← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مدمن خمر يطلب الهداية السؤال أنا كنت مدمن خمر، وأنا جئت من مدينة أخرى خوفاً من العار، فدلوني؟ الجواب أولاً: حياك الله في هذا المجلس، ولله الحمد أن حضر معنا تائب هذه الليلة، فهو مكسب عظيم، ما هي مكاسب أهل الدنيا مع مكاسبنا، صفقة تجارية، عمارة، أرض، سوق، نحن والحمد لله مكاسبنا أجيال تهتدي، فلك الحمد يا رب، فأنت الهادي، ليس عندنا شيء، ولا منا شيء، ولا عملنا شيء، لكن لله الحمد هذا تائب حضر هذه الليلة ضيفاً عليكم، أسأل الله أن يثبته، وأسأل الله أن يستره، وأسأل الله أن يحفظه وأن يزيده إيماناً.

стр. 1052

من آثار الرفق في الدعوة السؤال أنا شاب كنت في مجلس من مجالس اللهو مع مجموعة من الشباب نسمع الغناء، وأنا أول مرة أراك وأحضر هذا الدرس، عمري الآن حوالي تسع عشرة سنة، وقد سررت بهذا الدرس، وكنت أظن أن الدروس فيها تشديد، ولكن الحمد الله أعجبني الدرس وحضرت، حفظت ستة وثمانين بيت غناء، فأريد أن أمحو هذا، فكيف تأمرني؟ وكيف تدلني؟ الجواب أسأل الله أن يمحو النفاق والشك والشبهة من قلبك، وأن يقذف في قلبك الإيمان، وأن يهديك سواء السبيل، أنا أقول: واصل الحضور، واستمع الشريط الإسلامي، وصاحب الدعاة وطلبة العلم، وأكثر من الدعاء بدءاً من الآن أن الله يهديك ويردك إليه رداً جميلاً. خاتمة: أيها الإخوة! سوف أجعل في كل أسبوع كتاباً أدلكم عليه، لا أقرأ الكتاب، ولا أعرف أفكاره، وإنما أدلكم عليه، كل أسبوع إن شاء الله إذا تذكرت، وهذه مسئولية الإخوة أن يذكروني، كل أسبوع أختار لكم من المكتبة الإسلامية كتاباً لا طويلاً مملاً ولا قصيراً مخلاً، سوف يكون هو مادتكم خلال الأسبوع، اخترت لكم كتاباً بديعاً رائعاً جميلاً مجيداً، هو صيد الخاطر لـ ابن الجوزي، مجلد واحد في ثلاثمائة صفحة، أو ما يقاربها، بسبعة ريالات، فإن غلا فبعشرة ريالات، اسمه صيد الخاطر، أطلب منكم أن تقرءوه، ومن يستطيع منكم أن يقرأه ثلاث مرات، فليقرأه، صيد الخاطر هذا عجب من العجب، كتبه ابن الجوزي بعد أن بلغ السبعين من عمره، فدبجه، وشارك بدمه، وقلبه وعمله وفكره، ليس معصوماً، لكنه أجاد كل الإجادة، كتاب ليس فيه تكلف، كتاب يحدثك ويسامرك ويعيش معك، صيد الخاطر لـ ابن الجوزي، لأن هناك فيض الخاطر لـ أحمد أمين لكن: لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم فهم الفتى الأزدي إتلافُ ماله وهم الفتى القيسي جمع الدراهمِ فلا يحسب التمتام أني هجوته ولكنني فضلت أهل المكارمِ ولعلي أراكم بعد أسبوع في كتاب آخر، لكن أنا لا أبيع وليس عندي مكتبة، حتى تقولوا أني أعمل لي دعاية، ولكن أحببت هذا الكتاب حتى جعلته عند رأسي أقرأ منه، حتى يقولون عن كتاب علي الطنطاوي: هذا الكتاب له القصة -لأنه قدم له- أخي ناجي القاضي، كان عند رأسه كل ليلة حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب، والحقيقة أني رأيته أكثر مما قاله الأستاذ وأرفع وأجل وأحسن، وليس هذا من المبالغات، وفيه بعض الأمور مما في كلام البشر، أبى الله أن يكون الكمال إلا لكتابه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. ففيه بعض الأمور، لكن أنا أنصح طلبة العلم أن يقرءون كثيراً كثيراً، ومن أراد أن يكتب لي عنه ملاحظةً، أو يستفسر قضية فيه، فأنا مستعد أن أفاوض فيه، أو يتصل بي، أو يلقاني. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كبيراً.

стр. 1053

أيها العاق ! إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش في ضياع ونكبات وويلات وفتن عظيمة، وماذاك إلا جزاء من الله بسبب ماظهر منها من عقوق، فترى الشاب يعق والديه، وتجد المسلمين يعقون خالقهم ونبيهم، ويبتعدون عن منهجه وأحكامه. فالأمة تعيش في عقوق: عقوق الله، عقوق النبي ﷺ ، عقوق الوالدين، عقوق لعلماء الأمة، عقوق للملتزمين.

стр. 1054

عقوق الوالدين الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صلِّ وسلِّم على أذن الخير الذي استقبل وحي السماء فبلَّغه بأجمل عبارة، وأوصله بألطف إشارة، أنقذ الأمة من الهاوية، وكشف الغمة وأخرج الجيل من الظلمات إلى النور، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس! عنوان هذه الخطبة: أيها العاق! العقوق الذي تعيشه الأمة صوره كثيرة، ومن أبرز صور العقوق: عقوق الابن لأبيه ولأمه، اكتظ الحرم في الطواف بالحجاج والشمس حارة، والناس واقفون عند الكعبة المشرفة يسألون المولى، وبين الألوف المؤلفة حاج من اليمن، يحمل أمه على كتفيه، تصبب عرقه، واضطربت نفسه، وكلَّ متنه وهو يطوف بها لأنها مقعدة، ويرى أن من الواجب عليه أن يكافئ الجميل، فهذه العجوز المقعدة الجالسة على أكتافه كان في فترة من الفترات جنيناً بين أحشائها، وكان طفلاً في بطنها، أرضعته، وضمته وقبلته، سهرت لينام، وجاعت ليشبع، وضمئت ليروى، فظن أنه كافأها حقاً بحق، ومر هذا الحاج وابن عمر الصحابي الجليل واقف عند المقام، فقال: السلام عليك يا ابن عمر! أنا الابن وهذه الوالدة، أترى أني كافأتها؟ قال ابن عمر: والذي نفسي بيده ولا بزفرة من زفراتها، ولا بزفرة واحدة. لا يأتي هذا التعب والعرق والجهد والإعياء ولا بزفرة واحدة زفرتها في ساعة الولادة. هذه صورة واحدة من صور المعاناة التي يقدمها الوالد وتقدمها الوالدة لهذا الإنسان.

стр. 1055

صورة من عقوق الوالدين جلس الرسول ﷺ بين أصحابه وإذا بشيخ كبير يدلف عليهم يتكئ على عصا، احدودب ظهره ورق عظمه واشتعل رأسه شيباً، وقف على رأس المعلم الجليل يشكو إليه مظلمة، فمن ظلمه؟ أيهودي ظلمه؟ أنصراني اعتدى عليه؟ لا. إنه ابنه، يشكو ودموعه تهراق من رأس لحيته، يقول: يا رسول الله! ابني ظلمني، قال: وماذا؟ قال: ربيته يا رسول الله! حتى أصبح كبيراً، جعت ليشبع، وظمئت ليروى، وتعبت ليرتاح، فلما اشتد ساعده تغمط حقي وأغلظ لي ولوى يدي، قال ﵊: وهل قلت فيه شعراً؛ لأن العرب أمة شاعرة تشكو شجونها في أبيات وتخرج مكنونها في عبارات، قال: نعم يا رسول الله! قال: ماذا قلت؟ قال: قلت له: غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ يقول: إذا زارك المرض وأتتك الحمى أيها الابن! فكأني أنا المريض والمحموم لا أنام كما تنام أنت. كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل فدمعت عيناه ﵊، وبكى أصحابه وقال: علي بابنه، فذهب الصحابة فقادوا ابنه، فإذا هو في جسم البغل، فأوقفه أمامه وأخذه بتلابيب ثوبه، وهزه المعصوم وهو يبكي ويقول: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ أي أنك شبه الرقيق لهذا الوالد يبيعك ويشتريك، وما أنت إلا من متاعه ودنياه، وهو من أسباب إيجادك بعد إيجاد الله. هذا موقف الوالد والولد. إنَّ هذه الصورة تتكرر في اليوم مرات من أناس شبوا عن الطوق، قويت سواعدهم، واشتدت كواهلهم وكبرت جماجمهم؛ فعقوا ربهم أولاً، فما عرفوا بيوته وأعرضوا عن كتابه، وعن سنة رسوله ﵊، ثم عقوا الوالدين في وقت الضعف، وليس الوالد أو الوالدة في وقت قوة لكن في أرذل العمر. أذهب الوالد شبابه، وفتوته وصحته وقوته من أجل هذا الشاب، فلما أصبح ثمرة الحياة أمامه وأصبح مستقبله يتمثل في هذا الشاب عقه، فما ترى إلا الشيوخ وهم يبكون، وكم رأينا من طاعن في السن يدب على الأرض دبيباً يشكو ابنه، ونحن نرفع شكواه إلى الواحد الأحد الذي ينصف سبحانه ولا تسقط عنده مظلمة.

стр. 1056

صورة من بر الوالدين يروي لنا المعصوم ﷺ قصة ثلاثة خرجوا في الصحراء من بني إسرائيل وأظلم عليهم الليل البهيم، فصعدوا جبلاً ودخلوا غاراً فانطبقت عليهم الصخرة فسدت بوابة الغار، فلا اتصال ولا عشيرة، ولا قبيلة ولا أهل، وهذه ساعة الاضطرار: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] وهذه هي وحدانية التحدي عند أهل التوحيد، وهي تعني ألا يجيب المضطر إلا هو، ولا يكشف المكروب ولا يفرج عن المغموم إلا هو، ولا يجيب صاحب الحاجة ولا يكشف الضر إلا هو. ولقد ذكرتك والظلام مخيم والأسد تزأر في ربا الصحراء في وحشة لو غبت عني ساعة لحسبتني شلواً من الأشلاء ضل الرفيق فلست أدعو غير من خلق الوجود مصور الأحياء هذا هو الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى:١٠] أتوا يدفعون الصخرة فما اندفعت، لا طعام ولا كساء ولا شراب؛ موت محقق!. فاتصلت حبالهم بحبل الله، الذي يدعوه المظلوم في ظلمات الليل فيسمعه، يونس بن متى في ظلمات ثلاث، ظلمة الليل وظلمة اليم وظلمة الحوت، فهمس في الظلمات بكلمة قوية: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" فأنقذه، قال الثلاثة: والله لا ينجيكم أحد إلا الله، فادعوه بصالح أعمالكم. فقام الأول -وهو الشاهد- فتذكر أعماله فلم يجد أحسن ولا أرجى ولا أطيب من بره بوالديه، فخاطب الله علاَّم الغيوب، الذي يعلم السر وأخفى، قال: ﴿اللهم إنك تعلم أنه كان لي والدان شيخان كبيران، وكنت لا أُقْدِّمُ عليهما أهلاً ولا ولداً، وقد غبت ورحت عليهما -غاب في غنمه وإبله- قال: فأتيت وإذا هما قد ناما، فحلبت غبوقهما -وهو الشراب من اللبن في المساء- وقمت بالإناء وأتيت به فوجدت الوالدين نائمين -انظر إلى الصورة انتظرا ولدهما ليأتي باللبن فتأخر فناما، فأتى بالإناء مترعاً باللبن ووقف، ومن البر أنه لم يوقظ والديه، لكيلا يزعجهما من النوم، فكيف بالذي أزعج والديه في الليل والنهار؟ وكيف بمن أبكى والديه صباح مساء؟ وكيف بمن أدخل المشاكل في بيت والديه؟ وأذاقهما المر الأمر وقد أذاقاه السعادة والراحة- وقف باللبن فقال: فكرهت أن أوقظهما وأطفالي يتضاغون عند قدمي من الجوع يريدون اللبن -لكن اللبن من نصيب والديه- قال: فلم أقدم أطفالي، ولم يسقِ أطفاله قطرة واحدة، وفلذاته يتقطرون تحت قدميه ويتضاغون كفروخ الطير من الجوع، قال: فقمت بالإناء من صلاة العشاء حتى لمع الفجر، فاستيقظا من نفسيهما، فقدمت الإناء فشربا، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك؛ ففرج عنا ما نحن فيه، فتدهدهت الصخرة﴾ من عظم الخطاب، ومن قوة الجواب، ومن جلالة المقام، صخرة عاتية دهدهها الله بأنه استجاب، ثم تكلم الاثنان. والشاهد هنا البر وكيف أوصل هذا الرجل إلى درجة أن يزحزح الله الصخرة عنهم.

стр. 1057

عاقبة قاطع الرحم يقول المعصوم ﵊: ﴿لا يدخل الجنة قاطع﴾ وما له حتى يدخل الجنة؟ ولماذا يدخل الجنة؟ ولماذا يقترب من أبواب الجنة وقد قطع والديه؟! الرحم خلق من خلق الله؛ يقول الرسول ﷺ : ﴿لما خلق الله الرحم تعلقت بالعرش -بعرشه هو- قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة -معنى الكلام: أشكو إليك القطيعة في الدنيا، أنصفني من القاطع- قال الله لها: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك، قالت: بلى. قال: فذلك لك﴾. فالقاطع يقطعه الله، قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. والله سبحانه قرن بالوحدانية المتفرد بها حق الوالدين فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤]. كلمة "أف" لا يجوز إطلاقها على الوالدين، فكيف بمن تنعم في القصور والفلل، وأهان والديه! وكيف بمن قدم زوجته على أمه! وكيف بمن أغلظ لهما في الخطاب! وعصى في الجواب! وفظ في التعامل! إنها صور تحدث في المجتمع، يعرفها من يعيش في المجتمع بآلامه وببؤسه وبمشكلاته، فنشكو حالنا إلى الله.

стр. 1058

السلف وبر الوالدين أيها الناس! البارّون لهم قصص عَبر التاريخ، يضربون أروع الأمثلة، منهم الإمام ابن سيرين حيث بلغ من بره بوالدته أنه قال: والله ما ارتقيت سطح بيت ووالدتي في البيت -لئلا يرتفع عليها- كان يقدم لها الطعام فلا يبدأ حتى تبدأ، ولا يأكل من الإناء الذي تأكل هي منه، فقيل له: لمَ؟ قال: أخشى أن تقع عينها على شيء من الطعام فآخذه فأكون عاقاً، وكان إذا جلس أمامها لا يبدُّها بصره، بل كان يخفض البصر كأنه عبد مملوك، وهذا حق الوالدة. والإمام أحمد جعل من نفسه -وهو إمام أهل السنة والجماعة - خادماً لوالدته في البيت -خادماً بمعنى الكلمة- يغسل ثيابها، ويصنع طعامها، ويكنس بيتها، وهذا تاجٌ على رأسه يلقى الله به: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. ما فائدة العلم والثقافة!؟ وما فائدة التبجح بالإسلام صباح مساء؟! وهذا العقوق الصارخ يدوي في مجتمعاتنا، وفي أسرنا، كل يوم تسمع أماً أو أباً يقطع عباراتهم البكاء، يشكون إلى الله هذا الظلم من العاقين، إنه تحذير لكل من عق أن يتوب إلى الله، وأن يتقي الله في والديه، وأن يخشى أخذ الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم

стр. 1059

صور العقوق كثيرة الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الناس! للعقوق صور كثيرة في هذه الأمة، وهي أمة عاشت في فترة من فتراتها الجمود والجحود، جمدت في الإبداع والابتكار والاكتشاف والاختراع، وجحدت حقوق مولاها ورسولها ووالديها، وليس عقوق الوالدين إلا صورة واحدة من الصور التي تعيشها الأمة.

стр. 1060

عقوق العلماء فالأمة عاقة -إلا من رحم الله- مع علمائها، ومع رواد الرأي فيها، ومع مفكريها وأدبائها، وهذا الرصيد الضخم والعملة النادرة والكبريت الأحمر يجب أن نضعه تاجاً على مفرق الأمة، أعني العلماء والأخيار والصلحاء والمفكرين والأدباء الملتزمين، نضعه على جبين الأمة، لكن الأمة لم تفعل ذلك، لقد عقَّت هؤلاء في حقبة من حقب التاريخ، وجعلت روادها أهل الهوايات من أساطين الفن وعشاق الكرة وصُرّع التسلية؛ لقد مات النمو والاختراع والابتكار في هذه الأمة؛ لأن العبقري عندها يُكسر قلمه، والأحوذي يُلغى ذكاؤه، والمبدع يُشطب على عقله. أمة هي ترى الناصح متهَماً، والمخترع مهدَداً، والمكتشف عميلاً، يهددها المخترع فتخافه، ومن يكتشف خيراً عُدَّ عميلاً مظنوناً به السوء. اكتشف الحمر والشقر وسائل التقدم والترفيه والتقنية لا لأنهم أذكى، ولكن لأنهم وجدوا التشجيع وإلهاب الحماس والتكريم والجوائز. نجومهم المخترعون والمكتشفون والمبدعون ورواد الصناعة، فمن هم نجومنا اليوم في وسائل الإعلام، وعلى مستوى الرأي العام، وعلى مستوى تجمعات الناس؟ من هم نجومنا الذين نباري بهم الأمم في ثقافتنا وتقدمنا وحضارتنا؟! أتدري من هم؟! إما بطل كرة، أو مغن جماهيري شهير، أو موسيقار أو مسرحي، هؤلاء هم اللامعون في الحقبة الأخيرة من حقب أمة محمد عليه الصلاة السلام، فكيف لا تتخلف، وكيف لا تكون في الذيل، وكيف لا تكون تابعة لا متبوعة، ومأمورة لا آمرة، ومقودة لا قائدة؛ إننا نشكو الحال إلى الله.

стр. 1061

عقوق رسالة الرسول ﷺ وهي أمة عقت رسالة رسولها ﵊، فتنكرت لمبادئه، فشعوب الإسلام اليوم غالبها أنظمة علمانية كافرة لا تحكم بالكتاب ولا بالسنة، يؤدبها ربها صباح مساء بأصناف الويلات والحروب والتمزيق؛ لتعود إليه فما تزيد إلا طغياناً وكفراً: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. يؤدبها فلا ترتدع ولا تتوب، وهذه صورة من صور العقوق، عقوق للرسول ﵊ ولمبادئه، يأخذون مبادئ الشرق والغرب، ويطرحون مبادئه ﵊ قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً منها، فالشريعة والقرآن والسنة عند هؤلاء قراطيس، تمائم للمرضى ولصلاة الاستسقاء وللجنائز وللمولد النبوي، أما لتسيير الحياة فعقوق ما بعده عقوق. يقول شوقي: شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات

стр. 1062

عقوق لأمجاد الأمة وعظمائها الأمة تعيش عقوقاً لأمجادها، لأن هؤلاء الأعداء المغرضين ظنوا أنهم هم اللامعون اليوم، وهم الذين على الساحة، وليسوا بلامعين، ولكن أمجادنا؛ عمر وعلي وصلاح الدين ونور الدين، وتلكم القائمة البيضاء. إذا تفاخر بالأهرام منهزم فنحن أهرامنا سلمان أو عمر أهرامنا شاد طه دعائمها وحي من الله لا طين ولا حجر إن الأمة عقت عظماءها، ولم تجعل لهم الصدارة، حتى في كتب التاريخ المبسطة التي تدرس في الابتدائية والمتوسطة، تجعل لـ سليمان فرنجيه مساحة في التاريخ كمساحة محمد ﵊ وكمساحة أبي بكر وعمر، ولكل رذيل حقير مكان يعادل مكانة الأنبياء والرسل، فكيف يفهم الجيل أجدادهم، وكيف يعرفون أمجادهم، وكيف يحبون عظماءهم، وكيف يقرءون تاريخهم: أمتي تاريخها ذو خطر لو تأمنَّاه ما كان الخطر هذه من صور العقوق. ولك أن تعدد العقوق ما شئت: عقوق في التاريخ، وعقوق في التربية، وعقوق في منهج الدراسة، وعقوق في الأدب والسلوك والأخلاق والقيم، ولا يصلحنا إلا الواحد الأحد، فنسأله لنا ولكم هداية ورشداً، وتسديداً وتوفيقاً. أيها الناس! صلوا على المعصوم ﵊، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان. اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم أصلح ولاة الأمور وهيأ لهم البطانة الناصحة الصالحة التي تدلهم على الحق، وتحذرهم من الباطل. اللهم اهد شباب المسلمين واجعلهم بررة أخياراً، ووفقهم إلى كل خير، وكفِّر عنهم سيئاتهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1063

بر الوالدين وصلة الرحم بين الشيخ -حفظه الله- منزلة بر الوالدين وصلة الأرحام في الإسلام، ثم ذكر نماذج من العقوق في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء، ثم ذكر في المقابل نماذج من البر بالوالدين، وبين أن العقوق مشكلة معاصرة وجدت في المجتمعات وانتشرت في البيوت، ثم تحدث عن صلة الأرحام ودلل على ذلك بأمثلة من تسامحه ﷺ مع المشركين من قريش لأجل الرحم التي بينه وبينهم.

стр. 1064

من لوازم العبودية طاعة الوالدين وصلة الرحم الحمد لله القائل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] والصلاة والسلام على رسول الله، الذي بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: عباد الله: إن من أعظم المعاصي التي عُصي الله بها في الأرض قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين؛ ولذلك توعد الله عليهما بالعذاب الأليم للعاق والقاطع، وهي معصية فظيعة، وجريمة شنيعة، تقشعر لها الأبدان، ويندى لها الجبينُ، أنكرها حتى الجاهليون، واليهود والنصارى في شرائعهم؛ ولذلك يقشعر جلد المؤمن يوم يرى الابن كلما شب وقوي، وكلما تعمر؛ تغمط حق والديه، يوم أذهبا العمر والشباب وزهرة الحياة في تربية هذا الابن، سهرا لينام، وجاعا ليشبع، وتعبا ليرتاح، فلما كبر هو وضعفا هما، ودنيا من القبر وأصبحا منه قاب قوسين، أو أدنى؛ أنكر جميلهما وقابلهما بالغلظة، وجحد حقيهما، وجعلهما في مكان من الذلة والصغار لا يعلمه إلا الله؛ لذلك قرن الله حقَّه بحقهما، وجعل من لوازم العبودية برَّ الوالدين وصلةَ الرحم، يقول جل ذكره: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] قضاؤه وأمره وإيجابه ألا يعبد إلا هو، ومِنْ عبادته ﵎: بر الوالدين وصلة الأب والأم وصلة الرحم. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء:٢٣] وانظر إلى هذه الصورة العجيبة، التي صورها القرآن: صورة الأب وهو محدودب الظهر، قليل الصبر، شاب رأسه وشابت لحيته، وصورة الأم وهي جعداء الشعر، شمطاء الرأس، قد دنت من القبر، وأصبحت تتلهب على شبابها وفتوتها وصباها الذي أنفقته في تربية هذا الابن؛ فلما ترعرع وقوي ظهره واشتد ساعده؛ كان نكالاً وغضباً ونكداً على والديه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] حتى كلمة أفٍّ من سمح لك؟ ومن عفا عنك أن تقول لهما أف؟!! فقل لي بالله أيهما أعظم: كلمة أف، أم الذين جحدوا حقوقَ الوالدين، ولعنوا الوالدين، وعقوهما وقاطعوهما، وجعلوا جزاءهما السب والشتم والغلظة والنكال والقطيعة؛ حتى وجد في المجتمع من يعيش في الفلل الزاهية البهية، وفي الشقق الضخمة، ويركب المراكب الوطية، ويأكل الموائد الشهية، ووالداه في فقر مدقع، وفي حاجة ملحة، وفي ضنك لا يعلمه إلا الله. أي قلوب هذه القلوب؟! وأي أرواح هذه الأرواح؟! ولقد بكت العرب في جاهليتها وفي إسلامها العقوق، وتوجعت له، وتظلمت وتبرمت، واشتكت إلى بارئها منه.

стр. 1065

صور من العقوق ورد في الأدب والسير: أن أعرابياً وفد على بعض الخلفاء وهو يبكي، فقال الخليفة: مالك؟ قال: أصبت في مال بأعظم من مصيبة المال، قال: وما هو؟ قال: ربيت ولدي؛ سهرت ونام؛ جعت وشبع؛ وتعبت وارتاح، فلما كبر وأصابني الدهر، واحدودب ظهري من الأيام والليالي، تغمط حقي، ثم بكى، وقال: وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى يَدَهُ اللهُ الذي هو غالبه قيل: فلويت يد الابن فأصبحت ملوية وراء ظهره. وفي السير وبعض التفاسير كـ الكشاف بأسانيد فيها نظر: أن رجلاً وفد على رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال مالك؟ فقال: مظلومٌ يا رسول الله! قال: من ذا الذي ظلمك وأنت شيخ كبير فقير؟ قال: ابني ظلمني، قال: كيف ظلمك؟ قال: ربيته، فلما كبر وضعف بصري، ورق عظمي ودنى أجلي، تغمط حقي، وظلمني وقابلني بالغلظة والجفاء، قال رسول الله ﷺ : فهل قلت فيه شيء؟ قال: نعم. قلت فيه أبياتاً، قال: ما هي؟ فقال له: غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ يقول: ما هذا جزائي! وما هذا رد الجميل معي! وما هذا رد المعروف! حتى الليلة التي تصاب فيها بالسقم ولا تنام؛ أشاركك السهاد ولا أنام، أنت السقيم ولكن أخذت السقم عنك، وأنت المريض لكن أخذت المرض عنك. إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل ثم يقول: أهذا جزاء الجميل؟! أهذا رد المعروف؟! أهذا حفظ اليد البيضاء؟! فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلتَ جزائي غلظةً وفظاظةً كأنك أنت المنعم المتفضل فدمعت عيناه ﷺ ، وحق للقلوب اللينة، وللعيون الرقراقة بالدموع أن تدمع لهذه المآسي التي وجدت في بلاد الإسلام، والتي شكت قلوب الوالدين إلى بارئها هذا الظلم الفظيع، وهذا الجرم الشنيع، فهل أظلم وهل أكبر، وهل أشنع من أن تربي ابنك؛ فإذا قوي واشتد ساعده، وأصبح في مصاف الرجال -بعد أن أعطيته شبابك، وزهرة عمرك، ولذة روحك، وشجا نفسك- رد عليك الجميل منكراً؟! فإذا صوته صائلٌ في البيت، لا يجيب لك دعوة، ولا ينفذ لك أمراً، ولا يخفض لك جناحاً. إنها -يا عباد الله- مأساة ما بعدها مأساة؛ ولذلك عدّ الإسلام بر الوالدين من أعظم الحقوق.

стр. 1066

صور من بر الوالدين يقول ﵊ وهو يسأل عن الأعمال الصالحة: أيها أزكى وأيها أعظم؟ فقال: ﴿الصلاة في وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾.

стр. 1067

من تاريخ الأمم السابقة ويسافر ﷺ بالقلوب ليحدثها عن رجل من بني إسرائيل كان باراً بوالديه، ويا عجباً! أن يوجد في اليهود والنصارى من تلين قلوبهم وهم أبناء القردة والخنازير، وهم أعداء الله، الذين لعنهم من فوق سبع سماوات؛ تلين قلوبهم لوالديهم، ويوجد في بلاد المسلمين وأبنائهم، من قسا قلبه، وطمس على فكره، فلا يلين قلبه أبداً. يقول ﵊: ﴿كان فيمن كان قبلكم ثلاثة آواهم المبيت إلى غار في جبل، فلما دخلوا الغار أمطرت عليهم السماء، فأتت صخرة من الجبل فتدحرجت فسدت باب الغار -فأصبحوا في مكان ضيق لا ملجأ ولا ملتجأ منه إلا إلى الله ، تقطعت الحبال، وأشرفوا على الموت وتأكدوا من الهلاك- فقال بعضهم لبعض: تضرعوا إلى الحي القيوم فإنه لا يكشف الضر إلا هو ولا يجيب المضطر إلا هو، فتقدم أولهم فتضرع إلى الله بأحسن العمل، وقال وهو يبكي عند فم الغار -والغار مظلم لا يكشف ظلمته إلا الله- قال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وإني قد نأى بي طلب الشجر -كان يرعى بغنمه ذاك اليوم فابتعد بغنمه فلم يأتِ إلا في الليل- قال: وأتيت مرة وقد ناما، وكنت لا أغبق عليهما أهلاً ولا ولداً -أي: لا أقدم في إعطاء اللبن ولدي الذي من صلبي، ولا زوجتي ولا أحداً من الناس حتى يشرب أبي وأمي- وإني قد أتيت ليلة من الليالي فوجدت أبي وأمي قد ناما، فحلبت وأتيت باللبن في الإناء فوجدتهما قد ناما فخشيت أن أوقظهما﴾. يا للطف! يا للسماحة! يا للبر والجود! حتى وهو قائم باللبن في أول الليل خشي أن يزعجهما من النوم، وهذا فعل الوالد والأم مع الابن يخفضان أصواتهما في البيت حتى لا ينزعج، تلحفه أمه بكسائها، وهي في البرد وهي تنتفض ليتدفأ، ولئلا يجد برداً أبداً، تكسوه في حرارة الشمس وتبقى هي في توقد الشمس حارة ساخنة، فيقول: ﴿فخشيت أن أوقظهما وأبنائي يتضاغون عند رجلي -أطفال يمزق الجوع أكبادهم وأمعاءهم يطلبون اللبن في الإناء، وهو واقف عند رأس والديه وأطفاله لا يستطيعون الوثوب إلى اللبن، وإنما يتدحرجون عند أقدامه- قال: فوالله ما سقيت أبنائي حتى قام والديَّ مع الفجر -فلما لمع الفجر قام الوالد وقامت الوالدة، فقدم الإناء إليهما فشربا، ثم سقى أطفاله، ثم توجه إلى الحي القيوم الذي يعلم الصادق بصدقه- قال: اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء مرضاتك، ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بقدر ما أجاب الله سؤال هذا السائل﴾

стр. 1068

العقوق مشكلة معاصرة عباد الله: إن العقوقَ مأساة وجدت في المجتمعات، وانتشرت في البيوت، وأصبحت أكبر المشكلات على الآباء، وفي بعض الآثار: يود المؤمن في آخر الزمان أن يربي كلباً ولا يربي ابناً. نعم، وجد هذا ورأينا ورأى غيرنا الآباء الذين طعنوا في السن وأصابتهم الشيخوخة، وهم يتباكون ويتضرعون ويتوجعون لهذه الذرية الظالمة العاتية، فهل من عودة يا شباب الإسلام إلى الله؟ وهل من عطف وحنان؟ وهل من خفض جناح؟ وهل من بر وجودة مع الآباء والأمهات؟ يأتي رجل إلى رسول الله ﷺ ، فيقول: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحبتي، قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أبوك. ﴾ فالأم لها ثلاثة أرباع الحق، فهي التي تعبت وحملت، وأرضعت وغسلت، وألحفت وأدفأت، فجزى الله آباءنا وأمهاتنا خير الجزاء، وسقاهما الله من الحوض المورود شربة لا يظمئون بعدها أبداً.

стр. 1069

ثمار البر وأضرار العقوق عباد الله: إن من ثمار بر الوالدين: أن يهديك الله سواء السبيل، وأن يصلح الله لك ذريتك، وأن يمدك بعون منه، وأن يرزقك قبولاً في الناس، وأن يمتعك متاعاً حسناً، وأن يسددك في أقوالك وأفعالك. ومن نتائج العقوق: اللعنة من الله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] قال بعض أهل العلم: أصمهم فلا يسمعون ولا يستفيدون، وأعمى أبصارهم فلا يتدبرون ولا يعقلون. ويقول جلَّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥]. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا يدخل الجنة قاطع﴾ من قطع رحمه، قطع الله حبله من السماء، وقطع حبله وذمته وعهده؛ ولذلك يقول ﵊: ﴿لما خلق الله الرحم، تعلقت بالعرش، فقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟! قالت: بلى يا رب. قال: فذلك لك، فمن وصلكِ وصلته ومن قطعكِ قطعته﴾ فأنزلها الله إلى الأرض.

стр. 1070

فخر الجاهليين بصلة الرحم ويفتخرون بصلة الرحم، يقول المقنع الكندي: وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلفٌ جدا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1071

هدي الرسول ﷺ في صلة الأرحام الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله أجمعين؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله: كان رسول الله ﷺ أرق الناس، وأعفهم، وأوصلهم، وأحلمهم؛ ولذلك ذكر الله خُلُقَه ومجد أنفاسه، وذكر مناقبه في القرآن، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فقد بلغ في صلة الرحم مبلغاً عظيماً، ضرب به المثل على مرِّ التاريخ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه ﷺ ، قام قرابته -أبناء عمه وأقاربه- فأخرجوه من مكة، وطاردوه وشتموه وسبوه وآذوه، حاربوه في المعارك، ونازلوه في الميدان، وقاموا بحرب عسكرية وإعلامية واقتصادية ضده، فلما انتصر ماذا فعل؟ دخل مكة منتصراً، ووقفت له الأعلام مكبرة، وطنت بذكر نصره الجبال والوهاد، فلما انتصر، وقف عند حلق باب الكعبة ﷺ منحنياً، وهو يقول للقرابة وللعمومة: ﴿ما ترون أني فاعل بكم؟ فيتصورون الجزاء المر والقتل الحار والموت الأحمر، فيقولون وهم يتباكون: أخ كريم وابن أخ كريم، فتدمع عيناه، ويقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء!﴾ كأنه يقول: عفا الله عنكم وسامحكم الله.

стр. 1072

صور من سيرته ﷺ في صلة الأرحام ويأتي ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، فيسمع بالانتصار وقد آذى الرسول ﵊، وسبه وشتمه وقاتله، فيأخذ هذا الرجل أطفاله، ويخرج من مكة، فيلقاه علي بن أبي طالب، ويقول: يا أبا سفيان! إلى أين تذهب؟ قال: أذهب بأطفالي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعرياً! والله إن ظفر بي محمد ليقطعني بالسيف إرباً إرباً! فيقول علي -وهو يعرف رسول الله ﷺ أخطأت يا أبا سفيان! إن الرسول ﷺ أوصل الناس وأبر الناس وأكرم الناس، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فيأتي بأطفاله ويقف على رأس المصطفى ﷺ ويقول: يا رسول الله! السلام عليك ورحمة الله وبركاته: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فيبكي ﵊ وينسى تلك الأيام، وتلك الأعمال، وتلك الصحف السوداء، ويقول: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢]. فهل من متسم بأخلاقه؟ وهل من مقتد بأفعاله؟ فإنه الأسوةُ الحقة، وإن اتباعه نجاة من العار والدمار والنار. تأتيه أخته من الرضاعة ﷺ ، وقد ابتعدت عنه ما يقارب أربعين سنة، فتأتيه وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه، مرت سنوات وسنوات، وأيام وأيام، وأعوام وأعوام، وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاع وهو تحت سدرة ﵊، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن، فيقول لها الصحابة: من أنت؟ فتقول: أنا أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية، فيخبرون الرسول ﵊ فيتذكر القربى وصلة الرحم والوشيجة والعلاقة، التي أنزلها الله من السماء، ويقوم لها ليلقاها في الطريق ويعانقها عناق الأخ لأخته بعد طول المدة، وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها ويجلسها مكانه، ويظللها من الشمس. تصوروا رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية يظلل هذه العجوز من الشمس برضعة واحدة، فأين الذين قطعوا عماتهم وخالاتهم، وبناتهم وأخواتهم؟ وهم كثيرٌ! حرموهن من الميراث الذي فرضه الله لهن وقطعوهن من الصلة والزيارة؛ حتى سمعنا ورأينا من العجائز الطاعنات في السن من تقف الواحدة في فقرٍ، وهي تبكي وتقول: ظلمني! أنصفني الله منه، فأين هذا الخلق من ذاك الخلق؟! ويقول لها الرسول ﵊: كيف حالكم؟ ويترك الناس وشئون الناس ويقبل عليها ويسألها، ويقول لها أخيراً: يا أختاه اختاري الحياة عندي أو تريدين أهلك؟ فتقول: أريد أهلي، فيمتعها بالمال ويعطيها مائة ناقة ﵊، ليعلمِّ الناس صلة الأرحام قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] معنى الآية: إذا توليتم في الأرض، وأدبرتم عن طاعة الله، وكفرتم بتعاليم دين الله، فأكملوا المعصية بقطيعة الرحم، ليستحق غضب الله، ولعنته وعذابه، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣] فيا عباد الله: هل من واصل لرحمه علَّ الله أن يرحمنا؛ عله أن يمطر بلادنا وأن يرحم عباده، وإن الله تعالى يقطع من قطع رحمه، وإن الله يغضب إذا انتهكت محارمه؛ ولذلك يقول جل ذكره في الحديث القدسي: ﴿أبي تغترون أم علي تجترئون؟! فبي أحلف لأنزلن فتنة تدع الحليم حيراناً﴾. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال رسول الهدى ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارضَ اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمةَ المسلمين، اللهم وحد بين صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. اللهم اصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك، واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وحد كلمتهم، اللهم خذ بأيديهم إلى كل خير، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم أعل كلمة الحق بهم يا رب العالمين، اللهم رد على أيديهم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، اللهم مزق بأيديهم أعداءك إخوان القردة والخنازير: الذين قتلوا رسلك وكفروا بكتابك وأفسدوا في أرضك يا رب العالمين. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1073

حبة أنبتت سبع سنابل أنفع الناس للناس هم حملة القرآن، أما أهل الموسيقى والغناء فلا يمكن أن يكونوا هم الصفوة المختارة. والذين تلطخت أيديهم بالدماء من الزعماء هم نماذج مخزية من الظلم والفساد والاستبداد. وإن شهر رمضان هو شهر القرآن، فينبغي لنا الاقتداء بالرسول ﷺ وبالسلف الصالح حيث كانوا يكثرون من تلاوته وتدبره في هذه الشهر الكريم. ومما ينبغي تذكره في رمضان ما وقع فيه من الانتصارات العظمى كبدر وفتح مكة وحطين وشقحب. والصدقة من أفضل أعمال البر والخير فعلى من يريد فكاك رقبته من النار في هذا الشهر أن يكون أجود الناس بالخير كما كان رسوله ﷺ .

стр. 1074

أهل القرآن والتوحيد أنفع الناس للناس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. تساؤلات تمور في الذهن، ويعيشها القلب، ويفرغ لها الروح، وهي: من هم أنفع الناس للناس؟ ومن هم أهل المنجزات؟ من الذين قدموا أحسن ما يقدم للناس؛ يزعم بعض الناس أنهم أنفع الناس للناس؟ وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فالفنانون زعموا أنهم تراث الأمة، وأنهم شعبيتها، وأنهم صوتها الحر، قدموا العود والموسيقى والوتر، وقالوا: هذا إنجاز الشرق للغرب، وهذه حضارتنا. الفنانون من قديم الزمن يقف أحدهم عند الكعبة والمقام يناجي رب العزة ويقول: أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب ويأتي فنان آخر عند الجمرات في الحج ويقول: فوالله ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان فهل يُرشح هؤلاء وأمثالهم ليكونوا هم الصفوة المختارة؛ التي تقدم ثقافة الأمة وحضارتها وصوتها؟! ويزعم بعض الزعماء: أنهم هم محررو الشعوب، الذين رفعوا عن الشعوب التخلف والرجعية، والظلم والاستبداد والطغيان، ولكننا إذا قرأنا التاريخ؛ لوجدنا نماذج مخزية؛ من الظلم والفضيحة والاستبداد. يسجن الحجاج بن يوسف مائة ألف مسلم ويمر عليهم يوم الجمعة، فيبكون عله أن يخرجهم من السجن فيقول: اخسؤا فيها ولا تكلمون. ويقتل أبو مسلم الخرساني من المسلمين مائة ألف، وقيل عند الذهبي: ألف ألف مسلم -أي: مليون- وكان الحاكم بأمر الله المصري ينزل إلى السوق فإذا رآه الناس؛ سجدوا له في السوق من دون الله! ومن أمثالهم الخميني وصدام حسين فهذه لافتة الزعماء التي تدعي أنها حررت الأمة الإسلامية ورفعت رأسها، ويدعي القوميون العرب، والمظلة العربية: أنهم هم أهل السيادة في الأرض، وأن النصر سوف يتم لهم. وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أجزاء لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء إنهم فضائح في جبين التاريخ، يقولون: القومية العربية، وإخاء عربي، ودم عربي، وحرف عربي، لكن بدون لا إله إلا الله. هذه العروبة رأيناها في أيلول الأسود، وفي داحس والغبراء، وفي احتلال الكويت، وفي حماة وفي بعاث وفي صبرا وشاتيلا، تأتي جولدا مائير العجوز، فتسحق العالم العربي، وتستحذيهم؛ لأنهم تركوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فمن هم أنفع الناس؟ من هم البررة في الأمة؟ يوم خرّج الغرب المهندس والطيار والطبيب وخرجنا اللاعب والمغني والموسيقار، فهاهي أمريكا تعلن أنها أجرت ستين بروفة؛ لإنزال أبولو على سطح القمر، ونحن نعلن أننا أجرينا بروفة؛ لإخراج أغنية للجماهير! منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا فمن أنفع الناس؟ إنهم حملة القرآن إنهم حملة لا إله إلا الله إنهم حفظة كتاب الله ، وهذا شهرنا يعيد لنا ذكر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. هاأنتم تعيشون ذكرى أجدادكم، الذين فتحوا العالم بالقرآن، لم نفتحه بأغنية ولا بوتر، ولا بكرة أو موسيقى، أو ببلوت أو مجلة خليعة، بل فتحناه بهذا القرآن. سمعتك يا قرآن والليل واجم سريت تهز الكون سبحان من أسرى فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها وسرنا على الأفلاك نملؤها أجرا

стр. 1075

شهر رمضان شهر القرآن والإنفاق يقول ﵊ كما عند الحاكم بسند صحيح: ﴿يأتي القرآن والصيام يوم القيامة فيقول القرآن: يارب! منعت هذا نومه بالليل -أي يتهجد ويقرأ- فيشفع في صاحبه، ويقول الصيام: يارب! منعته طعامه في النهار فيشفع في صاحبه﴾. ويقول ﵊: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾. إننَّا نستشف من الحديث فائدة كبرى وهي: أن القرآن والإنفاق لهما فضل كبير، وهذا شهر القرآن والإنفاق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠]. وكلكم يعرف الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم ويسمع بجهدها ويطلع على ما تقوم به، أهي مؤسسة غنائية؟ لا. أو للفنون التشكيلة؟ لا. أو للكرة؟ لا. بل هي لكتاب الله، وهي مؤسسة نيرة أخذت على عاتقها أن تأتي بشباب الأمة من المقاهي والنوادي الحمراء، والضياع والمنتزهات والسقوط في المخدرات إلى المساجد. قد أخذت على عاتقيها أن تحفظ أبناءنا كتاب الله، إنها جمعية يجب أن يصرف لها أكبر قدر من أموال المسلمين، فهي تعيش في ضمائر كل مسلم، سل ابنك، وسل ابن جارك، وسل حفظة كتاب الله ما هي أنعم جمعية مروا بها في الحياة؟ إنها الجمعية الخيرية لتحفيظ كتاب الله، لكنها تحتاج إلى الدعم والتبرع والإنفاق. ووالله! لقد عجبت وعجب كثير من الإخوة ونحن نطلع على مقالة لمغني مطرب، وهو يخبر بما أتاه من دعم وتبرع في ليلة واحدة، وقدرناه بالملايين، فقلنا: ماذا أعاد علينا هذا الفنان وهذا المطرب؟! ماذا أنتج لنا وقدم لأمتنا وماذا أسدى لنا؟! ثم ننظر بالمقابل وإذا الجمعية الخيرة تقف على أقدامها في الأرض، إنها تحمل تكاليف هائلة؛ لتدريس شباب المسلمين وأطفالهم، وهي تحتاج إلى دور ضخمة، وإلى مدارس، وناقلات، ورواتب أساتذة وجوائز. وهذا اليوم يوم مشهود؛ يطلع الله على ما تقدمونه -بعد الصلاة- لرواد الجمعية الخيرية، الذين حضروا طالبين لا لأنفسهم ولكن لأولياء الله، ولكتاب الله، ولحفظة كتابه . ويظهر لنا هذا مدى عظمة الإسلام حيث يربط بين الصيام والإنفاق، وأعظم ما تنفقه أنت لكتاب الله، أما هؤلاء الذين ينفقون الملايين في الضياع، والألوف المؤلفة في الخسار فاسمع ما يقول سبحانه فيهم: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. هل سمعت أن الأمة انتصرت بفنان؟ أو رفع رأسها مطرب؟ أو بيض وجهها موسيقار أو ممثل؟ لا. لكن بحامل كتاب الله رُفع رأسها. فيا مسلمون يا بررة! كل الأمة تتحرى منكم ما تقدمونه هذا اليوم، فابذلوا سخياً سخياً، بل على القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أنها من مصارف الزكاة، فمن عنده زكاة أو من أراد أن يساهم مساهمة عند الواحد الأحد الذي لا تضيع الودائع عنده: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] من أراد ذلك فليساهم وليعتق رقبته وليرفع ميزانه هذا اليوم، أنت صائم في يوم الجمعة وأنت متصدق، وأين تذهب صدقتك؟ إلى حملة كتاب الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. واعلموا أن أجدادكم كـ عثمان وابن عوف هم الذين فتحوا أبواب الجنة بأعمالهم، وصل إلى ابن عوف سبعمائة جمل ودخلت المدينة في حرارة الشمس، محملة بالتمر والزبيب والبر، فقال تجار المدينة: يـ ابن عوف! نشتريها منك، قال: بكم؟ قالوا: نعطيك في الدرهم درهماً -أي: الثمن مضاعف- قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك في الدرهم درهمين، قال: وجدت من زادني. قالوا: لا. نحن تجار المدينة وما زادك أحد علينا، قال: وجدت من زادني في الدرهم عشرة أضعافه إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ أشهدكم أنها بأحلاسها وجمالها وأقتابها وبرها وزبيبها وتمرها في سبيل الله، فتولى الفقراء والمساكين وهم يقولون: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة. وقال ﵊ لأصحابه: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة، فقام عثمان فجهزه؛ فدمعت عيناه ﵊ وقال: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾. ولعلكم ترون بإذن الله في سيرة أسلافكم الذين ما كان أحدهم يجد ما يسد جوعه؛ من الإنفاق والبذل والعطاء ما يدفعكم أنتم أكثر وأكثر مع كثرة الأموال لدعم هذا المشروع الخيري، وقد شاهدتُ في بعض المناطق كـ الوسطى والقصيم، دعماً هائلاً للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن، فمن متصدق بعمارة، ومن متصدق بسيارة، ومن متصدق بألوف مؤلفة، وما أظن أن الناس يفوقوننا حماساً وغيرة وحباً لكتاب الله، هذه مسألة علَّ الله أن يفتح صدوركم لها، وليس بغريب عليكم؛ فأنتم أبناء الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله. أرواحنا يارب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا أسأل الله أن يتقبل منكم ما فعلتم: ﴿الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار﴾ كما قال ﷺ ، واليوم -بعد الصلاة- تطفئون خطاياكم وسيئاتكم، وتطفئون غضب ربكم؛ بما تنفقون ثم يحفظ لكم في: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذبْ منه سلسال أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1076

شهر رمضان هو شهر الانتصارات على مرّ التاريخ الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام قد لقيناك بحب مفعم كل حب في سوى المولى حرام اجتمعت في رمضان مسائل عظيمة لهذه الأمة الخالدة: أولاً: أنه شهر انتصاراتها على مر التاريخ، فـ بدر والفتح وحطين وشقحب كلها في رمضان. فهو الشهر الذي ارتفع فيه رأس الأمة وانتصرت بإذن الله، في رمضان كانت ساعة الصفر بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش، فقتلهم قتلة ما سمع التاريخ بمثلها، وفي رمضان وفي يوم الجمعة الساعة السادسة، كان اللقاء الرهيب بين العالم الإسلامي وبين العالم الصليبي المسيحي، ومن الذي يقود العالم الإسلامي؟ أهو عربي؟ لا. إنه كردي صلاح الدين الأيوبي الشافعي رحم الله تلك العظام؛ كما قال ابن كثير. صلاح الدين ذلك الشاب الذي نشأ على القرآن في المسجد، كان لا يتبسم ويقول: والله لا أتبسم حتى أعيد المسجد الأقصى إلى المسلمين. وحضر يقود العالم الإسلامي كله في معركة حطين قال له قواده: نبدأ في الصباح، قال: لا. إذا بدأت الساعة السادسة وارتقى الخطباء في العالم الإسلامي على المنبر، بدأنا المعركة عل الله أن ينصرنا بدعوات المسلمين. هذه الدعوات الحارة التي مرغت القوى العالمية، وكسرت ظهر الشيوعية بالأمس، ومرغت وجه البعث بالتراب اليوم، وكم سرّنا وأتحفنا وأثلج صدورنا أن يكسر ظهر البعث كسرة لا يقوم بعدها أبداً! البعث الذي داس المصحف وقتل أبناء صلاح الدين في حلبجة والذي ذبح العلماء والدعاة. حضر صلاح الدين وبدأ الهجوم وأخذ يقول في المعركة: وإسلاماه! وإسلاماه! وإسلاماه! ثم انتصر بإذن الله. وفي الجمعة الثانية دخل بيت المقدس يصلي، وهو كردي ليس بعربي؛ لأن العرب في فترة صلاح الدين تركوا القرآن والجهاد، وتولوا إلى الموسيقى والأغنية، وإلى السهرة والبلوت والله يقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]. وانتصر، وأذن المؤذن وقام الخطيب، وفي الصف الأول صلاح الدين الكردي، عليه العمامة محملة بغبار المعركة وعليه بعض قطرات الدم في لحيته، كالخضاب من جروح كانت تنز عليه من وجهه، قام الخطيب وأخذ يقول: الحمد لله مجري السحاب، منزل الكتاب، هازم الأحزاب. من هم الأحزاب؟ بريطانيا وفرنسا وإيطاليا تدعمهم سويسرا وألمانيا في حزب ضد المسلمين، ومع ذلك كسرهم صلاح الدين كسرة ما سمع التاريخ بمثلها. ثم التفت إلى صلاح الدين وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن أمنياتنا في رمضان النصر، وقد نزل القرآن فيه في ليلة القدر، نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ثانياً: أنه شهر التقوى، فقد انكسرت فيه القلوب، وذبلت فيه الأرواح، وجفت فيه الأكباد، وتذكر الأثرياء الذين يسكنون في العمارات الشاهقة والذين تتخالف عليهم موائد الطعام، الفقراء والمساكين، وتذكروا الذين ينامون على الأرصفة، ولا يجدون كسرة خبز ولا مذقة اللبن، هذه من الأمنيات. وأعود إلى الموضوع السابق، يقول ﷺ : ﴿إذا أنفق العبد صدقة فإن الله يتقبلها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى تبلغ كـ جبل أحد﴾ ويقول ﷺ في الصحيح: ﴿إن لله ملكين يناديان في كل صباح: يقول الأول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً﴾. فنعوذ بالله من البخل وهو من شيم اليهود: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧]. أيها المسلمون: لا يكفر الخطايا، ولا يغسل السيئات كالصدقات، وإذا كانت لرفع كتاب الله ، ولدعم هذا المشروع الخيري النير فإنها من أحسن ما تكون، سواء زكاة مفروضة أو زكاة نافلة، والله يتقبل منا ومنكم في: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. أيها الناس: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحب وترضى. اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، وأصلح لهم البطانة واهدهم سبل السلام، ووفقنا وإياهم لكل خير. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1077

سلعة الله غالية تحدث الشيخ عن تأسيس بنيان التقوى، وذكر في هذا الدرس عاملاً أساسياً من عوامل التقوى وهو الجود، وفصّل في أنواع الجود المأمور بها شرعاً: الجود بالنفس، الجود بالعلم، الجود بالوقت، الجود بالجاه ثم ذكر نماذج من جود الصحابة وبذلهم، وختم بقصة طريفة لأحد العلماء.

стр. 1078

الجود ومنازله الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً وتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، هدى به الله الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد: فيقول الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩] أفمن أسس حياته ومستقبله على تقوى من الله وعلى رضوان من الله وعلى خوف من الله وعلى خشية لله خير أم من أسس بنيانه على معصية وتمرد وعدوان لحدود الله وانتهاك لحرمات الله. ومن سنن الله الكونية القدرية والشرعية الأمرية: أن ينصر أولياءه وأن يحفظ أحبابه ويؤيد عباده، ومن سننه كذلك: أن يخذل أعداءه وأن يمقت من ضاده وحاده؛ ولذلك أتى ﷺ من غار حراء خائفاً وجلاً، لما أتاه جبريل ظن أن سيموت أو يهلك أو يخزى؛ لأنه رأى صورة ما رآها قبل، فقالت خديجة ﵂ وأرضاها: ﴿كلا والله لا يخزيك الله أبداً! إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق﴾ فاستدلت بحسن فعاله وبجميل صنعه على أن الله لا يخزيه أبداً. هل رأيتم متصدقاً أخزاه الله؟! هل رأيتم صادقاً أخزاه الله؟! هل رأيتم صالحاً محسناً أخزاه الله؟! إنما يخزي الله أعداءه ومن حاده، أهل المعاصي وأهل الفواحش وأهل السيئات هم الذين يخزيهم الله، والله ذكر أهل البر وأهل المعروف فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. ولم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميلُ

стр. 1079

الجود بالنفس يقول ابن القيم ﵀: الجود والبر منازل ودرجات أعظمها الجود بالنفس. أرأيت إنساناً يجود بنفسه لمرضاة الله، هل هناك أكرم منه؟! لا والله فيا من بخل بدرهمه وديناره! أصحاب الرسول عليهم الصلاة والسلام جادوا بنفوسهم وأرواحهم في سبيل الله، يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجودِ أتى الصحابة وما عندهم مال ولا عقار ولا درهم ولا دينار، فاستقبلوا القبلة متوضئين، ورفعوا سيوفهم شاهدين ظاهرين مقبلين، وقالوا: يارب لا نملك من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، وإنما نملك نفوسنا قد أهديناها إليك فتقبلها منا، ﴿جِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨]. ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيءٍ فاشترى أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا خالد بن الوليد باع نفسه في المعركة، وذلك جميل ومعروف لنفسه، صلاح الدين، طارق بن زياد، محمود بن سبكتكين، وأحفاد محمود من المجاهدين الأفغان، ومن أمثالهم قالوا لله بلسان حالهم: يا رب نحن فقراء ما عندنا مال ولا عقار، ما عندنا قصور ولا سيارات، ما عندنا ملابس ولا مشروبات ولا مرطبات، لكن هذه نفوسنا قدمناها لك! أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا

стр. 1080

الجود بالعلم قال ابن القيم: ومن الجود: الجود بالعلم وهو من أشرف الجود! فيا دعاة الإسلام! يا طلبة العلم! يا حملة الدكتوراة والماجستير! يا من تفنن في أساليب التفنن العلمية والتخصصات الشرعية! الأمة ماتت جهلاً وشركاً وتخلفاً وعامية، فمن ينقذها بعد الله إلا أنتم! ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] اشتروا به مناصب ووظائف وتكدسوا في بيوتهم، وتركوا الأمة غارقة في الجهل وفي الخرافة والشرك، فبئس ما يشترون! والله لساعة من التعليم واحدة خير من مناصب الدنيا ومن وظائفها وأموالها. هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضارب من أردتا وكنز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]. كم من القضاة في بلادنا! كم من الأساتذة! كم من العلماء! كم من الدعاة؟ ألوف مؤلفة! ومع ذلك القرى جاهلة، والبوادي تعيش الخرافات، وكثير من الناس لا يعرفون أحكام دينهم ولا أمور شرعهم، وحولهم الماء لكن بخل أهل الماء بالماء، وفي الركاز الخمس، أرأيت البخيل إذا بخل بماله، كيف يكون ممقوتاً مذموماً مسبوباً مشتوماً من الناس! والله إن من بخل بقال الله وقال رسوله أكثر ذماً ومقتاً وبخلاً منه! وانظر إلى أهل الباطل، كيف بذلوا علمهم الباطل وعلمهم المتخلف، ولعنتهم بذلوها ووزعوها، كتبوا وتكلموا وحاضروا وأنتجوا وطبلوا وزمروا وغنوا ورقصوا، لكن أهل الحق في خجل أن يرفعوا حقهم ويوزعوه.

стр. 1081

الجود بالمال ومن الجود ومن منازله الكبرى: الجود بالمال، ونحن في هذه البلاد نعيش رغداً وعيشاً هنيئاً مريئاً، نحن أثرياء بالنسبة للعالم، إن متوسط دخل الواحد منا يعادل دخل كثير من تجار العالم، فهل قدمنا لأنفسنا؟ هل قدمنا للقبر؟ هل قدمنا للصراط؟ هل قدمنا ليوم الكربات يوم الفضائح؟ لقد رأينا ورأيتم كثيراً من الناس يشكون العوز! مدين لا ينام الليل وأطفاله لا يجدون كسرة الخبز، لا يجدون قطعة القماش، يتقدمون بصكوك إلى أهل القصور، ويتقدمون بالدمعات الحارة إلى أهل المطاعم الشهية والملابس الوطية والمراكب الزهية، فيا أيها الناس! من فعل خيراً فإنما يفعل لنفسه، والله يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيتَ من زادِ يقول ﵊ كما في الصحيح: ﴿إن لله ملكين يناديان كل صباح، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً﴾ فمن أراد أن يخلف الله عليه وأن يبارك في رزقه وفي دخله، فلينفق على الفقراء، وعلى المجاهدين، وعلى المساكين، وفي مشاريع الخير، فهذا من باب البر. كان الجاهليون وهم وثنيون يعبدون الأصنام والأوثان لا يرضون أن يعيش في مجتمعهم جائع ولا مسكين، كان ابن جدعان جاهلياً ما عرف لا إله إلا الله وما سجد لله، عنده صحاف تعرض كل صباح بلباب البر وبمسيل العسل، فينادي مناديه على جبل أبي قبيس في مكة: من أراد الإفطار فليأت فتمتلئ صحافه من المساكين، فإذا أتى الظهر قدم صحافه لحماً وخبزاً ثريداً، وقال: من أراد الغداء فليأت! يقول أمية بن أبي الصلت في آل جدعان أهل الكرم والجود: لا ينكتون الأرض عند سؤالهم لتطلب الحاجات بالعيدانِ بل يشرقون وجوههم فترى لها عند السؤال كأحسن الألوانِ وإذا الغريب أقام وسط رحالهم ردوه رَبَّ صواهلٍ وقيانِ وإذا دعا الداعي ليوم كريهة سَدُّوا شُعاعَ الشمس بالفرسانِ

стр. 1082

الجود بالجاه ومن الجود: الجود بالجاه -الجود بالوجاهة- بعض الناس آتاه الله جاهاً وواسطة وشفاعة، يعرفه المسئولون، يعرفه الأمراء والوزراء وأهل المناصب في الدولة بوجاهته وبمنصبه وبصدارته في المجتمع، والله يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] ويقول : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ [النساء:٨٥] ما هي الشفاعة الحسنة؟ يعني: يا أهل المناصب! يا أيها المسئولون في هذه البلاد وفي غيرها: أن تشفع للمحتاجين، أن ترفع حاجة المظلومين المضطهدين الأرامل العجائز، تتكلم إلى المسئول تتكلم إلى الأمير، تتكلم إلى الوزير في حاجتهم وفي مضرتهم وفيما أصابهم من ظلم وفيما أتاهم من جوع، وحينها تكون مشفوعاً لك عند الله، والجزاء من جنس العمل، يشفع لك محمد ﵊ في دخول الجنة وفي الرضى الأبدي السرمدي عند الله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْل مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥] كما يفعل الذين انتقصت حقوقهم عند الله يسعى في إضرار المسلمين وفي التنكيد عليهم وفي تنغيص عيشهم وفي زلزلة أمرهم وفي تقديم دمائهم وأموالهم للشيخ، وهذا عنده عند الله مرصاد يتحراه: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]

стр. 1083

الجود بالوقت الجود بالوقت: أن تجعل وقتك للمسلمين، فتذهب إلى المريض في المستشفى أو في بيته فتواسيه، وكم تعادل زيارتك للمريض من الأجر والمثوبة، إنك تدخل الأنس عليه والفرج بعد فرج الله عليه، إنك تدخل ماء الحياة إلى قلبه، إنك تغرس شجرة الأمل في نفسه وفي روحه، وتعود مأجوراً. ومنها أن تصل الأرامل وأن تتفقد المحتاجين: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة:١٠٩] أفمن بنى حياته ومستقبله على بر وخير وأصالة ومعروف. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة:١٠٩] أسس قواعده على المعصية، أسس قواعده على الجريمة، على البغض للمسلمين، على تنكيد حياتهم، على تنغيص عيشهم، على التثلج بدمائهم وأموالهم ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ_ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩]. ما أحسن المعروف! وما أحسن الجميل! يقول علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: [[ما أحسن الجميل! والله لو كان الجميل رجلاً لكان حسناً، ما أقبح القبيح! والله لو كان القبيح واللؤم رجلاً لكان قبيحاً]]. جاءه رجل فاستحيا أن يسأل علي بن أبي طالب، فكتب حاجته في التراب فقال علي ﵁ وأرضاه: أمسكت ماء وجهك وأعفيتنا من ذل سؤالك لألبين مسألتك فقال الرجل: كسوتني حلة تبلى محاسنها لأكسونك من حسن الثنا حللا والثناء من أحسن ما وضعه الله للناس في الأرض. إنما المرء حديث بعده كن حديثاً حسناً لمن وعى حاتم الطائي نذكره اليوم وهو مشرك، حاتم نتبجح بذكره في المجالس وهو وثني، لأنه كان كريماً جواداً. فيا عباد الله! قوا نفوسكم من نار تلظى، وقوا وجوهكم من لفح النار، بالمعروف، بالكلمة الطيبة، بالبسمة، بالصدقة، بالزيارة، بالشفاعة لما يرضيه ، غفر الله لي ولكم، وأنقذني وإياكم من النار، وهداني وإياكم سواء السبيل، هنيئاً لكم إقبالكم على الله وتوبتكم إلى الله وثباتكم على ما يحبه الله ورسوله، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1084

نماذج في الجود الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: عباد الله: فإن ما ذكرته في الخطبة الأولى عليه نماذج من أصحاب الرسول ﵊ وهم القوم المقتدى بهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] لم نقدم للإسلام عشر ما قدموا، وما فعلنا لرفع لا إله إلا الله ولو قيراطاً مما رفعوا- فرضي الله عنهم وأرضاهم وألحقنا بهم، بذلوا نفوسهم رخيصة في سبيل الله.

стр. 1085

بذل الصحابة لنفوسهم في سبيل الله أتى حمزة فترك أطفاله وأهله وداره وعقاره وأتى بثيابه الممزقة التي تستر جسمه الطاهر، فقاتل في أُحد حتى قتل، فكان أسد الله في أرضه، وكان سيد الشهداء في الجنة، وأتى أنس بن النضر، فرأى الناس فروا يوم أحد، فأقبل إلى الله وشم ريح الجنة من دون أحد، فقتل وضرب بأكثر من ثمانين ضربة، وأتى خالد وسعد فباعوا أرواحهم من الحي القيوم. هذه أعظم المنة وأعظم الصدقة والبذل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١].

стр. 1086

بذل الصحابة في العلم وبذلوا العلم رضوان الله عليهم وأرضاهم. وسيدهم وخيرهم وأبرهم محمد ﷺ أحيا الله به الأرواح من الجهل، حتى يقول شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ معنى ذلك: إن كان عيسى ﵇ أحيا الأموات بإذن الله، فأنت أحييت الأرواح وأحييت الشعوب الميتة، وعلمت الجاهلين، ورفعت الأميين، وعلمت الذين ما كانوا يتعلمون ولا يفقهون ولا يتدبرون، ويقول الآخر: أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه كان أبي بن كعب يجلس للناس بعد كل صلاة فيقول: هل من متعلم؟! هل من سائل؟! هل من مستفتٍ؟! فيفر بالعلم كالبحر الثجاج، وكان ابن عباس يجلس للناس من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، إذا انتهى أهل التفسير قال: [[اخرجوا علي بأهل الحديث، فإذا انتهوا قال: علي بأهل الفقه، فإذا انتهوا نازل أهل الفتاوى والأحكام، فإذا خلصوا قال: علي بأهل الأدب والشعر واللغة]] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].

стр. 1087

بذل الصحابة أموالهم في سبيل الله وبذلوا أموالهم في سبيل الله، عثمان شرى بئر رومة من اليهود، وقال له ﷺ وللصحابة: ﴿من يشتري بئر رومة وله الجنة!﴾ فشراها فكان الثمن روحه إلى الجنة، يقول ﵊: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة، فجهز جيش تبوك، فكان ثمن روحه، فلما جهزه قال ﵊: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾.

стр. 1088

قصة ابن أبي حاتم ذكر الذهبي في ترجمة ابن أبي حاتم، عبد الرحمن الإمام الورع الحبر: أنه ذهب إلى خراسان، فجلس في مجلس، فأتى قوم يقولون: نريد أن نبني مسجداً، فمن يبني لنا مسجداً؟ فقام هذا الإمام العالم، فقال: من يبني لهؤلاء الناس مسجداً فقد آذاهم الحر والبرد والمطر، فقام تاجر من التجار وقال: يا ابن أبي حاتم! أنا أبني لهم مسجداً، ولكن والله لا أبني لهم مسجداً حتى تشهد لي بمثله في الجنة، وتشهد أن لي بيتاً بمثله في الجنة، فتبسم الإمام وقال: من يتقول على الله؟ ومن يشهد على الله؟ لكن ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: ﴿من بنى لله مسجداً بنى له الله بيتاً في الجنة ولو كمفحص قطاة﴾. قال: أما أنا فلا أبني حتى تكتب لي كتاباً أن لي مثله في الجنة، قال: الله المستعان! اللهم اعلم أني أحسنت الظن بك فلا تخيب ظني، علي بورقة وعلي بقلم، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم: لقد قاله: ابن أبي حاتم على الجواد الكريم الذي لا تنفذ خزائنه ولا ينتهي معروفه ولا بره أن فلان بن فلان بنى في الحياة الدنيا مسجداً، فإنني أسألك يا ذا لجلال والإكرام أن تبني له بيتاً في الجنة مثله، وقد شهدت على ذلك وشهد فلان بن فلان وفلان بن فلان، ثم وقع الورقة وسلمها الرجل. قال الذهبي فنام ابن أبي حاتم تلك الليلة، وكان عابداً زاهداً ولياً لله، فرأى في المنام قائلاً يقول: أمضينا لك ما كتبت من صك ولا تعد إلى ذلك، أي نفذنا ذلك الخطاب لك ما دمت أحسنت الظن، ولكن لا تعد إلى ذلك، فإن معروف الله لا ينتهي ورحمته وسعت كل شيء، وهل تُدخل الجنة إلا بالمعروف: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]. أيها الناس صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، فقد قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا﴾. اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، اللهم بلغه صلاتنا وسلامنا وتحياتنا وحبنا، واجعلنا ممن يحشر في زمرته ويظل تحت ظله ويعمل بسنته. اللهم إنا نسألك من العيش أرغده، ومن العمر أسعده، ومن الوقت أعمه، ومن العمر أتمه. ونسألك من النعيم منتهاه إنك على كل شيء قدير، اللهم ارض عن الصحابة الموفقين الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك ولرفع رايتك، اللهم انصر المجاهدين الأفغان الذين أرضوك بجهادهم يا واحد يا ديان. اللهم ألف كلمتهم، واجمع شملهم وانصرهم على عدوهم، وأعد عليهم بلادهم ومساجدهم ومصحفهم وعزهم يارب العالمين، اللهم أنصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم أعد لنا المسجد الأقصى وكرامته وقداسته، اللهم العن اليهود ومن شايع اليهود. اللهم اخزهم، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اسلب إرادتهم، واجعل تدبيرهم في تدميرهم. اللهم أنزل الصواعق عليهم، اللهم خذهم من كل مكان، اللهم اجعل أعداء المسلمين غنيمة للمسلمين بأطفالهم وأموالهم إنهم لا يعجزونك يا رب العالمين، اللهم أصلح بيوتنا وشبابنا وأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا. اللهم أصلح قلوبنا ووفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح ولاة أمورنا ومسئولينا ومن تولى ولاية فينا، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم خذ بأيديهم، اللهم وفقهم للعمل بكتابك وللعمل بسنة نبيك ﷺ . سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1089

عمر بن عبد العزيز إن أمة محمد ﷺ لا ينقطع فيها الخير، فهي كالسيل لا يدرى الخير في أوله أم في آخره، والله يبعث على كل رأس قرن مجدداً يجدد لهذه الأمة معالم دينها ويحيي مبادئها ومن أمثال هؤلاء، بل هو أعظمهم على الإطلاق، عمر بن عبد العزيز، وهو ممن عرفوا الله حق المعرفة، فأطاعوه حق الطاعة، ولم تأخذهم في الله لومة لائم.

стр. 1090

صفات عمر بن عبد العزيز الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً. أحمده الحمد كله، وأشكره الشكر كله، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، أشهد أن لا إله إلا الله شهادة أدخرها ليوم العرض على الله، شهادة مبرأة من الشكوك والشرك، شهادة من أنار بالتوحيد قلبه، وأرضى بالشهادة ربه، وشرح بها لبه. وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله وسلم على كاشف الغمة، وهادي الأمة، ما تألقت عين لنظرٍ، وما اتصلت أذن بخبر، وما هتف حمام على شجر، وعلى آله بدور الدجى، وليوث الردى، وغيوث الندى، وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد: السلام عليكم يا أبناء الأمة المجيدة، التي اختارها الله واسطة العقد في التاريخ، أنار بها حضارة القرون، ورفع بها كيان الأمجاد، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي تمرض ولكنها لا تموت، وتغفو ولكنها لا تنام، وتغلب ولكنها لا تسحق أبداً، فقد أخرج الله من أجدادكم وأسلافكم منائر التوحيد، ومشاعل الحضارة، ورسل الإنسانية وهداة البشر. سنقف في هذا الدرس مع علم من الأعلام، ومجدد من المجددين، وعابد من العباد، وزاهد من الزهاد، يجب أن يكون حديث الشيوخ في السمر، وأن يكون قصة تقص للأطفال، وأن يكون حديث البيوت، إنه عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، إنه أبو عبد الملك الذي أطاع الملك سبحانه وخافه، وخشيه. فسلام عليك يا عمر بن عبد العزيز يوم توليت الخلافة فخشيت الله في الخلافة، وسلام عليك يوم خفت الله، فلم يكن أحد من الناس أخوف منك من الله، وسلام عليك يوم لقيت الله راضيًا مرضياً، هذا الرجل بشر به ﷺ أن يكون مجدداً في القرن الأول على رأس المائة الأولى، تولى الخلافة فكانت خلافته ثلاثين شهراً لكنها خير عند الله من ثلاثين قرناً، أول يوم بويع فيه بالخلافة مضى إلى المنبر، فتعثر من الخوف والوجل من الله: حياءً من إلهي أن يراني وقد ودعت دارك واصطفاكا أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا وقف على المنبر ليتحدث إلى من في المسجد من الوزراء والعلماء والعباد والفقهاء، والجنود المجندة والجيوش المجيشة، فقال: [[يا أيها الناس! بويعت بالخلافة على غير رغبة مني، فخذوا خلافتكم لا أريدها، فضج الناس بالبكاء، وقالوا: لا نريد إلا أنت، فقال: الله المستعان وعليه التكلان، وحسبي الله ونعم الوكيل]] ولما انتهت الصلاة عرضت له الدواب والبغال ليركبها فأعرض عنها، وقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
следующие страницы →