← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

أخطاؤنا تحت المجهر الاستفادة من الأخطاء، والنظر إلى الماضي بعين العبرة والاتعاظ؛ مطلب حميد لابد منه لترشيد المسيرة. وفي هذه المحاضرة سبعة عشر خطأً مما يقع فيه الدعاة في عصرنا، وقد ذكرت هذه الأخطاء مع كيفية نشوئها وأسباب وجودها، وأردفت بذكر الحلول المناسبة للتخلص منها.

стр. 10222

ما هي الأخطاء المقصودة؟ ولماذا نشخصها ؟ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأشكركم على حضوركم، وأشهد الله على حبكم فيه، وأسأل الله الذي جمعنا في هذا المكان الطيب الطاهر أن يجمعنا بكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وأشكر فضيلة الشيخ عبد الوهاب الناصر على دعوته لزملائه وإخوانه، ينظمهم عقداً في دروس للتوعية والوعي، ثم أشكر باسمكم جميعاً شاعر الصحوة الإسلامية، الدكتور عبد الرحمن العشماوي وحق لي أن أقرب له المنبر هذه الليلة وأقول له: اهجهم وروح القدس يؤيدك، فهو حساننا، وحق له أن يدافع عن هذا الدين بسهامه الماضية المصيبة، سدد الله طريقه وثبت قدمه. وقبل أن آتي إلى المحاضرة "أخطاؤنا تحت المجهر" معي مقطوعة عنوانها: يا قلعة التوحيد. إذا ما التقينا فالشهور دقائق وإما ابتعدنا فالدقائق أشهر يقولون نجد العامرية أرضنا نعم ودموعي في ثرى نجد تعصر فلا خيمي من قيس ليلى تشوقني فشوقي رعاك الله من ذاك أكبر هيامي بجيل مسلم من جدوده بلال وسعد والمثنى ومعمر هنا العلم والتاريخ والمجد والنهى ومنها العلا تبدو وتسمو وتزأر فيا قلعة التوحيد لست رخيصة ولو حاول العذال فيك وأكثروا بها أنبت الله الإمام محمداً له في جبين الدهر نور ومنبر فيا ابن وهاب العقيدة كلما ذكرناك كان الفضل والبر ينشر عنوان المحاضرة: "أخطاؤنا تحت المجهر". وأقصد بهذه الأخطاء ما يقع فيها أمثالي من المقصرين، على أن هناك محاضرة قبل أسبوعين كانت بعنوان: "فن الدعوة" هي تمهيد ومقدمة لهذه المحاضرة، ولكن أرجو ألا يظن شخص أو فئة من الفئات أو طائفة أني أقصدها، فأنا أقصد نفسي، وأنا شهيد على نفسي هذه الليلة، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥]. فحق علي أن أشهد على نفسي هذه الليلة أني مقصر، وأن لي أخطاءً، سوف أعرضها عليكم، عليَّ أن أجد منكم الناصح اللبيب. والحقيقة أننا بحاجة لتشخيص أخطائنا: أولاً: لأنه واجب شرعي، والمؤمنون نصحة. والأمر الثاني: لئلا يأتي غيرنا، فيشخص لنا أخطاءنا، فنحن بأنفسنا نعرِّف الناس أن لنا أخطاءً، فإن من عرف عيب نفسه عرف كيف يعالجه ويداويه. الثالث: إن عقلاء الأمم ونبلاء الناس يداوون أخطاءهم على مر التاريخ. إذاً فلا تثريب علينا أن نذكر أخطاءنا، يغفر الله لنا ولكم وهو أرحم الراحمين، ولست في التاريخ أول من نقد نفسه، يقول شاعر جاهلي عصري: أأنا العاشق الوحيد فتلقى تبعات الهوى على عاتقيا ما هي أخطاؤنا؟ إنها كثيرة لأنا لسنا معصومين. تحت المجهر، أي مجهر؟ إنه مجهر الكتاب والسنة، مجهر محمد ﵊، حسب ما يتصوره المجتهد المقصر في أن يلتمس الحق والصواب.

стр. 10223

من الأخطاء قلة الإنصاف من أخطائنا -نحن مسيرة الصحوة- قلة الإنصاف. وسوف أعرض سؤالاً في الأخير: لماذا لا أقصد في حديثي هذا غير الملتزمين أو المستقيمين أو الناهجين نهج الحق؟ إن العدل نفقده كثيراً في أحكامنا، وفي أقوالنا، وفي لقاءاتنا، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] ويقول عز اسمه: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. والمعنى قولوا العدل واحكموا به، ولا يحملنكم شنآن الآخرين وعداوتهم، على أن تجحفوا في الحكم، فإذا كان الحكم لك، فلا تثنِ على نفسك، وإذا كان الحكم على عدوك، فلا تثرب على عدوك أو تنسى حسناته. والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٩٠] والعدل يكون في الأحكام، والصدق يكون في الأخبار كما قال ابن كثير في قوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] قال: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام. وقال سبحانه: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥] فاتباع الهوى يحملنا على أن نجور، فترانا نضخم الحسنات إذا كانت لنا، ونصغر الحسنات إذا كانت لغيرنا، ونصغر سيئاتنا، ونكبر سيئات غيرنا. وقال على لسان رسوله ﵊: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ [الشورى:١٥] فهو عادل ﵊ في أحكامه، بل قال ﷺ كما في سنن النسائي: ﴿وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا﴾ فلا يقول ﷺ إلا كلمة الحق؛ مع عدوه ومع صديقه، وهذا منهج افتقدناه على مستوى الجماعات والأفراد. وسوف أعرض أمثلة من سيرته ﵊، لنرى العدل في قوله وأحكامه. في الصحيح أنه ﴿أتي إلى الرسول ﵊ بشارب خمر، فقام الصحابة فضربوه وعزروه، وقال أحدهم: أخزاه الله! ما أكثر ما يؤتى به في شرب الخمر! فقال ﷺ : لا تقل ذلك، لا تعينوا الشيطان على أخيكم، فو الذي نفسي بيده! ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ فاحتسب له ﷺ حسنة حب الله وحب رسوله ﵊. أيضاً حاطب بن أبي بلتعة في الصحيحين سرب أخبار السرية للكفار، وهي جريمة كبرى، فلما أُتي به إلى الرسول ﵊ ليحاكمه، قال عمر: ﴿يا رسول الله! دعني لأضرب عنق هذا فقد نافق، قال: يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ فاحتسب له ﵊ حسناته التي قدمها في بدر، ولم ينسها ﷺ . وكان أهل السنة والجماعة منصفين، يحكمون بالعدل ويقولون به، ومن قرأ تراجمهم وجد ذلك. وأوضح مثال على ذلك ما يفعله شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن كثير، والبرزالي والمزي، وغيرهم كثير، حينما يتكلمون عن الأشخاص، وقد تكلم الذهبي عن قتادة بن دعامة السدوسي، الذكي العملاق، الذي أصيب ببدعة جزئية يسيرة في القدر، فذكر بدعته، وقال: لا نقره على بدعته، مع العلم أنه رأس في الزهد ورأس في التفسير، ورأس في العلم، فما أحسن الإنصاف! وما أحسن أن نذكر الحسنة بجانب السيئة! ذكر البخاري في كتاب الأدب المفرد، والألباني يرفعه إلى الرسول ﵊، والظاهر أنه من كلام علي لا من كلام محمد ﷺ يقول: [[أحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما]] إن العاطفة في حب الناس، أو في الحكم على الناس، توقفنا أمام طرفين غير مقبولين، إما المدح المفرط، أو الذم المفرط، وكلا الطريقين خطأ. فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

стр. 10224

إصدار الأحكام الجائرة نحن أهل السنة كما نزعم ونسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا معهم، لا بد أن نضبط عباراتنا، وكلامنا، وأن نؤسسه على تقوى من الله ورضوان، حتى لا نأثم في الدنيا ولا في الآخرة. وإن هناك من يصدر أحكام الكفر والفسق، وأهل السنة لهم ضوابط في الإيمان والفسق والكفر، لكن ما أسرع أن تسمع أحداً يقول: إن فلاناً كافر فاسق، خارجي مبتدع! بسبب مقولة قالها، أو كلمة لم يُسأل هو عن قصده فيها، ولم يجلس معه، ولم يحاور، ولكنا نلقي الأحكام على عواهنها، وهي خطيئة كبرى، ويجب أن نتنبه لهذا الأمر. وأنا لا أدافع عن المبتدعة هذه الليلة، فأسأل الله أن يبعدنا عنهم، لكنها حقائق نعيشها، وأضرب لذلك مثلاً: مات موسيقار مشهور قبل فترة، وأمره إلى الله، يمكن أنه يصلي الخمس، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقوم بأركان الإسلام، لكنه مغن ومطرب، ويحضر حفلات محرمة، وقد سمعت كثيراً من الناس يقولون: إلى النار وبئس المصير! وهل نحكم نحن على مصائر الناس؟! وهل يكفي هذا لتكفيرنا لمثل هذا الرجل؟! ربما كانت له من الحسنات ما يغفر الله له بها في الآخرة، وأنا لا أبرر عمله المخطئ والمعصية الظاهرة التي يفعلها من الغناء المحرم، فقد أجمع أهل العلم على تحريمها. لكن ما هي الأمور التي تستوجب دخول النار عند أهل السنة والجماعة؟ وهل يستحق هذا أن يقال عنه: إنه في النار. وتسمع آخر يرد على كاتب مفكر فيقول: زائغ مرتد قاتله الله! إنها كلمة صعبة. أيضاً يُلاحظ هذه الفظاظة في تعاملنا فيما بيننا وفي أحكامنا على بعضنا، وفي عدم العفو الذي يجب أن نصدره نحو البعض منا، ولكن تتلاشى هذه الفظاظة لتصبح تميعاً في قضايا المعتقد مع المبتدعة، كـ معتزلة العصر، كمرتزقة الفكر، كالمتهوكين في الأدب، كالحداثيين والعلمانيين، فلا تجد لأحد رداً عليهم، ولا يذكرهم بسوء، وقد سلموا منه، ويبتعد عن الخوض معهم، وأما على إخوانه، فيرى القذى الصغير كالنخلة، وهذا خطأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين:١ - ٤]. إن بعض الناس يدعو إلى تأليف القلوب مع الرافضة، أو مع العلمانية، وإيجاد الحلول والأعذار لهم، أما مع إخوانه فلا يعذرهم في مسائل تقبل الاجتهاد، وهي من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد. وفي ختام هذه الفقرة، أدعو إخواني جميعاً، وليدعوا معي إلى مذهب أهل السنة والجماعة، نرحب بالجهاد في أفغانستان، أو في غير أفغانستان على منهج أهل السنة والجماعة، وقد طالب العلماء والدعاة -كما رأيتم- في منشورهم قادة المجاهدين بهذا، ولعل الله أن يفتح على قادة المجاهدين في السماع لهذا وامتثاله، وأسأل الله أن يسددهم وأن يجمع كلمتهم على الحق.

стр. 10225

من الأخطاء: صعوبة عرض العقيدة أيضاً من أخطائنا: صعوبة عرض عقيدة التوحيد الواضحة. التوحيد من خصائصه أنه سهل تقبله القلوب، عقيدة يفهمها الطفل والأعرابي في الصحراء، وقد ربى الرسول ﵊ أصحابه والأمة على أن يفهموا العقيدة، سأل جارية كما صح في الحديث فقال: ﴿أين الله؟ قالت في السماء وفي بعض الألفاظ: أنها لم تتكلم وإنما أشارت إلى السماء فقال: اعتقها فإنها مؤمنة﴾. وفي سنن أبي داود أن حصين بن عبيد قدم على الرسول ﵊ فقال له ﷺ : ﴿كم تعبد يا حصين؟ قال: أعبد سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، فقال: من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: اترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء﴾ حديث صحيح. هذا دين سهل، وعرض التوحيد بمثل هذا يقبله الناس، ومن منا يمكن ألا يفهم هذه العبارات؟ من هو الذي يعتذر بطلسمة هذه العبارة عليه، أو بأنها منغصة وموهمة؟ لا أحد. كذلك في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: ﴿أن أعرابياً أتى إلى الرسول ﵊ قال: من أرسلك؟ قال: الله؟ قال: إلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله، الذي إذا ضاعت راحلتك في الصحراء -خاطبه براحلته لأنه صاحب راحلة- سألت الله فردها عليك، وإذا أصابتك سنة مجدبة فدعوت الله، أمطر عليك سنتك﴾ أو كما قال ﵊. فشهد أن لا إله إلا الله. حديث جبريل الطويل: لا صعوبة فيه، عرض سهل ميسر، ولكن أرى أننا تأثرنا بطريقة علماء الكلام، الذين أطالوا في العقيدة والذين توسعوا في العبارات، وأكثروا من القعقعة، ومن التشدق حتى قال الشافعي فيهم: رأيي في أهل الكلام، أن يطاف بهم في العشائر والقبائل ويضربوا بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة. فلسفة اليونان دخلت علينا، وهي ما زالت في كتبنا، وتدرس حتى في الأقسام، وربما عرضت على العوام في الندوات والمحاضرات، واللقاءات.

стр. 10226

عروض سهلة للتوحيد وأعرض لكم أمثلة من كتب التزمت سهولة التوحيد في عرضها مثل: كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب ما أسهله! وما أيسره! وما أحسنه! لماذا لا نقدمه في دروسنا ومحاضراتنا، بدون ردود إلا في مناسبات خاصة، ومثل كتاب التوحيد لابن خزيمة، على نصوص بسيطة فيه، ومثل كتاب معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، ولا أعلم كتاباً مثله، فكيف بأحسن منه! إن السلف لم يختلفوا في مسائل المعتقد، أقصد الصحابة، قال ابن القيم في أعلام الموقعين: لم يسأل أصحاب الرسول ﵊ رسول الله في مسألة في العقيدة، وإنما سألوه في الأحكام: يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن المحيض، ويسألونك عن الخمر، إلى غير تلكم الأسئلة، خمسة عشر سؤالاً في القرآن ليس فيها سؤال في المعتقد، بل آمنوا وسلموا وقالوا: كل من عند ربنا. فلما أتى الخلف -نحن منهم- أكثرنا من عرض العقيدة والإسهاب في الكلام والتوسع في العبارة، حتى صعبت على الناس. وأنا أسأل شباب الصحوة والعلماء والدعاة: هل يلزمنا في كل مسألة نعرضها على عامة الناس، أن نذكر من خالفنا من الطوائف كـ الجهمية، والمعتزلة والأشاعرة والقدرية، والجبرية، والمرجئة، والرافضة، والخوارج؟! أما أهل العلم فلا بد لهم من هذه المسائل أن يتدارسوها بينهم في مجالسهم وأقسامهم وفي تواليفهم. أما إذا كنا نعرض العقيدة على الناس، فنملؤها بالردود حتى تصبح صعبة، فإن هذا مخالف لمنهج الرسول ﵊، فإن التوحيد سهل بسيط، يعرض في آية وفي حديث، يفهمه الأعرابي والعجوز والطفل. أما إيراد هذه الشبه الدامغة التي توقف العامي محرجاً أمام العقيدة، فأظنه من أخطائنا. أخذوا على الرازي كما ذكر أهل العلم أنه يتوسع في عرض الشبهة، فيورد شبه أهل البدع، فيتوسع في إيرادها، ويتبجح في عرضها، ثم يرد عليها، بكلمة أو بكلمتين، أو بسطر أو بسطرين، وتبقى الشبهة ويموت رده. وهذا مثل بعض الناس، يورد عليك شبهة مخالفة، ثم يردها رداً ضعيفاً، فتبقى الشبهة، ولكن الرد لا يكون سليماً.

стр. 10227

الانهماك في الفروع على حساب الأصول ومن أخطائنا في العقيدة، الانهماك في الفروع على حساب الأصول. سألوا شيخ الإسلام ابن تيمية لماذا لم تؤلِّف في الفروع؟ قال: أمرها سهل، ومن خالف فيها فهو مجتهد مخطئ فله أجر واحد، وإذا أصاب له أجران، ولكن الخطورة في المعتقد أي في الإيمان والتوحيد، فهو الأمر الصعب، والأمر الأساس والأمر المحرج. ولذلك كانت مؤلفات شيخ الإسلام ﵀ أكثرها في العقيدة، تسعون بالمائة من مؤلفات ابن تيمية في العقيدة وفي الإيمان. ولكن أرى الآن أننا أكثرنا في الفروع على حساب الأصول، وسوف يأتي هذا فلا أتعجل به، فإنه تُحدِّث الآن عن مسائل سهلة، كمسألة المسبحة، أو مسألة جلسة الاستراحة، أو مسألة تحريك الأصبع، مع العلم أن العلمانية، والحداثة، وحزب البعث، والرأسمالية، والشيوعية، لم تلقَ هذا الكلام المستفيض من أهل العلم والدعاة والأخيار. الردود ليست مقصودة لذاتها في العقيدة، إنما هي كالعلاج، إذا وصلنا مرض، استدعينا الطبيب ليعالج هذا المرض. فنعرض عليهم العقيدة أولاً، أما قضية أن نأخذ الردود وتكون مبدأ فهذا ليس بصحيح، لكن لا بد من الردود عند الحاجة.

стр. 10228

من الأخطاء: تسمية البطالة زهداً أيضاً من أخطائنا: تسمية البطالة زهداً. قال ابن تيمية ﵀ في المجلد العاشر من الفتاوى: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. ولله دره! وأحسن من عرف الزهد في الإسلام ابن تيمية بهذه العبارة، والله يقول: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] والله يقول: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:٦١] يعني في الدنيا، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] الإسلام حياة، وعمل وإنتاج، ومزرعة وفلاحة، وتجارة وورشة ودكان، هذا هو الإسلام، الإسلام لا يعترف بالتصوف الهندوكي الذي قتل الهمم أمام طلب الرزق. قال ﵊ في الصحيح: ﴿ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من كسب يده -ومن كد يده- وإن نبي الله داود كان يأكل من كد يده﴾. وسئل ﷺ كما روى ذلك الحاكم في المستدرك: ﴿أيُّ الكسب أطيب يا رسول الله؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور﴾ حديث صحيح، والصحابة كانوا تجاراً، مثل: أبي بكر، وعثمان، وابن عوف، وكان منهم الفلاحون، مثل: جابر بن عبد الله، ورافع بن خديج وغيرهما، ولم يركنوا إلى البطالة تحت مسمى الزهد كما فعل الكثير منا الآن. إني أعرف أن كثيراً من أمثالي من المقصرين، تأثروا بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، في كتاب إحياء علوم الدين، وقوت القلوب، والرعاية للمحاسبي وصفة الصفوة لـ ابن الجوزي، فأماتوا أنفسهم. الرسول المعلم الكريم ﷺ يقول: ﴿لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب ويبيع خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه﴾.

стр. 10229

عمر يحارب البطالة دخل عمر ﵁ وأرضاه المسجد، فوجد شباباً يتعبدون، قال: من يعطيكم طعامكم؟ قالوا: الله، وهل يشك عمر أن الذي يطعم هو الله؟! قال: أدري أنه الله، لكن من يطعمكم؟ -لأن أوعية الطعام لا تنزل من السماء، أوعية اللحم والأرز والفاكهة لا تأتي من السماء، لا بد من أخذ الأسباب -قالوا: جيراننا. قال: جيرانكم خير منكم، انتظروني قليلاً، وظنوا أنه يأتي بأوعية فيها لحم وأرز، فأتى بالدرة التي يخرج بها الشياطين من الرءوس، ثم ضربهم وقال: [[اخرجوا، إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة]]. فقضية أن نترك الدنيا والتجارة وطلب المال والرزق الحلال، بحجة أن الدنيا فانية، وأن الله سوف يحاسبنا على الأموال، ويبقى في رأس القائمة اليهود وهم أغنياء العالم، يسيرون السلاح والاقتصاد والإعلام والسياسة والكراسي والقرار، ونبقى متخلفين بحجة أن الدنيا فانية. ثم يأتي في القائمة الثانية الرافضة، وهم المرتبة الثانية بعد اليهود في الغنى، فيصدرون الثورات والقرارات والبدع، ونبقى نحن نسمى الفقراء -فقراء أهل السنة - وإذا أردنا مشروعاً ينادون بعد صلاة الجمعة: تبرعات تبرعات، والكراتين عند الأبواب، ثم نتبرع من ريال ومن عشرة ومن خمسين. إذا أردنا كتاباً نطبعه فنصيح حتى تبح حلوقنا، ليس عندنا مصدر رزق، والخير كثير والحمد لله، لكننا ربما ظننا أن السعي لطلب الرزق ولجمع المال ينافي الزهد، وهذه بطالة، وقد تعرض لها الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ في أول تفسيره بعرض جميل. وقد ضغط على المسلمين بقوة الاقتصاد وأصبحت حروب الدول في العالم الآن في الاقتصاد، فأين مكان أهل السنة والجماعة في مبدأ الاقتصاد؟ وهل لهم بديل؟ هل لهم مشاريع؟ هل لهم أطروحات في جمع المال؟ ودعونا من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، فإن الرسول ﷺ جمع المال وأنفقه، وقد دخل كثير من الصحابة الجنة بالمال، مثل: عثمان وغيره.

стр. 10230

المال عصب الحياة ذكر الجاحظ صاحب البخلاء: أن أحيحة بن الجلاح، وهو تاجر من الأوس قبل الإسلام، وهو من ساداتهم، كان يجمع المال لكي يحمي عرضه، ويحمي مكانته، وينفق؛ يقول: ولو أني أردت نعمت بالاً وباكرني صبوح أو نسول ومازحني على الأنطاع غيد على أنيابهن الزنجبيل ولكني أهب لجمع مال فأمنع بعد ذلك أو أهيل يقول: لو أردت لذاذة الحياة، لكنت تزوجت فتاة جميلة، وجلست في بيتي وصابحني خمر في الصباح وغبوق في المساء، وأكلت اللحم المشوي، لكني أخشى أن أفتقر فأتعرض لمسبة، فأنا أجمع المال لأنفقه، وأحمي عرضي، وقال الآخر: واجمع المال وحصله ولا تسأل الناس ذليل من سأل ثم جد بالمال لا تبخل به تكن الشهم على الناس الأجل كثير من الشباب يترك الوظيفة، ويترك التجارة والعمل بالورشة، والعمل بالمتجر؛ بحجة الزهد، وأنها تشغله وتلهيه عن طاعة الله، وهي من طاعة الله، ويبقى عالة يتكفف الناس، يقترض من هذا، ويقترض من هذا، ويموت مديوناً، وإذا سألته من يرزقك؟ قال: الرازق هو الله، لكن من جيوب إخوانه، رزقه الله من جيوب إخوانه، والمسلم لا بد أن يفكر بمصدر الرزق خاصة في عصر الاقتصاد.

стр. 10231

من الأخطاء: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب أيضاً من أخطائنا: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب، وينقصنا أننا لا نراجع أخطاءنا، وأنا متحرج في هذه الليلة، وقد كُلَّمت قبل هذا الدرس وحُذِّرت ألا أتكلم في هذا الموضوع، لأني سوف أكشف عوارنا للآخرين، فإلى متى نتكاتم؟! وما هو المجلس الذي يجمعنا لكي نتحدث بأخطائنا. ؟! وإلى متى وقد مرت بنا عجلة الحياة؟! أما الآن فوجب علينا أن نتكاشف ونتصارح، وهذا -أظنه والله أعلم- منهجاً سديداً، فمراجعة الأخطاء منهج في القرآن، قال لأهل أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] ولم يرجع ذلك إلى القضاء والقدر، ونحن نخطئ كثيراً، ونقول: قضاء وقدر! نعم هو قضاء وقدر، لكن لماذا لا نستفيد من الخطأ الأول، وندرسه، ونجتمع له ونحلله، لماذا أخطأنا؟ الرماة الذين نزلوا من الجبل لامهم الله ، وجعلهم سبباً في الهزيمة وحاسبهم الرسول ﵊، ولم يقل قضاء وقدر، وقال للرسول ﵊، وقد تصرف باجتهاده في أسارى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] يعني لماذا تأخذ الأسرى؟ هذا خطأ! ولكن الله عذره، ثم عفا عنه، وعمن أيده ﵊ من الصحابة، وهذا دليل على منهج مراجعة الخطأ. وعفا ﷺ عن مجموعة من المنافقين، كانوا قد اعتذروا إليه كذباً، وما كان للرسول ﷺ أن يعفو عنهم، لكن قدر الله أن يعفو عنهم، فلما عفا عنهم، قال الله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] كان الأسلم والأحسن ألا تأذن لهم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣] وفي صحيح البخاري أن أبا ذر عير بلالاً وقال: يا بن السوداء، فحاكمه إلى النبي ﷺ : ﴿قال: أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ حتى لا يعود إليها مرة ثانية. وعمر لم يولِّ رءوس المرتدين، وقادة المرتين الذين رجعوا إلى الإسلام قيادة الفتوح أبداً، كما قال ابن جرير وابن كثير، مثل طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي الشاعر، لم يولهم عمر أبداً، لأنهم أخطئوا قبل، فاستفاد من خطئهم ألا يأمنهم على جيوش يقودونها في المعركة. وهنا أسأل سؤالاً: يا شباب الصحوة! لماذا لا نقرأ ملفاتنا السابقة في العمل والدعوة والجهاد، هل تقدمنا أم تأخرنا؟ هل أحسنا أم أخطأنا؟ مثل ملفات حماة، من هو السبب في قتل ثلاثين ألفاً في حماة؟ معصومة دماؤهم، شيوخ وأطفال ونساء، أنا أعلم أن الجميع سوف يجيبني أنه الطرف الآخر، وأنا أقول: نعم الطرف الآخر، لكن من الذي تصرف في القرار، وهل كان من الحكمة الدخول مع الطرف الآخر، وهل كان من المصلحة رفع السلاح؟ في اعتقادي أنه لا بد أن ندرس الملف من أوله إلى آخره، لنرى ولا نجعل أفعال الناس وأقوال الناس كأفعال المعصومين، هم بشر لا ينطقون بالوحي، يقول رجل منهم: تبدأ المعركة، فيتسبب بقتل ثلاثين ألفاً، فلا بد من الملف أن نراجعه حتى لا نقع في خطأ آخر. مثل ملف أفغانستان -وأنا أحترم الجهاد الأفغاني، وأسأل الله أن ينصر المجاهدين نصراً مؤزراً، ونحن مع الجهاد، والذي يتخلف عن الجهاد فيه نفاق، ولا نقصد إلا النصيحة، يعرف ذلك من عرفه، ومن لم يعرف ذلك فإني لا أستطيع أن أقنعه، لأنه وطن نفسه ألا يقتنع، فهو ملغم من داخله ألا يقتنع- مثلاً، لماذا لا ندرس ملف الجهاد منذ أن بدأ إلى الآن؟ لأن المجاهدين إخوان مثلنا، وقد فاقونا بأنهم شهدوا وحضروا، ورأوا بأعينهم، ولكن مع اجتماع الرأي وأهل العلم وأهل الدعوة، قد يكون هناك تصويب كثير. مثلاً لماذا لا نراجع ملف الصحوة؟! فإن كثيراً من الناس يدعي أن الناس أصبحوا في صحوة، وأنهم عادوا إلى الله، وليس للشباب أخطاء وأن تربيتهم مجيدة، وعلمهم الشرعي متوسط، فإذا جئت تنصح قالوا: لا تشق الصف، لا تثر الغبار، لا تكن حجر عثرة، ولا تثر فتنة على المسلمين، لماذا أنا أثير إذا نصحت؟ وإذا عرضت وأبديت رأياً للناس، هذا لا يكون، فالرسول ﷺ سمع من الصحابة، وكذلك أبو بكر وعمر، وسوف يأتي كلام عن هذا إن شاء الله.

стр. 10232

من الأخطاء: عدم عذر المجتهد المخطئ من أخطائنا أيضاً: عدم عذر المجتهد المخطئ: الإجماع حجة قاطعة، والخلاف رحمة واسعة، قاله ابن تيمية في مختصر الفتاوى أما حديث: ﴿اختلاف أمتي رحمة﴾ فهو ضعيف، لكن الاختلاف قديم، والله خلق الناس مختلفين، حتى في أمزجتهم وتفكيرهم الشخصي. أفراد الأسرة الواحدة لا يتفقون على وجبة الغداء أو العشاء، ربما لا يجمعون إلا في النادر، فمنهم من يريد وجبة كذا، والآخر يقول: كذا. إذاً فالله ركب الناس على أن يختلفوا في جزئيات من جزئيات الحياة، وكذلك الشريعة، وللعلماء عذر في اختلافهم، وقد كتب ابن تيمية ﵀ كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، بين فيه عذر المختلفين لماذا اختلفوا، لكن يرى البعض منا -مثلي أنا- أنه لا بد أن يتفق العلماء على كل جزئية، وهذا متعسر ومتعذر. إن أمراً لم يجمع عليه السلف الصالح لا يلزم الخلف أن يجمعوا عليه، فيجوز أن نختلف في فرعيات الشريعة وفي أساليب الدعوة، وفي الجزئيات، وفي مسائل غير مجمع عليها في الصدر الأول، فما هو العيب في أن نختلف؟ مثل زكاة الحلي، كثير منا ثرب على غيره أنه لا يقول بزكاة الحلي، والآخرون يقولون بالزكاة، والأمر فيه سعة، واختلف فيه الصحابة، والأمر واسع، وأنت قل برأيك ولا تعنف ولا تثرب على الآخر. أما متى يكون المخالف مبتدعاً عند أهل السنة؟ الذي أراه ضابطاً هو ما ذكره ابن تيمية في الرسائل والمسائل بقوله: من خالف إجماع الصحابة فهو مبتدع، هذا الضابط لكم وأطلب منكم أن تبحثوا في هذه المسألة فإنها تحتاج إلى تحرير. كيف هذا؟! لأن الأشعري -مثلاً- يقول: لماذا جعلتموني مبتدعاً، لأني أقول يراد بضحك الله الثواب، يضحك ربنا: يثيب، مع العلم أنكم عذرتم الأحناف لما وضع الواحد منهم يده اليمنى على اليسرى تحت السرة، وقلتم: مجتهد مخطئ له أجر، فلماذا لا أكون مثله مجتهداً ولي أجر. فنقول للأشعري: أنت خالفت إجماع الصحابة، أما الحنفي في هذه المسألة، فلم يخالف إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم عذر المجتهد المخطئ في أمرين: الأول: في نقض الإجماع، فمن ينقض الإجماع لا نرحب به، ولا بد أن نرد عليه، ونعتبره مبتدعاً. الثاني: من يتتبع الرخص، كأن يأتي إلى شواذ المذاهب السهلة في كل مذهب ويجمعها، كما يفعل العصرانيون في كثير من كتبهم التي طرحوها في الساحة، بل شافهنا بعضهم فقال: إذا رأيتُ في المسألة سبعة أقوال، فإني أختار أسهلها وأيسرها، وهذا من تتبع الرخص، ولا خير فيه، وهو مردود على صاحبه ومذموم.

стр. 10233

من الأخطاء: إعطاء بعض القضايا أكثر مما تستحقه أيضاً من أخطائنا: إعطاء المسائل أكبر من حجمها، أو التشاغل بقضايا غير واقعة في حياة الناس، أو غيرها أهم منها. ودين الله وسط بين الغالي والجافي كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] والله يقول: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] قال المتنبي: فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى إن من يسمي تربية اللحى وتقصير الثياب قشوراً مخطئ، وليس في الدين قشور، لكني أقول: من جعلها أصلاً من أصول الإيمان فقد أخطأ، إن كثيراً ممن يعظ أول ما يبدأ يحدث الناس يحدثهم بتربية اللحى، وبعضهم قد لا يصلي، أو يأكل الربا، أو يشرب الخمر، أو يزني، أو يرتكب شيئاً من شعب الشرك، وهذا يركز على تربية اللحية ليلاً ونهاراً، فأعطاها أكبر من حجمها، ثم بعضهم يلغيها من حجمها الصغير، ويقول: هي قشور لم ترد بها السنة، وهذا خطأ، لكن نعطيها حجمها ومساحتها. الغيبة في القرآن ذكرت في آية أو آيتين، بينما معظم آيات القرآن عن التوحيد، والحسد أيضاً ذكر في آيتين، غض الصوت في آية، القصد في المشي في آيتين، أو في ثلاث، فأعطى الله كل مسألة حجمها، ومن أحسن من ألف في ذلك الأستاذ العلامة أبو الأعلى المودودي، وهو كتاب: كيف تقرأ القرآن؟ وأتى بقواعد فذة تنبئ أن الرجل ليس بالسهل وأنه كان عملاقاً. يقول: أزل من عقلك كل تصور عن القرآن مسبق، وأعط المسألة حجمها إلى غير ذلك، وهذا ليس من شأني في هذه المحاضرة. أقول: أعطينا كثيراً من المسائل أكبر من حجمها، كم صدرت من فتاوى في التصوير، ومناقشات وتنبيهات وتحذيرات مع العلم أنها مسألة فرعية بالنسبة لمبدأ العلمانية، الذي لم يلق من الحديث والكلام عشر معشار ما وجده التصوير، تكلمنا في التصوير ليلاً ونهاراً في كتيبات، وردود، ومناقشات، ومباحثات ومحاضرات! والعلمانية أنا أجزم أن كثيراً من العلماء لم يتكلموا فيها ولو بكلمة، وهي مذهب يهدد الإسلام من جذوره. قبل سنة كان كثير من الناس لا يعرفون شيئاً عن حزب البعث، وهو حزب مارد، دخيل يريد هدم الإسلام، فلم يتكلم عنه أحد، وبقينا نتكلم كثيراً عن التصوير والفيديو وضررهما على الأمة. إن البدع تهدد العالم الإسلامي في وقت لم يهتم بنشر العقيدة الصحيحة، ولم تبين الإيمانيات كما عرضها الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح. كم أخذت مسألة القيام للداخل، أنا أعرف فيها رسائل، وهذا يقول هذا الرأي، ويغضب عليه آخر، لأنه خالفه. وكذلك جلسة الاستراحة، وتحريك الأصبع في التشهد، هل سمعتم أن الدعاة تكلموا بغزارة في مسألة الحداثة، والغزو الفكري، والولاء والبراء، والربا، ووسائل هدم الإسلام لبنة لبنة، كالإعلام المهتري، وغير ذلك من المسائل الكبيرة، والواحدة منها كارثة على الأمة وعلى الإسلام والمسلمين، وهذا من أخطائنا: أنا نعطي المسألة أكبر من حجمها، أو نصغرها.

стр. 10234

من الأخطاء: استعجال النتائج ومن أخطائنا: استعجال النتائج، وهي آفة تصيب الحريصين على الدعوة وعلى الخير، يسابقون الزمن، يبذر الواحد منا البذرة اليوم ويريد النتيجة غداً، وسنة الله في الخلق والحياة على الترتيب والتدرج، لا بد من التدرج، الليل لا يفجؤك بسواده، والنهار لا يفجؤك بضوئه، وذلك لأن الله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] تدريجياً. والإنسان لا يولد من بطن أمه، ثم تنبت لحيته، ويكتمل عقله، ويتكلم على المنبر، بل يولد رضيعاً ثم طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً هرماً، حتى يصل إلى الله، هذه سنة الله. كذلك الشجرة، والإسلام كالشجرة، وعرض الدعوة على الناس لا بد أن يكون بالتدرج، وفي الصحيحين عنه ﵊ أنه أرسل معاذاً إلى اليمن، وقال له: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك﴾ بالتدرج، لا تبدأ بالصلاة قبل الشهادة، أو مع الشهادة، بل بعدها: ﴿فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾. قال لرسوله ﵊: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤] لكن انتظر حتى يصلك القرآن، وحتى تتثبت مما يقال لك، قال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] لا تستعجل النتيجة، ولا تقطف الثمرة الآن، اصبر إلى ميقات محدد وأجل مسمى، لتنال أجرك ومثوبتك وثمرتك من الدعوة، قال : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦] أي لتعجل بالقرآن، قال : ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء:١٠٦] لأنه للتربية، وكذلك عرض الدعوة على الناس، لا بد له من تمهل وتريث واستراتيجية ودقة وحكمة وحنكة، حتى ننتصر وحتى نحصل على مكاسبنا إن شاء الله. في الصحيحين من حديث صهيب أنه تبرم هو وبعض الصحابة، والرسول ﵊ متكئ على برد عند الكعبة، فقال له: ﴿يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فأخبرهم ﷺ أنهم قوم يستعجلون، وقال: والذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون﴾ وبالفعل بعد خمس وعشرين سنة، خرجت كتائبه ﵊ مهللة مكبرة، ترفع الدين في العالم. وشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من دار إلى دار وفضفضت مكة الوسنى أناملها وفضت الكون إيذاناً بإخبار النور أقبل من خلف الظلام وفي عينيه أسرار عشاق وسمار في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبار أيضاً لسنا مطالبين بالنتائج، فالنتائج على الله، وإنما عليك أن تدعو، فإن استجيب لك وإلا فأجرك محفوظ مكفول عند الله، سواء استجيب أولم يستجب، ذكر الله نوحاً في القرآن، فقال: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت:١٤] ومع ذلك، لم يؤمن معه كثير من الأفراد، وبعض الدعاة الآن أكثر أفراداً ومستجيبين من نوح ﵇، ولكن الأجر لنوح أكثر؛ لأنه رسول، ولأنه تعب وجاهد. والنفوس مستعصية، وصعبة المراس، ولها دخائل، ولا تستجيب بسهولة، فالرجاء منا أن نتلافى هذا الخطأ، وأن نصبر على المدعوين، وما يمنعك أن تصاحب الشاب -مثلاً- سنة، وتدعوه سنة أو سنتين، رويداً رويداً، لعل القدر أن يستجيبوا بعد سنة، أو سنتين.

стр. 10235

من الأخطاء: الانطواء والفرار من المشاركة ومن أخطائنا: الفرار من الدعوة والمشاركة والتأثير، بحجة الفتنة والحفاظ على الدين، أنا لا أنكر أن العزلة قد تكون مستحبة أحياناً لبعض الناس، وفي بعض الأحوال، وفي بعض الأماكن، كعزلة أبي ذر ﵁ وأرضاه في عهد عثمان ﵁، لكن أن تكون صبغة عامة، أو يدعى إليها لتصبح ظاهرة في الصحوة، هذا ليس صحيحاً، وهذا خطأ. ما هو دليل الذي يفر من المجتمع والمشاركة، ومن التأثير والدعوة؟ يستدلون بأدلة منها: حديث أبي ثعلبة الخشني وهو حسن: ﴿مر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة﴾. وهذا لم يقع بعد، فما زال في الناس من يستمع، وما زال كثير منهم يقبل الحق ويتأثر بالدعوة، بل الكثير -والحمد لله- نرى منهم الاستجابة، ونرى منهم الإكرام لطلبة العلم والدعاة لأنه يطلب العلم ولأنه يدعو إلى الله . وبعض الناس يقرأ حديث أبي سعيد في الصحيحين: ﴿يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن﴾ ويحملونه على أنه هذا العصر، وتجد بعضهم يذهب من بيته إلى المسجد، ولا يشارك في الدعوة، والتأثير، ولا في معاونة إخوانه، أو في الاجتماع على الحق، بحجة أن العصر مظلم، وأن الواقع أصبح لا يتحمل المخالطة، وهذا خطأ، قال ﵊ والحديث حسن عند أبي داود وأحمد: ﴿الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم﴾. إنك إذا خالطت أوذيت، وتعرضت إلى إهانة واستهزاء وسخرية، ولكن هذه الطريق هي طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقال لقمان ﵇ لابنه كما حكى عنه ربنا في كتابه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] ولم يقل: افرح بما أتاك، لأنه يعلم أنه سوف يأتيه إيذاء وسخرية وشماتة، فقال: اصبر على ما أصابك. والصلاة: جماعة، والجمعة: جماعة، والعيدان: جماعة، والحج: جماعة، والفطر يوم يفطر الناس، والصيام يوم يصوم الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وتعاونوا على البر والتقوى، الإسلام مشاركة ومعاونه، نحن جمعية كبرى، أعضاؤها كل بار على وجه الأرض. النفع اللازم والمتعدي: وكثير منا يشتغل بالنفع اللازم، ويظن أنه أنفع من المتعدي، فيقول: انظر هؤلاء الدعاة، شتتوا شملهم وقسوا قلوبهم بالتحرك والتنقل والأسفار، لو جلسوا وأدوا النوافل، وركعتي الضحى وذكروا الله، فقد قال ﷺ : ﴿وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ خير مما طلعت عليه الشمس﴾ ولزموا صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقيام الليل لكان خيراً لهم. ولا يعلم هذا أن أولئك هم المجاهدون صراحة، وأنهم وقفوا على الثغور، وأنهم الشجا في حلوق المارقين والزنادقة، وأنهم ضربوا منهم كل بنان. والنبي ﷺ يقول في النفع المتعدي إلى غير صاحبه: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فإنه مكسب عظيم، فإذا هدى الله على يديك رجلاً واحداً وإني أعتبر هذا العمل أفضل من مائة ركعة أو من ألف ركعة؛ لمن قبل الله منه وحتى من قبل منه ألف ركعة، فالذي هدى الله به رجلاً أفضل، وهذه طريقته ﵊ وطريق الخلفاء الراشدين من بعده، والأئمة الكبار. أما من وجدوا في فترات يستدل بهم بعض الناس كـ داود الطائي وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط ﵏، من الذين أصلحوا قلوبهم، وأثنت عليهم الأمة، فهم أخيار، لكن لايكون كلامهم منهجاً للأمة، ولا للشباب ولا للجيل. والغزالي في الإحياء يؤيد العزلة، وقد كان في أول حياته محباً للخلطة في بغداد، وأيدها في كتبه الأولى، فلما صدف إلى العزلة وأحبها أيدها. وأعرف أن المعتزل عن الناس يشعر بخشية وخشوع ورقة قلب، وأن من يجاهد ويأمر وينهى ربما شعر بقسوة، لكن أجره على الله ، لأنه واقف بين الصفين، وسنانه يقطر دماً، وهو يحمي ثغور الإسلام، أما هذا فعمل لنفسه فقط. والنظر إلى المجتمع بنظرة التشاؤم يورث الورع البارد من مخالطة الناس. وفي صحيح مسلم عنه ﵊ قال: ﴿من قال: هلك الناس فهو أهلَكَهم﴾ وفي لفظ ﴿أهلكُهُم﴾ فإن كان أَهْلكُهُم: فهو أشدهم هلاكاً لأنه أعجب بنفسه أو أهلكَهم: -فعل ماض- أي: أنه بفعله هذا تسبب في إهلاك الأمة وإغراقها؛ لأنه أشاع الفاحشة أو التهاون في صفوف الأمة. ويصاب بعض الناس الذين يفرون من الواقع بشيء من تنزيه النفس، فيقول أحدهم: أعوذ بالله! واقع مظلم! ما دخلت إلى الأسواق ولا رأيت فيها من المنكرات؟! نسأل الله العافية والسلامة، نقول له: ألا تشارك معنا في الأمر بالمعروف؟ فيقول: أعوذ بالله! تقول له: ألا تدعو؟ فيقول: أعوذ بالله! نسأل الله العافية، أنت الواقع في المصيبة، إن الذي ينزل إلى السوق ويأمر وينهى ويتكلم ويعظ ويجاهد أفضل منك بدرجات عند الله .

стр. 10236

من الأخطاء: عدم الرجوع إلى المستنبطين أيضاً من أخطائنا: عدم الرجوع إلى الذين يستنبطونه، من هم الذين يستنبطونه؟ هم أهل العلم، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وقال عن صنف وشريحة من الناس: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] والذين يستنبطونه منهم هم أهل الفقه، وأهل الرأي والعقل، فالخطيئة التي نرتكبها ونخطئ فيها، أننا لا نعود وقت الحوادث إلى العلماء، مثل فتنة قتل الشيخ جميل الرحمن، أصبح الكثير يتكلم، وكل أخذ منبراً، وكل تحدث، حتى من أناس ما رأينا لهم حديثاً في الإيمانيات ولا في العقيدة، ولا في الفكر الإسلامي، أو الأدب الإسلامي، أو في الردود على المبتدعة والضالين، ومع ذلك تكلموا في الفتنة. مع العلم أن لنا مادة علمية ولنا عالم نباهي به علماء الأمة، وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، فلماذا لم نعد إليه؟ لماذا لم نسأله؟ ما رأيه في الأزمة وما رأيه في المشكلة؟ فهو عالم، والله يأمرنا أن نعود إلى العلماء في الأزمات بقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] والذين يستنبطونه هم العلماء: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] وهذه المسائل حساسة، وتودي إلى فتن رهيبة في الأمة لا يعلمها إلا الله (أعط القوس باريها) هذا مثل عند العرب، وهو أن تعطي كل صاحب تخصص تخصصه. عرض على عمر ﵁ وأرضاه بيت من الشعر لأحد الشعراء، هجا به أحد الشعراء الزبرقان بن بدر. دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فهل يستدعي عمر أبي بن كعب سيد القراء؟ أو زيد بن ثابت صاحب الفرائض؟ لا إنما يستدعي صاحب القافية، وشاعر الدين والملة، حسان بن ثابت، وقال: ما رأيك في البيت؟ أهجاه؟ قال: لا ما هجاه ولكن سلح عليه؛ فلا بد من الرجوع إلى أهل العلم. لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا والرسول ﷺ يقول كما في الصحيحين من حديث ابن عمرو: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً، وفي لفظ رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا﴾. فنحن لن يتوقف حال المسلمين على فتواي أو على فتواك، ولا احتاجتنا الأمة، وقد كان الصحابة يتدافعون الفتيا، ونحن نقفز وندخل في الفتيا، ونحبها ونحببها ونأخذها بالقوة، وليس هذا من الحكمة. فينبغي لنا إذا حصل حادث أو طرأ طارئ على الأمة أن نعود إلى الذين يستنبطونه، وأن نسألهم وأن نتريث حتى يصدروا أمراً، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فأجر واحد، ونسلم نحن من التبعة، ونسلم من اللوم، ونسلم من الإثم، ولنولِّ حارها من تولى قارها. وسوف نعود بموقف موحد، وسوف تجتمع قلوبنا إذا عدنا إلى الذين يستنبطونه من العلماء. وأمر آخر وهو أنه ينتقد العلماء بسهولة في مجالسنا، يخطئ الواحد منهم في مسألة فرعية، فننقده، وننسى حسناته، فلابد أن نعرف أن هؤلاء العلماء -بإذن الله- لولاهم لخطب الدجال من على المنبر، ولاستبيحت كرامة الإسلام، ولمرغ الإسلام في التراب. إن العالم الذي يفتي في الحيض يشرف هذا الدين، والعالم الذي يفتي في مسائل فرعية يرفع رأس هذا الدين، والعالم الذي سد علينا ثغرة أحسن كل الإحسان، وانتهاك حرمة العلماء، واقتحام هذا السياج الخالد المقدس بسهولة أمر لا يقره الإسلام ولا الأدب، فلابد أن نعرف قدرهم وأن نحترمهم.

стр. 10237

من الأخطاء: ضيق النظرة الدعوية أيضاً أيها الإخوة: من أخطائنا: ضيق النظرة الدعوية، أو تحجيمها في أسلوب واحد فحسب، قال محمد أحمد الراشد في المنطلق: علماء السلف علماء عامة، وأنا أعجبت بهذه الكلمة، وصدق فيما قال، فعلماء السلف علماء عامة، أحمد، العز بن عبد السلام، مالك، الشافعي، ابن تيمية، ابن القيم، كانوا علماء عامة، تجدهم في المساجد، في الشوارع، في الحوانيت، يخالطون العامة، أما تحجيم الدعوة في أمر خاص أو في جزئية بسيطة سهلة، فهذا ليس من مسلك أهل السنة والجماعة، المجتمع شرائح وطبقات وفئات، ولكل أساليبه. ولا بد أن نوفي هذه الجوانب حقها، والله أعطى الناس مواهب بحيث أنه يمكن في مجموعهم أن يقوموا بشأن الدين، لكن لا تعطى المواهب لرجل واحد، فلا نستطيع أن نقول: هذا الرجل يكون هو الخطيب والمحاضر والمفتي والشاعر والمتكلم، فهذا ما لا نستطيع أن نقوله. وأنا أعرف أن كثيراً من الإخوة ومن الشباب يعتذر عن عدم مشاركته في الدعوة بأنه لا يستطيع الخطابة أو إلقاء المحاضرات، أو المشاركة في الندوات، وليست الدعوة منحصرة في هذه الجوانب، بل الدعوة تخطيط وتنسيق وإرادة وإدارة، ومشاركة بالمال وبالدعاء، ولكن لا تنصرون إلا بضعفائكم، بدعائهم وباستغفارهم وبصلواتهم لكم. فأنا أدعو كل مسلم أن يوسع نظره في مسألة مجال الدعوة، وطرق الدعوة وأساليب الدعوة، وأن يعلم أنه سوف يستطيع أن يقدم شيئاً لهذا الدين، فأنت أوتيت مثلاً موهبة في التفسير، وهذا موهبة في الحديث، وذاك في الأدب، وهذا في المال، وهذا في الجسم، فإذا اجتمعنا جميعاً رفعنا راية هذا الدين، بإذن الله . أيضاً من الأخطاء: تضخيم بعض جوانب الخير على حساب جانب منها، فإن بعض أهل الطموح إذا عشق جانباً من جوانب الخير كالجهاد والعلم، استولى عليه هذا الجانب، حتى جعل الإسلام في هذا الجانب، فهذه شريحة من الشباب، يدندنون بالجهاد صباح مساء، حتى تركوا طلب العلم من أجل الجهاد، بل حملهم ذلك على تنقص حلقات الدروس، وقالوا: لا يفتي القاعدون، ودروس القاعدين ليس فيها بركة، كيف تدرسون الأمة وأنفها في التراب؟! ولقد أصبنا بالذل منذ أن سقطت الأندلس، لماذا هذا التوسع في هذا الجانب على حساب الجانب الآخر؟! ويقابله آخر يطلب العلم، فيجعل العلم ليله ونهاره حتى يضر بمسألة الجهاد، والإسلام كل متكامل، ولا بد أن نعطي كل مسألة حجمها، والرسول ﷺ كان يلبس لكل حالة لبوسها، فهو خطيب على المنبر، ومفتٍ في الحلقة، ومدرس للجيل، ومجاهد في الجبهة، فلا بد أن نعطي كل مسألة حجمها، على أنه قد يفتح لبعض الناس أبواب من الخير لا تفتح للآخرين، وإن الله قد يفتح لك في الأوراد والذكر، ويفتح على غيرك في أبواب الجهاد، والثالث في العلم، والرابع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨].

стр. 10238

من الأخطاء: التقصير في التخطيط المسبق من أخطائنا: تقصيرنا في التخطيط المسبق، والدراسات المتأنية، والانطلاق بعشوائية، فقد يقوم جهاد أو مشروع كبير بجرة قلم، أو برأي طارئ، ثم لا يحاسب هذا الذي بدأ المشروع، أو بدأ الجهاد، أو بدأ هذه القضية، وكأنه معصوم يتكلم بالوحي، والله قال لرسوله ﵊ وهو المعصوم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال سبحانه عن المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] والرسول ﷺ استشار الصحابة في أكثر من موطن، وفي حديث الإفك أنه استشار أسامة، واستشار علياً، والوحي ينزل عليه صباح مساء، فمن الخلل أن نلقي بالقرار في يد شخص واحد، ليسير الأمة، ومصير الأمة كجهاد أو مشروع كبير، ثم لا نسأله ولا نناقشه ولا نناصحه ولا نفاوضه، ولا نحاسبه، هذا خطأ، والحقيقة أن الغرب أفلح في هذا المورد أكثر من الشرق الإسلامي الذي جعل القرار في يد واحد، وبُرمج الناس على ذلك، حتى لم يقبل الناس النقاش ولا الحوار ولا المناصحة. وفي السيرة أن عمر ﵁ دخل الكعبة، وقال: لقد هممت أن أوزع كنوز الكعبة على الفقراء. قال أبي بن كعب: والله لا تفعل! قال: ولِمَ؟ قال: لم يفعل صاحباك، الرسول ﷺ وأبو بكر، قال: [[هما المران يقتدى بهما]].

стр. 10239

من الأخطاء: ترك الدعوة بحجة الذنوب خطائنا: تذرع البعض عن الدعوة والمشاركة والتأثير بذنوبه وخطاياه، وأن مثله لا يدعو الناس، وأنه ينبغي عليه أن يكمل، فإذا كمل دعا، وهذا خطأ يخالف الكتاب والسنة، ومنهج الصالحين، قال : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١]. والرسول ﷺ يقول كما في صحيح مسلم: ﴿والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم﴾. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه سأل الإمام أحمد تلميذه عن مسألة، فقال له: لماذا لا تأمر ولا تنهى؟ قال: حتى أكمل، قال: أوه! ومن الذي يكمل؟!! أو كلمة تشبه ذلك، أي أنه لا يكمل أحد إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد يكمل إنسان كمالاً نسبياً، لكن هل ينتظر حتى يتبرأ من الذنوب والخطايا، هذا ليس بصحيح، قال ﵊ كما عند الترمذي وغيره: ﴿كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ فعلينا أن ندعو ولا نتذرع بالذنوب، وكثير من الأحباب يرى أنه لا يحق له أن يشارك ولا أن يتكلم، ولا أن يدعو لأنه مذنب، وهل سمعتم أن واحداً ممن حضر هذا الجمع، أو من غيره، أو من قادة الصحوة، أو من جهابذة الأمة وفضلائها؛ معصوم من الذنب، لا أعلم أحداً، فالذنب حتم على العبد، ولا بد أن يذنب، ولكن الله يغفر الذنب، ويستر العيب وما نحن إلا مقصرون، والراحم والساتر هو الله .

стр. 10240

من الأخطاء: الإقليمية في الدعوة أيضاً من أخطائنا: الإقليمية في دعوتنا، فيجب إذا تحدثنا أن نتحدث وكأن البلد الذي أمامنا هو العالم الإسلامي، وكأن الكرة الأرضية أمامنا بمشكلاتها وبمقتضياتها وبأطروحاتها وبما فيها. يجب علينا أن نخاطب العالم الإسلامي جميعاً، فقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقال لرسوله ﵊: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. فانطلق ﷺ من هذا المبدأ. خطابه لكل العالم ولكل من في الأرض. تسمع أحياناً بعضنا في محاضراته يتكلم عن جزئية من جزئيات إقليم من الأقاليم، ثم تبقى المحاضرات والكتيبات والأشرطة والندوات، إلا القليل تتحدث عن بلد من البلاد الإسلامية، دون البلاد الأخرى التي تعج بكثير من الأخطاء وكثير من التقصير. قال : ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:٩٢] قال بعضهم: (من حولها) هم أهل الأرض، فأهل الأرض كلهم حول مكة.

стр. 10241

من الأخطاء: عدم احترام التخصص أيضاً: من أخطائنا: عدم احترام التخصص. وأنا أقول للأخيار والفضلاء وأنا متطفل بين أيديهم: إن علينا نحن في دائرتنا -دائرة الصحوة الإسلامية- أهل الالتزام والمسيرة الخالدة -وأما أولئك فلنا كلام آخر معهم- أن نعتني بالتخصص، وكان السلف يرون أن من يتكلم في غير فنه يخطئ، وقالوا عن بعضهم في التراجم: أخطأ لأنه تكلم في غير فنه. والإنسان عرضة للخطأ، والرسول ﷺ أقر مبدأ التخصص مع أصحابه، فجعل سيد القراء أبياً وزيد بن ثابت للفرائض، وحساناً للشعر، وخالد بن الوليد للجهاد، وعندنا ثغرات، وعندنا من الأخيار من يستطيع أن يسدها إذا وقفوا في مواطنهم التي يُسِّروا لها. مثلاً فضيلة الشيخ الدكتور بكر أبو زيد في الفقه وفي عالم بناء العقيدة وعرض منهج أهل السنة والجماعة لشباب الصحوة، فنريده في هذا المكان، فسوف يسده لنا، والدكتور الشاعر عبد الرحمن العشماوي نريده في الأدب والقوافي متصدياً لها، منافحاً عن الدين، ونشكره كذلك، وسوف يسد علينا هذه الثغرة. إشراقات الدكتور أحمد التويجري في رده على الزنادقة الجدد نطلبها، ونريده من واقع تخصصه لا يعدوه. وعدوى الإعلام، وبلايا الإعلام، دواؤها من عند الدكتور سعيد بن زعير فنريده في هذا، فهو يجيده، لعل الله أن يسد هذه الثغرة به. فلا نطلب من الطبيب أن يكون خطيباً -وقد يكون هذا في النادر- ولا نطلب من المهندس أن يكون مفتياً، ولا من الشاعر أن يكون طبيباً، أو نحو ذلك. وافهموا هذا المعنى، فهذا أمر مهم، وكثير من الناس يترك تخصصه ويذهب إلى تخصص آخر، فيسيء ويخطئ، والأمة والحمد لله مكتملة في هذه الجوانب، عندنا عشرات من الشعراء، وعندنا عشرات من الخطباء، وعشرات من المفتين ومن المؤذنين.

стр. 10242

من الأخطاء: التقصير في تكثير سواد المؤمنين ومن أخطائنا أيضاً: التقصير في تكثير سواد المؤمنين. الدين مبني على مراغمة أهل الباطل، وهذه الكلمة لـ ابن القيم في مدارج السالكين، فينبغي لنا أن نظهر الإسلام قوياً في اجتماعاتنا وفي لقاءاتنا، وفي محاضراتنا، وقد مشى أبو دجانة في أحد مشية الخيلاء أمام الكفار، والخيلاء محرمة إلا في مثل ذاك الموطن، فقال ﷺ : ﴿إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن﴾. فعلينا أن نكثر سواد الأخيار والمؤمنين، في مثل اللقاءات والدروس والمحاضرات، ونحشد حشداً هائلاً في الحضور، حتى نظهر هذا الدين بمظهر القوة والتعاون، فالعيد جماعة، والجمعة جماعة، والاستسقاء، وصلاة الكسوف، والأفراح الإيمانية، وكذلك المحاضرات والدروس، بعضهم يذكر أنه لا يستفيد من المتكلم، نعم قد يكون المتكلم مفضولاً وأنت أفضل منه، لكنك تحضر لتكثير سواد المؤمنين، ولإظهار القوة والكثرة والعدد، لأن هذا مقصود، والمرتدون والمارقون والمرتزقة يزعجهم تجمع المؤمنين. يزيد يغض الطرف دوني كأن ما زوى بين عينيه عليّ المحاجم فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغم إن إرغام هؤلاء مطلب شرعي لنا، ونحن نريد أن نغيظ هؤلاء المارقين المرتدين، الذين يفرحون بتجمعات أهل الباطل، ويحشدون حشودهم من أجل الباطل. وأنا في هذا المكان أدعو العلماء والقضاة وكتاب العدل والمشايخ وأساتذة الجامعات والأدباء والمربين، أن يحضروا المحاضرات، وماذا عليهم لو حضروا، وقد حضر من هو أفضل منهم عند كثير من الدعاة ممن هو أقل منهم علماً وأدنى منهم شأناً، وقد قال ابن القيم في بدائع الفوائد: إن سليمان ﵇ على جلالته استمع إلى الهدهد، لما قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] فحق لهم أن يحضروا، وأن يشاركوا وأن ينصروا هذا الدين بالحضور. وإن المحاضر يفرح ويثلج صدره، ويتشجع إذا رأى المشايخ والقمم العلمية والدعاة والجهابذة أمامه. ثم إن الشباب يرون أن مشايخهم قد حضروا وأثروا الساحة بالحضور، ودخلوا بعلمهم وبحكمتهم واتزانهم، وقادوا الركب إلى الله ، وهذا مطلب، ونحن نغفل عنه كثيراً، لقد تخلى بعض الدعاة عن المشاركة في الندوات والمحاضرات، لأن الجمع خذلهم. حتى أصبحنا نرى أنه يجب علينا أن نحشد الناس حشداً وأن نحضرهم لهؤلاء حتى تقوم دعائم هذا الدين، وسبحان الله الذي جمع بعض الوجوه في الشر ولم يجمعها للخير! رأى عمر ﵁ وأرضاه سارقاً يقام عليه الحد ووراءه جماعة من الناس، فحثا في وجوههم التراب، وقال: قبح الله هذه الوجوه، التي لا ترى إلا في الشر، فكثير من الوجوه لا ترى إلا في الشر أو في الطوارئ التي تحدث ولا مصلحة من ورائها، أما أهل الخير فقليل، وأنا أعرف أن الحضور كثير، لكن بالنسبة لمن يحضر في بعض أماكن اللهو واللغو والعبث هم قليل، فهناك ألوف مؤلفة إن حضر هنا ستة آلاف، ففي المدرجات ستون ألفاً وأكثر، فجزى الله خيراً من كثر سوادالمؤمنين وحشره الله في زمرة المؤمنين.

стр. 10243

من الأخطاء: التقصير في مد الجسور مع الطبقات الأخرى ومن أخطائنا: التقصير في مد الجسور مع كثير من طبقات الناس. قد نتوجه بالدعوة والتأثير والعلم والتربية والتوعية إلى شباب الصحوة، أو الطلاب، أو أهل الخير، أو من فيه التزام. والمراكز الصيفية والمخيمات قد لا تسجل إلا من فيه التزام، بل لا يأتيها في الأصل إلا من عنده شيء من الالتزام، ولو الالتزام الظاهر، ولكننا نترك طبقات وشرائح كبرى هي أكثر من الطبقات التي نتحدث إليها، كطبقة التجار مثلاً، وطبقة الجنود والفلاحين، وطبقة عوام الناس. والرسول ﷺ كما قلت في أول الحديث رجل عامة ﷺ ورسول عامة، وكذلك علماء السلف، فلا بد أن نصل إلى هؤلاء، والناس على الفطرة، وهم يقبلون الدعوة، ويحترمون الداعية إذا وصل إلى قلوبهم، وتحدث معهم.

стр. 10244

من الأخطاء: الغلظة والفظاظة أيضاً من أخطائنا: الغلظة والفظاظة، توجد فينا وفي أمثالنا غلظة وفظاظة في التعامل، وعدم وجود اللين والبشاشة والبسمة الرائقة التي تجذب قلوب المدعوين، ومدح الله رسوله ﷺ باللين، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] إنه يجب علينا في هذه المرحلة أن نكسب الناس وأن نتألفهم، وقد تألف الرسول ﷺ صناديد العرب بالإبل، وتألفهم بالمال والثياب، فلماذا لا نتألف الناس بالبسمة والزيارة والتواضع حتى نكسب الناس؟ وقد أثنى الله على نبيه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال ﷺ : ﴿وتبسمك في وجه أخيك صدقة﴾ وهذا لا يستطيع له إلا من أصلح الله قلبه، وهداه سنة محمد ﵊. ويبقى هناك سؤال ربما يطرح وهو الذي قلته في بداية هذا الدرس: لماذا لم توجه النقد إلى الآخرين، ووجهته لنا نحن الدعاة؟ وأجيب بما أجبت في أول المحاضرة لكن بأسلوب آخر أقول: الأحسن أن نتلافى أخطاءنا قبل أن ينبهنا غيرنا على الأخطاء، والتناصح منهج إسلامي، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: [[المؤمنون نصحة والمنافقون غششة]] أما أولئك فلهم كلام آخر، والرسول ﷺ ترك تعزير وإقامة الحد على عبد الله بن أبي، قالوا: لأن الحد لا يطهره، وإنما أقامه ﷺ على من قذف من المسلمين؛ لأن الحد يطهره. فأنتم وأنا التنبيه يطهرنا، لأننا إن شاء الله على حديث: ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾ فهو شيء سهل لا يعكر إن شاء الله صفو الماء ولا ينجسه. وهي مرحلة لا بد منها، وهي مرحلة أن ننظر وراءنا في أخطائنا التي وقعنا فيها، وندرس ملفاتنا السابقة في الدعوة والعمل، والجهاد والتعليم، ولأنَّا لسنا معصومين، وإنما عرضة للتجارب، ونحن في عصر أصبح العالم كله يدرس أخطاءه.

стр. 10245

ملخص الأخطاء وألخص الأخطاء: الأول: قلة الإنصاف. الثاني: صعوبة عرض عقيدة التوحيد السهلة الواضحة الميسرة على الناس. الثالث: تسمية البطالة بالزهد، والانزواء عن كسب المال وجمع الرزق. الرابع: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب، وقد وقعنا في أخطاء مدلهمة ولم نستفد منها. الخامس: عدم عذر المسلم المخطئ، إذا كان قصده الحق. السادس: إعطاء المسائل أكبر من حجمها، أو التشاغل بقضايا غير واقعة، أو غيرها أهم منها. السابع: استعجال النتائج. الثامن: الفرار من الدعوة والمشاركة والتأثير بحجة خوف الفتنة والحفاظ على الدين. التاسع: عدم الرجوع إلى الذين يستنبطونه من أهل العلم فيما يلم بنا. العاشر: ضيق النظرة الدعوية، أو تحجيمها في أسلوب واحد فحسب. الحادي عشر: تقصيرنا في التخطيط المسبق، والدراسة المتأنية، والانطلاق بعشوائية في أعمالنا وفي مشاريعنا. الثاني عشر: تذرع البعض بذنوبه وخطاياه، فلا يدعو إلى الله. الثالث عشر: الإقليمية في دعوتنا. الرابع عشر: عدم احترام التخصص. الخامس عشر: التقصير في تكثير سواد المؤمنين. السادس عشر: تقصيرنا في مد الجسور مع الطبقات الأخرى من طبقات المجتمع، وعامة الناس. السابع عشر: الغلظة والفظاظة في بعض أساليبنا. أسأل الله أن يصلح الحال. أقول لكم أيها الأحباب: هذه وجهات نظر تقبل المناقشة وتقبل الحوار، فهي من كلام رجل ليس بمعصوم، وهو مخطئ، بل هو أول مخطئ. لعمرو الله ما نسب المعلى إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نبتها رؤي الهشيم فأنا الهشيم هذه الليلة، فخذوا من الهشيم ما استطعتم، واعفوا عن أخيكم، عفا الله عنكم! واعلموا أنها من مبدأ النصح عسى الله أن يصلح بنا وبكم طريق الرشاد، وأن يحفظنا وإياكم من طريق الهالكين، وأن يجعلنا ممن إذا استمع القول اتبع أحسنه، وأن يهدي بنا وبكم أمة محمد ﷺ إلى صراط الله المستقيم، وأن يرغم بنا أنوف المرتدين والمنافقين والملحدين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 10246

ذو العرش المجيد ينزل نعمه على العبيد إن الله قد أنزل علينا من النعم الكثيرة التي لو قضى الإنسان عمره في شكرها لما كفى ذلك، ولكن على الإنسان أن يبذل جهده في شكرها. وأعظم نعمة منَّ الله بها علينا نحن البشر هي نعمة الإسلام وكذلك نعمة القرآن والسنة، ومن الأحاديث التي جاءت في السنة حديث أبي ذر العظيم في تحريم الظلم، وقد وقف الشيخ عند كل لفظة من ألفاظه وشرحه شرحاً مفصلاً.

стр. 10247

ميراث النبي ﷺ الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، والهادي النبيل، صلى الله وسلم على من كسر بدعوته ظهور الأكاسرة، وقصر برسالته آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١ - ١١]. ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أيها الفضلاء أيها النبلاء: وإنها لفرصة سانحة ونادرة. إن يكد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد أو يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد أما رسالتنا فهي رسالة محمد ﷺ ، وهي رسالة الخير والعدل والسلام، وسبق في ليلة أمس أنها تحمل كذلك الحب والإيمان والطموح، ولكن لا يمنع ذلك إذا حملت الحب والإيمان والطموح أن تحمل العدل والخير والسلام، وهذا الدرس سيكون في فن الحديث، وفي ميراث المصطفى ﷺ ، وفي بضاعته التي رخصت عند الذين لا يفهمون ولا يفقهون ولا يعون. تعال يا من حاله في وبال ونفسه محبوسة في عقال! يا رقداً لم يستفق عندما أذَّن في صبح الليالي بلال روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أصحابه يا رجال من يرث (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟! من يرفع (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟! من يتفقه في (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟! من يموت على (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟! الحديث هو فيض من صحيح مسلم، وهو من قواعد الإسلام الكبرى، واستمعوا إلى البلاغة والحرارة والروعة والحب والجمال والعدل والخير والسلام.

стр. 10248

شرح حديث أبي ذر ﵁ في تحريم الظلم عن أبي ذر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه﴾. هذا الحديث رواه مسلم، وهو حديث شامي، قال الإمام أحمد: ليس لأهل الشام أشرف من هذا الحديث. وراويه عن أبي ذر ﵁ وأرضاه أبو إدريس الخولاني، وقد أتى من طرق أخر عن غير أبي إدريس، ورواه الإمام أحمد في المسند بلفظ مختلف، وروى منه شذراتٍ الإمامُ الترمذيُّ في سننه، وهذا الحديث تجنب البخاري إيراده لعلة سهلة خفيفة لا توجب رد الحديث، ولكن البخاري له خيوط من الدقة والفطنة لا يرقى إليها شرط مسلم. هذا الحديث فيه قضايا وعبر وإشراقات، وهذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام، كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جثا على ركبتيه! إنه حديث يكسبك العدل والخير والسلام.

стр. 10249

ترجمة أبي ذر الغفاري والقضية الأولى: من هو أبو ذر الغفاري؟ أبو ذر هو الزهد، والزهد هو أبو ذر. أبو ذر هو العبادة الناصعة والمدرسة المتوجهة التربوية التي تركها ﷺ في العالم. أبو ذر ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء فمجده، وذكر أنه من العلية الخالصة من أصحاب الرسول ﵊. يمتاز أبو ذر بأنه يبحث عن الحقيقة في وقت ضاعت فيه الحقيقة، أتى طالباً للهدى في وقت فقد فيه الهدى، هو من الصحراء، واضح وضوح الصحراء، صادق صدق الصحراء، شجاع شجاعة الصحراء. أبو ذر غفاري من قبيلة غفار، التي تسلب الراحل في الليل لكنه هو لا يسلب أحداً بعد أن تعلم الخير والعدل والسلام. سمع أن الرسول ﵊ طرق العالم، وتحدث بلا إله إلا الله في مكة، فأرسل أخاه إلى مكة، فذهب أخوه ولكن ما شفى له غليلاً ولا روى له عليلاً، فأتى أبو ذر، فركب ناقته، وذهب ووصل إلى مكة حيث الصخور السوداء، حيث الرسالة التي انبعثت من مكة، وحيث دعوة الله تعلن عالميتها، وليس معه إلا أربعة نفر، أبو بكر وزيد بن حارثة وخديجة وعلي بن أبي طالب، رجل ومولى وصبي وامرأة، والله يقول عن نبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فيضحك كفار مكة من هذه الرحمة التي للعالمين، وهو يحارب ويطرد ويجاع! وبعد خمس وعشرين سنة سرت الرحمة المعطاة من الله إلى سمرقند، وطاشقند، والسند، والهند، وإلى بقاع الأرض وبقاع المعمورة. من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا إن هذا الدرس كمقدمة، وليس درساً تخصصياً إلا في الحلقة الثانية إن شاء الله، لكنه أشبه بالشذرات في التوجه والتربية، ليكون ديباجة للموضوع وممهداً لهذا الفصل من الحديث في فن الحديث. فوصل أبو ذر ﵁ وأرضاه إلى مكة، لكنه لا يعرف أحداً في مكة، ولا يعرف أين يذهب، آواه الليل فاستتر بثياب الكعبة، وهو يحمل في قلبه البحث عن العدل والخير والسلام، ما وجد طعاماً، فما في مكة من يطعمه لأنه غريب. غريب من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد فأخذ يشرب من ماء زمزم، قال عن نفسه: شربت ماء زمزم، فأغناني الله به عن الطعام، فما جعت أبداً، حتى تكسرت عُكَنُ بطني من السمن، وهذه الخاصية ليست إلا لزمزم، ولا تكون لماء آخر في الأرض. وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال ثم نزل ﵁ فوفق بـ أبي الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صاحب الكلمة النفاذة والحسام الماضي في رقاب المعاندين، فعرف علي أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه، وهكذا في اليوم الثاني والثالث، فقال له علي: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ فأخذ عليه عهداً أن يرشده إلى ما يريد، فقال: إني سمعت عن رجل هنا يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، فقال علي: فإنه حق، وإنه رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل معي، وهذا كما قيل: إن في المعاريض مندوحة عن الكذب. وانطلق أبو ذر في أول لقاء حار ومناظرة ساخنة بين التلميذ وشيخه، وبين الطالب ومعلمه، يقول له في أول اللقاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأطلقها أبو ذر قوية مؤثرة: السلام عليك ورحمته وبركاته، فكان أول من حيا رسول الله بتحية الإسلام، فرد عليه ﷺ وجلس أبو ذر. واسمع إلى الحوار الهادئ وإلى التوجه الرباني، وإلى هداية الله، يهتدي هذا من قبيلة غفار البدوية البائسة، وأهل البلد الحرام لا يهتدون، أبو طالب وأبو لهب وأبو جهل ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]. فقال: يا رسول الله! ماذا أرسلك الله به؟ فقرأ عليه شيئاً من القرآن، وتكلم بشيء من الدعوة فأسلم، فقال له ﷺ : من أين أنت؟ قال: أنا أبو ذر الغفاري من غفار، فتبسم ﵊، غفار تأتي لتسلم، وتأبى قريش أن تسلم! وهم أهل زمزم والحطيم والصفا والمروة، إنها هداية وولاية الله! قال: فعد إلى أهلك، فإذا سمعت بخروجي وانتصاري فتعال، ولكنه رفض أن يهدأ، بل قام على الصفا، فأعلن إسلامه فضرب حتى أصبح لابطاً في الأرض، وهكذا العظماء يضربون ويقتلون ويجرحون ويسجنون ويجلدون، فقام العباس وقال: اتركوه فإنه من غفار. ثم عاد فأرسل دعوته في غفار، وأسلم معه سبعون من بيوت غفار، ودخل المدينة بجيش من المسلمين، ثم واصل المسيرة مع رسول الله ﷺ ، وفي تبوك تخلفت به ناقته وهو في الصحراء وفي الرمضاء، يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعاً في حرارة الصيف وفي وهج الشمس، فيقول ﵊ لما رآه في حديث في سنده نظر: ﴿رحمك الله أبا ذر، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك﴾. وعاد إلى المدينة فقال له ﷺ : ﴿يا أبا ذر! إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة﴾ وهذا الحديث سنده حسن أورده الذهبي في السير وغيره، والمقصود بـ سلع جبل في المدينة، ومعنى الحديث: إذا بلغ العمران جبل سلع وامتدت المدينة، فاخرج بإيمانك وعبادتك وزهدك. كأنه شفاف، لا يستطيع أن يعيش مع الصخب، وبعض النفوس كالجوهر اللماع أي شيء يؤثر فيه، أو كالثوب الأبيض يتأثر من أي شيء لنصاعته وطهره، فلما بلغ البناء سلعاً أخذ غنمه وخيمته وعصاه، وخرج إلى الربذة على مسافة ثلاثة أميال من المدينة. لا طفوني هددتهم هددوني بالمنايا لا طفت حتى أحسَّا أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبت في الحق نفسا أطرد الموت مقدماً فيولي والمنايا أجتاحها وهي نعسى أنا عاهدت صاحبي وخليلي وتلقنت من أماليه درسا توفي في الربذة، ولفظ أنفاسه على زهد وعبادة وإخلاص، ويكفيه شرفاً أنه حفظ هذا الحديث الذي يصل إلى القلوب مباشرة.

стр. 10250

تعريف العبادة وفي الحديث قضايا: أولها: سند الحديث صحيح من طريق مسلم، ومسلم يشترط المعاصرة وإمكان اللقيا، ولا يشترط أن تحدث اللقيا بين الشيخين، لذلك هو يستهل صحيحه بهجوم صاعق على الذين يخالفونه في هذه القاعدة، ويلومهم على المخالفة، وقال: من يشترط هذا؟! وعمل الناس في الحديث على غيره! ثانيها: في غير الصحيح وردت زيادات توقف في صحتها بعض الحفاظ ومجالها بحث آخر. يقول : يا عبادي! وأشرف لفظ تسمى به أن تكون عبداً لله. لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي والعبودية لفظ مجمل يحتاج أهل السنة والجماعة إلى تفصيله للناس. قيل في تعريف العبادة: هي أداء المأمور واجتناب المحظور. وقيل في العبادة -وهذا تعريف طلق بن حبيب - هي: أن تعبد الله، على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تجتنب معاصي الله، على نور من الله، تخاف عذاب الله. وقيل في العبادة: هي أن تكون على الصراط المستقيم الذي ذكره بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. وقيل في العبادة: هي أن تتولى ولاية الله وتتقمصها، فتكون من الذين قال الله فيهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]. وقيل: العبادة هي أن تؤدي المفروض، وتجتنب المحظور، وأن تتقرب بالمستحبات، وتنتهي عن المكروهات. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن في هذا التعريف الأخير نظراً، وذلك عندما شرح حديث الولي في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه يرفعه إلى الرسول ﵊، يقول الله ﵎: ﴿من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلىَّ عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل﴾ الحديث. فـ ابن تيمية يرى أن الحديث قسَّم الناس إلى قسمين: سابق بالخيرات، ومقتصد، وهذا لا يعفينا من التقسيم التفصيلي، لا النقلي التجريبي الذي نقله بعض الفقهاء ثم سكتوا عنه. إذاً: فالعبادة على درجتين، لكن من يقول لكم: إنها على ثلاث درجات، فقد صدق لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]. إذاً: أقسام العباد في هذه الآية ثلاثة أقسام: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]. وعند ابن القيم وابن تيمية أن الثلاثة يدخلون الجنة، بيض الله وجهي الشيخين فقد أدخلونا ونحن ظلمة لأنفسنا في الثلاثة، ولو كان على الصنفين وهو رأي الجمهور، لما دخل الظلمة في قوله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد:٢٣]. إذاً: فالظالم من ترك بعض المأمورات، وارتكب بعض المحظورات. والمقتصد: من فعل الفرائض واجتنب الكبائر. والسابق بالخيرات: من أتى بالفرائض والنوافل واجتنب المحرمات والمكروهات. قوله: ﴿يا عبادي﴾ العبودية عرفها أهل الإسلام كما أسلفت، ولكن لبعض الناس من أرباب القلوب والسلوك تعريف، ولكنه كالزهرة يشم ولا يُعَك، وبعض هذا التعريف نرفضه ولا نقبله، لأنه جاء من غلاة الصوفية كقول الصوفي الغالي: العبادة هي ألا تطلب عليها ثواباً. كيف والله يقول في عباده: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]؟! وكيف والله قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠]؟! كيف لا يفرحون؟! فهذا التعريف يعارض فرح المؤمنين بجزاء الله، والصوفي الآخر الغالي يقرأ قوله في سورة آل عمران والله يتحدث عن أهل أحد ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] فصفق بين يديه وقال: سبحان الله! وأين الذين يريدون وجه الله؟! الله يقول: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢] أي: الغنائم، ومنكم الأبرار الأخيار الذين يريدون الآخرة: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] لكن هذا جعل الصنفين كليهما باطلاً ومتبراً عملهم وهذا قول. وهناك تعريف آخر يعرفه سحنون المغربي المالكي يقول: العبادة هي الرضا بالمصائب، ولكنه ليس بواجب، بل الرضا مستحب والصبر واجب. وسمنون العابد يرى أن العبادة: هي أن تتقبل البلاء وأن تنجح في الاختبار، حتى كان يقول كما في صفة الصفوة: اللهم أجر بلاءك علي بما شئت، ويقول: إني أنا عبدك المذلل فحيثما شئت فامتحني قالوا: فابتلاه الله بحصر البول، فكان يمر على الأطفال ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب، والله يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]. قال الفضيل بن عياض: اللهم لا تبلنا فتفضحنا، الستر الستر والعفاف العفاف. كأن رقيباً منك يرعى مسامعي وآخر يرعى مسمعي وجناني فما خطرت من فيَّ بعدك خطرة على القلب إلا عرجا بعناني ﴿يا عبادي﴾ هذه أشرف لفظة، والنبي ﷺ بلغ أعلى مقامات العبودية، أما نحن فمنا مقتصد وسابق وظالم لنفسه، والناس درجات، بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض، والدرجات عددها لا يعلمها إلا الله، ولكن منزلة الوسيلة ليست إلا مقعداً واحداً، هو محجوز للرسول ﵊، وهو أعلى درجات الهداية والعبودية التي ارتقى إليها ﷺ . وهل يسمى الكافر عبداً؟ نعم. يسمى عبداً في الإطلاق الخلقي الأمري الكوني، وأما الإطلاق الديني الشرعي فلا يسمى عبداً، لأنه عبد بالقهر والقوة، وليس عبداً بالانقياد والطاعة كما قال تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فأتى المؤمن طائعاً فكان عبداً، وأتى الكافر كارهاً فكان عبداً، فعبودية الكافر كونية خلقية، وعبودية المسلم أمرية دينية شرعية، فكونوا ممن انقادوا إلى (لا إله إلا الله) وقبلوا دعوة الله.

стр. 10251

تعريف الظلم وأقسامه ﷺ فيما يرويه عن ربه: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا﴾. أولاً: في هذه الكلمة ثلاث قضايا: القضية الأولى: من الذي حرم الظلم على الله؟ وهل تقع الأحكام على الله؟ وهل يجب عليه شيء ويحرم عليه شيء ويجوز له شيء، ويستحب في حقه شيء؟ القضية الثانية: ما هو الظلم؟ وما هو حده، وتعريفه؟ القضية الثالثة: ما هي أنواع الظلم؟ أما قوله : ﴿إني حرمت الظلم على نفسي﴾ فهذا التحريم عند المحققين من أهل السنة والجماعة هو تحريم أورده الله على نفسه ولم يورده أحد من الناس جل الله عن ذلك وتعالى الله علواً كبيراً، فالله له أن يوجب على نفسه شيئاً وأن يحرم شيئاً، وأن يحبب شيئاً وأن يكره شيئاً، ولذلك يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿أتدري يا معاذ! ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟﴾ قال ابن تيمية: هذا حق أوجبه الله على نفسه ولم يوجبه أحد من الناس، إذاً فهو الذي حرم الظلم على نفسه، ولم يحرمه أحد من الناس، جل الله أن يحرم عليه أحد من خلقه أو يشرع بين يديه أو يتفتى في أوامره وشرائعه وفرائضه وسننه. أما الأمر الثاني: بالنسبة لتعريف الظلم وحده: الظلم عند أهل اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، وعند أهل الأصول: هو عبادة غير الله ﵎، أهل الأصول أعني بهم أهل الإسلام من أهل السنة والجماعة، قال على لسان لقمان لابنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٢ - ١٣] فالشرك ظلم، والظلم عند أهل الأصول هو عبادة غير الله أو الشرك مع الله أو الإشراك مع الله إلهاً آخر، قال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: ﴿لما نزل قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه! قال ﵊: إنه ليس الذي تريدون، أما سمعتم قوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]﴾ فالحمد لله، فما دام أن الظلم في الآية هو الشرك، فيتخلف كثير من الناس من مغبة هذا الظلم لأن المشركين في أهل السنة والجماعة قليل إن شاء الله. أما الأمر الثالث: وهو أقسام الظلم فهو على أقسام متعددة: الأول: ظلم العبد لربه. الثاني: ظلم العبد لنفسه. الثالث: ظلم العبد لإخوانه. أما الظلم الذي هو ظلم في جانب المولى ﵎ فهو أن تعبد غير الله، ولقد سئل ﷺ عن أعظم الذنوب، وهذا في الصحيحين عن ابن مسعود قال: [[أن تجعل لله نداً وهو خلقك-أو وقد خلقك-]]. وظلم العبد لنفسه: ويدخل في ذلك الشرك والمعاصي؛ كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها، كل معصية فهي ظلم بحسبها على العبد. وأما ظلم العبد لإخوانه فهو أن يأخذ من حقوقهم أو أعراضهم أو أموالهم أو دمائهم، ولذلك ذكره لأنه أكثر ما يقع الناس فيه، وهو مستساغ لدى النفوس والقلوب. ثم قال: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً﴾ في أي كلام حرم الله الظلم؟ في قوله : ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:١٠٨]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] هذه الآيات ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠] هذه الآيات وأمثالها معناها أن الله كتب على نفسه ألا يظلم أحداً. وورد في القرآن: الهضم والظلم، فما هو الهضم؟ وما هو الظلم؟ الظلم: هو أن يؤتى بسيئات غيرك فتوضع عليك، والهظم: هو أن يقلل من حسناتك وتذهب حسناتك شذر مذر، فالله لا يظلم ولا يهضم، لا يسلب من حسناتك ولا يعطيك من سيئات غيرك ﴿فلا تظالموا﴾ و ﴿الظلم ظلمات يوم القيامة﴾ كما في الحديث الصحيح والظلم قطيعة بين العبد وربه، والظلم أول ما عصي الله به في الأرض، فقد ظلم قابيل هابيل ابني آدم، فوقع الظلم في الدنيا، وقد ذكر أهل العلم قصصاً من الظلم، والظلم -أيها الإخوان- ينافي العدل والسلام والخير، كما أنه نهى عنه ﷺ كلما أرسل رسولاً من أصحابه. جاء في الصحيحين من رواية ابن عباس لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: ﴿وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب﴾ وفي السنن في الحديث الحسن قال ﷺ : ﴿ثلاثة لا ترد دعوتهم: -ومنهم- والمظلوم يرفع الله دعوته فوق الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين﴾. سجن هارون الرشيد أبا العتاهية الشاعر وكان مظلوماً فأرسل له رقعة يقول فيها: إلى الديان يوم العرض نمضي وعند الله تجتمع الخصوم فأخرجه وبكى هارون الرشيد من هذه الرقعة. والظلم -كما قلت لكم- وضع الأمور في غير مواضعها، أتى ابن هاني الشاعر الفاجر الأندلسي فقال لأحد السلاطين: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار سبحان الله! فابتلاه الله بمرض -فعقوبة الظالم تقع في الدنيا- حتى كان يتململ ويعوي وينبح كالكلب على فراشه وأخذ يبكي ويخاطب رب العزة ويقول: أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق وهذا جزاء من ظلم عباد الله. ذكر ابن كثير والذهبي في السير أن أحد السلاطين قدم عليه عالم من العلماء، فتقدم هذا العالم فقال كلمة الحق عند هذا السلطان، وقد صح بذلك الحديث: ﴿أفضل الحهاد كلمة حق عند سلطان جائر﴾ والرسول ﵊ يقول: ﴿سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان ظالم فقال كلمة حق فقتله﴾ فقام هذا العالم أمام هذا السلطان، فتكلم أمامه، فغضب السلطان فضربه على وجهه كفاً حتى أجلسه، فقال العالم: قطع الله يدك، فما مضى عليه شهر إلا وأخذ وعزر وقطعت يده وعلقت بباب الطاق في مدخل بغداد. وذكر الذهبي وابن كثير في ترجمة ابن الزيات الوزير العباسي الذي شارك في الحلف الابتداعي ضد إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل صاحب التوجيه والتربية والهدى المستقيم، فكان ابن الزيات يستهزئ بتعاليم أهل السنة وشارك في سجن الإمام أحمد، فكان الإمام يدعو في الثلث الأخير من الليل ويرفع يده إلى الحي القيوم على ابن الزيات يقول: اللهم احبسه في جسمه، قال الذهبي: فأصيب ابن الزيات في جسمه فشلَّ جسمه وأدخله الواثق في فرن وعذبه فأخذ يزوره علماء أهل السنة بعد موت الإمام أحمد، قالوا: والله ما زرناك عواداً ولكن أتيناك شامتين، أتينا نشمت بك، يا أيها المبتدع الضال، يا رأس العمالة والضلالة، لقد أصابتك دعوة إمام أهل السنة والجماعة. وأما أحمد بن أبي دؤاد القاضي المبتدع، الذي يقول عنه الذهبي: أحمدنا: أحمد بن حنبل وأحمد أهل البدعة: أحمد بن أبي دؤاد القاضي والوزير الكبير، فدعا عليه الإمام أحمد أن يعطيه الله أول جزاءه في الدنيا، فشل نصفه والنصف الآخر بقي مرتعشاً يقول: والله لو قرض نصفي بالمقاريض ما أحسست، ولو وقع الذباب على النصف الآخر لكأن القيامة قامت عليّ. إن الظلم شأنه عظيم يوم يظلم الظالم فلا يجد له ناصراً ولا ولياً من دون الله، والظلمة على مر التاريخ كثيرون، ومن أعظم من ظلم أهل المبادئ والأسس وأهل الأهداف والدعوات، وعلى رأس القائمة سعيد بن المسيب، طالب منه بنو أمية أن يبايعهم ليكون الملك وراثياً فرفض وقام في وجه هذا، وأنكر البدع المضللات في المدينة، فجلد مائة جلدة، على ماذا؟ وحمل على جمل وطيف به في المدينة عجيب!! أسعيد بن المسيب سعيد الزهد والحديث والعبادة يحمل على جمل؟! أفجر أم سرق أم شرب الخمر؟! أسكر وانتهك المحرمات؟! لا والله. حمل على جمل وطيف به في المدينة. علو في الحياة وفي الممات بحقٍ أنت إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات كأنك واقف فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة فبقي اسمه مسجلاً في سجل الخالدين وورثة الأنبياء والرسل. ومن الظلم الذي تعرض له أرباب الدعوات الأصيلة والأهداف الجليلة: سعيد بن جبير ما أخذ مالاً ولا سفك دماً ولا اعتدى على فرج حرام، ولا انتهك المحرمات، لكنه يريد أن تبقى لا إله إلا الله محمد رسول الله عالية فوق الرءوس، استدعاه الحجاج، واسمعوا للمناظرة الحارة بين هذا العالم والفاجر السفاك الحجاج. يقول الذهبي في ترجمة الحجاج: نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الدين، يقول في السير: له حسنات لكن انغمرت حسناته في بحار سيئاته. وذكر في تحفة الأحوذي للمباركفوري المناظرة الحارة بين هذا العالم وهذا السفاك، فقال: دخل سعيد بن جبير على الحجاج فقال له: ما اسمك؟ سبحان الله! لا تعرف اسم سعيد بن جبير الذي تلألأ به البخاري ومسلم، والترمذي وأبو داود والمسند؟! لا تعرف اسماء الخالدين الذين سجلت أسماؤهم في صفحات من نور في الصدور؟! من تلظي لموعه كان يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى قال: ما اسمك؟ قال: اسمي سعيد بن جبير. قال: بل أنت شقي بن كسير. قال: هكذا سمتني أمي. قال: شقيت أنت وشقيت أمك. قال: الشقي من شقي في بطن أمه. قال الحجاج: والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى. قال سعيد: لو كان ذلك عندك لاتخذتك إلهاً من دون الله. قال الحجاج: علي بالعود، فأتي بعود وجارية فضرب العود والناي في مجالس اللاهين اللاغين الذين لا يعرفون القرآن ولا يعرفون حدثنا، ولا يعرفون الكلام الذي يرسخ في القلوب ويغرس في النفوس، غنت الجارية واندفعت تغني والعود يضرب فبكى سعيد قال الحجاج: أهو الطرب؟ قال: لا والله. ليس بالطرب، لكن جارية سخرت في غير ما خلقت له، سبحان الله! الجارية خلقت لتعبد الله فسخرت للغناء، وعود قطع من شجرة في غير ما خلق له. قال الحجاج: عليّ بالذهب والفضة، فأتي بالذهب والفضة فنثر بين يدي سعيد، أسعيد بن جبير يريد ذهباً وفضة؟ أيريد دراهم ودنانير؟ لا. إنه يريد رضا الله وجنة عرضها السموات والأرض، فنثر الذهب والفضة، وقال: خذ من هذا. قال سعيد: يا حجاج! إن كنت أخذت هذا لتتقي به من غضب الله ومن نار أعدها الله لأعدائه، فقد والله أحسنت، وإن كنت أخذته للدنيا فهو متاع قليل، عما قليل يفارقك وتفارقه. قال الحجاج: يا سعيد! اختر أي قتلة تريد، فوالله لأقتلنك قتلة ما قتلها أحد من الناس. قال سعيد: -وهو يتبسم- يا حجاج! اختر لنفسك أي قتلة تريد أن تقتلني، فوالله الذي لا إله إلا هو لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها يوم القيامة. قال الحجاج: خذوه إلى غير القبلة. قال سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]. قال: أنزلوه إلى الأرض. قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه:٥٥]. قال: اذبحوه. قال: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي. سمع أهل الإسلام بمقتل سعيد بن جبير فاهتزت الدنيا، وقامت المساجد تصلي عليه، مولى من الموالي لكنه صاحب علم وزهد وعبادة وتوهج وتربية، وقيام ليل وإخلاص، فلما قتل قام الحسن البصري أو غيره فاستقبل القبلة، وقال: يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج، فأخذ الحجاج بعد مقتل سعيد بن جبير شهراً يخور كما يخور الثور، يقول: والله ما مرت عليّ ليلة من الليالي إلا كأني أسبح في دمه، والله ما مر عليّ ليلة إلا كأن القيامة قامت، وقد رأيت عرش الله بارزاً للناس، وقد قتلني بكل إنسان مسلم قتلته مرة إلا سعيد بن جبير فقد أوقفني الله على الصراط فقتلني به سبعين مرة. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٧]. الظلم ظلمات يوم القيامة، وقد حدث الظلم في تاريخ الإنسان، قال ابن تيمية: إن الله ينصر من يعدل ولو كان كافراً، وإن الله يخذل من يظلم ولو كان مؤمناً، والظلم ظلمات بعضها فوق بعض، يقول المتنبي ولكن لا نوافقه: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم فيقول: من الناس ظلمة، لكنه يحبن عن الظلم لأنه لا يستطيع الظلم، لكننا نقول له: ويحك! أتعارض النصوص يا متنبي بقصائدك؟! وقد علمنا أن في الناس عدول ونفوسهم مجبولة على العدل، وقد جاء في حديث يقبل سنده التحسين: ﴿والمقسطون على يمين الرحمن ﵎ الذين يعدلون في أهليهم، وما ولوا﴾ أو كما قال ﵊، والعدل على ثلاثة أقسام: الأول: عدل في الاعتقاد. الثاني: عدل في القول. الثالث: عدل في العمل. فأما عدل الاعتقاد فهو أن تعتقد أن لا إله إلا الله، وتؤمن بما أتى به رسول الله ﷺ . والعدل في الأفعال أن تكون أفعالك مطابقة لأفعاله ﷺ . والعدل في الأقوال أن تكون صادقاً ناصحاً مخلصاً، هذا هو العدل. ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا﴾ والظلم كما أُسلف وقع كثيراً في تاريخ الإنسان، ولكنه يحتاج إلى تبسيط في دروس ليبين أنواعه وأقسامه، حتى يحذر منه.

стр. 10252

الهداية أقسامها وطرقها قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: ﴿يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم﴾. الضلال وارد على الناس، ولكن الله هدى الإنسان، فما هي الهداية وأقسامها؟ الهداية على قسمين: الأولى: هداية كونية: وهي التي هدى الله بها الناس إلى الفطرة. والثانية: الهداية التي في القرآن. وهي على قسمين: أولاً: هداية التوفيق: وهي من الله، يقول : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. ثانياً: هداية الدلالة: وهي هدايته ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فهذه الهداية خاصة به ﷺ يدل الناس عليها. ما أحوجنا إلى الهداية! لأن الإنسان ظالم فاجر ضال، لا يهتدي إلا أن يهديه الله ، وهداية الفطرة لا تكفي عند أهل السنة والجماعة؛ فقد جاء في حديث عياض بن حمار في مسلم مرفوعاً إلى النبي ﷺ أن الله يقول: ﴿خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين﴾ فمعنى حنفاء أي: على الفطرة، وهذا يؤيده الحديث الصحيح: ﴿ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه ينصرانه أو يهودانه أو يمجسانه﴾ لكن الفطرة وحدها لا تقوم بالهداية، فيحتاج العبد إلى أمر تفصيلي في الهداية. وما هي طرق الهداية؟ الهداية لها طريقان اثنان: اسمع يا من يريد الهداية! اسمع يا من يريد طرق باب الهداية! يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه الأولى: هداية القرآن: وهي هداية تفصيلية ومجملة. الثانية: هداية الرسول ﵊: وهي السنة. فمن لم يهتد بالقرآن ولا بالسنة فلا هداه الله! حفظ عن ابن تيمية أنه قال: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﵊، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً وعدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم. والهداية لها طرق: الأول: من أعظم طرق الهداية: الدعاء والتبتل، خاصة الدعاء في السحر، في الليل وأنت تصلي ركعتين في جنح الظلام. قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسمار ويوم تركنا ركعتي السحر خمد الإيمان في قلوبنا، ويوم تركنا ركعتي السحر قل النشاط، ويوم تركنا ركعتي السحر قل الإخلاص إلا عند من رحم الله. كان طاوس بن كيسان وهو أحد رجال الصحيحين، الزاهد العابد الشهير والعالم النحرير الكبير يدور على أصحابه في السحر فطرق على أخ له، فخرج أخوه وهو نائم، قال طاوس: أتنام في هذه الساعة؟ قال: نعم. قال: والله ما ظننت أن أحداً ينام في هذه الساعة. لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه يظن طاوس أن الناس لا ينامون في وقت السحر، وفي الصحيحين: ﴿ينزل الله في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا -لكن نزولاً يليق بجلاله، لا نكيفه ولا نمثله ولا نعطله- فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من تائب فأتوب عليه؟!﴾ أو كما قال ﷺ . لطيفة واستطراد مع طاوس بن كيسان، وهذه تنبئنا عن مسألة الظلم والعدل ومسألة التعلق بنصرة الواحد الأحد. فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان يا حافظ الآمال أنت حميتني ورعيتني وعدا الظلوم عليّ كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني قال طاوس بن كيسان -وهذه القصة في البداية والنهاية لـ ابن كثير: دخلت الحرم، فصليت ركعتين عند المقام، قال: فدخل الحجاج بن يوسف الثقفي بحرسه، فوضعوا السلاح حراباً وسيوفاً ورماحاً، قال: فسمعت الجلبة فلما سلمت عرفت أنه الحجاج، فما تزحزحت من مكاني، طاوس بن كيسان مولى لكن قلبه مغذى بالتوحيد والإيمان. قال: فأتى بدوي من أهل اليمن وهو لا يعرف أن الحجاج جالس وأن حرس الحجاج جلوس، ولا أن الحراب والسيوف جاهزة، فأتى يطوف فدخل من عند الحجاج فاشتبك ثوبه بحربة عند الحجاج فوقعت الحربة على الحجاج، فأمسك الحجاج بن يوسف بثوبه والحجاج هو الحجاج! كما قال أحد الناس حين سئل من هم أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين لا تعريف لهم إلا أهل السنة، فـ الحجاج هو الحجاج، والجبل هو الجبل. يقول الحسن البصري: أما الحجاج الثقفي فإنه يقرأ القرآن على لخم وجذام، ويلبس لباس الفساق، ويعظ وعظ المتقين، ويبطش بطش الجبارين. فقال الحجاج لهذا البدوي: من أين أنت؟ قال: من اليمن. قال: كيف تركتم واليكم على اليمن؟ يقصد أخاه محمد بن يوسف، وكان ظالماً مثله. قال: تركته بطيناً سميناً، إن قال: تركته متقياً مصلياً الليل فقد كذب، وإن قال: تركته قارئاً للقرآن أو معلماً للسنة فقد كذب، قال: تركته بطيناً سميناً، يعني: يأكل ويسمن ويتبجح في أموال الله. قال الحجاج: لست أسألك عن صحته، إنما أسألك عن سيرته. قال: تركته غشوماً ظلوماً. قال الحجاج: أما تعرف أنه أخي، وأنا الحجاج؟ قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟! قال طاوس: فوالله ما بقيت في رأسي شعرة إلا قامت. هذه الكلمة لا تقوم شعر الرأس فحسب، بل هي ألغام متفجرة، لكن على من يعيها. فهذه الكلمة درس ومحاضرة في التوحيد، تتفجر فتنسف كل ملحد وزنديق على وجه الأرض. قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟! أنت تمرض وتموت كما يموت الحمار، فأنا أتعلق بالذي لا يموت، ولا يفتقر ولا يهرم، ولا يعدم . اسمع التخلية في القرآن: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] قال ابن عبد الهادي في الكواكب الدرية: ذهب ابن تيمية في الإسكندرية، فلما نزل في الشارع اجتمع أهل مصر من المبتدعة وغلاة الصوفية يريدون قتله، فقال له أحد تلاميذه: يـ ابن تيمية رويداً رويداً! هؤلاء يريدون قتلك، فتبسم ابن تيمية قال: يريدون قتلي؟ قال: نعم. قال: والله ما هم إلا كالذباب، ثم نفخ في كفه. وحتى لو قتلوه فإنها لن تقوم الحرب العالمية الثالثة، هو يريد أن يموت في سبيل الله، ويطلب أن يموت لذات الله، ويقصد رفعة كلمة لا إله إلا الله، وما الدم والمال والجسم والعظام والعصب إلا هباء إن لم يحي على (لا إله إلا الله). ﴿يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم﴾ كيف نستهدي الله؟ نستهديه بالدعاء كما أسلفت، برفع الأكف إلى الله؛ فإنه لا يهدي إلا الله. الأمر الثاني: بصدق التوجه، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ويقول جل علاه: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] ومن طلب الهداية هداه الله، ومن طلب الزيغ أزاغ الله قلبه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] تقول للمبتدع: مالك ابتدعت؟! قال: كتب الله وقدر أن أبتدع، سبحان الله! أجبري في المعصية قدري في الطاعة؟! حاور ابن تيمية بعض الصوفية الغلاة، ومر بأحدهم وهو يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم، وفي القرآن: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٢٦] فقال: لا عقل ولا نقل. فهذا جاهل مركب. ولو أنه جهل بسيط عذرته ولكنه يدلي بجهل مركب والجاهل المركب هو الذي لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض، وهو أحد أذكياء الدنيا، عقلية متوقدة، بقي من ذكائه يمشي ويفكر حتى اصطدم رأسه في سارية المسجد، فصدمها فمات، يقول الخليل بن أحمد الناس أربعة أقسام: الأول: رجل يدري، ولا يدري أنه يدري؛ فذاك عالم غافل فنبهوه، أي قل له: إنك تعلم، فاخرج إلى الناس لتعلمهم. والثاني: رجل يدري، ويدري أنه يدري، فذاك عالم فاسألوه. والثالث: ورجل لا يدري، ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه. الرابع: رجل لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فهذا أحمق فاتركوه، وهذا جاهل مركب. فهم أربعة أقسام.

стр. 10253

الرازق هو الله قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: ﴿يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم﴾ الله خلقنا، وما كان في خلقه لنا نفعاً له ، ولا دفعاً للمضرة عنه، فهو النافع الضار ﵎، هو الذي يطعم ولا يطعم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم:٤٠] هو الذي يخلق ، ويحيي ويميت، وهذه هي علامات الربوبية، وفيها أقصى دلائل لتوحيد الألوهية، لأن بعض الناس يجعل توحيد الربوبية توحيد الألوهية، حتى يتفق هو وفرعون؛ لأن فرعون ما أنكر الصانع في نفسه، بل أنكره في الظاهر فقط، ولهذا قال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢]. يقول موسى لفرعون: والله إنك تعلم أنه ما خلق الخلق إلا الله، وما رفع السماء ولا بسط الأرض إلا الله، لكنك مكابر، ويخطئ من يجعل توحيد الربوبية مكان توحيد الألوهية، ولذلك نقم ابن تيمية على من عرف توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية. أبو جهل يعرف أن الذي خلق الشجرة هو الله، والذي خلق السماء هو الله، والذي خلق الأرض هو الله، لكن يجعل مع الله إلهاً آخر، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]. قال ﵊ لـ حصين بن عبيد: كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال ﷺ : من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك الذي في الأرض واعبد الذي في السماء. ثم يقول: ﴿يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم﴾ ولذلك يخطئ بعض الناس إذا ظن أن الناس هم الذين يرزقون وليس الله، قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧]. سئل ابن تيمية شيخ الإسلام في المجلد العاشر من فتاويه سأله أبو القاسم المغربي قال: دلني على أعظم وصية توصيني بها، وعلى أعظم كتاب بعد القرآن، وعلى أحسن عمل بعد الفرائض، وعلى باب للمهنة والرزق كي أمتهنه -والشاهد باب الرزق- قال ابن تيمية: أما الرزق فأعظم ما يحصِّل الرزق الثقة بالله والتوكل عليه، وطلب الرزق منه، فإنه لا يرزق إلا الله، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله. ولذلك دخل أحمد بن نصر الخزاعي على الواثق في فتنة القول بخلق القرآن، وأحمد بن نصر الخزاعي شيخ البخاري في كثير من الحديث، وله مخطوطة في علم الحديث اسمها الاعتصام بالكتاب والسنة، وقد قام بالتنظير العقلي لـ أهل السنة والجماعة، وبجمع الصف ليدكدك دولة الابتداع والباطل، فظفر به الواثق، فأدخله عليه وهو الشهيد العالم، فقال له الواثق: والله لأقطعن رزقك -يعني: راتبك- قال: والله ما رأسي إلا كهذه، ثم قطع زر ثوبه، وأسقطه على رأس الواثق، فقال الواثق: خذوه، فأخذوه فصرعوه وذبحوه؛ ولذلك رفعه الله كما رفع الإمام أحمد. وبعض الناس يتوهم أن باب الرزق قد يغلق عليه، ولم يعلم أن الرزق من عند الواحد الأحد، ولا يثبت إيماننا وتوحيدنا حتى نعتقد بهذه الأمور. ذكر ابن رجب الحنبلي صاحب طبقات الحنابلة عن أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، صاحب كتاب الفنون الذي هو ثمانمائة مجلد، وكتاب الفنون، كان يكتبه في وقت الفراغ لا في وقت الجد، إذا كان في وقت الفراغ، كتب خواطره وبنات أفكاره في هذا الكتاب، فخرجت ثمانمائة مجلد. فذكر ابن رجب أن ابن عقيل ذهب إلى مكة، وكان من الصالحين الكبار الذين يعلمون أن الرزق من عند الله ﵎، قال ابن عقيل: فانقطعت نفقتي وما وجدت شيئاً آكله قال: فطفت، فلما انتهيت من الطواف والسعي رجعت ألتمس أكلاً فما وجدت شيئاً، فذهبت إلى ضواحي مكة، فبينما أنا أبحث في التراب، إذا عقد من جوهر كل جوهرة تساوي مئات الألوف من الدنانير -عقد من جوهر- قال: فأخذته وفرحت به فذهبت، فلما أصبحت في الحرم، إذا منادٍ ينادي: من وجد العقد فليأت به، قال: الله المستعان! فذهب به، فقال لصاحبه: ما علامته؟ قال: كذا وكذا كما في الحديث ﴿اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة﴾ قال: فوجد الوصف نفسه، فأخذ هذا العقد بجواهره، فو الله ما أعطاني منه درهماً، وبعض الناس لئيم. قال: فذهب به فلما انتهيت من حجي ذهبت فركبت البحر، فانكسر بي القارب -بعض الابتلاءات تتوالى على المؤمن- قال: فركبت خشبة، فأخذت بي الريح تلعب بي يمنة ويسرة مدة، فازداد الجوع جوعاً والظمأ ظمأً والخوف خوفاً، لكن ذلك تمحيص. قال: ثم ألقتني الخشبة إلى جزيرة من الجزر في البحر، فدخلت الجزيرة، فوجدت فيها قرية، فدخلت مسجد القرية، فتناولت مصحفاً، فأتى أهل القرية، فقالوا: أتقرأ؟ قلت: نعم، قالوا: علمنا القرآن ونعطيك أجراً، قلت: نعم. أعلمكم القرآن، قال: فأخذت ورقة فكتبت، قالوا: وتكتب؟ قال: أكتب، قالوا: علم أبناءنا الكتابة بأجر، قلت: نعم. أعلم أبناءكم الكتابة بأجر. فلما مضى ردح من الزمن، قالوا: معنا ابنة يتيمة صالحة عابدة كان أبوها من الصالحين، نريد أن نزوجك إياها، فتزوجها، قال: فلما رأيتها رأيت العقد الذي وجدته في مكة في نحرها، قلت: ما هذا العقد؟ قالت: هذا عقد كان أبي اشتراه بماله كله، كل ما يملك في الحياة جعله في هذا العقد، قلت: ألهذا العقد قصة؟ قالت: قد ضاع مرة من المرات في مكة، فوجده رجل من الصالحين، فأعطاه أبي، فكان أبي بعد كل صلاة يقول: اللهم ارزق ابنتي رجلاً صالحاً كالذي رد عليّ العقد، قال: أنا صاحب العقد، وقد أجاب الله دعوة والدك. وقف أمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه ببغلته عند باب المسجد في الكوفة فقال لأحد الناس: أتمسك لي البغلة -أحد الناس من الطفيليين الذين لا هم له إلا قطع الشوارع عرضاً وطولاً- قال: أمسك لك البغلة، فأخذ البغلة، وقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يصلي ركعتين في المسجد، فأخذها فرصة سانحة، فأخذ خطام البغلة، سبحان الله! بعض الناس حقير النفس يرضى بالقليل، يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده﴾ وما هي البيضة؟ قال الأعمش: هي الخوذة التي يضعها المقاتل على رأسه، لكن قال الخطابي وغيره: يبدأ بسرقة البيضة فيتدرج حتى يسرق شيئاً له ثمن، فتقطع يده، لأن القطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم. فذهب الرجل إلى السوق فباعه بدرهم، فقال علي: الحقوا هذا الرجل تجدوه في السوق يبيع الخطام -لأنه معلوم عند العقلاء والأذكياء وأهل الفطن أن من يأخذ هذا يذهب إلى السوق- فلحقه رجل فوجده يبيع الخطام وقد باعه بدرهم، فاشتراه من ذاك بدرهم وأخذ الخطام، وقال: هذا خطام بغلة أمير المؤمنين، وأما أنت فخذ الدرهم حراماً، فرجع إلى علي فأعطاه فقال: بكم باعه؟ قال: باعه بدرهم، قال: سبحان الله! والله الذي لا إله إلا هو لقد أردت في نفسي أن أعطيه درهماً بدل إمساكه البغلة، لكن أبى بعض الناس إلا أن يأخذ رزقه من الحرام. ﴿كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم﴾ في السنن قال ﵊: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع﴾ وبعض الناس يتمنون الجوع. والغزالي له عجائب في كتاب الإحياء في باب الجوع، وهو أمر لم تأت به السنة، وأحدثه أهل الصوفية الغلاة، يقول أحدهم: أين أنتم مني؟ ما أكلت الرطب أربعين سنة! ومن قال لك: لا تأكل الرطب والبلح، والله قد أباحه؟! وقال الآخر: والله ما أكلت اللحم عشرين سنة! كيف تقول ذلك وقد أباحه الله لأوليائه؟! ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]. فهؤلاء يتمنون الجوع ويعيشون على الجوع، قال الذهبي في ترجمة صوفي كبير قال عنه: إنه ترك الأكل ثلاثة أيام بلياليها قال: فرأيت أشباحاً -يظن أنها ملائكة، قال: فرأيت أشباحاً روحانية، قال الذهبي: والله ما رأيت شيئاً، ولكن عقلك خاش وطاش وفاش، تركت الأكل حتى وسوس ضميرك وجن عقلك، فقلت: إنهم ملائكة، لماذا ينزلون عليك؟ هل أنت خاتم الأنبياء والرسل؟ لا والله، لكن عقلك خاش وطاش وفاش، ولذلك دخل الكثير في الابتداع من مذهب الزهد، فتجد الواحد لا يأكل ولا يشرب، ولا يستطيع أن يصلي واقفاً. قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: رأيت بعضهم يصلي جالساً، فقلت: مالك لا تصلي الفريضة واقفاً؟ قال: تنفلت واقفاً حتى تعبت، فصليت الفريضة جالساً، أي فقه هذا الفقه؟! وذكر الخطابي -وأعيدكم إلى هذه المسألة لأن فيها غرابة- في كتاب العزلة وبإمكانكم مراجعة ذلك، قال: رأينا بعض الناس من غلاة الصوفية ألصق على إحدى عينيه شيئاً، فقيل له: مالك؟ فقال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين! سبحان الله! الله خلق لك عينين، وأنت تجعل من الإسراف أن تنظر بعينين، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] فكيف تجعل هذا إسرافاً؟! إنه الجهل والتقليد والخرافة والتبعية. وإن الرسالة إذا لم تبن على العلم والفقه والإسلام والإيمان والطموح والعدل، فإنها لا تكون نافعة لأصحابها. ومن باب الفائدة أقول: ويجدر بنا أن نشير إلى أنواع الوحي: وهي القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي. القرآن: لفظه ومعناه من الله ﵎ وهو متواتر لفظاً ومعنى، معجز، متعبد بتلاوته. والحديث القدسي: معناه من الله ، ولفظه من الرسول ﷺ ، فيه متواتر وعزيز وغريب، ولا يتعبد بتلاوته، وليس معجزاً. والحديث النبوي من الرسول ﵊ لفظه ومعناه، فيه متواتر وعزيز وغريب ولا يتعبد بتلاوته وليس بمعجز، فهذه أقسام الوحي التي أتى بها رسول الهدى ﷺ .

стр. 10254

نعمة اللباس واستحباب التزين قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: ﴿يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم﴾ أجمل لباس في الحياة لباس التقوى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسيا وأجمل حلية يتحلى بها المؤمن لباس التقوى، وفي الحديث إشارة إلى اللباس الظاهر المعروف عند الناس، وهي الثياب، فلا يكسو إلا الله، وهي تدخل في الرزق، لكن هذا من الخاص بعد العام، فإن الذي يرزق هو الله ، ومن الرزق الطعام والشراب واللباس وغيرها، وفي حديث حسن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الله ﵎ يوم القيامة: يابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه؟! أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي؟! يابن آدم! مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي؟!﴾ ثم ذكر الحديث وهو حديث حسن ومن أهل العلم من صححه، وهذه الألفاظ تقال ولا تكيف، وهذا ليس مجال بسط. ويخطئ كثير من الناس حين يظن أن اللباس كل شيء، وأن التجمل في الهيئة كل شيء، والجمال جمال الباطن، والحلية حلية الأدب، وأجمل حلية يكساها الإنسان جمال الاعتقاد وجمال الأخلاق والصفات والسلوك، ثم أمرنا بالجمال في الظاهر، إن ديننا لا يعترف بالدروشة، إن الإسلام لا يعترف بالإزراء، وفي حديث حسن ﴿إن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه﴾ وعند الترمذي بسند تكلم فيه: ﴿إن الله نظيف يحب النظافة﴾ لكن ورد في مسلم ﴿إن الله جميل يحب الجمال﴾ وهو من حديث ابن مسعود. يقول الرجل: ﴿يا رسول الله! إنني أحب أن يكون ثوبي جميلاً، ونعلي جميلاً، أمن الكبر ذلك؟ قال ﵊: لا. الكبر بطر الحق وغمط الناس﴾ وغمط الناس أي: ازدراؤهم واحتقارهم، ثم قال: ﴿إن الله جميل يحب الجمال﴾. وفي حديث حسن يقول ﵊: ﴿فتزينوا حتى تكونوا كأنكم شامة في عيون الناس﴾ وفي السير أن ابن عباس ﵄ لبس حلة بألف دينار، ثم أتى إلى الخوارج في العراق فلما رأوه قالوا: أأنت ابن عم رسول الله؟ قال: نعم وماذا تنكرون؟! وقد كان رسول الله يلبس أجمل الحلل، ولقد رأيته يلبس ﷺ البردة الحبرة وهي ثياب تنسج في اليمن، وقال ابن القيم في صفة هديه ﷺ : كان لا يتكلف في الطعام وفي اللباس مفقوداً ولا يرد موجوداً. مرة يلبس من الغالي الحلال النفيس، ومرة يلبس من الرخيص، ومرة يلبس الدروع في المعركة. البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها يخرج مرة في جبة من شعر مُرَحَّل ﵊، ومرة في بردة كأنه النجم، أو كأن الثريا علقت بجبينه، فيتكلم على الحاضرين بجمال المظهر والمخبر إيحاءً ووقعاً في القلوب، ومرة يلبس الدرعين كما في أحد ويبارز فيهما، فهو رسول ميسر ﵊. فالتقيد باللباس الغالي دائماً سيما المترفين، والتقيد بالرخيص سيما المرائين المتبذلين، والمتوسطون هم أهل الرسالة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]. وفي سنن ابن ماجة بسند يوقف معه ويبحث فيه ﴿أن الرسول ﷺ لعن لباس الشهرة﴾ لكن ابن القيم سكت عن هذا الحديث في باب اللباس، والحديث فيه ضعف، والشهرة هي أن يلبس لباساً غالياً يوصله بالجبابرة، أو رخيصاً يوصله بالناس الذين يزرون بأنفسهم، فكأنه إذا لبس الغالي يقول للناس: أنا ابن فلان وابن فلان. أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني وإذا لبس المزري الرخيص كأنه يقول: أنا الزاهد العابد، أنا ثابت البناني، أنا قتادة بن دعامة السدوسي، وأنت لست بـ ثابت ولا قتادة، فأحسن ما يتستر به العبد الثياب الوسط، ليكون من عامة المسلمين؛ في لباس لا يكون محرماً ولا مزرياً ولا به ترف ولا فيه خشونة إلا لحاجة، ويسأل سائل منكم: ولماذا لبس عمر ﵁ وأرضاه برداً ممزقاً فيه أربعة عشر رقعة؟ ونقول له: ومن نحن مع عمر؟! لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد رحم الله تلك العظام، عمر يتواضع في لباسه من مركز قوة، ذهب الدنيا تحت يديه، ذهب وفضة الدنيا تحت يديه. يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه لكن العامي من الناس إذا تقمص هذه الشخصية كأنه يلفت الأنظار إلى زهده، والرسول ﵊ يقول: ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وعائل مستكبر، وأشيمط زانٍ﴾ أشيمط زانٍ يعني: شيخ كبير قرب من القبر، وابيضت لحيته، ومع ذلك يزني، أعمى ويناقر. وملك كذاب لأنه لا يحتاج إلى الكذب، ولا يضطره أحد إليه، فلماذا يكذب؟ وما هو الداعي للكذب؟ وعائل مستكبر: عائل ويتكبر، فقير لصق بالتراب ويتكبر على عباد الله! ولا يظن ظان أن التكبر معناه لبس الغالي! فإن من الناس من يلبس اللباس الرخيص، ولكن قلبه قلب جبار. دخل فرقد السبخي على الحسن البصري وعليه ثياب ممزقة وعلى الحسن البصري برد جميل غالٍ من برود الحبور التي تأتي من اليمن، فقال فرقد السبخي للحسن البصري: أتلبس هذا الغالي؟! قال: أنا إن شاء الله في هذا البرد أتواضع لربي أحسن منك في هذه الثياب الخلقة. ودخل فرقد على ابن سيرين، فرأى على فرقد ثياباًَ من صوف ممزقة فأشاح بوجهه وقال: لعلك تقرأ سيرة النصارى، والله لقد حدثني الثقات عن الثقات عن رسول الله ﷺ أنه كان يلبس البرد الحبرة التي هي من أغلى البرود. وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب: باب التجمل للوفود، وباب اللباس يوم الجمعة أن عمر أتى رسول الله ﷺ بحلة سيراء، والسيراء هي: الحلة المنمقة المصنوعة من الحرير، رآها تباع في السوق، وهي حلة لـ حاجب بن زرارة التميمي، فاشتراها للرسول ﵊، فقال: يا رسول الله! هذه الحلة لتخطب بها يوم الجمعة، وتستقبل فيها الوفود؛ لأن المعروف عند الصحابة أنه يتجمل ليوم الجمعة وللوفود، فقال ﵊: ﴿إن هذه لباس من لا خلاق له﴾ والسبب: أنها من حرير، فأقره ﷺ على الجمال والتجمل للجمعة والوفود، وأنكر عليه كونها حريراً، وهذا في باب اللباس.

стр. 10255

الذنوب ومكفراتها ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾ من حلف أنه لم يذنب في حياته فقد أخطأ، ومن ادعى العصمة فقد زل وضل؛ لأن العصمة لأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، أما نحن فأبونا آدم أذنب وأخطأ، وخرج من الجنة، لكن عيب عليك أن تقلده في الخطيئة، ولا تقلده في التوبة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. ويقول ﵊ في باب التوبة في الترمذي: ﴿كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ وفي مسلم: ﴿والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقوم آخرين يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم﴾. والذنب كالحتم على العبد، قال ابن تيمية في الرقاق وفي القاعدة العراقية المجلد العاشر: الذنب كالحتم على العبد، مكتوب عليه، لكن على العبد إذا ابتلي بالذنب يتبعه بالمكفرات، والمكفرات عشر ذكرها ابن تيمية في كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، من فاتته العشر فقد شرد على الله شرد الجمل الهارب على أهله. أولها: الأعمال الصالحة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] قال ابن مسعود: ﴿نظر رجل من الأنصار امرأة لا تحل له، فأتى الرسول ﵊ فأخبره بذلك، فأنزل الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقال: ألي خاصة؟ قال: لا. بل لك ولكل من عمل بعملك إلى يوم القيامة﴾ والحديث صحيح. ثانيها: المصائب المكفرة: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]. وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح: ﴿أن الله لما أنزل قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] بكى أبو بكر وقال: يا رسول الله! كيف العمل بعد هذه الآية؟ قال: غفر الله لك، ألست تهتم؟ ألست تحزن؟ أليست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى. قال: فلا يصيب المؤمن من هم ولا وصب ولا نصب ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكاً شديداً فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي﴾ ما ألطف الكلمة! معلم البشرية هادي الإنسان. فدىً لك من يقصِّر عن مداكا فما ملك إذاً إلا فداكا أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى قال: ﴿بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل إنني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك لأن لك الأجر مرتين؟ قال: نعم﴾ ثم أورد رسول الله ﷺ قوله: ﴿ما من مسلم يصيبه مرض أو همٌ أو غمٌ أو حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من سيئاته﴾ وهذا معلوم. الأمر الثالث: دعوات المؤمنين الصالحة بظهر الغيب، والدعوة بظهر الغيب مطلوبة، وقد ورد في الحديث عن عمر أن النبي ﷺ قال له: ﴿لا تنسنا يا أخي من دعائك﴾ ولو كان فيه كلام، فبعض أهل العلم حسنه، وبعضهم ضعفه، لكن صح في مسند أحمد من حديث أبي الدرداء: ﴿خير الدعاء -أو أفضل الدعاء أو الدعوة المستجابة- دعوة مسلم غائب لغائب﴾ وصح من حديث أم الدرداء، وكذلك من حديث خالد بن معدان وغيره. ومن المكفرات: صلاة المسلمين على الجنازة، وذلك إذا أخلصوا لله، وكانوا على التوحيد، وجاء في الحديث أنهم إذا كانوا أربعين لا يشركون بالله أو مائة، يشفعون له. ومنها: عرق الجبين عند سكرات الموت وفي الترمذي: ﴿المؤمن يموت بعرق الجبين﴾ قالوا: تشتد عليه السكرات حتى يعرق جبينه. ومنها: ظلمة القبر ووحشة القبر أعاننا الله على ذاك المصرع! والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيرانِ إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد فهو كفارة عند أهل السنة والجماعة، وعذاب القبر حقيقة في القرآن والسنة، ومن أدلته قوله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] أي: آل فرعون تعرض لهم النار في قبورهم، وقوله : ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] إلى غير ذلك من الآيات. وفي السنة ما ثبت في حديث البراء وغيره. ومن المصائب: هول العرض على الله ، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور. ومن الكفارات: شفاعة سيد الخلق ﵊، ففي حديث حسن: ﴿شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي﴾ نسأل الله ألا يحرمنا شفاعته! والعاشرة: رحمة أرحم الراحمين، يوم تنتهي المكفرات ولا تبقى إلا رحمة الله وعطاؤه وفضله وجوده وكرمه. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار فلا إله إلا الله! قال ابن تيمية: من فاتته هذه العشر المكفرات فقد هلك هلاكاً بيناً، وشرد على الله كما يشرد الجمل على أهله. فيا عباد الله! هذه بعض الفوائد من هذا الحديث فإنه طويل، يحتاج إلى جلسات، وفيه قضايا كبرى، وهو من الأربعين النووية، قال الإمام أحمد: ما أعلم لأهل الشام حديثاً أشرف من هذا الحديث، فهو حديث شريف مؤثر، يتضمن قضية كبرى، وحبذا أن يتدارس في الجلسات وفي الفصول والاجتماعات، وحبذا أن نستشعر معانيه وأن نعيش في ظلاله وفي سجاياه، حبذا أن تتفهم جمله، لأنه قواعد كلية في الإسلام. ثم إنني أسأل الله كما جمعنا في هذا المكان أن يجمعنا في مستقر رحمته، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 10256

المعجزات إن الله ما بعث من نبي إلا جعل له معجزة تبين صدق نبوته، بحيث تناسب المعجزة مقام قومه حتى يؤمنوا به. وإن من أكبر معجزات الأنبياء هي معجزة نبينا محمد ﷺ بإنزال القرآن الكريم المعجز في فصاحته وبلاغته وإخباره بالغيب، وأكرمه الله بمعجزات أخرى تناسب كل رجل أو قوم، حتى يزداد إيمانهم ويقينهم ويكون حجة على من لم يؤمن.

стр. 10257

معجزات النبي ﷺ

стр. 10258

دعاؤه بإنزال الغيث في تبوك الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا هو الدرس الخامس من قصة الرسالة بعنوان: معجزات الرسول ﷺ . كان ﷺ في طريقه إلى تبوك، ومعه جيش حافل، عداده ثلاثون ألف مقاتل في سبيل الله، ومعه عشرة آلاف فرس، وآلاف الجمال، فلما أصبحوا في الصحراء بعيدين عن الماء، أشرفوا على الهلاك، لا آبار حولهم، ولا أنهار، ولا أمطار، بحثوا في قربهم، فإذا هي قد انتهت بمائها، التمسوا الماء يمنة ويسرة، فإذا هو لا ماء، أخذوا يتلمسون الماء، جفت لسان كل واحد منهم، نشفت كبده في جوفه، وأجرهم عند الله، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٠]. فأشار بعضهم على بعض بأن ينحروا الجمال ويخرجوا ما في بطونها وبأكراشها من ماء فيعصرونه ويشربونه، إلى هذا الحال، وإلى هذا المستوى بلغ الجهد والظمأ. حتى إن الفرزدق الشاعر المشهور حين ظمئ مرة من المرات يقول: على ظمأ لو أن في القوم حاتماً على جوده ضنت به نفس حاتم يقول: بلغنا من الظمأ درجة لو أن حاتماً الطائي على كرمه معنا، ومعه ماء فلن يسقينا، فهؤلاء الصحابة بلغوا من الجهد والإعياء والظمأ أعظم من ذلك، أشار بعضهم بنحر الجمال، فقام عمر إلى الرسول ﵊ وعرض عليه المشكلة، وقال: ﴿يا رسول الله إن الله قد عودك عوائد فادع الله لنا﴾ يقول: أنت صاحب العوائد أنت المبارك؛ فقط ترفع يديك ويأتي الغيث، وينزل المطر، ينزل النصر، ويقع الفتح بإذن الله، يكفي منك أن ترفع يديك، فالله قد عودك عوائد، والسماء ليس فيها سحاب، وليس هناك هواء بارد، ولا مظلة تنزل الغيث؛ لا برق ولا رعد، في شدة الحر، والرسول ﵊ له عوائد، كما قال عمر. من عوائده باختصار ومن المعروف لديكم: ما في الصحيحين لما وقف ﷺ يوم الجمعة في شدة الصيف ولا سحاب في المدينة، ولا غيث، ولا هواء بارد، ولا شيء، فدخل أعرابي وقال: ﴿يا رسول الله جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل -وسط الخطبة والرسول ﷺ يخطب الناس في غير موضوع الاستسقاء- فادع الله أن يغيثنا، فقطع ﷺ الكلام ورفع كفيه -الشريفتين الطاهرتين النظيفتين البارتين- وقال: اللهم! أغثنا﴾ فما هي إلا لحظة، وإذا الذي يقول للشيء: كن فيكون، يرسل بإذنه سبحانه سحابة كالترس من وراء جبل سلع، فتعترض في سماء المدينة ورسول الله ﷺ لم ينزل من المنبر، وخطبه دقائق فتمتلئ سماء المدينة سحاباً، وينزل الغيث فجأة، فيصب سقف المسجد على وجه الرسول ﷺ وهو أمام الناس، فيقول: ﴿أشهد أني رسول الله﴾. يقول ابن عمر: [[كنا إذا نظرنا إلى وجه الرسول ﷺ على المنبر تذكرنا قصيدة عمه أبي طالب فيه: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل ]] فقط تنظر للوجه تذكر الرحمة، ويستسقى به الغمام بإذن الواحد الأحد، ومعه النور والبركة والخير. غلام رماه الله بالحسن يافعاً عليه لمجد الصالحين به أثر كأن الثريا علقت في جبينه وفي كفه الجوزا وفي وجهه القمر ولما رأى المجد استعيرت ثيابه تردى رداء واسع الجيب واتَّزر هذا المعصوم ﷺ يأتي إليه عمر، فلا يتقدم من الثلاثين ألفاً ولا من الصحابة ولا من الجيش أحدٌ إلا عمر فيقول: ﴿الله عودك عوائد فادع الله لنا، فأتى ﷺ في مجلسه، قال: اللهم أغثنا﴾ وفجأة وتأتي سحابة تغطي المعسكر، على حده لا زيادة ولا نقصان، فتهل غيثها، وترسل عيونها، وتسكب ماءها، فتمتلئ الأحواض والخنادق والقرب والأواني؛ هذا يغتسل، وهذا يتوضأ، وهذا يشرب، وهذا يسقي جمله، وإذا خرجت خطوة واحدة خارج المعسكر لا تجد قطرة واحدة، تجاوزت حد المعسكر، لا زيادة ولا نقصان، ماذا يدلنا هذا؟ يدلنا على أن رسول الله ﷺ صادق، يدلنا على أن رسول الهدى ﷺ صاحب معجزة، وصاحب دليل، وصاحب برهان، واشهدوا أنه رسول الله. اسمحوا لي أن أستعرض معكم بعض معجزاته ﵊، وهي تقارب الألف معجزة، أختار بعضها هذه الليلة من بين ألف معجزة تدل على أنه صادق من الله مرسل ﵊.

стр. 10259

جعله الماء زبداً ولبنا ذكر ابن سعد: ﴿أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ فأسلما وقالا: يا رسول الله! نريد سفراً فزودنا﴾ ولا زاد عنده، تجد الرسول ﷺ أحياناً لا يجد ما يسد به رمقه من الجوع، لا يجد كسرة خبز، وقد عرض عليه أن تكون له الجبال ذهباً فأبى: وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم وأكدت زهده فيها ضرورته إن الضرورة لا تعدو على العصم فماذا فعل؟ قال: ﴿عندكم قربة، قالا: نعم. قال: املأها ماءً، فملأ القربة ماءً، قال: اذهبا فإن الله سوف يرزقكما طعاماً، قالا: فسافرنا فلما احتجنا أتينا نشرب من القربة التي ملأناها ماءً، فإذا هي لبن وزبد، فأكلنا من الزبد، وشربنا من اللبن طيلة السفر حتى رجعنا وشبعنا﴾. أشهد أنه صادق، هذا من آياته البينات ﵊، والله أيده بالمعجزات ليؤمن من يؤمن، ويزداد إيماناً من يزداد، وليقيم الحجة على أعداء الله والكفرة الملحدين.

стр. 10260

تحويل عود الحطب إلى سيف وذكر ابن سعد والبيهقي: أن عكاشة بن محصن الذي يدخل الجنة بلا حساب مع سبعين ألفاً من المسلمين، وقف ﷺ على المنبر قال: إن من أمتي -كما قال ﷺ سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب -فتناقش الصحابة وتجادلوا من هؤلاء السبعون- وفي الأخير وقف ﷺ وقال: ﴿هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة من طرف المسجد وقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم؟ قال: أنت منهم، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم -فتح باب المجال- قال ﷺ -انظر البلاغة لم يقل: لست منهم- قال: سبقك بها عكاشة بن محصن﴾ لأنه لو فتح الباب قام أهل المسجد وقام كل الناس، فأنهى ﷺ الموقف. وقد قتل عكاشة شهيداً في اليمامة يوم قاتل مسيلمة الكذاب، أتى في بدر يريد أن يقاتل وانكسر سيفه من كثرة ما قاتل يقول النابغة يمدح النعمان: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يقول: أموركم كلها عظيمة لكن سيوفكم مثلمة من كثرة ما ضربتم الأعداء، وهذا مدح بما يشبه الذم، يقول: تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فأتى بلا سيف قال: ﴿يا رسول الله! ما عندي سيف -ووطيس المعركة مُتَّقِدٌ، والرءوس تنزل على أكتافها، والسيوف تشرع، والرماح، ليس هناك مخزن عنده فيه أسلحة ولا عند رسول الله سيف زائد- فأخذ جزلاً من خشب ﷺ وقال: خذ هذا، قال: فهززته فإذا هو سيف صلت في يدي﴾ أشهد أنه صادق، وبقي معه السيف، واسم السيف: القوي، وحضر اليمامة وقتل وهو معه شهيداً.
следующие страницы →