Полный текст (10 391 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.
стр. 10081
معوقات في طريق شباب الصحوة
أيها الإخوة! أكثرنا الآن شباب، وأكثر من يركز عليه الآن الشباب، والذين يحضرون الجمع والجماعات هم الشباب، والذين تشرف بهم المحاضرات والندوات هم الشباب، لا استصغاراً لكبار السن، فهم آباؤنا وأشياخنا، وكبار السن فينا لهم الوقار لكن هذا الواقع.
كان قبل سنوات يبشر بالشاب الملتزم، الآن إذا جلس الخطيب ينتظر انتهاء المؤذن ليؤدي الخطبة وليندفع في الحديث، ينظر في المسجد فيرى الشباب ولا يرى من كبار السن في الثلاثة الصفوف أو الأربعة إلا واحداً، لكن في العشر الأواخر من رمضان يكتض الحرم المكي بمئات الآلآف من الشباب، والمحاضرات في كل القطاعات، كلها تنبئ أن هذا الشباب أصبح واعياً، وأنه عرف أنه لا طريق له ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا في اتباع الرسول ﵊.
إما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا
رضينا بك اللهم رباً وخالقا وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا
ثم يكون إمامنا محمد ﷺ وليس ميشيل عفلق، أو كارل ماركس، أو لينين أو استالين، ويكون إمامنا في الصلاة، وفي الحياة، وفي الأدب، وفي السلوك.
إذاً فما هي المعوقات التي تعوق دوننا ودون الهداية نحن معشر الشباب؟ وسوف أسردها ثم أفصل فيها:
الأول: ضعف الصلة بربهم ﵎ في بعض النواحي.
الثاني: شرك الخوف وضعف التوكل.
الثالث: عدم الاهتمام بالفقه في الدين.
الرابع: الهامشية في حياة الكثير من الشباب.
الخامس: تقريع النفس إلى درجة عدم الثقة بها.
السادس: قلة الصبر أمام المغريات.
السابع: تأثير الرفاهية العصرية في الجد والاجتهاد.
الثامن: روح الانهزام عند الكثير مع الإحباط واليأس.
التاسع: الإفراط في التفاؤل عند البعض، ومبناه على بعض الملابسات والمرئيات.
العاشر: تمزق الوقت بين الملهيات والتسويف.
الحادي عشر: عدم معرفة الشاب لمواهبه واستعداداته.
الثاني عشر: ضعف صلة الشباب بالدعاة والعلماء.
هذه المعوقات جمعتها من كلام كثير من أهل العلم والمربين والمفكرين.
стр. 10082
الأول: ضعف الصلة بالله
أيها الإخوة: أول معوق يعيشه شبابنا، وبالأخص شباب الصحوة: ضعف الصلة بربهم ﵎، إن بين العبد وبين الله حبلاً لا ينقطع، وحبال البشر تتقطع دائماً، والعجيب ﴿أن الصحابة رضوان الله عليهم سافروا مع الرسول ﵊، فلما أصبحوا في الطريق قالوا: يا رسول الله! أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ -أي: نرفع أصواتنا- فأنزل الله قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]﴾.
بين العبد وبين الله أن يرفع يديه، فيسمعه الله ويستجيب دعوته، وهذه الصلة تكمن في صور شتى في العبادات، على الشباب أن يجعلوها نصب العين، فمن أعظم الصلة الصلاة، وسميت بالصلاة لأنها صلة بين العبد وبين ربه، قال أحد الصالحين: هنيئاً لك يا بن آدم: بينك وبين الله أن تتوضئ وتدخل عليه في بيته، ولذلك سمي المسجد بيته سبحانه لأن البيت ليس لأحد من الناس، وبيته هذا يجتمع فيه الملك والمملوك، والرئيس والمرءوس، والتاجر والفقير، فيستمعون كلهم لكلام رجل واحد، عليهم أن ينصتوا له وجوباً من الشرع.
ومن صور الاتصال: الدعاء، وهذا ما نفقده كثيراً، أن نرفع أكفنا دائماً إلى الله الواحد الأحد، فإن الله يرضى إذا سألته، ويغضب إذا تركت سؤاله.
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنيَّ ابن آدم حين يسأل يغضب
فالإنسان كلما سألته غضب، والله إذا ألححت عليه أكثرت من المسألة رضي عنك، فكان على الشباب وجوباً أن يكثروا من السؤال والانطراح بين يدي الله ، ومن أكثر من السؤال فلن يخيبه الله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].
وهناك حديث: ﴿لن يهلك مع الدعاء أحد﴾ وعند الترمذي ﴿أفضل العبادة انتظار الفرج﴾ فحق علينا يا معاشر شباب الإسلام! أن نكثر الصلة بالله ونقويها.
ومن صور الصلة: الذكر، تسبيحه وتحميده، خاصة أمام الوسائل المغرية الهادمة الهادفة إلى تدمير الجيل المسلم الذي يهدد العالم، كما يذكر كثير منهم مثل الكهنوتي المستشرق القسيس زويمر في الغارة على العالم الإسلامي، يذكر أن المارد الجبار هو الإسلام، وأن الذي يهدد هذه الأرض هو الإسلام، لأنه كما قال : ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] والإسلام يريد أن يرفع الإنسان ويهديه.
ومن صور الصلة: قراءة القرآن بتمعن وتدبر، وحق على قادة مثل هذه المعسكرات الكشفية والأساتذة الكرام، والدعاة المربين أن يرشدوا الجيل إلى كتاب الله "إلى حفظه" إلى تدبر آياته، والعمل به، وليكن أعظم كتاب لديهم وأعظم كنز يحملونه.
стр. 10083
الثاني: شرك الخوف وضعف التوكل
قلت في كثير من المحاضرات وأقول الليلة: لا أعرف أحداً أمامي من الجلوس يعبد الشجر، أو يسجد للحجر، أو يتمسح بالجدران شركاً بالله ، لا.
الكل موحد، لكن الذي نخشاه أن بعض الناس ممن يصلي الصلوات الخمس، ويحج البيت، ويعتمر في رمضان، ويصلي التراويح، ويقرأ القرآن، يُخشى عليهم أن يكون عندهم شرك خوف، يخافون من البشر أعظم من خوفهم من رب البشر، وقد وجدناه في الأساتذة، ووجدناه في الطلاب، ووجدناه في الكبار والصغار، ولا نبرئ أنفسنا، وجدنا أن منهم قطاعاً هائلاً يخافون من البشر أعظم من خوفهم من رب البشر، فيتحسسون في الكلمات، ويتأكدون من العبارات، ويتثبتون في مواقفهم حتى لا يقعوا في إرباك مع البشر، بينما لا تجد هذا التثبت وهذا التأني وهذا الخوف مع الله فأين الخوف من الله؟
يذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن من نواقض لا إله إلا الله شرك الخوف، أن تخاف من غير الله أعظم من خوفك من الله، والله يقول: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] ويقول الله : ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] ويقول : ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦].
عجبت لشاعر نبطي يدعو إلى الله ، وقد أوذي لأنه يدعو إلى الله، أتظنون أن الداعية لا يؤذى إذا رأيت الداعية لا يؤذى، فاتهم دعوته وإيمانه، والأنبياء والرسل أعظم شاهد على ذلك.
يقول بعض العلماء: إن أهل العلم سلفاً وخلفاً يتهمون العالم إذا لم يؤذ، فهذا الداعية كان شاعراً نبطياً موحداً يدعو إلى الله فأوذي، فيقول لدعاة الباطل: لم تكونوا أشجع مني -سوف أترجمها لكم ببيتين هو نظمها- يقول: لم تكونوا أشجع مني، أراكم شجعان على مبادئكم وهي ضالة.
البعض يقتل تحت الدبابات، وتفجر بهم المجنزرات وهم على البعث، يموتون إلى النار، وفروخ العلمنة يقدمون رءوسهم رخيصة من أجل العلمنة، والشيوعيون في أفغانستان يقتلون بعشرات الألوف لتبقى مبادئهم وهي ضالة، فأين شباب محمد ﵊، فيقول فيها:
أنا يا كرى مثلك يحب العلى شجعان يراهن براسه ما يخاف الشمالِيَّه
أنا بعت راسي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النيه
هذه أبيات رهيبة جداً، يقول: أنا يا طاغوت! أشجع منك، تهددني بالموت لكي أقدم مبادئي ودعوتي وعقيدتي (أنا يا كرى مثلك يحب العلى) كلنا يحب العلى، وكلنا يريد المجد، والله يقول: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
يقول: إن كنتم تألمون من الجراح وضرب السيوف والطلقات النارية والقذائف والصواريخ، فهم يألمون مثلكم، لكن أنتم ترجون جنة وهم لا يرجون شيئاً، ولذلك النابغة الجعدي أحد الشعراء وقد وفد على الرسول ﵊ يقول:
سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا
بلغنا السما مجداً وجوداً وسؤدداً وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قيل: إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة، قال ﷺ : ﴿لا فض فوك﴾.
أيها الإخوة! لماذا لا نتوكل على الله؟ لماذا لا ننزع الخوف من البشر؟ لماذا لا نقدم دعوتنا للناس؟ لماذا لا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ثم نعتمد على الله؟ هل علمتم أقوى من الله؟ يقول سبحانه: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] وكل من غير الله دونه، ويقول : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٥ - ١٧٤].
شاب أتى من بعض المستشفيات قال: رأيت كثيراً من النساء عاريات وشبه عاريات، يعني بملابس مغضبة لله مع الاختلاط، فقلت: لماذا لم تنه عن المنكر والله يقول على لسان لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧]؟ قال: أخاف، قلت: فلماذا تقول في الصباح: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً؟ ولماذا تقول: لا إله إلا الله؟
إنسان يرى مجلات خليعة تباع بالعشرات، هادمة هابطة، المجلة الواحدة تستطيع أن تدمر شعباً كاملاً، فلماذا لا تنهى عن المنكر بالتي هي أحسن، وتنصح صاحب المحل، ويأتي غيرك من الشباب ينصحونه، وغيركم يتحدث حتى تصبح ظاهرة، وتصبح مسألة تدار في المجتمع؟
وآخر قال: رأيت مضيفة وقد جرحت مشاعر المسلمين بهيكلها وتصنعها وتثنيها، قلت: ولماذا لا تنهى وتأمر؟ قال: أخاف، هذا واقع كثير من الشباب، وهي من نقاط الضعف ومن المعوقات عن تحمل العبء والرسالة الخالدة التي بعث بها محمد ﷺ .
стр. 10084
الثالث: عدم الاهتمام بالفقه في الدين
كثير من شباب الصحوة يحب الله ورسوله والدار الآخرة، وكثير منهم عنده تصور مجمل لعموميات الإسلام، لكن الأحكام الشرعية، الفقه في الدين، طلب العلم الشرعي، ليس عند الكثير منهم.
قد يحضرون المحاضرات العامة، لكن أن يأتي إلى العالم فيقرأ عليه كتاباً، أو يبحث مسائل في الشرع، أو يحفظ الأحاديث بتخريجها، أو يعرف المسألة بدليلها، فلا ترى ذلك إلا عند القليل منهم، وهذا نقص، يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾.
يا شباب الإسلام! يا رواد الصحوة! يا حملة المبادئ! لابد أن نقبل على العلم الشرعي، والتفقه في الدين إقبالاً تاماً، لا أعلم مدينة من المدن الشهيرة في البلاد إلا وفيها علماء يدرسون، وفيها طلبة علم ودعاة عندهم دروس وحلقات، وإذا لم تستطع فأقبل على الكتب واقرأ، ومشكلتنا -صراحة التي هي عيب علينا أمام العالم- عدم الرغبة في القراءة.
يقول موشي ديان في كتابه السيف هو الحكم وقد ترجم هذا الكتاب، يقول فيه: العرب أمة لا تقرأ، يقصد العدو الهالك أنه في فترة من الفترات، تصوروا أن إسرائيل عن طريق الخطأ نشرت أسراراً عن أسلحتها النووية في المنطقة، وأعداد الجيش والقوات، ولم يعلم العرب بذلك، فكان يضحك وهو في واشنطن ويقول: العرب قوم لا يقرءون.
وهذا تسري حتى على شباب الصحوة، فأقل الناس قراءة هم العرب، وأقل أهل الأديان قراءة هم المسلمون، ثم أقل أهل المناطق قراءة هم أهل هذه المناطق وهذه البلاد أقولها صراحة.
إنك لتفاجأ حين تركب في حافلة أو في طائرة وتجد كثيراً من الأوروبيين والأمريكان وهم يقرءون في كتبهم، وتجد هذا المسلم وهو يتلفت في الأشباح والصور والملامح ويعدد الذاهب والآيب، وهذا أمر ملحوظ لا ينكره أحد.
إذاً مسئولية مَنْ ألا نقرأ؟! مسئولية من ألا نتعلم؟! مسئولية من أن يمر بك يوم واحد وأنت لم تعرف آية، أو تتدبر حديثاً أو تخرج مسألة، أو تحقق معلومة، أو تقرأ مجموعة من المعلومات؟! حتى إني أعلم أن كثيراً من الشباب الآن سوف ينامون بعد أربع ساعات أو خمس، وإذا سألت أحدهم عن سجله اليومي من يوم أن أشرقت عليه الشمس فلن تجده استفاد معلومة.
أي: أن حياته مكانها، تعود على أشياء؛ تعود على تدريب رياضي مثلاً، وزيارة زملائه، والخروج في النزهة، والصلوات الخمس، لكن أن يجدد في حياته فهذا أمر ليس عند الكثير، فهو هو أمس، وهو هو اليوم، قال بعض التابعين: [[يوم لا أزداد فيه خيراً فلا غربت شمس ذلك اليوم]].
وقال بعضهم: إني لا يحق لي أن أنام إلا بزيادة في علمي، كان أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي عالم الدنيا، من العلماء الجهابذة الكبار، كان يجعل أوراقاً من الأوراق البيض عند رأسه فإذا أتى ينام كتب ما يقارب خمسة وعشرين صفحة، قالوا: ما لك؟ قال: لا أنام حتى يضمني النوم ولا أضمه، ونعرف أن من الشباب من يبقى يتحرى النوم ساعتين وهو يتقلب على فراشه، وهاتان الساعتان ألف فيهما شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة التدمرية التي قرأها الشباب في أولى أصول الدين في سنة كاملة، ولم ينجح منهم إلا الثلث، لأنها تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
стр. 10085
الرابع: الهامشية في حياة الكثير من الشباب
أنا أعرف أن كثيراً من الشباب يرى أنه خارج الخارطة، وأن الناس لا ينظرون إليه، وأن المهمة ملقاة على غيره، إن تحدثت له مثلاً: لماذا لا تعد نفسك لأن تكون مفتياً في المنطقة؟ قال: القضاة كفونا ذلك.
لماذا لا تكون وتبني نفسك لتكون خطيباً ينفع الله بك أمة محمد ﵊؟
قال: الخطباء متوفرون والحمد لله.
ولماذا لا تكون داعية؟ قال: الدعاة متواجدون.
ولماذا لا تكون عالماً؟ قال: العلماء الحمد لله امتلأت بهم البلاد.
فأين أنت؟
ما هو دورك في الحياة؟
ما هو مقامك في هذا الكرة؟
وماذا تقول لله غداً إذا سألك؟
﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥].
لا معاذير في الإسلام، أن يأتي الإنسان يوم العرض الأكبر ويقول: أنا يا رب! أعفيتني من الخطابة والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن تربية الأمة، ومن هداية الجيل، ومن توجيهات الشباب، لا والله لا يعفى، الهامشيون الآن عددهم كثير، حتى إن عملهم سلبي، صحيح أن عندهم عواطف، لكن لا يدري كيف يفرغها، يعني أنه مجروح من واقع الأمة، ومجروح من واقع المجتمع، لكن أن تطلب منه عملاً بناءً ينفع به أمته، وجيله، ومستقبله، فلن يفعل ذلك!.
مثلاً أنا أعرف أن الله لم يخلق الناس كلهم خطباء، ولا شعراء، ولا دعاة، ولا علماء، ولا أطباء، ولا مهندسين، ولا طيارين، ولا تجاراً، ولا فلاحين، ولا جنوداً، لكن قد علم كل أناس مشربهم، جعل الله لكل رجل منهم استعداداً ولكن لماذا أيها الشباب! ترضى لنفسك أن تكون هامشياً في الحياة؟
الله رزقك وخلقك لمهمة، واستودعك رسالة، ثم تعيش في هامش الأحداث ولا تشارك بدعوة، أو بنصيحة، أو بتأثير في مجتمعك، لماذا تفعل هذا؟!
стр. 10086
الخامس: تقريع النفس إلى درجة عدم الثقة بها
كثير من الشباب اهتدى بعد سنوات من المعصية، وكلنا خطاء وخير الخطائين التوابون، والله لم يعصم أحداً من الخطأ إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام، والله فتح باب التوبة، والذي يأتي من البشر كائناً من كان من الكيانات أو من السلطات ليقول لأي أحد من الناس: أنت لا تستطيع أن تتوب، وأنت محروم من مغفرة الله ورضوانه، هذا مجرم كاذب أثيم لا يحق له ذلك، فمن الذي يغلق الباب بينك وبين الله؟ ومن الذي يقطع الحبل بينك وبين الله؟ ومن الذي يستطيع ألا يرفع كلماتك إلى الله الواحد الأحد وهو يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠] ويقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١] ويقول: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]؟!
وفي القصة الصحيحة أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً، فأهدر دماءهم مع أنه لا يحق له ذلك لأنها معصومة، وذهب وسيفه يقطر دماً إلى عابد يترهب في صومعة فقال: ألي توبة؟ قال: ليس لك توبة، فضرب رأسه فقتله، فذهب إلى عالم آخر وقال: ألي توبة؟ قال: ومن يمنعك من التوبة؟ باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فتاب الله عليه، وأدخله الجنة، بعد قصة طويلة.
والمقصود أن كثيراً من الشباب قد اهتدوا، فلما اهتدوا تذكروا ماضيهم، فإذا قلت لأحدهم: عليك أن تكون داعية قال: أبعد هذا الماضي وهذه الصحائف السوداء أكون داعية؟ أنا مثلي يتكلم! ويكون خطيباً! فمن الشباب من يقول: هل مثلي يستطيع أن يقف على المنبر ليتكلم للناس، فلا يزال يقرع نفسه، ويهجوها ويسبها حتى يحبط فلا يقدم شيئاً.
بل إن كثيراً من الشباب إذا قلت لأحدهم: أنا أحبك في الله، قال: والله لو تعلم ما عندي ما أحببتني في الله، ولمَ يا أخي؟!
وتجد بعضهم عندما تقول له: يا أخي! لو ذهبت إلى القرى والبوادي تنصحهم وتدعوهم إلى الله؟ قال: أنا! مثلي يذهب إلى البوادي، أنا لا أستطيع أن أتكلم، أنا تاريخي أعرفه.
وبعضهم يقول بصراحة: أنا أظن أن الله لا يغفر لي.
وهؤلاء قد أصيبوا بالوسوسة، فهو يعد الخطايا وإلا ولو كانت كالجبال وتاب فإن الله يقول: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾.
ومع ذلك تجد أن حالة الإحباط كثيرة عند الشباب.
من ذلك: أنه عندما ندخل في السجون على كثير ممن وقع في المخدرات من الشباب، قد نجد أن بعضهم قد اهتدوا وحفظوا القرآن، وأصبحوا على السنة، والبعض منهم لا زال مصاباً بحالة الإحباط، فتأتي تجلس معه لكي تقنعه فتقول: تب إلى الله، فيقول: مثلي لا يقبل الله توبته.
قلت له: استغفر الله.
قال: لا.
إن الله يقبل توبة الإنسان الذي يعصي قليلاً أما إن كانت مثل الجبال فلا يغفرها الله.
قلنا: أنت تفتي نفسك بهذا، أيحق لك في الإسلام أن تقول هذا؟! هذا حرام.
يذكر أن رجلاً من بني إسرائيل رأى فاسقاً يمر به، فقال: تب إلى الله؟ قال الفاسق: اتركني وربي، أي: أنا أصطلح مع الله، وهذا ليس بمنطق، لكن هكذا وقعت القصة.
فقال له مرة ثانية: تب إلى الله.
قال: اتركني وربي.
قال: والله لا يغفر الله لك.
فقال الله: من ذا الذي يتألى عليّ؟ أي: من الذي يملك أن يحلف عليّ ويقسم عليّ؟ قد أحبطت عملك وغفرت لذلك، والقصة ثابتة عند أهل العلم.
وقرأت أن عيسى ﵇ مر برجل فاسق، أي معرض عن الله ، فقال له: تعال معي إلى بيت المقدس، فأخذه بيده -وهذه في ترجمة عيسى ﵇ فلما اقترب من بيت المقدس السليب الذي أخذ منا عنوة وعلى رغم أنوفنا يوم ضاعت منا معالم لا إله إلا الله محمد رسول الله، بيت المقدس الذي يقول فيه أحمد شوقي:
مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى أو المحراب مروان
فلا الأذان أذان في منائره من حيث يتلى ولا الآذان آذان
وصل إلى بيت المقدس فقال الفاسق لعيسى: اتركني، فسحب عيسى ﵇ يده، قال: ما لك؟ قال: أخشى أن أدنس بيت المقدس بمعاصيَّ، فأوحى الله إلى عيسى أن أخبر ذاك أني قد تبت عليه، وعزتي وجلالي لكلمته أنفع له عندي من عبادة سبعين سنة.
نعم.
لنا أن نعترف بالخطايا والذنوب لكن ليس إلى درجة أن نحبط
من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
قيل للإمام أحمد: أيبقى العبد حتى يكمل ثم يدعو إلى الله؟ قال: من يكمل؟! وكثير من الشباب يقول: أنا لن أدعو إلى الله، ولن أخطب في مسجد أو ألقي كلمة، ولن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، ولن أصلح بيتي، ولن أؤثر في جيراني حتى أكمل، فمتى تكمل؟ حتى تصبح نبياً! ليس بعد الرسول محمد نبي، ونحن من بعض ﴿كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ لكن الرجاء منكم يا شباب الإسلام! أن يبلغ كل طاقته، وأن يصلح من نفسه، وإذا أذنب أن يستغفر، لكن ذنبه هذا لا يمنعه من الدعوة إلى الله، ومن التأثير في الناس، ولا يصل إلى درجة القنوط من رحمة الله ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
стр. 10087
السادس: قلة الصبر أمام المغريات
ومن المعوقات أيضاً: قلة الصبر أمام المغريات، فنحن أمام جبهات كثيرة محاربة للإسلام لا يعلمها إلا الله، قارن الآن بين شابين اثنين! شاب يعيش في عصر الصحابة، وشاب يعيش في القرن الخامس عشر الذي نعيش نحن فيه.
شاب يسكن مدينة الرسول ﵊، جيرانه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو هريرة وحسان بن ثابت وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل، خطيبه محمد ﷺ ، وإمامه في الصلاة محمد ﷺ ، جبريل يتنزل بالوحي صباح مساء، الأمة كلها في مجملها وفي مجموعها تحب الله ورسوله والدار الآخرة، فليس هناك مغريات ولا شهوات ولا نزوات، وبين شاب آخر يعيش الآن في انقطاع من الوحي، وبعد من السلف الصالح، وجيرانه من كل حدب وصوب، ويواجه في المجتمع وفي المجالس من يستهزئ بالدين صراحة، ويسخر به، ويغمز عينه عليه، ويلمزه في وجهه وفي قفاه، ويمر وأمامه المجلة الكالحة العارية والصورة الخليعة والفيديو المهدم، والأغنية الماجنة، والضياع، وجلساء السوء، والشرق يرمي عليه بحلف وارسو الإلحادي الوثني، يرمي عليه بالحداثة وبالزندقة وبالإلحاد، والغرب يرمي عليه بالكأس والمرأة، فكيف ينجو؟
هذا صراع رهيب، فأمام ذلك كله ليس للعبد وخاصة الشاب إلا الصبر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فيعلم أن النصر مع الصبر، وهذا الصبر يكمن في مثل غض البصر، ومقاطعة جلسات السوء، كيف تحكم على شاب أنه يريد الهداية وهو إلى الثانية ليلاً في المقهى يلعب البلوت، متى كنا أمة بلوت؟!
يوم ضيعنا القدس وضيعنا أفغانستان وأسبانيا والأندلس.
متى كانت مهمتنا في الحياة أن نسهر على هذا اللعب، ويسهر جيلنا على هذا الضياع؟!
من الذي سمح لنا وقد كلفنا الله أن نرفع دينه في الأرض، أن نفعل هذه الأفاعيل؟ كان شباب محمد ﷺ في الليل عباداً، وعند لقائهم لعدوهم من أشجع الأبطال، كما قال الشاعر:
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] قال المفسرون: لم يزدهم الله الهدى حتى آمنوا بالله، وقال غيره في قوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] قال: بدءوا بالهداية فهداهم الله سبله.
стр. 10088
السابع: تأثير الرفاهية العصرية في الجد والاجتهاد
يظن بعض الناس أنه كلما كثرت النعم، كلما كانت الأمة أصلب، وهذا بالعكس، فكلما كثرت النعم كلما كانت الأمة أكثر ترفهاً وفتوراً وكسلاً.
فتح الشباب من صحابة محمد ﷺ ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وأحدهم لا يملك إلا ثوباً واحداً.
دخل ربعي بن عامر برمح مثلم على كسرى ورستم، وهزه وهز عروشهم بهذا الرمح المثلم.
دخل الصحابة إيوان كسرى، والواحد منهم لا يشبع من خبز الشعير، قُتلوا في قندهار وهم جوعى ثلاثة أيام، فماذا نفعتنا رفاهيتنا وقصورنا، وسياراتنا وحدائقنا، وبساتيننا وأكلاتنا؟ المطعومات والملبوسات والمفروشات!!
حتى إن علماء التربية يقولون: إن أكثر ما يُوجد الترهل في الروح المعنوية للشخص كائناً من كان -بغض النظر عن المسلم أو عن غيره- هي فيما يعيشه من رغد العيش.
تولى أحد ملوك الأندلس الملك وكان متقشفاً، وكان له جيش عرمرم طوق به الأندلس كلها، فلما مات تولى ابنه بعده، فكان يسكن مع الغناء صباح مساء، برنامجه اليومي الأغاني والموسيقى والضياع، فعنده الدفافين والمطبلين والمزمرين ومن يحيون -يميتون- الليالي السود، ولا يعرف من الدنيا إلا هذا، وفي الأخير أتى ملك الفرنجة فاجتاح الأندلس، وقيد هذا الملك الشاب وخلعه وربطه في السجن، فأتت أمه تزوره، فبكى عند باب السجن فقالت:
ابك مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال
وكذلك كل من يريد أن يكون له دور في الحياة فلا تكن طموحاته محدودة، مثل أن يصل إلى زوجة وفلة وسيارة ووظيفة ثم ينتهي، لا.
طموحاتنا أعلى، وأنا أحبذ أن تقرءوا رسالة في مقدمة قصص من التاريخ للأستاذ الأديب: علي الطنطاوي، فقد أجاد كل الإجادة، في تلك المقالة التي يقول فيها: نحن مسلمون فما هي مهمتنا في الحياة؟
لماذا بعثنا الله للناس؟
لماذا أخرجنا من الظلمات إلى النور؟
الصحابي الواحد يقول للرسول ﷺ : ﴿يا رسول الله! تمنعني دخول الجنة، والله لأدخلن الجنة؛ لأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف﴾.
ويأتي جعفر الطيار من الحبشة بعد هجرة سبع سنوات، كان في أثيوبيا في شدة الحرارة والجوع والفقر والمشقة، فيصل إلى المدينة، فهل يجازيه الرسول ﷺ على هجرته في الله أن يعطيه فلة، أو يعطيه جائزة سخية مالية، أو يُوكل إليه منصباً؟ لا.
أرسله ليدفق دمه، ويدفع روحه في مؤتة في سبيل الله، فقطعت يده اليمنى، فأخذ الراية باليسرى، فقطعت اليسرى فضم الراية بصدره فتكسرت الرماح في صدره وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إن لاقيتها ضرابها
فقتل ﵁.
قال ﷺ بعد لحظات من مقتله: ﴿والذي نفسي بيده لقد رأيت جعفر بن أبي طالب يطير في الجنة بجناحين أبدله الله مكان يديه، يطير من قصر إلى قصر ومن شجرة إلى شجرة﴾.
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
اجلس برفق عليك التاج مرتفقاً بتاج غمدان حالاً بعده حالا
стр. 10089
الثامن: روح الانهزام عند الكثير مع الإحباط واليأس
تجد كثيراً من الشباب عندهم يأس من المجتمع، غسلوا أكفهم من مشاركة الناس، تقول لأحدهم: لماذا لا تدعو جيرانك؟
قال: لا خير فيهم، لقد جربتهم ويأستُ منهم، تقول له: لماذا لا تؤثر في الناس وتدعو؟
قال: لا.
اتركهم، ولا تشغل نفسك بهم، هؤلاء ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
وتجد بعضهم إذا ألقى موعظة، ولم يستجب له؛ قام يتشنج، ويفحش في القول ويسب، وقد يستخدم الألفاظ السلطانية، كأن يقول: دمركم الله، سلط الله عليكم كذا، وغير ذلك من هذه الألفاظ، وهذه ليست في قاموس محمد ﵊، والرسول ﷺ عنده بسمة، وكلمة لينة، وحب للقلوب، حتى يقول له : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول له : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
تجد شباباً يأتيك يقول: ما رأيك في أسرتي، لقد هداني الله -حوالي قبل شهر- فأريد هداية بيتي، ولقد دعوت بيتي ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً في مدة شهر، وقد يأست منهم تماماً؟
قلنا له: شهر لا يكفي، الرسول ﷺ بقي عشر سنوات يعلم الناس كلمة في مكة، وبقي بعد ذلك ثلاث عشرة سنة، ونوح بقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فعليك أن تصبر.
قال: لا.
أنا عرفت أنهم لو أراد الله بهم الخير لهداهم، أنا أريد أن أتركهم تماماً، فهذا من الإحباط واليأس.
ومن الصور الموجودة عند الشباب -أيضاً- أنه يعيش نظرة سوداوية للمجتمع، فتجده لا يرى الخير أبداً، يقول إيليا أبو ماضي الشاعر اللبناني النصراني:
أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا
أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقها الندى إكليلا
والذي روحه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلا
فتجد بعض الناس لا ينظر إلى هذا المجتمع الذي أمامه إلا بنظرة سوداوية، كأن يأتيك إذا حدثته عن جانب الصلاح في الناس والصحوة والعودة إلى الله، قال: لا.
أنت لا تدري، لا تعرف الخمارات والمخدرات والمجلات الخليعات؟ لا.
هذا مجتمع محطم وليس بصحيح، وأظن أن الله سوف يزلزل الأرض علينا أو يطبق السماء علينا.
تجد تلك النظرة؛ لأنه نظر بعين واحدة، وما نظر بالعين الأخرى، وسوف يقابله جيل آخر، أفرطوا كثيراً في التفاؤل، وسوف يأتي بيان ذلك.
فالرجاء عدم الإحباط واليأس من روح الله، والذي يظن أنه سوف يصلح العالم كله لا يستطيع، الرسول ﷺ ليس من مهماته أن يصلح العالم، كان يصلي في المسجد والمنافقون أمامه، وقد تعرض لإحدى عشرة محاولة اغتيال في حياته ونجا منها ﷺ لأن الله قال له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] والله يقول له: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨١] ويقول : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] وقال له: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] يقول: أنت لا تملك هراوة، ولا كرباجاً، ولا خيزراناً تغصب الناس للهداية، ومن الناس من يقادون إلى الجنة بالسلاسل.
فقضية أن يتصور الشاب أنه لا بد أن الحارة كلها تكون ملتزمة ومستقيمة ومهتدية ليس بصحيح، هذا خلاف سنة الله في الأرض، يقول أحد العلماء: والله لو أقام صالح في رأس جبل لقيض الله له من يعاديه في رأس الجبل.
قال ابن الوردي:
ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل
فالأضداد موجودة: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] سنة المدافعة، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]
إن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حسادا
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وقبحاً إنه لدميم
стр. 10090
التاسع: الإفراط في التفاؤل عند البعض
كثير من الشباب يبنون آراءهم وأحكامهم على مسائل منها: أن بعض الناس يخالط وسطاً ملتزماً، يعني: بيتاً ملتزماً وإخواناً ملتزمين، والكلية التي يدرس فيها فيها التزام، فإذا تحدثت له عن الفساد اندفع يحدثك بقوله: الناس كلهم ملتزمون، ومتجهون إلى الله، والناس ليس فيهم عاصٍ، والناس أقبلت والحمد لله ألوف مؤلفة، ونسي النظر بالعين الأخرى، فهذا عكس الأول، نسي أن هناك نقصاً في المجتمع، وأن من علامات النقص -مثلاً- المحاضرات، صحيح يحضرها إلى عشرة آلف بل أكثر، في المدن خاصة، لكن المباراة قد يحضرها أكثر من ستين ألفاً، فما معنى هذا؟
هل معنى ذلك أن المباراة أنفع للأمة، وأنفع للإسلام من المحاضرات؟ أم أن أولئك الستين يريدون الأجر من حضورهم إلى المدرجات، ويريدون المثوبة من الله ؟! أم يحتسبون خطاهم؟! لا.
من سنن الله أن يكون الكثير هكذا: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] ماحالهم.
عمر ﵁ نزل إلى السوق فسمع بدوياً أعرابياً يقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل، فلهزه عمر بالدرة، وقد كانت درته في يده دائماً يؤدب بها، ويخرج بها الشياطين من الرءوس، فقال: مه؟ أي: ما هذا الدعاء؟ عمر رجل عبقري، جعله الله من هذه الأمة، حتى يقول حافظ إبراهيم:
قل للملوك تنحو عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
يقول: إن عمر يأخذ هذه الدنيا في ساعة ويسلمها في ساعة، أخذ ملك كسرى وقيصر في ساعة، وسلم ذخائرها وكنوزها للفقراء في ساعة، برده فيه أربعة عشر رقعة يخطب به الجمعة، وأمعاؤه تقرقر وتصيح من الجوع، فيقول: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
محمود غنيم شاعر وادي النيل يقول لـ عمر يحيه:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
من نحن لولا الله ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ كانت أنوفنا في التراب، ادعوا نجوم الفن ليرفعوا رءوسنا أمام العالم! من الذي فتح لنا أسبانيا، أو شمال أفريقيا، أو طاشقند وتركستان؟ ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، حتى كان يحكم هارون الرشيد وينظر من شرفات القصر ويتحدى السحابة، ويقول: أمطري حيث شئتِ فإن خراجك سوف يأتيني.
فالمقصود أن عمر قال: ما هذا الدعاء؟
قال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! إن الله يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فقلت: اللهم اجعلني من القليل.
قال: كل الناس أفقه منك يا عمر.
فلا يتصور متصور أن الناس كلهم سوف يقبلون على الهداية، فإن من سنن الله الكونية أنه هدى من شاء وأضل من شاء، وفي كل مكان تجد وقت النداء من يستمع الأغنية ومن يذهب إلى المسجد، من يجلس في المقهى ومن يجلس في المحاضرة، من يحب القرآن ومن يحب المجلة، من يرغب في السواك ومن يرغب في السيجارة، إنها سنة كونية: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
стр. 10091
تمزق الوقت بين الملهيات والتسويف
وما قتلنا إلا التسويف وكلمة (سوف) قالوا: من زرع (سوف) أنبتت له نبتة اسمها (لعل) لها ثمر اسمه (ليت) طعمه الخيبة والندامة، ولذلك إذا رأيت شاباً يقول: سوف سوف، فاغسل يديك منه، واعرف أنه سوف لن يراوح مكانه.
أعرف شاباً من خمس سنوات كلما قلت له: أما حفظت القرآن؟ قال: سوف أحفظه إن شاء الله، فهذا يموت وهو لم يحفظه بعد، وتقوم الحرب العالمية الثالثة وما حفظ القرآن، لأنه يقول: ما أحفظ القرآن أنا مشغول بالدراسة، فإذا أتت العطلة الصيفية، قال: العطلة الصيفية نزهة وراحة للقلوب، وساعة وساعة، وإن لقلبك عليك حقاً، فتنتهي العطلة وتأتي عطلة الربيع قال: هذه لـ مكة وللعمرة، تنتهي العطلة، وتأتي الدراسة قبل الامتحانات قال: لا، هذه للمراجعة والاستعداد العلمي، وقس على ذلك البرامج التي يعيشها الشباب، كالهداية، كالتحصيل العلمي، كقراءة كتاب، كتأليف رسالة، يعني كإنجاز ما ينفع المسلمين.
يقول بعض التابعين لما حضرته سكرات الموت، وقد ذكره ابن المبارك في كتاب الزهد: أنذرتكم سوف، لا تقولوا سوف، والله ندد بأعدائه في القرآن قال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] قال بعض المفسرين: لأنهم كانوا يستخدمون (سوف) سوف أفعل، سوف أحفظ، سوف أطالع، سوف أهتدي.
والوقت اليوم رخيص عند المسلمين، فتمر الساعات الطوال على الشباب خاصة، ومن الملتزمين وأهل الصحوة كثير منهم لا يحسب للوقت حساباً، فقد تفاجأ بشاب يزورك، وغرضه سهل يقضى في خمس دقائق، فتجلس معه، وتريده يحدثك بالموضوع، فيخبرك عن أهله، وعن الأمطار في بلده، وعن أخباره، وعن مرتبه، ومتى يتزوج، وتتحرى متى ينتهي؟ ومتى يعطيك هذا السؤال الذي يريده؟ فيعطيكه في آخر المطاف بعد صلاة المغرب وهو عندك من صلاة العصر، وهناك ظاهرة الزيارة في الله، يزورك بعد العصر في الله، وبعد المغرب في الله، وبعد العشاء في الله، ويأكل غداءك في الله، ويأكل عشاءك في الله، وينام عندك في الله، وإذا عانقك كسر ظهرك في الله، وهذه درجة الحب في الله، لا بد أن تسير سيراً شرعياً، ليس استهزاء، والله إنه شرف لمثلي وأمثالي أن يعانق شاباً من شباب الصحوة، وأن يسلم عليه ويستقبله ويزوره ويزورنا لكن الترشيد مطلوب.
يذكر سيد قطب في كتابه الظلال في تفسير سورة النور عند آيات الزيارة: ولماذا لا يتصل أحدنا بأخيه بالهاتف، قبل أن يزوره؟
أحياناً قد يأتي يزورك في الحادية عشرة ليلاً، أهذا وقت زيارة! ويبقى عندك ساعة، أين أنت في العصر والمغرب؟! والله قد ذكر ثلاثة أوقات لا يزار فيها: من قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ.
ومن آدب الزيارة أيضاً: أن يكون عندك جدول عمل، الغربيون هؤلاء -صراحة-: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] يجب أن نكون عدولاً: عندهم جداول عمل للزيارات، لأن الوقت محسوب، والساعات تمضي.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ﴾ ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع؛ ومنها: وعن عمره فيما أفناه﴾ فقضية أن تأتيني -مثلاً- وليس عندك مسائل ولا قضايا تطرحها ليس بصحيح فمن أين أبحث لك عن مسائل وقضايا أشغل فيها معك الوقت.
أيها الإخوة: الوقت ممزق عند كثير من الشباب، ممزق تماماً، الآن لنسأل أنفسنا في آخر العطلة الصيفية ماذا كسبنا منها؟ كان هناك مشروع مقترح في أول العطلة، ذكرته في درس من الدروس، هل استثمر؟ وأعرف أن هناك ٨٠% سوف تنتهي العطلة الصيفية ولم ينتج أحدهم لا المشروع هذا ولا غيره.
أهل الدنيا يخططون لدنياهم مشاريع خماسية وثلاثية ورباعية، على انتهاء، لكن أهل المبادئ والرسالة، وأهل المهمات العالية، لماذا لا يفعلون هذا؟ هذا أمر مطروح.
стр. 10092
عدم معرفة الشباب لمواهبه واستعداداته
إنك قد تجد كثيراً من الإخوة لا يعلم ما هي موهبته، وما هو المجال الذي يصلح فيه.
يدعو كثير من علماء النفس إلى أن تدرس نفسك، وتعرف ما هي نفسك هذه، وما هو الشيء الذي يمكن أن تصلح فيه؛ لأن الرسول ﵊ ذكر في الحديث الصحيح: ﴿كل ميسر لما خلق له﴾ والله يقول: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] ويقول : ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠].
الله يريد منك أن تكون طبيباً مسلماً، أو مهندساً مسلماً، أو عالماً مسلماً، أو جندياً مسلماً، أنت لا تستطيع من نفسك أن تتحول إلى غير ما أراده الله، فالأحسن لك أن توجه هذه الطاقة التي منحك الله إياها وتكرسها، وتدرسها وتستفيد منها، وتنفع بها الإسلام.
أيها الإخوة: تجد بعض الإخوة يريد أن يكون خطيباً بالقوة، والله ما كتب له أن يكون خطيباً، كتب له مثلاً أن يكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، منفقاً في سبيل الله، إدارياً ناجحاً، موظفاً مخلصاً، تاجراً صادقاً، لكنه يريد أن يكون خطيباً، فمواهبه لا تهيئه للخطابة، ولم يدرس نفسه، فيحرج ويفقد معلوماته في هذا الباب، ويفقد استعداده ومكانته.
أيضاً: لا نريد من الطبيب أن يكون مفتياً، فالمفتون وأهل الفتيا كثير، لكننا نريد أن يكون داعية بطبه إلى الله الواحد الأحد، حاملاً رسالته، مؤثراً فيمن يأتيه ويتعالج عنده، ولا نريد من المهندس -أيضاً- أن يكون خطيباً أو واعظاً، فللوعظ أناس.
لكن الذي ينقصنا أن كثيراً منا لا يعرف ماذا يريد أن يقدم للناس، حتى يأتيك أحد الشباب ويقول: ما هو العمل الذي أصلح له؟
فأقول: اعرف بنفسك، لا يبلغ الشاب الثانية أو الواحدة والعشرين فما بعد إلا وهو يعرف استعداده، وبعد فترة يميز الإنسان طريقه، ويعرف توجهه، ويقولون: من أدمن على شيء من العمل الصالح أوتي حكمته، فيفتح الله على الناس في أمورهم وأشغالهم حِكَماً عظيمة.
وتجد بعض الناس يظن أن قضايا الإسلام هي قضيته، مثلاً: بعض الإخوة مشغول بعقود الأنكحة، أي: مهمته أن يعقد الأنكحة، فإذا جلس معك في المجلس يحدثك دائماً عن عقود الأنكحة ومشكلة العنوسة والمهور والزواج والشباب، ويقول: لو صلحت هذه المشكلة لصلح أمر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويظن أن هذه هي القضية.
خطيب المسجد يحدثك عن دور الخطبة، ويقول: لو وجهنا هذه الخطبة؛ لأصلح الله المليار مسلم في مشارق الأرض ومغاربها، لكنا ما عرفنا كيف نوجه هذه الخطبة!
والمقصود أن على الشاب أن يقرأ ماذا يمكن أن ينفع به الإسلام، وأنا والله لا أعلم شاباً متزناً في عقله إلا وهو يستطيع أن يقدم شيئاً لدين محمد ﷺ ، وإذا لم يستطع الإنسان أن يكون داعية بنفسه فعلى الأقل أن يكون وسيلة إلى الدعوة إلى الله ، كأن يكون له اشتراك مع إخوانه وزملائه فيدفع الشريط الإسلامي، ويدخله بيوت الناس، والمدارس، والسيارات، ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ ويكون داعية في بيته، ويكون داعية في سلوكه وأخلاقه، ينفع المنكوبين، ويقف مع المصابين، ويفيد المساكين، فكل هذه من المشاركة.
стр. 10093
ضعف صلة الشباب بالدعاة والعلماء
أنا لا أقول إنه يوجد انقطاع لكن الصلة ضعيفة، فأن يأتي الشباب إلى الدعاة والعلماء فيبثوا إليهم أحزانهم وأشجانهم ومشاكلهم؛ هذا شيء يفرح به أهل العلم وأهل الدعوة، ولا أعلم عالماً ولا داعية يتضجر من ذلك، وإن تضجر فهو لظرف خاص مر به، أو لعدم الزيارة المناسبة، أو لأمر ما، فأنا أقدم العذر عني وعن إخواني من طلبة العلم والدعاة، إن وجد تضجر من الشباب، أو تذمر أو سأم، أو تبرم منهم، وهذا إن شاء الله لا يحدث إن حدث إلا نادراً.
ولكن والله إن من السعادة الجليلة التي نشكر الله عليها أن نجد شاباً يطرح مشكلة أو سؤالاً، أو يريد أن توجهه توجيهاً علمياً، أو يريد أن تدله على الطريق المستقيم، أو تحل له إشكالات يعيش فيها، أو تنقذه من أزمة لأمور:
منها: أن الله سوف يكتب لك أجراً عظيماً بهذا الفعل ﴿والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه﴾.
ومنها: أنك سوف تكسب أخاً لك.
ومنها: أنك سوف توجه هذه الطاقة المعطلة لنفع الإسلام والمسلمين.
أيها الإخوة: من المشاهد أن شباباً ملتزمين في بعض الأحيان لا أعرف أسماءهم -وهل الداعية يستطيع أن يدخل كل بيت ويقول: ما اسمك؟ لماذا ما رأيتك؟ لماذا لا تسأل؟ ولماذا لا تحضر لتستفيد من الدرس والمحاضرة؟ وفي الأخير تفاجأ به وإذا هو يسكن قريباً منك في الحي، وأنت لا تعرف اسمه- فبعض هؤلاء الشباب لم يسبق له أن جلس عند عالم أو اتصل بعالم أو داعية بل هو يركب أموره من نفسه، ويستشير نفسه، ويخطئ أكثر مما يصيب.
وهناك بعض التصرفات الغير مسئولة، لماذا لا يستشار فيها الدعاة؟ شباب يلتزم وعمره الخامسة عشرة والسادسة عشرة، فيأتي بالتزامه بالجبروت، ويستدل بأدلة من القرآن، وأنا أعرف شاباً لما التزم دخل إلى آلة في البيت فكسرها، وأتى أبوه -إي والله- في المسجد وأبوه كبير في السن وشكى لي المشكلة، فقلت له: لو سمحت أن ترسله أو تأتي به معك، فلما أتى به قلت له: لماذا تفعل هذا؟ قال: لأن الله يقول في إبراهيم: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣].
وتلك أصنام وهذه أصنام، والواجب أن نغير هذه الأصنام مثلما غير إبراهيم تلك الأصنام، قلنا أولاً: إبراهيم نبي معصوم، وأنت لست معصوماً.
والأمر الثاني: أن إبراهيم يعمل بوحي من الله وأنت لا تعمل بوحي وإنما برأيك.
والأمر الثالث: أن إبراهيم دعا ثلاثين سنة أو أربعين سنة وفي الأخير رأى أن الحل المناسب هو هذا، ثم إن إبراهيم كان يشكل كياناً، وعنده قدرة على ذلك، ويرى أن المصلحة في هذا بعد ثلاثين أو أربعين سنة.
أما أنت فأخطأت في أمور:
الأول: أنك نفرت أهل البيت.
الثاني: أنك أسأت في هذا الموقف.
الثالث: أن ثمرة دعوتك لا تحصل بهذا الأسلوب.
الرابع: أنك سوف تلحق بشباب الصحوة هذا الخطأ، وسوف يلحقوننا به جميعاً، لأنه إذا تصرف شاب قالوا: انظروا إلى هؤلاء الشباب المتطرفين، انظروا إلى الأصوليين، ماذا يفعلون، والسكاكين جاهزة مع الألسنة الحداد الشداد؟
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
يأتيك شاب يقول: أنا هجرت فلاناً في الله، ولماذا؟ قال: لأنه ترك صلاة الجماعة، تقول: هل نصحته؟ قال: لا.
ما نصحته، ولكن والله لا أسلم عليه ولا أزوره، ولا يدخل بيتي ولا أراه! فهل هذا هو الأسلوب المناسب، وهل إذا استخدمنا هذا الأسلوب سوف ننجح؟ وهل فعله محمد ﷺ ؟
محمد ﷺ زار الكفار في بيوتهم، وزار المنافقين في منازلهم، ودخل مع اليهود، ودخل مع النصارى، الداعية كالطبيب يدخل على المرضى في غرفهم، لا يدخل المرضى عليه في غرفته.
فالرجاء من الإخوة أن يستشيروا الدعاة وطلبة العلم، أي: ما عليك كلفة أن ترفع السماعة وتستشير داعية، قد يكون أكبر منك سناً أو صاحب تجربة، ومن هو أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة، والحياة تجارب، ومن عاش في الحياة يرى الأعاجيب، والعجيب أن الإنسان عندما يتأمل قبل سنة وهو الآن في مجال الدعوة، قد يتطرق إلى مقولة قالها يجب أن تصحح، والذي لا يستفيد من جدوله، ولا من حياته غشوم ظلوم أو فيه غفلة، بل اليوم تفتش سجلك بالأمس، وتنظر هل من المناسب أنك قلت تلك الكلمة وتلك المحاضرة وأشرت بذاك الرأي، فتجد أحياناً أنه من الخطأ، فالمطلوب مراجعة العلماء وطلبة العلم والدعاة والانضمام معهم، والالتفاف حولهم؛ في الاستشارة وأخذ الرأي وإسداء النصح، ولا أعلم إن شاء الله داعية أو عالماً سوف يكون غشاشاً لك، والله لا أعلم داعية ممن يدعو إلى الله أو عالماً يريد أن يغش المسلمين، أو لا ينصح لهم، أو لا يريد راحتهم، أو يريد سوءاً بالبلاد، أو يريد زعزعة في استقرار الناس وفي سكينتهم، لا أعلم ذلك، وأن من ظن بالدعاة وبالعلماء ذلك الظن فقد ظن بالله ظن السوء، وظن بأوليائه ظن السوء، فعليهم دائرة السوء: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥].
بل نرى النصح، وعلم الله لقد رأيت كثيراً كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، إنه كالشمس وهو في الثانية والثمانين سنة، وهو عالم المسلمين في الكرة الأرضية، وهو شيخ الإسلام والممثل والنموذج الحي لـ أهل السنة والجماعة، تجده يقف مع الشباب الذين في المتوسط والثانوية في الشمس، ويسمع لأفكارهم وقصصهم وأخبارهم ومشاكلهم ويحلها برحابة صدر ويدعوهم إلى الغداء والعشاء في بيته، وكذلك الدعاة على منهج سماحة الشيخ، لا أعلم داعية ينفر من الشباب، أو يعترض عليهم، أو يبكتهم، أو يطردهم من بيته، لا أعلم ذلك.
أسال الله لنا ولكم التوفيق والهداية، وأكرر شكري وتبجيلي وثنائي العاطر لمن قام على هذا المعسكر الحي النموذجي، الذي إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أن أمة محمد ﷺ أمة تستطيع أن تجدد من أساليب الدعوة، وأن عندنا الكثير من البدائل الإيمانية التي نحتضن بها الشباب، فليست حياتنا في أن نوجد بدائل لمن يتزلج على الثلج، أو يسافر إلى الخارج ليفسق هناك، أو يضيع أو يجلس في المقاهي بلا منهج تربوي، عندنا من البدائل كالمعسكرات والمخيمات والمراكز، وجماعة تحفيظ القرآن الخيرية، والمحاضرات والندوات ما نحتضن به الشباب، ونحييهم ونرحب بهم، ونعطيهم من أفكار نخبة من الأساتذة المربين المثقفين، المؤيدين بحفظ الله ، الذين يدلونهم على منهج الله.
أنا سعيد جداً سعادة لا يعلمها إلا الله لأني حضرت هنا عند إخواني وزملائي كي نتشارك في الرأي، ونقدم المشورة والنصيحة وأسعد بإخواني، فهم أبناء عمومة وإخوان وأقارب، ولو لم يكونوا كذلك فبيني وبينهم قرب ونسب أتى به محمد ﵊: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
وفي أثناء الدراسة أذكر أني شاركت مع بعض الإخوة في سبع مخيمات تربوية كبرى، يستمر بعضها أسبوعاً وبعضها أسبوعين، والله لا أعرف مخيماً انصرفنا منه إلا ونحن نبكي على بعض، وكان الوداع عندنا مشهداً مؤثراً، كنا نتوادع في الصباح، فكان يصفنا المشرفون، ثم نقف طابوراً طويلاً وصفاً طويلاً فنبدأ في الوداع، والله ما ينتهي الوداع إلا والبكاء خوار.
فارق إذا فارقت غير مذمم وأمم ومن يممت خير ميمم
وما منزل اللذات عندي بمنزل إذا لم أبجل عنده وأكرّم
رحلت فكم باك بأجفان شاجن عليّ وكم باك بأجفان ضيغم
رمى واتقى رميي ومن دون ما اتقى هوى كاسراً كفي وقوسي وأسهمي
أو كما قال ابن زيدون في مثل هذه اللقاءات إذا فارق الحبيب حبيبه، شاب ترك أسرته من الشمال وأتى إلى الجنوب ليلقى إخواناً يدفعون مهجهم وراحتهم وأموالهم ترحاباً به، فيفارقهم ولسان حاله يقول:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
ويقول:
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 10094
الأسئلة
стр. 10095
ظاهرة الاغترار بحضارة الغرب
السؤال
إن من المشاكل التي تبعد الشباب عن الطريق المستقيم هي انبهار الكثير منهم بحضارة الغرب ومادياته، فكيف الطريق إلى تصحيح هذه المفاهيم؟
الجواب
أولاً: قبل أن أجيب على هذا السؤال وصلتني رسالة من أحد الإخوة الحضور يعلن حبه لي في الله، وأنا أقول: أحبك الله الذي أحببتنا فيه، وأشهد الله أني أحب الحضور جميعاً في الله ، وأني أتمنى لكل مسلم على وجه الأرض الجنة، فعسى الله أن يجمعني بكم في دار الكرامة.
يقول ابن عباس: [[جليسي الذي ترك الناس وأتى يجلس معي، والله لو استطعت أن أمنع الذباب أن ينزل عليه أو يهبط عليه لفعلت]].
هل أسعد من أن يكرمك الإنسان ويحضر لك، وأن يستمع كلامك، وأن يحترمك، إنه من الحق عليّ والواجب أن أحترم من أمامي، وأن أحضر المادة، وأن أعرض الأفكار بأدب، وأن أحاول ألا أجرح المشاعر، لأنه ما حضر هؤلاء إلا إكراماً فأكرمهم الله، أما ما ذكره الأخ السائل أن هناك من ينبهر بحضارة الغرب ومادياته فأقول: هذا لم يعد ظاهرة، صحيح أنه كان عندنا هذا قبل عشرين سنة، أما الآن فيوجد في بعض كبار السن ممن عاشوا جيل الجفوة لا جيل الصحوة، من ينبهر، وتجد بعضهم يحدثك دائماً في المجلس عن الغرب وعن حضارته، وعن تقدمه وثقافته، وعن التكنولوجيا هناك، ويسهب كأنه يحدثك عن أبي بكر وعمر.
أما الآن مع هذه الطليعة الممتازة المتفوقة من الشباب، فقد أصبح ذاك متلاشٍ (٨٠%) مررت أنا وبعض الإخوة على إحدى عشرة ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية ونزلنا في بعضها ثلاثة أيام وبعضها أربعة أيام فوجدنا (٨٠%) من الشباب المسلم هناك ملتزم (٨٠%) أقولها وأنا مسئول عن هذه الكلمة، كان هناك جماعة وأناس أعرفهم من قبل من هنا، لا يصلون في المسجد، أصبحوا هناك أئمة مساجد وخطباء.
تخصصات دنيوية، أصبح أهلها دعاة إلى الله ، فأين الانبهار بالثقافة؟ إنه عندهم يرى مصنع الطائرة ومصنع الصاروخ ومصنع الثلاجة والبرادة, ومصنع المكرفون، وهو مع ذلك ملتح يحفظ القرآن، وتجده يخرج من المركز الإسلامي في دلسو في تكساس في لوس أنجلوس، ويقول: الله أكبر الله أكبر، فأي انبهار؟! يقفون بالمرصاد للناس، لدعوتهم إلى الله ، وللمناهج وإلى ردهم إلى الله، أركب مع أناس من الأطباء من البلاد يدرسون هناك ومهندسين، قال: ما يغرك هؤلاء أي الأمريكان والله لقد تحقق فيهم قول الله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠].
كنت أظن أنها عاطفة وحمية دينية فقط، لكن هو الحق، سافر سيد قطب إلى هناك وألف كتاب: أمريكا التي رأيت ووصف من العجائب ما لا يعلمه إلا الله، فأين الانبهار؟!
أما في شباب الصحوة فلا أرى انبهاراً، فإن أكثر التفوق الآن والعودة في أهل التخصصات الدنيوية، من كليات الطب، والهندسة، وهم أكثر استقامة في بعض الأحيان من كلية الشريعة وأصول الدين؛ لأنهم رأوا الجاهلية بأنفسهم وعاشوا المناهج الأرضية، وانحرقت أوراق الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وأصبح الإسلام الآن هو البديل الصحيح أمام هؤلاء.
стр. 10096
وسائل تعين على التوبة
السؤال
أنا شاب ملتزم وأحب قراءة القرآن وأريد أن أتوب ولكن لا أستطيع ماذا أفعل؟
الجواب
تستطيع إذا تذكرت أموراً:
أولاً: أن أجلك في يد الواحد الأحد، لا تدري متى تموت! وقد رأينا من سوّف وأخر التوبة، وفوجئنا به وهو ينقل إلى غرفة الإنعاش وقد فارق الحياة، ورأينا من أصبح معنا ولكنه لم يمس.
ثانياً: تستطيع أن تتوب إذا تذكرت أن القبر يحفر لك بعد فترة، وترد إلى الله كما قال : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
ثالثاً: تستطيع أن تتوب إذا تذكرت أنك ستجرد من الثياب والمناصب والوظائف ومن الناس: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤].
رابعاً: تستطيع أن تتوب إذا تذكرت أن الله أعد ناراً تلظى لمن خالف منهجه، ولمن ضل عن الطريق المستقيم الذي أتى به محمد ﵊.
خامساً: تستطيع أن تتوب إذا تذكرت أن الجنة عرضها السموات والأرض أعدها الله لأوليائه.
سادساً: تستطيع أن تتوب إذا علمت أن الله يناديك في كل ليلة، ويبسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
стр. 10097
قصيدة أمريكا التي رأيت
السؤال
نريد من الشيخ عائض أن يسمعنا شيئاً من شعره وخاصة القصيدة التي تكلم فيها عن أمريكا؟
الجواب
هذه القصيدة تكررت كثيراً حتى مللت منها، أظن والله أني كررتها في المحاضرات والندوات أكثر من ستين مرة، حتى الإنسان مل من نفسه، لكن إذا طلب منك إنسان محترم طلباً فإن عليك أن تلبي طلبه، وأنا أعرف أن الكثير قد مل منها أو مجته أذنه، لأنهم يقولون: النفس مولعة بمعاداة المعادات، أي: تعادي المكررات، وقال الشعبي: لحمل الصخور من الجبال أخف عليّ من إعادة أحاديث الرجال، لكن ماذا نفعل؟ ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨] أما الجدية فلا أذكرها لأنها طويلة واسمها أمريكا التي رأيت والهزلية فيها بعض الدعابات وهي أرجوزة فمنها:
يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي وليُّ
مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي
قد جئت من أبها صباحاًباكرا مشاركاً لحفلكم وشاكرا
وحَمَلَتْنَا في السما طياره تطفح تارة وتهوي تارة
قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديكِ
على ذكر الطيارة أحد الطلبة كان عنده بعض التخلف في مزاجه في فصل من الفصول، وكان الأستاذ دائماً يقول له: أنت تسأل في وادٍ ونحن نشرح في وادٍ، أرجوك لا تسأل، قال: خيراً يا أستاذ! وبدأ الشرح.
ولما انتصف في المحاضرة، رفع الطالب يده، قال الأستاذ: خيراً إن شاء الله، قال: هل للطيارة بوري؟ وهو سؤال وجيه، نسأل الله أن ينفعه بالعلم النافع.
يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا
وهذه أخبار هذه النشرة مسافة السير ثلاث عشرة
من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحىً هبطنا
أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعدها واشنطنا
ثم ركبنا بعدها سيارة مستقبلين جهة السفارة
منزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن
وقد وصلنا إلى مباني الكونجرس ولم نجد مستقبلاً ولا حرس
فيها ملايينٌ حوت من الكتب في كل فن إنه هو العجب
في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا
ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة
ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان
وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة
ومعنا عبد العزيز الغامدي ابن عزيز صاحب المحامد
والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش
فهو أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمة
ثم هبطنا في مطار دنفرا جلودنا في البرد صارت كالفرى
إلى آخرها والله أعلم.
стр. 10098
كيفية التخلص من الرياء
السؤال
كيف يتخلص الإنسان من الشرك الخفي؟
الجواب
الشرك الخفي هو الرياء، ويتخلص منه بثلاثة أمور:
الأول: أن تعرف أنه لا يحاسب ولا يعاقب ولا يثيب ولا يعطي إلا الواحد الأحد، وأن الناس لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا يقدمون ولا يؤخرون، ولا يملكون لك شيئاً إذا لم يرد الله لك الخير.
الثاني: أن تعرف أن الناس لن يحاسبوك يوم العرض الأكبر، ولا يحاسبك إلا الواحد الأحد.
الثالث: أن تدعو بالدعاء الذي علمه ﷺ أبا بكر: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم﴾.
стр. 10099
نصيحة للدعاة المقصرين
السؤال
بعض الناس يخطب في الناس، ولكنه مقصر في بعض الواجبات فما نصيحتكم لهذا؟
الجواب
وجد هذا كظاهرة عند بعض الشباب من أن يكون خطيباً ويعظ الناس، ولكنه لا يصلي الفجر معهم، فيخفق الناس في سماع خطبه، وكلماته، ونصيحتي لهؤلاء بأمور:
منها: أن يتقوا الله وأن يعرفوا أن الصلاة هي عمود الإسلام، وأنها إذا فاتت وضاعت فقد ضاع الدين، فأكبر شهادة على هذا الدين الذي نحمله الصلاة، فكيف تثبت لي أنك مسلم إذا لم تصل جماعة، إلا بعذر شرعي.
ومنها: أن صلاة الفجر -خاصة- ذمة لله ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته﴾.
ثم أرى من الوسائل أن تنام مبكراً مثلاً، وأن تطلب من أهلك إيقاظك أو يكون عندك ساعة حتى تستيقظ بها، والله أعلم.
стр. 10100
أسباب الخشوع في الصلاة
السؤال
ما هي الأسباب التي تساعد على الخشوع في الصلاة؟
الجواب
ذكر ذلك ابن رجب في كتابه: الخشوع في الصلاة، منها: أن يتدبر المقروء الذي يقرؤه في الصلاة.
ومنها: أن يعلم أنه لا يكتب له من الصلاة إلا ما عقل.
ومنها: أن يفرغ نفسه من أشغال الدنيا وهمومها وأفكارها قبل الصلاة، فإذا كان جائعاً أن يأكل، أو حاقناً أن ينتهي من حاجته، وإذا كان غضباناً أن يعود له رضاه أو يستأنس، وإذا كان في مكان حار أن يحاول أن يوجد له بديلاً، وإذا كان في شدة حر، أن يبرد بصلاة الظهر إلى غير تلك المعاني.
стр. 10101
الطريقة المناسبة للقراءة
السؤال
ما هي الطريقة المناسبة للقراءة؟
الجواب
لكل طريقة في قراءة الكتب، وأعرف من الشباب من يستعمل طريقة الجرد، وهي أن يقرأ المطولات جرداً فما علق بالذهن فجيد والحمد لله، وما ذهب فمع السلامة، هذه طريقة.
ومنهم: من يقرأ بطريقة البطاقات كأن يقرأ كتاباً ويكتب المعلومات الضرورية في بطاقة، حتى يتذكرها ويستفيد منها.
ومنهم: من يقرأ بثلاث قراءات في الكتاب الواحد، الطريقة الأولى: المسح للكتاب والثانية: أن يأخذ الأفكار الرئيسية في الكتاب، والثالثة: المسائل الجزئية، هذه الطرق التي تحضرني في هذا.
أسأل الله التوفيق والهداية، والرشد والسداد، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 10102
أحكام الأطعمة
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بكل ما فيه مصلحة ودرء ما فيه من مفسدة، ومن ذلك إباحة الأطعمة الطيبة وتحريم الأطعمة الخبيثة.
وفي هذه المادة ذكر لقواعد هامة بشأن حل أو حرمة المأكولات من الحيوانات، بالإضافة إلى مسائل وأحكام يكثر السؤال عنها.
стр. 10103
ثماني قواعد في أحكام الأطعمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.
في هذه الليلة المباركة نستمع إلى الإمام البخاري في كتاب الأطعمة؛ وهو كتاب عظيم، وكتاب مهم لكل مسلم يريد الله والدار الآخرة، وقبل أن نؤصل أصولاً، ونقعد قواعد في هذا الباب، نحب أن نستمع أنا وإياكم إلى أحاديث من صحيح البخاري ثم نبدأ بالشرح.
يقول رحمه الله تعالى بعدما أن ذكر السند: وعن ابن أبي أوفى ﵄ قال: ﴿غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات أو ستاً كنا نأكل معه الجراد﴾.
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ﴿نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً ونحن في المدينة فأكلناه﴾.
وعن أبي موسى ﵁ قال: ﴿رأيت النبي ﷺ يأكل دجاجاً﴾.
وعن أبي ثعلبة ﵁: ﴿أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع﴾.
هذه الأحاديث هي التي صحت عند البخاري في كتاب الأطعمة، وإلا فالأحاديث التي صحت في هذا الكتاب كثيرة جداً، ونحن نستعرضها مع كثير من الآيات في باب الأطعمة، ولا بد للمسلم أن يعرف هذه الأحكام، ماذا يأكل من الأطعمة؟ ما هي الأطعمة المحرمة والمباحة والمكروهة؟ وليكن في ذلك ثمان قواعد لا بد أن تعرف:
الأولى: المحرمات التي نص الله عليها في كتابه، أو نص عليها رسوله ﷺ في سنته الطاهرة.
الثانية: المباحات التي نص عليها الله في كتابه أو رسوله ﷺ .
الثالثة: المكروهات من الأطعمة.
الرابعة: المضطر.
متى يباح للمضطر أن يأكل غير باغٍ ولا عادٍ؟ وما معنى (غير باغٍ ولا عاد)؟
الخامسة: ذوات السموم، وحكم أكلها، وتناول شيء منها.
السادسة: ما فيه ضرر على الجسم كالحجارة والتراب والطين والفحم.
السابعة: الحيوان البحري، وموقفنا من صيد البحر، وحيوانات البحر، وما يعيش في البحر.
الثامنة: حكم اللحوم المستوردة؛ المعلبة وما أتت طازجة وغير ذلك.
هذه ثمان مسائل عليها مدار الأطعمة، وما يتحدث أهل العلم في مسألة ألا وتدخل ضمناً تحت قاعدة من هذه القواعد، ولا بد من تقعيد هذا الباب وغيره؛ لأن هناك شتات بين المسائل، سوف نستمع إليها، وإذا لم نضبطها بقواعد الأصول؛ فسوف تتسرب علينا ولا يكون عندنا حبل يجر لنا تلك المسائل، ويقيد لنا تلك الشوارد.
اعلموا -بارك الله فيكم- أن هذا الباب من الأطعمة اختلف فيه أهل العلم اختلافاً ظاهراً، ولذلك يقول ابن تيمية في المجلد الواحد والعشرين من فتاويه: تساهل أهل المدينة -الإمام مالك ومن معه من علماء المدينة - في الأطعمة حتى توقف الإمام مالك ﵀ في رواية عنه في الكلب أهو حلال أم حرام؟ ومنهم من قال: يؤكل الثعلب وهي رواية للشافعي ذكرها صاحب فقه السنة، وتساهل أهل العراق وخاصة أهل الكوفة بالأشربة حتى أباحوا شرب النبيذ الذي يبقى لثلاث ليال، قال ابن تيمية: وتوسط أهل الحديث ومنهم الإمام أحمد فأخذ بالأشربة برأي أهل المدينة، وأخذ في الأطعمة برأي أهل الكوفة.
فلنستمع الآن تفاصيل هذه المسائل:
стр. 10104
شرح الآية الجامعة للمحرمات
أولاً: المحرمات.
حرم الله ﵎ أموراً على العموم وحرم أموراً على الخصوص، قال : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فهذا تحريم وتحليل على العموم، يدخل في هذا التحليل آلاف الأشياء من الطيبات، ويدخل في التحريم آلاف من الخبائث: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
كثير من المأكولات ما وردت في القرآن: كالتفاح والبرتقال وكل هذه الفواكه والخضروات أين نجعلها؟ هل ننتظر نصاً من القرآن أو من السنة حتى نقول: هذا حلال وهذا حرام؟ لا، بل هي تحت قاعدة حل الطيبات، أما الدخان والشيشة وما يجري معها من الخبائث فإنها توضع تحت قاعدة: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
لكن الآن نأتي إلى التفصيل في الكتاب والسنة:
قال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:٣].
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] الميتة المقصود بها هنا: ما تؤكل ولو كانت ذكيت حلت، أما ميتة الحرام فإنها حرام سواء ذكيت أو لم تذكَ، فمن سمى على الكلب الميت وذبحه واستقبل به القبلة فهو حرام سواء ذكاه أو لم يذكه، وكذلك الخنزير، والحمار، فمن قدم حماراً ميتاً وسمى الله عليه فهو حرام ولو ذكاه بالسكين، إنما المقصود بالميتة هنا: ما كانت تؤكل لو كانت مذكاة.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] أي: ما ماتت من نفسها دون ذكاة، وسوف يأتي شيء عن أحكام الذكاة، ولو أنه ليس بابها هنا؛ لكن لضرورة هذا البحث؛ أورده إن شاء الله.
﴿وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] الدم هنا المقصود به: المسفوح؛ لأنه قيد في آية أخرى في الأنعام ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥].
والدم المحرم هنا هو الذي يخرج عندما تذبح الذبيحة؛ فيهراق ويسيل بكثرة ويتدفق، هذا هو الدم الحرام، أما الدم الذي يأتي مع الذبيحة إذا طبختها، ويطفو على القدر؛ فلا بأس به فهو حلال، قالت عائشة فيما أثر عنها: [[كنا نرى خيوط الدم على ظهر القدر فنأكله]] وهذا ليس مسفوحاً، كذلك الدم الذي يخرج من الذبيحة بعد ذبحها وبعد أن يخرج منها الدم فينزل عليك منها قطرات فهذا ليس مسفوحاً، لكن لا بأس أن يتطهر منه للتأذي ولكراهته فقط.
﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [المائدة:٣] فالخنزير ذكي أو لم يذك حرام.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣] من ذبح عند قبر؛ يتوسل به إلى صاحب القبر، ويعتقد أنه ينفع أو يضر، فهذا مشرك؛ ذبيحته لا تؤكل، ولو قرأ عليها القرآن كله، ومن ذبح لولي من الأولياء أو شيخ من المشايخ أو صوفي من الصوفية أو رئيس من الرؤساء، أو ملك من الملوك؛ يعتقد نفعه أو ضره؛ فذبيحته حرام لا تؤكل؛ ولو سمى عليها بأسماء الله التسعة والتسعين.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة:٣] المنخنقة: هي التي اشتدَّ عليها الخناق بحبل أو بغيره حتى أزهقت نفسها؛ فماتت من غير تذكية، فهذه محرمة.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة:٣] الموقوذة: هي التي ضربت بمثقل أو بشيء ثقيل ليس بحاد، كحجر مجموع، أو كقطعة حديد، ضربت به في رأسها ووقذت وماتت، فهذه محرمة.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة:٣] المتردية: هي التي سقطت من علو أو من مكان عالٍ فوقعت فماتت قبل التذكية؛ فهذه تحرم، إلا أن يدركها المسلم وبها حياة فيذكيها فهي حلال.
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة:٣] الشاة أو الكبش أو غيرها مما أحل الله من أنواع الحيوانات؛ تنتطح مع أختها وزميلتها؛ فتموت؛ فهي محرمة إذا لم يدركها المذكي.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة:٣] السبع إذا اعتدى على شاة فأكلها فماتت وبقي منها شيء؛ فهي حرام إلا أن يذكيها صاحبها قبل أن تموت، كأن يأخذ منها الذئب بنابه، أو يأخذ منها الأسد بمخلبه، فتدركها أنت وهي حية فتذبحها فلا بأس بها.
﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:٣] النصب: الأصنام والأوثان، والأمكنة التي يتبرك بها أهل البدع، فالذبائح التي تذبح فيها حرام بنص كتاب الله ، إذا كان يذبح في مكان فيه عبادة بدعية، أو فيه صنم أو وثن فالذبيحة محرمة، وكذلك إذا ذبحت في مكان فيه عيد من أعياد المشركين؛ كأن يكون المشركون وأهل البدع يتعارفون أن هذا المكان عيد من أعيادهم؛ فلا تأكل من هذه الذبائح التي ذبحت في هذا المكان.
وهذه الآية في المائدة وهي من أطول الآيات التي جمعت المحرمات.
وأما الآية الأخرى: قوله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام:١٤٥] وهنا ذكر الدم وزاد صفة المسفوح ثم قال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥].
стр. 10105
قاعدة فيما يحل ويحرم أكله
الرسول ﵊ فصل لنا بعض الحيوانات التي لا تؤكل وأنا أذكرها بأدلتها إن شاء الله، ثم نعود فندخلها في القواعد التي سلف أن ذكرناها.
يقول ﵊ كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة: ﴿خمس من فواسق يقتلن في الحل والحرم: الفأرة، والحدأة، والعقرب، والغراب، والكلب العقور﴾.
هذه خمس فواسق أمرنا ﷺ بقتلها في الحل والحرم، في الحِلِّ: وأنت حلال.
وفي الحرم: وأنت محرم بحج أو عمرة لا تتجافى ولا تتجانف عنها واقتلها، وقتلها عند كثير من أهل العلم يدل على تحريم أكلها فليفهم هذا، إذاً لا يقول قائل: كيف تحدثنا عن الفأرة ومن يأكل الفأرة؟ وعن العقرب ومن يأكل العقرب؟ إن هذه شريعة، ولا بد أن تفهم بأدلة، وإلا لو كانت إلى أفكار الناس وآرائهم؛ لتخرص المتخرصون في الشريعة.
فلا بد أن نفهم لماذا حُرم العقرب، وحرم أكلها؟ وكذلك الفأرة، والحدأة، والغراب، والكلب العقور بأدلة.
حرمت لحديث عائشة في الصحيحين: ﴿خمس فواسق يقتلن في الحِلَّ والحرم: الحدأة، والعقرب، والغراب، والفأر، والكلب العقور﴾ هذه الخمس الفواسق محرمة.
ومن المحرمات أيضاً الحيوانات التي لا تقتل ونهى الرسول ﷺ عن قتلها دليل على تحريم أكلها.
وهنا قاعدة: أن ما أمركم ﷺ بقتله فأكله محرم وما نهى عن قتله فأكله محرم.
أما الأربع التي لا تقتل فهي: ﴿النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد﴾ والحديث عند أبي داود وهو يقبل التحسين.
والهدهد والنمل والنحل معروف فلا يؤكل والحمد لله، وقد بحث فيها أهل العلم منهم صاحب المجموع.
والصرد: طائر أبقع، وقيل: أبيض، دائماً يعيش على ظهر الماء، فتراه على سطح البحر، فهذا الصرد نهى ﷺ عن قتله.
غراب وظبي أعضب القرن منذر ببينٍ وصردان العشي تصيح
والعرب كانت تتشاءم بهذه الأنواع.
يقول: هذا فارق أحبابه فبكى، وقال بليل شؤمه مفارقته لأصحابه: إن الغراب ناح اليوم، وأنه مر ظبي أعضب القرن يعني: مقطوع القرن، وهذا التشاؤم الذي نهى عنه ﵊، وأخبر أن من صفة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب أنهم لا يتطيرون، وكان العرب في جاهليتهم ووثنيتهم وتخلفهم وفكرهم العفن قبل الإسلام، إذا أراد أحدهم أن يسافر نظر إلى الطير، فإن أخذ الطير من الميسرة إلى الميمنة سافر، وإن كان ذهب من الميمنة إلى الميسرة ترك السفر، ولذلك يقول النابغة الذبياني يوم يمدح النعمان:
زعم البوارح أن رحلتنا غداً وبذاك خبرنا الغراب الأسود
والبارح عند العرب من يأتي من اليمين إلى اليسار ويسافر، والسانح من يأتي من اليسار إلى اليمين فلا يسافر له؛ وهذه عقيدة شركية من فعلها فقد أبطل حظه ونصيبه من الله الواحد الأحد، فلا يجلب الضر والنفع إلا الله :
لعمرك لا تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
فهذا التطير شرك، ونهى عنه ﵊، وإنما ذكرته للفائدة.
فالأربع هذه نهى النبي ﷺ عن قتلها، قالوا: فلما نهى عن قتلها دلَّ على تحريم أكلها فليعلم، لأنني أسلفت أن ما أمر الرسول ﷺ بقتله فأكله حرام، وما نهى عن قتله فأكله حرام.
стр. 10106
حكم أكل الضفدع
قد يتساءل عن حكم الضفدع هل يؤكل أم لا؟
وجد من الأمم من تأكل الضفادع، وهي من أشهى الأطعمة لديهم، وقد رأيناهم يقدمونه في بعض الأماكن بعدما يشوونه طعاماً طازجاً، فيأكلونه أكلاً ذريعاً، فهل تؤكل الضفدعة أم لا تؤكل؟
في حديث ضعيف أورده ابن تيمية وسكت عنه يقول: ﴿لا تقتلوا الضفدع فإن نقنقتها تسبيح﴾ وهذا الحديث ضعيف، لكن كل شيء يسبح بحمد ربه ، ولكن لا نفقه تسبيحهم؛ كما قال ، والضفدع تنقنق، ويدل على نقنقتها ما ورد في وحي مسيلمة الكذاب الدجال، الذي زخرفه له شياطين الإنس والجن، يقول في بعض سوره الأفاكة الأثيمة: يا ضفدع بين ضفدعين، نقنقي ما تنقنقين، رأسك في الماء وأسفلك في الطين.
انظر ما أسمج هذا الكلام، وما أغرب هذا الحديث، عليه لعنة الله، لعنة تحيط به في قبره حتى يلقى الله، فإن الله ألبسه لباس الكذب فلا يعرف بين الناس إلا بـ مسيلمة الكذاب.
وأما الدليل على أن الضفدع لا تؤكل: ما رواه أبو داود وأحمد والحاكم والنسائي وهو حديث حسن عن عبد الرحمن بن عثمان القرشي قال: ﴿أن طبيباً سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها﴾ هذا الحديث حسن، فنهى ﵊ عن قتل الضفدع فهي محرمة، وأنا أسلفت أننا سوف نعود إن شاء الله إلى الأصل في ذلك.
القنفذ: هو حيوان متجمع على نفسه وهو معروف عند الناس، هل يؤكل أم لا؟ سئل ابن عمر ﵁ وأرضاه في سنن أبي داود وهو عند البيهقي وأحمد: عن قتل القنفذ؟ فتوقف فيه ابن عمر لعدم وجود نص لديه.
وقال للسائل: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:١٤٥] فما هو دليل هذا الجواب؟ يعني: أنه يؤكل، لكن أحد الصحابة من الجلوس قال: ﴿سئل ﷺ عن القنفذ؟ فقال: خبيثة من الخبائث.
فقال ابن عمر: إن كان سئل ﷺ فأنا كما قال ﷺ ﴾.
الهر: هل يؤكل الهر أم لا؟ من المسلمات عند الناس أن الهر لا يؤكل، لكن لو طالبتهم بدليل لا يجدون دليلاً، فلماذا تحرمون أكل الهر؟ ولماذا تحرمون البطون الجائعة عن لحوم القطط اللذيذة؟ لأنه ورد تحريم الهر ولو لم يرد تحريمها كان الأصل فيها الإباحة، ففي سنن أبي داود وابن ماجة بسند ضعيف لكنه ينجبر بشواهد في حديث ابن عمر وغيره: ﴿نهى ﷺ عن أكل الهر وأكل ثمنها﴾ فليعلم أن الهر حرام والحق لله رب العالمين.
стр. 10107
حكم أكل لحوم الكلاب
توقف الإمام مالك في حكم أكل الكلب لأنه يعمل بشريعة ونصوص، وهو محرم الأكل لاتفاق كثير من أهل العلم على تحريمه، والدليل على تحريم أكل الكلب حديث: ﴿أمر ﷺ بقتل الكلاب﴾ وقال ﷺ : ﴿إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات﴾ حديث صحيح، وفي الصحيحين: ﴿أن الرسول ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع﴾ والكلب ذو ناب فهو محرم والحمد لله.
أما ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت، مثاله رجل أخذ قطعة من شاة أو من ناقة أو من بقرة وهي حية لم يذكها فهي محرمة للحديث الذي في السنن عن أبي واقد الليثي وهو حديث حسن قال ﵊: ﴿ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت﴾.
стр. 10108
حكم أكل لحوم الحمر الأهلية
الحمار نوعان: فنان وحشي، وحمار أهلي، والفنان: هو الحمار الوحشي المخطط، ولذلك أصاب الفنانون يوم سموا الفنان فناناً يعني: حماراً وحشياً لأنه مخطط.
فالفنان عند العرب هو الحمار المخطط، فالفنان يؤكل والحمد لله، لكن الفنان من الإنس هذا الذي يغني لا يؤكل؛ لأنه لم يرد دليل على إباحة أكله، وأنا أتحدث عن الفنان من الحمير الوحشية، إذا علم ذلك فالدليل على أكل الحمار الفنان الوحشي حديثان:
حديث أبي قتادة عند البخاري ومسلم قال: ﴿صدت على عهد رسول الله ﷺ -وأنا حلال- حماراً وحشياً فأتيت إلى الرسول ﷺ بوركه -أو قال بشقه- فأكل منه ﷺ وهو محرم﴾ وهو ما صيد لأجله ﷺ إنما صاده أبو قتادة لنفسه ثم أعطى الرسول ﵊ هدية.
وفي الصحيح أيضاً من حديث الصعب بن جثامة قال: ﴿أهديت إلى رسول الله ﷺ حماراً وحشياً فرده عليَّ، فلما رأى ما في وجهي -تغير لما رد هديته- قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم﴾ انظر إلى فصاحته وخلقه وسموه ﵊، هذا الصعب بن جثامة شيخ وادي ودان بين مكة والمدينة، سمع أن الرسول ﷺ قد أقبل يريد الحج بالمسلمين فصاد حماراً وحشياً -وهو أجمل اللحوم عند العرب- ثم طبخ وركه أو شقه وأعطى الرسول ﷺ فمنع ﷺ أن يأخذ، فلما رأى تغير وجه هذا الرجل العظيم، قال: ﴿إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم﴾.
فلماذا أخذ صيد أبي قتادة ورد صيد الصعب بن جثامة؟
لأن صيد أبي قتادة ما صيد من أجله ﵊، والمحرم إذا لم يُصد من أجله فليأكل، وأما الصعب بن جثامة فصاده من أجل الرسول ﵊، والمحرم إذا صيد له الصيد فلا يأكل والحمد لله.
والحطيئة له قصيدة جميلة يصف فيها قصة تصورها وهي لم تقع، ولكن هي من أحسن القصائد عند الجاهليين في رسم المسرحية الخيالية في الشعر العربي، وصف رجلاً عربياً كان فقيراً منحلاً ليس عنده شيء، فوفد عليه الضيف، والعربي إذا وفد الضيف ترك كل شيء من أجل الضيف، فقام يلتمس فما وجد إبلاً ولا بقراً ولا غنماً ولا وجد صيداً ولا وجد أكلاً في البيت، فأخذ السكين وأراد أن يذبح ابنه، وقال صاحب البيت كما في القصيدة:
فقال هيا رباه ضيف ولا قرى بحقك لا تحرمه تي الليلة اللحما
فأتى يجر بها إلى ضيفه، وأجمل الصيد عند العرب الحمر الوحشية.
ومما يحكىأن الكسعي وهو رجل من العرب، كان من أرمى الرماة في العرب، أتى بشجرة فأخذها من مغرسها في السهل وغرسها في الجبل، من أجل أن تأتي الأسهم والأقواس قوية كالحديد؛ لأن شجرة الجبل ليست كشجرة الطين، فأخذ يتعاهد هذه الشجرة حتى اشتد صلبها وقوي عودها، فقطعها بعدما كبرت، وصنع منها قوساً من أقوى الأقواس، وركب أسهماً فيها، وبعدما ركب الأسهم مرت به الظباء وقيل: الحمر الوحشية، فأخذ يطلق عليها الأسهم، فكان من قوة القوس ومن قوة السهام يخترقها من جنبها إلى جنبها، ويخرج فتبقى ترعى فيظن أنه أخطأ وهي ما تموت إلا بعد فترة، فرمى سبعاً بسبعة أسهم وما رآها سقطت، رآها ترعى وتشرب الماء، فأخذ به الغضب أن كسر القوس وهو جهد عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وكسر الأسهم، وبعد أن كسر نظر وإذا الحمر الوحشية قد سقطت ميتة على الأرض، فأخذ يلوك أصابعه ندماً، فقالت العرب: أشد ندامة من الكسعي.
قال ابن الجوزي: من لم يحفظ القرآن في الصغر ندم ندامة الكسعي.
وقال الفرزدق لما طلق امرأته نوار:
ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار
المقصود: أن الحمر الوحشية حلال أكلها، أما الحمر الأهلية الأليفة فحرام أكلها، وتوقف بعض الفقهاء لعدم وصول النهي إليه، وبعض الناس الآن يقول: سبحان الله! يتوقفون في حل الحمار؟! نعم لأنها شريعة قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٤ - ٦] وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤] وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] فتحريم الحلال كتحليل الحرام، لا تقل للناس: حرام وحلال وأنت لا تدري، لأنه كذب على الله، لا بد لك من دليل من الكتاب أو السنة على ما تقول.
فأما الحمر الأهلية فصح النهي عنها لقول أنس: ﴿أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة يوم خيبر أن ينادي بالناس: إن الله حرم عليكم لحوم الحمر الأهلية﴾ أو كما صح عنه ﷺ .
وهناك حديث جابر أيضاً: ﴿نهى ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل﴾ فالخيل سوف تأتي أنه أذن فيها وقد ورد في ذلك حديث جابر في السنن وهو حديث حسن.
стр. 10109
حكم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير
في الحديث: ﴿أن الرسول ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع﴾ والسباع، هي: كل ذي ناب يفترس به، ويهيش على الناس، ويقتنص ويصيد؛ كالأسد والنمر والفهد والذئب والكلب: فهذه محرمة.
ثم يقول: ﴿وكل ذي مخلب من الطير﴾ هذا مقيد فيخرج من الطير: الدجاج والحمام والحبارى بعكس الذي يفترس أو يأكل اللحم كالباز وكالغراب وكالصقر وكالنسر، وما في حكمها من آلاف الطيور.
стр. 10110
حكم أكل الجلالة وألبانها
الجلالة هي: الحيوانات التي تأكل العذرة وتأكل فضلات الناس، أو ما يخرجه الناس، وقد نهى عنها ﷺ كما في حديث أبي داود والترمذي وأحمد وهو حديث صحيح: ﴿أن الرسول ﷺ نهى عن ركوب الجلالة وعن شرب ألبانها وأكل لحومها﴾ أو كما قال ﵊.
القرد: هل يؤكل القرد أم لا؟ قال أبو عمر ابن عبد البر حافظ المغرب: أجمع المسلمون جميعاً على تحريم أكل القرد.
قيل: لأن فيه شبه بالإنسان، وقيل: لأنه يأكل اللحوم وهو الصحيح، وفي الغالب أن كل ما يأكل اللحم فهو محرم؛ إذا كان اللحم هذا قوته، قد تقول لي أنت: بعض الدجاج يأكل اللحم! نقول: لكن هذا ليس قوت الدجاج، والله فطر الدجاج على أن اللحم ليس بوجبة رئيسية له، لكن يأكلها إذا اضطر إلى ذلك، أما هذه الحيوانات أو الطيور التي تأكل اللحم وهو وجبتها وهو غذاؤها فهي محرمة.
وانتهينا الآن من المحرمات التي وردت في النصوص والقواعد: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] وكل خبيث محرم، وقد أوردنا المحرمات، وهي تقارب الثلاثين أو تزيد على ذلك.
стр. 10111
المباحات من الأطعمة
أما المباحات من الأطعمة فهي الثلاثة الأزواج التي ذكرها الله في سورة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والغنم نوعان: الماعز والضأن، وقد أباحها الله , واشتهار إباحتها يغني عن إيراد الأدلة، فهذه الثلاثة الأزواج مباحة والحمد لله.
стр. 10112
حكم أكل الضب
الضب.
هل هو مباح أم لا؟
ورد في حديث ابن عباس ﵁ وأرضاه الصحيح، وحديث أم سلمة: ﴿أن الرسول ﷺ قدم له ضب فقالت أم سلمة: أخبروا رسول الله ﷺ بما قدم له، فأخبروه فرفع يده ﷺ ، قالوا: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا.
ولكن أجد نفسي تعافه﴾.
وفي لفظ: ﴿لا أجده في أرض قومي﴾ فالضب لا يعيش في مكة ولا في جبال مكة، والرسول ﷺ عافته نفسه؛ لأنه لا يوجد في أرض قومه، ولذلك قال أهل الطب: أنفع ما يأكله الإنسان لصحته ما ينبت في أرضه من النبات وما يعيش من الحيوانات في أرضه، فالنبات الذي يعيش في أرضك من حكم الله وأسراره في الكون أنه ينفعك، ولذلك جعل في الطبيعة أسراراً، وفي التربة أسراراً، وفي الهواء أسراراً، وفي الماء أسراراً، فالنبات الذي ينبت في أرضك، والحيوان الحلال الذي يعيش في أرضك أوفق لجسمك من الحيوان المستورد والنبات المستورد، وهذا موجود في العالم، من تدبر وجد أن أكثر غذاء العالم مما ينبت في أرضهم.
قال ابن عباس: فاجتره خالد بن الوليد الذي يسمى سيف الله المسلول.
من الذي لا يعرف خالد بن الوليد؟ سيف الله المسلول.
وبعض الناس اشتهروا حتى أصبحوا أعلاماً، فإذا أتى الإنسان يعرفهم نكرهم، يقول عمر بن أبي ربيعة:
بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر
قلن تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر
خالد بن الوليد خاض مائة معركة أو أكثر في الجاهلية والإسلام، وما فيه موطن في جسده إلا مضروب، كله جروح من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، تلك في سبيل الشيطان، وهذه في سبيل الرحمن، فانغمست تلك في بحار حسناته فرضي الله عنه وأرضاه، وأكرم الله مثواه.
يقول حافظ إبراهيم وهو يعتذر لـ خالد عن عزل عمر له خوفاً من أن يعجب المسلمون بقيادته، قال:
تسعون معركة مرت محجلةً من بعد عشرٍ بنان الفتح يحصيها
والصحيح أن يقال: إنه خاض مائة معركة في الإسلام.
تسعون معركة مرت محجلةً من بعد عشرٍ بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
وخالد ﵁ وأرضاه بكى في سنواته الأخيرة، أخذ مصحفاً غلافه من جلد جمل، وذلك بعد أن اعتزل الجهاد في آخر عمره، كان يأخذ المصحف بعد صلاة الفجر فيبكي ويقرأ حتى صلاة الظهر، ويقول: [[شغلني الجهاد عن القرآن]] ولما أخرجوا جنازته بعد أن توفي بكت أخته وبكى المسلمون بكاءً عظيماً وأخذت أخته تقول:
أنت خير من ألف ألف من القوم إذا ما ثبت وجوه الرجال
يعني: خير من مليون.
أنت خير من ألف ألف من القوم إذا ما ثبت وجوه الرجال
ومهين النفس العزيزة للذكر إذا ما التقت صدور العوالي
ووصل الخبر إلى المدينة واهتزت المدينة وكان الخليفة آنذاك أمير المؤمنين عمر فبكى بكاءًَ شديداً، وسمع أصوات النساء في البيوت يبكين، فأتى رجل يقول: يا أمير المؤمنين! أسكت النساء، قال: [[دعهنَّ.
على مثل أبي سليمان فلتبك البواكي]] فرضي الله عنهم وأرضاهم.
стр. 10113
حكم أكل الأرانب
الأرانب هل تؤكل أم لا؟
نعم تؤكل للحديث المتفق عليه قال أنس: ﴿أنفجنا أرنباً بـ مر الظهران﴾ مر الظهران في المدينة من جهة البحر الأحمر إلى مكة - أنفجنا: طاردنا أرنباً، أو خوفنا أرنباً.
﴿فخافت، فطاردتها -كان أنس غلاماً شاباً قوياً فلحقها فأمسكها- فأتى بها إلى أبي طلحة فذبحها وطبخها وأرسل بوركها إلى الحبيب ﵊﴾ انظر إلى رسول البشرية يقبل هدية ورك الأرنب، حتى إنه قال ﵊ للناس: ﴿ولو أهدي إليَّ ذراعٌ لقبلت﴾ وانظر إلى مشاركة الولدان حتى في الأرنب، لا يمنعهم حتى يشاركهم حبيبهم ﵊.
وكان من الصحابة من اشتهر بالسرعة حتى كاد يصيد الغزلان والأرانب بيده، وأسرع من سمعنا في التاريخ سلمة بن الأكوع كان يسبق الخيل، وكان يصيد الغزلان في الصحراء، فيسعى حتى يفحم الغزال ويصيدها، ويسعى وراء الأرنب ويوقفها مكانها، وقصته هذه تغني: فقد طارد يوم ذي قرد أو غزوة الغابة أناساً من غطفان حتى أمسكهم إلى أن أتى الرسول ﵊ وهم خيالة وهو على رجله.
وهكذا الطاقات تتفجر في حياته ﵊ فيعطي أهل التخصصات تخصصاتهم، حتى أهل الرياضة برعوا لكنهم كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وأهل الأدب برعوا كـ حسان وابن رواحة لكنهم كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، والمصارعون برعوا كـ ركانة وغيره لكنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، وأدب ليس فيه إيمان أدب ملعون، ورياضة ليس فيها إيمان رياضة ملعونة، ومصارعة ليس فيها إيمان ولا مخافة إيمانية مصارعة ملعونة؛ يقول أبو الحسن الندوي: عين ليس فيها إيمان مقلة عمياء -أو كما ينقل عنه- ويد لا تحمل إيماناً إشارة لا مفهوم لها، وقلب ليس فيه إيمان كتلة لحم، وأمة ليس فيها إيمان قطيع من البهائم، فرسالتنا الإيمان وهي رسالة محمد ﷺ .
стр. 10114
حكم أكل الدجاج
الحمد لله أن أكثركم أو كلنا يأكل في اليوم مرتين أو ثلاثاً ولا بقي علينا إلا أن نفطر في الصباح بعد صلاة الفجر دجاجاً، لكننا نقف على النصوص، لأنه قد يوقفنا إنسان ويقول: هل الدجاج مباح -وأنت مسلم- فتقول: نعم، مباح نأكله في أرضنا، فيقول: لماذا لا تأكلون الصقور والنسور؟! تقول: لا نأكله في أرضنا، فسيقول لك: أرضك ليست بشريعة؛ أخبرني بالأدلة؟ فالدليل على ذلك ما في صحيح البخاري ومسلم: أن أبا موسى الأشعري قال: ﴿رأيت الرسول ﷺ يأكل الدجاج﴾ وسبب الحديث عند البخاري: ﴿أن رجلاً أعجمياً دخل على أبي موسى قال: كلْ معي دجاجاً، قال: والله لا آكله، قال: كيف وقد رأيت الرسول ﷺ يأكل الدجاج!﴾.
стр. 10115
حكم أكل الخيل
والخيل تؤكل إلا عند الأحناف ﵃، قلنا: لماذا؟ قالوا: يقول : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] ما قال: لتأكلوها، فكيف نجعل المركوب مأكولاً؟ قلنا: وماهو الحديث الذي معكم؟ قالوا: حديث خالد: ﴿أن الرسول ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل﴾ وأين الحديث؟ قالوا: في السنن، قلنا: أما حديثكم فضعيف والحمد لله رب العالمين، وأما الآية فلا يمنع تخصيص بعض أفراد العموم بصفة؛ فإنه لا يمنع أن يكون فيه صفة أخرى؛ فإن هناك صفة أخرى، يقول : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣] مع العلم أن بعض الناس يقول: أي: حرام أكله، ولكن يجوز من جلد الخنزير والتأدم بشيء من وده الخنزير أو بدهنه أو شحمه أو جلده! وهذا للتبيان.
فالصحيح عند الجمهور أن الخيل تؤكل لحديث أسماء المتفق عليه: ﴿نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً وأكلناه﴾ ولذلك تعجب من بعض الناس يقول: كيف ينحر حاتم الطائي فرساً لضيوفه، وهو لا يدري بالشريعة؟! لكن الأصل أنه مباح، ولا نستدل برأي حاتم؛ فرأيه ليس بصحيح ولا بوارد وأحاديثه موضوعة، إنما الخيل يؤكل والحمد لله رب العالمين، ومن الأحاديث التي تدل على ذلك حديث جابر في الصحيح: ﴿أن الرسول ﷺ حرم يوم خيبر لحوم الحمر، وأذن في لحوم الخيل﴾.
стр. 10116
حكم أكل الجراد
والجراد في القرآن والسنة خلقه الله نعمة وعذاباً، نفعاً وضراً، فأذنب قوم فجعل نكالهم في الجراد، قال : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] فالجراد عقوبة أرسلها الله على قوم فرعون.
واختلف أهل العلم: هل هو من البحر أم من البر؟
والذي عليه كثير من السلف أنه نثرة ينثرها البحر فهو فصيلة من فصائل الأسماك، وشكله يوحي أنه قريب من السمك فكأنه من فصائل السمك، وسبحان الخالق عليه توكلت وإليه أنيب!
وفي السنن أن الرسول ﵊ -والحديث ضعيف في سنده عبد الرحمن بن أسلم - قال: ﴿أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالجراد والحوت﴾.
إذن الجراد مباح وهو أكل عند الأمة الفقيرة التي ليس عندهم مزارع، فإذا هبط عندهم كان نعمة أن يأكلوا منه، كما يفعل الناس قبل أربعين أو خمسين سنة؛ كانوا يتغذون به؛ لأنهم في الجزيرة العربية ليس معهم إلا الصخور والتراب، لكن الأمم التي عندها مزارع وقمح وشعير وذرة، فمن أنكب النكبات وجود الجراد عندهم، فهو نعمة عند قوم ليس عندهم مزارع (فقراء) وهو نقمة عند أهل المزارع والله قد ينعم بالبلوى وقد يبتلي بالنعمة:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
والله خالف آياته ولكن لمن يتدبر، فجعل في بلد الجفاف حتى أكلوا الميتة، وحتى ما وجدوا شيئاً يأكلونه ابتلاء، فلما اشتد عليهم الجفاف هلكوا ومات منهم الكثير، ثم أتت الفيضانات فطمَّت وعمَّت حتى غرق من بقي في الماء، فسبحان من جعل يوماً جفافاً حتى أصبح مهلكاً ودماراً، وخسفاً ونكالاً! وسبحان من جعل يوماً فيضاناً حتى صار خسفاً ودماراً ونكالاً!
والجراد يؤكل لحديث ابن أبي أوفى في الصحيح: ﴿غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات أو ستاً كنا نأكل معه الجراد﴾.
стр. 10117
حكم أكل حيوان البحر
قال قوم: كل ما مات في البحر مما يعيش في البحر فهو حلال كالأخطبوط والثعبان والسلحفاة وحيوانات البحر وكلاب البحر فهو حلال.
وقال قوم -وهو الصحيح إن شاء الله-: حيوان البحر مما يموت في البحر مما لا يستقذر وليس بخبيث يؤكل، أما الخبيث فلا يؤكل كالضفادع والسلحفاة وما في حكمه، وهذا أقرب الأقوال: ﴿هو الطهور ماؤه الحل ميتته﴾ مما يقبل الأكل، لقوله في نصوص شابهت هذا، مثل الريح التي أرسلها على القوم الطغاة: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] وهي لم تدمر السماء والأرض لكن كل شيء مما يقبل التدمير، وقال في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] مع العلم أنها لم تؤت كما أوتي سليمان ﵇، لكن أوتيت من كل شيء مما يقبل التملك أو مما يحتاجه الملوك.
لحوم الحبارى -حبارى وحباري- تؤكل لحديث سفينة ﵁ وأرضاه في أبي داود لكن فيه ضعف قال: ﴿أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حباري﴾.
فما دام أنه أكله الحبيب فسيبقى نستأنس به لأنه أقرب شيء للدجاج، والذي يظهر إباحته وحله.
стр. 10118
المكروهات من الأطعمة
لا أعرف في المكروهات إلا صنفين نباتيين: الثوم والبصل لقول جابر: قال رسول الله ﷺ : ﴿من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا هذا﴾ وفي حديث: ﴿أن الرسول ﵊ نهى عن أكل الثوم والبصل ما لم يطبخ فإذا طبخ فلا بأس به﴾.
وقال عمر: [[يا أيها الناس إنكم تأكلون شجرتين خبيثتين ولا أرى إلا أنهما خبيثتان، فمن أكلهما منكم فليمتهما طبخاً، ولقد رأيت الرجل يأكل ثوماً وبصلاً فيدعى به فيؤخذ بيده فيخرج من المسجد حتى يوضع بـ البقيع]].
وعند أبي أيوب في الصحيحين قال: ﴿قدم للرسول ﷺ إناء فيه بقل -والظاهر عند أهل العلم أنه بصل، وهناك في رواية أخرى: كراث- فقال ﷺ : كلْ، فإني أناجي من لا تناجي﴾ وهم الملائكة.
فأباحه ﵊ لكن كرهه لمناجاة الملائكة.
فالثوم مكروه وأما من تعمد الاحتيال به حتى لا يحضر الصلاة في جماعة فهو مذموم، عطال بطال، إن عاد فيعزر، فبعض الناس يريد أن يترك الجماعات فيقول: ما دام أنه عذر صاحب الثوم والبصل فيأكل ثوماً وبصلاً فلا يأتي المسجد، تقول له: صل، فيقول: أكلت ثوماً وبصلاً، وهو لا يريد الثوم والبصل لكن يريد أن يتخلف عن الصلاة، هذه من الحيل المعكوسة التي يركبها الله على أصحابها.
ومن الحيل كذلك في الصلوات: أن يؤخر بعض الناس العشاء، والرسول ﷺ يقول: ﴿إذا حضر العِشاء والعَشاء فابدءوا بالعَشاء قبل العِشاء﴾.
فيترك طعامه حتى يقرب أذان العشاء ثم يحضره ويقول: حضر العشاء، علينا باتباع السنة لا نخالف السنة فيتعشى دائماً مع الصلاة، نقول: أنت آثم ومحتال، وإنما هذا إذا وقع نادراً للعذر؛ كأن تصادف مرة من المرات عشاء، أما أن تجعل عشاءك في وقت الصلاة فأنت مفترٍ على الله وعلى سنة الإسلام.
إذاً يكره أكل الثوم والبصل ويدخل فيهما الكراث.
وأنا أنصح الإخوة المسلمين إما أن يميتوهما طبخاً، أو من أكل رغبة فيها أن يأخذ بعض الروائح الجميلة، وألا يأتي إلى المسجد لأنها تؤذي المسلمين كثيراً، خاصة ممن يتجشأ فإنه يؤذي عباد الله في المسجد، وعند مقابلة الناس، ومناجاة الناس، وعليه أن يحاول أن يكون له وقت إذا اضطر إليه، وأن يغير الرائحة من الثوم والبصل، فإنه مضر بعباد الله الصالحين.
стр. 10119
حكم المضطر لأكل الميتة
المضطر هو الذي اضطر لأكل لحم الميتة، وحده كما قال : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣]
الباغي: هو الذي يبغي بأكله للميتة وعنده أكل آخر، يعني: ما عذره الله لكنه بغى في الأكل فعنده كل شيء لكنه أكل الميتة، فهذا يحرم عليه.
العادي: هو الذي تجاوز في أكل يكفيه لسد الرمق، ورفع الجوع؛ فيأكل حتى يزيد في شبعه؛ فهذا مذموم، فالميتة يأكلها العبد إذا أشرف على الهلاك، قال أهل العلم: إذا تأكد أنه سوف يموت، وقال ابن حزم في المحلى: إذا بقي يوماً وليلة كاملة وجاع واشتد جوعه، وشعر بدنو الموت فليأكل.
هذا المضطر ولنا عودة إليه.
стр. 10120
حكم الأطعمة ذوات السموم
تساءل أهل العلم كما في المجموع للنووي عن العقرب والحية والثعابين هل تؤكل أم لا؟ لأن كثيراً من الأمم والجيوش الآن حتى في الدول العربية يأكلون الثعابين، فما موقفنا لنبدي لهم الشريعة؛ لأنهم يسألون عن الدليل، إما أن يقول الإنسان: إنه سام؛ فهذا لا يكفي، لكن ما هو الدليل؟
أخذ أهل العلم من عمومات النصوص أنها محرمة، قال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] وقال : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] وفي صحيح البخاري قوله ﷺ : ﴿من تحسى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً في النار﴾ فمن قتل نفسه بالسم، أو تسبب في أكل شيء مضر من السوام فسمه معه، يدخل به النار خالداً مخلداً.
هذا لفظ الحديث في البخاري، إذاً يعلم من ذلك، أن أكل شيء سام حرام، وأدخل فيه فصيلة الحيات والعقارب والثعابين وكل ما يعلم ضرره من هذه جميعاً، وهو الأصل الذي توقف فيه بعض الناس، ولكن بعد معرفة هذه الأدلة لا يتوقف فيه والحمد لله.
следующие страницы →