علاَّمة في العلوم ومفتياً، لكن نطالب من جميع طبقات الناس أن يكون لهم حد أدنى من العلم؛ يفقه فيها عبادته، يعرف كيف يصلي، والرسول ﵊ صح عنه أنه قال: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ وقال في الحج في الصحيح: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ وطلب التفقه سهل، وبإمكان الإنسان أن يحصل عليه، فمنافذ المعرفة والحمد لله كثيرة، الكتيب الإسلامي مبذول وموجود بثمن بسيط يسعدك في الدنيا والآخرة، المصحف وذكر الله بجانبك، الشريط الإسلامي تسمع فيه ما لذ وطاب، طلبة العلم، المحاضرات، الدروس، حينها سوف ترى أن الله يسددك ويهديك سواء السبيل، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾.

стр. 10076

احترام ولاة الأمر وطاعتهم سادساً: احترام ولاة الأمر والمسئولين في دائرتك ومن هم أعلم. الإسلام دين نظام، يعلم الرجل كيف يحترم ربه ثم يحترم مسئوليه ويحترم نفسه، ويتحقق ذلك بالطاعة، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى الأمير فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله﴾ والمعنى: أنه يلزم المسلم أن يطيع من ولاه الله أمره، أو كان مسئولاً عليه في طاعة الواحد الأحد إلا إذا أمرك بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . الطاعة: احترام، ومعناها: أن تؤدي عملك على أكمل وجه، وصح عنه ﵊ عند البيهقي وغيره أنه قال: ﴿إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه﴾ يجعلونك في الحراسة فأنت في الحراسة، في الدورية فأنت في الدورية، في المكتب فأنت في المكتب، في مهمة أو انتداب فأنت كذلك؛ لأن الله سوف يسألك يوم يجمع الأولين والآخرين. وما تردت أوضاع المسلمين إلا يوم أصبحت هذه الطاعة أو الأمانة مفقودة، أو لم يراقب الله ، فلا بد من وعي لهذا الدرس، وإني أطالب كذلك المسئولين بالرحمة بمن تحتهم ومن دونهم، الرحمة في الأمر، وحسن التعامل، والشفقة، وتقدير حاجاتهم، وطوارئهم من مرض وتعبٍ وإعياء؛ علَّ الله أن يرحمهم، وفي حديث يحسنه بعض العلماء: ﴿الناس عيالٌ لله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله﴾ ومن رحم المسلمين ﵀، ومن شق عليهم شق الله عليه في الدنيا والآخرة.

стр. 10077

حب الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه سابعاً: إن مما ينبغي علينا أن نتآلف في طاعة الله، وأن نتحاب، وأن نتآمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر. نعم في كل مكانٍ صالحون وطالحون، وفي كل مكان أبرار وفجار، فعلى البار أن يستنقذ أخاه، وأن يهديه، ويدله على طريق الهداية، يقول ﵊: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾. هذه كلمة، وسوف يكون لنا معكم كلمات. ولكني أعود فأقول: لنتب ونستغفر، ولنعد إلى الإيمان، ولننقذ أنفسنا من النار ومن العار، ولنعلم أنما هي حياة واحدة لا تتكرر، إما أن تجعلها لله وإلا فسوف تكون للشيطان. واعلموا أن أعظم مكسب لكم في الحياة هو الإيمان والعمل الصالح، وأنكم لا تقدمون لأنفسكم مستقبلاً كمستقبل الإيمان؛ بع الدنيا، وشهرتها ومناصبها ورتبها وشهاداتها، فوالله إنها بلا إيمان هباء منثور، وإنها مع الإيمان إذا استغلت في طاعة الله نعم العون، لكن: اللهم لا تجعل نصيبنا مما عندك دنيا، ولا تجعل قسمنا إذا تقسم الناس الإيمان من الدنيا، اللهم ما زويت عنا من الدنيا ومناصبها وشهرتها ومالها فاجعله رضاً وطاعة، وحباً واستقامة، وهداية وسلوكاً. أسأل الله أن ينفع بكم أنفسكم وبلادكم والعباد، وأن يجمعكم في دار الكرامة، وأن يثيبكم على ما تقدمون للأمة من جهد، وأن يحرس بكم العباد والبلاد، وأن يحرسكم بالإيمان، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 10078

عوائق في طريق الشباب الشباب هم صمام أمان هذه الأمة، وهم مادتها وروحها، وقد علم الدين الإسلامي ما لمكانة الشباب، فعمل على تسهيل الصعاب الذي يواجهونه، وإزالة العوائق والعقبات من طريقهم. وفي هذا المادة بيان لهذه المعوقات وكيفية إزالتها.

стр. 10079

مقدمة في فضل الجزيرة وأهلها الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشكركم شكراً جزيلاً، وأشكر القائمين على هذا المعسكر، وأشكر القادة والأعضاء والحضور، وليس عندي هذه الليلة ذهب ولا فضة، ولا خيل ولا مال، ولكن عندي حب كالجبال في الله الواحد ذي الجلال، وعندي أشواق ونطق وكلام، وأنا الليلة أقول لكم كما قال أبو الطيب المتنبي: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال واجز الكرام الألى أهدوا محبتهم حباً وبادلهم فالحب أمثال وأشكر أبناء الجزيرة الذين اجتمعوا من كل مكان، من الشمال والجنوب من الشرق والوسط والغرب، أتوا هنا تحت مظلة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أبناء الجزيرة لا تعصباً ولكن حقيقة، أبناء الجزيرة لا افتخاراً ولكن اعترافاً، أبناء الجزيرة لا تبجحاً ولكن امتثالاً، أبناء الجزيرة التي تحطم على صخرتها رءوس الملاحدة، وجماجم الزنادقة. أنا الجزيرة في عيني عباقرة الفجر والفهم والتاريخ والصحف أنا الجزيرة بيت الله قبلتها وفي ربا عرفات دهرنا يقف سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا هذه هي الجزيرة، ليست بالنخل ولا بالتراب، الجزيرة ليست بالماء ولا بالهواء، الجزيرة ليست بالجبال ولا بالسهول، الجزيرة بالرسالة الخالدة التي هبطت عليها، نزل جبريل من السماء فما وقع في أرض إلا في الجزيرة، وهبط الوحي نيراً من عند الواحد الأحد، من عند الرحمن، من عند الذي فوق العرش استوى، فخاطب الجزيرة، وأتى جبريل كالنجم إذا تلألأ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]. فخاطب الجزيرة، غار حراء في الجزيرة، والكعبة في الجزيرة، وزمزم في الجزيرة، ومحمد ﵊ يرقد في الجزيرة، وكذلك السادة الأخيار أبو بكر، وعمر، وعثمان. فيا أبناء سعد! ويا أبناء القعقاع! ويا أبناء المثنى! ماذا ينتظر العالم من الجزيرة؟ أينتظر منها البترول فقط؟ أو التمر فحسب؟ أو التراب أو المعادن؟ لا. إنه ينتظر شيئاً أعظم وأغلى، وأجل وأسعد ينتظر لا إله إلا الله محمداً رسول الله، ينتظر الإيمان ينتظر أن نُسلم إليه حياة القلوب ينتظر أن نهدي إليه النور. أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه محمد إقبال شاعر الـ باكستان له قصيدة ينادي بها محمداً ﵊، ولكن للأسف! لم تترجم في قصيدة وإنما ترجمت نثراً، يقول في قصيدة له أخرى: إن كان لي نغم الهنود ودنهم لكن ذاك الدن من عدنان يقول: يا محمد! يا رسول الله! إن كنت أتكلم أنا بالأردو وبالهندية، لكن قلبي عربي عدناني فيه القرآن، إن كنت لا أجيد أن أتلفظ بألفاظك، فأنا أعيش مشاعرك وأفكارك، ودمي دمك، هذا معنى الكلام. لكن في قصيدته الأخرى التي ترجمت إلى نثر يقول: يا رسول الله! أنا زرتك البارحة، ونظرت إلى أبناء الجزيرة الذين رفعوا معالم التوحيد في الأرض، فما وجدتهم، أين هم يا رسول الله؟ والمعنى: أين أحفاد طلحة والزبير وسعد. حضر مع الرسول ﵊ في حجة الوداع مائة وأربعة عشر ألف مسلم، محرمين مهللين، مكبرين ساجدين، مات ثلاثة أرباعهم في أنحاء الكرة الأرضية، منهم من مات في قندهار، ومنهم في الهند، ومنهم في السند، ومنهم من توزعت بهم الفيافي يرفعون لا إله إلا الله.

стр. 10080

الصحوة عند الشباب المسلم عنوان المحاضرة هي: معوقات في طريق الشباب، ونحن الآن في فترة يجب أن نقف مع الشباب ونحترم أفكارهم، ونقف معهم مربين ملياً، ونسعد بآرائهم في فترة أصبح رصيد الإسلام وقوته في الشباب، وأصبح زمان الإسلام وهيبته في الشباب، في فترة أصبح فيها الشباب الذين كانوا بالأمس عرضة وصرعى أمام الموسيقى الوالهة، والمجلة الخليعة، والأغنية الماجنة، أصبحوا الآن يرفعون لا إله إلا الله ويمتثلون تعاليم محمد رسول الله ﷺ . صحوة عارمة، شهد بها العدو قبل الصديق، لكن بعض المنافقين والمرتدين يهونون من شأن الصحوة، فمرة يصفونها بعصابة متطرفة، خرجت على الناس، أأتباع محمد ﵊ ناشر العدل في العالم عصابة متطرفة؟! أأحفاده الذين حرروا الإنسان من الظلم والكهنوت والتبجح والجبروت عصابة متطرفة؟! الذين يملئون الحرم المكي والنبوي والمساجد، ويهللون ويصلون. لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وصرنا للعلا عجباً بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضباً عافوا حياة الخنى والرجس واغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنباً قلت في بعض المحاضرات والله الشاهد: لقد أتت رسائل من بعض الطلبة الذين سافروا من عدن وكانوا شيوعيين ماركسيين، عرب ماركسيون، عرب يخاصمون محمداً ﷺ ، عرب يحاربون العربي العبقري النبي الأمي، ومن الذي أذاق محمداً ﷺ الغصص إلا العرب، طوقوه في بدر، وحاربوه في أحد، وحاصروه في المدينة في معركة الأحزاب في الحلف الابتداعي المنافق الوثني، يوم اجتمعت قوى الشيطان وقوى الشرك في حرب الرسول ﵊. العرب الذين تخلى كثير منهم عن لا إله إلا الله محمد رسول الله، عرب صبرا وشاتيلا، عرب أيلول الأسود، عرب عراق البعث الذي احتل الكويت، يقول فيهم الشاعر: وحدويون، لأن البعث يقول: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، لكن بدون محمد ﵊، يقول: عرب بدون محمد، يعني عرب بـ ميشيل عفلق، وعرب بـ عبد الناصر وأمثالهم. وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أجزاء ماركسيون والجماهير جوعا فلماذا لا تشبع الفقراء لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء أيها الكرام! أتت رسائل من بعض الطلبة من عدن ذهبوا إلى أزبكستان جنوب الاتحاد السوفيتي يدرسون هناك، وكانوا ملحدين يوم ذهبوا، فلما وصلوا احتضنهم شباب الصحوة من تلكم الجمهوريات الإسلامية، جمهوريات البخاري صاحب الصحيح، والترمذي والنسائي، وسيبويه والكسائي، فاستقبلوهم ودلوهم على الإسلام فأعلنوا إسلامهم، وأرسلوا يطلبون مصاحف وأشرطة إسلامية من أزبكستان، والله لقد أتت رسائل من استراليا من بعض الشباب، وقالوا: لقد بلغتنا الأشرطة الإسلامية هناك، ونبشركم أننا نملأ المساجد، وأن المراكز أصبحت متجهة إلى الله الواحد الأحد، وأصبحنا ندعو الناس فيدخلون في دين الله زرافات ووحداناً. صحوة بلغت المشارق والمغارب، ولا يهمنا أن يتكلم اليهود والنصارى علينا في الصحف، ويلطخون سمعتنا في المجلات، فإن هذا إن شاء الله من علامات القبول عنده، يقول : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] ويقول : ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً﴾ [آل عمران:١١١]. ويقول : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]. رب من أنضجت حقداً قلبه قد تمنى لي موتاً لم يطع ويراني كالشجى في حلقه جلجلاً في حلقه ما ينتزع كيف تبغون سقوطي بعدما لمع السيف عليكم ووقع هذه هي صحوة أجراها الواحد الأحد، لأن الله يريد أن يعيد الدنيا إليه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠] ولا بد أن ترسخ مبادئ محمد ﷺ .

стр. 10081

معوقات في طريق شباب الصحوة أيها الإخوة! أكثرنا الآن شباب، وأكثر من يركز عليه الآن الشباب، والذين يحضرون الجمع والجماعات هم الشباب، والذين تشرف بهم المحاضرات والندوات هم الشباب، لا استصغاراً لكبار السن، فهم آباؤنا وأشياخنا، وكبار السن فينا لهم الوقار لكن هذا الواقع. كان قبل سنوات يبشر بالشاب الملتزم، الآن إذا جلس الخطيب ينتظر انتهاء المؤذن ليؤدي الخطبة وليندفع في الحديث، ينظر في المسجد فيرى الشباب ولا يرى من كبار السن في الثلاثة الصفوف أو الأربعة إلا واحداً، لكن في العشر الأواخر من رمضان يكتض الحرم المكي بمئات الآلآف من الشباب، والمحاضرات في كل القطاعات، كلها تنبئ أن هذا الشباب أصبح واعياً، وأنه عرف أنه لا طريق له ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا في اتباع الرسول ﵊. إما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا رضينا بك اللهم رباً وخالقا وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا ثم يكون إمامنا محمد ﷺ وليس ميشيل عفلق، أو كارل ماركس، أو لينين أو استالين، ويكون إمامنا في الصلاة، وفي الحياة، وفي الأدب، وفي السلوك. إذاً فما هي المعوقات التي تعوق دوننا ودون الهداية نحن معشر الشباب؟ وسوف أسردها ثم أفصل فيها: الأول: ضعف الصلة بربهم ﵎ في بعض النواحي. الثاني: شرك الخوف وضعف التوكل. الثالث: عدم الاهتمام بالفقه في الدين. الرابع: الهامشية في حياة الكثير من الشباب. الخامس: تقريع النفس إلى درجة عدم الثقة بها. السادس: قلة الصبر أمام المغريات. السابع: تأثير الرفاهية العصرية في الجد والاجتهاد. الثامن: روح الانهزام عند الكثير مع الإحباط واليأس. التاسع: الإفراط في التفاؤل عند البعض، ومبناه على بعض الملابسات والمرئيات. العاشر: تمزق الوقت بين الملهيات والتسويف. الحادي عشر: عدم معرفة الشاب لمواهبه واستعداداته. الثاني عشر: ضعف صلة الشباب بالدعاة والعلماء. هذه المعوقات جمعتها من كلام كثير من أهل العلم والمربين والمفكرين.

стр. 10082

الأول: ضعف الصلة بالله أيها الإخوة: أول معوق يعيشه شبابنا، وبالأخص شباب الصحوة: ضعف الصلة بربهم ﵎، إن بين العبد وبين الله حبلاً لا ينقطع، وحبال البشر تتقطع دائماً، والعجيب ﴿أن الصحابة رضوان الله عليهم سافروا مع الرسول ﵊، فلما أصبحوا في الطريق قالوا: يا رسول الله! أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ -أي: نرفع أصواتنا- فأنزل الله قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]﴾. بين العبد وبين الله أن يرفع يديه، فيسمعه الله ويستجيب دعوته، وهذه الصلة تكمن في صور شتى في العبادات، على الشباب أن يجعلوها نصب العين، فمن أعظم الصلة الصلاة، وسميت بالصلاة لأنها صلة بين العبد وبين ربه، قال أحد الصالحين: هنيئاً لك يا بن آدم: بينك وبين الله أن تتوضئ وتدخل عليه في بيته، ولذلك سمي المسجد بيته سبحانه لأن البيت ليس لأحد من الناس، وبيته هذا يجتمع فيه الملك والمملوك، والرئيس والمرءوس، والتاجر والفقير، فيستمعون كلهم لكلام رجل واحد، عليهم أن ينصتوا له وجوباً من الشرع. ومن صور الاتصال: الدعاء، وهذا ما نفقده كثيراً، أن نرفع أكفنا دائماً إلى الله الواحد الأحد، فإن الله يرضى إذا سألته، ويغضب إذا تركت سؤاله. الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنيَّ ابن آدم حين يسأل يغضب فالإنسان كلما سألته غضب، والله إذا ألححت عليه أكثرت من المسألة رضي عنك، فكان على الشباب وجوباً أن يكثروا من السؤال والانطراح بين يدي الله ، ومن أكثر من السؤال فلن يخيبه الله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]. وهناك حديث: ﴿لن يهلك مع الدعاء أحد﴾ وعند الترمذي ﴿أفضل العبادة انتظار الفرج﴾ فحق علينا يا معاشر شباب الإسلام! أن نكثر الصلة بالله ونقويها. ومن صور الصلة: الذكر، تسبيحه وتحميده، خاصة أمام الوسائل المغرية الهادمة الهادفة إلى تدمير الجيل المسلم الذي يهدد العالم، كما يذكر كثير منهم مثل الكهنوتي المستشرق القسيس زويمر في الغارة على العالم الإسلامي، يذكر أن المارد الجبار هو الإسلام، وأن الذي يهدد هذه الأرض هو الإسلام، لأنه كما قال : ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] والإسلام يريد أن يرفع الإنسان ويهديه. ومن صور الصلة: قراءة القرآن بتمعن وتدبر، وحق على قادة مثل هذه المعسكرات الكشفية والأساتذة الكرام، والدعاة المربين أن يرشدوا الجيل إلى كتاب الله "إلى حفظه" إلى تدبر آياته، والعمل به، وليكن أعظم كتاب لديهم وأعظم كنز يحملونه.

стр. 10083

الثاني: شرك الخوف وضعف التوكل قلت في كثير من المحاضرات وأقول الليلة: لا أعرف أحداً أمامي من الجلوس يعبد الشجر، أو يسجد للحجر، أو يتمسح بالجدران شركاً بالله ، لا. الكل موحد، لكن الذي نخشاه أن بعض الناس ممن يصلي الصلوات الخمس، ويحج البيت، ويعتمر في رمضان، ويصلي التراويح، ويقرأ القرآن، يُخشى عليهم أن يكون عندهم شرك خوف، يخافون من البشر أعظم من خوفهم من رب البشر، وقد وجدناه في الأساتذة، ووجدناه في الطلاب، ووجدناه في الكبار والصغار، ولا نبرئ أنفسنا، وجدنا أن منهم قطاعاً هائلاً يخافون من البشر أعظم من خوفهم من رب البشر، فيتحسسون في الكلمات، ويتأكدون من العبارات، ويتثبتون في مواقفهم حتى لا يقعوا في إرباك مع البشر، بينما لا تجد هذا التثبت وهذا التأني وهذا الخوف مع الله فأين الخوف من الله؟ يذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن من نواقض لا إله إلا الله شرك الخوف، أن تخاف من غير الله أعظم من خوفك من الله، والله يقول: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] ويقول الله : ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] ويقول : ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦]. عجبت لشاعر نبطي يدعو إلى الله ، وقد أوذي لأنه يدعو إلى الله، أتظنون أن الداعية لا يؤذى إذا رأيت الداعية لا يؤذى، فاتهم دعوته وإيمانه، والأنبياء والرسل أعظم شاهد على ذلك. يقول بعض العلماء: إن أهل العلم سلفاً وخلفاً يتهمون العالم إذا لم يؤذ، فهذا الداعية كان شاعراً نبطياً موحداً يدعو إلى الله فأوذي، فيقول لدعاة الباطل: لم تكونوا أشجع مني -سوف أترجمها لكم ببيتين هو نظمها- يقول: لم تكونوا أشجع مني، أراكم شجعان على مبادئكم وهي ضالة. البعض يقتل تحت الدبابات، وتفجر بهم المجنزرات وهم على البعث، يموتون إلى النار، وفروخ العلمنة يقدمون رءوسهم رخيصة من أجل العلمنة، والشيوعيون في أفغانستان يقتلون بعشرات الألوف لتبقى مبادئهم وهي ضالة، فأين شباب محمد ﵊، فيقول فيها: أنا يا كرى مثلك يحب العلى شجعان يراهن براسه ما يخاف الشمالِيَّه أنا بعت راسي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النيه هذه أبيات رهيبة جداً، يقول: أنا يا طاغوت! أشجع منك، تهددني بالموت لكي أقدم مبادئي ودعوتي وعقيدتي (أنا يا كرى مثلك يحب العلى) كلنا يحب العلى، وكلنا يريد المجد، والله يقول: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. يقول: إن كنتم تألمون من الجراح وضرب السيوف والطلقات النارية والقذائف والصواريخ، فهم يألمون مثلكم، لكن أنتم ترجون جنة وهم لا يرجون شيئاً، ولذلك النابغة الجعدي أحد الشعراء وقد وفد على الرسول ﵊ يقول: سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا بلغنا السما مجداً وجوداً وسؤدداً وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قيل: إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة، قال ﷺ : ﴿لا فض فوك﴾. أيها الإخوة! لماذا لا نتوكل على الله؟ لماذا لا ننزع الخوف من البشر؟ لماذا لا نقدم دعوتنا للناس؟ لماذا لا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ثم نعتمد على الله؟ هل علمتم أقوى من الله؟ يقول سبحانه: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] وكل من غير الله دونه، ويقول : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٥ - ١٧٤]. شاب أتى من بعض المستشفيات قال: رأيت كثيراً من النساء عاريات وشبه عاريات، يعني بملابس مغضبة لله مع الاختلاط، فقلت: لماذا لم تنه عن المنكر والله يقول على لسان لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧]؟ قال: أخاف، قلت: فلماذا تقول في الصباح: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً؟ ولماذا تقول: لا إله إلا الله؟ إنسان يرى مجلات خليعة تباع بالعشرات، هادمة هابطة، المجلة الواحدة تستطيع أن تدمر شعباً كاملاً، فلماذا لا تنهى عن المنكر بالتي هي أحسن، وتنصح صاحب المحل، ويأتي غيرك من الشباب ينصحونه، وغيركم يتحدث حتى تصبح ظاهرة، وتصبح مسألة تدار في المجتمع؟ وآخر قال: رأيت مضيفة وقد جرحت مشاعر المسلمين بهيكلها وتصنعها وتثنيها، قلت: ولماذا لا تنهى وتأمر؟ قال: أخاف، هذا واقع كثير من الشباب، وهي من نقاط الضعف ومن المعوقات عن تحمل العبء والرسالة الخالدة التي بعث بها محمد ﷺ .

стр. 10084

الثالث: عدم الاهتمام بالفقه في الدين كثير من شباب الصحوة يحب الله ورسوله والدار الآخرة، وكثير منهم عنده تصور مجمل لعموميات الإسلام، لكن الأحكام الشرعية، الفقه في الدين، طلب العلم الشرعي، ليس عند الكثير منهم. قد يحضرون المحاضرات العامة، لكن أن يأتي إلى العالم فيقرأ عليه كتاباً، أو يبحث مسائل في الشرع، أو يحفظ الأحاديث بتخريجها، أو يعرف المسألة بدليلها، فلا ترى ذلك إلا عند القليل منهم، وهذا نقص، يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾. يا شباب الإسلام! يا رواد الصحوة! يا حملة المبادئ! لابد أن نقبل على العلم الشرعي، والتفقه في الدين إقبالاً تاماً، لا أعلم مدينة من المدن الشهيرة في البلاد إلا وفيها علماء يدرسون، وفيها طلبة علم ودعاة عندهم دروس وحلقات، وإذا لم تستطع فأقبل على الكتب واقرأ، ومشكلتنا -صراحة التي هي عيب علينا أمام العالم- عدم الرغبة في القراءة. يقول موشي ديان في كتابه السيف هو الحكم وقد ترجم هذا الكتاب، يقول فيه: العرب أمة لا تقرأ، يقصد العدو الهالك أنه في فترة من الفترات، تصوروا أن إسرائيل عن طريق الخطأ نشرت أسراراً عن أسلحتها النووية في المنطقة، وأعداد الجيش والقوات، ولم يعلم العرب بذلك، فكان يضحك وهو في واشنطن ويقول: العرب قوم لا يقرءون. وهذا تسري حتى على شباب الصحوة، فأقل الناس قراءة هم العرب، وأقل أهل الأديان قراءة هم المسلمون، ثم أقل أهل المناطق قراءة هم أهل هذه المناطق وهذه البلاد أقولها صراحة. إنك لتفاجأ حين تركب في حافلة أو في طائرة وتجد كثيراً من الأوروبيين والأمريكان وهم يقرءون في كتبهم، وتجد هذا المسلم وهو يتلفت في الأشباح والصور والملامح ويعدد الذاهب والآيب، وهذا أمر ملحوظ لا ينكره أحد. إذاً مسئولية مَنْ ألا نقرأ؟! مسئولية من ألا نتعلم؟! مسئولية من أن يمر بك يوم واحد وأنت لم تعرف آية، أو تتدبر حديثاً أو تخرج مسألة، أو تحقق معلومة، أو تقرأ مجموعة من المعلومات؟! حتى إني أعلم أن كثيراً من الشباب الآن سوف ينامون بعد أربع ساعات أو خمس، وإذا سألت أحدهم عن سجله اليومي من يوم أن أشرقت عليه الشمس فلن تجده استفاد معلومة. أي: أن حياته مكانها، تعود على أشياء؛ تعود على تدريب رياضي مثلاً، وزيارة زملائه، والخروج في النزهة، والصلوات الخمس، لكن أن يجدد في حياته فهذا أمر ليس عند الكثير، فهو هو أمس، وهو هو اليوم، قال بعض التابعين: [[يوم لا أزداد فيه خيراً فلا غربت شمس ذلك اليوم]]. وقال بعضهم: إني لا يحق لي أن أنام إلا بزيادة في علمي، كان أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي عالم الدنيا، من العلماء الجهابذة الكبار، كان يجعل أوراقاً من الأوراق البيض عند رأسه فإذا أتى ينام كتب ما يقارب خمسة وعشرين صفحة، قالوا: ما لك؟ قال: لا أنام حتى يضمني النوم ولا أضمه، ونعرف أن من الشباب من يبقى يتحرى النوم ساعتين وهو يتقلب على فراشه، وهاتان الساعتان ألف فيهما شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة التدمرية التي قرأها الشباب في أولى أصول الدين في سنة كاملة، ولم ينجح منهم إلا الثلث، لأنها تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.

стр. 10085

الرابع: الهامشية في حياة الكثير من الشباب أنا أعرف أن كثيراً من الشباب يرى أنه خارج الخارطة، وأن الناس لا ينظرون إليه، وأن المهمة ملقاة على غيره، إن تحدثت له مثلاً: لماذا لا تعد نفسك لأن تكون مفتياً في المنطقة؟ قال: القضاة كفونا ذلك. لماذا لا تكون وتبني نفسك لتكون خطيباً ينفع الله بك أمة محمد ﵊؟ قال: الخطباء متوفرون والحمد لله. ولماذا لا تكون داعية؟ قال: الدعاة متواجدون. ولماذا لا تكون عالماً؟ قال: العلماء الحمد لله امتلأت بهم البلاد. فأين أنت؟ ما هو دورك في الحياة؟ ما هو مقامك في هذا الكرة؟ وماذا تقول لله غداً إذا سألك؟ ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥]. لا معاذير في الإسلام، أن يأتي الإنسان يوم العرض الأكبر ويقول: أنا يا رب! أعفيتني من الخطابة والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تربية الأمة، ومن هداية الجيل، ومن توجيهات الشباب، لا والله لا يعفى، الهامشيون الآن عددهم كثير، حتى إن عملهم سلبي، صحيح أن عندهم عواطف، لكن لا يدري كيف يفرغها، يعني أنه مجروح من واقع الأمة، ومجروح من واقع المجتمع، لكن أن تطلب منه عملاً بناءً ينفع به أمته، وجيله، ومستقبله، فلن يفعل ذلك!. مثلاً أنا أعرف أن الله لم يخلق الناس كلهم خطباء، ولا شعراء، ولا دعاة، ولا علماء، ولا أطباء، ولا مهندسين، ولا طيارين، ولا تجاراً، ولا فلاحين، ولا جنوداً، لكن قد علم كل أناس مشربهم، جعل الله لكل رجل منهم استعداداً ولكن لماذا أيها الشباب! ترضى لنفسك أن تكون هامشياً في الحياة؟ الله رزقك وخلقك لمهمة، واستودعك رسالة، ثم تعيش في هامش الأحداث ولا تشارك بدعوة، أو بنصيحة، أو بتأثير في مجتمعك، لماذا تفعل هذا؟!
следующие страницы →