Полный текст (10 391 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.
стр. 10291
عاقبة نسيان الله
ثم يحذرنا من نسيانه كما نسيه أعداؤه بترك طاعته وتوحيده فيقول سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:١٩] إذ أعرضوا عن الله وغفلوا عنه وعاملوه معاملة الناسي ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] أي: فأنساهم مصالحها، وأنساهم أسباب نجاتها، وقصرت أعمالهم وشهودهم كلها فيما يضرهم ولا ينفعهم؛ لأن الله أنساهم أنفسهم فهم يعملون لهلاكهم ودمارهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] وهم الذين خرجوا عن طاعة الله بأعمالهم الخبيثة.
стр. 10292
التشويق إلى الجنة
ثم يقول سبحانه مشوقاً للجنة ومحذراً من ضدها: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر:٢٠] لا شك أنهما لا يستويان، لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النعيم المقيم؛ الأنهار الجارية، والنعم الكثيرة، والراحة التامة في جوار الرب الكريم، والنظر لوجهه الكريم، لا يستوي هؤلاء مع أصحاب الجحيم؛ أصحاب الأغلال والزقوم، أصحاب الحميم والسموم، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، هم الفائزون في الحقيقة في الدنيا والآخرة.
فالواجب على المسلمين جميعاً في كل مكان حكاماً ومحكومين أن يتقوا الله، وأن يراقبوا الله في شعوبهم وفي جميع المسلمين؛ وذلك بإلزامهم بتقوى الله، وزجرهم عن محارم الله، وإيقافهم عند الحد الشرعي، هذا هو الواجب على جميع حكام المسلمين، وعلى كل قادر من مدير وقاضٍ ورئيس قبيلة إلى غير ذلك، الواجب على جميع المسلمين أن يتقوا الله، كما يجب على جميع المكلفين وإن كانوا من عامة الناس يجب على الجميع أن يتقوا الله، وأن يلزموا طاعته التي أوجب عليهم، ويحذروا معصيته، ويسألوه الثبات، ويحذروا أنفسهم، ولكن أرى من جميع الحكام والرؤساء عليهم أن يتقوا الله أكثر، وأن يلزموا شعوبهم ما أوجب الله عليهم من طاعته، ويحذروهم نقمته، ويراعوا ذلك ويراقبوه؛ بالطرق السديدة، وبالرجال الأمناء حتى يستقيم الأمر، وحتى يعبد الله وحده، وحتى يؤدى حقه، وحتى ينتهي الناس عن معصيته ومخالفة أمره.
стр. 10293
منة الله على عباده بنشر الدين
وقد منَّ الله على الجزيرة العربية بدعوة قديمة، دعوة إسلامية، دعوة موافقة لما عليه أهل السنة والجماعة؛ وهي دعوة شيخنا ومحدثنا محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت هذه الجزيرة في جهل عظيم، وعبادة للقبور والأشجار والأحجار، وتحكيماًَ للقوانين ولعادات القبائل، فجاء الله بهذا الشيخ ﵀ وهو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي ﵀، قرأ في نجد والحجاز والبصرة، تعلم على جملة من المشايخ الأخيار، وهدى الله قلبه وسدد مساعيه حتى قام بالدعوة إلى الله في هذه الجزيرة في حريمنة ثم في العيينة ثم في الجزيرة ثم في أبها، ودعا إلى الله ونشر التوحيد، ودعا إلى هدم القباب، وهدم مشاهد الشرك وأعناق الشرك، ثم ساعده على ذلك الإمام محمد بن سعود ﵀ مساعدة عظيمة، فهدى الله بهما الناس في هذه الجزيرة من الظلمات إلى النور، ورفع بهما هذا الجيل العظيم جيل الإسلام، وهدم الله بهما قواعد وأسس الشرك وعبادة غير الله ، وحكَّما شريعة الله في عباد الله، وجاهدا في سبيل الله هما وأنصارهما، فكان هذا من رحمة الله لهذه الجزيرة ولغيرها.
فإن الدعوة انتشرت وخرجت عن الجزيرة إلى الهند والشام والعراق وأفريقيا، ونقلها العلماء، ونفع الله بها العباد في أماكن كثيرة، فدعوا إلى الله ووجهوا الناس إلى الخير وإلى توحيد الله ، ونفوا الشرك بالله فصارت دعوة عظيمة مباركة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، رحم الله بها العباد، وأنقذهم الله بها من الشرك والظلم، وعبادة الأشخاص والأصنام والأوثان، إلى عبادة الله وحده .
ثم استمرت هذه الدولة وهؤلاء العلماء من ذرية الشيخ محمد وأنصاره من الدعاة من نجد وغيرها في الدعوة إلى الله، ومعهم آل سعود وأنصارهم في الدعوة إلى الله، وترغيب الناس في الخير، وإقامة دين الله، وإقامة حدود الله في أرض الله، وفي سبيل الله، من ذاك الوقت إلى يومنا هذا، وهذه من نعم الله العظيمة.
فالواجب الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، والدعاء للموجودين منهم بالتوفيق والهداية، ونسأل الله للموجودين التوفيق والهداية، وأن يبين لهم على المسلك الذي سلكه آباؤهم من آل الشيخ وآل سعود، نسأل الله أن يعينهم على إقامة الحق وفي ذلك الخوض، وأن يوفقهم لكل ما فيه الصلاح لعباده، وأن يعينهم على ذكره وفقهه وحسن عبادته، وأن يوفق علماءنا جميعاً في التعاون معهم في الدعوة إلى الله، ونشر دين الله، والصد على أعداء الله، فإن هذا هو الواجب على العلماء، الواجب على العلماء في هذه الجزيرة وفي كل مكان أن ينشروا دين الله، وأن يعلموا الناس دين الله، وينشروا توحيد الله والإخلاص له، ويعلموا الناس ما يهمهم من أمر دينهم، وأن يدعوهم إلى الإخلاص وإلى نبذ الشرك ومحاربة أسبابه وذرائعه وقواعده؛ من عبادة القبور والبناء عليها، وعبادة الأشجار والأحجار إلى غير ذلك من أصول الشرك وقواعده.
علينا جميعاً ونحن العلماء في هذه الجزيرة وفي بقية أرض الله في كل مكان في أفريقيا وأوروبا وأمريكا وفي بلاد خراسان وفي كل مكان.
стр. 10294
الواجب الملقى على العلماء والدعاة
على كل حال: على علماء الحق وعلماء الدين أن يتقوا الله، وأن يجتهدوا في نشر دين الله، وتعليم الناس ما أوجب الله عليهم، وتحريم ما حرم الله عليهم وأساس ذلك توحيد الله والإخلاص له والقيام بحقه سبحانه، هذا هو الأساس العظيم، وهو معنى: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أن يعلموا الناس توحيد الله وأن يبينوا لهم حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، ويحرضوا على الاستقامة على دين الله والحذر من محارم الله، ويتصفوا بالاستقامة على الحق وعلى شريعة محمد ﷺ ، هذا هو واجب أهل العلم أينما كانوا، في دروسهم، وفي خطبهم على المنابر، وفي محاضراتهم، وفي ندواتهم، يجب على كل العلماء أن يسلكوا هذا المسلك، وأن يعلموا الناس دين الله وينشروا بينهم دين الله من طريق الكتاب والسنة؛ من طريق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن يدعوا لولاة الأمور في كل مكان أن الله يهديهم ويصلحهم، ويعينهم على نشر الحق، والدعوة إليه، فإنهم بحاجة إلى الدعاء من إخوانهم المسلمين.
نسأل الله أن يوفق علماء المسلمين في كل مكان للقيام بواجبهم، والدعوة إلى الله، ومناصرة الحق وأهله، ونشر الحق بين الناس، كما نسأله أن يوفق جميع المسلمين في كل مكان للفقه في الدين والاستقامة عليه، وأن يصلح قادتهم، ويعينهم على كل ما فيه رضاه، وعلى كل ما يقربهم منه ويباعدهم من غضبه ، كما نسأله أيضاً لولاة أمرنا أن يوفقهم للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين، وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد، ويصلح لهم البطانة، ويجزيهم عما فعلوا من الخير أحسن الجزاء، ويعينهم على إزالة كل شر وإقامة كل حق؛ إنه جل وعلا جواد كريم، كما أسأله أن يجعلنا وإياكم من أنصارهم ومن أعوانهم في الحق، وممن يتكاتف معهم ويسعى معهم في كل حق وهدى، وفي ترك كل باطل إنه جل وعلا جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
(المقدم):
شكر الله لكم وجزاكم عنا أفضل ما جزى عباده الصالحين.
стр. 10295
قصيدة للشيخ العشماوي بعنوان: حوار أمام بوابة الهزيمة
االآن فمع سَبْحٍ شعري جميل، مع سادة الكلمة وحسان الصحوة، مع أبي أسامة عبد الرحمن بن صالح العشماوي.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
كنت أودُّ أن ألقي عليكم في هذه الليلة قصيدتي التي بعثت بها إلى سماحة الوالد الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ولكنني آثرت ألا ألقيها؛ لأنني أعلم أن المدح يضايقه، ونحن لا نمدحه إلا لأنه يستحق ذلك منا وأكثر منه، ولهذا فلن ألقي القصيدة حتى أريح نفسية شيخنا جزاه الله خيراً هذه الليلة.
وألقي عليكم إحدى القصائد التي وقع عليها اختياري هذه الليلة وما اخترتها بعمق، ولكنني وجدتها قريبة مني عنوانها: "حوار أمام بوابة الهزيمة":
طاب المكان وطاب فيه مقام وتفتقت عن زهرها الأكمام
وجرت سواقي الحب ينبت حولها نخل وترتع حولها الأغنام
والشمس تعزف للروابي نورها فيذوب طلٌّ تحتها وغمام
والأرض تروي بالنبات حكايةً خضراء يكبر عندها الإلهام
صور من الأحلام تثلج خاطري ولقد تسرُّ العاشق الأحلام
صور رسمت أمام قلبي لوحة منها لعلَّ جراحه تلتام
صور وتنسفها وقائع أمتي نسفاً ويبتلع المكان ظلام
وعلى رصيف الليل طفل واجم ٌ نظراته نحو القلوب سهام
وسؤاله الملهوف يحرق مهجتي أو ليس ديني يا أبي الإسلام
أو ليس منهج أمتي قرآنها فبه لها في العالمين مقام
أو ليس قدوتنا الرسول محمد تهدى إليه صلاتنا وسلام
أو ما لنا في المجد ألف حكاية تعبت على تدوينها الأقلام
أو ما جرت أنهارنا رقراقة بالخير ترفع فوقها الأعلام
أو ما لدينا النبع يصفو ماؤه وعليه من شغف القلوب زحام
أولم نكن جسر النجاة لعالم يشقى به الضعفاء والأيتام
أولم تصغ بدر بداية مجدنا لما تهاوت عندها الأرقام
ألفٌ تقابل نصف ألفٍ إنها لأدلة للواهمين تقام
أولم يقم بالفتح صرح عقيدة في صدرها للمكرمات وسام
أو ما ترى في الكون صوت بلالنا وعلى صداه تهاوت الأصنام
أولم تكن ذات السلاسل لوحةً مرسومة وإباؤنا الرسام
أو ما رأى اليرموك كيف استبشرت ببزوغ فجر المسلمين الشام
أولم تكن للقادسية قصة أدلى بوصف شموخها التمتام
أولم نعلق في المدائن شمعة بيضاء فر أمامها الإظلام
أولم نلقن قيصراً وحشوده درساً تَحار أمامه الأفهام
أولم ندع كسرى على إيوانه يبكي وتأكل صدره الآلام
أولم يسلم جاذويه سلاحه فرقاً ويندب حظه بهرام
أولم تخض بحر البطولة خيلنا وبقلب أندلس لها إعظام
أولم تقل للصين خيل قتيبة جئنا يزف صهيلنا الإقدام
أولم تصغ حطين لحناً خالداً تهفو إلى أنغامه الأنغام
أولم تكن في عين جالوت لنا همم لردع المعتدين عظام
أو هكذا ننسى المفاخر مثلما يُنسي الصغير هوى الرضاع فطام
أو هكذا أبتاه تسكر أمتي سُكراً يقدم كأسه الإعلام
أو هكذا توهي عزائم جيلنا قصص تصور فحشها الأفلام
قل لي أبي: أنظل نأكل خبزنا وعليه من دمنا المراق إدام
قل لي أبي: أنظل نشرب ماءنا والقدس يهتك عرضها وتضام
قل لي أبي: أيبيت طفلٌ ساهراً في كفه حجر ونحن ننام
ورمت عيون المخبرين وراءه وعلى شفاه الصامتين خطام
سكتوا لأن السيف مسلول إذا نطقوا بما لا يرغب الأقزام
سيفان يا أبتاه: سيف عدونا صلتٌ وسيف سلَّه الحكام
وغرور أمريكا أحال رجالنا خشباً تسمر فوقه الأحلام
عقب الشيخ ابن باز رحمة الله عليه في هذا المكان وقال: لو تغير البيت يكون طيب -أي: البيت الذي فيه كلمة أمريكا -، فقال العشماوي: طيب جزاك الله خيراً نغيره إن شاء الله.
أو ما لنا أبتاه عزم صادق أو ليس بين صفوفنا مقدام
أو ما لنا في السلم نهج واضح أو ما لنا وقت الحروب حسام
أو مالنا في عالم اليوم الذي يجري طريق واضح ونظام
أبتاه! هذا بيتنا قد هدمت جدرانه وأمامنا الهدام
أبتاه! هذا جسم أمتنا سرت فيه اللظى واستشرت الأورام
أبتاه! هذا درب أمتنا شكا فيه الثرى ما تصنع الألغام
كفر وربك يا أبي ينوي بنا شراً ونحن كأننا الأنعام
قل لي أبي: أنظل نلعق صمتنا وعلى الأنوف مذلةٌ ورغام
أنظل نخفض للصليب رءوسنا وينام فوق فراشنا الحاخام
أو هكذا أبتاه ننسى ديننا ويزيحنا عن رشدنا استسلام
كان الأب المسكين يحبس دمعه ولحزنه بين الضلوع ضرام
أبني لا تنطق فقد ألجمتني أواه كم يؤذي الكريم لجام
هذي هي الأمراض قد فتكت بنا في عصرنا ودواؤها الإسلام
فقال الشيخ للعشماوي: إن الأبيات طيبة ولكن طلب من العشماوي أن يصلح من الأبيات بعض الشي، فقال العشماوي له: سأغير إن شاء الله ما استطعت.
(المقدم)
لا فض الله فاك!
стр. 10296
كلمة للشيخ سلمان العودة عن سلامة الصدر
أما الآن مع فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة في كلمة مختصرة:
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سماحة الوالد الكريم! أصحاب الفضيلة! أيها الإخوة! إنني أعجب حين أقوم متحدثاً أو أقعد متحدثاً بينكم، ففي هذا المجلس من الأفاضل والمشايخ من هم أجدر بالحديث وأولى به، لكنني لم أملك إلا الموافقة على هذا الطلب، وأسأل الله تعالى أن يلهمني ويسددني.
стр. 10297
شأن الإمامة في الدين
أيها الإخوة! إن القرب من الصالحين كله خير وبركة، فعند ذكرهم يرجى نزول الرحمات، ويكون ذكرهم داعياً إلى الاقتداء بمآثرهم والسير على منوالهم والنسج على طريقتهم، وإن هذه الأمة تُعدُّ اليوم بما يزيد على مئات الملايين، بل تاريخ هذه الأمة لم يبدأ منذ ستين سنة أو سبعين سنة، تاريخ هذه الأمة مضى عليه ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة؛ فكم تظن من الناس مشوا على ظهر هذه الأرض ووطئوها من أهل الإيمان ومن أهل التوحيد، بل ومن أهل العلم أيضاً، ولكن كم أولئك الذين بقيت مآثرهم وخلد ذكرهم؛ فأصبح الناس يذكرونهم بالخير؛ فيترحمون عليهم، ويدعون لهم، ويقبسون من علمهم، على رغم أن بينهم وبينهم مفاوز من السنين وأحقاباً متطاولة، وعلى رغم أنهم قد يكونون في مناطق بعيدة نائية، إن الناس اليوم يستفيدون من علم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أكثر مما يستفيدون من علم معظم المعاصرين؛ وكأن هذا الإمام حيٌ بيننا، وإن كان موسداً في قبره إلا أنه حيٌ بيننا بعلمه وبتراثه وبكتبه وبمواقفه وكما قيل:
يا رُبَّ حيٍ رغام القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا
هذه الأمة التي يقولون: عددها ألف بليون إنسان ومائتا مليون إنسان، هذا الرقم من حيث العدد، كم تأثير هذه الأمة؟ وكم إنتاجية هذا العدد الكبير؟
إن فئةً قليلة من أعداء الإسلام قد بلغوا بهذه الأمة مبلغاً عظيماً؛ لأنهم جدوا واجتهدوا وحاولوا وبذلوا، أما هذه الأمة فهي أرقام وأعداد، لكن لو أتيت إلى الذين يقومون بما أوجب الله عليهم من العبادة، والعلم، والدعوة، والجهاد، والصبر لوجدتهم قليلاً، وكما قيل:
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
ويا سبحان الله! كأن الدعاة إلى الله وكأن العلماء رفاق سفر طويل طويل، فهم يبدءون كثيراً ولكن يتساقطون واحداً بعد الآخر، كلما بعدت المفازة واشتد الأمر وعظم الخطب، ولا يبقى إلا من حكم الله تعالى لهم بأنهم أئمة، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء.
قال سفيان: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ أن يكون عند الإنسان يقين بالحق الذي يحمله ويدعو إليه، يقين من الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام:٥٧] فهذا اليقين ما أخذه تقليداً ولا أخذه تأثراً بالأتباع والدهماء ومن حوله من الناس، وإنما أخذه بالدليل من القرآن ومن السنة الصحيحة، فاستقر في قلبه وآمن به، وجرى منه مجرى الدم في العروق، فلم يعد يرتاب فيه على رغم قلة النصير والمعين، وكثرة المعارض، فأصبح عنده يقين بدينه، ثم أصبح عنده صبر على ذلك، صبر جميل ليس فيه جزع ولا تشكٍ، ولا تسخط ولا تردد، بل فيه ثبات على هذا الدين، وإصرار عليه، ودعاء أن يثبت الله تعالى قلبه فلا يزلَّ ولا يزيغ.
стр. 10298
أعظم وسائل الثبات
أيها الإخوة! إن من أعظم وسائل الثبات التي كان النبي ﷺ يسألها وهو في سجوده فيقول: ﴿يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك﴾ أن يملك الإنسان قلباً سليماً؛ ليس فيه حقد، ولا غل، ولا كراهية، ولا بغضاء، ولا حسد، ينام هذا الإنسان وليس في قلبه حقد على مسلم لخير أعطاه الله إياه، وإن جاز لنا أن نتكلم عن بعض الحضور فإنني أقول: إن مما استفدته واستفاده غيري من طلبة العلم، استفدناه نظرياً ونسأل الله أن يعيننا جميعاً على تطبيقه وتحقيقه من سماحة الوالد سلامة الصدر، وأن يحرص الإنسان على أن يقابل الإساءة بالإحسان، ويقابل المنكر بالمعروف، ويقابل المعصية بالطاعة، وأن يعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، فإن هذا هو الأمر المتعين، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
أي: خذ ما جاء من الناس عفواً بلا تكلف ولا عنت ولا مشقة، (وأمر بالعرف) أي: بالخير الذي ينفع الناس في دينهم ودنياهم، ومن تنكب هذا وذاك فعليك بالإعراض عنه وحسن المقال، قال الله : ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [الإسراء:٥٣] فتحري الإنسان طيب الكلام، وحسن الدعاء لإخوانه، والرغبة في هدايتهم، والشفقة عليهم، وعدم تصديق قالة السوء عنهم مهما كانت؛ فإن هذا من أسباب جمع الكلمة، ومن أسباب صفاء القلوب، والله تعالى قال على لسان خليله إبراهيم ﵊ قال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩].
فسلامة القلب أمر عظيم، وربما نستطيع أن نتكلم جميعاً عن هذا الأمر ونفيض فيه وندعو الناس إليه، لكن الشأن والخطب هو: هل يستطيع الواحد منا أن يضع خده على وسادته فلا يشعر في قلبه ببغضاء لمسلم؟ نعم قد ترى أن فلاناً ظلمك، وفلاناً أخطأ عليك، وفلاناً أساء إليك، وفلاناً قال، وفلاناً فعل، وهم -أيضاً- يرون أنك قلت وفعلت وظلمت وأخطأت، فالشأن كل الشأن أن تستطيع أن تصفي قلبك، فلا تجعل فيه مستقراً لبغضاء مسلم، ولا لحقد على مسلم، يكفيك أن في قلبك محبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﷺ ، ومحبة الأخيار، وبغض الكافرين والمنافقين الذين بغضهم عبادة؛ بل جزء من الإيمان، بل هو جزء من تحقيق معنى (لا إله إلا الله) التي هي نفي وإثبات؛ إثبات الألوهية لله تعالى وحده ونفيها عمن عداه، ويتبع ذلك محبة الله ومحبة رسله والملائكة والأولياء والصالحين، وبالمقابل بغض الشرك والمشركين، وبغض الأوثان وأهلها كما قال الخليل ﵊: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] فلم يعد في هذا القلب مستقر لبغض المؤمنين وبغض الصالحين ولو وجد منهم ما وجد من خطأ أو تقصير أو ما تظنه أنت خطأً أو تقصيراً في حقك، أو ظلماً لك أو ما أشبه ذلك.
وإنني أذكر قصة رواها أحمد والبزار وغيرهما وقوى إسنادها الهيثمي في مجمع الزوائد: ﴿أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان جالساً عند النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته من أثر الوضوء، فأراد عبد الله بن عمرو بن العاص أن ينظر شأن هذا الرجل، فقال له: إنه كان بيني وبين أبي ملاحاة، وإنني آليت ألا أدخل البيت ثلاثة أيام، فأريد أن أبيت عندك، فذهب معه وبات عنده، فنظر في صلاة هذا الرجل فلم يجد عنده كثير صلاة، ونظر في صيامه فوجده كغيره من الناس، فلما تمت الأيام الثلاثة قال له: يا هذا! لم يكن بيني وبين أبي شيء ولكن الرسول ﷺ قال كذا وكذا؛ فأحببت أن أنظر بم بلغت ما بلغت، قال: أما إذ قلت ذلك؛ فإنني أبيت يوم أبيت وليس في صدري حقد على مسلم على خير أو فضل أعطاه الله إياه﴾.
وقد يستطيع الواحد منا أن يحسن صلاته، أو أن يعفي لحيته كما أمر النبي ﷺ ، أو أن يقصر ثوبه كما أمر النبي ﷺ ، وقد يستطيع أن يفعل كثيراً من الأعمال الظاهرة، لكن أمر القلب عظيم يحتاج إلى صبر ومجاهدة وإلى مقامات ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] وإنني أعلم أن هذا الأمر خطير وهذا الشأن عظيم، وأنا فتحت الموضوع ولكني ما وفيته حقه، فألتمس إن أذن الإخوة المنظمون من سماحة والدنا أن يقول ولو كلمات يسيرات لعل الله أن ينفع بها الحضور، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 10299
كلمة لابن باز عن سلامة الصدر
بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.
أما بعد:
فلا شك أن ما قاله أخونا الفاضل الشيخ: سلمان العودة فيما يجب على المسلمين من الدعوة إلى الله والتعليم والإرشاد والنصح لله ولعباده يرجع الأمر أنه أمر لازم والناس في أشد الحاجة إليه، العالم في أشد الحاجة إلى التعليم والتوجيه؛ لأن علماء السنة قلوا واشتدت الغربة كما قال النبي ﷺ : ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدوركم، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا﴾.
فالواجب على أهل العلم أن يعتنوا بالدعوة إلى الله، وأن يكونوا على بصيرة مما يقولون، على كل واحد أن يهتم بالعلم وأن يقول عن علم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨].
كل واحد مسئول فليتق الله وليقل عن علم أينما كان؛ في بلاده وفي غير بلاده، في السيارة، وفي الطائرة، والقطار، والسفينة، والباخرة، وفي كل مكان، يتقي الله ويدعو إليه، ويرشد الناس إلى الخير.
وعليه أن يكون سليم القلب من الغل على إخوانه وإن سمع شيئاً فليتق الله وليصفح وليعفو؛ لأن هذا أقرب للتقوى، وأقرب لجمع القلوب، وأقرب إلى الصلاح بين الجميع والتعاون، وليكون قلبه سليماً من كل ما يخالف شرع الله؛ من اتباع هوىً، ومن غلٍ على مسلم، ومن حسد لآخر، ومن دعوة إلى غير الله ، ويكون قلبه سليماً من كل إرادة تخالف شرع الله، ومن كل عمل يخالف شرع الله، ومن كل قول يخالف شرع الله، ومن كل هدف يخالف شرع الله، أن يكون هدفه وجهوده وأعماله وأقواله كلها في تحقيق ما شرعه الله وفي الدعوة إليه، وفي التحذير من خلافه؛ هذا هو طريق النجاة والسلامة، وبذلك نرضي الله وننفع المسلمين وتكثر أحبابه وإخوانه وينتفعون به.
نسأل الله للجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
كلام المقدم:
أثابكم ربي وشكر لكم وبارك فيكم، ووفقكم ونفعنا جميعاً بهذا الكلام المسدد، ووهب لنا من عنده طهارة القلوب.
стр. 10300
قصيدة للشيخ ناصر الزهراني بعنوان: النهر المسترخي
الأستاذ الدكتور: ناصر بن سعد الرشيد شاعر مُقل، ولكن إذا صهل ففحل من فحول الغرة، فنسأل أستاذنا شيئاً من هذا القليل ونحن نقول:
قليل منك يكفينا ولكن قليلك لا يقال له قليل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فلقد وصف أخي الشيخ عبد الوهاب الشاعر الكبير الدكتور: عبد الرحمن العشماوي بأنه حسان هذه الصحوة، أما أنا فيشرفني بأن أنتسب إلى هذه الصحوة ولو كنت أبا دلامتها هذه الليلة، إنما عندي في حقيقة الأمر هي قصيدة عمرها أكثر من عشرين عاماً ولقد قلتها قبل حرب رمضان، وقد كنت في ذلك الوقت في دمشق ولذلك عنونتها: "النهر المسترخي".
وقد أحسست بأن شيئاً كالسلم سيحصل، فأريد أن أسمعكم جزءاً من هذه القصيدة هذه الليلة:
أرى دمشق حداداً لف سدته على عيوني فهذا الدهر صوّان
وهذه المرجة الحسناء شاحبة ميسون غائبة عنها وحسان
النهر يجري بها مسترخياً هرماً هل صار بينهما صد وهجران
هل شخت يا بردى في عنفوان صبا أم أثقلتك انتكاسات وأحزان
أم أن وكر هوىً أضنى بحجته ينبوع كبرك أن الحب سلطان
أم أن دعوة سلمٍ بات يرهقها دعاة سلمٍ غووا والسلم خذلان
أتتك فوق جناح الليل نغمتها فشل سطوك مأجور وعدوان
أما فتئت تعيش الحزن مكتئباً قد قدموك كأن الأرض قربان
حتى ضويت هزالاً ما تحركنا خرير مائك منهوك ووسنان
إن كان ضعفك من مجرى برمت به وما يحف به حور ولا بان
فابحث لنفسك عن مجرى يليق به ولو تولد فيك اليوم عصيان
واصرفه عن قنوات ماؤها أسنٌ فآسن الماء لا يهواه إنسان
متى أراك فإن القلب مضطرب وأنت من غضب يعلوك طوفان
لتجرف الشوك عن درب الألى عزموا فالشوك في دربهم للمجد ألوان
وتغسل الأرض من أوصابها أبداً حتى تقيك فإن الأرض أدران
فالويل مستعر والظلم منتشر والعيش فيها حزازات وأضغان
تباً لمبدأ أحزاب تفرقنا وإننا في رباط الله إخوان
يوماً سنكشف عن بطلان زخرفها قد آن أن يجمع الأقوام قرآن
حتى تكون بلاد الله واحدة سهلان أيسون أو فيسون سهلان
(كلمة الملقي):
بارك الله فيك، ولا فض الله فاك، وسددك ربك ومولاك.
стр. 10301
كلمة عوض القرني عن بعض التوجيهات للدعاة والعلماء
أما الآن فمع كلمة موجزة لفضيلة الشيخ: عوض القرني فليتفضل مشكوراً.
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، تقدست أسماؤك، وتعالت صفاتك، ولا إله إلا أنت سبحانك.
مشايخنا الأفاضل! الحديث في مثل هذا الجمع الكريم من مثلي غير مستفاض، إذا حضرنا مع مثل هذه الوجوه الطيبة من مشايخنا وأساتذتنا وعلمائنا؛ فالجدير بنا أن نحسن الاستماع والتعلم، أما وقد قدمني الإخوة لهذه الكلمة.
فأقول:
أيها الإخوة: أولاً: نهنئ أنفسنا بلقائنا بسماحة شيخنا ووالدنا، ونهنئ أنفسنا بهذا الجمع الكريم المبارك، ونهنئ أخانا الكريم باجتماع هذه الكوكبة الطيبة في منزله في هذه الليلة، وإذا كان في كل منزل سيجتمع مثل هذا الجمع فليقتني في كل أسبوع منزلاً.
أيها الأحبة: أذكركم ببعض ما تعلمون ولا أعلمكم، وقد أشار الإخوة الأفاضل إلى مكانة هذه البلاد التي اصطفاها الله في مبتدأ أمر هذا الدين، والدور الذي ينبغي أن تؤديه في هذا الزمن، وأذكر بنظرة المسلمين إلى علماء هذه البلاد وإلى رجالها وإلى شباب الصحوة فيها، وأذكركم بمآسي المسلمين وجراحاتهم وقضاياهم، ولئن تباسطنا في الحديث فينبغي ألا تزول آثار تلك الجراح من قلوبنا.
وينبغي -أيها الإخوة المؤمنون- أن نعي رسالتنا في هذه الحياة، وأن نعلم أن الله قد شرفنا وكلفنا؛ شرفنا حين جعلنا ممن يحمل رسالة محمد ﷺ بعده ويبلغها للعالمين، ويجاهد في سبيل إعلائها، ويحب من والاها ويبغض من عاداها، وكلفنا حين جعل على عواتقنا حمل أعباء الرسالة بعد أن ختمت الرسالات بمحمد ﷺ ، وأزعم أن القيام ببعض أعباء هذه الرسالة يقتضي منا أموراً كثيرة:
أول هذه الأمور: تصفية المقاصد والقلوب، وتوجيه ذلك إلى الله ، وأن نراجع أفراداً وطوائف وجماعات مسيرتنا باستمرار، وأن نحدد وجهتنا إلى الله .
الأمر الآخر: أن نجرد المتابعة لمحمد ﷺ ، وأن نلهج بذلك في كلماتنا ومحاضراتنا وندواتنا، وفي منتدياتنا ونوادينا، وفي إعلامنا وتعليمنا؛ حتى يكون ﷺ هو القدوة الحية الماثلة للعيان؛ ليس للعلماء وطلبة العلم فقط؛ بل لجميع طوائف الأمة من رجالها ونسائها وشبابها وشاباتها، وأن يكون دور الدعاة والعلماء دور الجداول الموصلة إلى البحر الأعظم محمد ﷺ .
والأمر الثالث: هو أن توحد الصفوف، وتأتلف القلوب، وتجتمع الكفوف، وأن نكون كما وصف الله المؤمنين: بنياناً مرصوصاً، وكما وصفه محمد ﷺ : جسداً واحداً، حينئذٍِ -أيها الإخوة الكرام الأفاضل- نستطيع أن نؤدي الرسالة التي كلفنا الله بها، وحينئذٍ نستطيع أن نلبي نداءات أمتنا واستغاثاتها في كل مكان تستغيث فيه وتنادي باستمرار: وا إسلاماه! وا إسلاماه!
أيها الإخوة الكرام: أسأل الله أن يسلك بنا سبيل الرشاد، وأن يهدينا سواء السبيل، وأن يجعلنا من أتباع محمد ﷺ قولاً وعملاً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 10302
قصيدة ناصر الزهراني عن دعوة الأنبياء
المقدم:
أما الآن فنطوي صفحات هذا اللقاء ونختمه بصفحة شعرية رسم معانيها بكلماته أخونا الشاعر: ناصر الزهراني فليتفضل مشكوراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صاحب السماحة! مشايخنا الكرام! أعتذر إليكم فكم كنت أتمنى أن أكون في هذا اللقاء مستمعاً، وأن أكون هادئاً مرتاح البال؛ لأنه ليس لدي مشاركة، وقد أتيت ولم أعد فقرة في هذا اللقاء، إلا أن أخي الكريم الشيخ عائض حفظه الله ألح وأبى إلا أن يكون لي مشاركة، فدخلت في تجربة طويلة أعتذر لأن الوقت لم يسمح لي بأن أفرغ هذه التجربة كاملة، فربما ترون في هذه القصيدة شيئاً من التفكك أو النقص أو الخلل؛ لأنها لا تزال إلى الآن عظم، وكنت أتمنى أن أسلمها للشيخ عائض على المفتاح.
جيرة تشترى وقصر مشيد وفؤاد بأهل نجد سعيد
يا أبا عبد الله فأنس بدارٍ في بلاد يطيب فيها الوجود
في بلاد للحق فيها جذور راسيات والقوم فيها أسود
يا ربيب البيان جاءت جموع قادها الحب والرضى والسعود
يا سليل الكرام رب وجوه شابها الحقد فهي كالفحم سود
طبت نفساً وزدت فخراً وأنساً حينما زارك الإمام الرشيد
قد أنسنا سماحة الشيخ أنساً لا يجارى والليل ليل سعيد
القوافي تهيم في وصفك الأغـ ـلى ويحلو إذا ذكرت النشيد
لن أسوق الثناء والمدح إني مفعم بالأسى وجرحي شديد
يا سليل الكرام ما كان شعري سلماً يبتغى عليه الصعود
إنما الشعر نبض قلبي وقلبي عن خداع الصديق دوماً بعيد
إيه يا صاحب السماحة عذراً إن قسونا أو ندَّ لفظ شديد
ذاك طبع المحب يقسو ولكن قلبه طيب محب ودود
أيها العالم المبجل شعري قال شيئاً مما تريد الوفود
كم صبرنا وكم وعدنا وعوداً وانتظرنا فأين تلك الوعود
أيها العالم الجليل امتحنا وأرى الخطب كل يوم يزيد
نحن نأوي إليك في كل كرب بعد ربي فأنت ركن شديد
أيها الشيخ ليس يثني خطانا عن هدى مالك الملوك الوعيد
نبذل النفس والنفيس ليبقى وليعلو في أرضنا التوحيد
مالنا مطمع ولا نيل غنمٍ فرضا الله منتهى ما نريد
نحن أتباع سنة وكتاب ما جهلنا فالدرب درب سديد
ثار فيه الدعاة من عهد نوح ومضى فيه صامدين الجدود
كم دعا صالح ثمود لتمشي في طريق الهدى فزاد الشرود
سخروا منه أعرضوا عن هداه فنجا صالح وخابت ثمود
وأبت عاد داعي الحق فيها كم دعاها لمنهج الله هود
فانبروا يصرخون يا هود هذا دين آبائنا فماذا تريد
هذه دعوة تخالف نهجاً نرتضيه وليس فيه القيود
أرسل الله ريح صرصر تنـ ـسف الظلم وأهله وتبيد
وطغى في البلاد فرعون قهراً وعلواً والظلم ظلم شديد
قال في خسةٍ: أنا الرب فيكم دون خوف فالشعب شعب بليد
قال موسى في حكمة وهدوء أيها الحاكم العظيم المجيد
دع بني إسرائيل من ربقة الـ ظلم فكلنا للإله عبيد
فاستشاط اللئيم وازداد حمقاً ثم نادى هامان أين الجنود
صاح في قومه دعاة ضلال قصدهم ظلمكم وبغي مبيد
هيا هبوا لقتلهم كي تعيشوا في سلام وعزة يا فهود
فمضى الأغبياء حمقاً وجهلاً فانبرى البحر حالكاً لن تعودوا
وأبو الأنبياء أعظم داع ملؤه غيرة وعزم أكيد
لم يدع دربه ليرضي أباه لم يعثر خطاه مكر وكيد
هددوه بالضرب والقتل حرقاً وهو بالطود شامخ لا يحيد
أجج القوم نارهم فرموه فإذا بالحريق عيش رغيد
ومضى في طريقه في شموخ وتمادى في غيه النمرود
ساق ربي بعوضة زلزلته أين حراسه وأين الجنود
فإذا أشبعوه ضرباً وركلاً هدأت عنه ثم يصرخ زيدوا
إنه ثوب ذلة يرتديه خائن العهد والمضل العنيد
عاش ذو النون في حشى الحوت مضنى فدعا والدعاء قول مجيد
فرج الله كربه وحماه غمة تنجلي وعمر جديد
ثم سر كي ترى عجائب ربي لسليمان كيف لان الحديد
كيف يقوى أيوب من بعد ضر إنه النصر إنه التأييد
ولنا أسوة بأعظم داعٍ حيت الأرض صوته والوجود
إنه سيد الأنام جميعاً رحمة للورى وفجر جديد
كم رأى من خصومه من نكال وعذاب والمكر مكر فريد
يرفل المشركون في خير عيش وهو مستهدف طريد شريد
كان يدعو لهم ويلهج دوماً إن ربي بهم رحيم ودود
سار في همة إلى الله يدعو لا يبالي والعزم عزم أكيد
كفروا قومه فما أيدوه فأتاه من ربه التأييد
ثلة لبت النداء فهبوا لرضا الله سيد ومسود
حملوا راية العقيدة لما جاءهم في كتاب ربي وعود
فإذا بالفقير يمسي غنياً وإذا بالمسود فيهم يسود
وانقضت دولة الشرور وبادت والنفاق انزوى وفر اليهود
والثواب العظيم في جنة المولى ففيها الرضا وفيها الخلود
أيها الشيخ أي شيء سنروي إن تاريخنا عريق مجيد
ذلت الأسد في زمانك لما تركت مجدها وسادت قرود
قال الشيخ ابن باز لابد من تغييره، فقال ناصر الزهراني: المقصود اليهود، فقال: لابد من تغييره، وقال الشيخ ابن باز أيضاً: وكذلك ما يتعلق بفرعون يتغير، وقال أحد الحضور: وأيضاً كلمة الحاكم في: يا أيها الحاكم.
المقدم:
سماحة شيخنا! المتكلمون والأدباء والشعراء تلاميذ لكم يصوبون بين أيديكم.
ابن باز:
من باب التعاون على البر والتقوى.
المقدم:
ونحن سنقوم بذلك وما نحن إلا في مدرسة التلمذة أمامكم.
ابن باز:
الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣].
ثم قال الشيخ ابن باز: وكذلك وصف فرعون، بأن موسى سأله.
وقال الشيخ ابن باز أيضاً: وكذلك كلمة (القرود) احذفها.
بعض الحضور:
هو يقصد اليهود.
قال الشيخ ابن باز: ولا يهود ولا شيء، يضع بدلاً منه بيتاً حسناً، والشاعر يعرف كيف يتصرف.
стр. 10303
قصيدة للشيخ العشماوي بعنوان: من القدس إلى سراييفوا
حديثنا أيها الأحبة عن عالم الجرح لا يعني أننا نيئس أو نستسلم، فإن الله قد نهى عن القنوط، وأمرنا بالتعلق به ، وعند ذلك تزول عن عيوننا غشاوة اليأس والقنوط، هذه القصيدة من آخر القصائد التي كتبتها وأستطيع أن أقول: إنه لم يسمعها أحد في ميدان أو في أمسية عامة كهذه الأمسية إلا أنتم في هذه الليلة، عنوان القصيدة: من القدس إلى سراييفوا:
أزبلتني الوجدان وبكى قبل مقلتي الوجدان
سهم عينيك لم يصبني ولكن سلبتني إرادتي الأجفان
أنتِ لم تنطقي بحرف ولكن غار من صمتك البليغ البيان
لغة العين نظرة ذات معنى وحديث المشاعر الخفقان
أنتِ غيث في قيض جرحي هنيء وعلى شاطئ المنى الريحان
أنت في غامد ترانيم حب رددتها بلهفة زهران
أنت في قريتي الحبيبة نهر تتغنى بمائه الشطآن
لا تغيبي عني فإني لأخشى أن يجف الندى ويشقى الجنان
يصبح الظل لوحة من شحوب حين تشكو جفافها الأغصان
آه! لو تسمعين ما قال حزني وبماذا تحدث الطوفان
إن تريدي وصفاً لأمواج همي فاسمعي ما يقوله البركان
لا تقولي من أنت؟ إني محب أشعلت في فؤاده النيران
يرحل الشعر بي فمالي مكان مستقر ولا لشعري مكان
أكتب الشعر في بني ظبيانٍ فتغني بشعري القيروان
وتغني به بساتين يافا وتغني بلحنه لبنان
يرحل الشعر بي فوجه دمشق يتراءى ويهتف الجولان
وتغني صنعاء بعض نشيدي وتراني أمامها تلمسان
يرحل الشعر بي ففي أرض سينا ألف بيت يشدو بها الميدان
وعلى النيل والفرات بقايا من نشيدي يشجو بها السودان
وعيون العراق ترقب فجراً تحت أضوائه يتيه الزمان
يرحل الشعر بي إلى القدس لكن كسرت عند بابه الأوزان
آه! يا قدسنا تنكر قوم وأباحوك للعدو وخانوا
صنعوا قهوة الخضوع فلما أتقنوها تبرأ الفنجان
سار موج الإرهاب فيهم فقل لي كيف ساق السفينة القبطان
أإلى شاطئ دعاها أم إلى شاطئ جفاه الأمان
شرب البحر ماءه فتلاشى كل موج وماتت الحيتان
بحرنا اليوم لجة من سراب باع فيها حياته الظمآن
قلب مسرى نبينا يتلظى وعلى وجهه يثور الدخان
وبعينيه أدمع لا تسلني عندها كيف يصنع الفيضان
ودعاة السلام يبنون بيتاً ومحال أن يكمل البنيان
كيف تبنى البيوت فوق رمال كيف تبنى ومالها أركان
أرأيتم في الأرض آثار بيت ماله ساحة ولا جدران
مالهم يرفضون في كل صوت دون وعي كأنهم عميان
يا عيون السادات نامي طويلاً فقد اجتاح قومنا الإذعان
ملت الكأس شاربيها وألقى سرجه الحر في الطريق الحصان
كل من سطروا كتاب التصدي مسحوا أحرف الكتاب ولانوا
لعن المجد غيلة فبماذا سيلاقي الحقيقة الهرمزان
أنت يا من تسافرين بقلبي وعلى راحتيك ينمو الحنان
هل رأيت الطريق حين مضى بي في دروب صخورها كثبان
هل سمعت التاريخ لما دعانا فأبت أن تجيبه الأوثان
آه! مما تراه عين محب في زمان يعز فيه الجبان
أثقلتنا أوهامنا فرضينا ما يقول المكابر الخوان
شاب رأس الإباء لما رآنا نرتضي ما يقوله الرهبان
أيها الهارب الذي يتجلى كل يوم في فعله الطغيان
أيها الهارب المخبئ وجهاً أين تنوي المسير يا حيران
أوكل الجهات في الكون غرب أوكل الهواتف الغربان
لو تدوم الحياة ما مات كسرى وتهاوى من بعده الإيوان
هل درى البدر وهو يبغي كمالاً أن عقبى كماله النقصان
قال لي صاحبي: وجدت كتاباً قلت: لا يخدعنك العنوان
قال: عنوانه الكبير سلام عالمي قلت: انجلى البرهان
إنما هذه أكاذيب عصر يتلهى بأمره الشيطان
أمتي فيه كالسجينة تشكو وتعاني مما جنى السجان
فوقها صخرة من الوهم كبرى وعليها من لهوها قضبان
يضحك القوم بالسلام عليها ودليلي ما تشهد البلقان
(البوسنة والهرسك)
مسلمات ومحصنات ضحايا ألبستهن عارها الصلبان
ثملت أمتي من الكأس قل لي بعد هذا أيعقل السكران
كيف ترجو الخلاص مما تعاني وقد اختل عندها الميزان
أيها الحاكمون! هل من جواب صادق حين يسأل الرحمن
إنما هذه أمانة دين شأنها في الحياة لا يستهان
خشيت حملها الجبال الراوسي وتصدى لحملها الإنسان
أين أنتم أما لديكم قلوب أين أنتم أما لكم آذان
هان مليارنا وعز قطيع من يهود فكيف طاب الهوان
إن غدا همنا طعاماً وشرباً فعلينا يفضل الحيوان
стр. 10304
لماذا خلقنا ؟
يتحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن الحكمة من خلقنا، وبين أن الحياة الحقيقية هي في طاعة الله، وتكلم عن قارون أنه ما نفعه ماله يوم أعرض عن طاعة الله، وعن فرعون أنه ما نفعه ملكه يوم كفر بالحي القيوم، وعن العقوبة التي حلت بقوم لوط يوم تركوا شريعة الله.
وتعرض لقصص بعض من عرفوا الله في الرخاء فعرفهم في الشدة.
وختم المحاضرة بالحديث عن التوبة وفضلها وعواقبها المحمودة.
стр. 10305
الحكمة من خلق الإنسان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ ، عزَّ جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت.
في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، لا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى.
اللهم صلِّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل.
اللهم صلِّ وسلم على صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، اللهم صلِّ وسلم على من هديت به البشرية، وأنرت به أفكار الإنسانية، وزعزعت به الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
لماذا خلقنا؟
وإلى أين نسير؟
ومن يحاسبنا؟
وما هو مصيرنا؟
هذه أسئلة لا بد أن يجيب عليها من يريد الله والدار الآخرة:
لماذا خلقت أيها الإنسان؟
لماذا وجدت؟
لماذا جعل الله لك عينين ولساناً وشفتين؟
لماذا بصَّرك وأراك؟
لماذا علمك وأنطقك؟
لماذا أكلك وشربك؟
لماذا سترك وقومك؟
لماذا أسمعك وبصّرك؟
هذه الأسئلة لا بد أن يجيب عليها المسلم إن كان يريد الله والدار الآخرة، يقول الله للإنسان المتمرد: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الإنفطار:٦] ما لك تمردت علينا -أيها الإنسان- وقد خلقناك ولم تك شيئاً؟
ما لك -أيها الإنسان- نسيتنا وقد علمناك، وجهلتنا وقد أدبناك، وتمردت علينا وقد أرويناك وأسقيناك وأشبعناك؟!
والله يقول: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣].
يا أيها الإنسان: خلقت من نطفة، وأتيت إلى الدنيا من بطن أمك وأنت تبكي وكأن بطن أمك أوسع لك من الأرض، فلماذا خرجت تبكي من بطن أمك؟!
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
لا إله إلا الله ما أغفل الإنسان! لا إله إلا الله ما أجفى الإنسان! لا إله إلا الله ما أظلم الإنسان! يوم يأتي من بطن أمه لا ملابس له ولا منصب ولا وظيفة ولا بيت ولا سيارة ولا جاه، ليسقط قطعة لحم على الأرض وهو يبكي، فإذا ما بصَّره الله وعلمه وأنبته وتملك، وأصبح له وظيفة، وأصبح ذا منصب وسيارة وجاه؛ نسي الله، وتمرد على حدود الله، وانتهك محارم الله وحدوده، فأين العقول؟!
وأين الأسماع؟!
وأين الأبصار؟!
الله يقول من فوق سبع سماوات: ﴿الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، من نازعني فيهما عذبته﴾ الله أكبر كبير، وأعظم عظيم، وأغنى الأغنياء، وأما أنت أيها الإنسان ففقير بن فقير، مسكين بن مسكين، إن لم يسترك الله افتضحت.
فيا عباد الله! يا من أتى إلى بيوت الله! يا من عود نفسه الصوم، وسجد في التراب لله!
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
стр. 10306
قصة قارون وما فيها من عبر
هل الشرف المال؟
كان قارون أعظم من ملك المال في الدنيا، ثم لعنه الله لعنة تحيق به؛ لأنه ما عرف الله، آتاه الله مالاً وقال: يا قارون! خف من الله في المال، اتق الله في هذا المال، المال وديعة عندك يا قارون! أنت مسلوب أنت ومالك، ونحن ماذا نملك مما ملكه قارون؟
إن كان عند أحدنا فلة أو سيارة، أو بعض الأبناء، أو وظيفة فما تساوي ذرة من ذرات كنوز قارون.
قارون كانت مفاتيح كنوزه تنوء بها العصبة من الرجال، عشرة من الرجال لا يستطيعون حمل المفاتيح، فما بالك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فماذا فعل؟
خرج في أبهة وجبروت وكبر، والإنسان إذا نسي الله وما أصبح عنده صلاة ولا أوراد، جفل قلبه وأصبح قطعة حجر، أصبح قلبه مثل قلب الثور، لا يعي ولا يعرف ولا يفقه، يأكل ويشرب لكن له قلب لا يفقه به، له سمع لا يسمع به، وبصر لا يبصر به، فـ قارون أعطاه الله المال وقال: خف من الله في هذا المال، إنما هو يمتحنك الله به، لا تظن أن الأغنياء والتجار أعطاهم الله المال إكراماً لهم، لا.
قال تعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢٠ - ٢١] فهذه الحياة حياة تافهة، كالحمار يأكل ويشبع، لكن يقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
الخواجة يسكن في الدور العاشر، والمسلم لا يجد كسرة خبز وقطعة من الخيمة في الصحراء؛ لأن الجنة أعدها الله لأوليائه ﵎.
خرج قارون ومعه حلة يتبختر فيها، فقال له علماء قومه: اتق الله! ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧] وعظوه.
كما يفعل بعض الناس الآن إذا أغناه الله بعد الفقر، وأَصَحَّ جسمه بعد السقم، وآتاه ذرية بعد أن لم يكن عنده ولد، نسي الله فتجبر على عباد الله، وصعَّر خده لأولياء الله في أرض الله، فـ قارون فعل مثل ذلك.
قالوا له: اتق الله، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] الله يدري أنني أستحق الملك، أنا أخذته بعرق جبيني وجهدي وذكائي ودهائي، وهو كذاب على الله، دجَّال ما منحه المال إلا الله، ولا يرزق إلا الله، والله الذي لا إله إلا هو إن لم يرزقك الله؛ فلن يرزقك أهل الدنيا ولو اجتمعوا عن بكرة أبيهم، مفاتيح الخزائن والمال بيد الله ، القطر بيديه، الرزق بيديه، الإحياء والإماتة بيديه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:١ - ٣].
سبحان الله! كيف ينسى الإنسان؟!
أما يتذكر يوم أن كان ضعيفاً في بطن أمه، كان قطعة لحم لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يتكلم، فلما أصبح قوي البنية، ويلبس ما شاء من الملابس أصبح لا يرى الناس شيئاً، خف من الله، لمن البقاء إلا لله
لمن الغنى إلا لله
لمن القوة إلا لله
وانظر إلى أحوال الناس تجاه الدنيا وزينتها، فإن قارون لما خرج علىقومه في زينته الدنيوية قال بعض قومه ممن قصرت عقولهم عن معرفة حقيقة الدنيا: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩].
بعض الناس يظن أن الإنسان إذا أُمْهِلَ في الدنيا ورزقه الله أبناء وأولاداً وقصوراً وفللاً وعمارات وسيارات ظن أن الله يحبه، ولا يدري هذا الإنسان أنه قد يكون أعدى عدوٍ لله في الأرض، ويمكن أن يكون حسابه أن يكب على وجهه في النار، ولا يدري أنه قد يكون أكبر فاجر على المعمورة.
لكن الناس يختلفون في عقولهم وفي بصائرهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] أي: إن لـ قارون مكانة عظيمة عند الله، وإن ما عليه من نعيم لهو منحة من الله يحسد عليها.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [القصص:٨٠] العقلاء الذين يخافون لقاء الله ويتذكرون القبر وما بعده ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠] قالوا: خافوا من الله؛ ثواب الله في الجنة أحسن من هذه الدنيا، والله الذي لا إله إلا هو إن كلمة: (سبحان الله) خيرٌ مما طلعت عليه الشمس وغربت.
كلكم يعلم قصة سليمان بن دواد ﵊ في القرآن، الذي ملك الجن والإنس والطيور والزواحف وكل ما هبَّ ودبَّ، حتى الريح التي تمر علينا صباح مساء كانت تتحرك بأمره، إذا أراد أن يرتحل من بلد يأمر الريح ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] يقول: يا ريح! احمليني إلى الهند، فتأتي الريح فتكون كالبساط، ثم يركب هو ووزراؤه وحاشيته فتنقله في لحظات، حتى إذا أتى لينزل في الأرض كيف تنزل به؟
يقول الله : ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] يعني: ما تنزل بقوة، إنما تنزل تدريجياً حتى يهبط في الأرض، فارتفعت به الريح مرة من المرات ومعه من جنوده وقوته ما لا يعلمه إلا الله، ولما أصبح في السماء مر تجاه الشمس فحجب ضوء الشمس عن فلاح يشتغل في الأرض بالمسحاة، فنظر الفلاح إلى السحاب فرأى سليمان ﵇ والريح تمر به، قال الفلاح: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فسمعها سليمان ﵇ فقال للريح: اهبطي بي هنا، فهبطت بجانب الفلاح قال: ماذا قلت يا فلان؟
قال: ما قلت إلا خيراً (خاف من سليمان).
قال: ماذا قلت؟
قال: والله ما قلت إلا سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً.
قال: والذي نفسي بيده، لقولك سبحان الله في ميزانك خير مما أوتي آل داود.
الرسول ﵊ يقول: ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس﴾.
رأيناهم والله أغنياء يملكونها بالملايين، لا يتعاملون إلا بالشيكات والمصارف العالمية، وإن بعضهم توفي في مدينة نائية عن تجارته ومدينته، حتى طلب له كفن من التجار بالشحاذة ودس في التراب، أين الذهب؟!
أين الفضة؟!
أين الجاه؟!
لا جاه إلا لمن أسعده الله.
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب الدهر عمران
وفي هذه الأيام لو تدخل مجلس أحدنا لوجدته مزركشاً ومزخرفاً كأنه إيوان كسرى وقيصر؛ فيه الكنبات والروائح والملبوسات والمفروشات والمطعومات والمركوبات، العطور شيء عجيب يذهل.
ماذا أعددنا للقبر؟
ماذا أعددنا لتلك الحفرة الضيقة؟
يدس فيه الإنسان لا ولد، ولا أهل، ولا زوجة، ولا أنيس، ولا حبيب إلا من أسعده الله.
والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة
وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
لكن لا نفقه ولا نعي ولا نفهم، الله يقول لنا: افهموا، اسمعوا، تدبروا، اعقلوا؛ لكن القلوب قد ران عليها الخطأ، أظلمت وقست من السيئات.
كيف يعي قلب من يستمع الغناء صباح مساء؟! الأغنيات الماجنات من المغنين والمغنيات، الأحياء منهم والأموات، يصبح على الأغنية ويمسي على الأغنية، يركب السيارة ويسمع أغنية، ويدخل المجلس مع أغنية، أبعثنا للناس هكذا؟!
أكانت حياة الصحابة كحياتنا؟!
أجعلنا الله نعيش على هوامش الأحداث؛ أكل وشرب ونوم وغناء ورقص ولعب ولهو؟!
أين حياتنا؟!
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَ﴾ [الأنعام:١٢٢].
كان مصير قارون أن قال الله فيه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] هذا هو الردى وهذه هي اللعنة والخسران وسوء الخاتمة ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ﴾ [القصص:٨١] من الذي ينصر إلا الله، وإذا لم ينصر الله العبد لا ينصره أحد، والله لو كانت الدنيا وسكان الدنيا معك في أسرة لك فلا تعتز بأسرتك من دون الله، العزيز من أعزه الله بالطاعة، والذليل من أذله الله بالمعصية ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾ [القصص:٨١] يقول الله : هل له أسرة؟
هل كان معه قبيلة قامت تقاتل عنه بالسيوف؟
لا.
قوة الله لا تغلب، والله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] من الذي ينصر الرسل والمؤمنين؟
إنه الله، أما غير المؤمنين فلن ينصر الله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢].
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢] يقول: أصبح الذين تمنوا الدنيا لما رأوا داره تخفوا في الأرض، أتدرون ما فعل؟
أتى في مصطبة من ذهب أي: دكان مرتفع مصبوب ذهباً، فجلس عليه بحلة في الصباح ومرَّ النبي موسى بن عمران ﵇، الداعية الكبير الذي دخل على فرعون، داعية لا إله إلا الله، الذي قاد الجيوش الجرارة لخدمة لا إله إلا الله؛ مرَّ على قارون وقال: يا قارون! اتق الله وقل لا إله إلا الله، فتكلم قارون بكلام بذيء في عرض موسى ﵇ ولذلك قال قال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩].
ولذلك -الآن- الدعاة وطلبة العلم والعلماء والصلحاء وأهل الخير والعباد والزهاد ينالون نصيباً من هذا الاستهزاء والاستهتار والتعليق المرير، لكن قدوتهم في ذلك الأنبياء؛ فعليهم بالصبر.
يقول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧] ماذا يقول بعدها: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] فإنك إذا أمرت ونهيت سوف تنالك الألسنة، وسوف تعترضك القلوب التي ما عرفت لا إله إلا الله.
موسى ﵇ لقي الله فكلمه كفاحاً بلا ترجمان: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] فلما كلمه قال: يا موسى! أتريد شيئاً؟
قال: نعم يا رب.
قال: ماذا تريد؟
قال: يا رب! كف ألسنة الناس لا يتكلمون في عرضي، يقول: يا رب! امنعني من ألسنة الناس لا ينالونني ولا يتكلمون فيّ ولا يغتابونني.
فقال الله: يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وأعافيهم وإنهم يسبونني ويشتمونني.
عندما خوطب قارون من قبل أهل العلم فقالوا له: اتق الله يا قارون فتكلم على الله، فقال موسى: اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، فنزل بيته في الأرض، فأراد أن يهرب فنزل البيت جميعاً، وكانت كنوزه تنزل معه، كانت قلعته كلها ذهب وفضة وكلها تنزل معه في الأرض، أراد أن يفر فما استطاع، لأنه محبوس في الأرض، فينزل رويداً ينادي: يا موسى يا موسى! أطلقني أطلقني فنزل وموسى ينظر إليه، فيقول الله تعالى في آخر القصة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
الحياة معناها يا عباد الله! أن تعيش لله، وتموت لله، وتبعث لله، حياة ليس فيها صلاة ولا عبادة ولا اتصال بالله ليست بحياة، والعجيب من بعض الناس أنه راض عن نفسه، يرى أنه إذا كان له بيت وسيع وأبناء، ويأكل ويشرب، وعنده سيارات، وقد ارتاح إلى هذه الحالة أن الله راضٍ عنه، بالله هل سأل نفسه عن معاملته مع الله؟! هل سأل نفسه هل يداوم على الصلوات الخمس في المسجد؟!
هل علم كيف قلبه مع المسلمين؟!
стр. 10307
وقفات مع عمر بن الخطاب
الله بعث محمداً ﷺ لهداية الإنسان، فأتى ﵊ والناس في جاهلية جهلاء، في حين لا تزال بعض أماكننا وبعض مناطقنا اليوم تعيش بعض الصور من تلك الجاهلية التي عاشها الناس قبله ﷺ ، أو عاشها رسول الله ﷺ في هداية الناس، فلما أتى ﷺ قال: ﴿يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾ وعاد الناس، واستجاب من أراد الله أن يستجيب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤].
وممن استجاب لله: عمر بن الخطاب ﵁، وكلكم يعرف عمر الفاروق خليفة الإسلام، كان قبل الإسلام ليس له إرادة، ولا تفكير، ولا طموح، كان يعيش هكذا، مثل حال كثير من الناس؛ يأكل ويشرب وينام، لا يغضب إذا انتهكت حدود الله، ولا يحزن إذا فاتته صلاة، ولا يتألم إذا سمع شباب الإسلام غرقوا في المعاصي، إنما همه أن يبقى عليه رزقه ومرتبه ووظيفته، فأتى عمر فوضع يده في كف المصطفى ﷺ وأسلم، لما سمع قوله : ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] ومن يوم أسلم بدأ قلبه حياً مع الله؛ لأن الله يحيي القلوب بعد إماتتها، واستمر في الإسلام، وبعد عشرين سنة أو أكثر تولى خلافة المسلمين، فأصبح خليفة ذهب الدنيا وفضتها تحت يديه، وأصبح هو المسئول الأول، فماذا فعل؟
стр. 10308
زهد عمر
كان من أبسط الناس وأزهدهم وأفقرهم، ما كان يشبع من خبز الشعير، يوم الجمعة يصعد المنبر وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة، وبإمكانه لو أراد أن يلبس الذهب والديباج والحرير للبس، فرقي المنبر يوم الجمعة في عام الرمادة؛ عام الجوع والقحط.
عام الثامن عشر من الهجرة مرَّ قحط على المسلمين حتى رأوا الدخان يفوح من على الأرض، وحتى أكلوا الميتة، وحتى ما أصبح هناك نبتة خضراء، أكلوا أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقهم، فصعد على المنبر وهو يبكي يوم الجمعة، وقال: [[يا رب! لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي]] ذنوب عمر الزاهد، المجاهد، قائم الليل، صائم النهار، ونحن الآن إذا قلنا: نحن مذنبين قالوا: لا.
الحمد لله نحن من أحسن الناس، وما أذنبنا، والله إننا لنصلي ومستقيمين على طاعته ولا نريد شيئاً، ويا ليت الناس مثلنا.
عمر يقول على المنبر وهو يبكي: [[اللهم لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي، يا رب أتهلك أمة محمد بعهدي؟]] ثم يبكي ويبكي الناس ويقول مخاطباً بطنه: [[قرقر أو لا تقرقر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
стр. 10309
عمر يتفقد الرعية
ينزل ﵁ وأرضاه في ليلة من الليالي يطوف بعصاه بعد صلاة العشاء، يتفقد المريض والمسكين، والأرملة والجائع، كيف ينام وهناك أنفس لا تنام ولا ترتاح، فسمع بكاءً في بيت، فاقترب من البيت ووضع رأسه على صائر الباب، فسمع امرأة في الطلق -في النفاس- فأخذ يبكي -ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية - فقال مولاه أسلم: مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟ فقال عمر: [[إنك لا تعلم يا أسلم بالألم التي تجده هذه المرأة، انطلق بنا يا أسلم إني أخاف أن يسألني الله عن هذه المرأة إن قصرت في حقها، فانطلق إلى بيت المال، وحمل جراباً من شحم ودقيق، وهو خليفة، ودخل البيت واستأذن من المرأة، وصنع لها طعاماً بيده الكريمة -هذه تربية لا إله إلا الله، تربية محمد ﷺ ، الذين غرس في قلوبهم لا إله إلا الله، أهل الجنة قصورهم في الجنة كالربابة البيضاء ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]- فدخل عليها وصنع لها الطعام وقدم لها لتأكل فقالت: والله الذي لا إله إلا هو إنك خير من عمر بن الخطاب، وهو عمر بن الخطاب، ثم خرج فأخذ يبكي فيقول له مولاه: ما لك؟ قال: إني أخاف من الله أن يعذبني بسبب هذه الأمة]].
стр. 10310
عمر يسأل الله الشهادة فينالها
عمر ﵁ وأرضاه، لما علم الله أنه صادق، وأنه يريد الله والدار الآخرة فاستجاب له دعاءه في آخر حجة حجها، لما وقف عند الجمرات الثلاث ورفع يديه، وقال: [[اللهم إنه انتشرت رعيتي، ورق عظمي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك، قال له الصحابة: يا أمير المؤمنين! تريد الموت في سبيل الله في بلد رسول الله؟ -يعني: إن من يريد الشهادة يخرج إلى الثغور- قال: هكذا سألت الله، وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت]].
فخرج وعاد إلى المدينة، وفي أول ليلة نامها رأى رؤيا في المنام، رأى أن ديكاً ينقره ثلاث نقرات، فسأل بعض الصحابة ما تأويل الرؤيا، قالت له أسماء بنت عميس إحدى الصحابيات المؤمنات، وكانت تفسر الأحلام وتعبر الرؤيا: يا أمير المؤمنين! أستودعك الله في نفسك الذي لا تضيع ودائعه.
كان يصلي بالناس إماماً فلما بلغ قوله : ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] انهد باكياً وبكى الناس معه، ولما ركع تقدم له أبو لؤلؤة المجوسي.
مولى المغيرة لا جادتك غادية من رحمة الله ما جادت غواديها
تقدم بخنجر ذو حدين مسموم، سمه شهراً حتى أصبح الخنجر أزرق من كثرة السم، ثم ضرب عمر أمير المؤمنين، حصن الإسلام، العادل الكبير، الزاهد النحرير، الذي ما عرف إلا قيام الليل والوقوف مع المسكين والفقير والأرملة، ضربه ثلاث طعنات ليهدم ركن الإسلام، فسقط عمر ﵁ وأرضاه، ووقع على وجهه على الأرض وهو يقول: [[حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم]] ثم التفت وقدم أحد المسلمين، فلما صلوا وقد أغمي عليه وأغشي من كثرة الدم قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة قال: [[الحمد لله الذي جعل شهادتي على يد رجل ما سجد لله سجدة]] ثم رفعوه على أكتافهم.
يقول أنس: [[ظننا أن القيامة قامت يوم أن مات عمر]] ويقول علي: [[والله الذي لا إله إلا هو، لقد كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر]] ووضعوه في البيت، فلما أرادوا أن يضعوا رأسه وهو مطعون، يعالج السكرات، وضعوا له مخدة -وسادة- تحت رأسه، قال: انزعوها من تحت رأسي، ضعوا رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني، فأخذ يمرغ وجهه في التراب ويبكي، فدخل عليه علي ﵁ وأرضاه فقال: [[يا أمير المؤمنين! طوبى لك وهنيئاً لك، والله لطالما سمعت رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك]] فقال عمر: [[يا ليتني نجوت كفافاً، لا لي ولا عليّ]] يقول: يا ليتني أخرج من الحساب يوم القيامة لا حسنات ولا سيئات سبحان الله! وهم المجاهدون الصادقون الزهاد العباد فماذا فعلنا نحن؟!
стр. 10311
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بماذا نلقى الله يوم القيامة، ونحن -والله- قد أسأنا الأدب مع الله كل الإساءة، هل داومنا على الصلوات الخمس في المسجد؟
هل دعونا جيراننا إلى المساجد صباح مساء؟
هل والينا في الله وأبغضنا في الله؟
هل أخذنا على يد الفاجر السفيه الذي يريد أن يردينا في النار؟
ثم إننا نرى الباطل ونؤيد عليه إلا من رحم الله، وأنا أتكلم بهذا لأننا قبائل نعرف المآسي التي يعيشها كثير من القبائل، يرون الباطل ولا يقومون في وجهه، ويرون حدود الله ومحارمه تنتهك ولا يغضبون، ثم ندعو الله أن ينزل علينا القطر، ونقول: نحن نحب الله، ما هي أعمالنا؟
السفيه يؤيد، والفاجر يسدد؛ لا يجد صاحب الحق من يعضده ويقوم معه.
يقول : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] إي والله لبئس ما كانوا يفعلون، يرون الفاجر ويسكتون، والمعصية ولا يتكلمون، ولا تتمعر وجوههم، أحدهم لو أُخذ شيء من ماله، أو تكُلِّم على ولده، أو على عرضه، أو سب قامت الدنيا وقعدت، وأخذ السلاح وقاتل، لكن أن تنتهك حدود الله فلا يغضب أحد، المساجد تهجر، الأغاني الماجنة تنتشر، الحجاب يترك، والسفور يوضع ويوقع، والمرأة لا تتقي الله في البيوت إلا من رحم الله.
سبحان الله! الربا يتعامل به، الرشوة موجودة، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الغيبة في المجالس، الاستهزاء والاستهتار بالصالحين، ونقول: الله يرحمنا، ونحن على خير إذا اتقينا الله .
الله أرسل جبريل ﵇ قال: إن أهل تلك القرية عصوني، وتمردوا على حدودي، وأكلوا نعمي، واجترءوا على حرماتي فخذهم، وجبريل له ستمائة جناح، الجناح الواحد يكفي لنقل قرى الجنوب كلها نقلة واحدة، قرى قوم لوط -الأربع كان عددهم ستمائة ألف كما يقول المؤرخون- أرسل الله إليهم جبريل قال: خذهم، فقد عمت فيهم الفاحشة، كانوا يفعلون كل منكر في ناديهم، وعندهم الفجور واللواط والزنا والفحش، والمحارشة والمحاسدة الأيمان والغموس، والتبجح وظلم الناس، والفجور والكذب، فلا تجد أحداً يقول: اتقوا الله، فغضب الله، والله يمهل لكنه إذا غضبت فإنه لا يفلت أحداً كما قيل: إن الله يقول في الحديث القدسي: ﴿إني إذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا غضب لعنت وإن لعنتي تبلغ السابع من الولد﴾ نعوذ بالله من لعنة الله، ونعوذ بالله من غضب الله، ونعوذ بالله من قلوب لا تتقي الله، فأرسل جبريل وقال: خذهم -وعند جبريل كما في الصحيح ستمائة جناح- فما استعمل إلا جناحاً واحداً، اقتلع القرى من جذورها بجبالها وأوديتها وأشجارها وأنهارها حتى رفعهم إلى قرب السماء الدنيا، فسمعت ملائكة السماء -كما في الحديث- نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم لطمهم بالأرض، وما كفى، بل أرسل الله عليهم حجارة من طين كما قال سبحانه: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات:٣٤] كل حجر عليه اسم مجرم تأتي وتقع في رأسه وتخرج من دبره.
الله غضب على قرية من القرى ما أمرت بالمعروف ولا تناصحت فقال لجبريل: خذهم، فنزل جبريل ﵇ فمر فوجد مصلياً صائماً يصلي في صومعته، فعاد إلى الله قال: يا رب! هناك عبد يصلي ويذكرك ويسبحك ويدعوك، قال: يا جبريل! به فابدأ قال: يا رب! ولم؟ قال: إنه يرى المنكر ولم يتمعر وجهه غضباً لي.
الله يغضب من العبد لأنه لا يغضب لمحارمه، نغضب لمحارمنا ولا نغضب لمحارم الله! نغضب لأنفسنا ولا نغضب لله! أي قلوب هذه التي نملكها! فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عمهم الله بالعذاب، وقست قلوبهم ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣].
стр. 10312
اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة
стр. 10313
فرعون لم يعرف الله في الرخاء
فرعون الطاغية الخبيث عليه لعنة الله، وقف يقول لأهل مصر كما قال الله: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] فجعل الله الأنهار تجري من فوق رأسه، أغرقه الله في البحر، فلما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] ما شاء الله! الآن آمنت وأسلمت، لقد ملأت الدنيا أعمالاً سيئة، ولطخت يديك بالدماء وضحكت على التاريخ، ودستَ القيم، والآن لما أصبحت في هذا المكان الضيق قلت: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] مثلما يفعل كثير من الناس، تجده وقت الرخاء يتبجح على الله، ويتعدى حدوده، وينتهك حرماته، وكثيراً ما تجد بعض الشباب لا يلقي بالاً للمسجد ولا للقرآن ولا للدعوة ولا للذكر ولا يخاف الله، كلما خطر له شيء ركب رأسه؛ فإذا كسر ظهره وأصبح على السرير الأبيض في المستشفى عاد إلى الله، أين أنت وقت الرخاء.
أفي وقت الشدة تعود؟! ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله
فلما بلغ فرعون هذا الموضع قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] وهذا كذاب، ولو كان صادقاً لآمن وقت الرخاء، قال : ﴿آلْآنَ﴾ [يونس:٩١] ما عرفت الله إلا اليوم ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢] ولذلك رماه البحر، فأخرج جثته، وما زالت جثته إلى اليوم في أحد المتاحف هناك، فلا تأكله الأرض، ليكون عبرة لكل من ينظر، لكن الذي يحفظ الله في الرخاء يحفظه الله في الشدة، إذا ضاقت عليك الضوائق وأتت عليك المصائب وكنت في الرخاء تذكر الله وتقوم بحدود الله؛ ينجيك الله ويجعل لك مخرجاً.
فامسك يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
стр. 10314
يونس ﵇ عرف الله في الرخاء
يونس ﵇ أحد الأنبياء كان يحفظ الله في الرخاء، كان مصلياً، صائماً للنهار، قائماً لليل، ذاكراً لله، غضب على قومه فخرج منهم وما استأذن الله، والواجب أن يستأذن ربه، لكن قومه عاندوه، يقول لهم: هذا الطريق المستقيم، فيقولون له: لا.
فلما ركب السفينة في البحر، أخذت الريح تلعب بالسفينة، فقال ربان السفينة: معنا رجل مذنب ولا يمكن أن تهدأ الريح حتى تنزلوا هذا الرجل من السفينة -حتى قواد السفن والطائرات يعرفون أنه لا يأتي الخلل إلا من ذنوب وخطايا، فقالوا: استهموا -قرعة- فوقعت القرعة في يونس ﵇، فأقرعوا ثانية فوقعت فيه، فأقرعوا ثالثة فوقعت فيه، فأخذوه بيديه وبأرجله وأوقعوه في البحر في الليل.
سبحان الله! لا قريب ولا أهل ولا زوجة ولا ولد، رموه هكذا في وسط البحر وسط الليل المظلم، وليته بقي على خشبة أو بقي يسبح لكن ابتلعه الحوت، ما وقع في البحر إلا والحوت فاغر فاه فأطبق عليه، فأصبح في ظلمات ثلاث؛ ظلمة الليل وظلمة اليم وظلمة بطن الحوت.
فمن يتذكر؟ هل يتصل بأهله، هل يكلم أخاه أو قومه؟ لا.
قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] رد إلهامه إلى الله.
ونادِ إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
فلما قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قذفه الحوت في الشاطئ، وأنجاه الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ لأنه حفظ الله في الرخاء.
يذكر ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي قصة لرجل من الصالحين كان يصوم النهار ويقوم الليل، والصلاح ليس بكلمة تقال، أو خطبة جمعة يخطبها الإنسان، فإذا خرج فإذا هو من أظلم الناس وأفجرهم، وإذا هو قاطع رحم، أو عاقٌ لوالديه، يفجر، ويحلف اليمين الغموس، وهذا ليس بصلاح، الصلاح عمل وخوف من الحي القيوم.
فهذا الرجل الصالح كان يشتغل بالتجارة، وكان كثير الذكر والتلاوة والصيام والعبادة، فخرج ببغلات له يشتغل فيها على التجارة، فمر به مجرم فقال: يا فلان! أوصلني إلى ذلك المكان فقال: اركب معي، فركب معه، فلما أصبحوا في غابة لا يراهم إلا الله، أخرج المجرم خنجراً، وقال لهذا الرجل الصالح: ادفع ما عندك من مال فوالله لأقتلنك.
قال الرجل الصالح: أسألك بالله الذي قامت به السماوات والأرض أن تأخذ ما عندي من مال وما عندي من تجارة وتتركني، أنا عندي أبناء وأمهم ولا يعولهم بعد الله إلا أنا.
قال: والله الذي لا إله إلا هو لأقتلنك.
قال: فأسألك بمن قامت به السماوات والأرض أن تتركني لأصلي ركعتين قال: صلِّ ركعتين واستعجل، فقام فتوضأ وقام ليصلي قال: فلما كبرت نسيت كل آية في القرآن من الخوف والله ما ذكرت إلا قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] من يجيب المضطر إلا الله! من يكشف السوء إلا الله! من يشافي المريض إلا الله! من يجبر الكسير إلا الله!
قال: فقلت في نفسي: يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني! يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني! يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني!
قال: والله ما انتهيت من الدعاء إلا وفارس أقبل على فرس من آخر الوادي، ومعه رمح فأرسل رمحه فوقع في لبة هذا الرجل فإذا هو مقتول على قفاه.
فقال: أسألك بالله من أنت؟
قال: أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه.
لما دعوت الدعوة الأولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوت الدعوة الثانية كنت في الرابعة، ولما دعوت الثالثة أتيت إلى الأرض لأقتل هذا المجرم.
وهذا من كرامات الأولياء عند أهل السنة والجماعة.
نعم من يحفظ الله في الرخاء يحفظه في الشدة.
يقول ﵊ لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
هذه -يا عباد الله- قضايا لا بد أن تفهم لكل مسلم، إن من لا يحفظ الله لا يحفظه الله.
стр. 10315
التوبة وعواقبها الحميدة
ومن القضايا التي أريد أن أذكر بها نفسي وإياكم: قضية التوبة؛ أن نتوب إلى الله ونستغفره ليلاً ونهاراً، فقد أخطأنا كثيراً، وأسأنا وتعدينا كثيراً، وليس لنا إلا التوبة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦].
стр. 10316
قصة الرجل الذي أوصى أن يُحرق بعد موته
يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿كان فيمن كان قبلكم رجل أسرف على نفسه في الخطايا، فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إذا مت فأحرقوني بالنار، ثم اسحقوني ثم ذروني فوالله لو قدر الله عليَّ لعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين -سبحان الله! ظن أنه يفوت على الله- فلما مات أحرقوه بالنار وسحقوه وذروه، وأخذته الريح في كل مكان، فجمعه الذي أنشأه أول مرة، وأحياه الذي يقول للشيء: كن فيكون، فلما أصبح أمامه رجلاً قال: يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي قال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾.
стр. 10317
قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً
هذا تائب أقبل على الله وتاب فغفر الله له ذنوبه، فأوصيكم ونفسي بالتوبة والاستغفار، ومراجعة الحساب معه والرجوع إليه.
في الصحيحين عنه ﷺ : ﴿أن رجلاً قتل تسعة وتسعين نفساً فأتى إلى رجل عابد قال: هل لي من توبة؟ قال: لا.
ليس لك توبة﴾ سبحان الله! من يغلق باب التوبة عليك! باب فتحه الله كيف يغلقه هذا العبد؟!
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
قال: ﴿ليس لك توبة، فقتله فوفى به المائة، وذهب إلى عالم قال: هل لي من توبة؟ قال: نعم.
ومن يغلق عليك باب التوبة، وباب التوبة فتحه الله حتى تطلع الشمس من مغربها، فتاب إلى الله، قال: إني أرشدك أن تخرج من قريتك التي أنت فيها؛ لأنها قرية سوء -بعض القرى سيئة، أهلها ظلمة لا يعينونك على طاعة الله- فخرج من القرية، ولما أصبح في منتصف الطريق مات فنزلت ملائكة العذاب وملائكة الرحمة واختصموا فيه، ملائكة الرحمة يقولون: خرج منيباً إلى الله فجزاؤه أن يدخل الجنة، وملائكة العذاب يقولون: مات وما عمل لله عملاً صالحاً، فجزاؤه النار، فأوحى الله إليهم أن قيسوا ما بين المسافتين، فإن كان أقرب إلى القرية التي خرج إليها فهو من أهل الجنة، وإن كان أقرب من القرية التي خرج منها فهو من أهل النار، فأتوا يقيسون بالأشبار فأوحى الله إلى تلك القرية أن تقربي وإلى تلك القرية أن تباعدي، فكان أقرب إلى تلك القرية الصالحة فكان من أهل الجنة﴾ فيا الله! من لهذا العبد الضعيف المذنب يوم لا يجد راحماً إلا الله، عطاء الله ممنوح، وبابه مفتوح، ونواله يغدو ويروح.
стр. 10318
قصة المرأة التي زنت في عهد الرسول ﷺ
أتت امرأة إليه ﷺ -كما في الصحيح- فأخبرته أنها زنت، وأنها أسرفت على نفسها، فأشاح ﷺ بوجهه لا يريد أن تعترف، لأنه يقول: ﴿ادرءوا الحدود بالشبهات﴾ يريد أن يستر على هذه المرأة، فأتته من الجهة الأخرى فاعترفت، فأشاح حتى اعترفت أربع مرات، وهي تطلب أن يطهرها ﵊، وهي ثيب، وحد الثيب أن ترجم بالحجارة حتى تموت، لكن قدمت نفسها رخيصة في سبيل الله.
فقال لها ﷺ : ﴿عودي حتى تضعيه﴾ فعادت حتى وضعت ولدها وأتت به في لفائف، فرآه ﷺ فقال: ﴿عودي حتى ترضعيه﴾ فأرضعته سنتين، ثم جاءت به وفي يده كسرة خبز، جاءت صابرة محتسبة تريد الله والدار الآخرة؛ فأُخذ ولدها ثم أخذوها وذهبوا يرجمونها بالحجارة وهي صابرة محتسبة، فلما رجموها طاش شيء من دمها على أحد الصحابة فسبها فقال ﵊ وقد سمعه: ﴿والذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها سبعون رجلاً من أهل المدينة لوسعتهم﴾ وفي لفظ: ﴿والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم، والذي نفسي بيده إني لأراها تنغمس في أنهار الجنة﴾ هذا هو ربنا التواب الرحيم .
стр. 10319
أخذ العبرة من الموت وما بعده
تنبهوا يا رقود إلى متى ذا الجمود
فهذه الدار تبلى وما عليها يبيد
الخير فيها قليل والشر فيها عتيد
والعمر ينقص فيها والسيئات تزيد
فاستكثر الزاد فيها إن الطريق بعيد
أمامك حفرة مظلمة لكنها للمتقين روضة من رياض الجنة، أمامك قبر تردى فيه الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والتجار.
أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق
نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
صمٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق
مر مجدد القرن الأول الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، يوم العيد، وقد كان خليفة المسلمين من طاشقند في الشمال إلى جنوب أفريقيا، ومن مشارق سيبيريا إلى الأندلس إلى شرق نهر السند كلها يملكها ﵁ وأرضاه، فنزل يوم العيد فرأى المقابر؛ فبكى حتى جلس، فقال: [[يا أيتها المقابر! كم فيك من حبيب! كم فيك من قريب! ما كأنهم أكلوا مع من أكل، وما كأنهم شربوا مع من شرب، ما كأنهم ضحكوا مع من ضحك]] ثم قال: [[يا موت! ماذا فعلت بالأحبة؟ ثم بكى وأجاب نفسه بنفسه وقال: أتدرون ما يقول الموت؟ قالوا: لا.
قال: يقول: أكلت الحدقتين، وفقأت العينين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، والعضدين عن الكفين، والقدمين عن الساقين، والساقين عن الركبتين]].
إن كنت تريد الخلود -أيها المسلم- والسعادة والرضا فاعمل للجنة:
اعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها
أما هذه الدار فمنذ خلقها الله وهي منغصة ليس فيها راحة، إذا ارتحت فيها مات ولدك، وإذا نسيت مصيبته مرض الآخر، وإذا نسيت ألمه مرضت زوجتك، وإذا تشافت مرض جسمك، مكدرة منغصة كتب الله عليها التكدير، فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لب فرحاً.
فيا أهل العقول! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأوصيكم أن تقوموا في سبيل الله دعاة خير، وأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؛ ليرضى الله عنكم ظاهراً وباطناً؛ وليسعدكم في الدنيا والآخرة؛ وليكون الله معكم أينما كنتم وأينما صرتم، أيدوا كلمة الحق وقوموا مع المحق، ولا ترضوا بالباطل وقوموا في وجهه، حينها يرضى الله عنا وعنكم.
نسأله سبحانه لنا ولكم التوفيق والهداية، والسداد والرشد.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق؛ أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!
وإن كان من شكر فإني أشكر الله تعالى ثم أشكركم على حضوركم وإنصاتكم، وأشكر المركز الصيفي بمدرسة اليرموك على دعوته الموقرة، وعلى نشاطه الخير، وعلى بذله في الخير، وأشكر الأساتذة القائمين فيه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 10320
الأسئلة
стр. 10321
حق الجار
السؤال
تحصل بين بعض المسلمين خلافات ومشاكل يترتب عليها الجفاء بين الجيران، والقطيعة، وعقوق وأذية للجار، والتكبر وغير ذلك، ويستمر ذلك لسنتين، فما هو توجيهكم نحو هذه الأمور؟
الجواب
المشاكل التي يشكو منها الناس، والذنوب والمعاصي والخطايا التي في المجتمع، لا يحصيها إلا الله.
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
كل مسألة ذكرت -أيها الأخ الفاضل- تحتاج إلى محاضرة بل محاضرات ومجلدات وندوات؛ لأننا أصبحنا مثخنين بالجراح من الذنوب والخطايا، قطيعة الرحم، عقوق الوالدين، أذية الجار، السوء إلى المسلمين، انتشار الأغاني الماجنات، المخدرات، التبرج منتشر عند الناس إلا من رحم الله، ضياع الأوقات، تفلت الشباب، ضياع السنة، عدم تدبر القرآن، عدم تذكر الله، الأيمان الغموس، الظلم، الحسد، الحقد، كلها ذنوب وخطايا نشكو حالنا إلى الله.
يعني: أصبح مثل المريض الذي في كل جسم منه جرح.
ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
وأما ما ذكرت؛ فالجار من أعظم ما يتساهل به خاصة في القرى، والمدن أحسن حالاً في الجيران، لأنك غريب مع غرباء فتريد أن تصلح الحال، أما القرى فمن يوم خلقنا الله ونحن نعرف جيراننا يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، فأصبح بينهم القطيعة إلا من رحم الله، تجد الجار يؤذي جاره لا يأمنه، ومن نكد الحياة أن يكون لك جار سوء.
في الحديث: أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله! أشكو إليك أذية جاري، قال: ماذا فعل؟ قال: إن غبت ما أمنته وإن حضرت آذاني، وهتك عرضي، وأخذ مالي، وظلمني.
قال ﵊: اصبر لجارك علَّ الله أن يهديه، فذهب وصبر قليلاً، لكنه ما اهتدى، فعاد يشكو إلى الرسول الله ﷺ فقال له: خذ متاعك وزوجتك وأولادك وانزل في سكة من سكك المدينة، فأخذ زوجته وأثاثه على ظهره، ونزل وجلس في السكة، فأصبح الناس يسرحون عليه ويروحون ويغدون فيقولون: ما لك يا فلان؟ قال: آذاني جاري حتى أخرجني قالوا: لعنه الله، فيصبح من مرَّ عليه يقول: ما لك يا فلان؟ قال: آذاني جاري، قالوا: لعنه الله، ويمشي الماشي وقال: ما لك؟ قال: آذاني جاري قال: لعنه الله، فسمع بالخبر جاره، فأتى إليه وقال: أتوب إلى الله، والله لا أوذيك، عد إلى دارك.
ولذلك يبلغ الحد ببعض الناس إلى أنه لا يذكر الله تماماً ولا يقوم بحق الجار.
وقد كان الجاهليون من ضمن ما يتمادحون به حفظ حقوق الجار، حتى يقول عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
يقول: من كرم نفسي وشهامتي ومروءتي إذا بدت جارتي؛ غضضت طرفي حتى تدخل البيت، وهو ليس عنده كتاب ولا سنة ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، بل هو جاهلي وثني.
ولذلك وجد في الإسلام من أهل حفظ الجار أناس كثير، أذكر على سبيل المثال: أبو حنيفة، عالم المسلمين، كان من أعبد عباد الله وأزهدهم، كان له جار يؤذيه.
كان أبو حنيفة يأتي بعد صلاة العشاء يريد أن يسبح الله، ويصلي ويبكي ويدعو ويقرأ القرآن، لكن هذا الجار عزوبي ليس عنده إلا طبل يضرب عليه ويرقص ويقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فكان أبو حنيفة لا يستطيع أن ينام ولا يستطيع أن يقرأ، ولا أن يصلي، فيصبر ويحتسب، وفي ليلة من الليالي الطويلة ما سمع أبو حنيفة الصوت، انتظر هل يسمع صوتاً، ما سمع الرقص ولا سمع ضرب الطبل ولا سمع الدربكة، فعجب! طرق على باب الدار فما أجابه أحد، سأل الجيران: أين فلان؟
قالوا: أخذته شرطة السلطان، قال: سبحان الله! جاري يأخذونه ولا يخبرونني! ثم ذهب في الليل فركب بغلته ولبس ثيابه، فاستأذن على السلطان وسط الليل.
قال الجنود للسلطان: أبو حنيفة إمام الدنيا يريد مقابلتك، فقام السلطان من نومه والتقى به عند الباب يعانقه، قال له: يا أبا حنيفة لماذا ما أرسلت إلينا؟ نحن نأتيك لا أن تأتينا، قال: كيف أخذتم جاري وما أخبرتموني به؟
قالوا: إنه فعل وفعل وفعل، قال: ردوا عليّ جاري، قالوا: لو طلبت الدنيا لأعطيناك الدنيا، فركب جاره معه على البغلة وأخذ جاره يبكي.
قال أبو حنيفة: ما لك؟ قال: آذيتك كل هذه الأيام والأعوام والسنوات وما تركتك تنام ولا تصلي ولا تقرأ، ولما فقدتني ليلة أتيت تتشفع فيّ، أشهد الله ثم أشهدك أنني تائب إلى الله.
لقد كانوا يدعون الناس بأخلاقهم وبتعاملهم.
سكن يهودي بجانب عبد الله بن المبارك أحد العلماء الصالحين، وكان عبد الله بن المبارك إذا اشترى لحماً من السوق بدأ بأولاد الجار اليهودي، نحن لا نقول: نبدأ بأبناء اليهود لكن بأبناء المسلمين، ونحن لا نقول: اأعطوا الناس لحماً واكسوا أبناء الناس، لكن نكف أذانا فقط، نعم.
مكانك تحمدي أو تستريحي
فـ عبد الله بن المبارك كان إذا اشترى لحماً أعطى أولاد جيرانه، وإذا كساهم كسا أبناء جيرانه، وإذا أخذ فاكهة بدأهم، فأتى أناس من التجار يشترون دار اليهودي فقال: داري ثمنها ألفي درهم، الألف الأولى قيمة الدار وأما الألف الثانية فقيمة الجوار -جوار عبد الله بن المبارك - فسمع عبد الله بن المبارك ذلك وقال: والله لا تبيعها، هذه ألف درهم ثمن جوار عبد الله بن المبارك وابق جاراً لي، ثم قال عبد الله بن المبارك: اللهم اهده إلى الإسلام، فما أصبح في اليوم الثاني إلا وقد أسلم لله رب العالمين.
فمسألة الجار لا بد أن ينتبه لها، يقول ﵊: ﴿ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه﴾.
стр. 10322
حكم اغتصاب الأراضي وشهادة الزور
السؤال
ما حكم من يسعى لامتلاك أرض ظلماً، ويسعى بعض معارفه إلى أن يشهد له في هذه الأرض؟
الجواب
الرسول ﵊ يقول: ﴿من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة﴾ واليمين الغموس ما سميت غموساً إلا لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم، ومن اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان، لا يكلمه الله ولا يزكيه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم.
واقتطاع الأراضي وجد كثيراً باليمين وبالحلف وهو لا يدري أصل هذه الأرض ولا بمستنداتها ولا بصكوكها، وإنما يحلف زوراً وبهتاناً وحمية فقط، وهذا حسابه عند الله ، يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والأرض أرض الله، والمال مال الله، والعباد عباد الله، والله هو الحاكم يوم القيامة الذي يحكم بين الخصمين، لا يتدخل في الحكومة أحد من الناس، فمن فعل ذلك فقد شهد شهادة الزور، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢].
يقول ﵊: ﴿ألا أدلكم على أكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً ثم جلس وقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت﴾ أظلم الظلم وأعدى العدوان شهادة الزور، وهي التي تمحق البركة، وبها يطبع على القلوب، ويجفف الله بركة الوديان ، وينزعها من وديانهم ومن أماكنهم، وقد نبه القرآن والعلماء على هذه كثيراً، وكثير منكم يعرف هذا والحمد الله.
стр. 10323
نصيحة إلى شاب يريد العودة إلى الله
السؤال
شاب يريد التوبة والعودة إلى الله فما نصيحتكم إليه؟
الجواب
حياك الله أيها الشاب، والله قد بسط لك يده وفتح لك باب التوبة، وأنت من أحب الناس إلى الله فلا يتعاظمك الذنب، فإن الله يقول كما في الحديث القدسي الحسن: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ والله يقول في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾ فهنيئاً لك لمَّا عدت إلى الله، وهنيئاً لك لما أفقت، وهنيئاً لك لما راجعت حسابك مع الله قبل أن يأخذك الله أخذ عزيز مقتدر، فأوصيك:
أولاً: بالمحافظة على الصلوات الخمس، وأن تكثر من الدعاء إلى علام الغيوب في أدبار الصلوات، وإذا سجدت أن تدعوه بما دعاه به يونس بن متى ﵊، وأن تطرق باب الله ليفتح لك مع المفتوح لهم.
ثانياً: أوصيك بكتاب الله أن تتدبره، وأن يكون سميرك وأنيسك وصاحبك وحبيبك، فتقرأ منه يومياً ما فتح الله به عليك.
ثالثاً: أن ترافق رفقة صالحة طيبة يريدون الله والدار الآخرة، وأن تبتعد عن رفقة السوء.
رابعاً: أن تترك كل المعاصي التي كانت تقربك من غضب الله ومقته وسخطه، كاستماع الأغنية الماجنة، واجعل مكانها الشريط الإسلامي؛ شريط القرآن والمحاضرات والندوات والدروس والعبر والعظات، وكذلك أن تتقي الله في عينك فلا تنظر إلا في الحلال، واعلم أن الله سيحاسبك على جوارحك واحدة واحدة.
خامساً: أن تحفظ وقتك مع الله، وأن تقضي الوقت في المطالعة والقراءة وزيارة الصالحين؛ ليرضى الله عنك في الدنيا والآخرة وهذا هو المكسب العظيم.
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً
стр. 10324
حكم الصلاة خلف إمام يشرب الشيشة
السؤال
إمام المسجد إمام راتب يشرب الشيشة فهل يصح أن يؤم الناس؟
الجواب
إن عينه السلطان -يعني: معين من الأوقاف- وهو إمام راتب فيصلى وراءه وذنبه عليه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] وحسابه على الله .
وإن كان هذا الإمام متبرعاً أراد أن يصلي بدون أن يكون هو الإمام الراتب وليس مسئولاً، فلا يقدم على الناس لأنه فاسق، وهو يشرب هذه المحرمات، فهو فاسق عند أهل السنة والجماعة؛ لأن من يتعدى حدود الله فهو فاسق، فإن كان متبرعاً فلا يقدم، وإن كان من الأوقاف فيقدم ويصلى وراءه وحسابه على الله.
يقول أهل العلم: ابن آدم يأتي من بطن أمه وهو ماسك يديه، قالوا: ذلك علامة لحرصه وجشعه وحسده وحب التملك، وحب التملك فطرة في الإنسان؛ حتى الطفل أول ما يتحرك يبدأ بأخذ الأشياء، يأخذ القلم، يأخذ الساعة، يتشبث، يبكي على اللعب، يبكي على المأكولات والمشروبات وذلك من حب التملك، وكلما شاب الإنسان وكبر سنه كبر حب التملك عنده، حتى تجد الإنسان في عمر الستين كأنه سيعيش مائتين أو ثلاثمائة سنة، لا يتكلم إلا في العمارات والقصور والأبناء، وهذا توظف، وهذا أرسل لي راتبه، وهذا سوف أسكن معه، كأنه يعيش ولا يفكر في القبر إلا من رحم ربك، ومن أكبر الخطايا التي عصي الله بها في الأرض خطيئة حب الدنيا، حتى أن البعض يقول: هابيل قتل قابيل بسبب حب الدنيا والجشع عليها، واعلم أن من استولى عليه حب الدنيا فقد عبدها من دون الله، اتخذها إلهاً يعبد من دون الله ، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
تجرد من الدنيا فإنك إنما أتيت إلى الدنيا وأنت مجرد
وصلى الله علىمحمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
стр. 10325
فرصة للاستثمار
تحمل كلمة الاستثمار في هذه المادة معانٍ عظيمة، ومعانٍ سامية، تختلف تماماً عن تلك المعاني التي يتداولها الناس لهذه الكلمة.
إنها تجارة مع الله، ثمرتها جنة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين.
ومجالات هذه المتاجرة هي: الطهارة، الذكر، الصلاة، الصدقة، الصبر، قراءة القرآن، وغير ذلك من العروض المغرية التي يعرضها الشيخ في حديثه هذا.
стр. 10326
حديث: (الطهور شطر الإيمان)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أنتم صفوة الناس، ولا يحضر بيوت الله ولا يجلس فيها، ولا يتهيأ لسماع المواعظ، ولا يستفيد من الآيات والأحاديث إلا صفوة الناس، ولا يعرض عن اللغو ويذهب إلى مجالسة الصالحين إلا صفوة الناس، ولا يحب الدين، ولا يسعد بآيات رب العالمين، ولا يتبع سيد المرسلين إلا صفوة الناس.
عنوان هذه المحاضرة: (فرصة للاستثمار) والناس استثمروا أموالهم ومناصبهم وسيروا حياتهم في غير مرضات ربهم إلا القليل.
باسمك اللهم ثم الحمد لك والتحيات وتسبيح الفلك
وصلاة الله للمختار ما سبح القمري وغنى بشرك
هذه ألفاظه قد أينعت وقطفناها أخي المسلم لك
فارعها سمعك حياك الذي جعل الكون على نهج الحبك
أما الحديث: فعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها﴾ رواه مسلم، وأحمد، والترمذي، والدارمي، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجة، والبيهقي في كتاب السنن، والطبراني، وابن حبان، وابن مندة في كتاب الإيمان.
هذا هو الحديث الذي معنا هذه الليلة، وهو من أشرف أحاديث المصطفى ﵊.
أما عناصره فهي:
الطهارة: في الكتاب والسنة، وفضل الوضوء، وطهارة الباطن والظاهر.
كلمة شطر ومعناها، هل هي مرادفة للنصف؟ ولماذا يكون الطهور شطر الإيمان؟
ما هو الإيمان عند أهل السنة؟ وما الفرق بين الإسلام والإيمان؟ وهل الإيمان يزيد وينقص؟
الحمد لله ما معناها؟ من هو المحمود؟ ما هو فضل الحمد؟
ما معنى تملأ الميزان؟ ما هو الميزان؟ هل هو محسوس؟ وهل توزن الأعمال فيه؟ ومعتقد أهل السنة والجماعة في الميزان؟
سبحان الله، ما معنى التسبيح؟ تسبيح الكائنات ما هو؟ فضل التسبيح، وتملأ ما بين السموات والأرض كيف تملأ؟
اتساع الميزان أو اتساع السماوات والأرض؟ وما معنى: (عرضها السماوات والأرض) عند أهل العلم، في قوله : ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]؟
(الصلاة نور) ما هو فضل الصلاة؟ وما هو النور؟ وما علاقة الصلاة بالنور؟
(والصدقة برهان) فضل الصدقة، وما معنى البرهان؟ سر أسرار الصدقة.
(الصبر ضياء) ما هي أقسام الصبر؟ ولماذا قال ﷺ : (الصبر ضياء) وقال: الصلاة نور؟ وما الفرق بين النور والضياء؟
(القرآن حجة لك أو عليك) فضل القرآن، أمة القرآن، المذهب الاستعماري والغزو الفكري في تحطيم مبدأ أمة القرآن.
(فبائع نفسه) من الذي اشترى؟ ما هو العقد؟ متى تتم البيعة؟ ما هي السلعة المشتراة؟
آيات الشراء والبيع في القرآن، الصكوك التي وقعها محمد ﵊.
(معتقها) العتق الحقيقي، الرق الحقيقي، أسباب العتق.
(أو موبقها) معنى أوبق عند أهل اللغة، أسباب الهلاك، ما هي موبقات الأعمال؟
فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم، وأن يفتح علينا وعليكم، وأن يزيدنا توفيقاً وإياكم.
هذا الحديث بدأه ﵊ بجمله المختصرة النافذة، وبعباراته البليغة التي شحذت الأمة العربية، فعلمتها البلاغة، ومعجزته ﷺ من المادة التي أجادها العرب، فقد أجادوا الفصاحة، وهم أمة الشعراء والبلغاء، فأتى ﷺ ، فضربها من جنس جماعتها، وأورد سوقها بزها، فأتى ﵊ فبزها.
стр. 10327
معنى: (الطهور شطر الإيمان)
قال ﷺ : ﴿الطهور شطر الإيمان﴾.
الطهور هو: النقاء والصفاء، قال : ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف:٨٢] وقال : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] قيل دينك طهره من الأدناس، وقيل عرضك، وقيل ثيابك الظاهرة طهرها إذا أردت أن تصلي، واستدل أهل العلم بهذه الآية على وجوب تطهير الثياب، وأنها من شروط الصلاة، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] وقال : ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦].
فالطهر دينه، والطاهر رسوله، والطاهر بيته، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، هذا الطهور، وسمى رسول الله ﷺ الطهور الوضوء، وعند الترمذي: ﴿الوضوء شطر الإيمان﴾ وعند مسلم (الطهور) فرادف بينها ﷺ ، وسمي طهوراً؛ لأنه يطهر الأعضاء، فنصف باطن ونصف ظاهر، فالظاهر يطهر بهذا الطهور، والباطن عمارته بلا إله إلا الله، فتجتمع عند المسلم طهارتان: طهارة في الظاهر، وهي الوضوء والغسل، وطهارة في الباطن، وهي الإيمان الذي غرسه الله في القلوب.
أما شطر: فهو عند أهل اللغة نصف، يقال شطر الشيء نصفه، ويقال شطر للقسمين، ولو لم يكونا نصفين كثلث وثلثين، فتقول لهذا الجزء شطر وهذا شطر.
إذا مت كان الناس شطرين شامت بموتي ومثن بالذي كنت أفعل
هذا هو الشطر، فالرسول ﵊ جعل الطهور الظاهر شطراً ونصفاً، وجعل ذاك نصفاً، فصلى الله وعليه وسلم ما أبلغه!
أما الإيمان -إخوة الإيمان- ففيه ثلاث قضايا:
الأول: إذا ذكر الله الإيمان وحده دخل فيه الإسلام ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وإذا ذكر الإسلام مع الإيمان فالإسلام شيء والإيمان شيء آخر ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فلما ذكر الإسلام والإيمان قال أهل العلم: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وإذا ذكر الله الإسلام وحده شمل الإيمان ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] يشمل الإيمان أيضاً، فخذها قاعدة لتفهم.
الثاني: الإيمان يزيد وينقص عند أهل العلم، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والمؤمنون متفاوتون في الدرجات، فأعلاهم بعد محمد ﵊ أبو بكر، ثم يبدأ العد التنازلي حتى يصل إلى من ليس في قلبه إلا مثقال ذرة أو شعيرة أو حبة من خردل، والناس ينجون يوم القيامة على الصراط بحسب إيمانهم، ولا يثبت إلا من زاد إيمانه، ويدخل بعض المؤمنين النار، ثم يخرجهم الله من النار بما في قلوبهم من إيمان، أعاذنا الله وإياكم من النار.
وأما الإيمان فإنه درجات، ومن يفعل كبيرة قالوا: يخرج إلى درجة الإسلام، فأعظم الدرجات الإحسان ثم الإيمان ثم الإسلام، فكل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن ولا كل مؤمن محسن.
стр. 10328
معنى: (والحمد لله تملأ الميزان)
وقال ﷺ : ﴿والحمد لله تملأ الميزان﴾.
стр. 10329
معنى الحمد
الحمد: الثناء العاطر على من يستحق الثناء، ولا يستحق الثناء لذاته إلا الله، ولذلك سبقت معنا في محاضرة أو درس: اللهم اهدني فيمن هديت، الحمد ووصفه.
والله حمد نفسه ويحب المدح يقول الأسود بن سريع وهذا عند أحمد في المسند وعند الطبراني قال: ﴿أتيت الرسول ﵊ فقلت: يا رسول الله! ألا أنشد محامد حمدت فيها الله؟ -يعني: قصيدة نظمتها في الله- قال ﷺ : أما إن ربك يحب المدح﴾ ولذلك مدح الله نفسه، وأثنى على نفسه بنفسه، فوصف نفسه ونزه نفسه وقدس نفسه، وأثنى على نفسه، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:١] وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:١] وقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
والحمد غير الشكر، فالشكر على صنيع.
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
فإذا قدم لك إنسان جميلاً قلت: شكر الله لك، أما الحمد فهو الثناء، سواءٌ لمن قدم لك جميلاً أولا، والله محمود لثلاثة أسباب:
أولاً: ما من نعم ظاهرة ولا باطنة إلا من الله قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣].
ثانياً: محمود لأفعاله، فأفعاله كلها كاملة وممدوحة وطيبة لا عيب فيها.
ثالثاً: أن أسماءه وصفاته كلها صفات حمد، فلا ينام، وليس ببخيل، وليس بجبان، ولا يختل صنعه، إنما صفاته كلها صفات حمد، حكيم عليم قدير رحيم تبارك الله رب العالمين.
стр. 10330
ما هو الميزان ؟
أما قوله ﵊: ﴿الحمد لله تملأ الميزان﴾ ففيه قضايا:
ما هو الميزان؟
قيل: ميزان الأعمال التي تسجل فيه الحسنات في يوم العرض الأكبر، والصحيح عند أهل السنة أنه محسوس خلافاً لعلماء الكلام والمناطقة الذين قالوا: إن هذا الميزان وهمي، وليس ميزاناً محسوساً، وإنما ضربه ﷺ للناس ليفهموا عنه ذلك، وهذا خطأ، بل الميزان محسوس ينصبه الله يوم القيامة، وله كفتان ولسان كما قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨] ويقول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ويقول : ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٨ - ٩] ويقول : ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١ - ١١].
فيضع الله الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، وفيه دليل لـ أهل السنة أن الحسنات تصبح مجسمة، فيجسم لك الله حسناتك، وفي الصحيح: أن الله يمثل العمل الصالح في القبر على صورة شاب مليح أو رجل حسن الهيئة، ويمثل أعمال المجرم والسيئ بصورة رجل قبيح الهيئة؛ فالله يجسم الأعمال، فتأتي الأعمال في أجسام، كالصدقة والصيام والحج وبر الوالدين وحسن الخلق، فيضعها الله في كفة، ويجسم الله الأعمال السيئة كالكذب والنفاق والغيبة والنميمة والربا والغناء، فيضعها الله في كفة.
ومن الذي يحكم على الميزان؟ من الذي ينظر للسان الميزان؟
الله الواحد الأحد ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
وورد أن الله بعد نفخة الصعق ينادي: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه ملك مقرب ولا نبي مرسل فيجيب نفسه بنفسه: لله الواحد القهار، وينادي : ﴿أين ملوك الأرض؟ أين المتجبرون؟ أين المتكبرون؟﴾ ثم هو ينصب الميزان، وهو الذي يراقب الميزان.
وورد عن ابن عمر في حديث صحيح: ﴿أن رجلاً يأتي يوم العرض الأكبر، فيحاسبه الله، فيرى الرجل ويتيقن أنه قد هلك فيقول: خذوه إلى النار، فيأخذونه، فيلتفت الرجل فيقول: يا رب ما ظننت أنك تفعل بي هكذا، فيقول : أنا عند ظن عبدي بي! غفرت لك!﴾ وفي حديث ابن عمر الآخر: ﴿أن الله يدني العبد فيضع عليه كنفه، فيكلمه سراً بينه وبينه فيقول: فعلت كذا يوم كذا وكذا قال: نعم يا رب! قال: فعلت كذا يوم كذا وكذا، قال: نعم يا رب! قال: فعلت كذا يوم كذا وكذا من المعاصي والكبائر قال: نعم يا رب! قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وغفرتها لك اليوم﴾ وصح عنه ﵊: أن رجلاً من الأمة يأتي، فيرى أن سيئاته قد رجحت، وأن حسناته قد خف ميزانها فيرى أنه قد هلك، فيقول : ائتوني ببطاقة عبدي، فيؤتى ببطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتوضع في الكفة فترجح.
ولا يرجح مع اسم الله شيء.
هذه من المعالم الخالدة في الميزان، ويقول : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٧].
следующие страницы →