← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

استشهاد عبد الله عزام الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الزعماء، وصفوة العلماء، وخيرة الأولياء، وأفضل الشهداء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إن من أسمى ما يطلبه المؤمن في الحياة الشهادة في سبيل الله، وإن من أعظم ما يتمناه الموحد الصادق مع الله أن يُقتل في سبيله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. نحن أمة الشهداء، قدمنا لله ألوفاً مؤلفة من أبنائنا عبر التاريخ، سيدنا وإمامنا وحبيبنا وقدوتنا ﵊ يقول: ﴿والذي نفسي بيده! لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل﴾ ويقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿والذي نفسي بيده! ما من مكلومٍ يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه كما كان، اللون لون الدم، والريح ريح المسك﴾ وصح عنه ﵊: ﴿أن الله يجمع أرواح الشهداء فيجعلها في حواصل طير تلج الجنة؛ فتأكل من أشجارها، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾. ﴿يتجلى الله للشهداء في الجنة؛ فيقول: تمنوا، فيقولون: أما أرضيتنا، أما بيضت وجوهنا، فيقول: تمنوا، فيقولون: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا فنقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنوا، قالوا: نتمنى أن ترضى عنا فإنا قد رضينا عنك، قال: فإني قد أحللت عليكم رضواني لا أسخط عليكم أبداً﴾ وقبل أيام قليلة فقدنا داعيةً ومجاهداً وعالماً ذهب إلى الله - نسأل الله أن يبدله بمسعاه الجنة، وأن ينزله الرضوان، وأن يجمعنا به في دار الكرامة - ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. فقدنا الشيخ/ عبد الله عزام -عليه رحمة الله- أحببناه حياً وأحببناه ميتاً، حفظنا له العهد حياً، وحفظنا له العهد ميتاً، فسلام عليه يوم جاهد، وسلام عليه يوم كتب بقلمه وبدمه، وسلام عليه يوم قتل، وسلام عليه يوم يبعث حيا. تردى ثياب الموت حمراً فما دجا لها الليل إلا وهي من سندس خضر فتىً كلما فاضت عيون قبيلةٍ دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعةٌ غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر لقد مات بين الطعن والضرب ميتةً تقوم مقام النصر إن فاته النصر وما مات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا السمر عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر

стр. 1157

هكذا يموت عظماء الإسلام هكذا ليمت العظماء، إذا مات الناس في الليالي الحمراء غارقين في الخمر فليمت الشهداء مرضيين عند الله، إذا مات اللاغون اللاهون اللاعبون وهم يتزلجون على الثلوج، فليمت أحباب الله وأولياء الله برصاص الغدر وبخناجر البغي من الشيوعية والعلمانية والصهيونية العالمية. عظماء الإسلام شهداء، طلب الشهادة رسول الله ﵊ قال ابن كثير: فمات مسموماً فهو شهيد، فهو سيد الشهداء وسيد الأنبياء. وحج عمر بن الخطاب وقد قدم دمه ودموعه، ووقته، وماله ولياليه وأيامه لخدمة هذا الدين، فلما أصبح عند الجمرات في آخر حجة حجها رفع يديه، وقال: [[اللهم إنها ضاعت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، وشاب رأسي، فاقبضني إليك، أسألك شهادة في سبيلك، وموتةً في بلد رسولك، وعاد إلى المدينة، وكان صادقاً، فأعطاه الله ما تمنى، فصلَّى بالناس الفجر، وروحه تتوق إلى الشهادة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] طعن في المحراب في صلاة الفجر ووقع شهيداً على التراب، يقول من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة، قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجل ما سجد لله سجدة، رفعوه إلى البيت ووضعوا رأسه على وسادة، فقال: ضعوا رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني، يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي]] وقتل عثمان صائماً، وكان قد رأى الرسول ﷺ بعد صلاة العصر حين أغفى إغفاءه، فرأى الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر كأنهم في روضةٍ في الجنة، فقال له- ﷺ : يا عثمان! سوف تفطر عندنا هذا اليوم، وقتل قبل الغروب. وقتل علي بن أبي طالب والحسين وجعفر وابن رواحة وزيد بن حارثة والألوف المؤلفة كلهم يطلبون الشهادة من الله الواحد الأحد. أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا كنا نرى الأصنام من ذهبٍ فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا أتى ابن رواحة إلى مؤتة مسافراً من المدينة، فبكى أطفاله حوله، فقال: لا تبكوا، قال له الصحابة: ترجع بالسلامة يـ ابن رواحة؟ قال: لا. لكنني أسأل الرحمن مغفرة وطعنة ذات فرغٍ تقذف الزبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا وذهب وألقى روحه في مؤتة، ويأتي شهيداً يوم القيامة مع الشهداء. وصاحبنا هذا اليوم: هذا الشيخ المفضال الذي خرج من فلسطين الجريحة فلسطين الدامية، ترك كل شيء؛ الوظيفة والمنصب، وذهب إلى الجبال المثلجة في أفغانستان، يسهر الليل يكتب ويدعو، ويحمل البندقية والرصاص، ويجاهد ويجمع الشمل، ويؤلف القلوب، ويقول عن نفسه: والله لمال المجاهدين الأفغان عندي كالخمر وكالميتة، ذهب إلى الله ونسأل الله أن يجزل له ما أعطاه، أو ما قدمه لهذا الدين. عفاءٌ على دارٍ رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرج وفيه إعلام للعالم بأن هذه الأمة لا تزال صامدة بطلة قيادية، ولا يزال أبناؤها يقدمون أرواحهم لله. عجباً للكافر، أو المعرض الفاجر! أيظن أن الحياة سيجارة، أو كأس، أو مجلة هابطة، أو أغنية ماجنة؟! لا، الحياة كحياة هذا القتيل الحياة كحياة هذا الذاهب إلى الله الحياة كحياة هذا المجاهد الذي ذهب وما ترك شيئاً.

стр. 1158

بعض مناقب الشهيد عزام كتب الشيخ وصيته قبل أن يموت بأيام، فأوصى أبناءه بالتوحيد، وأن يكونوا مسلمين، وأوصاهم بوصية يعقوب التي أوصى بها أبناءه، أوصاهم بطلب العلم النافع، وبالجهاد في سبيل الله , أوصاهم بصيام النهار، وقيام الليل، وصلة الأرحام، أوصاهم بكثرة تلاوة القرآن. وأنا أعرف هذا الرجل عليه شآبيب الرضوان، كان من أكثر الناس قراءةً للقرآن، يقرأ القرآن قائماً وجالساً وعلى جنبه رأيته في بلاد الكفر وهو يتحدث عن عظمة الإسلام، وقوة الإسلام، ودموعه تسيل من لحيته الطويلة ويختم كلامه ويقول: أسأل الله أن يرزقني الشهادة في سبيله، يدخل القاعة في بلاد الكفر في أمريكا أمامه خمسة آلاف من شباب المسلمين، فتدوي القاعة بالتكبير، فلا يرد عليهم إلا بالسلام ودموعه تذرف، لأنه يتحرى مجد الإسلام، وعظمة الإسلام، وكرامة الإسلام. نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا ﵀ وجمعنا به في مستقر الرحمة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فأخلصوا له ولإخوانه الدعاء، والهجوا إلى الله أن ينصر هذه الأمة وأن يرزقنا الشهادة في سبيله، وألا يجعلنا نموت حبطاً من كثرة المأكولات والمطعومات، وألا يجعلنا ضحايا للمعاصي والفجور والبعد عن الله. عجباً للمعرضين عن الله! يتزلق أحدهم من على المسرح، فيقولون: شهيد، يغص بكأس الخمر، فيقولون: شهيد، تصيبه تخمة من كثرة ما أكل من الربا فيقولون: شهيد!! لا، الشهداء أحباب الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن شهيداً ثاوياً في عصابةٍ يصابون في فج من الأرض خائف إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وساروا إلى موعود ما في المصاحف أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1159

قدرة الله تتجلى في مالطا الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها المسلمون! لله في كونه أعاجيب، وله في خلقه أسرار، وما حدثت حادثة وما وقعت واقعة إلا بقضاء من الله وقدر، والكون الذي نراه ذرة في ملك الواحد الأحد، فهو الذي يعلم الغيب، وهو الذي يصرف الأمور، وهو الذي بيده مقاليد الأمر، وهو قاصم المتجبرين والمتكبرين، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. قبل أيام قليلة بثت وكالات الأنباء والصحف خبراً عجيباً سمعه الكافر وقرأه، فظن أنه من الطبيعة، وقرأه المؤمن فعلم أنه بقضاء من الله وقدر. اجتمع الرئيس الأمريكي والرئيس السوفيتي في مالطا على الساحل، يريدون مكاناً هادئاً يتباحثون فيه، والناس يجعلون هذين الصنمين الطاغيين الكافرين اللعينين سيدين من سادات العالم، ويتصورون أن قوة وبطش وصمود العالم هو في يدي هذين الضالين المنحرفين، جلسا في مكان هادئ لا موج فيه، ولا أعاصير، ولا رياح، جلس هذا في سفينة وهذا في سفينة، عليهم الحراسة وقد هدأ البحر، وابتدأت المباحثات، ولكن الواحد الأحد أراد أن يخبرهم أن الأرض ملكه، والبحر ملكه ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٧٩ - ٨٠]. الماء لله، والهواء لله، والسماء لله، والكافر لعين دخيل على أرض الله، وكأن لسان القدر يقول: ماذا جاء بكم هنا؟ جئتم إلى أهدأ مكان ما هي قوتكم؟ أنتم لا تملكون شيئاً، القوة قوة الله، والعظمة عظمة الله. قتل النمرود بن كنعان ببعوضة، وقتل بعض الطغاة بذبابة، وقتل بعضهم بشلقة، وبعضهم أُخِذ جثةً هامدةً، حَوَّل الأرض خمس مرات، ودمرها خمس مرات، مرة بالماء، ومرة بالحاصب، ومرة بالصاعقة، ومرة بالخسف. هاج البحر عليهم، وأقبلت السحب، يقول من رأى ذاكم الفيلم الذي نُقِلَ حياً على الهواء: أقبلت السحب كالجبال ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الإسراء:٦٩] أتى الموج كالجبال وضرب السفينتين ففصل هذه عن هذه، وأتت فرق الإنقاذ لتنقذ الضالين المجرمين، وذهب هذا هنا وهذا هناك، وقدرة الله في الوسط. فكأن لسان الحال يقول: أأنتم أعظم أم الله؟ أأنتم أقوى أم الواحد الأحد؟ من الذي بيده مقاليد الأمور؟ من الذي يرسل من الريح قاصفا؟ من الذي يرسل البحر هائجا؟ من الذي يشعل النار؟ من الذي بيده ملكوت كل شيء؟ هو الله. انفصلوا على مرأى من العالم، وبشرت بعض الوكالات أنهما نجيا سليمين ولم يصابا بعاهة- وهذه بعض آيات الله- ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٤ - ٤٥]. يا من يطالع الأخبار، يا من يقرأ الصحف، اعلم أن وراء هذا الكون مدبراً حكيماً خبيراً قوياً بيده مقاليد الأمور ! ما أقواه! وما أعظمه! عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، اللهم صلِّ وسلم على حبيبنا وقدوتنا وأسوتنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان، وارض اللهم عن أصحابه الكرام، من المهاجرين والأنصار، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين، اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وما ترضاه. اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أن تحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم رد شباب المسلمين إليك رداً جميلاً، اللهم تب عليهم، واغفر ذنوبهم وخطاياهم، وأعدهم إليك، وحبب إليهم القرآن والإيمان وزينه في قلوبهم يا رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1160

وقفات مع السبع المثاني لقد جمع الله في هذه السورة كل ما يحتاجه المسلم في حياته، وجمع فيها القرآن كله باختصار بديع، فجعل الحمد له وحده في السراء والضراء، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه مالك يوم الدين، وحصر العبادة له والاستعانة لا تكون إلا به، وأمرنا بطلب الهداية منه والسير على صراطه المستقيم ومباينة غيره من السبل.

стр. 1161

قصيدة في مدح النبي ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أشهد أن الله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن النبيين حق، وأن محمداً ﷺ حق. أشهد أن الدين خالد، وأن الكفر خاسر، وأن محمداً خاتم. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. جئتُ هذه الليلة وأنا محمل بالشكر للواحد الأحد، الذي أسعد عينيَّ برؤياكم، وقلبي بحبكم، ثم أشكر لأهل الفضل فضلهم، وعلى رأسهم فضيلة الدكتور إبراهيم الهويمل الذي دعاني لهذه المحاضرة، وكان سبباً في هذا الحضور، وأشكر أخي وزميلي فضيلة الشيخ الداعية سعد البريك على هذه الكلمات المباركات. عنوان المحاضرة: (وقفات مع السبع المثاني) وقبل أن أعبر هذا البحر الخضم، والطريق الطويل أقف مع من أنزلت عليه السبع المثاني محيياً ومرحباً، وكلي لهفة له ولمنهجه، وأنتم كذلك. محمدٌ ﵊، إمام الأمة أستاذ الصحوة شيخ المسيرة، أحييه من بنات القريحة، فأقول له بين يدي السبع المثاني: محمدٌ في فؤاد الغار يرتجفُ في كفه الدهر والتاريخ والصحفُ مزمل في رداء الوحي قد صعدت أنفاسُه في ربوع الكون تأتلفُ من الصفا من سماء البيت جلله نور من الله لا صوف ولا خصفُ والكفر يا ويحه غضبان من أسف لم يبقه الحقد في الدنيا ولا الأسفُ ولا رأته سيوف كلها كبدٌ في صولة الحق والإيمان تنقصفُ أتى الرسول إلينا والربى جثث مطمورة وعليها يضحك القَرَفُ والمارد المجرم المعتوه محترمٌ جماجم الجيل في أسيافه نُطَفُ نأكل أموال موتانا وسهرتنا ليل الضياع وليل أحمرٌ دنفُ

стр. 1162

فضل الفاتحة ووقفات مع آياتها أيها الإخوة الفضلاء! الكلام في السبع المثاني إنما هو ملخصٌ للقرآن. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٧] في هذه السورة قضايا: القضية الأولى: (الْحَمْدُ) لِمَن؟ ومن الذي يُحمد في السراء والضراء؟ حمدُ الله لذاته، وأفعاله، وأسمائه، وصفاته. القضية الثانية: (الله) لفظ الجلالة، وأقوال أهل العلم فيه، وأثر هذا الاسم في الخليقة. القضية الثالثة: (الْعَالَمِينَ) وما فيها من معاني. القضية الرابعة: (الرَّحْمَنِ الرَّحِِيم): لماذا صفة الرحمن وصفة الرحمة؟ وأثرهما في الإنسانية. القضية الخامسة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وما سر العكوف على يوم الدين بالذات؟ وفيها قضايا: سقوط ملوك الدنيا في العرض الأكبر -أخنع الأسماء- أثر هذا الاسم في مشاعر المسلم. القضية السادسة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ملخص دعوته ﵊: العبادة تمنع الكبرياء، والاستعانة تمنع الرياء. القضية السابعة: (اهْدِنَا): ومعالم اهدنا في حياة المسلم، الهداية العامة والهداية الخاصة. القضية الثامنة: (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ): صفاته الخمس: قربه، اتساعه، استقامته، إيصاله للحبيب الإمام الذي يقود المسير على الصراط، وجود الإمام في أوله. القضية التاسعة: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ): مَن هم الذين أنعم الله عليهم؟ وما هي صفاتهم؟ القضية العاشرة: (الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ): مَن هم المغضوب عليهم؟ ولماذا غضب الله عليهم؟ القضية الحادية عشرة: (الضَّالِّينَ): مَن هم الضالون؟ ولماذا ضلوا؟ وكيف نجتنب المغضوب عليهم، ونجتنب الضالين؟ تلكم هي أفكار هذا الدرس، وإن قصر الوقت، فعَلَّ الله أن يأتي بوقت آخر تُكْمَل فيه، أو يكْمِلُها أي داعية، أو يعاد لكتب أهل العلم، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. سامحن بالقليل من غير عزم ربما أقنع القليل وأرضى

стр. 1163

فضائل سورة الفاتحة وشرفها افتتح الله هذه السورة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] لماذا؟ قال أهل العلم: لأن الله يُحمد في السراء والضراء، ولا يُحمد في السراء والضراء إلا الله، وكان ﵊ يغتبط بسورة الفاتحة، ويفرح بالسبع المثاني، ويُسَر بها أيما سرور. ففي صحيح البخاري وأبي داود والنسائي وأحمد، عن أبي سعيد بن المعلى قال: ﴿كنتُ أصلي مع الرسول ﵊ فدعاني، فلم أجبه، فلما سلم أجبته، قال: لِمَ لَمْ تجبني؟ قال: كنتُ في الصلاة يا رسول الله، قال: ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]؟ ثم قال ﵊ لأعلمنك أعظم سورة أنزلت عليَّ قبل أن تخرج من المسجد، فلما أراد أن يخرج من المسجد علمه السبع المثاني﴾ التي معنا هذه الليلة. وعند مسلم وغيره، أنه ﵊ قال: ﴿قال الله : قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي قسمين﴾ يقصد: الفاتحة، فتسمى: الصلاة، وتسمى: الفاتحة، وأم القرآن، والشافية، والكافية، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، بل عند أحمد والطبراني والدارقطني، أن الرسول ﵊ قال: ﴿أم القرآن، والسبع المثاني، والقرآن العظيم هي الفاتحة﴾ ﴿قال الله: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمٍ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال: مَجَّدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّيْنَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل﴾. كان ﵊ يسعد بالفاتحة أيما سعادة، ويعدها أشرف سورة في القرآن. وفي الحقيقة أن تفاصيل القرآن، وقضاياه, وقضايا الأمة وهمومها وأفكارها في هذه السبع الآيات. وعند أحمد في المسند بسند فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد استشهد به الأئمة الكبار، عن عبد الله بن جابر الأنصاري قال: ﴿أتيت الرسول ﵊ وقد اهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فلم يجبني، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يجبني، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يجبني، فلما توضأ قال: عليكم السلام ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله، ثم قال:- أما رأيت آيات أنزلت عليَّ لم أر مثلهن، ثم تلا السبع المثاني﴾. تلكم هي الفاتحة، وكان ﵊ يرى الفاتحة كنزاً، وقد بشره بها جبريل، فعند مسلم وغيره، من حديث ابن عباس، بل أصله عند البخاري: ﴿أن النبي ﷺ كان جالساً ومعه جبريل، فسمع نقيضاً في السماء، قال جبريل: هذا باب فتح نزلت منه سورة الفاتحة، وأواخر البقرة، لم تقرأ منهما بحرف إلا أوتيتَه﴾. والحقيقة: أنها شافية، وشفاؤها قسمان: - شفاء معنوي. - وشفاء حسي. فالشفاء المعنوي: أنها تشفي من الأفكار الدخيلة، والزندقة، والإلحاد. والشفاء الحسي: أنها تشفي كذلك من الأمراض الظاهرة، فعند البخاري ومسلم، من حديث أبي سعيد، في قصة الملدوغ الذي قرئ عليه الفاتحة مِن قِبَل أبي سعيد وغيره، وعند مسلم: أن أبا سعيد هو التالي، فلما رآه ﵊ قال: ﴿ماذا قرأت عليه؟ قال: قرأتُ عليه الفاتحة، فتبسَّم ﵊، وقال: وما يدريك أنها رُقية؟﴾ أي: ما يدريك أن فيها شفاء، وأنها تزيل الأوهام والأمراض، والأدواء. تلكم هي الفاتحة، فمع الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]: في هذه الكلمة قضايا:

стр. 1164

وقفات مع لفظ: (الحمد)

стр. 1165

لماذا يحمد الله ؟ الله يمدح نفسه في السراء والضراء، ولا يُمْدَح أحدٌ في السراء والضراء إلا الله، وكان ﵊ إذا أتاه أمر يسوءه قال: ﴿الحمد لله على كل حال﴾ لماذا؟ لأن الله لا يُنْسب إليه الشر، فعند مسلم أن النبي ﷺ قال: ﴿والشر ليس إليك﴾. فقضاؤه وقدره حكمة بالغة، فهي بالنسبة للقضاء والقدر خير، فلذلك يقول الرسول ﵊: ﴿الحمد لله على كل حال﴾. ولما قَطع الله دابر المجرمين وأهلك الكافرين قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]. واستفتح سوراً من القرآن بالحمد.

стр. 1166

مواطن ذكر الحمد والحمد يُذكر في ثلاث مواطن: -الأول: يُذكَر في السراء والضراء. -الثاني: يُذكَر إذا نفي العيب والوَصْم عنه . -الثالث: يُذكَر عند الخلق والإنعام. قال سبحانه في أول سورة الأنعام، وهي سورة بُدئت بهجوم أدبي على المشركين، ردَّت على المشركين في مكة، وعلى المانوية العجم في الشمال، يقول سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]. قال بعض الفضلاء: ردَّت هذه الآية على طائفتَين: الأولى: طائفة المشركين: الذين جعلوا لله شركاء في حكم السماوات والأرض. الثانية: طائفة المانوية التي قالت: إن للكون إلهين، إله الخير وهو النور، وإله الشر وهو الظلمة. فأخبر سبحانه أنه هو الذي جعل الليل والنهار، وليست المانوية. وكانت المانوية ترى أن من قاتل في الليل لا ينتصر، وأن من طلب مطلباً في الليل لا يكسبه، فيقول المتنبي -وهذا من الاستطراد- يمدح سيف الدولة، يقول: فكم لظلام الليل عندك من يدٍ تحدث أن المانوية تكذبُ يقول: أنت تنتصر في ظلام الليل، وهذا ردٌّ على المانوية التي تقول: إنه لا يمكن للإنسان أن ينتصر في جنح الظلام، وأنت تنتصر وتدوس خصمك في ليالي الليل وتقطع جماجمهم. ولما ذكر الله بديع خلقه، استفتح بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]. وكان ﵊ -كما في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري - كان يقول: ﴿والحمد لله تملأ الميزان﴾. فأشرف الكلمات بعد (لا إله إلا الله): الحمد لله. ضاع فرس لـ جعفر الصادق، فقال: [[لئن وجدتُ الفرس لأحمدنَّ الله بمحامد ما حُمِد بمثلها فلما وجد فرسه، ركبه، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]]]. ويقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] انظر كيف مَدَح وحَمِد نفسه في ختام هذه السورة لينفي الوصْم والعيب عنه ﵎!! وعند أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم: أن الأسود بن سريع وفد على الرسول ﵊ وكان شاعراً، فقال: يا رسول الله! عندي محامد، حمدت بها الله، هل أسمعك منها؟ يعني: قصائد حمدت الله فيها، فتبسم ﵊، وقال: ﴿أمَا إن ربك يحب المدح﴾ الله يحب المدح، فلذلك مدح نفسه ، وقدَّس نفسه، ونزه نفسه، ووصف نفسه.

стр. 1167

أقسام الناس في حمد الله تفرقت الأمةُ أمام ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] على ثلاثَ فِرَق: الفرقة الأولى: كَفَرَت بالنِّعَم، ظاهراً وباطناً، لساناً وجَناناً وأركاناً، ولم تقبل حمد الله، ولم تثن بنِعَم الله على الله، واستخدمت نِعَم الله في معاصيه وفي محاربته، وهذه أخطر فرقة على وجه الأرض. هذه الفرقة ذُكِرَت في الحديث القدسي الذي رواه أحمد في كتاب الزهد بسند جيد: أن الله يقول في الحديث القدسي: ﴿عجباً لك يا بن آدم! خلقتُك وتعبد غيري! ورزقتُك وتشكر سواي! أتحبَّب إليك بالنعم وأنا غني عنك! وتتبغَّض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ! خيري إليك نازلٌ! وشرك إليَّ صاعد﴾ وهذا هو حال العبد. الفرقة الثانية: حمدت الله باللسان، ولم تحمده بالأركان، أما الشكر فباللسان، تقول: الحمد لله، لكن المعاصي التي يفعلونها والمخالفات وانتهاك الحدود، ومحاربة الواحد الأحد تفضح ادعاءهم. والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياءُ والله لم يقبل قولاً إلا بعمل، وهؤلاء ككثير من الأمة، يمدحون الله إذا أكلوا خبزاً وشربوا ماءً؛ ولكنهم يذهبون بهذا الخبز والماء في غير ما يرضيه، بل يتقوون به على معصيته. الفرقة الثالثة: المحمديون، الذين أثنوا على الله فحمدوه باللسان والأركان والجَنان.

стр. 1168

أركان الشكر عند المتكلمين أركان الشكر عند المتكلمين ثلاثة: الأول: حمد باللسان: أن تثني على الواحد الأحد بلسانك. الثاني: حمد بالأركان: أن تسخر أعضاءك في عبادة الله الواحد الأحد. الثالث: حمد بالجَنان: أن تعلم أنَّ مَن أنعم عليك وأعطاك وسلبك ومنعك ووهبك وأحياك وأماتك هو الله، وهذا استقرار لعظمة الألوهية في القلب.

стр. 1169

الحمد والشكر والفرق بينهما قرأت في بعض الكتب أن داوُد ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال: يا داوُد! أتعلم أن النعم مني؟ قال: نعم. علمتُ يا رب! قال: فقد شكرتني، فجمع داوُدُ آلَ داوُدٍ! وقال: آتاكم الله النبوة والملك والعلم؛ فاشكروا الله، قالوا: وماذا نفعل؟ قال: تَجَزَّءُوا الليل ساعات وتَناوَبوا، كل ساعة يصلي فيها نفر، فقال الله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]. فمهما فعل العبد، فإنه لا يصل ولا يفي بهذه المقامات الثلاث. فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] في السراء والضراء، وفي الأثر: ﴿نعم عبدي المؤمن! أبتليه بجسده، ويقول: الحمد لله﴾. وفي الإصابة لـ ابن حجر والاستيعاب لـ ابن عبد البر: أن عمران بن حصين أصيب بمرض، فمكث ثلاثين سنة، لا يرتفع عن فراشه، وكان يقول: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، فإذا قيل له: ماذا أصابك؟ يقول: الحمد لله رب العالمين. تموت النفوس بأوصابها ولم يَدْرِ عُوَّادها ما بها وما أنصفتْ مهجةٌ تشتكي أذاها إلى غير أحبابها وهذا مثل ما قال المتنبي: إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألَمُ فإذا رضي الله فهذا مما يُحْمد عليه في مواطن القضاء والقدر، وهي منزلة الصديقين عند الله . وهو محمود لذاته، فليس في صفاته صفات عيب، بل صفاته صفات كمال، فهو محمود لذاته جلَّ وعلا. قال الزمخشري: الفرق بين الحمد والشكر: " أن الشكر على صنيع، والحمد بغير صنيع ". فالحمد: أعم، سواءً قدم لك المحمود خيراً أو يداً أو عطية، فهو محمود، ولذلك تحمد الواحد الأحد. وأما الشكر: فإنه لا يكون إلا على صنيع، فلا تقل للإنسان: شكراً، إلا إذا أعطاك شيئاً، أو قدم لك خدمة. أما الله فهو محمود لصفاته، وأفعاله. محمود في أفعاله؛ لأن أفعاله كلها خيرة، ولذلك لا يُنسب الشر إليه، ولما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن:١٠]: بَنَتْه للمجهول، وأتَتْ بنائب الفاعل، فما أحسن الكلام! يقول أحد المفسرين: عجيبٌ! حتى الجن يتذوقون اللغة! فلما قال : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] قال: عجيب! يعرفون أن القرآن عجيب! كيف تذوقوا اللغة؟! فتَعَجَّبُوا منه. وقال إبراهيم الخليل ﵇ في القرآن الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] فلما بلغ إلى المرض نسب المرض إليه، وإلاَّ فالممرض حقيقةً هو الله، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] وهذا تأدب مع الواحد الأحد. والخليقة أقل الناس فيهم من يحمد الواحد الأحد، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] قال ابن الجوزي: أهل الإسلام أقل أهل الأرض، وأهل السنة أقل أهل الإسلام، وأقول هنا: والمخلصون أقل أهل السنة. وقد كانوا إذا عُدُّوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليلِ ويحكى أن عمر كان في السوق، فسمع رجلاً من الأعراب يقول: [[اللهم اجعلني من عبادك القليل، قال عمر: مَهْ؟! -أي: ما هذا الدعاء؟ - قال: يا أمير المؤمنين! يقول الله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فسألتُه أن يجعلني من القليل، قال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر]] بل أنت الفقيه، وأنت العالِم، وأنت الشيخ العظيم.

стр. 1170

تفسير قوله: (الحمدلله رب العالمين)

стр. 1171

لفظ الجلالة وأقوال أهل العلم فيه (الله) لفظ الجلالة أبى كثير من النحاة أن يكون مشتقاً، وقالوا: إنه جامد، وهو عَلَم على الله. وبعضهم قال إنه مشتق مِن: (أَلَهَ) إذا سكن، ولا تسكن القلوب إلا إلى الله، فقد جَرَّبَتِ القلوبُ أن تسكن إلى البشر فرفَضَتْ، جَرَّبَتْ أن تسكن إلى الكراسي فأبَتْ، جَرَّبَتْ أن تسكن إلى المناصب والسيارات والوظائف والوزارات والكيانات والأوسمة والمنظمات فرفَضَتْ وعصَفَتْ وأبَتْ وفَكَّتْ قِيادَها. إلى أين تسكن؟ إلى الله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦] فكل هذه الكيانات كمثل بيت العنكبوت، وبقي الله وحده تسكن إليه القلوب، فقالوا: إذاً الله مِن (أَلَهَ). وقال بعضهم: إنه مشتق مِن: (وَلهَ) أي: تحير، فتتحير وتندهش من الباري وقدرته وعظمته، ولا تستطيع أن تصفه، ولذلك يقول : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. سيبويه في كتابه العظيم الكتاب عندما وصل إلى كلمة (الله) قال: الله عَلَم لا يحتاج إلى تعريف. يقول ابن يعيش في ترجمته لـ سيبويه: رؤي في المنام، فقيل: يا سِيْبَوِيْه! ما فعل الله بك؟ -ويطلق عليه المحدِّثون: سِيْبَوْيَة، والنحاة: سِيْبَوِيْه- قال: غفر لي، قيل: بماذا؟ قال: بكلامي في لفظ الجلالة. ورأيتُ ابن القيم في مدارج السالكين نسب كلمات إلى شيخه ابن تيمية رحمهما الله يقول: إن الله دليلٌ على الكائنات، وليست الكائنات دليلٌ على الله. والحقيقة: أن القول الظاهر عند أهل السنة والجماعة: أن الكائنات دليلٌ على الواحد الأحد سبحانه! والنحلُ قُل للنحل: يا طير البوادي ما الذي بالشُّهد قد حلاَّكا وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا فالحمد لله الكريم لذاتهِ حمداً وليس لواحدٍ إلاكا فكل الخليقة تدل على الواحد الأحد. وهذا كتاب الكون، يقول إيليا أبو ماضي -قبحه الله- وقد أجاد في هذا البيت: وكتابي الفضاء أقرأ فيه سوراً ما قرأتها في كتابِ ونحن نأخذها ونقول: نعم. لأن الأمي الذي كان في الغار قيل له: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] فأين شيخه؟ وقيل: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] فأين أستاذه؟ وقيل له ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] فأين سبورته وطباشيره؟ يقرأ أين؟ قيل له: اقرأ في الكون، في السماء المرتفعة، والنجوم الساطعة، والشمس اللامعة، واقرأ في الشجرة، وفي التل، والهضبة، فقرأ: اقرأ فأنت أبو الأيتام رائده من كل جيلك كل الجيل يغترفُ إن لم تصُغْ منك أقلامٌ معارفها فالظلم ديدنها والزور والتلفُ فقرأ وأقرأ الأمة، فأصبحت قارئة ﵊.

стр. 1172

أثر كلمة (رب) على الخليقة وأما ﴿رَبِّ﴾ [الفاتحة:٢] فأثرها على الناس: أنه ربانا بالنعم، فهو المنعم على الكافر والمؤمن: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] وقال ﷺ : ﴿ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء﴾ حديث صحيح. ينعم عليهم ويكسوهم ويغدقهم وهم يحاربونه أغدق عليهم العقول، وهم ينحتون العقول لمحاربة وتكذيب الوحي، خلق لهم أفكاراً وشعراً وأدباً ونثراً، فجعلوا الشعر والأدب والنثر محاربة لـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].

стр. 1173

لفظة (العالمين) وما فيها من معان أما (العالمين) فأنا أجتزئ الكلام، ولا أدخل في انشقاقات لغوية، مثل: (علامة). ومن أحسن من تحدث فيها ما قاله الزمخشري، ولو أنه معتزلي غير محمود؛ لكنه داهية في اللغة، قال: والعالمون علامة على وجود الباري . قال سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨]: [[هذه الحيوانات تشابه الناس، والناس يشابهون الحيوانات، فما من إنسان إلا وفيه شبه من حيوان، إما حَسُنَ أو قَبُحَ، وكلهم يدلون على الله، فهم عالمون]]. وأستطرد فأقول: من الناس من يشابه الخيول، وهي أجود ما تشابَه. قال ابن القيم: وهي أجود الحيوانات. ويقول ﷺ في الصحيحين: ﴿الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة﴾. فمن الناس مثل الفرس: وهو الرجل الشهم الأصيل صاحب المبادئ. ومن الناس مثل الضأن: وقد مدحها ﷺ , وفيها السكينة، والوقار، والهدوء، وذكر ﷺ أنها من أحسن ما يكون من الحيوانات. ومن الناس مثل البقر: لا يفهمون أبداً، ولا يعون، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] قال الله لبقر بني إسرائيل، وهم بقر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] وهذه تسمى: (عقدة البقرة) قال ابن عباس: [[لو أخذوا بقرة وذبحوها أغنت]] ولكن قالوا: كم رقمها؟ وكم سنها؟! وما لونها؟ وهاتفها؟ فبقوا في تحدٍّ للواحد الأحد حتى طلسم عليهم فاشتروها بملء جلدها ذهباً، فقال تعالى على لسانهم: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠]. روى البغوي عنه ﵊ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده! لو لم يقولوا: إن شاء الله ما وجدوها﴾ ولذلك تعنتوا على الوحي. ومن الناس مثل الطاووس: وهذا أمام ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ظاهره جميل وليس عنده في الداخل شيء، بل كله رياء وسمعة وتبجح؛ فهذا لا يقدم ولا يؤخر. لا بأس بالقوم من طول ومن قصرٍ جسم البغال وأحلام العصافيرِ ويقول في هذا الطراز: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]. شعراء، أدباء، ينحتون الفكر، وتصفق لهم الجماهير، ولكن -والله- أجهل عامي أقرب إلى الله منهم! وإن العامي يقدم رأسه لترتفع ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وإن هذا الأديب والشاعر والكاتب، يهتز وينهار أمام كأس من الخمر، أو ليلة سكر، أو موسيقى حالمة في ظلام الليل، فانظر إلى هؤلاء من جواهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، المجدد والإمام والأصيل أنه يقول: عامي موحد يغلب ألف مُخَلِّط. وهؤلاء المُخَلِّطون هم النخبة المثقفة صراحةً، ولا أستطرد فسوف يأتون في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؛ لأنهم ينهارون عند ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].

стр. 1174

تفسير قوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِِيمِ) ثم قال : ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]. كيف اختار الاسمين لصفتين؟ ولم يقل: الجبار، ولا القهار؟ وذلك ليطمئن القلب في أول استفتاح القرآن، ولذلك ترى القرآن بدأ بسورة الفاتحة، ففيها الجمال، والتهدئة، والسكينة؛ لكن ادخل قليلاً إلى سورة البقرة تنظر إلى النسف والإبادة، كقوله ﵎: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. قال صاحب الظلال: " لا بد من هذا النسف والإبادة في أول سورة البقرة؛ لأن الرسول ﵊ يعيش معالم لا بد أن يؤسسها في الأرض، وقبل هذه المعالم هذه العثرات من بني إسرائيل. "

стр. 1175

معنى (الرحمن الرحيم) (الرَّحْمَنِ) أي: الممتلئ رحمة، يقال للرجل الممتلئ غضباً: غضباناً، وللمتلئ ندماً: ندماناً، وللممتلئ خزياً: خزياناً، فقال : ﴿الرَّحْمَنِ﴾ [الفاتحة:٣]. قال عيسى ﵇، كما في الإحياء أي: "رحمان الدنيا ورحيم الآخرة. " وقالوا: الرحمن: للكفار وللمؤمنين، فرحمته واسعة رحم الكافر: أسقاه، ومهَّله، ولم يأخذه ورحم الناس: فلم يُقِمْ عليهم طلباً حتى أقام عليهم الحجة، وأعذرهم بالرسل، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] ويقول : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. ولذلك يقول أهل العلم: "لم يخلق الله خلقاً إلا لحكمة ورحمة، فلا يُعْتَرَض على خلقه . "

стр. 1176

أثر (الرحمن الرحيم) على الإنسانية الفلاسفة لهم مقالة مفادها: لماذا خلق الله الذباب؟ وهذا ابن ابن الراوندي ألف كتاب الدامغ على القرآن -دمغ الله رأسه في نار جهنم- يسميه الذهبي: الكلب المعفَّر، والناس هذا يسمونه: فيلسوف الإسلام، والإسلام منه بريئ، ثوبه مشقوق، وهو صاحب الأبيات التي يقول فيها: أيا رب تخلق أغصان رندٍ وألحاظ حورٍ وكثبان رملْ وتنهى عبادك أن يعشقوا أيا حاكم العدل ذا حكم عَدْلْ؟ أستغفر الله! هذا الكلب المعفَّر وقف على نهر دجلة وعنده قرص شعير يريد أن يأكله، فمر خادم من خدم الخليفة، وعنده خيل وجمال وبقر، فالتفت إلى السماء وكأنه يخاطب الله، وقال: أنا الفيلسوف -فيلسوف الإسلام -تعطيني كسرة خبز من شعير، وتعطي هذا العبد الخيول!! ثم رمى بالكسرة في النهر. هذا الكلب يقول: لماذا خلق الله الذباب؟ وهذا السؤال عرضه أبو جعفر المنصور على ابن السماك، واعظ الدنيا وأبو جعفر - كما قال الإمام أحمد - يذبِّح الملوك كتذبيح الغنم، فقد ذبح أعمامه، وذبح أبا مسلم الخرساني، فلا يقاومه أحد إلا ذبحه بيده. فيذكرون أن أبا جعفر كان جالساً في اجتماع، جمع فيه العلماء والوعاظ والوزراء والأمراء، وكان أبو جعفر خطيب الدنيا، فلما جلس دخل ذباب في المجلس وأزعجه فخَنْخَنَ عليه في ديوان القصر، فضاقت به الدنيا؛ لكن أراد الله أن يهين أبا جعفر؛ فلما هبط على أنفه، قال: يـ ابن السماك! لماذا خلق الله الذباب؟! قال ابن السماك ليذل به أنوف الطغاة. وهذا من أحسن ما يقال، وما أملحه! ولا شُلَّ لسانُه ولا شُلَّتْ يمينُه. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوسِ فالمقصود: أن لله في أفعاله حكم بالغة، لا يعترض عليه ، ولذلك قال: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] أي: توقيعه الأخير، وحكمه النهائي، ولا أحد يُوَقِّع بعده، قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥] ويقول ابن كثير في تفسيره، وهذا من أحسن ما يقال! قال: (صِِدْقَاً): في الأخبار، و (عَدْلاً): في الأحكام. أما (الرحيم) فرحمته بالمؤمنين خاصة ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] وهذا بخلاف (الرَّحْمَنِ) التي تشمل الناس جميعاً.

стр. 1177

تفسير قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) في هذه الآية ثلاث مسائل:

стр. 1178

في يوم الدين لا مالك إلا الله يقول أبو جهل: " يا محمد! تهددنا بالزبانية، لآتين بقريش معي" أي: يوم القيامة يخرج من القبر ومعه قريش، قال : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) [مريم:٩٣ - ٩٥] اسمع الرد الأدبي! لأنه ليس هناك حرس، ولا موكب، ولا ضباط، ولا رواد، ولا جنود، ولا استخبارات كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤] فلا يضيع أحد بين الجماهير. يقول بعض المُوَسْوِسِين: يوم القيامة تزدحم الخلائق، إما أن نفر من هنا أو من هنا، أو نتأخر! ولم يعلم أن الله لا يغيب عنه أحد ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) [مريم:٩٤ - ٩٥] أي: وحيداً يحاسبه الله . وفي الصحيح: ﴿إن الله إذا أخذ السماوات والأرض بيديه قال: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فلا يجيبه ملك مقرب ولا نبي مرسل، لكن يجيب نفسه بنفسه، فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، ثم يقول : أين ملوك الدنيا؟ أين ملوك الدنيا؟ أين ملوك الدنيا؟﴾. وفي حديث أسماء بنت يزيد أن الرسول ﷺ قال: ﴿إذا جمع الله الأولين والآخرين نادى: يأيها الناس! إني وضعتُ نَسَباً ووضعتم أنساباً، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، قلتُ لكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فقلتم: أكرمنا فلان بن فلان﴾ انتهى الحكم لله الواحد القهار، فهو الذي يحكم سبحانه، فالصراط صراطه، والميزان ميزانه، والجنة جنته، والنار ناره، ولا معقب لحكمه، قال جل شأنه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].

стр. 1179

أخنع الأسماء: ملك الملوك إن الملوك وهم الذين يجعلون لأنفسهم رموزاً وألقاباً يقدسهم البشر بها. يا صاحب المبدأ الأعلى وهل حَمَلَتْ روح الرسالات إلا روح مختارِ أعلى المبادئ ما صاغت لصاحبها من الهدى والعلا تمثال تذكارِ وهذا كما فعله ﵊، أبى الشموع واللموع والسطوع في الدنيا، وأبى أن يقدس ويرفع فوق منزلته التي أنزله الله إياها. أتاه وفد عامر بن صعصعة - كما صح ذلك - فقالوا: أنت أفضلنا وسيدنا وأفضلنا فضلاً وخيرنا، قال: ﴿يا أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ ﷺ ، كلما زاد تواضعاًَ تعلقت به القلوب أكثر، فجعله الله أشرف الناس. ملك الملوك: أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة -كما في الصحيح- قال سفيان بن عيينة: كمثل شاهٍ شاه، وقاضي القضاة، وسلطان السلاطين، ورب الأرباب لا مالك إلا الله، وأقضى القضاة وقاضي القضاة الله، والحاكم على كل حاكم الله، فأوسمة الأرض تنهار، لأنها خلقت من الطين، أما المواهب والأعطيات من الله فسوف تبقى لأهلها.

стр. 1180

أثر اسم (يوم الدين) في مشاعر المسلم إذا علم المسلم أن هناك يوم الدين رَضِيَ وسَلًّم، فالجراحات، والآهات، والأحزان، والدموع، والمظالم، والمال الذي اغتُصِب، والجلود التي ضُرِبت بسياط الظلم، والكرامة التي دِيْسَت، والإنسانية التي احتُقِرَتْ، وحقوق الإنسان، وكرامة المؤمن، وحقه في الحوار، وحقه في الكلمة يمكن ألا يحصل له شيء من هذا في هذه الدنيا، متى يحصل له؟ يوم العرض الأكبر. دمع الليل، وسهام السَّحَر، ودعاء المظلوم، وزفرات المحسور، كلها تُنْصَف يوم العرض الأكبر. كتب أبو العتاهية للمهدي وهو في السجن، عندما سجنه المهدي، قال: أما والله إن الظلم شينٌ وما زال المشين هو الظلومُ إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصومُ فالمتصف بـ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هو الله، فإنه هو الذي ينصف أولياءه وأحبابه.

стр. 1181

النظرية الوجودية يقول الناس: إن الذي اكتسبها هو الأستاذ الألماني المستشرق: كانت. والصحيح: أن الذي اكتسبها هو المغيرة بن شعبة، وهذا مذكور في السير، وفي دلائل النبوة. يقول كانت: إن هذا الكون مسرحية، ودوره الأول: هو الدنيا، والدور الثاني: لم يأتِ؛ لأنه لا بد من دور ثانٍ. فإنا نرى في المسلسل الأول للمسرحية أن هناك ظالم ومظلوم، ثم يموت الناس، فلماذا لا يُنْصف المظلوم؟ قال: لا بد من دور ثانٍ يُنْصف فيه المظلوم. يقول المغيرة بن شعبة: لما رأيت الناس يموتون وينتهون، علمتُ أن الله سوف يبعثهم في يوم آخر لينصفهم، فكان ذلك مما دعاني إلى الدين، وإلى الدخول في الإسلام، لأن هذا (مالك يوم الدين). فيا أيها المظلوم! ويا أيها المتحسر! ويا أيها الباكي! ويا أيها المندوب! ويا أيها المجروح! انتظر (مالك يوم الدين) قال عمر: [[والله لولا أن هناك يوماً آخر لكان غير ما ترون]] والمعنى: لكان بطش القوي بالضعيف، وأكل الظالم المظلوم، واستُبِيْحَت أعراض ودماء الناس؛ ولكن موعدنا ذاك اليوم ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. آخر مقالة قالها سعيد بن جبير للحجاج لما سل السيف عليه، بعد المناظرة الحارة الساخنة بينهما: [[يا حجاج، لا إله إلا الله محمد رسول الله، خذها يا حجاج حتى تلقاني بها غداً]] متى غداً؟ يوم العرض الأكبر.

стр. 1182

تفسير قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) هذه الكلمة العظيمة الهائلة.

стр. 1183

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ملخص دعوة الرسول ﵊ قال الحسن البصري، كما عند ابن ماجة: [[أنزل الله مائة وأربعة عشر كتاباً، جمعها في التوراة، والإنجيل، والزبور، ثم جمعها في القرآن، ثم جمعها في المفصل، ثم جمعها في الفاتحة، ثم جمعها في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]]]. فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] هي سر دعوته ﵊، وملخص رسالته. من هو الملك الذي كانت رايتُه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟ هذا هو محمود بن سبكتكين، المسلم الساجد لله، فاتح بلاد السند، وما وراء سيحون وجيحون والهند كانت رايته التي يرفعها، والعَلَم الذي يمشي به في الجيش، كانت رايته مكتوب عليها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. ولما قال له ملك الهند: يا محمود بن سبكتكين! خذ الأصنام من ذهب فاستشار مولاه وخادمه إياز، قال: ما رأيك نأخذ الأصنام؟! فقال: كسرها، وأحرقها، أتريد أن تدعى يوم القيامة: يا مشتري الأصنام؟ كسرها ليدعوك الله: يا مكسر الأصنام، فقام عليها محمود بالفأس هو وجيشه، فحياه محمد إقبال بالقصيدة المشهورة، فمن أبياته قال: كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا محمود مثل إياس كل منهما لك بالعبادة تائب مستغفرا يقول: المولى والسيد عندنا سيان بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] كلاهما قاتلوا من أجلك، ورفعوا دعوتك، ودينك، واستماتوا لترتفع رايتك. (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيها مسائل:

стр. 1184

مسائل وأحكام من قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) انظر! كيف قدم الضمير (إِيَّاكَ) لتنحصر العبادة لله وحده ، ولم يقل: نعبد إياك. ومن مسائل هذه الآية: أنها تمنع الكبرياء والرياء، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀: العبادة تمنع الكبرياء، والاستعانة تمنع الرياء. وهذا صحيح، فإن من سجد لله في الصلوات، ووضع جبينه على الأرض، يمنعه الله من الكبر في العموم الغالب، ومن استعان بالله منعه الله من الرياء.

стр. 1185

حال الناس أمام (إياك نعبد وإياك نستعين) إن الناس، أو الخليقة، أو الأمم، أمام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أربع فِرَق: الفرقة الأولى: مَن عبدوا الله ، واستعانوا به، وهم: المحمديون الربانيون الموحدون، أجدادكم أنتم، وأهل الطلائع أهل الصحوة، والمسيرة المباركة، الذين عبدوا الله واستعانوا به، نسأل الله أن يجعلنا منهم. الفرقة الثانية: مَن عبدوا الله واستعانوا بغيره، وهولاء: مثل عصاة الأمة، وظلمة الموحدين، وهؤلاء ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [التوبة:١٠٢] وهذا من ذنوبهم وخطاياهم. الفرقة الثالثة: مَن عبدوا غير الله واستعانوا بالله، وهؤلاء: مثل المشركين، الذين يعبدون غير الله، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] يستعينون -فقط- بالله، ويعبدون غيره. الفرقة الرابعة: مَن لا يعبدون الله، ولا يستعينون به، وهم: الملاحدة والزنادقة ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:١٦١]. فانظر لنفسك أين تضعها من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولابد أن تضع نفسك عند أحد هذه المراتب.

стр. 1186

شرف العبودية أشرف شيء عبودية الباري . يقول شيخ الإسلام ﵀ كما في المدارج: " من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية. " وقال أهل العلم: " أقرب الطرق إلى الله العبادة. " وكتب عمر لـ سعد بن أبي وقاص: [[يا سعد! لا يغرنك قول الناس: إنك خال الرسول ﵊؛ فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، إن أقربهم عند الله أتقاهم]] ﴿أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد﴾ ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه﴾ ﴿أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود﴾ ﴿إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾. القرب القرب العبادة العبادة، لا قرب آخر لا المال، ولا الولد، ولا المنصب، لا قرب من الواحد الأحد إلا بالعبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]. أما شرف العبودية: فاسمع إلى الله وحين ذكر عبده في أشرف المنازل. فيقول في الإنزال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]. ويقول في الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩]. ويقول في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]. مرت عجوز كبيرة في السن، وتعريف العجوز: هي من احدودب ظهرها، ويبس بطنها، وجفَّ شعرها، واحضَوْضَلَت عيناها. تريد عجوزٌ أن تعود فتيةً وقد يبس الجنبان واحدودب الظهرُ تسير إلى العطار تبغي شبابها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهرُ؟ مرت بالرسول ﵊ فقالت: إنه يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد. فقال: ﴿وهل هناك عبد أعبد مني﴾ ﵊، نعمْ. أنت العبد صراحةً، وأنت الذي أخرج العبيد من ظلم العبيد، إلى عبادة رب العبيد، كنا عبيداً قبل أن نبعث، وكانت الأمة في عداد الحيوانات، ولا أقول بتلك الأمة التي أكرمها الله؛ لأنها قبل الرسالة يوم كانت مشركة كانت في عداد البهائم، حتى جاء بهذا الرسول ﵊، فرفع رءوسها، فأصبحت عابدة لله، فأعتقها، فلم تتعبد إلا له، إلا من شاء أن يكون عبداً لآخر. ولذلك كان عمر بن الخطاب يرفض عبودية العبد للعبد، فعبودية العبد للعبد حرام بالإجماع. ففي مصر: كان محمد بن عمرو بن العاص ابن أمير مصر يتسابق ذات يوم مع قبطي مصري، فسبق القبطي فرس الأمير، ويجوز عند أهل العلم أن يسبق فرس بعض الناس فرس الأمير، فسبق هذا الفرس، فنزل محمد ابن الأمير فلطم القبطي كفاً، فقال له القبطي: [[والله لأرفعنك إلى أمير المؤمنين، قال: اذهب، فذهب إلى عمر، وقال: ضربني كفاً وأريد أن تنصفني، قال عمر: مَن ضربك؟ قال: محمد بن عمرو، فأخبره القصة، فاستدعى عمرو بن العاص وابنه محمد، فلما قدما كان الصحابة جلوساً، قال عمر: والله لا يحول بيني وبينهما اليوم أحد، ثم أخذ الدرة، فأخذ محمداً فبطحه، ثم جاء على عمرو بن العاص فوضعه عليه، ثم ضربهما بالدرة، وقال: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!]] من أين هذا؟ لماذا تُبْطَل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] لماذا تلغى (لا إله إلا الله)؟! لماذا تلغى قداسة الإنسان، وقيمته، ومعنويته، وكلمته، ودمه، ودموعه؟! هذه مصداقية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] في حياة عمر. كهنوت التصوف ينهار أمام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. الدروشة، واتخاذ المشايخ آلهة، ورسل من دون محمد ﷺ ، هذه من مذهب غلاة التصوف، وهي أن يُنَصَّب شيخ، فيفرِض ويسُن ويُحَلِّل ويحرم من كيفه، وهذا هو الجهل الذي وقع بالأمة، وسوف يأتي ذلك في تفسير (الضَّالِّينَ) وتأتي النخبة المثقفة العلمانية في (الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ). لكن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تلغي على هؤلاء أغراضهم، ولذلك لا يحب الصوفية قراءة القرآن، ولا يحرصون على علم الحديث، لكن عندهم رقص، وليلة سهر، وتصفيق، وليلة مولد، يقف منشدهم فيقول -واسمع النشيد الذي يعارض ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]- يقول: يا رسول الله! يا من ذكرهُ في نهار الحشر رمزاً ومُقاما فأقل لي عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما ويقول أحد الصوفية: نحن نأخذ علمنا من الرزاق، لا من عبد الرزاق؛ لأن أهل السنة يقولون: حدثنا عبد الرزاق. قال ابن القيم: والله الذي لا إله إلا هو لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفتم الخلاق! وقالوا:: [علمكم علم الورق، وعلمنا علم الخرق] علم الضلالة والمرقَّعات والخفافيش. ولا علم إلا علم محمد ﷺ . ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تلغي عصمة الأئمة عند الضُّلاَّل -الأئمة الاثني عشر- فجعلوهم كاثني عشر رسولاً، بل جعلوهم في بعض المقالات أعظم من رسل الله . وليس هناك رسول خاتم إلا محمد ﷺ ، فهو خاتم الرسل، وهو المعصوم. فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ترد عليهم. و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] يقف أمامها الشهوانيون أهل الكأس، والمرأة الخليعة، والمجلة، والسهرة، والضياع، والأماني المتساقطة، والشبهات، واللهو، يقفون أمامها حيارى، ولذلك لا يريدون ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؛ لأنها تلغي ما يمكن أن يقيموه من كيان، أويقيموه لأنفسهم من شهرة.

стр. 1187

وقفات حول كلمة (اهدنا) في كلمة ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] ست مسائل: المسألة الأولى: الهداية العامة والخاصة. المسألة الثانية: هداية الدلالة والتوفيق. المسألة الثالثة: طُرُق الهداية. المسألة الرابعة: كيف يطلب ﵊ الهداية؟! وهو المهتدي، بل وهو الهادي ﷺ . المسألة الخامسة: الهداية المجملة والمفصلة. المسألة السادسة: حاجة الأمة والفرد إلى الهداية.

стр. 1188

الفرق بين الهداية العامة والهداية الخاصة أما الهداية العامة: فهو أن الله هدى الناس جميعاً -الكافر والمؤمن- إلى هداية عامة، وهذه الهداية مَهْدِي بها حتى الحيوان. فالهداية العامة أمر مشترك. فالتبيع -ولد البقرة- إذا ولدته أمه رضع من ثديها، والطفل إذا ولدته أمه رضع من ثديها، والنحلة تذهب فتأخذ رحيق الزهر من على بُعد عشرات الأميال ومئات الكيلو مترات وتأتي إلى الخلية، وهدى النملة أن تأخذ الحب فتدخره في الصيف للشتاء، فمن هو الهادي؟ إنه الله، ويُسَمى هذا: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] وهذا موسى ﵇ وذلك حين سأله فرعون، وقال له: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩]؟ قال الحسن البصري: [[كان فرعون طياشاً]] لأن المجرم هو الذي بدأ بالسؤال، وإلاَّ فالواجب أن يترك الضيف ليتكلم؛ لأن من عادة الناس أن القادم يتكلم أولاً، أما أنك تلقي عليه الأسئلة، أو محاضرة، فهذا من السفاهة، والسخف ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩]؟ موسى ألهمه الله وعنده ترجمان؛ لكن أعطاه الله فصاحةًَ معنوية، فلو قال: ربي العالِم، لقال فرعون: وأنا عالِم؛ لأن العلم قدر مشترك، ولو قال: الحكيم، لقال: وأنا حكيم، ولو قال: الحليم، لقال: أنا حليم؛ ولكن قال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] قال الزمخشري: لله دره من جواب! كيف لكمه على وجهه!! ولذلك سكت وانتقل إلى سؤال آخر: من الذي أعطى كل شي خلقه ثم هدى؟ هل يستطيع فرعون أن يقول: أنا أعطيت كل شيء خلقه ثم هديت، لا. فهما صفتان اثنتان تختصان بالواحد الأحد لا توجد في غيره، فـ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] هذه في الله الواحد الأحد. انظر لتلك الشجرةْ ذات الغصون النضرة من الذي قومها حتى استقامت شجرة ذاك هو الله الذي قدرتُه مقتدرة ذو قدرة باهرةٍ وحكمة منتشرة تقرأ ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة:٦] في النحل حكمته، وفي النمل، والبستان، والحديقة والصحراء، والسماء والأرض. وأما الهداية الخاصة: فهي للمؤمنين المهتدين إلى الخير خاصة.

стр. 1189

الفرق بين هداية الدلالة وهداية التوفيق أما هداية الدلالة: فهي للرسول ﵊. وميزتنا أن لنا على الصراط هادٍ يهدينا، والصراط صراطان: صراط هنا في الدنيا، وصراط هناك في الآخرة. فالصراط هنا: طوله من هنا إلى الجنة أو إلى النار، وفيه كلاليب، وكلاليبه: الشهوات، والشبهات. والصراط هناك: كما في الأثر: ﴿طوله شهر، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وأحمى من الجمرة، على متن جهنم، فيه كلاليب﴾ وكلاليبه: مثل شوك السعدان، فمن تخطفته كلاليب الشهوات والشبهات في صراط الدنيا تخطفته الكلاليب في صراط الآخرة. والناس على الصراط الأخروي مثلهم على الصراط الدنيوي، والله المستعان. فإن مِن الناس مَن تختطفه الشهوات فتخطفه هناك، ومنهم من تخطفه الشبهات فتخطفه هناك، ومنهم من يسلم قليلاً فيصبح ساعياً، ومنهم من تخدشه فيُجْرَح ويَنْجُو، ومنهم من يُكَرْدَس في جهنم. والرسول ﷺ وصف الناس هناك كوصفهم هنا، فقال: ﴿منهم من يمر على الصراط كلمح البصر، ومنهم كالبرق، ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي، ومنهم من يحبو، ومنهم المخدوش الناجي، ومنهم المكردس على وجهه في النار﴾. فالناس على الصراط هناك مثل ما هم على الصراط هنا. قيل في الرسول ﵊: في كفك الشهم من حبل الهدى طرفٌ على الصراط وفي أرواحنا طرفُ ولذلك يقول ابن القيم ﵀ في وصف الصراط المستقيم: أنه يحمل خمس صفات: الأولى: قربه. الثانية: اتساعه. الثالثة: استقامته. الرابعة: إيصاله للمقصود. الخامسة: وجود الإمام في أوله. وقصدي: أن الذي يدل على هذا الصراط محمد ﷺ . يقول أحد الشعراء، يمدح الرسول ﵊: إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا أدلجنا: أي: مشينا في الليل. فإما حياة نَظَّم الوحيُ سيرَها وإلا فموت لا يسر الأعاديا رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا فالإمام -إمام الصراط- هو محمد ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. والله على صراط مستقيم، قال أهل العلم: يقول : ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] فهو سبحانه على صراط مستقيم، ورسوله على صراط مستقيم. وفُسِّرَ (الصِرَاطٍ المُسْتَقِيمٍ): بالقرآن, وفُسِّرَ أيضاً: بالإسلام، وفُسِّرَ كذلك: بمحمد ﷺ . قال أبو العالية: [[الصراط المستقيم: محمد وصاحباه]]. قال الحسن البصري: [[صَدَقَ ونَصَحَ]]. والصحيح أن الصراط المستقيم: هو الإسلام، والقرآن، ومحمد ﷺ ، وهو النور كل النور. وأما هداية التوفيق: فلا يملكها إلا الواحد الأحد. يربى الشاب في بيت شيخ علم من علماء الدنيا، فينشأ الشاب مارداً فَتَّاكاً لصاً مجرماً مروِّج مخدرات. وينشأ الشاب في بيت المجرم المروج للمخدرات فإذا هو ولي من أولياء الله، كأبناء الصحابة. فمن الذي أهدى وأغوى؟ إنه الواحد الأحد ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]. فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مؤمن فموسى (السامري) رباه جبريل فكفر، وموسى رباه فرعون فأصبح رسولاً. فالهادي هو الواحد الأحد.

стр. 1190

طرق الهداية طرق الهداية لا تكون إلا بالشريعة والرسل عليهم الصلاة والسلام. يقول أبو المعالي الجويني: طرق الهداية: النظر والاستدلال. وقد ذكر هذا ابن حجر صاحب فتح الباري، فرد عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله في الحاشية، فقال: لا. لا النظر ولا الاستدلال، بل قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ومتابعة الرسول ﵊؛ لقوله ﷺ في الصحيحين: ﴿أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول لله﴾. نَظَرُ في ماذا؟ واستدلالٌ في ماذا؟ يقصد: أن تفكر، وأحياناً قد يستغني بعض المتكلمين والمناطقة بالتفكير بالعقل، أي: أن تفكر بعقلك، فما يُقَبِّحْه العقل قَبِّحْه، وما يُحَسِّنْه حَسِّنْه. يقول الجويني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] يقول: ما حرَّمه العقل وقبَّحه حرَّمه، وما حسَّنه العقل واستملحه حلَّله. وهذا خطأ، بل ﵊ مُشرِّع من عند الله، لا ينطق عن الهوى.

стр. 1191

كيف يطلب ﵊ الهداية ؟! كان النبي ﷺ دائماً يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ﴾. والصحيح عند العلماء: أن هناك درجة في الجنة مرتفعة، هي مجلس واحد لرجل واحد، وهو الرسول ﵊، ولذلك ندعو له بعد كل صلاة: ﴿اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته﴾ وزاد البيهقي زيادة حسنة: ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾. فهذه الدرجة العالية، هي درجة الهداية التي يريدها النبي ﷺ وقد وصل إليها. وقال بعض الفضلاء: بل طرق الهداية بعدد الأنفاس، فهو يطلب ﵊ أن يهديه الله كل الطرق. وقال بعضهم: يحتاج المسلم والمؤمن في كل نفسٍ من أنفاسه إلى هداية خاصة من الله، لهذا فهو يطلبها ﵊. وأنتَ كل يوم تطلب الهداية، لأنك وأنتَ إما أن تتقدم أو تتأخر، ولا تستقر على حالة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧]. قال شيخ الإسلام ﵀: العبرة بكمال النهايات، لا بنقص البدايات. والمعنى: أن المؤمن قد يبدو في إيمانه ناقصاً، فيزداد من الهدى، والنور، والعمل الصالح، ومجالسة الصالحين، وطلب الفقه في الدين، وحب الأخيار، والاستفادة من العلماء، فيزداد نوراً على نور، والإيمان يزيد وينقص بحسب مقتضياته وأسبابه.

стр. 1192

الفرق بين الهداية المجملة والهداية المفصَّلة بعض الناس يعرف الدين مجملاً، وتصوُّراً عاماً للإسلام لكنه لا يعرف تفاصيل الإسلام. وأنا أضرب لذلك مثلاً: رجلان رأى أحدهما قصراً من خارجه، فرأى أبوابه، وطوله، وعرضه، ولونه، فتصوره تصوراً معيناً، فنقول عن هذا: إنه يعرف القصر معرفة مجملة، ورأى الآخر نفس القصر من داخله، ففتحه، ورأى أبوابه، ودخل مساريبه، وأسيابه، ورأى مجالسه وغرفه، ونوافذه، وطوله، وعرضه، فنقول عن هذا: إنه يعرف القصر معرفة مفصَّلة. فالناس كمثل هذين الرجلين. فأما الهداية المجملة: فمثل رجلٌ عرف أركان الإسلام، وأركان الإيمان إجمالاً ولكن لا يعرف دقائق الفقه، ولا فروع الشريعة، ولا الأدلة، ولا يعرف كيف يعبد الله في كل مسألة. وأما الهداية المفصَّلة: فمثل رجلٌ آخر تفقه في الدين، وفي الصحيحين: ﴿من يرد الله به خيراً يفقه في الدين﴾. فهذا مثل ذاك، و ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].

стр. 1193

حاجة الأمة والفرد إلى الهداية الأمة كلها تحتاج إلى هداية الله أحوج من حاجتها إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب إذا قُطعا عن العبد فقُصاراهُ أن يموت، والهداية إذا قُطعت عن العبد فقُصاراه أن يدخل النار ويخلد فيها. كل قلب لا تشرق عليه شمس الرسالة فهو قلب ملعون، وكل عين لا ترى بدر محمد ﷺ فهي عين مغضوب عليها، أو كما قيل.

стр. 1194

وقفات مع قوله: (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) الصراط المستقيم له خمس صفات: الصفة الأولى: القُرْب. الصفة الثانية: الاتساع. الصفة الثالثة: الاستقامة. الصفة الرابعة: إيصال المقصود. الصفة الخامسة: وجود الإمام في أوله.

стр. 1195

من صفات الصراط المستقيم: القُرب ذالصفة الأولى: القُرْب: وصراحةً: هناك بعض الملاحظة على طنطاوي جوهري في تفسير الجواهر، حيث حوَّله إلى كتاب هندسة، وما بقي عليه إلا المثلث، والفرجار، والمسطرة، ويقول: إنه أنشأ أصول الهندسة من القرآن، والقرآن -كما يقول بعض الفضلاء- ما نزل للهندسة ولا للطب، إنما نزل لهداية الناس، ولا شك أن فيه لُمَعاً من هذه العلوم؛ لكن أن يخصص للهندسة فلا. فمثلاً: يقول في قوله : ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] يقول: فيه دليل على أن زوايا المثلث منفرجة أو حادة. ما شاء الله! ويقول في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]: أن فيه دليل على أن أقرب موصِّل بين نقطتين الخط المستقيم. وهل هو الخط المُعْوَج؟! والمقصود: أن ابن القيم في مدارج السالكين عندما قال: أقرب خط بين نقطتين الخط المستقيم وهو صحيح؛ لكن ابن القيم لا يريد أن يفسر الصراط المستقيم بأنه نزل ليبين لنا في علم الهندسة هذا الأصل؛ لكن يبين لنا أن أقرب الخطوط الموصلة هو المستقيم. فالله ذكر خطَّه بأنه مستقيم، وذكر خطوط أعدائه بأنها مُعْوَجَّة، أي: لا توصَّل إلا بعد عناء، وإلى أين توصله؟! توصل العبد المنحرف -والعياذ بالله- إلى نار جهنم، أما هذا الخط المستقيم فيوصل مباشرة ودون عناء إلى الجنة. من الصراط هنا إلى الصراط هناك ثم إلى الجنة.
следующие страницы →