Полный текст (10 391 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.
стр. 10151
قصيدة: ثناء على النبي ﷺ
القصيدة التاسعة:
هذه رباعية في الثناء عليه ﷺ .
نسينا في ودادك كل شيء فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا
ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
стр. 10152
قصيدة: تعال معي
القصيدة العاشرة:
وهذه قصيدة بعنوان (تعالَ معي).
تعال معي ورتل في أذان الفجر أنغاما
وأرسل في جفون الليل من رؤياك أحلاما
لعل الليل تؤلمه جراح منك إن قاما
فيحنو كالفؤاد الصب فالآهات أيتاما
ويحسو منك روح الحب جاماً إثره جاما
على الصحراء نبني خيمة الأشواق أياما
ونصنع من دموع الوجد فوق الريح أقلاما
فقد طالت ليالينا وأضحى يومنا عاما
نريد سماءنا سلماً نريد الأرض إسلاما
فكم من أدمع ضاعت وكم من ماجد هاما
ومن عجب ترى الأصنام صاغت فيك أصناما
لأنك قد بنيت على رفاة الوهم أوهاما
سُقيت على بساط الإثم كأس الهجر آثاما
فكان جزاؤك المعهود يا بن الأرض إعداما
стр. 10153
قصيدة: مع بلال بن رباح
القصيدة الحادية عشرة:
وهذه مقطوعة بعنوان (مع بلال) مؤذن رسول الله ﷺ .
ماست على شفتيك نغمة بلبل فانساب ماء الحب في الخد الجلي
وتطايرت ومضات عينك أنجماً تُهْدى لكل مكبر ومهللِ
تسقي حُمَيا الموتِ ألف أمية (أَحَدٌ) هتفت بها لكل معطلِ
نازلتهم وقذائف التوحيد من كفيك تهوي للجبان الأنذلِ
فسحقت طاغوت الضلالة معلناً نصراً على رغم المهين الأعزلِ
أبلال فاسلَمْ يا سواد محاجرٍ أشبهت إنسان العيون الأجملِ
стр. 10154
قصيدة: مع بلال أيضاً
القصيدة الثانية عشرة: أيضاً في بلال ﵁:
أصوتكم زارني أم نغمة الوتر أم سحر شدو رواه الشدو في السحرَ
أم ومضة من سناكم أرسلت ألقاً أكاد أشفق من خوف على نظري
ملأت من نغمات الحب أنفسنا لأنت عندي ملء السمع والبصرِ
قامت بتكبيرك العالي عزائمنا من بعد أن عجزت وهناً من الكبرِ
وهلل الفجر من تهليلكم جذلاً وقام يرسم آمالاً على الشجرِ
بلال يا قصة الشجو الذي هتفت له القلوب وقد كانت من الحجرِ
أعد بلال نشيد الحب منتظماً ورتل الحق يروي أعذب السورِ
لما صرخت بآذان الهدى خشعت لك الوهاد وذاب الطل في الزهرِ
توضأ الفلق الباهي على حدسٍ من صوتكم واستفاقت رفقة السمرِ
والطير نشوان من شجوى هتافكم والروض يهتز في باهٍ من العمر
كم رددت صوتكم بالحب أندية مأنوسة من أبي بكر ومن عمر
سكبت في أذن الدنيا محاضرة من الوداد فذاب الحب في البشرِ
قذيفة الحق من إيمانكم أحد ترمي به كل نذل غير مستترِ
стр. 10155
قصيدة: في لقاء صبيا
القصيدة الثالثة عشرة:
وهذه قصيدة قلتها في صبيا في لقاء مع بعض الإخوة.
طف بالفؤاد على ربا يبرين إن كان دينك في الصبابة ديني
ومعنفي باللوم قلت له اتئد الدمع دمعي والعيون عيوني
لله هذا الجمع كيف تنورت صبيا فكم من ماجد ميمون
نيروز أوقاتي بكم متألق وغياب قلبي عنكم تشريني
كم في دياركم وكم في سوحكم من حاذق لا يكتفي بالدون
طارت به همم الرجال لمنزل في العلم في عز مع سحنون
زانته أردية الوقار فخلته يمتاح فيض الخير من ذي النون
أحفاد سعد والمثنى في العلا وذوو الفضائل من صلاح الدين
стр. 10156
قصيدة: ضحكت لك الدنيا
القصيدة الرابعة عشرة: ضَحِكَتْ لك الدنيا:
ضحكت لك الدنيا وأروق عودُها وافتنَّ بلبلها وفاح ورودها
وتلألأت طلعات فتية أحمد تجتاح أصنام الضلال بنودها
ماتت على صيحات أبطال الهدى حزب الخنا شوعيها ويهودها
يرعى علاها الله ﷻ ومن الشريعة ركنها وعمودها
سهروا مع القرآن في غسق الدجى في ليلة ينسي النهار سجودها
لا من على الشهوات يطرح رأسه معبود أندية الهوى معبودها
نغم الخليل يهز أندية الملا فيموت من وقع الصدى نمرودها
стр. 10157
قصيدة: ثناء على الشيخ عبد الله بن عبد العزيز المصلح
القصيدة الخامسة عشرة:
هذه المقطوعة في فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن مصلح لما سافر إلى الباكستان.
يا راحلاً عن بلاد لم تعد سكناً لما رحلت كأن الناس قد رحلوا
دمع الصبابة في أجفان صحبكم وللقلوب على فرقاكم وجلُ
ما لي وللعجم العجماء آثرها شهم من العرب العرباء منتقلُ
لعل في الأمر شيئاً ما أحاط به شعري وليس غريب الفعل ما فعلوا
لا يزرع النخل إلا في مغارسه ولا يشاكله في فضله البصلُ
>
مهلاً أبا شاكر لو كان ينفعنا مهل ولكنها أيامنا دول
عسى الذي كتب الفرقى وقدرها يقدر الشمل والأشواق تتصلُ
стр. 10158
قصيدة: يطلبون فتح الباري
القصيدة السادسة عشرة:
وطُلِب مِنْ فضيلته (شرح كتاب فتح الباري) لطلبة أصول الدين، المستوى الثاني، فكتبت لهم هذه الرسالة إليه:
رؤياك عندي زينة الأعمار ووصول مثلك أشرف الأوطارِ
لكن إبلاغ المشوق صبابة أولى وأجمل من وصول الدارِ
يكفي محياك البشوش فضيلة أسر القلوب بفيضك المدرارِ
كلماتك الغر العذاب وسحرها طردت لذيذ النوم في الأسحارِ
لا غرو أن تسبي القلوب فإنها طوع المحب ومغرس الأبرارِ
ما قلت هذا القول حتى حزته عن ثلمة الأمثال والأشعارِ
عصماء ترفل بالثناء نظمتها فيضاً إلى الإخوان والسمارِ
أوما سمعت بأن قوماً عندنا طلبوا الهمام الشهم فتح الباري
جاءوك عواداً وزواراً ولو ندبوك للجلى لكنت الشاري
والعذر يجمل من سواك وإنه منكم غريب فاقد الأعذارِ
стр. 10159
أبيات في صوت الريح
القصيدة السابعة عشرة:
هذه المقطوعة بعنوان: (صوت الريح).
على كتلة من رمال الهموم رقدتُ لأسمع صوت الرياحْ
لأنسى بها كل ما زارني من الحزن حتى يزور الصباحْ
ففاجأني الليل في غمضة ثقيل الخطى جاثماً في الوشاحْ
فقلت: أما كان يكفي أسى مآسي حتى نكأت الجراحْ
فقال يقولون إن اللبيب إذا سَلِّ همته ما استراحْ
стр. 10160
أبيات في الهمة
القصيدة الثامنة عشرة: (الهمة):
أهوى سنا النجم لا للنجم أهواه لكن أهواه إعجاباً بعلياهُ
كل له همة عاشت تناسبه فلا يخالفها والمانح اللهُ
ترى الشجاع ونار الهول موقدة يهوى الردى وهو موت فاغر فاهُ
والعالم الَحْبرُ أهدى الليل مهجتَه وجاهل نحلت بالنوم عيناهُ
ما أنْحَلَ الجسم إلا ثقل راكبه ولا دَمَى القلب إلا ما تمناهُ
стр. 10161
قصيدة: سل قلبي
القصيدة التاسعة عشرة: (سَلِّ قلبي):
سَلَّ قلبي بأحاديث السَّمَرْ وانثر الأخبار في ضوء القمرْ
واترك الليل طويلاً بالمنى إن ليل الصب مطموس البصرْ
فإذا أغرى بك النجم فقل أيها النجم رويداً فاستترْ
اسق بالذكر فؤاداً طالما فقدت أحشاؤه طعم المطرْ
رب سبحانك فارحم مبلساً واجم الفكر معنى بالسهرْ
يتهادى بذنوب جمة تحت برديه ولكن ما كفرْ
يستبيح العذر منهوش القوى سار في الركب عليلاً فعثرْ
فأعد يا رب في أجفانه دمعة الخشية أو نور الفكرْ
وارحم اللهم جسماً ناحلاً ذابل المهجة في السير فترْ
شوقه يسري ولكن جسمه في خيام الحي شلواً ينتظرْ
стр. 10162
غن على الدينا السلام
القصيدة العشرون: غَنِّ على الدنيا السلام:
تبسم واعمر الأرواح عطرا فإن مِن الوَداد العذب سحرا
وذب في مهجة الأحباب شهداً لتملأ جعبة الأيام أجرا
فسلطان المحبة لَوْذَعِيٌّ وما أنبئتُ أرفعَ منه قدرا
إذا لم تدرِ أنك لست تدري فأصل الدهر بالأوغاد أدرى
стр. 10163
ملاطفة
القصيدة الواحدة والعشرون: (مُلاطَفة):
بتبسمي أطفأت ألف ضغينة وزرعت في قلب العليل ودادا
متجهم القسمات كم لا طفته لأسل من أضلاعه الأحقادا
ما كان مثلي بالطبيب وإنما طب التجارب تحكم الأوغادا
لا تشتر جهلاً عداوة ماجدٍ لتنال يا خدن العلا أمجادا
стр. 10164
قصيدة: مع المجاهدين الأفغان
القصيدة الثانية والعشرون: (مع المجاهدين الأفغان):
لكم منا السلام وإن بعدنا فقد كنتم على الدنيا سلاما
ونصركم القريب رسول مجد دماء الشعب في خمسين عاما
سترتفع الدماء من الضحايا ويلقي المعتدي موتاً زؤاما
تزينت الجنان لكم وهشت للقياكم وهيأت المقاما
وحيا الله بالشهداء منكم إلى المأوى وألبسهم وساما
وأخلف أهلهم صبراً جميلاً ليمسح فيضه دمع اليتامى
فقل للملحدين لقد خسرتم ستسقون الردى جاماً فجاما
стр. 10165
قصيدة: إلى اللقاء
القصيدة الثالثة والعشرون:
هذه القصيدة بعنوان (إلى اللقاء) قلتها بمناسبة وفاة أخي وشقيقي محمد بن عبد الله القرني، تغمده الله برحمته وغفرانه.
يا من تذوقت طول الدهر صحبته فكان يسكن في سمعي وفي بصري
صاحبته صحبة العينين فامتزجت أرواحنا منذ شب العود وهو طري
سيان عشنا وعاشت في ضمائرنا سيما الوداد فأبقت أطيب الأثرِ
لا راعك الله في دنيا نهايتها فرقى تحل وسكنى أضيق الحفرِ
وأحسن الله أجراً كنت ترغبه فقد أتاك على صغر من العمر
ورافقتك من الرحمن رحمته في جنة الخلد بين الماء والشجر
لك الجناح فرفرف في مرابعها إذا أتيت جناحاً طائراً فطرِ
رفرف مع جعفر الطيار في فنن على كثيب من الرضوان في السحر
أشجى وزادك تذكار الرحيل فقد قدمت بعضك كي تأتي الحمى فسرِ
عهد لقلبك عندي لا أخيس به يا طيب ذكرك في الدنيا لمدكرِ
стр. 10166
قصيدة: تعزية على لسان مولود
القصيدة الرابعة والعشرون: (تعزية على لسان مولود):
لا تبكِ من ويل الفرا ق ولا تفجع يا أباهْ
فلقد سمعتُ مُرَنِّماً فأجبت مسروراً نداهْ
فاصبر فيا لك من أبٍ قد أحسن الباري عزاهْ
أنا في منازل جنة خضراء تاهت بالهُداةْ
لا تبكِ علَّك أن ترى قبساً ينوركم سناهْ
وشفاعة تبقى لكم ذخراً سيحفظها الإله
أنا جئت طيفاً عابراً لا أبتغي عيش الحياة
دعني بطُهري راحلاً لا لا تدنسه الطغاة
لا تبكِ إنك لاحقي والركب قد سارت خطاهْ
من فارق الدنيا ولم يسكن بها تربت يداه
стр. 10167
قصيدة: إلى شاعر زبيد
القصيدة الخامسة والعشرون:
وهذه القصيدة كانت رداً على قصيدة شاعر زبيد الأستاذ/ محمد بن حسين الزبيدي التي أرسلها إلي، فقلت له بعنوان: (إلى شاعر زبيد):
نهدي السلام الذي في القاع مسكنه عساه من نفحات الشِّيح يهدينا
نزلت في غوطة والورق أسألها علام يا حاملات الحُسْنِ تبكينا
فارقتمونا فلم ننسى مودتكم فذكركم عن جميع الناس ينسينا
أما ذكرتم لنا عهداً ومعرفةً وافقتم الدهر عن وتر يعادينا
ردوا السلام إذا زرتم منازلنا عليك تسليمنا يا من تحيينا
وباكرتك من الأرياف هائجة تجتث من جانب الوادي رياحينا
ما كنت أحسب أن الحب يصرعني حتى تعلمت فن الهجر تلقينا
محمد بن حسين غاب وافدكم وبُعْدُكم يا أخا الإسلام يضنينا
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
فكيف يسلو رفيق الليل عن قبس قد كان دوماً بتقوى الله يوصينا
يا كنزنا كم بحثنا عنك في نصب لقيته ذهباً ما مازَجَ الطينا
العلم والفهم والتوجيه شيمته ما فاته الحزم في دنيا ولا دينا
قل لي بربك هل ماء الحياة صفا في بُردْكم فلماذا لا تروِّينا؟
شكراً زبيد فقد أهديتِ ما عجزت عن مثله في المدى روما وبرلينا
قد خصنا الله ربي من كرامته فذا سليلُ المعالي داعياً فينا
يطاوع الدمع شوقي في تسرعه أظن أن لهيب البعد يفنينا
أرى الجمال قبيحاً عند فقدكم وألمس الشوك في زَهر البساتينا
والنوم إن لم يكن في قربكم أرق والشهد يا صاح في فرقاك غسلينا
عتابكم أرج من طيب دوحتكم ولومكم بلسم بالنصح يشفينا
وعذركم عندنا برهان حجتكم يرد عنكم بصدق العذر قاضينا
عهدي بـ حسَّان في وقت تقدمنا إذا بسحر القوافي نافثاً فينا
стр. 10168
قصيدة: إلى أرض الحجاز
القصيدة السادسة والعشرون: (إلى أرض الحجاز):
يا راحلين إلى أرض الحجاز خذوا بالله يا أيها الأحباب أشجاني
هاكم دموع محب طالما لعبت به الهموم على بُعْد وهجرانِ
يحن قلبي إلى وادي العقيق ولو دنا العقيق لما حُمِّلتُ أحزاني
أو في الحمى دون سلع فانثروا قبلي وذكروه فديتم أرض نعمانِ
عند المصلى وفي وادي الأراك لنا شوقٌ قديم يذيب المدْنَف العاني
واستشهدوا البان علَّ البان يخبركم بما لقيت به من ساكن البان
стр. 10169
مسلم يخاطب الكون
القصيدة السابعة والعشرون: (مسلم يخاطب الكون):
قف في الحياة تر الجمال تبسَّما والطل من ثغر الخمائل قد هَمَى
وشدت مطوقة العروس ورجَّعتْ وترعرع الفنن الجميل وقد نما
وسرى النسيم يهز عطف عبيره والماء في عطف الجداول تمتما
وتفتح الأزهار واعتنق الندى هَدَرَ الغديرُ وكان قبل ملثما
والشمس أرسلت الأشعة في الفضا بدداً وقبلت الجليد فهمهما
وبكى الغمام من الفراق فشامت في الأرض يضحك ترحة وتلوما
والمؤمن اطلع الوجود مسَلَّماً أهلاً بمن حاز الجمال وسلما
فجثت لطلعته الجبال وأذعنتْ إذ كان منها في الحقيقة أعظما
وقد اشرأبت كل كائنة له فكأنه ملك يسير معلَّما
ورأى الحياة بنظرة قدسية وبها إلى عز المهيمن قد سما
كشف الحجاب عن الغيوم فأشرقت سبل الهداية قبله فتقدما
عرف الحقيقة فاستنار بنورها وتراه في عمق التفكر ملهما
في كل ماثلة تمر بعينه عبر تُعرَّفه الإله الأعظما
حبل الرجاء غدا به متمسكاً أنعم بحبل قط لن يتصرَّما
أترى الجمال بغير منظار حسناً ولو ملكت يداك الأنجما
أتظن أن الأنس يسكن برهة قلباً ولم يك في الحقيقة مُسْلِما
لا والذي جمع الخلائق في مِنَى وبدا فأعطى من أحل وأحرما
ما في ربوع الكون أجمل مَنْظَر من مؤمن للسعد جدَّ ويَمَّما
إن مت يا حامي الحياة فإنما هي نقلة تلقى حياة أوسما
في ظل رب كنت قد وحدته تلقاه في الأخرى أبر وأكرما
بل كيف ترحل والحياة تقودها ماللعوالم حول قبرك جثما
فاسعد فقد ظفرت يداك بصفقةٍ واهنأ فإنك بعد لن تتندما
стр. 10170
قصيدة: يا نفوس الإيمان لله طيري
القصيدة الثامنة والعشرون: (يا نفوس الإيمان لله طيري):
آية الله في الفضاء الكبير شاهداتٌ بصنع رب خبير
في انبلاج الإصباح في هدأة الليل وفي بسمة الصباح المنيرَِ
في ابتسام الورود عن كل ثغرٍ في انتفاض الربى بعطر العبيرِ
إن محيا النبات من سيب غيثٍ لجدير ببعثنا في النشورِ
فاسمع الكائنات قد سبحته شاخصات إلى العلي القديرِ
عز من لا يموت عن كل ند وتعالى عن صاحب وظهيرِ
إنما الخلق ذرة في يديه صغر الكون في امتلاك الكبيرِ
стр. 10171
قصيدة: رأيت الله
القصيدة التاسعة والعشرون: (رأيت الله):
إله الكون يسعدني رضاكا ومالي خالق أبداً سواكا
تراك إذا رأيت الكون عيني وأنت الله أعظم أن نراكا
...
إذا ما الفجر في الآفاق حاكا وإذ بالطل منسكب تباكي
فشوقي فيك ملتهب وبيني وقلبي دائماً يهوى علاكا
...
وإذ بالماء في الأوهاد يسري يتمتم عن معانٍ لست أدري
عساه يقول للرحمن شكراً فأنت الله قد أجريت نهري
...
وتنشق الزهور بكل لون تقول لنا أيا قومي دعوني
أسبح للذي بالماء أسرى إلي وكنت في هول المنونِ
...
إلهي في جميع الكون شاهدْ بأنك موجد للخلق واحدْ
ومن جحد الحقيقة كَذَّبوه كذبت لقد خسرت أيا معاندْ
стр. 10172
قصيدة: نصائح
القصيدة الثلاثون: نصائح (الخفيفة):
الحمد لله الولي رب العباد المعتلي
ثم الصلاة الجمة على شفيع الأمة
محمد المختار مقدم الأبرار
وصحبه وآله والكل في نواله
ورجل الخلافة ابن أبي قحافة
ثم عن الفاروق الناصح الشفوقِ
وحب ذو النورين فذاك قر العين
ثم الإمام المرتضى سيف الإله المنتضى
ثم جميع العشرة وبعد أهل الشجرة
وهذه وصية إلى الملا محصية
جمعتها للفائدة في حسنها كالمائدة
سميتها الخفيفة للأنفس اللطيفة
أوصيك يابن الدين يا صادق اليقين
أن تتقي الله الصمد منزهاً عن كل ضد
وقم وحي الخطبا وأوصهم مختطبا
فهم على المنابر كالأنجم الزواهر
وواجب الخطيب والمصلح الأريب
أن يعتني بالموعظة حتى تكون موقظة
يحقق الإخلاصا ليحرز الخلاصا
ويعتني بالعلم فهو أجل الغنم
ولا يكن بليدا في وعظه رعديدا
بل يجتهد ولا يمل ويحفظ الله الأجل
لا يسمع الغناءَ لا يحمل الرياءَ
ولا يضيع وقته فالموت يأتي سكتة
فالدين ليس مضحكة بل مسجد ومعركة
ولا لأجل الراتبِ يا معشر الأطايبِ
فيحرم التلاعب بالمال والمناصب
أما شروط الخطبة أنصت إليها رطبة
تحضيرها من الكتب والبحث يتلوه النصب
ومبدأ التطويل من شيم الثقيل
وعدم اللحن فما أقبحه وأظلما
ويعتني بالإلقا مخافة أن يلقى
ولا يرى في المحكمة عند القضا لمظلمة
فعاشق المشاكل في كل أمر فاشل
بل يستتر في داره مستأنساً بجاره
عليك بالنوافل فأجر تلك حاصل
فصاحب القرآنا وسبحن مولانا
واسجد له بعض الدجى وجهك أضحى أبلجا
ولا تكن في شلة فالفسق ما أذله
وصاحب الأخيارا فغيرهم حيارى
لا تشتغل بالغيبة فيها الردى والخيبة
وصل ربي أبدا على الرسول أحمدا
ثم سلام ربي على جميع الصحب
стр. 10173
قصيدة: المناصب
القصيدة الواحدة والثلاثون: (المناصب):
يتهاوون كالفراش هياماً كلهم همه حصول المناصبْ
علمتهم أفكارهم كيف يرقو ن وفي الجو منهم ألف غاصِبْ
لم تخولهم المواهب تقديراً فما القوم من رجال المواهبْ
حينما شابهوا الزمان دعاهم والزمان التعيس يهوى الحبايبْ
стр. 10174
قصيدة: متكبر
القصيدة الثانية والثلاثون: (متكبر):
أنت من أنت يا شبيه الزرافة يا عظيماً في كِبْرِهِ والسخافة
خفف الوطء ما رأيناك شيئاً كلما زدت كبرةً زدت آفه
هل توهمت أن جدتك الكبرى تولت على الأنام الخلافه
أم لأن العلوم صيغت جميعاً في دماغ ما فيه إلا الخرافه
стр. 10175
قصيدة: الدمعة الخرساء
القصيدة الثالثة والثلاثون: (الدمعة الخرساء):
دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموتُ أجيالاًَ فيُفنيها
عارية المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
هامت إليك فلما أجهدت تعباً رنت إليك فحنت قبل حاديها
إذا تشكت كلال السير أسعفها شوق اللقاء فتعدو في تدانيها
حتى إذا ما كبت خوفاً لخالقها ترقرق الدمع حزناً من مآقيها
لا العذر يجدي ولا التأجيل ينفعها وكيف تبدي اعتذاراً عند باريها؟!
فإن عفوت فظني فيك يا أملي وإن سطوت فقد حلت بجانيها
إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيها
стр. 10176
حوار بين تقي وشقي
إن الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر؛ قائم منذ أن خلق الله البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، صراع بين التوحيد والإلحاد، صراع بين الكفر والإيمان؛ مروراً بإبراهيم ﵇ مع النمرود، وموسى مع فرعون، ومحمد ﷺ مع الكفرة والملحدين.
стр. 10177
فضل الهداية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد:
جئت بالحب إليكم والسلام حاملاً أزكى التحيات العظام
في البكيرية أحبابي ولي إخوة فيها وأصحاب كرام
كم بها من مقرئ أو عالم يشبه البدر معالي التمام
رفعوا الإسلام في أرض الهدى ورووا الحكمة عن خير الأنام
أما محاضرتي فعنوانها: حوار بين تقي وشقي.
الناس صنفان: تقي وشقي: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩].
العيون قسمان:
عين عرفت الله ودمعت من خشيته، وتدبرت آياته، وتفكرت في مخلوقاته.
وعين نظرت إلى الحرام، وأعرضت عن هدي خير الأنام، وتصفحت المعاصي وأطلّت على الحرام، فهي العين الباكية يوم العرض الأكبر على الله.
والقلوب اثنان:
قلب عرف الله وامتلأ بلا إله إلا الله، وأحب رسول الله وسار على منهج الله، فهو قلب سعيد.
وقلب أعرض عن الذكر والتلاوة، والصلاة والمعرفة، والنهج السديد، وسيرة محمد ﷺ ، فهو قلب منكوس.
والآذان أذنان:
أذن استمعت إلى الوحي، وإلى التلاوة والحديث، وإلى الدعوة والخير والذكر والبر، فهي أذن سعيدة.
وأذن أعرضت واستمعت إلى الغناء، والفحش، وإلى البعد والانهيار، وإلى كل ما يغضب الرب فهي أذن شقية.
والألسنة لسانان:
لسان نطق بالحكمة، وقال الخير، وذكر المولى، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر.
ولسان تكلم باللعنة والزور، والاستهتار والاستهزاء، والغيبة والنميمة، فهو لسان خاسر.
لسانك لا تذكر بها عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً لقومٍ فقل يا عين للناس أعين
أما عناصر هذه المحاضرة:
فمنها: إبراهيم ﵇ في حوار حار مع النمرود بن كنعان.
موسى وفرعون في مناظرة ساخنة في إيوان فرعون.
محمد ﷺ يحاور فاجراً.
مسيلمة الكذاب كذاب اليمامة يعترض على حبيب بن زيد أحد أصحاب محمد ﷺ .
الأسود العنسي دجال اليمن يتحدث مع أحد الأبرار فيفحمه هذا البار الراشد.
ثم ننتقل إلى رجل هو من المسلمين وهو الحجاج مع عالم هو سعيد بن جبير لنسمع إلى حوار بين الاثنين.
وفي الأخير مع ربعي بن عامر أحد الصحابة وهو يدخل على رستم قائد فارس.
حوار بين تقي وشقي.
ما أحسن الهداية، وما أجلَّ أن تعرف الله، وما أعظم أن تتعرف على الواحد الأحد، سبحان الله كم فَقَدَ من فَقَدَ الله! وماذا فات من وجد الله! وسبحان الله كم هي القلوب التي أعرضت عن الله!
стр. 10178
إبراهيم ﵇ في حوار مع النمرود
يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
يدخل إبراهيم ﵇ يحمل لا إله إلا الله، يتصدر بالدعوة في سبيل الله، ينزل للناس، يدخل على الطغاة في قصورهم، يدخل على المجرمين في أوكارهم، وفي هذا درس لكم يا طلبة العلم! يا دعاة الإسلام! يا حملة الشهادات! يا أصحاب الكليات! يا من درس العلم الشرعي! فيه درس على أن تنزلوا إلى الساحة، وأن تخالطوا الناس، وتعظوهم، وتشعلوا المنابر، وتتحدثوا إلى الجماهير، فالله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٥٨] هل ينكر عظمة الله إلا من ألحد؟! هل ينحرف عن منهج الأنبياء إلا من تزندق؟! ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] إي والله! من الذي يحيي العظام وهي رميم؟ إلا الله؟ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] من أخرج المولود باكياً من بطن أمه لا يعرف شيئاً فدلَّه وبصَّره، وأحياه وأطعمه وسقاه؟! من علم النحلة بيتها ورزقها، وأن تجوب القفار والوهاد والجبال؟! من علم الثعبان أن يرتحل ويهاجر؟! من علم الجرادة أن تأوي والنملة أن تجمع في جحرها؟!
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
والنحل قل للنحل يا طير البوادي ما الذي بالشهد قد حلاَّكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
فالحمد لله العظيم لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاَّكا
ذكر ابن الجوزي: أن رجلاً رأى عصفوراً يأتي بقطعة لحم فينقلها من مكانٍ في المدينة ويرتحل بها إلى رأس نخلة كل يوم، فتعجب هذا الرجل؛ لأن العصفور لا يعشعش في النخل، فتسلق النخلة فرأى حية عمياء، كلما اشتهت الأكل أتى هذا العصفور بقطعة لحم، فإذا اقترب فتحت فمها فيلقي اللحمة في فمها.
سبحان من دلَّ العصفور ومن دلَّ الحية على رزقها!
فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨].
اسمع الكذاب، اسمع الدجال، اسمع الملعون الذي ينكر أعظم الآيات في الدنيا، ولذلك وجد في الساحة من تزندق واستهزأ بالقيم وتوحيد الألوهية والربوبية، إي والله وجد ذلك! عجباً لهم كيف يكفرون! وعجباً لهم لا يؤمنون! أفي الله شك؟! أفي آياته لبس؟! أفي ما أنزله من الكتاب والسنة غبش؟! حتى يستهزئ بعضهم بالقيم والأخلاق والدين والكتاب والسنة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
فسكت إبراهيم لا سكوت العاجز المتقهقر المنهزم، ولكن: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] قال: كيف؟! فأتى برجل مسجون قال: هذا أحييته تركته لوجوهكم، وأتى برجل آخر فذبحه قال: هذا أمتُّه.
إنه كذاب، والله ما هذا بالإحياء والإماتة، قال إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] إن كنت صادقاً أنك إله فأتِ بالشمس من المغرب فإن الله يأتي بها من المشرق: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] انهزم وخاب ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] إي والله: إن أوراقهم تحترق فليس لهم حجج ولا براهين، دجالون كذابون مفترون على الله.
هذا جدال وحوار ومناظرة بين تقي عرف الله وهو إبراهيم، وبين شقي وهو النمرود وماذا كانت النتيجة؟ هل سكت النمرود؟ لا.
لقد جمع حطباً وأجج ناراً، وأمر الجنود بأخذ إبراهيم وقال: قيدوه وألقوه في النار فإلى من يلتفت إبراهيم؟!
يا واهب الآمال أنت حفظتني ومنعتني
وعدا الظلوم عليَّ كي يجتاحني فحفظني ونصرتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك منعتني
من يمنعك إلا الله؟! ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
يقول ابن عباس كما في صحيح البخاري: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل كلمة قالها إبراهيم حينما ألقي في النار، فجعلها الله برداً وسلاماً، وقالها محمد ﷺ يوم قيل له إن الناس قد جمعوا لكم﴾.
ألقوه في الحبال، وشدوا إبراهيم في القيد، وحملوه في المنجنيق، وأشعلوا له ناراً، وأتاه جبريل في الساعة الحرجة، والساعات الحرجة يعرفها بعض الناس منَّا، إذا أتت عليه مشكلة أو قضية يتمنى أن الجن يساعدوه، وبعض الناس ضعاف العقول والإيمان يستعين بالجن، حتى إذا مرض ابنه في البيت يذهب إلى المشعوذين والسحرة والكهنة، فينسى عقيدته وإيمانه، ومبادئه ومنهجه.
جاء جبريل إلى إبراهيم وهو مقيد بالحبال، لا إله إلا الله موقف ما أصعبه، ومقام ما أرهبه! قال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم، فحملوه فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، ووقع في النار فكانت برداً وسلاماً، فسبحان من أنجاه وحماه ووقاه! لأنه تقي، وسبحان من رد الخبيث الخسيس! لأنه شقي.
أتدرون بماذا عذب الله النمرود؟ ذكر بعض أهل العلم أن بعوضة دخلت أنف النمرود فتغذت على دماغه حتى أصبحت كالعصفور فكانت تفرفر في رأسه فيجد انزعاجاً وألماً وعذاباً وخيبة، لا تسكت هذه الفرفرة والقرقرة حتى يُضرب بالنعال أو بالكرابيج على رأسه، وفي الأخير ضرب فذهب مخ رأسه:
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
стр. 10179
فقدان الإيمان سبب لعيشة الضنك
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤].
إي والله! وجدوا معيشة الضنك يوم سكنوا ناطحات السحاب بلا إيمان، وجدوا عيشة الضنك يوم استقلوا السيارات الفاخرة بلا إيمان، وجدوا عيشة الضنك يوم سكنوا الفلل وتولوا المناصب بلا إيمان: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥].
كان يبصر، بل كانت عيناه تدحرج كعيون القط في الحياة لكنه لا يبصر الهداية، يبصر التفاح والموز والبرتقال، يبصر الورقة والدخان، والمعاصي، والمسكرات والمخدرات، يبصر الفاحشة والجريمة، يبصر كل شيء إلا الدين والمصحف، مصحفه مجلة خليعة، وتلاوته الأغنية الماجنة، وجلاَّسه كل رعديد وزنديق ومارد وفاجر: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦].
أيها الأخيار: ليس العمى عمى العينين ولو أنه عمى ظاهراً، إنما العمى عمى القلب: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
تجد بعض الناس عيونه كعيون الثور، لكنه لا يفهم، ولا يعي، ليس عنده قلب ولا حياء، مثل أبي جهل ينظر ويبصر، وعبد الله بن أم مكتوم أعمى بعيونه، ولكن قلب ابن أم مكتوم يعي ويبصر، وقلب ذلك الفاجر أعمى، فيقول الله في أبي جهل: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩] والذي يعلم أنما أنزل من عند الله: ابن أم مكتوم.
أما أبو جهل فهو أعمى عن الحق.
يقول الله تعالى للنبي ﷺ في عمى ابن أم مكتوم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢].
وهذا الأعمى أبصر الهداية، يقول الله للرسول ﵊، كأنه يقول: مالك تأتي إلى الثيران في الحضائر وإلى المجرمين وإلى الفجرة الذين تدحرج عيونهم وهم لا يعرفون القرآن، ولا الهداية، ولا النور، وتُعرض عن الصالحين ولو كانوا فقراء عمي في الظاهر لكنهم في الباطن مبصرون: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:١ - ١٠].
أما تدري أن هذا الأعمى سوف يكون منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء! ولذلك عاش ابن أم مكتوم حتى أتت معركة القادسية وحمل ابن أم مكتوم الراية وهو أعمى وقُتل في المعركة شهيداً، وأبو جهل قتل وسَيُدَهْدَهُ على وجهه في النار.
ابن عباس ترجمان القرآن، حبر الأمة وبحرها، العلامة الكبير، الذي قال له ﷺ : ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾.
لما كبر وبلغ السبعين عمي، فقال له بعض الحساد: أحسن الله عزاءك في عينيك يا ابن عباس! كلمة حق أريد بها باطل، يستهزئ أو يستهتر، فرد ابن عباس وعرف أن الرجل مستهزئ مستهتر فقال:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكيٌ وعقلي غير ذي عوجٍ وفي فمي صارم كالسيف مشهور
هكذا الهداية، وهكذا الإشراق واللموع، ما دام أنه عرف الله فلا يضره ذهاب البصر، إنما المشكلة ذهاب البصيرة.
إذاً، فإبراهيم عرف الله؛ فحاور هذا، فسعد في الدنيا والآخرة، وأضل الله ذاك الشقي لأنه لم يعرف الهداية.
أيها الإخوة: لا ينقصنا خبز ولا مربى ولا خضروات ولا ميرندا، إنما ينقصنا الهداية والالتجاء، ينقصنا زيادة الإيمان، وكيف نعرف طريقنا، ينقصنا دعاة ينزلون إلى الساحة، لا ينقصنا شهادات فقد أصبحت براويز معلقة في البيوت، ولا ينقصنا دنيا فقد مات أكثرنا في المستشفيات من التخمة وكثرة الأكل، يقول الشافعي:
تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب
ما سمعنا بأحدٍ في هذه الفترة مات جوعاً هنا، ولكن سمعنا أن قلوباً تموت جوعاً وتموت ظمأً وفقراً، وتموت قحطاً وجدباً.
فهل من غيث، ولا غيث إلا (الكتاب والسنة)؟
стр. 10180
حوار بين موسى ﵇ وفرعون
وأما موسى ﵇ فأمره عجيب ﷺ ، كان يرعى الغنم لكنه عرف الله، عنده عصا يهش بها على غنمه، ويتوكأ عليها، فجأة يقول الله له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
من هو فرعون؟
إنه رجل دجال جمع القصور والأموال حتى تكبر وتجبر، فوقف على المنبر يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ويقول لأهل مصر: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
فيصفقون له ويقولون: تبقى وتسعد وتسلم عينك، لعنه الله في الدنيا والآخرة وقد فعل، يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فأجراها الله من فوق رأسه.
قال تعالى لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] موسى يعرف أن حرس فرعون ستة وثلاثون ألفاً يقول بعض الرواة: على القصر ستة وثلاثون ألف حارس، وموسى جاء من الصحراء معه عصا يرعى الغنم والضأن: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥].
هذا في أول طريقه إلى فرعون لدعوته، كيف أتكلم؟ ولكن أسعده الله فطلب شرح صدره، ذاق الناس اللذائذ لكن لم يجدوا كحلاوة الإيمان حلاوة، أكلوا الأطعمة، ولكن لم يجدوا لها طعماً بلا إيمان، جلسوا على المشروبات والمرطبات والمشهيات ولكن لم يجدوا لها طعماً يوم فات الإيمان: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥].
يقول الله للرسول ﵊: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
فتِّش في صدرك، كيف كان قبل أن نشرحه؟ أما كان ضيقاً؟! أما كان حرجاً؟! أما كان متصادماً؟! ففتِّش في حناياك وابحث في خفاياك، أما شرحنا لك صدرك؟! ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله﴾ [الزمر:٢٢] أيستوي إنسان يأتي إلى صلاة الفجر بنشاط مع شخص لا يقوم إلا لصلاة الظهر؟! أيستوي إنسان يقرأ القرآن بحب مع إنسان إذا أتى إلى الصلاة كأنه يجرجر في الحديد أو يساق إلى السجن أو المذبحة؟! يقول عن الذين تضيق صدورهم بالصلاة: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢].
يقوم أحدهم إذا سمع الأذان فيجلس يستخير ويحرك عيونه ربع ساعة هل يقوم أو لا؟ الشيطان يسحبه إلى الفراش والله يدعوه إلى المصلَّى، فيتوضأ ويأخذ وقتاً طويلاً حتى يقيم الناس الصلاة، ويأتي يدردر أرجله، ويقف في طرف الصف كأنه نخلة منكوسة على جدار! ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤].
لا حياء، هل يستوي هو ومن ينشرح للدين؟! ويحب ويتلذذ بسماع القرآن، ويهش للرسالة الخالدة، ويجلس مع الدعاة، ويحب طلبة العلم، ويحب زيارة العلماء، ولسانه دائماً رطبة بذكر الله؟!
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
هل يستوي هذا مع إنسان لم يشرح الله صدره، أحسن شيء عنده أن يسمع الأغنية، يعيش في الهيام والخيال، يقول: دعنا من ذكر الموت، دعنا من التزمت والتشدد، يريد محرمات، وكأنها حلال وأما الطاعات فتشدد وتزمت؟!
نقول له: اجلس معنا، قال: لا.
له كتب خاصة من كتب الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وله مجلات غير المجلات، ومجالس غير المجالس.
وقال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧].
أريد يا رب أن أكون داعية، أريد أن أكون خطيباً أرجُّ قلب الفاجر، وفي هذا درس: أن على طلبة العلم أن يتعلموا الخطابة والكتابة، ويتعلموا الأدب، ويتعلموا فنَّ الكلمة وروعة الخطاب، وفن المقام والكلام والالتزام، وأن يتعلموا السحر الحلال في الكلمات والجدال، ليحولوا أحوال الناس من حال إلى حال.
قال تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨].
لأن في لسانه شيئاً فحل الله عقدته، ولكن قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٠] فجعل الله له ذلك في آخر الآيات، قال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] وذهب موسى وهارون، وقال الله لموسى وهارون وهما في الطريق: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] أي: تجاوز الحد، لكن اسمع أدب الدعوة: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] لأن القلوب لا تلين إلا لكلمة حبيبة، والآذان لا تستمع إلا إلى الحب والصفاء، والقلوب والأرواح لا تنقاد إلا بالحكمة.
انتبها -يا موسى ويا هارون- لا تجرحا شعور الفاجر، وليس فاجراً مثل الفجار، بل دجال، ذبح الأنفس، وشرب الدم، وسوَّد وجه التاريخ، وداسه تحت قدميه: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
قال سفيان الثوري: "القول اللين الذي أمر الله به موسى وهارون أن يكنيا فرعون أي: يدادعوانه بالتكنية، يا أبا فلان، أنت إذا رأيت زميلك وحبيبك وناديته بكنيته يبتهج ويهش ويبش، يقول الشاعر:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه فالسوءة اللقب
كذاك أُدِّبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
فدخلا عليه، وكانت كنيته كما قال سفيان الثوري (أبا مرة) مرَّر الله وجهه في النار، وقد فعل، يقول موسى: يا أبا مرة إن أردت أن يبقي الله عليك شبابك وملكك وصحتك فأسلم لله رب العالمين، فقد سمعنا عنك الخير، وهذا أسلوب دعوي من السحر الحلال، وهو لم يسمع عنه إلا النار، ولم يسمع عنه إلا اللعنة والسخط والبغض، فقال له موسى: أنت مثلك يصلح الناس، ومثلك إمام يقتدى به، فأسلم وقل: لا إله إلا الله، فأتى الفاجر.
واسمعوا إلى الحوار: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩].
لا إله إلا الله، أنكر الله، أنكر من خلق السموات والأرض ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٢] والله يقول في آية أخرى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩].
وهنا لو قال موسى: ربي الله، لقال فرعون: هو الله، وإن قال: ربي ربي، لقال: أنا ربك، فماذا يقول؟! فأتى بجواب مبهت مسكت دامغ، يقول الزمخشري صاحب الكشاف: لله دره من جواب كالصاعقة) ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] هذه مواصفات لا تكون إلا في الواحد الأحد، ولا يدعيها أحد أبداً، حتى يذكر ابن تيمية أنه لا ينكر الصانع أحد، حتى فرعون يوم قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] قاله في الظاهر أما في الباطن فيعلم أن هناك إلهاً، ويعلم أن في السماء إلهاً، وأن من خلق السموات والأرض هو رب قادر حكيم سميع بصير، حتى يقول له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] يا مجرم والله إنك تعلم أن الله خلق السموات والأرض فلا تكابر!
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] خلَقه ثم هداه لمعيشته، وهداه لكل شيء، هدى النملة أن تأتي إلى الجحر فتنقل حبة لتخزنها للشتاء، هدى النحلة أن تسافر مئات الأميال والكيلو مترات وتأخذ الرحيق وتجعله في الخلية، هدى الثعبان كما يذكر مثل صاحب كتاب الإنسان لا يقوم وحده كريسي موريسون الأمريكي يقول: ما للنحلة تهاجر مئات الأميال وتعود إلى خليتها؟ من دلها؟ أعندها إريال؟ فيرد عليه سيد قطب: لا، بل علمها الله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] سبحان الله! ما أعظم الله! وما أجلَّه! ولكن ما أكثر من لا يتعرف على الله سبحانه!
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ولهذا لما لم يستطع فرعون أن يعاند هذا الدليل، راوغه بقوله ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] أي: ما للناس يموتون ولا يعودون؟! ما رأينا آباءنا وأجدادنا، هذه كلمة يقولها كثير من الملاحدة والزنادقة، كـ لينين وماركس وهرتزل وأمثالهم وأذنابهم وعملائهم، كلمتهم هذه يقولون: يموت الإنسان ثم يتحلل ولا يعود، لا والله، والله لتبعثن كما تستيقظون ولتموتن كما تنامون: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠] ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
وانظروا أيها الإخوة كيف كان جواب موسى لفرعون عندما قال له: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] فكأن من المناسب أن يكون الجواب وما دخلك أيها المجرم من هذا الكلام؟ لقد تجاوزت حدودك؛ لكنه أجاب عليه بكلام مؤدب، كما أمره الله : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىَ﴾ [طه:٤٤] فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] فدمغه، وأزهق روحه، وانتصر عليه في الحوار في ديوانه وتحت سقف قصره، كما انتصر عليه في القتال في البحر يوم نصره الواحد الديان، إذاً حربه برية بحرية، ونظرية علمية، وميدانية قتالية، وهذا هو الجدل العلمي العملي الذي عاشه موسى ﵇ في حياته الدعوية وانتصر، فهو التقي الذي دمغ الفاجر الشقي.
стр. 10181
الرسول ﷺ يحاور اليهود
ورسولنا ﷺ -أيضاً- عاش مثل تلك الأحداث، فإذا قرأت القرآن فإنك تلاحظ أن الرسول ﵊ عاش في حياة مريرة مع من حوله من اليهود والنصارى والمنافقين، فمرة يرد على اليهود، ومرة على النصارى، ومرة على المنافقين، ومرة على المشركين.
يقول عبد الله بن سلام والحديث في الترمذي وعبد الله بن سلام من اليهود لكنه أسلم يقول: ﴿لما وصل الرسول ﷺ المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فاجتمعوا عليه في السوق فتبينت وجهه، فلما رأيت وجهه، عرفت أنه ليس بوجه كذاب﴾.
وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر.
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر
وجهه وجه صادق مخلص، وجهه رائع وجميل.
قال: ﴿فلما رأيت وجهه سمعته يقول: يا أيها الناس -اسمع الكلمات، حتى الكلمات كالدرر- افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾.
وراوي الحديث هو نفسه عبد الله بن سلام.
فقال عبد الله بن سلام: ﴿يا رسول الله! أسألك عن ثلاث آيات لا يعرفها إلا نبي -لأن عبد الله بن سلام عنده التوراة- أسألك عن ثلاث آيات إن أجبتني عليها أسلمت وآمنت، قال: ما هي؟ قال: ما هو أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؟﴾.
الرسول ﵊ لم يقرأ ولم يكتب: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة:٢] لم يقرأ ولم يكتب أو يدرس في مدرسة أو في كتاتيب أو في جامعة.
قال: ﴿يا رسول الله! أسألك عن ثلاث: ما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؟ هذه الأولى، والثانية: متى يشبه الولد أباه ومتى يشبه أمه؟ وهذه الثانية، والثالثة: ما هي أول علامات الساعة؟﴾.
فالرسول ﵊ لم ينتظر كثيراً فلقد أتاه الوحي: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥].
قال: ﴿أما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فإنه زيادة كبد الحوت، قال: صدقت، قال: وأما أن يشبه الولد أباه، فإذا أتى الرجل زوجته فعلا ماؤه ماءها أشبه أباه، فإن علا ماؤها ماءه أشبه أمه، قال: صدقت، وأما أول علامات الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، قال: صدقت، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم يقول: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -أي: أهل زور وفجور- إذا علموا أني أسلمت بهتوني، فلا تخبرهم بإسلامي وأدخلني هذه المشربة -غرفة خلفية- واسألهم عني، فأدخله ﵊ في الغرفة وأغلق عليه ونادى اليهود، فأتوا وجلسوا، قال: يا معشر يهود! كيف ابن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال: أرأيتم إن أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، قال: فإنه أسلم، ففتح له الباب ﵊، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا، وخبيثنا وابن خبيثنا، فيقول الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠]﴾.
стр. 10182
النبي ﷺ يحاور العاص بن وائل
الرسول ﵊ عاش الحوار، يأتيه شقي فاجر وهو العاص بن وائل، كان يلبس الديباج ويوشيه بالذهب، ولكن لم ينفعه ديباجه ولا ذهبه ورحل إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، حل إلى نار جهنم ولبئس المهاد، لم يعرف الله، ولم يسجد له، لم يتلذذ بعبوديته، لأن العبودية شرف، ووالله لو لم نتشرف بعبودية الله لنكونن عبيداً لوظائفنا ولدنيانا، وعبيداً حتى لأحذيتنا أبداً:
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
﴿أتى العاص بن وائل فأخذ عظماً ففتته، ثم نفخ فيه أمام الرسول ﵊ وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيى هذا العظم بعد أن يتوفى صاحبه ويبعثه ويعيده، فيقول ﷺ : نعم، ويدخلك النار، لا يعيده فقط بل يعيده ويعيدك ويدخلك النار، فيقول الله ﵎: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]﴾.
نسي خلقه، نسي أنه خلق من ماء مهين، نسي مَنْ كوَّن سمعه وبصره، وأعطاه كل شيء! ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فسبحان الله، وجلت قدرة الله!
стр. 10183
حوار حبيب بن زيد مع مسيلمة الكذاب
هنا شقي آخر واسمع إلى الأشقياء وما أكثرهم في الدنيا! مسيلمة الكذاب يدعي أنه نبي، فيرسل له ﷺ أحد الصحابة وهو حبيب بن زيد، عمره ثلاثون سنة، لكن حبيب بن زيد تربى على القرآن، مات أبوه وربته أمه، وليس معها إلا هذا الابن البار، عاش على القرآن، لا يملك من الدنيا إلا سيفه يفلِّق به هام الأعداء، وإلا مصحفه يتصل فيه بربه، وإلا قلبه الذي وعى الإيمان والقرآن.
فيقول ﵊: ﴿يا أيها الناس: إني مرسلكم إلى ملوك الدنيا فلا تختلفوا عليَّ، قالوا: سمعاً وطاعة، قال: قم يا حبيب بن زيد، واذهب إلى مسيلمة الكذاب﴾ وهو يدري أنه الموت والذبح، فيتهيأ ويودع أمه وتبكي عليه؛ لكن علمت أنه أمر الرسول ﵊، وعلمت أمه أنها سوف تفارقه ولا تلقاه إلا في جنة عرضها السموات والأرض، فعانقته وهي تبكي، ولسان حالها يقول كما يقول ابن زيدون:
بنتم وبنَّا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناديكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
وذهب ووصل إلى مسيلمة، فقال مسيلمة: ﴿من أنت؟ قال: حبيب بن زيد، قال: ماذا جاء بك؟ قال: جئت برسالة من الرسول ﷺ ، قال: أتشهد أنه رسول؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: أتشهد أني رسول؟ قال: لا أسمع شيئاً، قال ثانية: أتشهد أن محمداً رسول؟ قال: أشهد، قال: أتشهد أني رسول؟ قال: لا أسمع شيئاً، قال للجندي: اقطع منه قطعة، فقطع قطعة من لحمه فوقعت في الأرض، فأعاد عليه السؤال فأعاد الجواب، قال: لا أسمع شيئاً، فقطع الثانية، فأعاد السؤال، قال: لا أسمع شيئاً، فقطعه حتى قتله في مجلسه﴾ وارتفعت روحه إلى الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
[[خبيب بن عدي عرض له المشركون مشنقة الموت، وقالوا: ماذا تريد يا خبيب؟ قال: أريد أن أصلي ركعتين.
قالوا: صلِّ ركعتين واستعجل، فقام فتوضأ وصلى ركعتين، فرفعوه فقال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن تظنوا أنه جزع بي من الموت لطولت الركعتين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، قالوا: أتريد أن محمداً مكانك وأنك في أهلك ومالك؟ قال: لا والله لا أريد أن رسول الله ﷺ يؤذى بشوكة وأني في أهلي ومالي]] ثم يقتل ﵁ وأرضاه.
يقول أهل السير كـ موسى بن عقبة: كان خبيب بن عدي قبل أن يُقتل يقول: [[اللهم أبلغ عنا رسولك ما لقينا الغداة، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله]] هو في مكة والرسول ﵊ في المدينة، فأخذ ﷺ في تلك اللحظة يقول: ﴿وعليك السلام يا خبيب! وعليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب!﴾ وأنشد خبيب قصيدة الموت وهي قصيدة الفداء:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أجزاء شلوٍ ممزع
стр. 10184
حوار أبي مسلم الخولاني مع الأسود العنسي
الأسود العنسي مدعي النبوة في اليمن يقول لـ أبي مسلم الخولاني وهو أحد الأولياء من التابعين: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع شيئاً، وكذبه أبو مسلم الخولاني، فجمع له حطباً وألقاه في النار، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعلها الله برداً وسلاماً.
كان عمر بن الخطاب يعانق أبا مسلم الخولاني ويقول: [[مرحباً بخليل هذه الأمة، أو بالرجل الذي أشبه الخليل]] أو كما قال، لماذا؟ لأنه تقي وذاك شقي.
стр. 10185
حوار ربعي بن عامر مع رستم
وقبل أن أنتقل إلى الحجاج لأنه لا زال في دائرة الإسلام لأختم به هذا الحديث أقص قصة رجل من شباب الإسلام وهو ربعي بن عامر ﵁ وأرضاه، أحد القواد في جيش القادسية، ويدخل على رستم قائد بلاد فارس الذي معه ما يقارب من مائتين وثمانين ألفاً من الجنود، فيقول رستم: ماذا جاء بكم؟ ومع ربعي رمح مثلَّم وثوب ممزق، وفرس كبير معقور، قال: ماذا جاء بكم ويضحك رستم ووزراؤه معه، جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور والرمح المثلِّم والثوب الممزق؟! قال ربعي في الحوار: [[إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] يقول هذا الشقي وقد حلف بآلهته: لا تخرج من قصري أو إيواني حتى تحمل تراباً على رأسك، فحمله، وقال لأصحابه: هذه بشرى أن يملكنا الله أرضهم، وفي الأخير يدخل سعد منتصراً، ويدخل إيوان الضلالة والعمالة وهو يقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩].
والدائرة دائماً تقع على الأشقياء الذين لم يعرفوا الله ﵎.
стр. 10186
الحوار بين سعيد بن جبير وبين الحجاج
وهذا الحوار هو بين أحد الناس المعرضين عن الله وهو الحجاج بن يوسف، الحجاج هو الحجاج والشمس هي الشمس:
بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر
قلن: تعرفن الفتى قلن: نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر
ليس بقمر، لكنه قمر في الظلم والانحراف وسفك الدماء، الحجاج بن يوسف هذا له قصص لا بأس أن نورد بعضها، يقول طاوس بن كيسان عالم اليمن: كنت جالساً عند مقام إبراهيم ﵇ في الحرم، وبينما صليت ركعتين عند المقام، جلست انتظر وأنظر إلى الناس يطوفون، وإذا بجلبة السلاح، وإذا بوقع الرماح والسيوف، فالتفت فإذا هو الحجاج وحرسه قد دخلوا الحرم - الحجاج الذي قتل مائة ألف نفس، يقولون عنه: أنه رئي بعد مامات في المنام أن الله قتله بكل نفس قتلة واحدة، إلا بـ سعيد بن جبير العالم العابد الزاهد قتله سبعين مرة- قال: فلما أتى الحجاج جلس، وإذا بأعرابي أتى من اليمن -يحمل إيماناً وعقيدة- يطوف، فنشبت حربة لأحد حراس الحجاج في ثوب هذا الرجل اليماني، فوقعت على الحجاج فقبضها الحجاج وقال للرجل: من أين أنت؟
قال: من أهل اليمن.
قال: كيف تركت أخي؟
قال: من أخوك؟ -يقول للحجاج: من أخوك؟ -
قال: أخي محمد بن يوسف.
ومحمد بن يوسف ظالم مثل الحجاج وكان والياً على اليمن.
قال: تركته سميناً بطيناً.
قال: ما سألتك عن صحته لكن سألتك عن عدله؟
قال: تركته غشوماً ظلوماً.
قال: أما تعرف أنه أخي.
قال: يا حجاج! أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله، قال طاوس: والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت من هذه الكلمة.
موقف الحجاج مع سعيد بن جبير موقف عجيب، وسعيد بن جبير أحد الصالحين العلماء الذين نشروا العلم والحديث، وكان أمة من الأمم، قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين، وكان الحجاج يبحث عنه، ولما اصطاده بعد ثمان سنوات وقيل أكثر، أدخل عليه، وقصته معروفة ذكرها صاحب تحفة الأحوذي في أول شرحه على الترمذي في المقدمة.
دخل سعيد بن جبير، فقال له الحجاج: ما اسمك؟ يعرف أنه سعيد بن جبير عالم المسلمين.
قال: أنا سعيد بن جبير.
قال: بل أنت شقي بن كسير.
قال: أمي أعلم إذ سمتني.
قال: شقيت أنت وشقيت أمك، والله لأبدلنك في الدنيا ناراً تلظى.
فقال سعيد: لو أعلم أن ذلك إليك لاتخذتك إلهاً.
قال الحجاج: عليَّ بالمال، فأتوا بأكياس الذهب والفضة فنثروها بين يدي سعيد بن جبير ليفتنه.
قال سعيد بن جبير: يا حجاج! إن كنت اتخذت هذا المال ليمنعك من عذاب الله فنعم ما فعلت، وإن كنت اتخذته رياءً وسمعة وصداً عن سبيل الله فوالله لا يغنيك من الله شيئاً.
قال الحجاج: عليَّ بالمغنية - جارية وهي تغني الأغنية وبدأت تُروَّج من عهد الحجاج، بدأ العزف على الموسيقى، وبدأت الجواري وهو تاريخ قديم لما يسمونه بكواكب الشرق وكم في الشرق من كواكب لكنه ظلام دامس! ينتهي بكوكب تسمى كوكب الشرق، يوم أتت إسرائيل بطائراتها ودباباتها تسحق الأجيال والألوف المؤلفة، والناس يصفقون لـ كوكبة الشرق.
قال للجارية: اعزفي -يذبح عالم المسلمين سعيد بن جبير محدث الدنيا وتغني الجارية! - فانطلقت تعزف فبكى سعيد بن جبير.
فقال الحجاج: طربت -أي: تبكي من الطرب- لأن بعض الناس يبكي عند سماع الطرب؛ لكن وقت الموت ليس ساعة طرب: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦].
قال: طربت فتبكي؟!
قال سعيد: لا والله، والله ما بكيت إلا أني تأملت في جارية سُخِّرت لغير ما خلقت له -أخلقت تغني؟ كلا.
بل خلقت تسجد لله، خلقت تعبد الله، خلقت تعرف طريقها إلى الله.
قال: خذوه، يعني: خذوا سعيد بن جبير وولوه إلى غير القبلة، وقال: والله لأقتلنك قتلة ما قُتل بها أحد من الناس.
قال سعيد: يا حجاج بل اختر لنفسك أي قتلة تريدها، والله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها فاختر لنفسك.
قال: ولوه إلى غير القبلة.
قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥].
قال: أنزلوه أرضاً.
قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥].
قال: اقتلوه.
قال سعيد: [[لا إله إلا الله محمد رسول الله، خذها يا حجاج حتى تلقاني بها غداً عند الله، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج]] وبعدها في المجلس ثارت بثرة في يد الحجاج، وبقي شهراً يخور كما يخور الثور لا ينام، ولا يستطيع الأكل والشرب والراحة، يقول: ما مرت بي ليلة إلا رأيت كأني أسبح في الدم، وما مرت بي ليلة إلا رأيت كأن القيامة قامت، ورأيت أن الله يحاسبني ويقتلني عن كل من قتلته قتلة، إلا سعيد بن جبير قتلني به سبعين مرة وقصمه الله بعدها، ومع أنه مسلم لكنه شقي، والأمور عند الله ، لكن لم يعرف الهداية ولم يعرف طريق الاستقامة، ولا كيف يتأمل مهمته في الحياة.
стр. 10187
الحوار في الشعر
فيا إخوتي في الله! لا زال الصراع بين التقي والشقي، ولا زالت المناظرة حية بين هؤلاء وهؤلاء، وبين أناس أعمى الله بصائرهم وأبصارهم فلم يعرفوا الطريق، فهم أشقياء دائماً، أحدهم يقول من شقاوته وهو إيليا أبو ماضي:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
إنه ملحد زنديق، لم يعرف الله، يقول: جئت من بطن أمي، وخرجت إلى الحياة، وأكلت خبزاً وفاكهة وتفاحاً وبرتقالاً.
جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!
أي: رأيت الناس يمشون فمشيت، ورأيتهم يخرجون فخرجت، لبسوا الثياب فلبست الثياب، ركبوا السيارات فركبت السيارة، وهذا حمار؛ لأن الذي لا يفهم لماذا خلق فهو حمار، قال:
جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!!
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!!
ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!
ما الفرق بين هذا وبين أحد الوعاظ الذي يقول لأحد خلفاء بني العباس، يعظه ويذكره لقاء الله، فيقول لخليفة الدنيا:
ستنقلك المنايا عن ديارك ويبدلك البِلى داراً بدارك
فدود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك
فيغمى على الخليفة من كثرة البكاء حتى يرش بالماء، أي فرق بين هذا النتاج وهذا النتاج؟!
أو المؤمن الآخر الذي يقول:
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيٍ
ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيّ
إي والله، هذا حوار يستمر أبداً بين الأديب والأديب، بين الشاعر والشاعر، بين العالم والعالم، بين الزعيم والزعيم، بين أديب مؤمن، وأديب فاجر متهتك، بين عالم مؤمن مخلص، وبين عالم ملحد، بين شاعر عرف الله، وشاعر تنكر لمبادئه وأصالته وإيمانه، فهو حوار بين تقي وشقي، فأين مقامنا من هذا الحوار؟ وأين موقفنا يا عباد الله؟ وأين هو صفنا؟! ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩].
اللهم فإذا قسمت الناس فريقين، ووزعتهم فرقتين وطائفتين، فاجعلنا في السعداء.
اللهم فإذا وزعت الناس على واديين وعلى منزلين، وذي شعبين فاجعلنا في شعب أهل الإخلاص والصدق يا رب العالمين!
اللهم فإذا رضيت على قوم فاجعلنا معهم، وأبعدنا عن أهل الغضب والسخط يا رب العالمين!
اللهم اجعلنا في موكب إبراهيم، ونوح، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ولا تجعلنا مع القوم الظالمين النمرود، وفرعون، ومسيلمة، والأسود العنسي، وأمثالهم من أعداء الله.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 10188
واهتز العرش
في هذه المحاضرة تقرأ قصة بطل من الأبطال، إنه سعد بن معاذ: إسلامه، مواقفه البطولية، موقفه من يهود بني قريظة، وحكمه فيهم، ووفاته، وما حصل له من كرامات يوم وفاته من تشييع سبعين ألفاً من الملائكة لجنازته، واهتزاز العرش لموته.
وأشار الشيخ إلى دروس عظيمة وجليلة من سيرة هذا البطل الذي خلد التاريخ اسمه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 10189
إسلام سعد بن معاذ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
عنوان هذه المحاضرة: واهتز العرش.
نعيش اليوم مع صحابيٍ جليل ومجاهد نبيل، اخترناه لسبب عجيب ولنبأ غريب، اخترنا سيرته؛ لأنه عدو لليهود، ولأنا نعيش اليوم عداوة اليهود وبغيهم ومكرهم، فرشحنا هذا البطل الشهيد ليكون قصتنا، ولأننا مع جهادٍ دائم مع أعداء الله، فكان من الحكمة أن نتحدث عن مجاهد صادق، ومقاتل مقدام، صارت شجاعته حديث الركبان، وأصبحت بطولته مضرب المثل، فحيا الله أبا عمرو سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري، ويكفيه شرفاً وفخراً، وحسبه ثناءً ومدحاً أن عرش الرحمن اهتز له لما مات، وليس بعد ذلك فخر ومجد، وليس بعد ذلك علو ورفعة، وأملي من الواحد الأحد الذي قيض للإسلام من أمثال سعد بن معاذ أن يقيض من هذا الجيل ومن أصلابه ومن أبنائه ومن أحفاده عشرات من أمثال سعد، فليس ذلك على الله بعزيز، أسأله أن يردنا كما كنا أعزة أقوياء شرفاء بديننا وبمبادئنا، فلقد كان سلفنا خير أمة أخرجت للناس.
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه/ SH>>
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
سعد بن معاذ! حيا الله التضحية والبطولة، والمجد والفداء، اللهم أعني على أن أعطيه حقه من السيرة، وأن أقدمه لهذا الجيل المتوضئ الطاهر الطيب كما كان ﵁.
أما قصة إسلامه وقصة حياته فلا يتسع لها المجال، ولكن هيا بنا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] ومع سعد بن معاذ.
стр. 10190
سعد يريد قتل مصعب بن عمير
أرسل ﷺ إلى المدينة مصعب بن عمير؛ الشاب المرفَّه، المطيب المعطر، الجميل الوسيم، الذي ترك الجمال والترف والبذخ والإسراف لوجه الله، أرسله يدعو إلى لا إله إلا الله، ووصل المدينة وأخذ الناس يستجيبون له؛ لقوة وصدق ما يحمل ونبل ما يحمل من الحق، وسمع به سيد المدينة سعد بن معاذ، قيل له: رجل من مكة أتى يغير دين الناس ومبادئ الناس، يحرف الشباب عن دينهم الأول؛ الدين الخرافي الوثني الشركي، فغضب سعد ﵁، وأخذ حربته، لكنه يريد شيئاً والله يريد شيئاً آخر؛ والله فعالٌ لما يريد، والله غالب على أمره.
دعها سماويةً تجري على قدرٍ لا تفسدنها برأيٍِ منك منكوس
أخذ حربته يريد أن يقتل مصعب بن عمير سفير الإسلام، ورسول الرسول ﷺ ، وأقبل والموت في حربته، والسم على حد الحربة، ورآه مصعب وكان مصعب حليماً رقيقاً رحيماً حكيماً، قال: أيها الرجل! لا تعجل.
أي: لا تذبحني، لا تقتلني، اسمع كلمة.
قال: قل، قال: اسمع مني فإن كنت قلت حقاً؛ فأنصت للحق، وإن كنت قلت باطلاً؛ فعليك بي، وكان العرب عقلاء حكماء وهذا سيد الأوس وهو من الأنصار رضوان الله عليهم.
следующие страницы →