← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بذل الصحابة في العلم وبذلوا العلم رضوان الله عليهم وأرضاهم. وسيدهم وخيرهم وأبرهم محمد ﷺ أحيا الله به الأرواح من الجهل، حتى يقول شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ معنى ذلك: إن كان عيسى ﵇ أحيا الأموات بإذن الله، فأنت أحييت الأرواح وأحييت الشعوب الميتة، وعلمت الجاهلين، ورفعت الأميين، وعلمت الذين ما كانوا يتعلمون ولا يفقهون ولا يتدبرون، ويقول الآخر: أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه كان أبي بن كعب يجلس للناس بعد كل صلاة فيقول: هل من متعلم؟! هل من سائل؟! هل من مستفتٍ؟! فيفر بالعلم كالبحر الثجاج، وكان ابن عباس يجلس للناس من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، إذا انتهى أهل التفسير قال: [[اخرجوا علي بأهل الحديث، فإذا انتهوا قال: علي بأهل الفقه، فإذا انتهوا نازل أهل الفتاوى والأحكام، فإذا خلصوا قال: علي بأهل الأدب والشعر واللغة]] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].

стр. 1087

بذل الصحابة أموالهم في سبيل الله وبذلوا أموالهم في سبيل الله، عثمان شرى بئر رومة من اليهود، وقال له ﷺ وللصحابة: ﴿من يشتري بئر رومة وله الجنة!﴾ فشراها فكان الثمن روحه إلى الجنة، يقول ﵊: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة، فجهز جيش تبوك، فكان ثمن روحه، فلما جهزه قال ﵊: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾.

стр. 1088

قصة ابن أبي حاتم ذكر الذهبي في ترجمة ابن أبي حاتم، عبد الرحمن الإمام الورع الحبر: أنه ذهب إلى خراسان، فجلس في مجلس، فأتى قوم يقولون: نريد أن نبني مسجداً، فمن يبني لنا مسجداً؟ فقام هذا الإمام العالم، فقال: من يبني لهؤلاء الناس مسجداً فقد آذاهم الحر والبرد والمطر، فقام تاجر من التجار وقال: يا ابن أبي حاتم! أنا أبني لهم مسجداً، ولكن والله لا أبني لهم مسجداً حتى تشهد لي بمثله في الجنة، وتشهد أن لي بيتاً بمثله في الجنة، فتبسم الإمام وقال: من يتقول على الله؟ ومن يشهد على الله؟ لكن ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: ﴿من بنى لله مسجداً بنى له الله بيتاً في الجنة ولو كمفحص قطاة﴾. قال: أما أنا فلا أبني حتى تكتب لي كتاباً أن لي مثله في الجنة، قال: الله المستعان! اللهم اعلم أني أحسنت الظن بك فلا تخيب ظني، علي بورقة وعلي بقلم، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم: لقد قاله: ابن أبي حاتم على الجواد الكريم الذي لا تنفذ خزائنه ولا ينتهي معروفه ولا بره أن فلان بن فلان بنى في الحياة الدنيا مسجداً، فإنني أسألك يا ذا لجلال والإكرام أن تبني له بيتاً في الجنة مثله، وقد شهدت على ذلك وشهد فلان بن فلان وفلان بن فلان، ثم وقع الورقة وسلمها الرجل. قال الذهبي فنام ابن أبي حاتم تلك الليلة، وكان عابداً زاهداً ولياً لله، فرأى في المنام قائلاً يقول: أمضينا لك ما كتبت من صك ولا تعد إلى ذلك، أي نفذنا ذلك الخطاب لك ما دمت أحسنت الظن، ولكن لا تعد إلى ذلك، فإن معروف الله لا ينتهي ورحمته وسعت كل شيء، وهل تُدخل الجنة إلا بالمعروف: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]. أيها الناس صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، فقد قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا﴾. اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، اللهم بلغه صلاتنا وسلامنا وتحياتنا وحبنا، واجعلنا ممن يحشر في زمرته ويظل تحت ظله ويعمل بسنته. اللهم إنا نسألك من العيش أرغده، ومن العمر أسعده، ومن الوقت أعمه، ومن العمر أتمه. ونسألك من النعيم منتهاه إنك على كل شيء قدير، اللهم ارض عن الصحابة الموفقين الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك ولرفع رايتك، اللهم انصر المجاهدين الأفغان الذين أرضوك بجهادهم يا واحد يا ديان. اللهم ألف كلمتهم، واجمع شملهم وانصرهم على عدوهم، وأعد عليهم بلادهم ومساجدهم ومصحفهم وعزهم يارب العالمين، اللهم أنصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم أعد لنا المسجد الأقصى وكرامته وقداسته، اللهم العن اليهود ومن شايع اليهود. اللهم اخزهم، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اسلب إرادتهم، واجعل تدبيرهم في تدميرهم. اللهم أنزل الصواعق عليهم، اللهم خذهم من كل مكان، اللهم اجعل أعداء المسلمين غنيمة للمسلمين بأطفالهم وأموالهم إنهم لا يعجزونك يا رب العالمين، اللهم أصلح بيوتنا وشبابنا وأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا. اللهم أصلح قلوبنا ووفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح ولاة أمورنا ومسئولينا ومن تولى ولاية فينا، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم خذ بأيديهم، اللهم وفقهم للعمل بكتابك وللعمل بسنة نبيك ﷺ . سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1089

عمر بن عبد العزيز إن أمة محمد ﷺ لا ينقطع فيها الخير، فهي كالسيل لا يدرى الخير في أوله أم في آخره، والله يبعث على كل رأس قرن مجدداً يجدد لهذه الأمة معالم دينها ويحيي مبادئها ومن أمثال هؤلاء، بل هو أعظمهم على الإطلاق، عمر بن عبد العزيز، وهو ممن عرفوا الله حق المعرفة، فأطاعوه حق الطاعة، ولم تأخذهم في الله لومة لائم.

стр. 1090

صفات عمر بن عبد العزيز الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً. أحمده الحمد كله، وأشكره الشكر كله، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، أشهد أن لا إله إلا الله شهادة أدخرها ليوم العرض على الله، شهادة مبرأة من الشكوك والشرك، شهادة من أنار بالتوحيد قلبه، وأرضى بالشهادة ربه، وشرح بها لبه. وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله وسلم على كاشف الغمة، وهادي الأمة، ما تألقت عين لنظرٍ، وما اتصلت أذن بخبر، وما هتف حمام على شجر، وعلى آله بدور الدجى، وليوث الردى، وغيوث الندى، وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد: السلام عليكم يا أبناء الأمة المجيدة، التي اختارها الله واسطة العقد في التاريخ، أنار بها حضارة القرون، ورفع بها كيان الأمجاد، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي تمرض ولكنها لا تموت، وتغفو ولكنها لا تنام، وتغلب ولكنها لا تسحق أبداً، فقد أخرج الله من أجدادكم وأسلافكم منائر التوحيد، ومشاعل الحضارة، ورسل الإنسانية وهداة البشر. سنقف في هذا الدرس مع علم من الأعلام، ومجدد من المجددين، وعابد من العباد، وزاهد من الزهاد، يجب أن يكون حديث الشيوخ في السمر، وأن يكون قصة تقص للأطفال، وأن يكون حديث البيوت، إنه عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، إنه أبو عبد الملك الذي أطاع الملك سبحانه وخافه، وخشيه. فسلام عليك يا عمر بن عبد العزيز يوم توليت الخلافة فخشيت الله في الخلافة، وسلام عليك يوم خفت الله، فلم يكن أحد من الناس أخوف منك من الله، وسلام عليك يوم لقيت الله راضيًا مرضياً، هذا الرجل بشر به ﷺ أن يكون مجدداً في القرن الأول على رأس المائة الأولى، تولى الخلافة فكانت خلافته ثلاثين شهراً لكنها خير عند الله من ثلاثين قرناً، أول يوم بويع فيه بالخلافة مضى إلى المنبر، فتعثر من الخوف والوجل من الله: حياءً من إلهي أن يراني وقد ودعت دارك واصطفاكا أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا وقف على المنبر ليتحدث إلى من في المسجد من الوزراء والعلماء والعباد والفقهاء، والجنود المجندة والجيوش المجيشة، فقال: [[يا أيها الناس! بويعت بالخلافة على غير رغبة مني، فخذوا خلافتكم لا أريدها، فضج الناس بالبكاء، وقالوا: لا نريد إلا أنت، فقال: الله المستعان وعليه التكلان، وحسبي الله ونعم الوكيل]] ولما انتهت الصلاة عرضت له الدواب والبغال ليركبها فأعرض عنها، وقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].

стр. 1091

زهد عمر بن عبد العزيز عاد عمر إلى بيته، وترك قصر الخلافة الشاهق في دمشق، ونزل إلى غرفته، وجلس على الحصير وقال: هذا حظي من الخلافة، ثم استدعى زوجته الزاهدة فاطمة زوجة الخليفة وبنت الخليفة وأخت الخلفاء، وقال لها: [[إني بعت نفسي من الله ، فإن كنت تريدين العيش معي فحيهلاً وسهلاً وإلا فالحقي بأهلك]] فبكت وقالت: الحياة حياتك والموت موتك، ثم سلمت له ذهبها وفضتها وحليها إلى بيت المال، وعاد ﵁ وأرضاه ليرد الأمة إلى الله الواحد القهار، عاد ليربيها من جديد مع ربها ، فكان يصدق قوله فعله، وكان لا يشغله عن الله شاغل. أما ليله فبكاء وسجود وتبتل وخشوع مع الله، وأما نهاره فتعليم للناس وعدل وإنصاف وبذل وعطاء، كان بعد كل صلاة ينادي المنادي: أين الفقراء؟ أين المساكين؟ أين المحتاجون؟ أين الذين يريدون الله؟ أين الذين لم يأخذوا من الدنيا شيئاً؟ فيبذل لهم المال، فتقام به قلوب حية وتحيا بهم أرواح كانت ميتة. رزقه الله الخشية، والذي يجعل الله نصب عينيه دائماً؛ يفتح الله عليه فتحاً لا يدور بالخيال، ولا يخطر بالبال؛ فكان من أخشى الناس لله. دخل عليه أحد العباد من أهل المدينة، واسم هذا العابد زياد مولى ابن عياش، فقال لـ عمر بن عبد العزيز: "ما دهاك؟ ماذا أصابك؟ قال: وماذا تقول؟ قال: والله لقد رأيتك وأنت من أجمل الفتيان في قريش، تلبس اللباس اللين، وأصبحت في هذه الحالة، والله لو دخلت عليك في غير هذا المكان لما عرفتك، فبكى عمر وقال: والله لو رأيتني بعد ثلاثة أيام من دفني لأنكرتني شديداً، حين تسقط عيناي على وجنتي، وتخلع أذناي من رأسي، ويتغير خدي، وينهش بطني، إذاً لرأيت منظراً فظيعاً؛ فبكى ذاك العابد".

стр. 1092

عمر بن عبد العزيز يذاكر العلماء ولما تولى الخلافة أرسل إلى علماء الأقاليم فقال: [[أوصوني فإني قد توليت أمر أمة محمد ﷺ ]] فكتب له محمد بن كعب: " يا أمير المؤمنين! والله الذي لا إله إلا هو ما بقي من الخلفاء على قيد الحياة إلا أنت، فاتق الله أن تصرع كما صرعوا ". وكتب له سالم بن عبد الله من أخواله: " يا أمير المؤمنين! صم هذا اليوم، حتى تلقى الله فتفطر عنده يوم يستبشر الصائمون بفطرهم "، وكتب له مطرف بن عبد الله الشخير: " يا أمير المؤمنين! لو كان لك خصم لديد لأعجزك، فكيف بخصمين؟! فكيف بثلاثة؟! وكيف بك وكل واحد من رعيتك خصم لك يوم القيامة عند الله؟!! فأخذ هذه الرسائل وطواها ينظر فيها كل يوم، وجمع سبعة من الصلحاء ومن الزهاد والعباد وقال: أنتم جُلَّاسي وسُمَّاري كل ليلة، أشترط عليكم ثلاثة شروط، الأول: ألا تغتابوا في مجلسي أحداً، والأمر الثاني: ألا تتحدثوا في الدنيا أبداً، والأمر الثالث: ألا تمزحوا وأنا جالس، فكانوا يجتمعون بعد صلاة العشاء، فيتحدثون في الموت -وما أدراك ما الموت؟! - وما قبل الموت وما بعده، ثم ينفضون من مجلسهم كأنهم قاموا عن جنازة. وفي أثناء الخلافة كتب له سالم بن عبد الله بن عمر كتاباً فظيعاً شديداً مدهشاً، يقول: " يا أمير المؤمنين! والله لقد تولى الملك قبلك أناس ثم صرعوا، فها هنا مصارعهم في القبور فانظر إليها لترى، كانوا ينظرون بعيون إلى اللذات فأكلت، وكانوا يأكلوا في بطون فنهشت، وكانوا يمسون بخدود أكلها الدود، فاحذر أن تكون مع المحبوسين يوم القيامة يوم يطلق العادلون ". عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه تولى الخلافة فنام بعد صلاة الظهر في ذاك اليوم، فقال له ابنه الصالح العابد المجاهد عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز -وعمره آنذاك تسعة عشر سنة- قال له: يا أبتاه! أتنام وقد توليت أمر أمة محمد ﷺ ، يسألك الفقير ويشكو إليك المسكين، ويتحاكم إليك المظلوم، فمن لك بهؤلاء إذا أتوا خصومك يوم القيامة.

стр. 1093

عمر بن عبد العزيز وخوفه من الله ولما تولى ﵁ وأرضاه خلع كل لباس كان يلبسه، وأبقى ثوباً واحداً، فكان إذا أراد أن يغتسل يوم الجمعة نشف له ثوبه هذا بعد أن يغسل، واغتسل ثم لبسه وصعد المنبر، لم يبق قليلاً ولا كثيراً، يقول ﵁ وأرضاه للناس: أيها الناس! وهو يخطب: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] قال: ما للشمس تكور؟ ثم قال: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] قال: ما للنجوم تنكدر؟ ثم بكى حتى صرع على المنبر. وحج بالناس فوقف في عرفة فأخذ الناس يتسابقون مع الغروب إلى مزدلفة فقال: [[لا والله. ليس السابق اليوم من سبق جواده وبعيره، ولكن السابق من غفر له هذا اليوم]] ونزل هو والأمراء في منتزه وبستان من البساتين، فلما جلسوا استأنسوا واستراحوا إلا هو جلس يبكي، قالوا: مالك؟ قال: هذه دنيانا وبساتيننا، فكيف بنا يوم العرض على الله إذا دخل الناس بساتينهم ولا بساتين لنا؟! فبكى الناس. عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر إذا شجرات العرف جذت أصولها ففي أي غصن يوجد الورق النضر لما تولى الخلافة قال لأهله: إني قد آنست عقبة كؤداً لا يجوزها إلا المخف. تقول امرأته: والله ما كان يأوي إلى فراشه إلا كما يأوي العصفور إلى عشه، وإنه ليرتجف صدره كل ليلة، فأقول: مالك؟ قال: أريد أن أنام فأتذكر قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] فلا يأتيني النوم. وكان الخطباء في عهده يسبون أمير المؤمنين علياً ﵁ وأرضاه، فنسخ هذا وأبدل الخطباء بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].

стр. 1094

ميزان التقوى هو الحكم عند عمر بن عبد العزيز كانت موازينه عنده التقوى، يقول: " والله ما رأيت متقياً لله إلا وددت أنني في جلده ". استدعى يوم تولى الخلافة مولاه مزاحماً، وقال له: يا مزاحم! -وهو مولى- رأيتك تصلي الضحى في شعب من الشعاب، حيث لا يراك إلا الله فأحببتك والله، فإذا رأيتني ظلمت فخذني بتلابيب ثوبي وقل: اتق الله يا عمر بن عبد العزيز. بينما هو جالس للناس إذا بثلاثة من الشباب عليهم ثياب جميلة، ومنظر بهي، دخلوا عليه في ديوان الحكم، فجلسوا بجانبه، فالتفت إليهم وقال لهم: من أنتم؟ قال أولهم: أنا ابن شريك بن سحماء تولى أبي ولاية كذا وكذا، فأعرض عنه عمر بن عبد العزيز كالمغضب، وقال للثاني: وأنت من أبوك؟ قال: أبي كان والي دار الحسبة في دمشق فأعرض عنه، وأتى إلى الرجل الثالث وقال: أنت ابن من؟ قال له: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد هذا الرجل أبوه قتادة بن النعمان من الأنصار، شارك مع رسول الله ﷺ في معركة أحد، فلما قاتل ضرب بالسيف على عينه، فنزلت عينه حتى أصبحت على خده، فأتى إلى رسول الله ﷺ فردها بيده الشريفة إلى مكانها، فكانت أجمل من أختها، فيقول هذا الابن: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد فدمعت عينا عمر بن عبد العزيز، وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن فلذلك رضي عن هذا وغضب عن أولئك؛ لأنهم انتسبوا إلى الدنيا وانتسب هذا إلى الآخرة، والذي ينتسب إلى الآخرة أعظم عند الله من الذي ينتسب إلى الدنيا. كان ﵁ وأرضاه لا يرضى مظلمة، لما تولى دخل عليه الأمراء يبايعونه بالخلافة، فمدوا أيديهم، فقبض يده إلى حضنه ﵁ وأرضاه، فقال أولهم وهو شريك: بايعني، قال: اغرب عني غرب الله بك، والله لا تتولى لي عملاً أبداً، قال: ولماذا؟ قال: جلست أنت وأبناؤك في خيمة في الغزو والشمس تصيب الناس، وجلست تتظلل وتركت الناس في الشمس، والله لا تتولى لي، ثم تقدم له عدي بن أرطأة، فقال: اغرب عني! والله لا تتولى لي، قال: ولم؟ قال: جلدت فلاناً سبعين جلدة؛ لأنه آذى ابنك، فما غضبت لله ولا غضبت لرسول الله، ثم ولى العباد والزهاد فقامت الدنيا. يقول ميمون بن مهران ﵁ وأرضاه: والله لقد أخبرنا رعاة الأغنام أن الذئب في خلافة عمر بن عبد العزيز ما كان يعدو على الغنم، فلما توفي عمر في ذاك اليوم عدا الذئب على الغنم فعرفوا أنه مات، فسألوا الناس، فقالوا: مات في ذاك اليوم. وقال ابن كثير: لما توفي ﵁ وأرضاه نزلت في قبره صحيفة من السماء مكتوب فيها: براءة لـ عمر بن عبد العزيز من النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].

стр. 1095

عمر بن عبد العزيز قدوة لمن بعده ذلك هو عمر بن عبد العزيز لمن أراد أن يقتدي به، وليس هناك حاجب يحجب المسلم عن الحسنات ولا عن المناقب، وإنما يحجبه الهوى والشهوات والمعاصي، وهذا عمر بن عبد العزيز الذي جلس للناس معلماً ومربياًَ وموجهاً أنفق كل الأموال في طاعة الله، وما أخذ من الدنيا لا قليلاً ولا كثيراً، وكان من أشظف الناس عيشاً، ومن أشعثهم رأساً، دخل عليه ابن سلام فقال: يا أمير المؤمنين! قال: لبيك، قال: حدثني ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قال: وما حدثك ثوبان؟ قال: حدثني أن رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن حوضي طوله كما بين أيلة، وصنعاء﴾. فبكى عمر بن عبد العزيز حتى سقط من كرسي له من خشب، ثم أجلسوه فقال: لمن هذا الحوض؟ ومن يشرب منه؟ قال ابن سلام: يشرب منه الذي لا يتزوج المتنعمات، ولا يجلس على الديباج، ولا يعدد الأصناف ولا يظلم الناس، فجلس وتربع، وقال: لا جرم، والله لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا أغسل ثوبي حتى يتسخ، ولا أجلس على ديباج حتى ألقى الله، علَّ الله أن يسقيني شربة من الحوض لا أظمأ بعدها أبداً. ولما توفي حلت المصيبة بالمسلمين كافة، وأغلقت الحوانيت، وأغلقت القلوب بحزنها، والعيون بدموعها: لعمرك ما المصيبة فقد مال ولا شاة تموت ولا بعيرُ ولكن المصيبة فقد شهم يموت بموته بشرٌ كثير أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1096

وفاة عمر بن عبد العزيز الحمد لله ولي الصالحين، رب العالمين، عضد المهضومين، التائب على التائبين، محب المنيبين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، صلى الله على من ربى هؤلاء الأخيار الأبرار وأخرجهم هداة للناس، فهم ورقات من دوحته، وقطرات من بحره: المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم ولكل حي وفاة، ولكل بقاء نهاية إلا الله؛ فإنه الباقي بقاءً أبدياً سرمدياً قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] وقال عز من قائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. وتنتهي حياة الأخيار بنهاية حميدة بروضة من رياض الجنة، وتنتهي حياة الفجار بحفرة من حفر النار، فكأن الأخيار ما بئسوا مع من بئس، وما كأنهم سهروا في طاعة الله ولا تعبوا، ولا كأنهم جاعوا بعد أن تنعموا؛ لأنهم صبغوا في الجنة صبغة، فزال كل ألم، وما كأن الفجار تنعموا مع من تنعم، ولا أكلوا مع من أكل، ولا شربوا مع من شرب؛ لأنهم صبغوا في النار صبغة، فزال كل نعيم. تأتي الوفاة لهذا الإمام والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وكان أعظم ما قاده إلى طاعة الله ذكر الموت، والموت مصيبة كما سماه الله في كتابه حين قال: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة:١٠٦] وكان الحسن البصري يقول: [[والله ما في الدنيا مصيبة أعظم من الموت]] وكان يقول: [[فضح الموت الدنيا، فلم يدع فيها لذي لب فرحاً]]. فلما حضرت سكرات الموت عمر دخل عليه الأطباء، فقال: هيهات هيهات! لقد تعالج قوم هود وعاد فماتوا بأطبائهم، فجلس حوله الأطباء، وقال: ما هو مرضي؟ قالوا: نرى أنك أصبت بسم -وضع له سم في طعامه- فقال: ما هو علاجي؟ فوصفوا له العلاج، قال: والله لو كان دوائي في أن أرفع يدي اليمنى إلى أذني ما فعلت، والله ما أنا بحريص على الحياة وقد مللتها، ثم استدعى خادمه وقال: أسألك بالله، أسألك بمن شق البحر لموسى، أسألك بمن يجمع الناس ليوم لا ريب فيه، أأنت وضعت السم لي في الطعام؟ قال الخادم: إي والله، قال: فكم أعطوك من المال؟ قال: أعطوني ألف دينار، قال: اذهب على وجهك أنت عتيق لوجه الله والله لا أمسك بسوء، فذهب الخادم ومرض عمر ﵁ وأرضاه، ودخل عليه الناس يعودونه، فكلما عاده أحد، قال له عمر: اعف عني عفا الله عنك، ثم أدخل عليه الأطفال في آخر يوم من رمضان وهو مريض، فقبَّلهم ومسح على رءوسهم وبكى، وفي عيد الفطر يوم يخرج الناس في ثيابهم الجميلة، يوم يخرجون يتعايدون ويتزاورون، يوم تمد المواكب والسرادقات جلس في بيته، وأرسل إلى رجاء بن حيوة أحد العلماء الصالحين، قال: صلِّ بالناس فإني مرتهن اليوم وإني محبوس إن لم يطلقني الله، وخرج رجاء بن حيوة وخرج الناس، لكن ليس معهم الخليفة أمير المؤمنين، بقي في بيته مع ملائكة الرحمن: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] فلما كان الضحى من يوم العيد قال لامرأته: اخرجي من بيتي؛ فإني أرى قوماً ليسوا بإنس ولا جن، أظنهم ملائكة، فخرجت وفاضت روحه إلى الحي القيوم، وكان يقول قبل وفاته لأهله: إذا غسلتموني وكفنتموني ووضعتموني في القبر فاكشفوا عن وجهي فإن ابيضَّ فاهنئوا وامرءوا، وإن اسودَّ فويل لي وويل لأمي، قالوا: ولم؟ قال: والله ما دفنت خليفة إلا كشفت عن وجهه فوجدت وجوههم مسودة. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧]. وصرع ذاك المصرع الذي لا بد لكل حي أن يصرعه: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ تردى ثياب الموت حمراً فما دجا لها الليل إلا وهي من سندس خضرُ لقد مات بين الضرب والطعن ميتة تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ وما مات حتى مات كل موحدٍ من الهمِّ واستولت عليه القنا السمر عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر

стр. 1097

خاتمة اللهم أخرج من أصلاب هذه الأمة الموحدة أمثال عمر بن عبد العزيز، اللهم رد شبابنا ليقتدوا بـ عمر بن عبد العزيز، اللهم وفق كهولنا ليعرفوا زهد عمر بن عبد العزيز، وردنا إليك رداً حميداً يا عزيز؛ إنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأخيار، عن الصديق السباق الرفيق في الغار، الخائف من الواحد القهار، وعن فاروق الإسلام أبي حفص المنصف العادل، وعن ذي النورين، جامع القرآن، المخضب بدماء الشهداء عثمان بن عفان، وعن الإمام المرتضى سيف الله المنتضى الزاهد في كل شيء إلا في رضا الواحد القهار علي بن أبي طالب، وعن بقية العشرة، وعمن بايع رسولك تحت الشجرة، وعن كل صالح وعابد، وعن كل مجاهد وزاهد، وعن كل خيِّرٍ وعالم، وعنا معهم بفضلك وكرمك ومَنِّك يا رب العالمين. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم ثبت المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين اللهم أنزل عليهم السكينة، وثبت أقدامهم، واربط على قلوبهم، ووحد صفوفهم، واجمع كلمتهم، وسدد سهامهم في نحور أعدائهم. اللهم العن كل من حادك وحاربك ونازل أولياءك، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أبدهم كل إبادة، ومزقهم كل ممزق، ودمرهم تدميراً، واجعلهم هم وأطفالهم وأموالهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1098

كيف يربى الشباب ؟ إن لكل صاحب علم، ولكل داعية ومعلم، يهتم بالأمور التربوية ويعمل في حقل بناء الرجال، قاعدة راسخة في أقوال وأفعال مربي البشرية ﷺ ، فهي تربية بالفعل والترك، عقيدةً وإيماناً، أخوة وحباً في الله، مع معرفة عميقة للنفسيات، وتقويم سديد للاعوجاجات.

стр. 1099

مواقف من تربيته ﷺ لأصحابه الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: فهذه الحلقة الثانية من درس "آداب تربوية" ولعلها تكون بضابط (كيف يُربَّى الشباب؟) ويوم نعرف كيف نربي الشباب، وندعوهم ونوجههم؛ نعرف كيف نكون دعاة، وفي هذا الدرس أمور: الأول: الاهتمام بجانب الإيمان في حياة الشاب. الثاني: الاعتناء بالفرائض قبل النوافل. الثالث: إحياء روح الاقتداء في نفس الشاب، بإيجاد القدوة الحقة التي تعمل بما تقول. الرابع: ترسيخ معنى الأخوة الإسلامية على ضوابطها. الخامس: تجنيب الشاب السب والشتم والتجريح والتشهير. السادس: موقف الشاب من الخلاف، وما هي ضوابط الخلاف؟ السابع: الفتيا، متى يكون مفتياً؟ ومتى يحمل تبعة الفتيا؟ وما هو موقفه منها؟ الثامن: أدبه في دعوة الناس. أما تربية الشباب فإنه أمر ليس بالسهل، وإن من أعظم مهماته ﵊ في الحياة أنه كان مربياً، فكانت تربيته ﷺ أكثر من كلامه، وكان عمله مع الصحابة أكثر من قوله ﷺ ، فكان يربي بحركاته وسماته وصفاته ﵊ أكثر من خطبه ومحاضراته. ولذلك فكلامه في المناسبات قليل، لكنه كان ﷺ يأخذ من الموقف درساً ونتيجة، فجعل ليله ونهاره وقفاً على التربية. صحيح أنه يوجد في الساحة اليوم دعاة، ولكننا نفتقر إلى مربين، إلى من يأخذون بالشاب إلى طريق الله المستقيم، إلى من يهدونه ويربونه في سلوكه، وفي أخلاقه، وسماته وصفاته، ولذلك تلحظ حماساً عند بعض الناس، ولكنه يفتقر إلى الأدب، وإلى التوجيه والتربية. لهذا كان لزاماً علينا أن نعود إلى أصول التربية التي أتى بها ﷺ ، فنستعرض كيف ربى أصحابه، وكيف دلهم على الطريق المستقيم. انظر إلى مواقف أستعرضها معك من تربيته ﵊:

стр. 1100

الموقف الأول: مع الصحابي الذي طلب الإذن في الزنا صح في الحديث: ﴿أن رجلاً أتى إليه ﷺ -قيل إنه من ثقيف وقيل من غيرها- فقال: يا رسول الله! أريد الإسلام ولكني لا أستطيع أن أترك الزنا؛ فوجم الصحابة، واستنكروا هذا الكلام بين يدي الرسول ﵊ لأنه فعل رجل مستهتر في الظاهر، فماذا فعل ﵊؟ -قال: دعوه- ثم أتى إليه بحوار العقل والإقناع، ولم يشهر به، ولم يبكته أمام الناس، ولم ينكر عليه ما قال- فقال: أترضاه لأمك؟ قال: لا. قال: أترضاه لأختك؟ قال: لا. قال: أترضاه لابنتك؟ قال: لا. قال: أترضاه لعمتك؟ قال: لا. قال: أترضاه لخالتك؟ قال: لا. قال: فكيف يرضاه الناس؟! فأتت الرجل غيرة دينية إسلامية، وتذكر مواقف الناس حين يزني بقريباتهم، كموقفه هو يوم يغار على قريباته -فقال: أتوب إلى الله من الزنا، قال ﷺ : اللهم حصن سمعه وبصره وفرجه﴾. ما أسهل الكلام وما أحسن الهدي.

стр. 1101

الموقف الثاني: مع الأعرابي الذي بال في المسجد نموذج آخر -وهذا الحديث في الصحيحين - يجلس الرسول ﵊ مع أصحابه في المسجد، فيأتي أعرابي فتضيق به الدنيا بما رحبت في مسألة البول، فيبول في مسجده ﵊، فقد كان مسجده شماسياً مفروشاً بالبطحاء، فقام الصحابة والأعرابي يبول يريدون أن يبطحوه أرضاً. كل بطاح من الناس له يوم بطوح والبطح معروف عند بعض الناس، وقد يستخدمه في الدعوة فلا ينتج شيئاً، وبعضهم قد يستخدم الضرب، أو السب والتجريح، فلا يكسب إلا صفراً بيده، تراه يجهد عشر سنوات فما كسب مخلوقاً، ولا رد عاصياً إلى الطاعة، ولا كسب شاباً في حياته، عنده كلمات محفوظة لو وضعت على صخر لفلقه، أو على شعر لحلقه!! فقام الصحابة لضربه، قال ﷺ : ﴿لا تزرموه -اتركوه- فجلسوا، فتركه ﷺ حتى انتهى، فقال: علي بذنوب من ماء -المسألة سهلة، ولكن المقاصد أعظم- فأتوا بذنوب، قال: ضعوه على بوله، فصبوا الماء على البول وقال: عليَّ بالرجل فأتى ووضع يده عليه -هذه يد الرتابة والرحمة، يد الأنس، واللطف، يد وضعها هنا لِدرسٍ معناه: تسكين صاحب الخطأ، ما كأنه أخطأ- فقال له: إن هذه المساجد لا يصلح شيء منها للأذى والقذر وإنما هي للصلاة ولذكر الله وللتسبيح والتكبير والتهليل﴾ أو كما قال ﷺ ، وقام الرجل، وقال بعض العلماء في الرواية: صلى قبل أن يفعل ما فعل، فقال في آخر التحيات: "اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً" وسلم ﵊ وهو يدري من الرجل، ولكن أليس من الحكمة أن يعمي السؤال؟ كان بإمكانه أن يقول: "لماذا قلت ما قلت؟ " لكنه قال: ﴿من القائل آنفاً: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً؟ فقال: أنا يا رسول الله! قال: لقد حجرت واسعاً﴾ والمعنى: لقد ضيقت رحمة الله التي وسعت كل شيء: ﴿ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] وانتهى الجدل والمشكلة التي وقعت في المسجد بفوائد: أولاً: استفدنا حكم النجاسة، فإنها إذا وقعت على الأرض، أو على التراب فتطهر بإراقة الماء عليها. ثانياً: أن المساجد إنما هي للذكر ولتلاوة القرآن وللصلاة. ثالثاً: وهو المقصد العظيم: كيف نتعامل مع المخالفين، ومع العصاة، ومع الذين قللوا من الأدب، أو لم يعرفوا الأدب الحق؟

стр. 1102

الموقف الثالث: مع الأعرابي الذي قاطعه في الخطبة جاءه أعرابي فقاطعه -كما في البخاري - في الخطبة، فما نهره، ولا سبه، ولا شتمه، واستمر ﵊ في حديثه حتى انتهى، ثم قال: ﴿أين أراه السائل عن الساعة؟ فأخبره﴾. فالمسألة سهلة كان بإمكان غيره ﵊ في مثل هذا الموقف أن يقول: يا قليل الأدب! لم تفعل هكذا؟ قاطعتنا قطعك الله! وفعلت بنا فعل الله بك! لكنه سوف يخسر بهذه الكلمة جمهوراً هائلاً من المسلمين. فإن النفوس تغار، وإنها تغضب إذا لم تنزل منازلها.

стр. 1103

الموقف الرابع: مع الصحابي الذي تكلم في الصلاة وفد معاوية بن الحكم السلمي على النبي ﵊ -والحديث عند مسلم - فسأله سؤالاً، وعند مسلم أنه صلى معه صلاة -بأبي هو وأمي ﷺ فعطس رجل من المسلمين، فقال معاوية -في الصلاة، وهو لا يعرف الحكم-: يرحمك الله -يتبرع بالدعاء داخل الصلاة، لشخص آخر عطس داخل صلاة- قال: فضربوا على أفخاذهم، قلت: ويل لأمي ماذا فعلت؟ -زاد الطين بلة، يعني لو اكتفى بالتشميت لكان أسهل ولكنه زاد فتكلم- قال: فلما سلم ﵊ دعاني، فما نهرني ولا سبني ولا شتمني -أولاً: عَذَرَه وقال بصحة صلاته، لأنه تكلم عن جهل فهو لا يعرف الحكم، وهذا مكسب عظيم، الأمر الثاني- قال له: ﴿إن هذه الصلاة لا تصلح لشيء من كلام الناس، إنما هي للذكر والتسبيح والتكبير﴾ الأمر الثالث: عاد هذا الرجل بهذا الأسلوب داعية إلى قومه بني سليم، فدخلوا في دين الله أفواجاً.

стр. 1104

الموقف الخامس: مع الأعرابي الذي طلب منه مالاً نموذج خامس: يأتي أعرابي، فيقول: يا محمد! -لم يقل يا رسول الله! لا يعرفون كيف يتكلمون معه ﷺ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣] كان الواجب أن يقول: يا رسول الله! يا نبي الله! لكن يقول: يا محمد! فحملها ﵊ وسكت عنها. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]- قال: أعطني من مال الله الذي عندك -وليته سكت هنا لكنه أضاف قائلاً- فليس من مالك، ولا من مال أبيك، فقام الصحابة يريدون تأديبه وتلقينه درساً لا ينساه، فأسكتهم ﵊ وأخذه، وذهب به إلى البيت فأعطاه زبيباً وتمراً وثياباً، قال: ﴿هل أحسنت إليك؟، قال: نعم. جزاك الله من أهلٍِ وعشيرةٍ خير الجزاء، قال: إذا خرجت لأصحابي فقل هذا الكلام، فإنهم قد وجدوا عليك، فلما أخرجه أمامهم، قال: يا أعرابي! هل أحسنت إليك؟، قال: نعم! جزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خير الجزاء، فتبسم ﵊، وقال للصحابة: أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الرجل؟ قالوا: لا ندري يا رسول الله! قال: مثلنا كرجلٍ كانت له دابة فرت منه -دابة: إما بغل، أو فرس، أو جمل- فأخذ يلحقها ويلحقها الناس، فما زادوها إلا فراراً﴾. والدابة إذا رأت الناس يجرون خلفها أعلنت فيهم حالة الاستنفار وطارت، بدلاً من أن تمشي على الأرض، وتصبح في سرعة لا يعلمها إلا الله، قال: ﴿فقال الرجل: دعوني ودعوا دابتي، ثم أخذ شيئاً من خشاش الأرض وخضارها، فأشار به للدابة فأتت فأمسكها، ولو تركتكم وهذا الأعرابي لضربتموه فكفر فدخل النار﴾. أتدرون ماذا فعل الأعرابي بعد هذا الموقف؟ عاد ينادي قومه، وهم قبائل من قبائل العرب، يقول: يا قوم! أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً. والفيافي حالمات بالمنى تتلقاك بتصفيق مثير والرمال العفر صارت حللاً عجباً من قلبك الفذ الكبير

стр. 1105

المسألة الأولى في التربية: الاهتمام بالإيمانيات كيف نوصل الإيمان إلى قلوب الناس؟ إن التحدث في السلوك قبل الإيمان لا يجدي، وقد يتأدب الكافر، ولذلك -أنا أقول هذا-: قد تجد الكافر أحياناً في باب السلوكيات أكثر تأدباً من المسلم الذي يصوم ويصلي، وتجد الآن بعض الأعراب لا يعرفون من السلوكيات شيئاً، لكنك لو تعاملت مع الأمريكي والفرنسي لوجدته في باب الأدب عنده شيء عجيب، عندهم من أصول الأدب أن يتبسم في وجهك، هذا موجود ومعلومٌ من سيرتهم، ومن رؤيتهم، ومن معاشرتهم، عندهم من الأدب مثلاً: ألا ينظر إليك نظر استغراب، لأنهم يرون في العرف ألا ينظر الإنسان بنظر غير نظر حاجة، فإن هذا يتركك وشأنك، لكن تعال إلى بعض الناس ممن يصوم ويصلي فقد تجده لا يعرف هذا، قد يطؤك برجله في السيارة ولا يعتذر إليك بل يقول: لماذا تطأ رجلي؟ يضربك بكوعه، أو بيده، فيقول: ليس عندك أدب! فيتعامل معك بغلظة وهو يطلب منك العذر، فمسألة الأدبيات قد يفوز بها الكافر، لأنهم يتعاملون بالتعايش السلمي، أو بالنفع المادي، أو بالمقابلة المشتركة، وهذا يريدون به الدعاية، أو يريدون به أغراضاً مادية، أو أنهم جبلوا على ذلك من تربيتهم، فعندهم تربية، ويدرسون التربية في جامعاتهم. وبعضهم يدعو إلى الأخلاق، ويقول: إن الوحدة المشتركة بيننا وبين العالمين الأخلاق، وهذه خطة ماسونية، يقولون: دعونا والناس، كلنا إذا أصلحنا أخلاقنا صلحنا، مثل بعض المفكرين في بعض كتبهم يقولون: المسلم ليس جراحاً، ولا عياباً، ولا سباباً، وصدقوا في هذا، لكنهم يريدون أن يتوصلوا إلى الوحدة الإنسانية، فيقول: تعامل مع الروسي مثلما تتعامل مع المسلم، لماذا هذه الغلظة؟ لماذا تشوهون الإسلام؟ افعل مع اليهودي مثلما تفعل مع المصلي، وافعل مع العلماني مثلما تفعل مع الموحد، كل الناس سواسية، ولا تجرح مشاعر الناس، حتى إن بعضهم قد جعل في كتاب تربوي له، أو أظنه في علم النفس قاعدة: إن المسلم الحق هو الذي لا يؤذي الناس، ونقول: هذه ليست منضبطة، فإن بعض الكفار لا يؤذي الناس، وليس الضابط والخلاف بيننا مسألة سلوك أو أخلاقيات؛ بل إيمان، فكان ﷺ يربي أصحابه على الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان برسول الله ﷺ ، والإيمان بالإسلام. في الصحيحين أنه ﵊ يقول في دعاء الليل: ﴿اللهم لك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق -هذه المبادئ- ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق ومحمد ﷺ حق﴾ ومحمد ﷺ دعاؤه وكلامه وخطبه إيمان، حتى إن ابن القيم يذكرها في زاد المعاد يقول: كانت خطبه تربي الإيمان في القلوب، لأن بعض الناس يخبر الناس بمسلَّمات؛ يأتي يوم الجمعة على المنبر فيقول: إنكم سوف تموتون يا أيها الناس! وتخرب دياركم، وتهدم أشجاركم، وتجف آباركم، وتنقطع أمطاركم، وهذا تحصيل حاصل، فهو معلوم حتى الكافر يعرف هذا. الكافر يعرف أنه سوف يموت، وتخرب دياره، وتجف آباره، وتموت أبقاره، لكن ليس هذا هو الضابط، إنما الضابط لقاء الله الذي يفرق بالإيمان به بين الكافر والمؤمن، فكان ﷺ ينشئ أصحابه على مبدأ الإيمان وهو منهج القرآن، فعلى المسلم، أو الداعية، أو طالب العلم، أو الأب في البيت إذا أراد أن يربي أن يبدأ بالإيمانيات، فيرسخ العقيدة. وإذا قلنا: ترسيخ العقيدة. فقد يقول بعض الناس: عقيدة عقيدة دائماً! لقد فهمنا العقيدة!!! فالعقيدة معناها: استواء الله على العرش، أو العقيدة معناها: لا إله إلا الله! فنقول: إن العقيدة بمعناها الذي أتى به محمد ﷺ تصاحب الإنسان منذ أن يسقط رأسه على الأرض إلى أن يموت، ولكنها تتفرع، ويبنى عليها غيرها، فالأدبيات والسلوكيات تبنى على العقيدة، ولا نريد بالعقيدة الأمور المجملة التي ذكرها أهل العلم، بل الأمور العملية المفصلة التي أتى بها ﷺ . كان ﷺ يدعو الناس إلى التفكر في آيات الله، كان إذا صعد مكاناً عالياً كبَّر، وإذا نزل سبَّح، والله يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]. إن الأستاذ المربي يجعل من التاريخ مادة إيمان وعقيدة، كيف؟ هم يدرسون الآن ترجمة زنوبيا الزباء ملكة تدمر أكثر من ترجمة أبي بكر الصديق، ولدت وكان عندها جيش وفعلت وصنعت. والملك الأبرش (وجدع قصير أنفه). وعنترة بن شداد أين كان يسكن. وداحس والغبراء، وهذه الطلاسم، ولكن الأستاذ المؤمن المؤرخ حين يقف عند السبورة أمام الطلاب فإنه يحول درس التاريخ إلى عقيدة، فيتحدث عن آيات الله في الكون، ويأتي بقوله تعالى عن التاريخ: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥]. إن المؤرخ المسلم حين يقف عند السبورة يميز بين ترجمة أبي بكر الصديق وترجمة زنوبيا الزباء، فيقول: زنوبيا ملكة كافرة، وعنترة رجل شجاع وثني فلابد أن يذكر التمايز، ويدخل إلى أبي بكر فيتحدث عن أبي بكر ويتحدث عن معركة عين جالوت، ولكن بإسلام، يتحدث عن معركة بدر ولكن بإيمان. يا أيها الإخوة! أحد المفكرين الذين لامهم الناس ونقدوهم في الساحة، وهو يستحق النقد في بعض الجوانب، وقد أخطأ كثيراً في جوانب كثيرة، لكنه في مسألة أصاب فيها، ولا يعني أنه إذا أخطأ كثيراً ألا يصيب ولو مرة، يقول في سيرة محمد ﷺ : أنا لا أكتب السيرة كرجل متجرد من العاطفة، إنني جندي من جنوده ﵊، بيني وبينه وشيجة كما بين الجندي والقائد، أنا لا أتجرد من عاطفة الإيمان. وصدق في هذا، وكلامه صحيح، بل هو من أصح الكلام. تجد بعضهم الآن يقولون وهم يكتبون في تاريخ الرسول ﷺ : نحن نتجرد عن عاطفته، وعن حبه في أول الطريق لنكتب ببراءة، ونكتب بعدم تدخل، ولنقول نحن حياديون. حيادي! ويلك من الله! حيادي عن محمد ﵊ كأنك متهم أمام العالم باتباعه! أو ربما يقيدون عليك أنك عميل استخبارات محمد ﵊، إنك إن لم تكن موصولاً به بعاطفة حية وبإيمان وإلا فإنك أنت المتهم الوحيد، أنت لا تكتب عن نابليون، ولذلك أخطأ العقاد في كتابه عبقرية محمد، وقد فعل سعيد حوى ذلك غفر الله له. تدرون بماذا أتوا في العسكرية؟ أتوا يقارنون بين رسول الله ﷺ في العسكرية وبين نابليون، جاء بها سعيد حوى في كتابه الرسول ﷺ وأتى بها العقاد في كتابه عبقرية محمد، فأخطأ الاثنان، أخطأ ذاك يوم قارن بين عبقرية هذا وهذا في العسكرية، وأخطأ هذا يوم قلده وتوسع في ضرب الأمثلة. من هو نابليون؟ نابليون يستمد تعاليمه من المحيط الأطلسي من البحر ومن الطين، ومحمد ﷺ يأخذ تعاليمه من فوق سبع سماوات. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:١ - ٦] كيف تقارن بين هذا وهذا؟ نابليون خرج لسحق العالم ولقتله مثل: هتلر النازي، ومحمد ﷺ جاء لإحياء العالم، جاء بتوحيد الله وبرد الفطرة السليمة إلى ربها بعد أن انتكست. فمسألة الإيمان أمرها عجيب، أنا ذكرت وأكرر هذا: أستاذ داعية مشهور وله مذكرة في الساحة غفر الله له، دخل فصلاً من الفصول فسأل الطلاب: ما هي المادة؟ قالوا: رسم -يعني مادة فنية- وأكثر ما يرسمون البط والماعز، والدجاج والحمام، وهل يستطيع الطالب أن يميز بين الدجاجة والبطة في الرسم؟ فأتى هو برسم آخر فرسم زهرة، ثم ألقى محاضرة في العقيدة على الزهرة، من أنبت الزهرة؟ ومن جملها؟ من باين بين ألوانها هذه حمراء، وتلك صفراء، وهذه خضراء، من كل زوج بهيج! فأبكى الطلاب وأدخل الإيمان إلى الطلاب. أستاذ الجغرافيا حينما يحمل التربية الحقة يحول الجغرافيا إلى مادة إيمان، نحن لا يهمنا معرفة عواصم الدول، ولا منتجاتها، فهي ثقافة عامة يعرفها الكافر مثلما يعرفها المسلم، ولا المحيطات، ولا التضاريس، ولا المناخ، ولا أن الرياح ترتفع في المرتفعات، وتنخفض في المنخفضات، هذا أصغر مما يهمنا. يهمنا: من سوَّى الكون؟ ومن أرسى الجبال؟ ومن أجرى الريح؟ وقواعد عمل الجغرافيا في القرآن: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] ولذلك أجاد العلامة الشيخ/ عبد المجيد الزنداني -رفع الله منزلته- يوم استنبط من هذه القضايا الكبرى حياةً وإيماناً للإنسان، عندما يأتي بهذه القضايا الكبرى، فيطرقها ويربطها بالقرآن، فإذا الإيمان، وإذا القرآن، وإذا الجمال في الطبيعة التي جملها الله كلها تقود الإنسان إلى الواحد الأحد. مجرى النهر، الماء، الريح، إنها لآية من آيات الله، لكن أن يبقى الإنسان يحفظ كأنه آلة، كأنه كمبيوتر، ويعرض على الطلاب تضاريس الدول ومناخاتها، ومنجاتها وأشجارها، وصادراتها، ووارداتها دون أن يربطهم بالإيمان، لقد أخطأ كثيراً، وما الفرق الآن بين أستاذ مثلاً: فرنسي، أو ياباني، أو صيني وبين أستاذ مسلم وكلهم يتحدث عن الجغرافيا بنفس الطريقة والأسلوب؟!. إن ذاك المسلم يختلف عن الجميع بأنه مؤمن.

стр. 1106

المسألة الثانية في التربية: الاعتناء بالفرائض أولاً إن من التربية التي بناها ﷺ دعوة الصحابة إلى الفرائض أولاً. في الصحيحين عنه ﵊ أنه قال في الحديث القدسي: ﴿يقول الله: وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به الحديث﴾ كان ﷺ يعتني بالفرائض، يأتيه رجل فيسأله عن الإسلام، فيقول: ﴿شهادة أن لا إله إلا الله -والحديث في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله - وأن محمداً رسول الله، قال: ثم ماذا؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟، قال: لا. إلا أن تطوع﴾ الحديث، لكن بعض الناس إذا أتى يدعو يسأله عامي: ماذا تدلني؟ قال: أولاً عليك بالصلوات الخمس، والوتر، وأربع ركعات في الضحى، وقيام الليل، وتحية المسجد، فيكثر عليه، فيقول: ما دام أن الأمر هكذا أتركها جميعاً، وإذا سأله سائل عن نافلة: ماذا أفعل في التسبيح؟ -رجل بسيط جاهل، مبتدئ في الإسلام- قال: هلل مائة تهليلة بعد الفجر، وعليك بالأذكار عند الغروب، وقبل النوم قل هذه الأذكار وبعده، ثم يسرد له قوائم من الذكر فيتركها جميعاً. يقول أبو بكر: يا رسول الله! أخبرني بدعاء أدعو به في صلاتي، قال -وهذا في الصحيحين -: ﴿قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم﴾ حفظه دعاء واحداً فَحَفِظه. يقول علي: دلني يا رسول الله على دعاء أقوله، قال: ﴿قل: اللهم اهدني وسددني﴾. وقال حصين بن عبيد في سنن أبي داود: يا رسول الله! أريد دعاءً، وقيل بل بدأه ﷺ فقال: ﴿يا حصين! قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي﴾ أدعية محفوظة مضبوطة. يقول للصحابي الآخر: ﴿لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾ ويقول للثالث: ﴿أفلا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال: بلى. قال: قل لا حول ولا قوة إلا بالله﴾. إنه السهولة في العرض، والتدرج في التربية، ولكن المقصد البداية بالفرائض. تجد بعض الناس يُغلِّب جانب النوافل على الفرائض، تجده يتحدث إلى الناس دائماً عن قيام الليل بينما لا يصلي كثير من الناس صلاة الجماعة في المسجد، أو تجده إذا أتى في ركعتي الضحى خشع وأحضر قلبه واستحضر ما يقول وما يقرأ، ولكن في الفريضة يهزها هزاً ويفنيها فناءً. وبعضهم عند تلاوة القرآن يخشع، ولكن في تلاوة القرآن في الصلاة لا يخشع وربما شرد ذهنه، وبعضهم تجده يعتمر كثيراً لكنه لم يحج، أو تجده في نوافل الدعوة في كل مكان يتنقل مع الشباب من مدينة إلى مدينة، ولكن والدته عجوز حسيرة كسيرة مريضة في البيت ولم يقم بخدمتها. وبعضهم عنده والدان شيخان كبيران ليس عندهم من يقوم بخدمتهما، ولا من يقدم المئونة لهما، ويقول: أريد الجهاد، ولا أقول في هذا الباب إلا أن من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والبداية بالفرائض، والأولويات في الدين هي منهجه ﵊. أحد الأعراب يقول كما في صحيح مسلم: ﴿يا رسول الله! أرأيت إن أديت الصلوات الخمس، وصمت رمضان، وأديت الزكاة، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام أأدخل الجنة؟ قال: نعم. ﴾. انتهى الأمر. لم يقل له فيما بعد: وركعتي الضحى، وتحية المسجد، والكسوف والاستسقاء، والصلاة على الجنازة، هذه القلوب في قضية العرض تتعب، ولا ترتاح لهذا العرض.

стр. 1107

المسألة الثالثة في التربية: إحياء روح الاقتداء في نفس الشاب إن الذي ينقص كثيراً من المسلمين اليوم هو: القدوة: وكيف نبني قدوة؟ كيف نوجه قدوة؟ يلتمس الشاب قدوة يقتدي بها في المجتمع، فلا يجد إلا قليلاً نادراً، أو لا يجد. القدوة التي تعمل بما تقول، القدوة التي يحس بها الشاب، لأن إلقاء المعلومات على الشباب لا يكفي، محاضرات ودروس دون أن يكون بينهم قدوة، أو رابطة بتعامل، أو رجل يتوجهون إليه فيجدونه مقتدياً برسول الله ﵊ هذا أمره عظيم. يقول أحد السلف: كنت إذا وهنت في العبادة، وكسلت فيها ذهبت إلى محمد بن واسع الأزدي، فنظرت في وجهه فتنشطت على العبادة أسابيع. فقط في النظر هكذا. ويقولون: كان محمد بن واسع إذا رُئي ذُكر الله. ويقولون: إنه ما اتكأ، لا اتكأ على اليمين، ولا على اليسار، وإلا فالأمر فيه سعة فقد اتكأ ﵊ على يمنيه وعلى يساره، لكن انظر العبرة. قيل له: لماذا لا تتكئ؟ قال: أنا ما جزت الصراط فلا أدري هل أنا من أهل الجنة، أو من أهل النار، ولا يتكئ إلا آمن، وأنا لست بآمن كان إذا جلس وحده تربع وخشع في جلوسه، فقيل له: نراك معنا تتبسم كثيراً فإذا جلست وحدك انضبطت وخشعت، قال: في الحديث: ﴿يقول الله: أنا جليس من ذكرني﴾ فكان يذكر الله وهو جالس، هذا محمد بن واسع، وهو صاحب قتيبة بن مسلم يوم صفوا في حدود كابل، يوم أتى قتيبة بن مسلم -رفع الله منزلته- يفتح تلك المنطقة، وقبل المعركة بدقائق قال لقواده: التمسوا لي محمد بن واسع، العالم العابد خرج يجاهد في سبيل الله. يقول ابن القيم: بالليل عباد وعند لقائهم لعدوهم من أشجع الأبطال خرج يجاهد في سبيل الله، عالم وعابد وزاهد. قال قتيبة: التمسوا لي محمد بن واسع، ماذا يفعل في هذه الساعة؟ ساعة ضاقت، بلغت فيها القلوب الحناجر، غفر الله لـ قتيبة بن مسلم فأمره عجيب! كان يدخل المسجد ولا يخرج، يقولون: إذا أراد غزوة يدخل المساجد التي في الثغور، ثم يستقبل القبلة ووراءه القادة والجنود، وكان يرفع يديه ولا يخرج حتى يبكي ويُبكي القادة معه، يطلب النصر، ولذلك اجتاح تلك المناطق بإيمانه، ونصره الله، قال: التمسوا لي محمد بن واسع، فأتوا إلى محمد بن واسع، فوجدوه قد ركز الرمح وهو يشير بإصبعه يا حي يا قيوم! انصرنا، فعادوا إلى قتيبة فأخبروه قال: [[والله لإصبع محمد بن واسع خيرٌ عندي من ألف سيف شهير، وألف شاب طرير]] وانتصر المسلمون، وله قصة. لكن الشاهد هنا: أنهم كانوا يرون وجهه فيتقوون على العبادة أسابيع، فكيف لو كان معهم، يخالطهم ويتكلم إليهم، كانت رؤية الصالحين تنفع في ذاك الوقت، لكن قَلَّ الأعوان، وذهب الإخوان، ولا نشكو حالنا إلا إلى الرحمن. هذه مسألة أثر الاقتداء في تربية الشاب وأمرها عظيم، وإذا لم تجد قدوة تمشي، فعد بهم إلى القدوة الحقة أعني: محمداً ﵊. تقول عائشة وقد سئلت عن خلقه ﷺ : ﴿كان خلقه القرآن﴾.

стр. 1108

المسألة الرابعة في التربية: ترسيخ معنى الأخوة الإسلامية كثير من يتحدث عن الأخوة، ويدعو إلى الأخوة على المنبر، لكن إذا نزل تعامل مع الناس بالهراوة والكرباج، أخوة بالكلام فقط، لكن عند التعامل لا يسمح لهم في مثقال ذرة من الخطأ، تجده إذا أخطئوا عليه بكلمة ردها عليهم بعشر كلمات، يدعو إلى الأخوة لكن إذا جلس في المجلس بدأ يتكلم في عباد الله، فلان منهجه خطأ، انتبهوا لفلان في العقيدة، فلان أساء الأدب، فلان ليس عنده علم، فلان متهور، فأين معنى الأخوة؟ تريد مني أن أؤاخيك وقد هتكت عرضي، وسفكت دمي، وأذهبت ماء وجهي! تريد الأخوة وقد سببتني وشتمتني، متى نلتقي؟! لا، والله! أتوا إلى الحسن، فقالوا: اغتابك رجل، فقال: خذوا له رطباً -قالها الغزالي في الإحياء - فذهبوا بالرطب إلى الرجل، وقالوا: أرسل الحسن إليك هذا وقال: [[تهدي لنا حسناتك، ونهدي لك رطباً]] وما سبه ولا جدّعه. جاء رجل إلى ابن السماك الواعظ قال: غداً نتعاتب -يقول: غداً أحاسبك وتحاسبني- قال: غفر الله لك، بل غداً نتغافر، ولا نتحاسب، غداً نلتقي وأقول: غفر الله لك، وتقول: غفر الله لي. ومعنى الأخوة ليس بالسهل، ففي الأخوة واجبات، يقول ﵊: ﴿حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه﴾ لقد وجد من أبناء الجيل، ومن أبناء الصحوة -وهذا يقين ليس ظناً ولا رجماً بالغيب- من يلتقي مع أخيه المسلم الشاب ولا يسلم عليه، نعم. وُجد هذا وثبت كثبوت هلال العيد، فأي تربية ترباها هؤلاء؟! وهل يريدون نصر الإسلام؟! لا يسلم عليه، ولا يصافحه، وقد قال ﷺ : ﴿إذا لقيته فسلم عليه﴾ والبشاشة مع السلام: ﴿ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق﴾ أو طلْق، أو طَلِق، وبعض الناس تراه منبسطاً مرتاحاً، فإذا رأى أخاه قبَّض وجهه، لأنه خالفه في جزئية! قال: ﴿وإذا استنصحك فانصحه﴾ والبعض يجعل أخطاء أخيه معروضة أمام الناس، مع أنه لم يكلمه أبداً، بل تجده يتشفى فيه في المجالس بقوله: أخطأ حسبه الله في هذه المسألة، فإذا سألته: بالله عليك -وأنت تعرض أخطاءه على الناس- هل نصحته يا أخي؟ هل كلمته؟ أو كتبت له؟ فسيقول: لا. إن أهل السنة يتناصحون، وإن أهل البدع يتفاضحون. تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة ﴿وإذا دعاك فأجبه﴾ صعب على المسلم أن يدعو أخاه لمناسبة ليس فيها حرام فيعتذر دائماً، صحيح أن للناس أعذاراً، لكن لا يعتذر معتذر إلا لأحد أمور: الأول: أن يكون له عذر شرعي، من مرض، أو سفر، أو ارتباط، أو موعد فله ذلك. الثاني: أن يكون الاعتذار لبدعة، أو منكر عند الداعي، فله ذلك، فإن الإمام أحمد لم يكن يجيب دعوة أهل المنكرات، ولا أهل المعاصي الظاهرة مثل: أن يكون في بيته خمر يدار في المجلس، أو غناء يُضرب ويُستمع إليه في أثناء الجلسة أو أن هذا الرجل يشعر بعلو على إخوانه، فلا يجيب دعوته. بعض الناس تجده لا يجيب دعوة الناس ويقول: أو كلما دعيت أجيب! أنا فاضل هل أمشي إلى المفضول؟! هم أقل قدراً مني، ولو لم يقله لسانه، ولكن قلبه يقول ذلك، والعجب هلاك محقق والعياذ بالله! وإن من حقوق الأخوة الإسلامية: أن تدعو له بظهر الغيب، وعلامة الصدق أن تدعو له بظهر الغيب، وهو أمر مطلوب منا، ومطلوب منكم، انظر كيف رفع الله أحمد والشافعي. أحمد بن حنبل ﵀ رأى ابن الشافعي -بعد ما توفى الشافعي - فقال: [[أبوك من السبعة الذين أدعو الله لهم في السحر]] سبعة كان يدعو لهم الإمام أحمد من زملائه وإخوانه، يقولون في المثل العامي: (عدوك صاحب مهرتك) ولكنه ليس بصحيح بل أخوك هو الذي ينتهج نهجك، ويسير في مسيرتك. كان أبو الدرداء يدعو لسبعين من أصحابه بظهر الغيب، وأسرع إجابة؛ دعوة غائب لغائب. ومن حقوق الأخوة: إذا مرض أن تعوده، وإذا مات أن تتبع جنازته، وإذا عطس أن تشمته إلى غيرها من الحقوق، فترسيخ معنى الأخوة يأتي في الامتثال في أرض الواقع، وقد فعل ﷺ ذلك وفي صحيح البخاري أصل الحديث، ولكن قصته: أن الصحابة اجتمعوا في مجلس، فتكلم بلال - بلال حبيب القلوب، يقول عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]]- فقال له أبو ذر: [[حتى أنت يا بن السوداء تتكلم]]- أبو ذر هذا الذي تعلم في مدرسته ﵊ لكنه أخطأ وزل، فقام بلال، فشكاه إلى الرسول ﵊، فغضب ﵊ وتغير، فلما جاءه أبو ذر، لا يدري أبو ذر هل رد ﷺ ﵇ أو لم يرد، وقال: ﴿أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية -وقعت كأنها صخرة، أو قذيفة، أو صاعقة- قال أبو ذر: يا رسول الله! على كبر سني فيَّ جاهلية، قال: نعم. إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم﴾ الحديث، فخرج أبو ذر - هذه القصة في غير البخاري - يبكي، ولما مر به بلال، قال: [[لا أرفع رأسي عن الأرض حتى تطأه برجلك، ووضع خده على التراب]]. إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد وضع أبو ذر ﵁ وأرضاه خده على الأرض، وقال: يا أخي! لا أرفع خدي حتى تطأه برجلك، فأبى بلال لكرمه وسموه وأخلاقه وقال: [[أنت أخي]] وقاما وتعانقا وتباكيا. إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها

стр. 1109

المسألة الخامسة في التربية: تجنيب الشاب السب والشتم من أسس التربية للشباب المسلم: تجنيب الشاب السب والشتم، والتشهير والتجريح، لأن بعض المدارس تخرج من الشباب من هو مثل: القذيفة، يعبأ مثل الساعة الخراشية، ثم يطلق على الناس، فيهتر عليهم هتراً، أي أنه: يشحن بديناميت في قلبه من السب والشتم، فإذا وقف عند المنبر ينسى كل قضية ويبدأ يسب بعد أن يحمد الله، وقد فعلها فلان، وفعلت الطائفة الفلانية، وصنع وبدَّع، هذا أول خسارة له في الدعوة، لأن هذا استعلاء النفس، وهذا الرجل قد ركَّب على رأسه لافتة: السبَّاب والشتَّام. لم يكن ﷺ بذيئاً ولا فحاشاً، ولم يكن سباباً ولا مجرحاً، ولذلك جمع الله له قبائل العرب التي مثل قرون الثوم لا تجتمع أبداً، ولم يكن عنده مُلك، وما اجتمعوا على ملك من العرب أبداً، وكل قبيلة لها مملكة خاصة، كل قبيلة تؤسس حضارة لوحدها هي حضارة السيف والدم، وحضارة الهتك والسلب والنهب، فلما أتى ﵊ وصفه الله فقال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. بعد الإسلام والهجرة جلس الأنصار في مجلس، والأنصار كما تعرفون قبيلتان: الأوس والخزرج، كانت القبيلتان في الجاهلية تقتتلان قتالاً ضريعاً لم يسمع الناس بمثله، فلما أتى ﷺ أصبحوا أنصاراً، وأُلغي هذا الاسم "الأوس والخزرج" إلا من النسب وأصبح مكانه "الأنصار"، ولكن الشيطان دخل وهم في المجتمع المسلم يستمعون القرآن في المسجد، فأتى يهودي اسمه ابن شاس فجلس بينهم، فقال للأنصار: كيف وقعت معركة بعاث بينكم؟ -يعني: الأوس والخزرج، ذكرهم تلك الأيام المريرة- فقالوا: وقعت كذا وكذا، فقال أوسي: نحن غلبناكم، قال خزرجي: لا. نحن الذين انتصرنا، فقام أوسي يسب الخزرجي، وخزرجي يسب الأوسي، فقال رجل منهم: اللطيمة اللطيمة! موعدنا وإياكم الصحراء -يقول: تعالوا واخرجوا لنا في الصحراء- والوحي نازل والرسول ﷺ في بيته والقرآن وجبريل صباحَ مساءَ، وانتهت الجاهلية، لكن انظر، وهذه يذكرها ابن جرير الطبري في تفسيره، في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠١] وهؤلاء أهل الكتاب، فخرج الأوس والخزرج وقد صاح صائحهم: اللطيمة اللطيمة إلى الصحراء، عادوا إلى السيوف فاخترطوها من أغمادها. إذا خرجت من الأغماد يوماً رأيت الهول والفتح المبينا أخذوا السيوف من الأغماد وتوافوا في الصحراء -نسوا الآن وطارت من أذهانهم مسألة الإيمانيات- ووقف الأوس في جهة والخزرج في جهة، ووصل الخبر إلى الرسول ﵊، فخرج خائفاً يجر إزاره ليدرك القوم، ووقف بين الصفين، ثم أخذ يذكرهم، ويدعوهم، ويتلو عليهم من آيات الله حتى سالت الدموع -وكانوا أسوداً من أسود الله، هم أهل بدر وأهل أحد وحنين - فوضعوا السيوف في الأرض وتعانقوا وتضاموا وارتفع البكاء، وهذه يوردها ابن جرير وأمثاله. إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها فقال الله بعد هذه الآية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]. إذاً يا أيها الإخوة! إن من معالم تربية الشاب أن يُجنَّب السب، إذا سمعته يسب وينتقد عالماً فقل له: لا. لا تقل هذا، فهو خطأ، وعلمه كيف يتأدب مع العلماء، وإذا سمعته ينال من داعية، فقل له: سامحك الله، هذا ليس بأسلوب. وإذا سمعته يشهر بجيرانه وبإخوانه، فخذ على يديه. إن من يتعود السب يصبح له نهمة، مثل المدمن على الخمر، لا يستقر باله حتى يشرب الخمر، ومثل المتعود على شيء من الأمور تصبح العادة له مثل العبادة. فحذارِ حذارِ من هذا الأسلوب فإنه مقيت، وهذا لا يكسب العبد قلوباً، ولا تحبه القلوب ولا ترضاه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء﴾ ﴿والرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، والله رفيق يحب الرفق﴾.

стр. 1110

المسألة السادسة في التربية: موقف طالب العلم من الخلاف إن اختلاف أهل العلم له أعذار وهم معذورون ومأجورون ومشكورون، وخلافهم في المسائل الفرعية: إما أن يبلغ الدليل أحدهم ولم يبلغ الآخر. وإما أن يكون الدليل ثابتاً عندك وعندي منسوخاً. وإما أن يكون صحيحاً عندك وهو عندي ضعيف. وإما أن يكون الحديث ثابتاً وصحيحاً وبلغني وبلغك ولكني أفهم منه شيئاً وتفهم منه شيئاً آخر. وأدب الخلاف يتمثل في أن يبين المسألة بعضنا لبعض، فإذا توصلنا إلى شيء وإلا فليعمل كل بما رأى، وهذا في الفرعيات. ولا يعنف المخالف على المخالف، ولا يشهر به، فقد أخذت مسألة تحريك الإصبع اثنتي عشرة سنة من حياة المسلمين، بلاد المسلمين شذر مذر ونهب وسلب، وكثير من الفواحش طمت وعمت: مخدرات، وغزو فكري، وعلمنة في الساحة، وإلحاد وزندقة، بينما فئة من الشباب تقول: هل تحرك الإصبع كذا أم كذا؟ وهل يحركها كلها من أول التحيات إلى آخرها أو لا؟ حتى إن بعضهم -كما تعرفون- يحرك يده كلها، خروجاً من الخلاف، أي أنه قد أدرك التحرك. ثم يأتيك بعضهم ويقول: هل العمامة سنة؟ وكيف تكون الذؤابة؟ وهل لنا أن نلبسها بالغتر الحمر؟ لأن العصر عصر اقتداء وأظن أننا لا نُعفى من أخذ السنة والعمامة، لأننا قصرنا في باب العمامة، ثم يلقي عليك محاضرة. والأمر أسهل وأيسر، لكن منافذ الخلافيات من تكثير المسائل التي يختلف فيها. واليد هل هي على الصدر أم هي تحت السرة، ويتهاجر متهاجران من أجل هذه المسألة!! يقول شكيب أرسلان كلمة طيبة سأنقلها عنه وما عليَّ من الرجل، فلو سئلت عنه لبينت ما فيه، لكن ربما قال المعرض كلمة حق، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها. يقول شكيب أرسلان: المسلمون اليوم بين جاحد وجامد، فهم بين جحود وجمود. جاحد يعني: زنديق، حداثي عميل، ذنب لـ استالين وجرباتشوف، وربما صلى مع الناس، لكنه يحمل حقداً وضغينةً وكفراً في قلبه، ويكتب ويغزو بالأفكار، وليس ما يهمه من التحريك بل يضحك علينا نحن، يقول: صحوة تحريك الأصابع، وصحوة تقصير الثياب إلى الركب، وصحوة اللحى والدروشة، هذا جاحد جزاؤه السيف الأملح، ولو كان في عهد عمر لفصل رأسه وعن كتفه. وقد أصيب المسلمون بهذا الداء. وجامد أي: جامد فقط، أنا لا أقول جموداً على الحق، فإن الجمود على الحق فضيلة، لكنه جامد على مرئيات في ذهنه، لا يرى أن تتحول الأمور أبداً، إذا تحدثنا في صالة، قال: لا. السنة في الحديث أو المحاضرات أن تكون في المسجد، وإذا بدأنا بالقرآن مثلاً واستفتحنا أحياناً به، قال: لا. وينكر علينا ذلك. وأنا أقول: لا بد أن يكون هناك سنن وأن تُبيَّن البدع، لكن الجمود على شيء رأى الناس مصلحته كوسيلة مثلاً من وسائل الدعوة، مثل هذا الميكرفون، فلو لم يوجد لما سمع آلاف الناس كلامي، لكنه يقول: لم يرد هذا الميكرفون في صحيح البخاري ولا في صحيح مسلم، وما أتى به السلف، وما جُني علينا إلا حينما أتت هذه الوسائل والمسجلات والأشرطة. لا يا أخي! لماذا هذا الجمود؟ لماذا تُضحِك علينا أعداء الله؟! حتى هؤلاء أهل الجحود يضحكون على هؤلاء ويقولون: إنهم يتساءلون في مجالسهم: هل يجوز النظر إلى المرآة أم لا؟ ويضحك بعضهم ويقهقه بملء فيه؛ لأنه وجد جامداً، ولو وُجد رجل يعرف الدين الذي عرفه ﷺ فإنه يُسكت هؤلاء وأمثالهم، لأنهم ضحال الثقافة والإيمان، ليس عندهم شيء ولا عندهم نور. موقف الشاب من الخلاف: إن كان خلافاً في الأصول فلا يعذر من خالف، وهو ما أجمع عليه الصحابة، فإذا أجمع الصحابة على مسألة فلا يخالفنا فيها أحد، فقد أجمعوا على أسماء الله وصفاته، فلا يأتِ مخالف ويقول: أنا مأجور إذا خالفت، لا. لست بمأجور ولا مشكور بل موزور. والمسائل التي اختلف فيها الصحابة يجوز لمن بعدهم أن يختلفوا فيها، أما ما أجمعوا عليه فلا يجوز لمن بعدهم الخلاف فيها.

стр. 1111

المسألة السابعة في التربية: الفتيا الفتيا هذه سلم إلى الظهور، وكثير من الناشئة إذا حفظ سورتين وحديثين ومقطعين قام يفتي الناس، فلا يرد أي سؤال، ويأتي أمام الناس فيثني رِجلاً تحت رجل، وعمره خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة ويقول: الذي تطمئن إليه نفسي. ومن أنت يا شيخ الإسلام! حتى تطمئن نفسك؟! وتطمئن نفسك بعد ماذا؟! كم تحفظ من الأحاديث؟ وكم تجيد من الآيات؟ وكم استقرأت من كلام أهل العلم؟ والناس في مسألة الفتيا طرفان ووسط: أناس بلغ بهم الورع البارد إلى أن حرموا الناس العلم! والذين في الثانوية الآن باستطاعتهم أن يفتوا في بعض المسائل، كما لو سئل: كم أركان الإسلام؟ يقول: خمسة، لكن بعضهم عنده علم ومع ذلك تجده متحرجاً في كل مسألة -ورع بارد- فهذا اسمه ورع سامج مظلم، يقولون له: كم يتمضمض المتوضئ. ؟ يقول: الله ورسوله أعلم. أو كم الخلفاء الراشدون؟ يقول: الله ورسوله أعلم. فهذا ورع بارد. وبعضهم يقابله بالطرف الآخر وهو من يفتي في كل مسألة، حتى في مسائل لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر، أما هو فيفتي، بل يسابق السائل في المجلس ويفتي في الطلاق والحيض، وتجد بعض الشباب الناشئة يفتون في هذا، رأى حديثاً واحداً فأفتى به في مثل هذه المسائل الصعبة، وحتى بعضهم يفتي في الرضاع، ثم يكتشف في البيت بعدما يعود أن المسألة خطأ، فلا يتصل بمن سأله ويقول: دعها تلحق بأخواتها، لأن له مسائل أخرى أخطأ فيها فقال: لا عليك. ويسألونه في المجلس، فيقول له الشيطان: حاول أن تجيب لأنك إذا قلت: لا أدري؛ قالوا: ليس عندك علم، وتسقط من عيونهم، قال: على الله، عليك تثور وعليها تدور باسم الله، ثم يبدأ يتكلم. ألا تدري أن الفتيا منصب الرسالة، وأنك تُوقِّع عن رب العالمين، وأن المفتي يوقف نفسه على الصراط، إما أن يزلق إلى النار، وإما أن ينجو إلى الجنة. يقول ابن عمر للناس: [[تجعلوننا سلماً إلى النار؟!]] إن المستفتي لا يهمه أن تدخل النار أنت وأهلك وجيرانك، فالمسألة عنده فقط أن ينقذه المفتي ولذلك تجده أحياناً يقول: يا شيخ! أنا كنت غضباناً وطلقت زوجتي، فتفتيه أنت بالرفض مثلاً، وتقول: قد وقعت عليك طلقة، فيقول: أرجوك، والله لو تعرف ظروفي يا شيخ! -أصبحت مساومة وكأن المسألة بيع وشراء- أنا يا شيخ! عندي ظروف، وأنا مسافر، وعندي والدة في البيت، وأنا أحب زوجتي، أرجوك رجاء خاصاً! أتريد أن تدخلني النار وتدخل أنت الجنة؟! أأرد عليك زوجتك حتى أكون من حطب جهنم؟! أعوذ بالله!! [[كان علي بن أبي طالب يُسأل فيقول: لا أدري -الأمر سهل- ويقول: ما أبردها على قلبي!]]. أتى سائل من أهل العراق يسأل مالكاً إمام دار الهجرة، فسأله عن أربعين مسألة، فأفتاه في ثمان ورد اثنتين وثلاثين مسألة في بعض الروايات، قال السائل: ألا تعرف هذه المسائل؟! قال: عد إلى أهل العراق وقل: مالك لا يعرف شيئاً. وكيف يرضي أهل العراق على حساب أن يدخل هو النار؟! نعوذ بالله من النار. والوسط هم الذين أفتوا بعلم وسكتوا عما لا يعرفون وأولئك عباد الله الصادقون.

стр. 1112

المسألة الثامنة في التربية: الأدب في دعوة الناس المسألة الثامنة وهي ختام هذا المجلس، الأدب في دعوة الناس، وقد كان في الحلقة الأولى (آداب تربوية) التركيز على هذه المسألة أكثر، ذلك أن الشاب الذي تربيه مخاطب بالدعوة إلى الله، وبإمكانه أن يكون داعية، لكن لابد من التنبيه على أن هناك فرق بين الداعية والمفتي، فبإمكانك أن تكون داعية، ولا تكون مفتياً، لأن مفهوم الداعية يصل إلى درجة من عنده آية أو حديث، فيدعو إلى هذه الآية والحديث، أما المفتي فلا يفتي حتى يتمكن من علمه، ويعرف أدلته. إذاً فكلنا دعاة، والمفتون عندنا قليل، والدعوة أشرف، إذ هي منزلة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والرجل في الجندية وفي العسكرية، والتجارة، والفلاحة، والهندسة، والطب، وفي الخطوط يكون داعية، لكن لا يكون مفتياً، وعليه فلا بد أن توجه هذا الشاب إلى الدعوة وتبين له آدابها وتحثه على التزامها: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1113

لبيكِ أختاه ! إن الدين الإسلامي هو دين العدل، دين شامل ينظم الحقوق والواجبات، وعندما جاء الإسلام كانت المرأة كالسلعة تباع وتشترى وتدفن وهي حية، وكانت محرومة من جميع الحقوق، فجاء الإسلام فرفع من شأنها وجعلها نصف المجتمع ولبنة الأسرة. وقد تحدث الشيخ عن معاملة الرسول ﷺ للمرأة، وعن مكانة المرأة في الإسلام مبيناً المؤامرات التي تستهدف المرأة في دينها وكرامتها.

стр. 1114

مكانة المرأة في الإسلام الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين، سلام الله عليكن ورحمته وبركاته. نعم عنوان المحاضرة لبيك أختاه: يا فتاة الدين يا بنت الحجاب أنت في أوطان أسما والرباب أنت يا من يحفظ الله لها عرضها بين الأفاعي والذئاب استري وجهك عن حر اللظى وارتدي في زمن الفسق الثياب وارفضي كل داعٍ خائن ليس يخشى الله في يوم الحساب وانعمي في ظل دين خالد رددي يا أختنا أم الكتاب فرصةٌ سانحة ومباركة، أن نُسمع أختنا كلمة الحق والنور. وعناصر هذه المحاضرة: منها الإيمان والنور الذي أتانا به معلم الخير ﵊، ثم مكانة المرأة في الإسلام، ثم الرسول ﵊ والمرأة، ثم ما معنى أن تتحرر المرأة؟ وهناك لفتات: هل يراد من المرأة أن تكون مغنية مطربة؟ أو عارضة أزياء؟ أو شرطي مرور؟ أو جندياً في الجيش؟ غزو المرأة وما هي طرقه؟ المجلة الخليعة، الغناء الماجن، كتب الجنس، الفيديو المهدم، الشاشة الخليعة. موانعٌ أمام هذا الزحف: تقوى الله ﵎، الحجاب الشرعي، الدعوة إلى الله ، الزواج. أتى ﵊ بالنور، وهذا النور لا يكون إلا في شرعه، في الوحي المقدس الذي نزل به جبريل على الرسول ﵊: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. وشارك في استقبال هذا النور المرأة والرجل جنباً إلى جنب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء:١]. إذاً فالرجال والنساء يستقبلون نوراً من الله ، ويتطهرون ويحملون الإيمان ويتعبدون لله على طريقة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] إذاً فالرسالة للرجال والنساء، والتكريم للجميع، وحمل هذه المبادئ للذكر والأنثى، قال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥]. فتشارك الأنثى مع الرجل في استجابة دعوة الله ، وفي الرحمة من الله قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إن الدين معلمٌ خالد يشارك فيه الصنفان: الذكر والأنثى، ويوم تطمس معالم النور، ولا تهتدي المرأة إلى طريقها الحق، حينها تضل وتصبح لا قيمة لها في الحياة. يقول زولا رجل الجنس الفرنسي، الأديب المجرم وهو يتهتك بالمرأة، يقول: إنها لا أثر لها في عالم الحياة، ويشكك الناس هل المرأة إنسان أو حيوان. تعالى الله عما يقول ذاك المجرم، بل هي المطهرة، أم العلماء والقادة والفاتحين والزعماء. أليست هي أم عمرو وطارق؟ أليست هي أم صلاح الدين وأحمد وأبي حنيفة ومالك والشافعي؟ أليست هي أم ابن تيمية، وابن القيم؟ أليست هي المربية التي يربي بها الجيل، ويحفظ بها الفتوة، ويرعى بها البيت، لكنها لا تكون أماً إلا يوم تحمل لا إله إلا الله وتسجد لله، وتخشى من الله، ويوم تتجه إلى الله متحجبةً طيبةً ورعة!!

стр. 1115

النبي ﷺ يرعى المرأة ويوصي بها خيراً أما الإسلام فقد رعى المرأة أيما رعاية، فالرسول ﷺ أعلن حقوقها في عرفات، ونادى الناس ﵊ وهو يقول: ﴿الله الله في النساء فإنهن عوان عندكم﴾ وكان يقول ﷺ : ﴿خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾. فعاش ﷺ ، مع المرأة زوجاً وأخاً، وابناً وأباً، وأكرمه الله بأربع بنات، وعشنَ معه كثيراً، بينما أبناؤه من الذكور كانوا يموتون في الصبا، وكانت بناته ﵊ يسكنَّ قلبه، كان إذا سافر زار فاطمة وإذا عاد بدأ بها، وتقول عائشة كما في صحيح البخاري: ﴿كان ﵊، إذا زار فاطمة قامت له وقبلته وأجلسته مكانها، وإذا زارته قام لها، وقبلها وأجلسها مكانه﴾. أي عطفٍ وأي حنانٍ، وأي شفقةٍ وأي رحمة، إن هذا المعلم معلم الأبوة والرأفة لا يوجد عند غير المسلمين، ولقد رأينا والله الحالة التي تعيشها المجتمعات الكافرة ومن أراد أن يطلع فليقرأ الولايات المتحدة الأمريكية للكاتب مصطفى الليبي المشهور وهو يتكلم عن ذاك المجتمع المتفكك، ليس فيه أبوة ولا حنان ولا أمومة، لا تجد أسرة مجتمعة في بيت ولا في سيارة؛ لأن بناءهم كان على خواء، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩]. وجاء الإسلام للمرأة ليجعلها متحجبة كالشمس في الغمامة، وكماء المزن، وكالدرة في الصدف، وأبى المجرمون إلا أن يخرجوها سافرةً متهتكة، تبيع الأزياء، وتعرض نفسها، وتكون للدعاية. أما رأيتن الصحف وهي تدعو بواسطة المرأة للعطور وللأزياء، وللمشتريات، هذه قيمة المرأة عند من لا يؤمنون بالله، أن تكون سلعةً وغرضاً ودعاية. أقيمتها أن تكون جندية؛ تقاتل الجيوش وتبارز الأبطال؟! أقيمتها أن تكون شرطي مرور تقف في الشوارع، وتصنف سيارات الناس مع المارة؟! لا. قيمتها أعز وأشرف في الإسلام، وقيمتها كما قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]. ولكنها تقر في البيت والمدرسة، والجامعة، متحجبة مؤمنة، طاهرة، والعرب قبل الإسلام كانوا لا يعترفون بالمرأة السافرة المتهتكة. ويروى أن أعرابياً نظر إلى امرأته فوجدها تنظر إلى الأجانب فغضب وفارقها، وقال: إذا وقع الذباب على طعامٍ رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماءٍ إذا كن الكلاب ولغن فيه

стр. 1116

العلمانية تغزو نساء الجزيرة كان هذا حال المرأة يوم كانت مسلمة مؤمنة، كانت أشبه شيءٍ بماء زمزم، أو بماء الغمام، كانت قريبة من الله ، حتى أتى المجرمون مع الثورة الفرنسية عام ١٧٧٨م، وكان هناك في فرنسا حجاب ولو أنه مجتمعٌ كافر، لكنهم كانوا يريدون أن ينقذوا بلادهم، فلما أتت العلمنة فسخت الحجاب، ودخلت العلمنة تركيا على يد المجرم الصنم مصطفى كمال أتاتورك، فنزع الحجاب وداسه بقدمه، وبدأ يدوس المصحف معه، وألغى المسجد من حياة الناس، وخرجت المرأة المسلمة العفيفة التركية إلى المجتمعات فأنبتت جيلاً فاسداً واصطدم العهر، وكثر الفساد، وانتشرت الفاحشة، وضلَّ الناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. وكنتُ أظن أن الأمر نسبيٌ، وأن هناك بقية، وأنه لا تصل الجرأة بالمجرمين إلى هذا الحد، حتى طالعتُ مقالات وصحفاً وقصاصات جمعت، وخرج في ذلك شريط (الفتاة السعودية والعلمانيون) وهو موثق بالتاريخ والعدد والرقم، ووجدت فيه العجب العجاب، يقصدون المرأة هنا في الجزيرة، المرأة المصلية الصائمة العابدة، التي تتجه إلى الله كل يومٍ خمس مرات، يقصدون بنت زينب وفاطمة وعائشة؛ لأنهم أدركوا المرأة هناك في الجزائر، وفي تركيا وباكستان، فأرادوا أن يلحقوا المرأة هنا بالمرأة هناك. وكان من ضمن ما طالعته في تلك المقالة، وهي مقالة سيدتهم، أو سيئتهم بالهمز، وهي تتكلم عن المرأة السعودية، تقول في مقالة الافتتاحية: المرأة الكويتية ما شاء الله عليها، ثم تتحدث لنا، وفي جانب هذه المقالة، ستٌ من الفتيات الكويتيات، وهن متبرجات، ناشرات الشعر، وامرأة سعودية بجانبهن، وهي متحجبة عفيفة ساكنة، فيصفونها بالرجعية والتخلف، ويصفون أولئك بالتحرر، ثم تأتي المقالات تتوالى، ولعله أن يأتي في الوقت فراغ حتى تسمعن هذا الشريط إن شاء الله. على كل حال: ما ظننا أنه يبلغ بهؤلاء المعتدين على شرع الله ما بلغ، بل ينادون المرأة، ويخبروننا بمكان الأزياء والعرض في جدة، وأخبروا بالرقم والعنوان والمكان، ويقولون: إنه على مستوى المكان في باريس، ثم يتكلم أحد المحررين وهو يلقي مقابلة مع امرأة، فتخبره بأنها تريد أن تثور على القديم، وأنها عافت حياة القديم والأفكار القديمة، ومعناه أنها عافت الدين، عافت: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] وعافت: (الم) [البقرة:١]. وعافت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. معنى الثوران هو الثوران على القرآن! والتنكر لشرع الله عز جل، وأنتن تعلمن ماذا حدث، وما حدث ذلك إلا من كفر صراح، ومن زندقة صريحة نعوذ بالله منها، وعلمنة تفتك في جسم الأمة، إن لم نتدارك بناتنا، وعماتنا، وزوجاتنا، وأخواتنا.

стр. 1117

حكمة الرسول ﷺ في معالجة جريمة الزنا وفد على الرسول ﵊ رجل فقال: ﴿أتوب إلى الله يا رسول الله من كل ذنب، إلا من الزنا، فتأثر ﵊، وقال: أترضاه لأمك؟ قال: لا. قال: أترضاه لأختك؟ قال: لا. قال: أترضاه لعمتك؟ قال: لا، قال: أترضاه لخالتك؟ قال: لا، قال: أفتريد من الناس أن يرضوه لأمهاتهم، وبناتهم وعماتهم، وخالاتهم؟!! قال: فإني أتوب إلى الله يا رسول الله﴾. إن المسلمة تريد أن تحفظ أسرتها، وتحفظ بيتها وعرضها وشرفها، والله إن من المآسي الكبرى، والمصائب العظيمة التي تنتظر الأمة، هي مأساة المرأة يوم تتنكر لشرع الله، وتبتعد عن منهج الله، ويوم تضل المجتمع، إنهم لا يحاربوننا -أقصد الغرب- بالقوات ولا بالصواريخ، ولا بالطائرات، ولا بالمدمرات، إنما يحاربوننا بوسيلة كشف وتبرج المرأة واختلاطها وخروجها وتهتكها -فمعاذ الله- ونسأل الله أن يبقي فينا باقية، قد وجدنا هذه البقية في أمثالكن، من الأمهات الملتزمات المستقيمات العاقلات، اللواتي يردن أن يثبتن في موطن الخطر.

стр. 1118

تحرر المرأة

стр. 1119

مجرمو تحرير المرأة في الأمة الإسلامية دخل تحرر المرأة على يد مصطفى كمال، وليس بتحرر، لكنه استحذاء المرأة، وبيع المرأة في سوق النخاسة، وضياع المرأة، وقد ألف قاسم أمين كتاب: تحرير المرأة، فكان هلاكاً لها، ودماراً لها إي والله ودخل أحمد بن بيلا في الجزائر، ونادى الشعب الجزائري بعد أن سفك من دم الجزائريين أكثر من مليون قتيل، يريدون الإسلام، ويريدون تحكيم لا إله إلا الله، فلما استقل أحمد بن بيلا الحكم هناك؛ ضيع الإسلام! وطرد الإسلام ورفضه! وامتهن المصحف! وأتى بالحجاب أمام الشعب الجزائري ومزقه تمزيقاً!! وخرجت المرأة العفيفة الجزائرية باكية مسكينة تصارع هذا الطوفان من العهر والفساد، والسكر والنكر، فوقع المجتمع في ما وقع فيه. والشعب الباكستاني كن النساء فيه يلتزمن الحجاب، ويردن تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فلما تولى محمد علي جناح كرسي الحكم تنكر للإسلام، ورفض الإسلام، وأتى بالحجاب ومزقه ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣].

стр. 1120

بعض المجلات التي تنادي بالفجور شرع محمد ﷺ هو شرع الستر والجمال والعفاف إن من تقدير المرأة أن تتحجب، وأن تتوقر، وأن تكون عفيفة لتكون محبوبةً إلى القلوب، فوالله إن الفجرة لا يحبون الفاجرة، وإن الناس لا يميلون إلا إلى العفيفة المحجبة المجلببة التي تريد ستر الله . وباختصار فهم يريدون من تحرير المرأة أن تصبح مغنية، وفي مجلة سيدتهم تقول: المرأة السعودية أصبحت مذيعة، وذكرت لنا قصة بإمكانكم مراجعة تلك القصة في المجلة ومعناه: أنه يجب علينا أن ننتج للناس مطربين ومطربات. ويا للعجب نحن لم ننتج طياراً، ولا مكتشفاً، ولا مخترعاً، ولم يسمع الناس أننا أنتجنا آلة تنفع الناس، وما اكتشفنا كهرباء ولا طائرة ولا صاروخاً، ولا ثلاجة ولا برادة، لكن اكتشفنا في مجتمعنا مذيعة تعرض خدها للجماهير، وتتكلم بصوتها الرقيق، وتغضب الله ورسوله والمؤمنين صباح مساء، وتعلن الحرب على الإسلام، وعلى المسجد والمصحف. وكم تتمعر الوجوه بالألوف المؤلفة من هذا الشعب المسلم إذا رأى هذه المرأة المسلمة خرجت من بيت مسلم متحجب وهي تعرض جمالها، وشعرها الفاتن، وسحر عينيها وشفتيها، وتتكلم برقة، والله يأمرها أن تستتر، ويأمرها أن تتحجب، وأن تكون درةً مصونة، وشمساً في غمام، كم يتحدى شعور المسلمين، وكم هي والله اللوعة والأسى، وكم هي المصيبة: أن نرى من بناتنا من أمثال أولئك. ثم تذكر لنا المجلة عن أفنان، وهي اسم لفتاة سعودية أصبحت مضيفة في الطيران، والخبر هناك، ومن أراد أن يعود فليعد، أو يستمع شريط (الفتاة السعودية والعلمانيون) وهو بالعدد والتاريخ، وتعرض المجلة هذه الفتاة المسماة أفنان وكأنها حررت القدس، أو كأنها أتت بشيءٍ عجيب للأمة. والعلمانيون يريدون من المرأة صراحةً أن تكون كالمرأة في أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وأن تشارك في الجيش، وتكون جندية مرور، والأمريكان لم يزجوا المرأة في الجيش كما تعلمن إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بعد ما قتل الرجال، وأبيد كثير من الرجال، زجوا بالمرأة لتشارك في الجيش، والله خلقها لوظيفة أخرى، والله أعلم بحال المرأة وبضعفها، وبرقتها وبحنوها وعطفها، ما كان لها أن تمتطي الدبابة، وأن تركب الزورق في البحر، وأن تطلق الصاروخ: كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول هكذا يقول عمر بن أبي ربيعة، وهو مبدأٌ يقره الإسلام، فلها وظيفة، وللرجل وظيفة، والله هو الذي خلقها فهو أعلم وأكرم، ويريدون من المرأة أن تكون عارضة أزياء. كنا نمر في شوارع لوس أنجلوس وتكساس ودنفر ووانديانا، وإذا على الصابون صورة فتاة، وكذلك الببسي والميرندا، والمجلات، والسيارات، فيعرضون هذه المرأة لتباع السيارة، ولتباع العملة، وليباع هذا الغرض، فأصبحت المرأة من المهانة بهذه المكانة، ولا أنسى والله مهانة المرأة هناك، وهي تعرض للرجال، وتتبسم لتجري له السلعة، ولتباع لها. أهذا حظ المرأة من الحياة أن تعرض نفسها لكل فاجرٍ وفاسقٍ ومجرم؟ أهذا نصيبها من التقدم والتطور؟! وقد صدق الله حين قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وقال: ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].

стр. 1121

تحذير علماء الغرب من دمار الجريمة إن وليام جيمس: عالم النفس الكبير أنذر أمته، وأخبر شعبه وأنه يهوي وأنها تسعى إلى الهاوية (١٠٠%). واندير كارنيد: يصف الناس هناك أنهم يسعون للقلق؛ لأنهم أعرضوا عن الدين. كريسي موريسون: يصف المجتمع أنه منهار تماماً، وهذا إنما يقوله علماؤهم، ينادون أنهم قد أصبحوا قريباً من الهاوية والدمار أفيريدون لنا هاوية؟! أيريدون أن نجرب تلك التجربة التي عاشوها؟! وذاك الدمار، الذي صنعوه؟! كنا في أكلاهوما؛ وهي مدينة في شمال أمريكا، فأُخبرنا أخباراً نستحي صراحة أن نعرضها هنا؛ لأن المكان هنا مقدس له شرعية، أمام أخواتٍ مسلمات متحجبات ساجدات، فلا يحق لي أن أتكلم بهذا الكلام، ولو أنه ذكر في شريط: أمريكا التي رأيت، لكن هناك ذكر لمناسبة، وهنا لا أذكره لأني أقدس المكان، وأحمل شرعيةً لهذا الجمع الطاهر الطيب.

стр. 1122

طرق غزو المرأة

стр. 1123

المجلة الخليعة غُزيتْ المرأة، وحوربت بالمجلات الخليعة، أنا أسكن في أبها مدينة في الجنوب صغيرة، مررتُ في بقالة فوجدت فيها ثلاثاً وعشرين مجلة خليعة، كلها من مستوى النهضة والأناقة، مجلة واحدة تكفي لتدمير شعب كامل، صورة المرأة وهي مفتونة، الكلام جنسيٌ منحط، يهدم القلوب، ويُغضِبُ رب الأرض والسماوات. ما هذا العدوان الصارخ على المرأة، وما هو القصد من ورائه، حتى بائع البقالة يبيع صابونه وسكره ويبيع مجلة خليعة. ورأيت السائق ترسله الفتاة من البيت، فيجمع هذه المجلات جميعاً ويأخذها في سيارته، ليهدم بها البيت، ويهدم بها الأسرة قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. فالمجلة الخليعة تعرض صورة المرأة، وفي كل عددٍ تعرض ملكة الجمال فيه، فأين الله؟ وأين الشرع؟ وأين الأمة التي تعيش الإسلام؟ وأين العمل بقول الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]؟

стр. 1124

الغناء الماجن ومما غُزيتْ به المرأة الغناء الماجن، وهو من أسهل الأمور عند الناس الآن، والحصول على الشريط الكاست أصبح سهلاً ميسراً وهو يحمل في طياته السم الزعاف، واللوعة للقلوب، والخراب للشعوب، ومع ذلك يستحي الذي يحمل المروءة أن يستمعه، فكيف بالمسلم المؤمن، إنَّ هؤلاء المطربين فئةٌ من الناس خرجوا من المجتمع، وتنكروا للمسجد، وللقرآن، واستمروا في غيهم، وأسرفوا في خطاياهم، أرادوا إغواء الأمة، وتكلموا عن العشق والوله والغرام، ينبح أحدهم أمام الملايين، وهو يصف محبوبته، ويصف هيامه وعذابه، فتلقفت هذه الأشرطة وهذا الكلام وأذاعته في البيوت!! ولتعلمن أن الغناء حرامٌ ولا يقره الشرع. يقول الشوكاني في نيل الأوطار: أجمع أهل العلم على تحريم الغناء. وذكر الآجري إجماع أهل العلم على تحريمه، وإن الغناء فسق، وما داوم عليه عبد إلا سقط في الزنا -والعياذ بالله- وهو وحشةٌ بين العبد وبين الله، وهو الذي يمزق القلوب، ومن استمعه حُرم غناء الجنة عند الله ، قال ابن القيم: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصانِ فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزانِ يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدانِ نعوذ بالله من الغناء! فإنه والله ما نبت في قلبٍ إلا نبت معه النفاق، وهو هدمٌ للأسر، وكم رأينا من الملتزمين، ومن المستقيمين من خذل فاستمع الغناء، فسقط سقطة ما بعدها سقطة. وإننا نخجل أمام الشعوب أن يخرج منّا مغنية أو مغني، وهؤلاء لا يقدمون لنا كسباً، وما اكتشفوا لنا اكتشافاً ولا صناعة، ولا نفعونا بمادة، فمعاذ الله، ونسأل الله الحفظ والرعاية، وإني أنبه هذا التنبيه؛ لأن هذه الأشرطة دخلت البيوت وأخطر منها أشرطة الجنس في الفيديوهات، وشريط واحد يستعد أن يدمر مدينةً كاملة، وهي تتناول بسهولة في البيوت، وتدخل بلا رقابة، وتناولها سهل، وهي عظيمة الأثر، سيئة النتائج، وقد حذر منها أهل العلم، ونحذر منها، وعسى الله أن يقينا وإياكم هذه الضلالات والفتن التي هي كقطع الليل المظلم.

стр. 1125

كتب الجنس ومما غزيت به المرأة كتب الجنس، وهي كثيرة وموجودة ومتوفرة، والتنبيه عليها من باب العلم بالشر: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه ويقول سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. لـ نزار قباني هذا المجرم ثلاثة كتب في الجنس، أحدها اسمه: سمير العاشقين فيه من الخزي والعار والشنار ما يستحي منه اليهود، يقول أحد العلماء المفكرين: يستحي اليهود أن يقرءوه في مجامعهم إذا اجتمعوا!! اليهود الذين صدروا الزنا والجريمة والخيانة في العالم، ربما استحوا عن قراءة هذا الكتاب، يقول في مقطوعةٍ له: يجوز أن تثوري يجوز أن تعربدي يجوز أن تخرجي عاريةً أمام الناس هذه مقطوعة له، وهذا يقوله الذين صدوا عن منهج الله الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. يقول إذا هذا الذين ما أشرقت أرواحهم، وما رأوا النور، وما أبصروا ضياء محمدٍ ﵊: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وفي بعض الصحف الغربية، يخرج بنات من هنا، ويكتبن ويراسلنَ هناك، تقول: إنها ما رأت النور، ما هو النور الذي فقدته، وما هو النور الذي تريد أن تصل إليه؟ أن تكون سائقة؟! أو تكون جندية مرور؟! أو تصبح مطربةً مغنية؟! أو تصبح عارضة أزياء؟! الإسلام يريد لها أن تكون متعلمة، مربية، منتجة للأجيال، حافظة للغيب بما حفظ الله، أماً محترمةً مكرمةً، محجبةً مستورةً، محبوبةً مكرمةً مشرفة، وهي تقول: لا، أي نورٍ هذا؟! قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧].
следующие страницы →