← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

المعجزات إن الله ما بعث من نبي إلا جعل له معجزة تبين صدق نبوته، بحيث تناسب المعجزة مقام قومه حتى يؤمنوا به. وإن من أكبر معجزات الأنبياء هي معجزة نبينا محمد ﷺ بإنزال القرآن الكريم المعجز في فصاحته وبلاغته وإخباره بالغيب، وأكرمه الله بمعجزات أخرى تناسب كل رجل أو قوم، حتى يزداد إيمانهم ويقينهم ويكون حجة على من لم يؤمن.

стр. 10257

معجزات النبي ﷺ

стр. 10258

دعاؤه بإنزال الغيث في تبوك الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا هو الدرس الخامس من قصة الرسالة بعنوان: معجزات الرسول ﷺ . كان ﷺ في طريقه إلى تبوك، ومعه جيش حافل، عداده ثلاثون ألف مقاتل في سبيل الله، ومعه عشرة آلاف فرس، وآلاف الجمال، فلما أصبحوا في الصحراء بعيدين عن الماء، أشرفوا على الهلاك، لا آبار حولهم، ولا أنهار، ولا أمطار، بحثوا في قربهم، فإذا هي قد انتهت بمائها، التمسوا الماء يمنة ويسرة، فإذا هو لا ماء، أخذوا يتلمسون الماء، جفت لسان كل واحد منهم، نشفت كبده في جوفه، وأجرهم عند الله، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٠]. فأشار بعضهم على بعض بأن ينحروا الجمال ويخرجوا ما في بطونها وبأكراشها من ماء فيعصرونه ويشربونه، إلى هذا الحال، وإلى هذا المستوى بلغ الجهد والظمأ. حتى إن الفرزدق الشاعر المشهور حين ظمئ مرة من المرات يقول: على ظمأ لو أن في القوم حاتماً على جوده ضنت به نفس حاتم يقول: بلغنا من الظمأ درجة لو أن حاتماً الطائي على كرمه معنا، ومعه ماء فلن يسقينا، فهؤلاء الصحابة بلغوا من الجهد والإعياء والظمأ أعظم من ذلك، أشار بعضهم بنحر الجمال، فقام عمر إلى الرسول ﵊ وعرض عليه المشكلة، وقال: ﴿يا رسول الله إن الله قد عودك عوائد فادع الله لنا﴾ يقول: أنت صاحب العوائد أنت المبارك؛ فقط ترفع يديك ويأتي الغيث، وينزل المطر، ينزل النصر، ويقع الفتح بإذن الله، يكفي منك أن ترفع يديك، فالله قد عودك عوائد، والسماء ليس فيها سحاب، وليس هناك هواء بارد، ولا مظلة تنزل الغيث؛ لا برق ولا رعد، في شدة الحر، والرسول ﵊ له عوائد، كما قال عمر. من عوائده باختصار ومن المعروف لديكم: ما في الصحيحين لما وقف ﷺ يوم الجمعة في شدة الصيف ولا سحاب في المدينة، ولا غيث، ولا هواء بارد، ولا شيء، فدخل أعرابي وقال: ﴿يا رسول الله جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل -وسط الخطبة والرسول ﷺ يخطب الناس في غير موضوع الاستسقاء- فادع الله أن يغيثنا، فقطع ﷺ الكلام ورفع كفيه -الشريفتين الطاهرتين النظيفتين البارتين- وقال: اللهم! أغثنا﴾ فما هي إلا لحظة، وإذا الذي يقول للشيء: كن فيكون، يرسل بإذنه سبحانه سحابة كالترس من وراء جبل سلع، فتعترض في سماء المدينة ورسول الله ﷺ لم ينزل من المنبر، وخطبه دقائق فتمتلئ سماء المدينة سحاباً، وينزل الغيث فجأة، فيصب سقف المسجد على وجه الرسول ﷺ وهو أمام الناس، فيقول: ﴿أشهد أني رسول الله﴾. يقول ابن عمر: [[كنا إذا نظرنا إلى وجه الرسول ﷺ على المنبر تذكرنا قصيدة عمه أبي طالب فيه: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل ]] فقط تنظر للوجه تذكر الرحمة، ويستسقى به الغمام بإذن الواحد الأحد، ومعه النور والبركة والخير. غلام رماه الله بالحسن يافعاً عليه لمجد الصالحين به أثر كأن الثريا علقت في جبينه وفي كفه الجوزا وفي وجهه القمر ولما رأى المجد استعيرت ثيابه تردى رداء واسع الجيب واتَّزر هذا المعصوم ﷺ يأتي إليه عمر، فلا يتقدم من الثلاثين ألفاً ولا من الصحابة ولا من الجيش أحدٌ إلا عمر فيقول: ﴿الله عودك عوائد فادع الله لنا، فأتى ﷺ في مجلسه، قال: اللهم أغثنا﴾ وفجأة وتأتي سحابة تغطي المعسكر، على حده لا زيادة ولا نقصان، فتهل غيثها، وترسل عيونها، وتسكب ماءها، فتمتلئ الأحواض والخنادق والقرب والأواني؛ هذا يغتسل، وهذا يتوضأ، وهذا يشرب، وهذا يسقي جمله، وإذا خرجت خطوة واحدة خارج المعسكر لا تجد قطرة واحدة، تجاوزت حد المعسكر، لا زيادة ولا نقصان، ماذا يدلنا هذا؟ يدلنا على أن رسول الله ﷺ صادق، يدلنا على أن رسول الهدى ﷺ صاحب معجزة، وصاحب دليل، وصاحب برهان، واشهدوا أنه رسول الله. اسمحوا لي أن أستعرض معكم بعض معجزاته ﵊، وهي تقارب الألف معجزة، أختار بعضها هذه الليلة من بين ألف معجزة تدل على أنه صادق من الله مرسل ﵊.

стр. 10259

جعله الماء زبداً ولبنا ذكر ابن سعد: ﴿أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ فأسلما وقالا: يا رسول الله! نريد سفراً فزودنا﴾ ولا زاد عنده، تجد الرسول ﷺ أحياناً لا يجد ما يسد به رمقه من الجوع، لا يجد كسرة خبز، وقد عرض عليه أن تكون له الجبال ذهباً فأبى: وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم وأكدت زهده فيها ضرورته إن الضرورة لا تعدو على العصم فماذا فعل؟ قال: ﴿عندكم قربة، قالا: نعم. قال: املأها ماءً، فملأ القربة ماءً، قال: اذهبا فإن الله سوف يرزقكما طعاماً، قالا: فسافرنا فلما احتجنا أتينا نشرب من القربة التي ملأناها ماءً، فإذا هي لبن وزبد، فأكلنا من الزبد، وشربنا من اللبن طيلة السفر حتى رجعنا وشبعنا﴾. أشهد أنه صادق، هذا من آياته البينات ﵊، والله أيده بالمعجزات ليؤمن من يؤمن، ويزداد إيماناً من يزداد، وليقيم الحجة على أعداء الله والكفرة الملحدين.

стр. 10260

تحويل عود الحطب إلى سيف وذكر ابن سعد والبيهقي: أن عكاشة بن محصن الذي يدخل الجنة بلا حساب مع سبعين ألفاً من المسلمين، وقف ﷺ على المنبر قال: إن من أمتي -كما قال ﷺ سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب -فتناقش الصحابة وتجادلوا من هؤلاء السبعون- وفي الأخير وقف ﷺ وقال: ﴿هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة من طرف المسجد وقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم؟ قال: أنت منهم، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم -فتح باب المجال- قال ﷺ -انظر البلاغة لم يقل: لست منهم- قال: سبقك بها عكاشة بن محصن﴾ لأنه لو فتح الباب قام أهل المسجد وقام كل الناس، فأنهى ﷺ الموقف. وقد قتل عكاشة شهيداً في اليمامة يوم قاتل مسيلمة الكذاب، أتى في بدر يريد أن يقاتل وانكسر سيفه من كثرة ما قاتل يقول النابغة يمدح النعمان: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يقول: أموركم كلها عظيمة لكن سيوفكم مثلمة من كثرة ما ضربتم الأعداء، وهذا مدح بما يشبه الذم، يقول: تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فأتى بلا سيف قال: ﴿يا رسول الله! ما عندي سيف -ووطيس المعركة مُتَّقِدٌ، والرءوس تنزل على أكتافها، والسيوف تشرع، والرماح، ليس هناك مخزن عنده فيه أسلحة ولا عند رسول الله سيف زائد- فأخذ جزلاً من خشب ﷺ وقال: خذ هذا، قال: فهززته فإذا هو سيف صلت في يدي﴾ أشهد أنه صادق، وبقي معه السيف، واسم السيف: القوي، وحضر اليمامة وقتل وهو معه شهيداً.

стр. 10261

رؤياه للجنة والنار صح عند البخاري: ﴿أن الرسول ﷺ صلى بالناس، فتقدم ﷺ لصلاة الكسوف بعدما كسفت الشمس فتقدم ثم مد يده إلى الجدار وهو يصلي بالناس، ثم تراجع تراجع ثم تكعكع ﵊ حتى دخل في الصف وبكى، فلما سلم قالوا: يا رسول الله رأيناك تتقدم إلى الجدار كأنك تتناول شيئاً، ورأيناك يا رسول الله تكعكعت وتأخرت، قال: عرضت لي الجنة فرأيت فيها عنقوداً من عنب لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، فتقدمت -يريد أن يمسكه ﷺ ، لأنه عرض عليه تماماً في عرض الحائط- قال: ثم عرضت لي النار فلم أر منظراً أشد ولا أفظع ولا أبشع منه، فكان يبكي ويقول: أعوذ بالله، أعوذ بالله، قال: ورأيت فيها امرأة عُذِّبت في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض﴾. هذا من المعجزات له ﷺ .

стр. 10262

تكلم ذراع الشاة بين يديه انتهى ﷺ من خيبر من الغزوة -والحديث عند الشيخين لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت﴾ هو سيد المتواضعين يجيب مرة دفعاً للسوء حتى أجاب اليهود وأكل عندهم، ومرة جلباً للصلح، ومرة تأليفاً للقلوب، ومرة زيادة في المحبة؛ لأنه معلم الناس، أجاب ومعه ستة، فقدمت الشاة، فأخذ الذراع، أول ما بدأ ﷺ بذراع الشاة فلما أصبح في فمه الشريف الطاهر المبارك ذاق لقمة فأنطق الله ذراع الشاة فتكلم بصوت معروف قال: يا رسول الله! أنا مسموم -تكلم الذراع وقال: أنا مسموم- فرمى به ﷺ ، ولفظ اللقمة، وبقيت آثار السم، فدبت بجسمه، فمات بعد سنة شهيداً بالسم﴾ فهو سيد الأنبياء سيد الشهداء إمام الأولياء خير الصلحاء.

стр. 10263

تسليم الحجر على النبي ﷺ وأنين الجذع له وتكلم ﵊ عنده الحجر، ففي صحيح مسلم قال: ﴿إني أعرف حجراً في مكة كان يسلم عليّ قبل النبوة﴾. وخطب الناس ﵊ عند جذع نخلة -جذع مقطوع من شجرة- فقال ﷺ لامرأة من الأنصار: ﴿مري غلامك النجار أن يصنع لي منبراً﴾ فصنع منبراً ثلاث درجات للنبي ﷺ ، فترك جذع النخل الأول، فجعل يئن كالطفل، سمعه الصحابة جميعاً وهم أكثر من ألف، فنزل ﵊ فوضع يده وأسْكَتَه، فسكت بإذن الله، يقول الحسن البصري معلقاً: ويل لكم واحسرتاه جذع يحن لرسول الله ﷺ وهو جامد ألا تحنون للرسول ﵊؟! من نحن قبلك إلا نقطة غرقت في اليم أو دمعة خرساء في القدم أكاد أقتلع الآهات من حرقي إذا ذكرتك أو أرتاع من ندمي كأنه وهو فرد من جلالته في موكب حين تلقاه وفي حشم ﵊.

стр. 10264

رده لبصر بعض الصحابة يقول حبيب بن فديك: ﴿أتى بي أبي وعيناي مبيضة لا أرى شيئاً أعمى، فقال ﷺ : ما هذا؟ -يعني ماذا أصاب هذا الطفل- قال أبوه: يا رسول الله! وطئ وهو طفل بيضة حية فعميت عيناه وأصبحتا مبيضتين، قال: ادنه مني -يعني: قربه، يقول الذهبي: هذا طبيب البشر ﷺ ، هو طبيب الإنسانية سواء القلوب أو الأبدان- فقربه منه فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فأبصر بإذن الله، وزاد على المائة وما أتى ببصره شيء﴾ قال أحد الرواة: والله الذي لا إله إلا هو، إني كنت أنظر إلى حبيب بن فديك وهو فوق الثمانين يدخل الإبرة في الثوب وهو يخيط حتى بلغ المائة، هذا من تلك النفثة منه ﵊. إذا لم يكن هو المبارك فمن يكون المبارك؟ وإذا لم يكن الطيب من هو الطيب؟ الطيب الذي ينتشر فينا أو في الناس أو في العالم أو العلماء أو الصالحين أو الشهداء ذرة من طيبه ﵊، يقول شوقي: المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء ﴿وأتاه -على ذكر العين- قتادة بن النعمان -وقد أخبرتكم بهذا والحديث صحيح- فوقعت عينه في حد السيف معلقة في خده، فردها ﷺ بكفه، فرجعت إلى مكانها فصارت أجمل من الأخرى﴾. ﴿أتاه علي في خيبر -والحديث عند الشيخين - وهو أرمد لا يرى شيئاً، فقال: ادن مني، قال: يمد علي يده والله ما يرى يده -أعمى من الرمد- فبصق في عينيه فأبصر بإذن الله﴾ يقول أحد الشعراء وهو من شعراء اليمن الكبار: هذا الذي جاء والأبحار مالحة فمز فيها فصار الماء كالعسل عندما كنا ضائعين من قبلك، كنا في بحور من الضلالات لكنك بصقت في البحر فأصبح عذباً. هذا الذي جاء والأبحار مالحة فمز فيها فصار الماء كالعسل هذا الذي رد عيناً بعد ما فقئت وريقه قد شفى عين الإمام علي

стр. 10265

إنطاقه للطفل الأبكم وروى البيهقي صاحب السنن قال: ﴿أتته امرأة بصبي لها صغير لم يتكلم -ولد أبكم أخرس لا ينطق كلمة، عالجوه، نظروا إلى لسانه، أشاروا إليه وهو كالصخرة إنما يأكل ويشرب ويرضع- قال لها ﷺ : ما بال ابنك هذا؟ قالت: يا رسول الله ابني هذا أبكم، فالتفت إليه ﷺ وهو طفل قال: من أنا؟ قال: أنت رسول الله، ثم نطق بعدها وكان خطيباً من خطباء العرب﴾.

стр. 10266

علاجه للأمراض البدنية وروى البيهقي -وأصله في البخاري - قال: ﴿أتى رجل إلى النبي ﷺ ، وفي رجله قرحة أعيت الأطباء -قال: عولجت وعالجها الأطباء العرب وهي تدمى في رجله- فقربها ﵊، فأخذ من التراب ﷺ ، ثم نفث فيه وقال: بريقة بعضنا وتربة أرضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا، قال: والله لقد قمت وما بي قلبة﴾ أي: لا جراح ولا شيء، وهذا من بركة الله عليه، وأراد الله أن يقيم البرهان على الناس، فكان الصحابة يرون ذلك، فيزدادون إيماناً ويقيناً وحباً له ﵊، وأقول لمن غاب عن هذه المعجزات والآيات البينات: يكفيكم القرآن الذي يتلوه علينا الإمام في كل فريضة، فهو المعجزة الخالدة الذي أتى به رسول الهدى ﵊. وقال شرحبيل الجحفي: والحديث عند البخاري في التاريخ والطبراني والبيهقي قال: ﴿أتيت رسول الله ﷺ وفي كفي سلعة كأنها قربة معلقة -فهو يريد أن يمسك السيف ما يستطيع، يريد أن يعيد يده فلا يستطيع، يريد أن ينام فلا يستطيع- فأتيت رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ قلت: سلعة في يدي يا رسول الله! أصبت بها من زمن، قال: ادن مني، قال: فدنوت، قال: فوضع يدي في الأرض، ثم أخذ يده الشريفة على السلعة، ثم أخذ يفركها ويطحنها ويسمي حتى زالت، فعادت يدي أحسن من الأخرى، وانطلق الرجل يخبر قومه، فأسلم منهم كثير﴾. وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن أبيض بن حمال -سمي أبيض لأن الله رزقه جمالاً بسبب مسح الرسول ﷺ بوجهه- يقول: ﴿أتيت إلى رسول الله ﷺ ووجهي مُجَدَّر﴾ وجهه كله مصاب بالجدرى، ولذلك، من عنده أمراض حسية ومعنوية وقلبية نفسيه جسمية فليستشف بالقرآن، وليصدق في أخذه وأخذ ماء زمزم، مع طاعة الباري بكثرة الاستغفار، قال: ﴿أتيت وإذا وجهي مجدر وقد أكل الجدري أنفي، فقال ﷺ : ما هذا؟ فقلت: جدري يا رسول الله! قال: ادن مني، فدنوت فدعا وسمى، ثم مسح وجهي، فوالله ما رفع يده عن وجهي إلا ما أصبح فيه شيء، وصار وجهي أبيض جميلاً﴾ فسمي أبيض. وروى النسائي والحاكم وابن حبان والبيهقي عن محمد بن حاطب عن أمه أم جميل يقول: ﴿كنت طفلاً وأمي تطبخ على القدر -على النار- غابت أمه، فوقع القدر عليه، فأحرق ذراعه، فأتت الأم وإذا طفلها في حالة وقد فسدت ذراعه، وما تذكرت بعد الله إلا رسول الله ﷺ وهو حي -فأخذت الطفل بين يديها ودخلت على رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله! هذا طفلي وقع عليه القدر واحترق قالت: فنفث في ذراعه وأخذ يدعو فوالله ما قمت من عنده وفي ذراع ابني أثر من حريق﴾ فهو المبارك أينما كان ﷺ .

стр. 10267

بركات النبي ﷺ وبالمناسبة من أراد البركة والخير فليكثر من الصلاة والسلام عليه، حتى إن ابن القيم نص على ذلك، وبعض السلف يرونها من أفضل الأذكار، وألف فيها ابن القيم كتاب: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام، واتباع سنته والعمل بتعاليمه ﵊.

стр. 10268

بركته في شفاء رأس عبد الله بن أنيس ذكر البغوي والطبراني عن عبد الله بن أنيس -وله قصة أقف معها وقفة احترام وإجلال فهو شاب من أهل الجنة- وقد شهد له الرسول ﷺ أنه من أهل الجنة. فقد أتى رجل مجرم عنيد مارد اسمه: خالد بن سفيان الهذلي، جمع هذيل في نواحي مكة يريد أن يقتل الرسول ﷺ ، وقد اجتمع معه ألف فارس ومارد يريدون الذهاب إلى النبي ﷺ لمحاربته في المدينة وقتله، فأتت الأخبار الرسول ﵊، قالوا: يا رسول الله جمع خالد بن سفيان الهذلي ألف مقاتل في مكة يريدون قتلك، قال: أنا أقتله إن شاء الله، يقول ﷺ : من يقتله وله الجنة؟ قال عبد الله بن أنيس: أتضمن لي الجنة، وهذا من الفرسان الكبار حتى ذكر الألباني في إرواء الغليل في بعض الروايات أنه لما أراد قتل خالد يقول: رأيت خالداً وأنا قريب منه، وقد أتت صلاة العصر، وخشيت أن تخرج عليّ صلاة العصر فكنت أصلي وأومئ وأنا مقبل منه حتى ضربت رأسه وأخذته، هذا في رواية. الرواية الثانية أذكرها لكم قال: أتضمن لي الجنة يا رسول الله؟! قال: أنا لك بها زعيم -أو كما قال ﷺ قال: ائذن لي -يعني أئذن لي في الكلام إذا ذهبت لأنه يحتاج إلى حديث- قال: اذهب، فذهب فسأل عن خالد بن سفيان الهذلي -كأن عبد الله بن أنيس لا يريد أن يهوي على مكة من جهة المدينة - قال: من هذا؟ قالوا: خالد بن سفيان، أما أتاك خبره؟ قال: ما أتاني خبره، قالوا: يجمع الجموع لقتل محمد في المدينة قال: أنا معكم فذهب وسلم على خالد، وقال: أنا من جنودك، قال: حيهلاً بك يا أخا العرب، قال: أريد أن أسامرك الليلة -سمرة ما سمع بأسوأ منها في التاريخ- قال: عبد الله بن أنيس: تحفظ من الشعر؟ قال: أحفظ من الأشعار، قال: أنت معي هذه الليلة في الخيمة -هذه ضيافة خاصة- قال: أنا معك، فنام الجيش كله وأخذ عبد الله بن أنيس يسامره، هذا يأتي بقصيدة وذاك يأتي بقصيدة، وذاك ببيت وهذا ببيت، وفي الأخير قال عبد الله بن أنيس: أما ترى يا خالد أنا سهرنا لو نمنا قال: بلى فنام، ونام عبد الله بن أنيس لكن: نامت الأعين إلا مقلة تسهر الدمع وترعى مضجعك قال: فسمعت غطيطه، فقمت على السيف فحززت رأسه على المخدة، ووضعتها في المخلاة -هذه بضاعة ينقلها إلى المدينة مع التحية، هذا قائد الجيش- قال: فذهبت في الليل قال: فكنت أمشي في الليل وأنام في النهار -عشرة أيام- فجاع جوعاً لا يعلمه إلا الله، وظمئ ظمأً حتى اسود وجهه: وأقبل على رسول الله ﷺ وهو في جمع مبارك في المسجد، فلما رأى ﷺ قال: أفلح وجهك، قال: ووجهك يا رسول الله! -والهدية موجودة، في المخلاة فأتى بالبينة- فقدم الرأس له قال ﷺ : ﴿خذ هذه العصا تتكئ بها في الجنة والمتكئون بالعصي في الجنة قليل﴾ فأخذ العصا من الرسول ﷺ ، فكان يمشي بها، ويذهب بها وينام وهي معه، ويقوم وهي معه، ويصلي وهي بجواره، فلما أتته الوفاة أمر أن يغسل ويكفن، وتدخل في أكفانه، فدخلت معه القبر، وسوف يأتي في الجنة يتوكأ بها ليلقى إبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً ﷺ ، هذا شيء من أخبار عبد الله بن أنيس. قبلها ضربه يهودي بسيف في رأسه قال: فوصلت العظم، فأتيت رسول الله ﷺ ، فنفث فيها ورقى، فعادت بلا بأس بحمد الله تعالى وعافيته.

стр. 10269

بركته في شفاء رجل عبد الله بن عتيك وأرسل ﷺ لـ أبي رافع المجرم اليهودي الذي كان يسب الرسول ﷺ ، وكانت له جوارٍ يغنين بسب الإسلام والقرآن والرسول ﷺ ، آذى الله ورسوله، فأرسل إليه ﷺ البراء بن عبد الله فذهب فدخل عليه في مشربة فقتله، ثم خرج من المشربة وسمع الصوت فقفز فوقع على رجله فانكسرت رجل الصحابي، فسحبها إلى رسول الله ﷺ وربط رجله بعمامته، فأتى إلى رسول الله ﷺ وقال له: ﴿ابسط رجلك قال: فمسحها بيده الشريفة، فعادت أقوى من الأخرى﴾ سيد الخلق ﷺ وهذا الحديث صحيح.

стр. 10270

بركة دعائه ونفثه في شفاء جروح خالد بن الوليد ومن بركته ﷺ ومما آتاه الله من حسن أثر على الناس أن خالد بن الوليد كما روى أحمد في المسند يوم حنين جرح جرحاً عظيماً، ومن مثل خالد؟ خالد سيف الله المسلول، فدخل خيمته والجيش كثير في حنين، هذه معركة حنين والطائف، فسمع ﷺ وهو في خيمته بجرح خالد، وهو متكئ على ظهره في الخيمة، يقول أعرابي: ﴿كان ﷺ يقول يوم حنين: من يدلني على خيمة خالد بن الوليد؟ قال غلام من الناس: أنا يا رسول الله! أدلك، قال: اذهب أمامي قال: فدخلنا على خالد وهو متكئ يئن من الجراح، فأتى ﷺ فدعا ونفث، فجلس خالد ما به شيء﴾. والحمد لله الذي أبقى لنا خالداً حتى دكدك الروم، وأزال دولتهم وداسهم برجله، إنه سيف الله المسلول. بنو حنيفة جدوا طال نومكم إن الخليفة عواد بعواد يا من يرى خالداً كالليث معتجراً تحت العجاجة مثل الأغطف الغادي وروى أحمد: ﴿أن سفينة مولى الرسول ﵊، قيل له: من سماك سفينة؟ قال: سماني رسول الله ﷺ ، قالوا: لماذا؟ قال: كنا في سفر مع الرسول ﵊ فقال: احمل من المتاع، قال: فحملت، قال: زد احمل فإنما أنت سفينة، قال: فحملت، وقال: والله لو حملت حمل سبعة جمال لما وجدت بأساً﴾ فكان يحمل الحمل القوي الثقيل الشديد ولا يجد بأساً ويمشي كأشد الناس، لماذا سمي سفينة؟ قال: من بركات الرسول ﷺ عليه أنه كان من أقوى الناس بسبب قوله ﷺ : ﴿احمل إنما أنت سفينة﴾ فكأنها تتضمن معنى الدعاء.

стр. 10271

بركة دعاء النبي ﷺ لأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ومن بركته ﷺ ومعجزاته وإلا فمعجزاته المعنوية فيها من العظمة الكثير، حتى قال بعضهم من بركته ﷺ ومعجزاته القرآن والسنة، وأن دينه يصل إلى بقاع الأرض، وأن الكفار ومن قابلهم محقوا وسحقوا من الأحزاب والمنافقين وأعداء الملة، وبقي دينه خالداً في الأرض، فذلك من المعجزات والآيات البينات. يقول أبو هريرة: ﴿أتيت رسول الله ﷺ فكنت أسمع حديثاً كثيراً وأنسى، قال: قلت: يا رسول الله! إني أسمع حديثاً كثيراً منك وأنسى، قال: ابسط رداءك، فبسطت ردائي، وكان عليه البردة، فال: فأخذ ﷺ يديه قال: فأخذ بكفيه ويسمي ويضعها في الرداء ﵊ ثلاثاً، قال: اضمم عليك رداءك، قال: فضممت ردائي فوالله ما نسيت بعده حرفاً﴾ فأحفظ الناس أبو هريرة، يعيد الحديث الطويل فلا يخرم حرفاً واحداً من بركة دعاء الرسول ﷺ له. وقال عثمان بن أبي العاص: ﴿كنت أنسى القرآن فأتيت إلى رسول الله ﷺ قال: ادن مني، قال: فدنوت منه قال: فضرب بصدري وقال: اللهم يا رحمن! أعذ عثمان من الشيطان - عثمان بن أبي العاص - قال: فوالله ما نسيت القرآن بعدها﴾. فسبحان الذي جعل فيه البركة، وسبحان الذي أعطاه المعجزات البينات والذي أظهر دينه حتى ساوى مسير الشمس.

стр. 10272

بركة دعاء النبي لعلي بن أبي طالب وروى البيهقي والحاكم عن علي قال: ﴿بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً﴾ انظر هؤلاء كيف وزعهم ﷺ على الناس، هذا قاضٍ، وابن مسعود داعية، ومعاذ مفتٍ في الحلال والحرام، وخالد مجاهد في سبيل الله، وزيد بن ثابت يفتي في الفرائض، وابن عباس مفسر، وحسان شاعر، كل قام بمقامه، كل حفظ منزلته، كل أثرى بموهبته العالم رضوان الله عليهم. ﴿قلت: يا رسول الله! كيف ترسلني وأنا شاب؟ -يقول علي، يعني: لا أستطيع أن أحكم بين اثنين- قال: فضرب في صدري وقال لي: اللهم ثبت قلبه واهدِ لسانه واجعله هادياً مهدياً، قال فوالله -يقسم علي - فو الذي برأ الحبة وفلق النسمة ما التبس عليَّ القضاء بين اثنين﴾ ولذلك كان يقضي بإذن الله، ويأتي قضاؤه صواباً مثل السيف حسماً ببركة دعاء الرسول ﵊ له.

стр. 10273

علاجه للعقول وأما علاجه ﷺ للعقول، فيكفي أنه عالج عقول الأمة بالقرآن والإيمان، ولكن أقصد به علاجه للجنون، فقد ذكر أبو نعيم عن الوازع قال: ﴿انطلقت بابن لي مجنون كان يفسد عليهم الطعام ويفسد عليهم المنام -سلب عقله- فأتيت به رسول الله ﷺ ، وقال: ما هذا؟ قلت: ابن لي جن يا رسول الله! قال: قربه مني، قال: فقربته منه، فوضع يده على صدره ثم دعا فتقيأ ابني فخرج من بطنه مثل الجرو الأسود، فصح ابني، فكان من أعقل قومه﴾ رد الله عقل ابنه بدعاء الرسول ﷺ وببركة دعاء الرسول ﷺ . وذكر البخاري ومسلم عن جابر قال: ﴿أغمي عليّ -أغمي عليه وفقد وعيه- فزاره ﷺ قال: عليّ بماء، فتوضأ ﷺ وصب بقية الماء على جابر فاستيقظ، ثم وضع ﷺ يده على صدر جابر، قال: فما زلت أجد بردها إلى الآن﴾. وفي بعض الألفاظ: أن سعد بن أبي وقاص قال: زارني رسول الله ﷺ وقال: ﴿اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، قال: والذي نفسي بيده إني أجد برد يد الرسول ﵊ بعد ثلاثين سنة، كأنها الآن﴾. ويقول أعرابي: ﴿حججت مع رسول الله ﷺ ، فرأيته يخطب، فأدخلت يدي بين نعله وقدمه﴾ انظر كيف يجدون قيمة وثمن وعظمة محمد ﷺ ومنزلته، كان شوق الواحد منهم أن يرى فقط الرسول ﵊، أو يمس جلده جلده أو جسمه جسمه، أو ينعم ولو بآثار البصاق، كان إذا بصق يميناً أو يساراً أو أمامه أو خلفه، تناول الواحد منهم تفاله وبصاقه، بأبي هو وأمي ﷺ ! فيمسحون وجوههم، فيجدون من السرور والنعيم والخير العميم ما الله به عليم، حلق رأسه، فكادوا يقتتلون على شعر رأسه، منهم من حصل على شعرة ونصف شعرة، حتى إن أئمة الإسلام وأئمة التابعين بكوا وقالوا: والهف نفساه على شعرة من شعراته ﵊. هذا الأعرابي أتى وكان همه فقط أن يمس القدم الشريفة، قال: ﴿فكان يخطب الناس بـ منى، فأدخلت كفي بين النعل وبين القدم، فوجدت بردها، فوضعتها على وجهي والله إني لأجد بردها إلى الآن﴾ بعد عشرات السنوات. مبارك أينما كان، كلامه لفظه ذكره صلاته ملابسه كل شيء فيه مبارك، يلبس القميص وأمنية الإنسان أن يلبس قميصه. المتوكل الخليفة العباسي أتى بعد المعتصم، لبس برد النبي ﷺ بعد مئات السنوات قال للشعراء: من يصف لي البرد هذا، فإن أجاد ملأت فمه دراً، قالوا: فأنظرنا ليلة، ليس لهم إلا بيتان فقط لا يزيد الواحد على بيتين، فذهبوا جميعاً وأتوا، منهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع ومنهم من يطير، فجاء أحدهم فقال: ولو أن برد المصطفى إذ لبسته يظن لظن البرد أنك صاحبه وقال وقد أوتيته ولبسته نعم هذه أعطافه ومناكبه قال: املئوا فمه دراً. مر رسول الله ﷺ وهو يلبس قميصاً، وإذا لبس ﷺ القميص عرف الصحابة من الفقر وكثرة الحاجة أنه ﷺ لبس قميصاً، قال رجل: والله لأسألن رسول الله ﷺ القميص، قالوا: لا تسأله -لأنه لا يعرف أن يقول: لا، لن يمنعك وهو يلبسه محتاج إليه يصلي به الجمعة ويستقبل الوفود- قال: والله لأسألنه القميص فعرض له واقفاً ﷺ ، قال: ﴿يا رسول الله! ألبسني قميصك الذي عليك، قال: أنظرني قليلاً، فدخل بيته ولبس الرداء والإزار ثم أعطاه قميصه، قال الصحابة: بئس ما صنعت، لبسه ﷺ محتاجاً إليه وتسأله وهو لا يرد المسألة﴾. ما قال "لا" قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم قال: إني أرجو -يعتذر له- أن يكون كفني هذا القميص، فكان كفنه الذي كفن فيه، وهنيئاً له أن لا مس القميص جلد المصطفى ﵊. وقد روى أحمد والدارمي والطبراني: ﴿أن امرأة أتت بابن لها مجنون أيضاً -يستند إلى الحديث الأول وهو شاهد- فدعا له ﷺ فأصبح عاقلاً رزيناً﴾.

стр. 10274

بركة دعاء النبي ﷺ لأبي عطية وأبي محذورة وروى الطبراني عن أبي عطية البكري قال: ﴿انطلق بي أهلي فمسح رسول الله ﷺ على رأسي وأنا طفل، ثم مر على خدي، فنبتت لي لحية بعدما كبرت، ورأسي لم يصبه الشيب أبداً﴾ أصبح في المائة وهو أسود الرأس أسود اللحية. وهذا مثل حديث أبي محذورة الذي رواه أحمد والبغوي: ﴿أن رسول الله ﷺ سمع أذان أبا محذورة﴾ حتى أن أبا محذورة صار مؤذناً مشهوراً وأبناؤه أخذوا الأذان بعده وأبناء أبنائه في مكة، وكان إذا أذن توقف الناس: صاحب الحديث يتوقف، والمتكلم يسكت، والذي يأكل الطعام ينصت، والماشي ينتظر؛ من حسن صوته، حتى يقول مجنون ليلى من شهرة أبي محذورة: أما ورب الكعبة المعمورة وما تلا محمد من سورة والنغمات من أبي محذورة لأفعلن فعلة مشكورة فهذا أصبح مشهوراً عند الناس، وبالمناسبة ذكر الذهبي أن أحد أبناء أبنائه كان مؤذناً، وكان فيه غفلة من غفلة الصالحين، فبعض الناس طيب وصالح، وفيه خير، لكن تأتيه غفلة، فكان يؤذن وبجانبه مغنٍ يغني بعود في بيت بجانب الحرم، فلما أراد أن يقول: حي على الفلاح، سمع ذلك يقول: إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم؛ لأن مجنون ليلى له قصائد يقول في بعضها: صغيران نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم هذا في عالم الشقاء، عالم الضياع، عالم الغرام والوله والعبث، يقول: يا ليتني أنا وليلى هذه كنا صغيرين نرعى البهم ولا تكبر هي ولا أكبر أنا لأنهم حجبوها بعد ما كبرت، كنا نرعى البهم حتى نموت، وهذه أمنيته في الحياة، الناس تقطع أعناقهم في بدر وفي أحد، والملائكة تتنزل من السماء، والجنة مفتوحة وأنت تريد أن تكون أنت وهي ترعون البهم حتى تموتون. يقول الشافعي: رأيت رجلاً في المدينة يعلم النساء الرقص، ويعلم الأطفال الضرب على الطبل، فإذا جاءت الصلاة صلى جالساً!! تعبان من الخدمات! وأنا رأيت أناساً كباراً في الثمانين يعرضون ثلاث ساعات في العرضة، وإذا جاءت صلاة التراويح قال: ذبحتونا قتلتونا ما نقدر! فهذا المؤذن سمع هذا يغني، فاختلط عليه الصوت يريد أن يقول: حي على الفلاح وإذا المغني يقول: لم نكبر ولم تكبر البهم فقال: حي على البهم، في مكة بالصوت المجلجل الطويل، وهذا ثابت ذكره الذهبي سيد المحدثين والمؤرخين. أتينا إلى أبي محذورة سبب بركة الرسول ﷺ : أنه خرج يوم بدر يرعى الغنم مع كفار قريش، فأراد الله له الهداية، واقترب من المعركة، فسمع بلال بن رباح يرسل نغمات الحق تملأ الفضاء؛ صوت الخلود يملأ الوجود، صوت التوحيد يعلن على العبيد، الله أكبر الله أكبر، فأخذ أبو محذورة يستهزئ، وهو شاب غلام في الوادي، يكرر مثلما يكرر بلال، قال ﷺ : عليّ بهم يقول: أحضرهم لنا، فأتوا بالشباب قال: من منكم أذن؟ يعني: يقلد بلالاً فسكتوا قال: أذن أنت قل: الله أكبر فأذن فقال: أنت، لأنه عرف الصوت بالصوت، فمسح رأسه ودعا له فأسلم، وأرسله مؤذناً في مكة، فلم يحلق أبو محذورة رأسه بعد أن مسحه النبي ﷺ ، ما دام أن كفه الشريف وصل إلى هذا الشعر ممنوع يحلق، قال: وهذا ثابت بسند صحيح في السيرة فبقي رأسه لم يحلق حتى إذا جلس وصل إلى الأرض، وإذا قام وصل تحت المحزم، تحت منتصف جسمه، ويعلق بعض الأدباء، وللأدباء إشراقات ولطائف أذكرها كما جاءت فلا تعلقوا يقول: ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرّت في جوانبه بردا هذا في وادٍ وهذا في وادٍ آخر. ومن ذلك ما رواه الترمذي وحسنه -أيضاً- والبيهقي عن أبي زيد الأنصاري قال: ﴿مسح الرسول ﷺ على رأسي وقال: اللهم جمله وحسنه﴾ فأتت عليه مائة وبضع سنوات، وكان أجمل من الشباب، ليس في وجهه تجاعيد ولا تغير وجهه، ولا سقط له سن، وكان وجهه يلمع لمعاناً كحد السيف، من بركته ﵊.

стр. 10275

بركة أعضائه ﷺ وآثاره وأما بركة يده ﷺ فيقول أنس خادمه: ﴿والله ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف الرسول ﷺ ، والله ما شممت مسكاً ولا عبيراً أحسن من رائحة الرسول ﷺ ﴾. روى البيهقي عن وهب بن حجر من ملوك اليمن قال: ﴿وفدت على رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه فصافحني، فبقيت ثلاثة أيام وأنا أغسل يدي والله ما ذهب المسك من يدي﴾. نام عند أم حرام بنت ملحان ﵊، فلما نام في القيلولة أخذ عرقه يتحدر كالجمان كالدر -كان صاحب عرق فعرقه ﷺ غزير إذا نام- فأخذ يصب في الأرض -فانظر لحبهم له رأت أنه خسارة أن يصب هذا العرق- فقربت قارورة، وهي عجوز كبيرة، وهو ﷺ أب للمؤمنين، فأخذت بكفها ومسحت الجبين الطاهر الأزهر الأنور الذي يلمع أجمل من البدر ليلة أربعة عشر، فعبأت القارورة فوجدت ريح المسك في بيتها، تقول: والله ما يمرض مريض في بيتنا فنأخذ قطرة من العرق ونجعله في القدر إلا يتشافى المريض بإذن الله. لقد جعل الله أحب العباد إليه وأحسنهم وصفوتهم وخيرتهم محمداً ﷺ ، نظر في قلوب العالم كلهم فاختار قلبه للرسالة: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] . وأما هذا الحديث فأنا أعرض لكم تحسينه على البوصيري المحدث الشهير وأبو يعلى والبزار، والحمد لله ولا فخر، وأنا ما تخصصت في الحديث، وأنا أورد عليكم أحاديث، فيها ما يقبل التحسين وله شواهد، ومن أحاديث السيرة فلا يلمنا لائم، فأحاديث السيرة نتوسع فيها مالا نتوسع في الحلال والحرام. روى أبو يعلى والبزار بسند حسنه البوصيري: ﴿أن ابن الزبير أتى وعمره ثلاث سنوات -وقيل أصغر في بعض الروايات- فوجد الرسول ﷺ يحتجم -تعرفون دم الحجامة، وهو ﷺ طاهر، وآثاره طاهرة- فوضع الدم من الحجامة في طست، وقال: يا عبد الله! ضع هذا في مكان لا يراه أحد -بحيث يأخذ الدم ويخفيه- فأخذه ابن الزبير ومال وراء البيوت فشربه﴾ هذا عبد الله بن الزبير صنديد يشرب الموت مثل شرب الماء، هو أول من طاف في السيل في مكة، فر الناس في الجبال حين جاء سيل، فاقتحم الحرم وخرج الناس من بيوتهم على سطوح المنازل وهربوا إلى الجبال، ورأى ابن الزبير السيل يطوف بالحرم فألقى ثيابه واتزر ورمى نفسه في السيل، فطاف سابحاً سبعة أشواط، صنديد ستسمعون أخباره بعد قليل، المقصود أنه شرب دم حجامته ﷺ وعاد بالصحن خالياً قال ﷺ : أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه أحد، قال ﷺ : ﴿ويل لك من الناس وويل للناس منك، لا تمسك النار﴾ أما ويل لك من الناس: فأنت أصبح فيك جزء مني، فلا بد أن تبتلى مثلما ابتليت، أي: بشيء فقط من الأذى؛ لأن أكثر ما واجه الظلم والعدوان والحسد والإيذاء محمد ﷺ ، وأما ويل للناس منك، فمعناه: أنك يصبح عندك من العظمة والهمة والشجاعة والإقدام ما الله به عليم، وأما لا تمسك النار: كيف تمسك النار وبعض دمي في دمك؟! يقول الذهبي شيخ المحدثين والمؤرخين: كان يصوم سبعة أيام متواصلة ليلاً ونهاراً، ويفطر في اليوم الثامن على سمن البقر، وكان يصلي في الليل النافلة، ليلة واقفاً من بعد صلاة العشاء يقف في الحرم -هذا ثابت عنه- إلى أن يقرب الفجر، ثم يركع، ثم يسجد ليلة كاملة، وليلة راكعاً طوال الليل من العشاء إلى الفجر، وليلة ساجداً، وقاتل أهل الشام قتالاً ما سمع بمثله في التاريخ، كان أمامه خمسمائة مقاتل يهزمهم قالوا: والله ما مثله إلا كالأسد أمامه المعزى، يقبل عليهم بالسيف، فيشردون من الأبواب، ثم يقبل على هؤلاء فيشردون من الأبواب، ثم في الأخير لما كثر عليه الرمي من كل جهة والمنجنيق، قام وكبر وصلى عند المقام، فأتته قذيفة، فوقعت في رأسه، فسقط شهيداً عند الكعبة، فرفع عند المقام، فأتى ابن عمر ليؤدي له التحية وهو ميت، قال: السلام عليك يا أبا خبيب! أشهد أنك من المصلين الصائمين، أشهد أنك كنت وصولاً للرحم، ووالله إن أمة أنت شرها إنها أمة خيرة، وهو من خير الناس، ثم مرت أسماء أمه وهي عمياء، قالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجل، فدفن وهو أحق الناس بقولهم: علو في الحياة وفي الممات لحق أنت إحدى المعجزات وذكر الحاكم وصححه أن ثابت بن قيس بن شماس خطيب الرسول ﷺ ، اختلف مع زوجته والخلاف قديم، فأقسمت بالله لا أرضع طفلك، حيث أتى له رضيع صغير، فأقسمت ألا ترضعه، فذهب به إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! الطفل سيموت؛ لأن أمه من العداوة أقسمت ألا ترضعه، فأخذه ﷺ فبزق في فمه، وقال: أما إن الله سوف يسهل له من يرضعه، وإذا بأعرابية تصل إلى المدينة قالت: أين محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قالوا: هو عند الرسول ﷺ ، قالت: رأيت في المنام قائلاً يقول: اذهبي فأرضعي محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: وإن ثديها يقطر لبناً، فأرضعته وصار من أحسن الناس، وهذا من بركته ﵊.

стр. 10276

بركة نوره ﷺ أما نقل النور في العراجين منه ﵊ فحدث ولا حرج، وقد ورد في ذلك ما يقارب خمسة أحاديث أو أكثر، منها عرجون قتادة بن النعمان صاحب العين ﵁، رواه أحمد والطبراني والبزار: ﴿أنه أتى ﷺ فسمر معه، ثم أراد أن يسير في ليلة ظلماء، فأعطاه ﷺ عرجون عصا، وقال: هذا ينور لك عشراً أمامك وعشراً خلفك، وقال: كنت أرفعه كالشمعة، فيضيء ما أمامي، ويضيء ما خلفي، وهو عصا﴾. وأتاه الطفيل بن عمرو الدوسي الزهراني، فأسلم عنده، وطلب منه آية أن يعود إلى قومه دوس، فعاد فأعطاه الله نوراً في وجهه، قال: اللهم! انقله من وجهي حتى لا يقولوا مُثْلَةً، فوضعه في سوطه، فكان إذا رفع السوط أضاءت له جبال زهران، وإذا خفض السوط أضاءت له أودية زهران، ومثله حديث أبي بكر وعمر وعباد بن بشر وأسيد بن الحضير.

стр. 10277

إخباره ﷺ بالمغيبات

стр. 10278

إخباره بما في نفس وابصة وأما إخباره ﷺ بالمغيبات فلا حصر لها، فقد أخبر ﷺ في آخر الزمان بملاحم ومعجزات وفتن سوف تحصل، وأتت كفلق الصبح حكمة من الباري ، روى أحمد والطبراني عن وابصة بن معبد قال: ﴿أتيت رسول الله ﷺ -وقد جهز سؤالاً في خاطره وفي ضميره ولم يخبر أحداً من الناس- قال: فوصلت إلى الرسول ﵊ قال: يا وابصة جئت تسأل عن البر والإثم -يقول: السؤال الذي عندك تسأل عن البر والإثم- قلت: نعم يا رسول الله! قال: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس﴾ فأخبره ﵊ بما أسر.

стр. 10279

إخباره بما في نفس أبي سعيد وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قالت لي أختي: أما ترى ما نحن فيه يا أبا سعيد! من الفقر والجوع -يقول: أصابنا جوع لم يصبنا مثله قط- فقالت أختي: أما ترى ما نحن فيه، اذهب إلى رسول الله ﷺ ، فذهبت فإذا هو يخطب الناس فلما رآني -عرف ﷺ بالقضية وما قالت له أخته وما جرى- قال: ﴿ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، قال: ففهمت أنه أرادني فوالله ما سألته، ووالله لقد عدت، ورزقنا الله برزق، ولا أعلم في المدينة أناساً أكثر منا رزقاً الآن﴾ إن الرسول ﷺ عرف أنه أتى يطلب، فأخبره بالخبر، فعاد ﵁ وأرضاه.

стр. 10280

إخباره بما يجري لخبيب في مكة وأما إخباره ﷺ بأخبار أصحابه في الأقاليم وفي البلدان التي أرسل فكثيرة تفوق الحصر، فقد روى البخاري أن الرسول ﷺ لما أرسلهم إليها، خبيب بن عدي ومن معه، واستأسره الكفار، ودخلوا بـ خبيب بن عدي، وهو صاحب خشبة الموت، وأول من سن ركعتين عند الموت خبيب بن عدي ﵁ وأرضاه، وأول من أنشد عند الموت خبيب بن عدي، وأول من ألقى دعاءً على الخشبة خبيب بن عدي، فاستأسره كفار مكة، فذهبوا به إلى غرفة، وأغلقوا عليه، ومنعوه من الطعام، فكان إذا جاع، يأتيه ملك من السماء بعنقود عنب، فيأكل حتى يشبع، فخرجوا به إلى ضاحية مكة، فنصبوا له المشنقة، يريدون إعدامه، والكفار مجتمعون حوله، قال: أنظروني أصلي ركعتين؟ قالوا: صل، فصلى ثم سلم، وقال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن تظنوا أن بي جزعاً لطولت الصلاة، فرفعوه على خشبة الموت، قال: اللهم! احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم أنشد، ومن ينشد في الموت؟! أما خبيب بن عدي فقال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع بارك الله فيه وفي أشلائه، ثم قال: اللهم أخبر رسولك ما نلقى الغداة، يقول: بلغ رسولك منا السلام، وأخبره ماذا لقينا، فقال ﷺ ، وهو في المدينة، وذاك في مكة في نفس اللحظة والوقت والزمن: عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب!

стр. 10281

إخباره بقتل أصحاب بئر معونة ومؤتة وإخباره ﷺ بأصحاب بئر معونة، حيث قتل سبعون من القراء، ومنهم حرام بن ملحان طعنه رجل في ظهره، فخرج الرمح من صدره، فأخذ الدم ورش القاتل، وقال: فزت ورب الكعبة، فأخبر ﷺ بقتلهم في لحظتهم، وقد ذكرت لكم أنه ﷺ ذكر الشهداء من مؤتة، وكشف الله له الغطاء، وهم في مؤتة جعفر الطيار وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال: ﴿رأيتهم الآن عرضوا على أسرة من ذهب دخلوا الجنة، وقد عوض الله جعفر بن أبي طالب بجناحين في الجنة، يطير بهما حيث شاء﴾ وهذا من إخباره ﷺ في وقته بالمغيبات.

стр. 10282

إخباره بفعل حاطب في فتح مكة أراد ﷺ أن يجهز جيشاً لـ مكة، وأخفى الأخبار حتى يبغتهم بغتة، يأتيهم بغتة وفجأة وهم لا يشعرون، فسد الأخبار وقال: ﴿اللهم خذ بأسماع قريش وأبصارها﴾ خذ بأسماع قريش، أي: اعم أبصارها وأسماعها، فلا تدري به ﷺ ، لئلا يتجهزون بجيش ويستعدون، ومباغتة العدو من أعظم الخطط العسكرية الرهيبة، كما ذكرها محمود شيت خطاب وغيره من الذين تكلموا في العسكرية الإسلامية. قال: خذ بأسماعهم وأبصارهم، فأتى حاطب بن أبي بلتعة، وأتى بامرأة قيل امرأة استأجرها، فكتب لأهل مكة، وحاطب هذا من أهل بدر ومن أهل بيعة الرضوان من الصحابة، لكن يعثر العبد ويخطئ العبد؛ فهو ليس نبياً معصوماً، فكتب خطاباً سرياً خطيراً يكشف خطة الرسول ﵊، يريد هو ﵁ أن يتخذ يداً عند كفار قريش يرضون عنه، فيتركون أبناءه وبناته وماله، ولا يؤذونه بشيء، فكتب: إن محمداً ﵊ يريد قتالكم، فقد تجهز بجيش فاستعدوا، ثم أخذ الخطاب، فلفه ووضعه في جديلة وفي ظفائر وفي شعر المرأة، ولفها عليه، ثم غرزه وأخفاه، وقال: اذهبي انطلقي، فذهبت من المدينة حتى أصبحت في روضة خاخ، لكن أين يذهب الخبر، والذي على العرش استوى لا تخفى عليه خافية؟! فأنزل الله جبريل على محمد ﷺ قال: أدرك ظعينة حاطب بن أبي بلتعة؛ فإنها في روضة خاخ، ومعها كتاب لكفار قريش يخبرهم بك، قال: يا علي ويا زبير! انطلقا إلى روضة خاخ، فانطلقا بفرسين يتسابقان فطوقا روضة خاخ، وإذا بالظعينة بين الشجر، قالوا: أخرجي الكتاب، قالت: ما عندي كتاب، وحلفت لهم أيماناً لا تقبل ولا تهضم ولا تصدق، فقال علي بن أبي طالب: والذي نفسي بيده ما كذب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لتخرجن الكتاب أو لأجردنك من الثياب، إما هذا وإما هذا، قالت: انتظروني قليلاً، فأخرجت الكتاب، فأخذا الكتاب واشتدا كالصقرين حتى عادا إلى رسول الله ﷺ بالكتاب، قال: عليّ بـ حاطب، وأتوا بـ حاطب من بيته، وعلم أن المسألة كشفت، فأجلسه ﷺ للمحاكمة، وعمر بسيفه جاهز متخصص في قطع الرءوس على الطريقة الإسلامية. قال رسول الله ﷺ : يا حاطب! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! ليس لي أهل ولا عشيرة ولا قوم في مكة، ولي أبناء عندهم وبنات -أي: أن له شبهة لكنها لا تقبل- فأردت أن يكون لي يد، فسكت ﷺ فقال عمر: يا رسول اللهّ! ائذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق؛ فقد خان الله ورسوله، وسل السيف، قال: ﴿يا عمر! دعه، يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ فدمعت عينا عمر، أي أنه من كان من أهل بدر، لا يسبقه فضل، ولا ترقى إليه درجة ولا منزلة أبداً ولا رتبة، فكف عمر السيف، فأخبر الله رسوله بهذا الخبر وما حصل، ومثله كثير في السيرة.

стр. 10283

إخباره بحديث عمير بن وهب مع صفوان في مكة كان ﷺ مع أصحابه في المسجد وهو يتحدث لهم ﷺ ، وإذا بـ عمر بن الخطاب مقبل، ومعه رجل، وقد أخذ عمر بتلابيب ثياب الرجل وبحمالة سيفه يقوده في المسجد، قال رسول الله ﷺ : ما هذا؟ قال: هذا عمير بن وهب أتى ومعه الشيطان، فقال: اتركه يا عمر! فأطلقه ﵁ وسيفه معه، فأجلسه ﷺ أمامه، وكان قد أتى من مكة، قال: ﴿ماذا أتى بك يا عمير بن وهب؟ -وهذا بعد بدر والأسارى عند رسول الله ﷺ قال: يا محمد! أتيت أفادي الأسارى الذين عندك -أي: أدفع الفدية وآخذ الأسارى- قال: كذبت، أنت جلست مع صفوان بن أمية ليلة كذا وكذا بعد صلاة العشاء بالحرم، فقلت له أنت: أما ترى ما فعل محمد بنا في بدر، قتل منا سبعين، وأسر منا سبعين، ليت لي بمن يكفيني أهلي ومالي، وأذهب إلى محمد، وأقتله في المدينة، قال لك صفوان: أنا أكفيك مالك وأهلك واذهب فاقتله، فأتيت تقتلني وما كان الله ليسلطك عليّ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما علم بي إلا أنت فمن أخبرك؟ قال: نبأني العليم الخبير، فأسلم واغتسل ودخل في دين الله﴾. وقد ذكر ابن سعد وابن عساكر أن شيبة بن عثمان أحد بني عبد الدار، وهم أهل مفاتيح الكعبة، قال: خرجت يوم حنين ما كان لي من قصد إلا أن أقتل النبي ﷺ -خرج مع جيش المسلمين أصلاً، ظاهره الإسلام- فلما التقى ﷺ والتقى مع الكفار، وإذا بالكتائب أقبلت، قال: ففر الناس، فنزل ﷺ من على بغلته، وغشيه الناس، وأخذ حفنة من تراب، فنثرها وقال: شاهت الوجوه، ووالله ما بقيت عين من عيون الكفار إلا دخلها شيء، فرفعت سيفي أريد أن أقتله قال: فلمع بارق بيني وبينه حتى كاد أن يأخذ بصري، فعدت فوضعت يدي على بصري فتأخرت، فقال: ادن مني ادن مني فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: اللهم أعذه من الشيطان، فوالله ما رفعها إلا صار أحب إليّ من سمعي وبصري وأهلي والناس أجمعين، فأسلمت وحسن إسلامي. فمعجزاته ﷺ كثيرة، ولو أخذنا في ذكرها، لطال بنا المقام، وأحببت أن نقتصر على مثل هذه، وإلا فقد انشق له القمر ﵊، وقد أخبر بقتل كسرى، فقتل في نفس الليلة التي أخبر فيها ﷺ .

стр. 10284

إخباره بفعل عيينة بن حصن مع أهل الطائف وأرسل عيينة بن حصن -كما عند البيهقي وأبي نعيم - يفاوض أهل الطائف، وعيينة هذا إسلامه ضعيف وقد ارتد، وهو سيد من سادات غطفان، قال: اذهب وفاوض أهل الطائف في الحصون ينزلون على حكمي على الإسلام، فذهب إليهم فقال: تحصنوا -بخلاف ما أرسله ﵊ لعلكم تعزون ويعزكم العرب، ثم أتى إلى الرسول ﵊ وقال له: ماذا قلت لهم؟ قال: قلت لهم: أسلموا ودعوتهم إلى الإسلام قال: كذبت، بل قلت لهم كذا وكذا وكذا.

стр. 10285

فوائد عرض معجزات النبي ﷺ فالله يطلع رسوله ﷺ من أخبار الغيب على ما شاء، والمقصود من مثل هذا الحديث: أولاً: تعظيم وتوقير وتقدير الرسول ﷺ . ثانياً: زيادة الإيمان بمعرفة هذه البينات والآيات والبراهين والأدلة. ثالثاً: زيادة الاتباع له ﷺ . رابعاً: الرقة والخشوع عند ذكر سيرته وسنته وطلب هذه العلوم التي كادت تنطمس مع الثقافة العصرية الوافدة، وأصبح قليل من الناس من يقرأ حديثاً، وقليل منهم من يستمع معجزاته، وقليل منهم من يطلع على سيرته ﷺ ، وقليل منهم من يطالع تاريخه المشرق الذي لا يوجد تاريخ أحسن ولا أجمل ولا أصدق منه. فأردنا أن تكون هذه السيرة معيناً علَّ الله أن ينير بها القلوب وأن يهدي بها النفوس، وأن يثبتنا على سنته وسيرته حتى نلقاه. وهنيئاً لكم أنتم موفقون بحول الباري، أسأل الله بهذا المجلس المبارك أن يجعله موصولاً برضوانه سبحانه، وأن ينزل علينا السكينة والرحمة والرضوان، وأن يذكرنا في من عنده، وأن يعتق رقابنا من النار، أتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأطمع في فضله -فإنه جواد كريم محسن- أن يتغمدنا وإياكم برحمته. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 10286

لقاء الأحبة مع المشائخ إنه ينبغي على علماء الدين أن يكونوا لقاءات ولقاءات، يتدارسون فيها هموم الأمة، ومشاكل الدعاة والعلماء، ويطرحون الحلول المناسبة للأمة والمجتمع، ولذلك فإن اللقاء خير مثال يدل على اهتمام علماء الدين بأمتهم ومجتمعهم، وكذلك شعراؤهم الذين يصورون المواقف، وينزلونها على مسامع الناس فيجدون لها التأثير الكبير، والحماس الشديد.

стр. 10287

ترحيب بالشيخ ابن باز الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين، صاحب السماحة والدنا وشيخنا وحبيبنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، أصحاب الفضيلة العلماء! أيها الإخوة الفضلاء والحضور النبلاء! أحييكم بتحية الإسلام وتحية دار السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 10288

قصيدة ترحيبية بالشيخ ابن باز للشيخ عائض القرني فقد نويت أن يكون أول ضيف يطأ بساط بيتي ويرد منزلي سماحة العالم الرباني ومحبيه ﴿وإنما لكل امرئ ما نوى﴾ والحمد لله ما أمسى أحد اليوم خيراً منَّا ضيفاً، من مثلنا وجد ضيفاً كهذا الضيف، المسيرة الربانية، والمرجعية العلمية، والعطاء المبارك، والعمر المجيد كلها نستقبلها هذه الليلة ونستضيفها. ألا مرحباًٍ بشيخنا ومرافقيه، ووالدنا وأبنائه، وعالمنا وطلابه من الوسطى والشرقية والغربية والشمالية والجنوبية. ويا سماحة الوالد! نظمت أبياتاً بعنوان: شيخ ومنهج، أستأذنكم في إلقائها: أعلامة الإسلام بيتي تهللا وقلبي رعاك الله بالحب قد تلا أحييك يا كل السماحة مثلما تحيي الربى غيثاً مغيثاً مجللا وأرتاح أن ألقاك في كل مجلس لقاؤك فوزٌ صار فينا معجلا نهنيك بالإسلام دين محمدٍ نعم ونهني الدين فيك ممثلا هو الحق حتى تفضل العين أختها وحتى يكون الفضل في الشيخ أفضلا روينا المعالي في رحابك غضة لها سند يتلوه بالصدق من تلا تركت السرى خلفي لمن ضاع عمره ويمَّمت قلبي في دروسك فانجلى فسبحان من يهدي القلوب لنوره وسبحان من يعطي الهداية من علا على سنة موروثة من نبينا تناقلها الأخيار شرعاً مكملا فليلتنا هذي يفوح عبيرها بأنفاسكم يا شيخ صارت قرنفلا كتبت بها تاريخ بيتٍ سكنته جميلٍ ولكن في وصولك أجملا فحياك رب العالمين تحيةً ترددها الأجيال ذكراً مرتلا فسار بها من لا يسير مشمراً ويعدو بها خيل الكرام محجلا وأهلاً وسهلاً بالمشايخ كلما أعيدت على الأيام أهلاً ومسهلا رفعنا بكم صرحاً لسنة أحمدٍِ عليها نلاقي الله إن شاء كُمَّلا على منهج الأخيار مثل ابن حنبل ومثل تقي الدين من عاش مبتلى وما نحن إلا للمجدد نصرة قصدت به من شعَّ في نجد مشعلا تركنا لـ جهم في الطريق جهنماً وجعد مع الأرذال يبقى مُكبَّلا ركلناك يا نهج الخوارج ركلةً يموت بها في المهد موتاً معجلا برئنا إلى الرحمن من كل رافضٍ ولسنا من الإرجاء لا والذي علا وننكر دين النصب لا درَّ درُّه ومن أنكر الأقدار منا تبهذلا أئمتنا كـ الشافعي ومالك وسفيان والنعمان صار مبجلا ولسنا دعاة للضلالة والهوى معاذ إلهي فاسأل الأرض والملا وسائل قلوب الناس واسأل عيونهم فأنتم شهود الله في الأرض عُدَّلا نحارب أهل الجاهليات جهدنا وكل حداثيٍ ومن عاش أهبلا وعالمنا عبد العزيز وشيخنا فديناه صار القلب للشيخ منزلا وصلِّ إلهي ما همى الغيث أو سرى مع النجم برق أو إذا الرعد جلجلا على المصطفى المختار والصحب كلهم وأتباعهم هم ناصرو الحق أولا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 10289

كلمة للشيخ ابن باز عن التقوى المقدم: فمع الأبوة لشباب الصحوة، ومع القيادة العلمية لطلبة العلم، مع الإمام الوالد سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ونحن يا سماحة الوالد! لن نثني ولن نمدح فقد أثنت عليك أعمالك، ومدحك ليلك ونهارك، ولكن نستأذنك في إعلان الحب لكم حباً يملأ الجوانح ويسبح على العيون، ويلجُّ على الألسنة ثناءً ودعاءً، حباً من هذه القلوب التي أصافت، والأعين التي شخصت، حباً ووداداً وموالاة، والذي نسأل الله أن يجعل هذا الحب من القربات التي تزلفنا عنده، وأن يجعل هذا الحب بجلاله جل وعلا مما يظلنا به تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. وإننا يا سماحة الوالد! ندعو لأنفسنا يوم ندعو الله ﷻ بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبارك في عمركم وينسأ في أثركم، وأن يجعل بقية عمركم رفعة في الدرجات وزيادة في الحسنات، وأن يقر أعينكم بعز الإسلام وصلاح المسلمين وائتلاف قلوبهم وصلاح أمورهم، وأن يجزيكم عنا وعن المسلمين خير ما جزى عباده الصالحين. أنتم الآن -أيها الإخوة- مع الكلام النوراني المنور بآي التنزيل المعطر بحديث سيد المرسلين، أنتم مع سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز فليتفضل مشكوراً مأجوراً. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله إمام الدعاة إلى الله ، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد سمعنا جميعاً هذه الآيات الكريمات التي تلاها أخونا، فأحب أن أتكلم عليها، وهي قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ٢٠]. ربنا في كتابه العظيم، خاطب المؤمنين في آيات كثيرة يأمرهم بالتقوى، وينهاهم عما يغضبه سبحانه، وينهاهم عن الاغترار بالدنيا وعن الاغترار بالشيطان.

стр. 10290

مفهوم التقوى يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:١٨] هذه الكلمة كبيرة جامعة تملأ الخير كله، فقد أمر بها سبحانه المؤمنين في هذه الآية وآيات كثيرات، وأمر بها -أيضاً- جميع الناس في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. فالتقوى: جماع الخير، هي: عبادة الله وتوحيده وطاعته وفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والوقوف عند حدوده، هذه هي التقوى والإيمان، وهي الهدى، والإسلام، والزهد. فالتقوى: أن تتقي ربك بالعبادة وحده، والإخلاص له سبحانه في جميع العبادات، وأن تطيع أوامره وأن تنتهي عن نواهيه، والإيمان به، والرضا بما عنده، والحذر من عقابه، وأن تقف عند حدوده لا تتجاوزها ولا تتعداها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] هذه هي التقوى، وهي العبادة التي خلقنا لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وهي التي أمرنا بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] وغيرها من الآيات. فالواجب على كل مكلف أن يتقي الله من رجال ونساء من جن وإنس من عرب وعجم من أغنياء وفقراء من حكام ومحكومين، الواجب على الجميع أن يتقوا الله؛ وذلك بعبادته وحده، والاستقامة على دينه، وفعل أوامره وترك نواهيه؛ عن محبة وإنابة، وعن صدق وإخلاص، وعن رغبة ورهبة، نرجو ثوابه ونخشى عقابه، هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس من الرجال والنساء من الأغنياء والفقراء من العرب والعجم. ثم يقول جل وعلا: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] يعني: انظروا ماذا قدمتم للآخرة، وهذا من التقوى، الأب يحاسب نفسه وينظر ماذا قدم من التقوى، فالواجب على كل مكلف أن يحاسب نفسه وينظر ما قدم، ولا يغفل فإن الشيطان قد يزين له الغفلة، وهكذا دعاة الباطل، وهكذا حب الدنيا وشهواتها قد يلجئه إلى هذا الشيء. فالواجب الحذر، والواجب أن يحاسب كل إنسان نفسه، وينظر ماذا قدم في عشيرته، فإن كان قدم عملاً صالحاً وتقوى فليحمد الله، وليسأل ربه الثبات، وإن كان قدم خلاف ذلك فليبادر إلى التوبة والإصلاح، والله يتوب على التائبين . (واتقوا الله) يكررها سبحانه لأهميتها والتأكيد عليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] من ادعى التقوى فإنه لا يخفى على الله، لا بد أن تكون التقوى دعوى صادقة؛ قولاً وعملاً، وعقيدةً بالقلب والعمل، فإن الله يَخْبُرُ أعمالنا ولا تخفى عليه .

стр. 10291

عاقبة نسيان الله ثم يحذرنا من نسيانه كما نسيه أعداؤه بترك طاعته وتوحيده فيقول سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:١٩] إذ أعرضوا عن الله وغفلوا عنه وعاملوه معاملة الناسي ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] أي: فأنساهم مصالحها، وأنساهم أسباب نجاتها، وقصرت أعمالهم وشهودهم كلها فيما يضرهم ولا ينفعهم؛ لأن الله أنساهم أنفسهم فهم يعملون لهلاكهم ودمارهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] وهم الذين خرجوا عن طاعة الله بأعمالهم الخبيثة.

стр. 10292

التشويق إلى الجنة ثم يقول سبحانه مشوقاً للجنة ومحذراً من ضدها: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر:٢٠] لا شك أنهما لا يستويان، لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النعيم المقيم؛ الأنهار الجارية، والنعم الكثيرة، والراحة التامة في جوار الرب الكريم، والنظر لوجهه الكريم، لا يستوي هؤلاء مع أصحاب الجحيم؛ أصحاب الأغلال والزقوم، أصحاب الحميم والسموم، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، هم الفائزون في الحقيقة في الدنيا والآخرة. فالواجب على المسلمين جميعاً في كل مكان حكاماً ومحكومين أن يتقوا الله، وأن يراقبوا الله في شعوبهم وفي جميع المسلمين؛ وذلك بإلزامهم بتقوى الله، وزجرهم عن محارم الله، وإيقافهم عند الحد الشرعي، هذا هو الواجب على جميع حكام المسلمين، وعلى كل قادر من مدير وقاضٍ ورئيس قبيلة إلى غير ذلك، الواجب على جميع المسلمين أن يتقوا الله، كما يجب على جميع المكلفين وإن كانوا من عامة الناس يجب على الجميع أن يتقوا الله، وأن يلزموا طاعته التي أوجب عليهم، ويحذروا معصيته، ويسألوه الثبات، ويحذروا أنفسهم، ولكن أرى من جميع الحكام والرؤساء عليهم أن يتقوا الله أكثر، وأن يلزموا شعوبهم ما أوجب الله عليهم من طاعته، ويحذروهم نقمته، ويراعوا ذلك ويراقبوه؛ بالطرق السديدة، وبالرجال الأمناء حتى يستقيم الأمر، وحتى يعبد الله وحده، وحتى يؤدى حقه، وحتى ينتهي الناس عن معصيته ومخالفة أمره.

стр. 10293

منة الله على عباده بنشر الدين وقد منَّ الله على الجزيرة العربية بدعوة قديمة، دعوة إسلامية، دعوة موافقة لما عليه أهل السنة والجماعة؛ وهي دعوة شيخنا ومحدثنا محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت هذه الجزيرة في جهل عظيم، وعبادة للقبور والأشجار والأحجار، وتحكيماًَ للقوانين ولعادات القبائل، فجاء الله بهذا الشيخ ﵀ وهو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي ﵀، قرأ في نجد والحجاز والبصرة، تعلم على جملة من المشايخ الأخيار، وهدى الله قلبه وسدد مساعيه حتى قام بالدعوة إلى الله في هذه الجزيرة في حريمنة ثم في العيينة ثم في الجزيرة ثم في أبها، ودعا إلى الله ونشر التوحيد، ودعا إلى هدم القباب، وهدم مشاهد الشرك وأعناق الشرك، ثم ساعده على ذلك الإمام محمد بن سعود ﵀ مساعدة عظيمة، فهدى الله بهما الناس في هذه الجزيرة من الظلمات إلى النور، ورفع بهما هذا الجيل العظيم جيل الإسلام، وهدم الله بهما قواعد وأسس الشرك وعبادة غير الله ، وحكَّما شريعة الله في عباد الله، وجاهدا في سبيل الله هما وأنصارهما، فكان هذا من رحمة الله لهذه الجزيرة ولغيرها. فإن الدعوة انتشرت وخرجت عن الجزيرة إلى الهند والشام والعراق وأفريقيا، ونقلها العلماء، ونفع الله بها العباد في أماكن كثيرة، فدعوا إلى الله ووجهوا الناس إلى الخير وإلى توحيد الله ، ونفوا الشرك بالله فصارت دعوة عظيمة مباركة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، رحم الله بها العباد، وأنقذهم الله بها من الشرك والظلم، وعبادة الأشخاص والأصنام والأوثان، إلى عبادة الله وحده . ثم استمرت هذه الدولة وهؤلاء العلماء من ذرية الشيخ محمد وأنصاره من الدعاة من نجد وغيرها في الدعوة إلى الله، ومعهم آل سعود وأنصارهم في الدعوة إلى الله، وترغيب الناس في الخير، وإقامة دين الله، وإقامة حدود الله في أرض الله، وفي سبيل الله، من ذاك الوقت إلى يومنا هذا، وهذه من نعم الله العظيمة. فالواجب الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، والدعاء للموجودين منهم بالتوفيق والهداية، ونسأل الله للموجودين التوفيق والهداية، وأن يبين لهم على المسلك الذي سلكه آباؤهم من آل الشيخ وآل سعود، نسأل الله أن يعينهم على إقامة الحق وفي ذلك الخوض، وأن يوفقهم لكل ما فيه الصلاح لعباده، وأن يعينهم على ذكره وفقهه وحسن عبادته، وأن يوفق علماءنا جميعاً في التعاون معهم في الدعوة إلى الله، ونشر دين الله، والصد على أعداء الله، فإن هذا هو الواجب على العلماء، الواجب على العلماء في هذه الجزيرة وفي كل مكان أن ينشروا دين الله، وأن يعلموا الناس دين الله، وينشروا توحيد الله والإخلاص له، ويعلموا الناس ما يهمهم من أمر دينهم، وأن يدعوهم إلى الإخلاص وإلى نبذ الشرك ومحاربة أسبابه وذرائعه وقواعده؛ من عبادة القبور والبناء عليها، وعبادة الأشجار والأحجار إلى غير ذلك من أصول الشرك وقواعده. علينا جميعاً ونحن العلماء في هذه الجزيرة وفي بقية أرض الله في كل مكان في أفريقيا وأوروبا وأمريكا وفي بلاد خراسان وفي كل مكان.

стр. 10294

الواجب الملقى على العلماء والدعاة على كل حال: على علماء الحق وعلماء الدين أن يتقوا الله، وأن يجتهدوا في نشر دين الله، وتعليم الناس ما أوجب الله عليهم، وتحريم ما حرم الله عليهم وأساس ذلك توحيد الله والإخلاص له والقيام بحقه سبحانه، هذا هو الأساس العظيم، وهو معنى: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أن يعلموا الناس توحيد الله وأن يبينوا لهم حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، ويحرضوا على الاستقامة على دين الله والحذر من محارم الله، ويتصفوا بالاستقامة على الحق وعلى شريعة محمد ﷺ ، هذا هو واجب أهل العلم أينما كانوا، في دروسهم، وفي خطبهم على المنابر، وفي محاضراتهم، وفي ندواتهم، يجب على كل العلماء أن يسلكوا هذا المسلك، وأن يعلموا الناس دين الله وينشروا بينهم دين الله من طريق الكتاب والسنة؛ من طريق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن يدعوا لولاة الأمور في كل مكان أن الله يهديهم ويصلحهم، ويعينهم على نشر الحق، والدعوة إليه، فإنهم بحاجة إلى الدعاء من إخوانهم المسلمين. نسأل الله أن يوفق علماء المسلمين في كل مكان للقيام بواجبهم، والدعوة إلى الله، ومناصرة الحق وأهله، ونشر الحق بين الناس، كما نسأله أن يوفق جميع المسلمين في كل مكان للفقه في الدين والاستقامة عليه، وأن يصلح قادتهم، ويعينهم على كل ما فيه رضاه، وعلى كل ما يقربهم منه ويباعدهم من غضبه ، كما نسأله أيضاً لولاة أمرنا أن يوفقهم للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين، وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد، ويصلح لهم البطانة، ويجزيهم عما فعلوا من الخير أحسن الجزاء، ويعينهم على إزالة كل شر وإقامة كل حق؛ إنه جل وعلا جواد كريم، كما أسأله أن يجعلنا وإياكم من أنصارهم ومن أعوانهم في الحق، وممن يتكاتف معهم ويسعى معهم في كل حق وهدى، وفي ترك كل باطل إنه جل وعلا جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه. (المقدم): شكر الله لكم وجزاكم عنا أفضل ما جزى عباده الصالحين.

стр. 10295

قصيدة للشيخ العشماوي بعنوان: حوار أمام بوابة الهزيمة االآن فمع سَبْحٍ شعري جميل، مع سادة الكلمة وحسان الصحوة، مع أبي أسامة عبد الرحمن بن صالح العشماوي. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. كنت أودُّ أن ألقي عليكم في هذه الليلة قصيدتي التي بعثت بها إلى سماحة الوالد الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ولكنني آثرت ألا ألقيها؛ لأنني أعلم أن المدح يضايقه، ونحن لا نمدحه إلا لأنه يستحق ذلك منا وأكثر منه، ولهذا فلن ألقي القصيدة حتى أريح نفسية شيخنا جزاه الله خيراً هذه الليلة. وألقي عليكم إحدى القصائد التي وقع عليها اختياري هذه الليلة وما اخترتها بعمق، ولكنني وجدتها قريبة مني عنوانها: "حوار أمام بوابة الهزيمة": طاب المكان وطاب فيه مقام وتفتقت عن زهرها الأكمام وجرت سواقي الحب ينبت حولها نخل وترتع حولها الأغنام والشمس تعزف للروابي نورها فيذوب طلٌّ تحتها وغمام والأرض تروي بالنبات حكايةً خضراء يكبر عندها الإلهام صور من الأحلام تثلج خاطري ولقد تسرُّ العاشق الأحلام صور رسمت أمام قلبي لوحة منها لعلَّ جراحه تلتام صور وتنسفها وقائع أمتي نسفاً ويبتلع المكان ظلام وعلى رصيف الليل طفل واجم ٌ نظراته نحو القلوب سهام وسؤاله الملهوف يحرق مهجتي أو ليس ديني يا أبي الإسلام أو ليس منهج أمتي قرآنها فبه لها في العالمين مقام أو ليس قدوتنا الرسول محمد تهدى إليه صلاتنا وسلام أو ما لنا في المجد ألف حكاية تعبت على تدوينها الأقلام أو ما جرت أنهارنا رقراقة بالخير ترفع فوقها الأعلام أو ما لدينا النبع يصفو ماؤه وعليه من شغف القلوب زحام أولم نكن جسر النجاة لعالم يشقى به الضعفاء والأيتام أولم تصغ بدر بداية مجدنا لما تهاوت عندها الأرقام ألفٌ تقابل نصف ألفٍ إنها لأدلة للواهمين تقام أولم يقم بالفتح صرح عقيدة في صدرها للمكرمات وسام أو ما ترى في الكون صوت بلالنا وعلى صداه تهاوت الأصنام أولم تكن ذات السلاسل لوحةً مرسومة وإباؤنا الرسام أو ما رأى اليرموك كيف استبشرت ببزوغ فجر المسلمين الشام أولم تكن للقادسية قصة أدلى بوصف شموخها التمتام أولم نعلق في المدائن شمعة بيضاء فر أمامها الإظلام أولم نلقن قيصراً وحشوده درساً تَحار أمامه الأفهام أولم ندع كسرى على إيوانه يبكي وتأكل صدره الآلام أولم يسلم جاذويه سلاحه فرقاً ويندب حظه بهرام أولم تخض بحر البطولة خيلنا وبقلب أندلس لها إعظام أولم تقل للصين خيل قتيبة جئنا يزف صهيلنا الإقدام أولم تصغ حطين لحناً خالداً تهفو إلى أنغامه الأنغام أولم تكن في عين جالوت لنا همم لردع المعتدين عظام أو هكذا ننسى المفاخر مثلما يُنسي الصغير هوى الرضاع فطام أو هكذا أبتاه تسكر أمتي سُكراً يقدم كأسه الإعلام أو هكذا توهي عزائم جيلنا قصص تصور فحشها الأفلام قل لي أبي: أنظل نأكل خبزنا وعليه من دمنا المراق إدام قل لي أبي: أنظل نشرب ماءنا والقدس يهتك عرضها وتضام قل لي أبي: أيبيت طفلٌ ساهراً في كفه حجر ونحن ننام ورمت عيون المخبرين وراءه وعلى شفاه الصامتين خطام سكتوا لأن السيف مسلول إذا نطقوا بما لا يرغب الأقزام سيفان يا أبتاه: سيف عدونا صلتٌ وسيف سلَّه الحكام وغرور أمريكا أحال رجالنا خشباً تسمر فوقه الأحلام عقب الشيخ ابن باز رحمة الله عليه في هذا المكان وقال: لو تغير البيت يكون طيب -أي: البيت الذي فيه كلمة أمريكا -، فقال العشماوي: طيب جزاك الله خيراً نغيره إن شاء الله. أو ما لنا أبتاه عزم صادق أو ليس بين صفوفنا مقدام أو ما لنا في السلم نهج واضح أو ما لنا وقت الحروب حسام أو مالنا في عالم اليوم الذي يجري طريق واضح ونظام أبتاه! هذا بيتنا قد هدمت جدرانه وأمامنا الهدام أبتاه! هذا جسم أمتنا سرت فيه اللظى واستشرت الأورام أبتاه! هذا درب أمتنا شكا فيه الثرى ما تصنع الألغام كفر وربك يا أبي ينوي بنا شراً ونحن كأننا الأنعام قل لي أبي: أنظل نلعق صمتنا وعلى الأنوف مذلةٌ ورغام أنظل نخفض للصليب رءوسنا وينام فوق فراشنا الحاخام أو هكذا أبتاه ننسى ديننا ويزيحنا عن رشدنا استسلام كان الأب المسكين يحبس دمعه ولحزنه بين الضلوع ضرام أبني لا تنطق فقد ألجمتني أواه كم يؤذي الكريم لجام هذي هي الأمراض قد فتكت بنا في عصرنا ودواؤها الإسلام فقال الشيخ للعشماوي: إن الأبيات طيبة ولكن طلب من العشماوي أن يصلح من الأبيات بعض الشي، فقال العشماوي له: سأغير إن شاء الله ما استطعت. (المقدم) لا فض الله فاك!
следующие страницы →