Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
كيف يطلب ﵊ الهداية ؟!
كان النبي ﷺ دائماً يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ﴾.
والصحيح عند العلماء: أن هناك درجة في الجنة مرتفعة، هي مجلس واحد لرجل واحد، وهو الرسول ﵊، ولذلك ندعو له بعد كل صلاة: ﴿اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته﴾ وزاد البيهقي زيادة حسنة: ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾.
فهذه الدرجة العالية، هي درجة الهداية التي يريدها النبي ﷺ وقد وصل إليها.
وقال بعض الفضلاء: بل طرق الهداية بعدد الأنفاس، فهو يطلب ﵊ أن يهديه الله كل الطرق.
وقال بعضهم: يحتاج المسلم والمؤمن في كل نفسٍ من أنفاسه إلى هداية خاصة من الله، لهذا فهو يطلبها ﵊.
وأنتَ كل يوم تطلب الهداية، لأنك وأنتَ إما أن تتقدم أو تتأخر، ولا تستقر على حالة ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧].
قال شيخ الإسلام ﵀: العبرة بكمال النهايات، لا بنقص البدايات.
والمعنى: أن المؤمن قد يبدو في إيمانه ناقصاً، فيزداد من الهدى، والنور، والعمل الصالح، ومجالسة الصالحين، وطلب الفقه في الدين، وحب الأخيار، والاستفادة من العلماء، فيزداد نوراً على نور، والإيمان يزيد وينقص بحسب مقتضياته وأسبابه.
стр. 1192
الفرق بين الهداية المجملة والهداية المفصَّلة
بعض الناس يعرف الدين مجملاً، وتصوُّراً عاماً للإسلام لكنه لا يعرف تفاصيل الإسلام.
وأنا أضرب لذلك مثلاً:
رجلان رأى أحدهما قصراً من خارجه، فرأى أبوابه، وطوله، وعرضه، ولونه، فتصوره تصوراً معيناً، فنقول عن هذا: إنه يعرف القصر معرفة مجملة، ورأى الآخر نفس القصر من داخله، ففتحه، ورأى أبوابه، ودخل مساريبه، وأسيابه، ورأى مجالسه وغرفه، ونوافذه، وطوله، وعرضه، فنقول عن هذا: إنه يعرف القصر معرفة مفصَّلة.
فالناس كمثل هذين الرجلين.
فأما الهداية المجملة: فمثل رجلٌ عرف أركان الإسلام، وأركان الإيمان إجمالاً ولكن لا يعرف دقائق الفقه، ولا فروع الشريعة، ولا الأدلة، ولا يعرف كيف يعبد الله في كل مسألة.
وأما الهداية المفصَّلة: فمثل رجلٌ آخر تفقه في الدين، وفي الصحيحين: ﴿من يرد الله به خيراً يفقه في الدين﴾.
فهذا مثل ذاك، و ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
стр. 1193
حاجة الأمة والفرد إلى الهداية
الأمة كلها تحتاج إلى هداية الله أحوج من حاجتها إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب إذا قُطعا عن العبد فقُصاراهُ أن يموت، والهداية إذا قُطعت عن العبد فقُصاراه أن يدخل النار ويخلد فيها.
كل قلب لا تشرق عليه شمس الرسالة فهو قلب ملعون، وكل عين لا ترى بدر محمد ﷺ فهي عين مغضوب عليها، أو كما قيل.
стр. 1194
وقفات مع قوله: (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)
الصراط المستقيم له خمس صفات:
الصفة الأولى: القُرْب.
الصفة الثانية: الاتساع.
الصفة الثالثة: الاستقامة.
الصفة الرابعة: إيصال المقصود.
الصفة الخامسة: وجود الإمام في أوله.
стр. 1195
من صفات الصراط المستقيم: القُرب
ذالصفة الأولى: القُرْب:
وصراحةً: هناك بعض الملاحظة على طنطاوي جوهري في تفسير الجواهر، حيث حوَّله إلى كتاب هندسة، وما بقي عليه إلا المثلث، والفرجار، والمسطرة، ويقول: إنه أنشأ أصول الهندسة من القرآن، والقرآن -كما يقول بعض الفضلاء- ما نزل للهندسة ولا للطب، إنما نزل لهداية الناس، ولا شك أن فيه لُمَعاً من هذه العلوم؛ لكن أن يخصص للهندسة فلا.
فمثلاً: يقول في قوله : ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] يقول: فيه دليل على أن زوايا المثلث منفرجة أو حادة.
ما شاء الله!
ويقول في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]: أن فيه دليل على أن أقرب موصِّل بين نقطتين الخط المستقيم.
وهل هو الخط المُعْوَج؟!
والمقصود: أن ابن القيم في مدارج السالكين عندما قال: أقرب خط بين نقطتين الخط المستقيم وهو صحيح؛ لكن ابن القيم لا يريد أن يفسر الصراط المستقيم بأنه نزل ليبين لنا في علم الهندسة هذا الأصل؛ لكن يبين لنا أن أقرب الخطوط الموصلة هو المستقيم.
فالله ذكر خطَّه بأنه مستقيم، وذكر خطوط أعدائه بأنها مُعْوَجَّة، أي: لا توصَّل إلا بعد عناء، وإلى أين توصله؟! توصل العبد المنحرف -والعياذ بالله- إلى نار جهنم، أما هذا الخط المستقيم فيوصل مباشرة ودون عناء إلى الجنة.
من الصراط هنا إلى الصراط هناك ثم إلى الجنة.
стр. 1196
من صفات الصراط المستقيم: الاتساع
فما أوسع من الصراط المستقيم، فلم يقل: الطريق المستقيم؛ لأن العرب تقول للطريق الواسع: صراط، والصراط هو الذي يبتلع المارة، ولا تقول للطريق الضيق: صراطاً، وهذه من لغة العرب العجيبة الجميلة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧].
فهو طريق واسع، ووُسْعُه: أن الناس لا يزدحمون فيه، ولا يتحاسدون، فأهل الآخرة لا يحسد بعضهم بعضاً؛ لأنهم في طريق واحد يتعاونون على طاعة الله، مثل: الإمام أحمد، والإمام الشافعي، فمن مقتضيات عقول البشر أن الإمام الشافعي مهنته مهنة أحمد، وهو صاحبه.
ويقال في المثل العامي: (عدوك صاحب مهنتك) فتجد النجار -الآن- عدو للنجار -إلا ما رحم ربك- يريد أن يقدح في صنعته، إذا دخل النجار إلى البيت فسنتقد الأبواب، ويقول: لو ركبها هكذا، ولو أصلحها هكذا، والخياط ينقد الخياط، والشاعر على الشاعر وهكذا.
لكن الإمام أحمد والشافعي هما من أهل الآخرة، يقول الإمام أحمد لـ ابن الشافعي: "أبوك من السبعة الذين أدعو الله لهم وقت السَّحَر" فالطريق واسع.
أما أهل الدنيا فيزدحمون؛ لأن طرق الدنيا ضيقة، إذا ذهبت إلى وظيفة سبقك إليها مائة، وإذا ذهبت إلى سيارة سبقك إليها مائة، وزاحمك على شراء الأرض ألف، أما طريق الآخرة فواسعة.
стр. 1197
من صفات الصراط المستقيم: الاستقامة
فهو ليس بمُعْوَج، وهذه الصفة تندرج في الصفة الأولى: وهي القُرْب.
стр. 1198
من صفات الصراط المستقيم: إيصال المقصود
فلا يوصِل أبداً إلى الله تعالى إلاَّ هذا الصراط ولهذا ﴿خَطَّ النبي ﷺ خطاً مستقيماً، وخطَّ خطوطاً عن يمينه وشماله، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]﴾.
стр. 1199
من صفات الصراط المستقيم: وجود الإمام في أوله
فإن الطريق إذا لم يكن له إمام لا يوصل عادة، والإمام هو الدليل.
فمن هوالدليل؟ من هو الماهر الذي يجيد الخط؟ من هو الذي يعرف أسرار وعلامات هذا الطريق نزله منزلة منزلة، هبطه وادياً وادياً، وعرفه جبلاً جبلاً، وساحة ساحة، وأدركه وفهمه؟! إنه محمد ﵊.
ولذلك رشحه الله للإمامة، فيقول في الصلاة: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ كما في صحيح البخاري، ويقول في المناسك: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ ويقول: ﴿من رغب عن سنتي فليس مني﴾ ويقول كما في كتاب الحجة ورواه النووي بسند صحيح، يقول: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به﴾.
إذاً: هذه هي الإمامة.
والله لا يرضى منك يوم القيامة عملاً حتى تتبعه ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧] النبي الأمي فقط، فلا ثَمَّ إمام ولا شيخ إلا هو، ولا أستاذ إلا هو، وإن أتيت من غير طريقه لا يُفْتَح لك الباب يوم القيامة؛ لأن أول مَن يَقْرَع باب الجنة هو محمد ﷺ ، فيُفْتَح له، ثم يذهب ومعه أتباعه.
وأما الذين تخلفوا عن ركبه، وهم: النخبة المثقفة!!
أشياخه صفر الجباه بـ دنفر هنري كسنجر خير مروياته
أما هؤلاء النخبة المثقفة وغيرهم فما اهتدوا صراحةً بهداه ﵊؛ لأن لهم أشياخاً من نوع آخر، فلذلك يراهم ﷺ يوم القيامة فيرى أن السنة ليست عليهم، يقولون: يا رسول الله! نحن أتباعُك.
فيقول: لا، لستم بأتباعي؛ لأن أتباعه لهم علامات، صاحب الخيل البلق يعرف خيله البلق، وصاحب الدُّهم يعرف الدُّهم، حتى البدوي الأعرابي إذا ضلت ناقته في الصحراء، يصفها بلونها، ووبرها، وطولها، وسمتها.
فالرسول ﷺ يعرف أمته ﴿إن أمتي يُدعون يوم القيامة غُرَّاً مُحَجَّلِين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّتَه فليفعل﴾ فهو يعرفهم ﷺ .
أما أولئك فيقول لهم: ﴿سحقاً سحقاً﴾ فنسأل الله أن يهدينا وضال المسلمين.
стр. 1200
تفسير قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
من هم الذين أنعم الله عليهم؟
قال تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] وهذا هو حزب الله وهؤلاء هم أوليائه، وهذه هي صفاتهم، الذين يسلكون معك.
إذاً لست وحيداً في الطريق؛ بل معك حشد هائل يصحبك فيه، ويمشون معك، ويمضون، فلا تستوحش، وهم: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، هؤلاء معك في المسيرة.
ما هي النعمة الحقيقية؟
النعمة الحقيقية هي الهداية ليس إلا، وهي أعظم نعمة، ولو أن النعيم الأخروي من النعم؛ لكن أجلها وأعظمها أن يهديك الله صراطاً مستقيماً.
ثم قال : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧].
هذا الصراط لا يسلكه المغضوب عليهم، ولا يسلكه الضالون.
стр. 1201
تفسير قوله: (الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ)
من هم المغضوب عليهم؟ ولماذا غضب الله عليهم؟
المغضوب عليهم: اليهود، والضالون: النصارى، وقد بشرهم بذلك رسول الهدى ﵊، كما في الصحيحين.
غضب الله على اليهود لأنهم أهل علم وثقافة، لكن ما أجْزَتْ عنهم، لأن علمهم بغير عمل.
قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].
وقال : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].
فهؤلاء مغضوب عليهم؛ لأنهم تركوا العمل.
стр. 1202
تفسير قوله: (ولا الضَّالِّينَ)
الضالون: هم النصارى، لماذا ضلوا؟
لأنهم تركوا العلم.
فأولئك -أي: اليهود- علموا ولم يعملوا.
وهؤلاء -أي: النصارى- عملوا ولم يعلموا.
قال سفيان بن عيينة: [[من فسد من علمائنا، ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا، ففيه شبه بالنصارى]].
وقد شابه كثير من هذه الأمة هاتين الطائفتين, فالأمة فيها الطوائف الثلاث:
طائفة: ((الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] أي: الذين أنعم الله عليهم، وهم: أتباع محمد ﷺ ، وهؤلاء هم الذين نرجو الله أن نكون منهم ومن روادهم.
وطائفة: (الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ) أي: الطائفة الأخرى المعرضة، ما يُسَمون بالمثقفين ثقافة التي لا توصل أحدهم إلى الإيمان، نعم.
عندهم شهادات عالية؛ لكن لا توصلهم شهادتهم إلى أن يصلوا الفجر في جماعة، أو أن يبروا بالوالدين، أو يصلوا الرحم، أو يخافوا من الله، أو يحترموا أهل العلم، أو يتعاطفوا مع الدعاة، أو يغاروا على انتهاك محارم الله ، أو يذبوا عن مبدأ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] نعم! مثقف يحمل شهادة، لكنها شهادة للبطن، وللسيارة، وللوظيفة، يأكل بها عرضاً من الدنيا، ولكنها تنفعه في الآخرة، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
إذا ما لم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمُك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
فهذا العلم غير نافع، فالذهن بالنسبة له سلة مهملات لا يحمل خشية، ولا استقامة، ولا غَيْرَةً لله ولرسوله، ولا يحمل المبادئ الخالدة التي أتى بها ﷺ .
هذا القطيع المثقف الذي غُزِيت به الأمة من الغرب، والذي سُلِخ من ظاهره وباطنه، وأصبح ملغماًَ من الداخل بأفكار منحرفة، هذا يشابه (الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ).
نحن نعرف أن منهم من قد يصلي، ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] لكن ينقض ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] بعد خروجه من المسجد يلغيها بقلمه، ويشَطِّب عليها بفكره، وبقصيدته، وبسهره، وباستهزائه وسخريته بحملتها.
وطائفة: (الضَّالِّينَ) أي: الجهلة، كغلاة الصوفية، ومن شابههم من جهلة الناس، الذين يعبدون الله على غير بصيرة يجتهدون في العبادة؛ ولكن على غير علم، وعلى غير سنة، أحدهم يهتم بأمور عبادته؛ ولكن لا يهتم بنجاحها، وصلاحها، وقبولها، فإنه لا يُقْبَل عملٌ إلا بإخلاص ومتابعة، قال رسول الله ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أو كما قال ﷺ .
لا كهنوت في الإسلام ولا رهبنة، ولابد من إمام إن عمل بهذا عملنا، وإن ترك تركنا، نقف عند حدود شرعنا.
فهذه -الأمة أيها الإخوة- بين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
стр. 1203
لا التقاء بين الهداية والضلالة
قضية كبرى في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وهي من الفوائد، وهي أنه لا التقاء مع الصليب، ولا التقاء مع نجمة إسرائيل.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] هناك عداء أصيل شرعي، لا يدخل فيه التعايش السلمي، ولا الوفاق الدولي، ولا الحب الإنساني، ولا مجلس الأمن، ولا هيئة الأمم المتحدة، عداء أصيل من القدم، لأن اليهود ماذا يقولون؟ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] فكيف يلتقي المسلم مع النجمة؟! وكيف يلتقي مع اليهود؟! وكيف يلتقي مع النصارى؟! لا التقاء أبداً.
الصليب والنجمة أعداء لنا لا وفاق دولي، ولا تعايش سلمي معها ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦].
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فلسنا بالذين يتمسحون على عتبات شامير، أو يتقربون من الصليب، وإنما نحن لنا تميز، وكيان، لنا شِرْعة، وواجهة، وإمام، وإمامنا على الصراط يدعونا ألا ننحرف هنا، حتى لا ننحرف هناك.
هذه من أسرار ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧].
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] تطلب من الأمة مطلباً عظيماً، وهو: أن يتعلموا العلم النافع، والعمل الصالح.
قال رسول الله ﵊ في الصحيحين، من حديث أبي موسى: ﴿مثل ما بعثني الله فيه من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ الهدى: العمل الصالح، العلم: العلم النافع.
فلا بد أن تجمع بين العلم والعمل، وعسى الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، لا صراط المغضوب عليهم، ولا صراط الضالين.
وهذا هو معلم الولاء والبراء، أن نكون أولياء لله نغضب لله، ونرضى لله، ونجاهد من أجل الله ، ونقف على الصراط المستقيم.
стр. 1204
طلب الهداية من الله
ومن قضايا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] أن العبد بحاجة إلى أن يلتجئ ويمرغ وجهه ساجداً لربه علَّه أن يقبل في مَن قَبِلَ، وأن يهديه في مَن هَدَى، وكان ﷺ يعلم الحسن -كما عند أحمد والأربعة وغيرهم- فكان يقول له في الوتر: ﴿قل: اللهم اهدني في مَن هديتَ، وعافني في مَن عافيتَ، وتولني في مَن توليتَ﴾.
فالهداية في مَن هَدَى: أن تطلب بلهف أن يهديك الله، وإن لم يهدِك الله فلن تهتدي ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [الكهف:١٧] ولن تجد له هادياً.
فالاستغاثة بالله، والاستعانة به، وصدق اللجوء إليه، والإلحاح في المسألة، هذه من أسرار (اهْدِنَا) والهداية لا تكون إلا من عنده .
أيها الإخوة الفضلاء! هذه وقفات مع السبع المثاني، أسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها في ميزان الحسنات، وأسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن كانت له الفاتحة حجة ومحجة وكافية وشافية وواقية.
وأسأله أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم، وأن يجعلنا وإياكم ممن عبدوه واستعانوا به.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلًَّم تسليماً كثيراً.
стр. 1205
الأسئلة
стр. 1206
حكم البسملة في الفاتحة
السؤال
الفاتحة، هل البسملة من آياتها؟ وهل يجب الجهر بها، أم لا؟
الجواب
مسألة: هل البسملة آية من الفاتحة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، ذكرها ابن كثير والقرطبي وغيرهما، والصحيح: أنها ليست بآية من آيات الفاتحة، فهي سبع بدون البسملة.
أما الجهر بها فوقع نادراً من الرسول ﵊، واختار ابن القيم في زاد المعاد: أن الرسول ﷺ أسر بها غالباً وجهر بها نادراً، ولو أن بعض العلماء يرون أن الجهر بها بدعة، ولكن هذا القول فيه حيف، بل الجهر يقع نادراً، وأما الإسرار فهو الغالب، والمشهور من فعله ﵊.
стр. 1207
الخروج عن نطاق السنة بقصد اتباعها
السؤال
فضيلة الشيخ! ما رأيكم في بعض الشباب -أسأل الله لهم ولي الهداية- ممن يبالغ بعضهم في تقصير ثيابه أكثر من اللازم، حتى إذا ركع في الصلاة وجدتَ الثوب يرتفع فوق أو قرب ركبته، فهل في هذه المناسبة من كلمة؟
الجواب
مثل هذه الصور التي تقع في الناس تُعالَج من أهل العلم ومن طلبة العلم بالتي هي أحسن، وليس هناك مبرر لأعداء الله من العلمانيين وأمثالهم أن يتعدو على شباب الصحوة والاستقامة بمثل هذه التعليقات السخيفة، ويتعرضوا لهم، ودائماً أكرر قول الأول:
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
هؤلاء الشباب ليسو مروجي مخدرات، ولا مسئولين عن بيوت الدعارة، ولاتزلجوا على الثلج، ولا باعوا قيمهم في سوق النخاسة، ولا باعوا مبادئهم، إنما هم أتباع الرسول ﷺ ، يريدون الحرص على اتباع سنته، هؤلاء الشباب قدموا رءوسهم تحت الدبابات في أفغانستان.
جيوش أعزتها بلاد محمد فما عذرها ألا تعز محمدا
ولكن قد يقع التقصير من سوء فهم، أو عدم معرفة تطبيق السنة، فيُفَهَّم هؤلاء بالتي هي أحسن.
صحيحٌ أنني قد سئلتُ في محاضرة سابقة عن الثياب التي إلى الركبة، فقلت: هذه فنائل، وأنا أتكلم عن الثياب، أما الفنائل العلاقية فأنا لم أتحدث عنها.
ولكن على كل حال وما أعرفه أنه إلى الركبة ففيه إجحاف، وبهذه تبدو العورة وقد ثبت عند أحمد في المسند أنه: تحت الركبة بأربع أصابع؛ لكن أرى أن هذا في الإزار، والإزار غير الثوب، الإزار عند السلف مثل الشرشف، أو مثل لفافة من قماش يُلف به الإنسان، ولو لم ترفعه ما استطعت أن تمشي خطوة، أما الثياب فإنك إذا رفعت أكثر؛ شاهَ منظرُك، وأنا أقول: إنه ليس الضابط أن يشُوْهَ منظرُك أو لا، إنما الضابط هو السنة، فالإزار يمكن أن يتحمل إلى تحت الركبة، كالإحرام في الحج إلى تحت الركبة بأربعة أصابع، أما أن تجعل الثوب إلى تحت الركبة بأربعة أصابع فإنه منظر مؤذٍ وقد يعرض الشباب وطلبة العلم للإيذاء والسخرية والاستهزاء من المنافقين، والله حدد من نصف الساق إلى فوق الكعب، وما فوق الكعب كذلك ما زال في السنة، ومجاله واسع، هذا ما لزم في هذه المسألة، والله يعيننا وإياكم، ويهدينا وإياكم سواء السبيل.
стр. 1208
عدم جواز نسبة الشر إلى الله تعالى
السؤال
فضيلة الشيخ، هل يصح أن يُنْسَبَ الشرُّ إلى الله جل وعلا؟
الجواب
لا ينسب الشر إليه ، بل قال ﵊: ﴿والخير بيديك، والشر ليس إليك﴾.
وأهل السنة لا ينسبون الشر إليه ، وإلاَّ فالحقيقة: أن الذي قدَّر الخير والشر هو الله؛ لكن تأدباً معه لايقال: الشر إلى الله ، أو لماذا قدر الله الشر؟ أو كذا.
وقال بعضهم: بل إن الله لا يقدر إلا خيراً؛ لكنه بالنسبة لبعض الناس شر، وإلاَّ فهو من حيث التقدير والقضاء خير، فالله يقدر الخير والمصلحة المحضة .
والجن تأدبت مع الله حيث قالت: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠].
وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠].
стр. 1209
النشاط في الدعوة إلى الله
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أحبك في الله حباً صادقاًَ، والله قد أراد بي خيراً، وجئت لسماع صوتك من المنطقة الشرقية، وهناك إخوة يتمنون سماع صوتك، فأطلب من الله ثم منك زيارة لهذه المنطقة، وأبشرك أن الدعوة الإسلامية على قدم وساق، ووصل عدد المسلمين الجدد من الجنسية الأمريكية بمركز القاعدة ما يقارب (٦٠٠) مسلم أمريكي، وزيارتك للمركز وللمنطقة الشرقية يزيدنا شرفاً، ويزيد في عزيمتنا، لا سيما وشباب المنطقة بأمس الحاجة إلى توجيهاتكم ونصحكم وتثبيتكم.
أحد المسئولين عن الدعوة بالقاعدة!
الجواب
أثابك الله وحفظك ورفع منزلتك، ونسأل الله أن يعيننا وإياك على طاعته، وسوف يكون هناك زيارات، وأشير لك أن تعمم هذه الدعوة لطلبة العلم والدعاة، وكما قيل: ففي كل واد بنو سعد.
وكلما كثر عرض الخير بأساليب متعددة كان أمكن وأمتن له، فكل داعية له طريقة خاصة في العرض، وطريقة خاصة في التكلم والتحدث، ويفتح الله على يد البعض ما لم يفتح على يد الآخر، فإذا اجتمعت الجهود فهذا طيب.
وهذا سوف يتم -بإذن الله- وهذه بشرى سارة بشرتنا بها، وأسأل الله أن يجعلنا وإياك من مفاتيح الخير، إنه على كل شيء قدير.
стр. 1210
تركيز العلمانيين على المرأة في كثير من المجالات
السؤال
في هذه الفترة نجد العلمانيين أصبحوا يزيدون تركيزهم على المرأة في كثير من المجالات، حتى ظهرت إعلانات في الصحف تدعو النساء لشراء السيارات، أو تمنح شيئاً من الخصم أو التقسيط للنساء فقط، وذلك عن طريق تسهيلات مميزة! ما دورنا حيال هذه الهجمة الشرسة على المرأة في جميع هذه المجالات والوسائل؟ حتى أصبح الحجاب عندهم ذلك اللثام الذي يخرج عيني المرأة بشكل مغري، أو أخبث من هذا، فبم تنصحون هذه الجموع؟
الجواب
إجابةً على هذا السؤال لا بد أن أبين قضايا:
أولها: جهل العلمانيون بطبيعة وأسرار هذه الجزيرة؛ لأن هذه الجزيرة لا تصلح إلا للإسلام، ولا تنبت فيها إلا شجرة الإسلام، ولا يمكن أن تنبت فيها شجرة أخرى.
صحيحٌ أنه قد يكون في بعض بلاد الإسلام شيء مزدوج مع الإسلام أو تحالف أو تعايش، أما هذا البلد فلا، ولا نقول هذا تعصباً، لكن لتاريخه ولسر أراده الله فيها، ولقداسة بقاعها، لا يصلح فيه إلا الإسلام، فهؤلاء أخطئوا التقدير يوم أرادوا أن يكون مع الإسلام شيء، أو أن يطرأ على الإسلام شيءٌ آخر.
ثانيها: أن هؤلاء العلمانيون يملكون من الوسائل أكثر مما يملكه الدعاة.
أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ
نعم! يجتمع أهل الخير والنصح من أمثالكم في المحاضرات، ومهما اجتمعوا وكثر عددهم إلى عشرة آلاف أو إلى خمسة عشرة ألفاً فإن في منتدى الكرة يجتمع ستون ألفاً، وفي الأسواق وفي أماكن اللهو والضياع عشرون وثلاثون وخمسون ألفاً، ولكن ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
والحقيقة: أنهم يملكون وسائل التأثير ولهم دخول إلى العقول، وينفذون، بينما وسائل طلبة العلم والعلماء قليلة تخاطب مستوىً من الناس، ولكن فمهما يكن فحبل الباطل قصير، قال تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
ثالثها: طبيعة هذا الدين أنه مصارَع دين عالمي، بدأ بالصراع من أول لحظة، فهو لا ينتهي من الصراع، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
فأنت جند نفسك أن تكون داعية، وأن يكون لك ضد، واعلم أن الله معك، ولن يَكِلَكَ، وأن للحق صولة، وللباطل جولة، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:١٢٨].
стр. 1211
التطبيع اليهودي العربي
السؤال
فضيلة الشيخ: نسمع في هذه الأيام من الصحف العالمية مفاوضات لإتمام صفقة بيع فلسطين المسلمة، فما حديثكم حول هذا تحت ستار التطبيع؟
الجواب
أولاً: بيت المقدس ملك كل مسلم، لا يملكه ياسر عرفات، ولا غيره، وهذا عقد من الله أن بلاد المسلمين المقدسة للمصلين، يملكونها بعقد سماوي منه ، والأرض لله يورثها من يشاء.
أما الخونة والعملاء فهم يستطيعون بيع الأرض، أما استرداد الأرض فلا يجيدونه، والذي يسترد الأرض هم المصلون، أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
ثانياً: تحت أي مظلة تُباع فلسطين؟! أين الدموع ودماء الألوف المؤلفة التي ذُبِحَت؟ وأين المقدسات التي أُهينَت؟! وأين العداوات التي استمرت في التاريخ؟!
ثالثاً: لا تعايش مع إسرائيل؛ لأن إسرائيل معنا في القرآن، نصلي في كل صلاة ونقرأ القرآن فإذا القرآن يلعنهم ويهاجمهم؛ لأنهم أعداء الرسول ﵊، ولو تركت الكلاب نباحَها، والخيول صهيلها، والحمام هديرها، ما ترك اليهود عداءهم لـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
ما هو موقفنا أمام الله إذا أتينا نصلي، ونسمع ميثاق الأمم المتحدة في تصالح العرب مع إسرائيل وبيعهم فلسطين، ثم نقول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]؟
أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ
نساء فلسطين تكحَّلن بالأسى وفي بيت لحم قاصراتٌ وقُصَّرُ
وليمون يافا يابس في حقولهِ وهل شجرٌ في قبضة الظلم يثمرُ>>
تعال إلينا فالمروءات أقفرت وموطن آبائي زجاج مكسرُ
يطاردنا كالموت ألف خليفةٍ ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصرُ
أيا صلاح الدين هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ
رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا
تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ
تناديك من شوق مآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيبي وخيبر
ويبكيك صفصاف الشام ووردها ويبكيك نخل الغوطتين وتدمر
فوالله لن تستعاد فلسطين إلا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] لن تستعاد إلا بالمصلين، والأكفان، والتكبيرات، والجهاد المسلح، أما أن يصبح شامير أخي فهذا حرام بالإجماع، يعارض الكتاب والسنة.
الله الذي على العرش استوى جعلهم أعداء لنا، أرادوا اغتيال رسولنا نددوا بنا حاربونا انتهكوا أعراضنا قتلوا شيوخنا قتلوا نساءنا أطفئوا نورنا داسوا مسجدنا الذي صلى فيه رسولنا ﵊، لا صلح معهم متى نصطلح؟! نصطلح إذا دخلوا في دين الله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤].
في جنيف ياسر عرفات الضائع وقف يقرأ الآية، فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] ثم (وقف حمار الشيخ في العقبة) أكمِلِ الآية؟ ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤].
إن المسلم يوم يراهن بدينه، وبمعتقده، وبأرضه، مفضوحاً أمام العالم لا كرامة له، يصبح ضائعاً، أرض بسِلْم، وسِلْم بأرض، رباً لا يجوز، وانتهاك لمواثيق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولا يقرها عالِِم، ولا مسلم، ولا داعية، ولا تدخل الدماغ، ولو كُتِبَت فهي على أوراق، وسوف يأتي المصلون أهل الأكفان يدوسون هذه الأوراق، ويدخلون -بإذن الله - بيت المقدس، كما أخبر ﵊.
فليتشرف الإنسان ألا يتقارب مع هؤلاء؛ لأن الفتح قريب قادم -بإذن الله- والفجر آتٍ، ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١].
стр. 1212
مساعدة أهل تهامة
السؤال
صاحب الفضيلة! سمعنا في أحد أشرطتكم عن فقراء تهامة، ونريد من فضيلتكم بيان حالتهم؛ لمساعدتهم حسب الاستطاعة؟
الجواب
نعم.
يا أيها الإخوة! منطقة تهامة -الساحل- أكثركم يعرفها أو يسمع بها، إنها إقليم واسع، تمتد من الليث، إلى جازان، إلى حدود بلاد تهامة قحطان، هذه المنطقة واسعة، وفيها آلاف القرى ومدن كثيرة، وبوادي شاسعة، وجبال، وسكان كالذر، وهؤلاء ينقصهم أمران:
الأول: أمر العلم: فهم يعيشون جهلاً مطبقاً، بل بعض المناطق لا يعرف بعضهم قراءة الفاتحة وهو في السبعين من عمره، نحن نعرف هذا، فقد وصلنا إليها قرية قرية، وبلداً بلداً، أحدهم لا يعرف قراءة الفاتحة، وأنا أعرف أن بعضكم أتى مصطافاً ونزل هناك، وأتى يكلمني ويكلم بعض الإخوة، ويقول: لماذا لا تدعونهم؟ وأنتَ ألستَ من بلادنا؟ ألستَ مكلفاً؟ ألستَ داعية؟ شاركنا الجهد، وهم ينتظرونك، والإنسان الداعية مهما فعل لا يغطي هذه المساحات الهائلة، أناس يعيشون جهلاً مطبِقاً، بل بعضهم يقع في الشركيات، وبعضهم لا يعرف التوحيد، ولا يتصور الرسالة التي بُعث بها محمد ﷺ ، ولا يعرف كثيراً من المحرمات.
الثاني: أمر الفقر فهم يعيشون فقراً مدقعاً.
وأنا أدعو التجار والباذلين والمعطين الذين ينفقون أموالهم، أن يسارعوا لهؤلاء؛ لأنهم أقرب، وأنا أعرف أن كثيراً من التجار ذهبت أمواله وأحسن جزاه الله خيراً في الفلبين وسيرلانكا، وهذا مأجور؛ ولكن الأقربون أولى بالمعروف.
وكذلك جانب آخر: وهو الشريط الإسلامي، نفع الله به هناك نفعاً عظيماً، وكان له أثر بالغ في هداية الناس، فهم بحاجة إليه، فأهل التسجيلات والباذلين والدعاة عليهم أن يجتهدوا في إرسال أشرطة: العقيدة، والإيمان، والرقائق، والآداب، والعبادات، والسلوك، وما يخص المرأة، فإنها تُسْمَع ويتحول الناس بها بين عشية وضحاها.
هذا ما لزم في هذه المسألة، وأنا قد بلغتكم، اللهم فاشهد.
стр. 1213
يا حبذا الجنة !
هل نرى ربنا يوم القيامة؟
هذا السؤال طرح قبل ألف وأربعمائة سنة، وأجاب عليه أفضل الخلق الذي لا ينطق عن الهوى، محمد ﷺ ، وأكده في غير ما موضع من كلامه ليزيد من إيمان الصحابة وشوقهم إلى الدار الآخرة، فلماذا لا نتأسى بهم، ونعد أنفسنا بالأعمال الصالحة، كي نرى ربنا ؟!
стр. 1214
رؤية المؤمن لربه يوم القيامة
اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق.
اللهم لك أسلمنا وبك آمنا، وعليك توكلنا وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادة ندخرها للعرض الأكبر على الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، شهادة نعدها لذاك اليوم يوم الأهوال والنكال، يوم لا ينفع من الأقوال والأعمال إلا ما كان لوجه ذي الجلال والإكرام.
اللهم إنه ليس عندنا من الأعمال ما نعده إلا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أيها المسلمون: لنستمع إلى أبي هريرة ﵁ وأرضاه وهو يروي لنا حديثاً يصل إلى القلوب مباشرة، حديثاً يخاطب أهل القلوب ولا يفهمه إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
يقول ﵁ وأرضاه: قال الناس للرسول ﵊: ﴿يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال ﵊: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب -ثم استطرد ﵊ قائلاً- يجمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، فيأتيهم ﵎، فيقول لهم: من كان يعبد شيئاً فليتبعه -وهذا في العرصات- فمن كان يعبد الشمس اتبع الشمس، ومن كان يعبد القمر اتبع القمر، ومن كان يعبد الطواغيت اتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فيأتيهم ربهم -وفي صحيح مسلم: على صورته ﵎ فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيوضع الصراط -نسأل الله السلامة والعافية- ويقف الملائكة بجنبة الصراط فلا يتكلم أحد إلا الأنبياء والرسل، يرددون: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم، ويقول ﵊: وعلى جنبتي الصراط كلاليب مثل شوك السعدان، قال: ألا تعرفون شوك السعدان، قالوا: بلى يا رسول الله! -وفي صحيح مسلم: كأنك رعيت الغنم يا رسول الله! يوم عرفت شوك السعدان، قال: نعم، وما من نبي إلا رعى الغنم- قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم عظمها إلا الله الواحد القهار، فتتخطف الناس فناج مسلَّم -يسلم من شوك السعدان الكلاليب- فذلك الذي لا خوف عليه -نسأل الله العافية- ورجل مخدوش منها ثم يسلم، ورجل مكردس على وجهه في النار- ولا تزال أصوات الأنبياء تردد: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم- فيأمر الله الملائكة أن تخرج من النار من كان يعبد الله لا يشرك به شيئاً، فيخرجون وقد امتحشوا -أحرقوا وصهروا -وهم موحدون لله، ولا يخرج من النار مشرك أبداً- وقد أكلتهم النار إلا مواضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكل موضع السجود لفضل السجود، فيخرجون وقد امتحشوا كالحِبة - بالكسر- في حميل السيل، تخرج صفراء ملتوية، فيغمسون في نهر الحياة، ثم يدخلون الجنة -وفي الصحيح: على جباههم، أسماء هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار﴾ ثم أخذ ﵊ ينتقل إلى حديث الرجل الذي أضحك الله ﵎، يقول الأعرابي: لا نعدم من رب يضحك خيراً، هذا الرجل هو آخر من يدخل الجنة من أهل النار، يخرجه من النار فيقف ووجهه مقابل للنار، فيقول: ﴿يا رب! اصرف وجهي عن النار فقد أحرقني ذكاؤها وقشبني ريحها، فيقول الله له: يا ابن آدم! هل عسيت إن صرفت وجهك عن النار أن تسأل غير ذلك؟ قال: لا وعزتك وجلالك لا أسأل غير ذلك، فيصرف الله وجهه عن النار قبل الجنة﴾ نسأل الله الجنة.
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
يا من أتعب نفسه في عمارة القصور وفي رفع الدور:
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
﴿فلما رأى زهرة ونعيمها وسرورها قال: يا رب! قدمني إلى باب الجنة، قال الله: ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك وما أظلمك، لئن قدمتك إلى باب الجنة لا تسألني غير ذلك؟ قال: لا، وعزتك وجلالك! لا أسألك غير ذلك، فيقدمه ﵎ إلى باب الجنة، غير أنه لم يدخل الجنة، فلما رأى أنهارها ودورها، وقصورها، ونعيمها وسرورها، قال: يا رب! أدخلني الجنة، فيقول الله له: ويلك يابن آدم! ما أغدرك وما أظلمك أما أعطيتني العهود والمواثيق ألا تسألني غير ذاك؟! فيقول: يا رب! بعزتك وجلالك لا أكون أشقى الناس بك هذا اليوم، فيدخله الله الجنة، فلما وصل الجنة، قال الله له: تمن﴾ ما أكرم الله وأحلمه وأرحمه، يا من رحمته وسعت كل شيء! ارحمنا برحمتك، يا من فضله عمّ البار والفاجر! تفضل علينا بفضلك، فإنه ليس لنا أعمال ولا صلوات ولا صدقات، ولا أقوال ولا شيء نتقرب بها إليك:
إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيهاً
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
﴿فيدخله الله الجنة، فيقول الله: تمن، قال: أتمنى كذا وكذا﴾ وفي صحيح البخاري: ﴿فيذكره الله بالأشياء، يذكره بالقصور والأنهار والدور وبالحور العين، ولا يزال ربه يذكره حتى تنقطع أمانيه، فيقول: ألا تتذكر شيئاً، فيقول: لا يا رب قال: فإن لك ذلك ومثله معه، ومثله معه، ومثله معه ومثله معه﴾ وفي رواية أبي سعيد الخدري ﴿لك مثل أعظم ملك من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله معه -وفي رواية صحيحة- لك مثل الدنيا وعشرة أمثال ملك الدنيا﴾ لا إله إلا الله كل الدنيا، ذهبها وفضتها وقصورها ودورها، وعشرة أمثالها معها، بلا مرض أو خوف ولا حرب أو هم، أو حزن.
ولما قال: ﴿يا رب! أدخلني الجنة، ضحك الله ﵎﴾ ضحك يليق بجلاله، له حقيقة لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فضحك ﵊ وفي الصحيح فضحك ابن مسعود لضحكه ﷺ من تذمر هذا العبد وهذا الحديث صحيح رواه البخاري في باب فضل السجود في كتاب الأذان، وفي كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار، ورواه مسلم في الفتن، وفي صفة الجنة، وفيه قضايا:
стр. 1215
فوائد الحديث
أولاً: شوق الصحابة وإيمانهم ويقينهم الذي جعلهم يتركون الدنيا وملذاتها وشهواتها، وأتوا يتذكرون ذلك اليوم ويقولون: ﴿يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟﴾ ما أعظم السؤال وما أعظم الإيمان! إننا أصبحنا في مهلة وغفلة وبعد عن الله حتى أصبحنا لا نتذكر هذه القضايا.
هل تساءل أحد منا في مجلس هل نرى الله؟
هل تكلم بعضنا مع بعض في رؤيتنا لربنا وهي أفضل النعيم وأجل القربات؟
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
ورؤية الله تتحقق للمؤمنين في الآخرة ولا يراه المشركون: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] موسى ﵇ لما أعطاه الله التكليم وكلمه ﵎ وجد من الإيمان والسرور والحبور ومن اللذة ما لا يعلمه إلا الله، فقال الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] ورؤية الله للمؤمنين ثابتة لمن حافظ على صلاتين، ولا يفهم منه ألا يحافظ على الثلاث، من حافظ على هاتين الصلاتين وهي صلاة الفجر وهي قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر وهي قبل غروب الشمس وهما صلاة البردين، فالمحافظ عليهما يدخل الجنة ويرى ربه يوم القيامة.
يقول الصحابة: كيف نرى الله؟ يقول ﵊: ﴿أترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب﴾ ليس المرئي كالمرئي ﵎ الله، لكن المقصود تشبيه الرؤية بالرؤية: ﴿أترون الشمس في يوم صحو ليس دونها سحاب؟ قالوا: نعم.
قال: سترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب﴾ فهنا شبه الرؤية بالرؤية قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ثانياً: أن عصاة الموحدين لا يخلدون في النار، خلافاً لمن ذهب لذلك من أهل البدع، فمن كان موحداً فإنه لا يخلد في النار.
ثالثاً: أن من المصلين من يدخل النار، منهم من يصلي الصلوات الخمس ويدخل النار، كأن يكون عاقاً أو قاطع رحم أو آكل ربا، أو زان أو فاجر أو منتهك لحرمات الله، فهو من الساجدين على جبينه ولكن تصهره النار غير أن الله حرم على النار أن تأكل مواضع السجود.
رابعاً: فضل الله وكرمه وأن الدنيا لا تساوي شيئاً، وإذا كان أقل الناس في الدنيا يملك في الجنة أعظم مما يملكه ملوك الدنيا ومثله عشر مرات، فقل لي بالله يا من امتلك قصراً أو داراً أو ثياباً ما امتلكت مع مرض وخوف وهم وحزن.
ستنقلك المنايا من ديارك ويبدلك البلى داراً بدارك
فدود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك
فيا من أعد لذاك الموقف إن كنت تريد أن ترى الله وهي أعظم لذة عند أهل السنة والجماعة، وهو يوم الزيادة فعليك أن تكون مستقيماً على أمر الله، ليسكنك الله داراً لا يفنى شبابها ولا تبلى ثيابها، دار غرس الله أشجارها بيده، وبنى قصورها بيده، فقال لها: ﴿تكلمي -والحديث عند البزار بسند حسن- فقالت: قد أفلح المؤمنون﴾ فيا سعدكم أيها المصلون وهنيئاً لكم أيها التائبون العابدون، وتباً وخساراً لمن أنكر ذاك اليوم ونعيمه، وألحد وكفر به.
أيها الناس: إننا نسأل الله ألا يعجل لنا طيباتنا في الحياة الدنيا فنكون من المحرومين، ألا إننا نستجير بالله أن نكون من أناس أكلوا وشربوا وتمتعوا في الحياة، فلما أتوا إلى الله أفلسوا وخسروا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ*أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦] ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢٠ - ٢١] ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1216
الشوق إلى الآخرة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيءٍ قدير.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
стр. 1217
زهد السلف في الدنيا والتنافس على الآخرة
أيها المسلمون: أتى الرسول ﷺ إلى الناس فدعاهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، لم يمنهم بملك في الدنيا، أو يعدهم أنهم سوف يجدون مالاً أو نعيماً أو رغداً فيها، ولم يبن لهم قصوراً ولم يهيئ لهم دوراً أو يلبسهم لباساً، إنما يأتي أحدهم ببردته الممزقة لا يجد ما يشبع بطنه من خبز الشعير، ويأتي ﵊ بحجرين يربطهما على بطنه في حفر الخندق من شدة الجوع، ولكنه يعلم الناس حب الجنة، ويصف لهم الطريق إليها، وأن هذه الدار ليست دار قرار، إنما هي دار عبور، وليست دار للمكث فيها ولا الرضا بها، ومن رضي بها واتخذها سكناً وأخلد إليها فذاك ملعون شقي مبعد عن الله.
وقف ﵊ يتحدث إلى الجوعى من الصحابة الذين تركوا الدور والقصور والجيران والإخوان والخلان، وباعوا أنفسهم من الواحد الديان، وقف إليهم قبل معركة بدر، والمشركون أمامهم وسيوفهم بأيديهم، لم يخرجوا رياءً ولا سمعة، وقف يتحدث إليهم وهم الذين قال فيهم بعد ذلك: ﴿إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ فيقول لهم قبل المعركة: ﴿والله! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة﴾ فيأتي عمير بن الحمام -صحابي فقير من الفقراء وزاهد من الزهاد لا يملك إلا ثوبه وسيفه -فيقول: يا رسول الله! أسألك بالله ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء فأدخل الجنة، قال: إيه والذي نفسي بيده، ومع عمير تمرات يأكلها من الجوع- لكنه ما استصاغ أكل التمرات- فرمى التمرات وأخذ غمد سيفه فكسره على ركبته واستقبل الجنة، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، والله إنها لحياة طويلة إذا بقيت حتى آكل هذه التمرات ثم أخذ درعه فأنزله عن منكبيه- وهذا علامة الخطر والفداء، والشجاعة النادرة- وتقدم فقتل حتى قال ﵊: ﴿لقي عمير بن الحمام ربه وهو يضحك إليه﴾ ويأتي مالك بن عامر من الأنصار فيقول: يا رسول الله! وذلك في يوم أحد، والرسول ﵊ يقول للصحابة: نقاتل الأعداء هنا داخل المدينة، لأن من الخطة الحربية الرائعة أن يدخل العدو في المدينة فيقصف في زقاق المدينة وفي سككها، لكن قام هذا الشاب وهو في الثانية والعشرين من عمره من الأنصار، من الذين أرادوا الله والدار الآخرة، فقال: يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، اخرج بنا إلى أحد ولا تحرمني دخول الجنة، والله لا إله إلا هو لأدخلن الجنة، فتبسم ﵊ وهو على المنبر وقال: -والناس يستمعون والأبطال لبسوا دروعهم في المسجد، والمهاجرون والأنصار صامتون ساكتون يستمعون إلى الحوار الحار بين المصطفى وبين جندي من جنوده -فقال: بم تدخل الجنة؟ قال: بخصلتين: أني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف، فدمعت عيناه ﷺ وقال: إن تصدق الله يصدقك -إن كنت صادقاً فأبشر ثم أبشر- وبدأت المعركة في الصباح وأتى هذا الشاب فوضع درعه وأخذ غمد سيفه فكسره على ركبته، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى.
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
فقتل وأتى ﵊ وإذا هذا الرجل وجهه معفر في التراب فمسح الغبار عن وجهه وقبله وبكى، وقال له: ﴿صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله﴾ هؤلاء أهل الإيمان والحب والطموح شهداء في الأرض وليسوا شهداء الفن والغناء الماجن والمسرح الذي يموت على أغنية، أو ينزل من المسرح فتنكسر رقبته فيسمى شهيد المسرح، بل شهيد الكذب والرجعية، وشهيد الفكر العفن والتخلف.
يقف جعفرالطيار يوم مؤتة وهو في أرض الأردن وقد ترك زوجته وأطفاله وماله وداره وخرج إلى الله الواحد الأحد، فأتى في مؤتة والصحابة ثلاثة آلاف بينما الروم مائة وثمانون ألف، فوقف جعفر وأخذ يلتفت إلى المسلمين وهم يقولون: كيف نقاتل مائة وثمانين ألفاً ونحن ثلاثة آلاف فقال: أما أنا فقد بعت نفسي يوم أن خرجت من المدينة:
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا
أتى جعفر وقال: [[اللهم اشهد، اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] الدم ليس المال ولا الدار ولا العقار، فأقبل على العدو كالأسد الهصور، فقطعت يمينه في أول النهار، فأخذ الراية في يسراه وأعلن لا إله إلا الله محمد ورسول الله ﷺ ، فقطعت اليسرى، فأخذ الراية بساعديه على صدره، فأقبل الروم بالرماح فدكوا الرماح في صدره حتى وقع شهيداً على الأرض، والرسول ﵊ يتابع جعفر من المدينة وجعفر في مؤتة قريباً من أرض معان في الأردن وراءها مئات الأميال، فلما قتل جعفر نحب ﵊ بكاءً عليه، فهذا شوق الحبيب لحبيبه، وجعفر لم يبك يوم قطعت يمينه؛ لأن العظماء لا يبكون في وقت العظمة، وإنما أخذ يتبسم ويقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضرابها
ويأتي القائد الثالث ابن رواحة فإنه تقدم في المعركة زيد بن حارثة فقتل فتقدم جعفر فقتل فتقدم ابن رواحة، وقام ﵊ يلقي خطبة تأبين وتعزية على الناس ويخبرهم بمصير القواد العظماء الثلاثة فيقول: ﴿والذي نفسي بيده لقد عرضوا عليَّ على ثلاثة أسرة من ذهب وقد دخلوا الجنة، أما جعفر فكلمه الله كفاحاً بلا ترجمان﴾ جعفر الطيار بن أبي طالب كلمه الله، وأبدله بيديه جناحين اثنين يطير بهما في الجنة حيث شاء، من شجرة إلى شجرة، ومن روضة إلى روضة، ومن قصر إلى قصر، سلام عليك يا جعفر! سلام عليك يا من بعت الحياة لأجل أن ترفع لا إله إلا الله في الحياة، سلام عليك يوم نلقاك ونسأل الله أن يجلسنا معك، فلسنا من الشهداء وما قدمنا وما فعلنا للإسلام شيئاً ما قمنا الليل ولا نهكت منا الأعراض، لكن يا جعفر! نحبك والمرء يحشر مع من أحب:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
أيها المسلمون: هبت نسائم الجنة وظلالها وهواؤها، فهل من مستنشق للجنة؟ يقول أنس بن النضر في معركة أحد -قبل المعركة- وسعد يقول: لا تقدم يا أنس! -أحد شباب الصحابة- قال أنس: [[يا سعد! إليك عني، والله الذي لا إله إلا هو إني أجد ريح الجنة دون جبل أحد]] وفي الضحى قتل أنس وضرب ثمانين ضربة حتى ما عرفته أخته إلا ببنانه وأصابعه وحارثة بن الربيع وأتت أمه تبكي وتقول للنبي ﷺ : ﴿ابني في الجنة فأصبر وأحتسب، أم هو في غير ذلك؟ قال: أهبلتِ -أجننتي- أهي جنة واحدة والذي نفسي بيده إنها لجنان كثيرة وإن ابنك في الفردوس الأعلى﴾
أيها الناس: صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين! اللهم ارض عن الصحابة الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان واجعلهم من الراشدين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين الأفغان، اللهم انصرهم في أرض أفغانستان، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم من قتلته منهم فاجعله شهيداً مع جعفر وزيد، وابن رواحة، اللهم ارفع كلمة الإسلام بجهادهم وثبتهم على الإسلام، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم رد إلينا مقدساتنا وحرماتنا ومجدنا وكرامتنا يا رب العالمين! اللهم أذل اليهود ومن شايعهم وسار في ركبهم، إنهم لا يعجزونك يا رب العالمين!
اللهم رد شباب المسلمين إليك، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1218
الجريمة الكبرى
الذنوب خراب الشعوب، وفساد الأمم، وضياع الأخلاق، والصلاة عمود الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، فلذا أعظم الجرم تركها، ومن أفجر الذنوب التكاسل عنها، وأداؤها في جماعة مطلب شرعي ملح.
والإنسان خطاء وخير الخطائين التوابون، ومما يكفر الذنوب عشر خصال ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 1219
خطر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع
الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
صلى الله وسلم على صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والصراط الممدود.
صلى الله وسلم على صاحب الرسالة الخالدة، والشريعة الرائدة، والقيادة الحكيمة.
صلى الله وسلم على من شرح الله به صدور البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: انقطعت الأمطار، وجفت الآبار، ويبست الأشجار، وذبلت الأزهار، وغضب الواحد الجبار، من كثرة الذنوب والسيئات والأوزار.
عباد الله! الذنوب والخطايا قطيعة بين العبد وربه، ووحشة بين الإنسان ومولاه.
عباد الله! الذنوب والخطايا هدم للحضارات، وضرب لثقافة الإنسان ومعرفته، وغضب من الواحد الديان.
عباد الله! الذنوب والخطايا محق للأرزاق، وفساد للأبناء والأخلاق، وتدمير للبيوت.
فلا إله إلا الله، كم دمرت الذنوب والخطايا من شعوب! ولا إله إلا الله كم أفسدت من قلوب! ولا إله إلا الله كم شتتت من أُسر! ولا إله إلا الله، كم أوجبت من لعنة وغضب على أصحابها ومقترفيها!
وقد نعى الله ﵎ على أهل الذنوب والخطايا خطاياهم وذنوبهم، فأخبر أن سبب تدمير قوم نوح؛ هو الخطايا والذنوب، فقال جلَّ ذكره: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً﴾ [نوح:٢٥] فإغراقهم في الدنيا، وإدخالهم على وجوههم في النار؛ سببه الخطايا والذنوب، وقال عن اليهود وصانعي الصهيونية العالمية، وأهل اللعنة الخالدة الأبدية، والذين نشروا الزنا والدعارة في العالم، قال عنهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].
وقال عنهم في موطن آخر: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً﴾ [النساء:١٦٠] حرم الله عليهم الطيبات، وجعلهم يبوءُون باللعنات، وأغلق عليهم أبواب الرحمات، بسبب الذنوب والسيئات.
وقال الله عنهم في موطن ثالث: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٦] فباءوا بغضب من الله على غضب.
ولما أفنى الله الأمم، ودمر الشعوب الملعونة البغيضة التي لم تعرف الله، ولا عرفت الطريق إلى الله؛ صنفهم في العذاب: فقوم هددهم بالطغيان، وقوم أبادهم بالريح، وقوم زلزلهم بالمحق، وقوم أغرقهم بالماء، وقال في آخر المسيرة المبكية المحزنة، مسيرة الدمار، والعار، والشنار: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
تتوسل الملائكة إلى الله في السماء، أن يغفر للمؤمنين، وأن يقيهم السيئات والذنوب، يقول جلَّ ذكره عنهم: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩].
стр. 1220
أعظم السيئات المنتشرة ترك الصلاة وحكم تركها
عباد الله: إن من أعظم السيئات التي انتشرت في أمتنا، والتي هي سبب لهزائمنا وفشلنا أمام العالم، وسبب لتكدير قلوبنا، وضياع أرواحنا، وهدم نفوسنا، وفساد أبنائنا، وخراب شعوبنا، وسوء معاملة حكامنا لمحكومينا، ومحكومينا لحكامنا: ترك الصلاة، وتضييعها، وإفساد أدائها، وعدم الاهتمام بها.
ومعنى ترك الصلاة عباد الله: الكفر البواح، والنفاق الصراح، والقطيعة بين العبد ومولاه، ومعناها: اللعنة وقطع الميثاق، وتردية هذا العبد في الشقاء، فلا يسعد بعدها أبداً.
ترك الصلاة -يا عباد الله- معناه: الخروج جملة وتفصيلاً عن الإسلام.
ومعناه: خلع ثوب الهداية، وإعلان الكفر البواح الصراح أمام العالم.
ومعناه المناداة على النفس بالنفاق، والوثنية، والشرك، والعناد، والزندقة.
ومعناه كتابة اللعنة على هذا التارك إلا أن يتوب ويعود إلى الله ﵎.
كتب الله على تارك الصلاة اللعنة حتى يتوب، فهو ملعون في السماء، ملعون في الأرض، ملعون مع الماء والهواء، ملعون في الكتب، ملعون على ألسنة الرسل، ملعون على أيادي الملائكة البررة الكرام.
تارك الصلاة -يا عباد الله- مقترف لأكبر جريمة في تاريخ الإسلام، ولذلك لما وصف الله المشركين وتوبتهم، قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] أي: فإذا لم يقيموا الصلاة فلا تخلّوا سبيلهم.
ولذلك يقول ﵊: ﴿أُمِرتُ أن أقاتل الناس﴾ يعني: أمرت أن أسل السيف، وأقطع الأعناق، وأضرب الرءوس، وأندر الأكتاف عن المناكب: ﴿أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله﴾ ولا يكفيهم ولا يخلصهم ذلك، حتى - ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله﴾.
وقد جعل الله تارك الصلاة خارجاً عن الإسلام وإن ادعاه، ولو تجلبب بجلبابه، وتقمص بقميص الهداية، ولو تتوج بتاج الرسالة، فإنه كاذب والله! ومُفْتَرٍ على الله.
أيُّ إسلام بلا صلاة؟!
أيُّ توحيد بلا صلاة؟!
أيُّ رسالة بلا صلاة؟!
يوم تركنا الصلاة ضعنا والله، وأصبحنا على موائد الشعوب، وأصبحنا في فشل، ومذلة، وخزي، وعار لا يعلمه إلا الله.
لما تركنا الصلاة دُخِلَت جيوشنا فسُحقت بقنابل اليهود، وضُربت مدننا بطائرات اليهود، ودمرت كياناتنا ومنتجاتنا بصواريخ اليهود، أرذلُ العالمِ خنازيرُ الدنيا قردة المعمورة ضربونا بالهراوات لما تركنا الصلاة، دخلنا المعركة بلا صلاة فانهزمنا ونحن ملايين مُمَلْيَنَة؛ لأننا ما دخلنا بالصلاة.
لما تركنا الصلاة؛ فسدت مؤسساتنا العلمية، وفسد مدرسونا، ومربونا، وفسد الذين يقولون: "أنهم ينقذون العالم".
يقول ﷺ في هذه الصلاة كما في صحيح مسلم: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ فهي مرتبة واحدة إذا زل منها الإنسان فقد كفر، ووازِه بما شئت من كفرة الدنيا: بإبليس، أو فرعون، أو قارون، أو هامان، بـ ريغن، أو شامير، أو رابين، بكل لعين في الدنيا.
ويقول ﵊ فيما رواه أبو داود: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾.
стр. 1221
صلاة الجماعة
стр. 1222
وجوب أداء الصلاة في المساجد والأدلة على ذلك
ولا يقبل الله الصلاة إلا في المساجد يا أمة المساجد! ولا تؤدى الصلاة إلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢].
فلا صلاة إلا في المسجد، يقول رسول الهداية، ومنقذ الإنسان، ومعلم البشرية، المحرر للإنسان من رق التبعية ﷺ : ﴿أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا، ومعي رجال معهم حزم من حطب، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مِرْماتَين حسنتين لشهد الصلاة معنا﴾ وعند أحمد: ﴿والذي نفسي بيده لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار﴾ يقول ﵊ فيما رواه البيهقي، وصححه عبد الحق الإشبيلي: ﴿من سمع النداء للصلاة فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر﴾ وعند البيهقي عن علي: [[لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد]].
ويأتي أعمى إلى رسول الهدى ﷺ ، قيل: هو ابن أم مكتوم الأعمى الذي سماه الله في القرآن: أعمى كما في سورة عبس، لكنه والله ليس بأعمى، والذي لا يعرف هدايته، إن الأعمى الذي لا يعرف مستقبله، إن الأعمى الذي لا يتبع كتاب ربه، ويقطع الصلة بينه وبين الله لكن ابن أم مكتوم أعمى البصر، وليس أعمى البصيرة، أما أعمى البصيرة فهو الذي يقول الله فيه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] ﴿أتى ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله! أنا أعمى، بعيد الدار، ليس لي قائد يلائمني، وبيني وبين المسجد وادٍ مسيل وظلمة، فهل تجد لي من رخصة؟ فأرخص له، ثم تذكر ﷺ عهد الله وميثاقه وفريضته، فدعاه، فقال: هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: نعم، قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة﴾ أي: من أين أرخص لك وهذه فريضة الله، والترخيص لا يصدر إلا من الله، أما أنا فلا أجد لك رخصة أبداً، ولذلك:
مَن خان (حيَّ على الصلاة) يَخون (حيَّ على الكفاحْ)
مَن خان (حيَّ على الصلاة) يَخون (حيَّ على الفلاحْ)
هاتوا مِن المليار مليوناً صِحاحاً مِن صحاحْ
لما خنّا حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، خنّا حيّ على الكفاح، وحيّ على الجهاد والتضحية.
стр. 1223
اهتمام السلف بصلاة الجماعة
وأصحاب الرسول ﷺ لم يَعُدُّوا عملاً، ولم يُجْمِعوا على عمل أن تركه كفر إلا الصلاة.
قال شقيق بن عبد الله العقيلي: [[أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن من ترك الصلاة فقد كفر]] ولذلك كان ﷺ يشتاق للصلاة دائماً وأبداً في المسجد، تقول عائشة ﵂ وأرضاها: ﴿كان ﷺ يكون في مهنة أهله -في خدمة أهله- يقطع اللحم، ويخصف النعل، ويرقع الثوب فإذا سمع الله أكبر، قام إلى الصلاة كأننا لا نعرفه ولا يعرفنا﴾.
هذا معنى لا إله إلا الله، هذا معنى التوجه إلى الله، ليس الإسلام افتراءً ودجلاً وكذباً، ليس الإسلام نفاقاً وخنوعاً في البيوت والناس يصلون في المساجد، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: [[والله لقد رأيتُنا مع رسول ﷺ وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتي بالرجل يهادى به بين الرجلين، حتى يقام في الصف]].
لذلك كان السلف الصالح رضي الله عن السلف، وسلام على السلف الصالح لا يفتئون إذا سمعوا: الله أكبر، إلا أن يقوموا مباشرة إلى المسجد.
يقول سعيد بن المسيب ﵀ وهو في سكرات الموت، وبناته يبكين عليه، قال: [[لا تبكين عليَّ فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام أربعين سنة]] وقال الأعمش سليمان بن مهران؛ الزاهد العابد، العلامة النحرير، وهو في سكرات الموت، وابنه يبكي عليه، قال: [[يا بني لا تبكِِ عليَّ، فوالله ما فاتتني صلاة الجماعة ستين سنة]] وكان ثابت بن عبد الله بن الزبير كلما أصبح بعد الفجر يرفع يديه، ويقول: [[اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، فقال له أبناؤه: ما هي الميتة الحسنة يا أبتاه؟ فقال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد في الصلاة.
ومضى عمره، فلما حضرته سكرات الموت سمع التكبير لصلاة المغرب، فقال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، فقالوا: يا سبحان الله! أنت في سكرات الموت والله عذَرك، قال: لا والله! لا أسمع حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح وأبقى في بيتي، فحملوه على أكتافهم، فلما صلى صلاة المغرب، وكان في السجدة الأخيرة توفاه الله في سجوده]] هذه هي الميتة الحسنة، هذا هو المصير المحمود، هذا هو المستقبل الرائع.
стр. 1224
الحض على صلاة الجماعة
يا شيوخ الإسلام! ويا شباب الإسلام! أي إيمان بالله لمن يصلي بالبيت ويسمع داعي الله وليس له عذر، وأي إسلام لمن يتخلف عن المساجد، إنه منافق معلوم النفاق، يقول ﵊ فيما رواه الترمذي: ﴿من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان﴾ فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] وهذا هو الرسول ﵊ في لحظات حياته الأخيرة، وفي أنفاسه الأخيرة في سكرات الموت يلفظ الشهادة، ويقول: ﴿الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم﴾.
الله الله في الصلاة، الله الله في الصلاة.
وطُعن أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه فأصبحت عيونه تهراق بالدموع، وهو لم يكمل الصلاة، فأعانه الله على إكمالها، فأخذ يقول: [[الله الله في الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]].
وقد قال بوجوب الصلاة في الجماعة جمهرةٌ مِن أهل العلم، منهم: عمر ومعاذ وعلي وعائشة وابن عباس والأوزاعي وأبو ثور والشافعي، وحقق ذلك ابن حزم في المحلى، واشترطها ابن تيمية شيخ الإسلام، قال: "هي شرط في صحة الصلاة" أي: الجماعة، فكأنها إذا صُلِّيت فُرادى لا تصح عند هذا الإمام العملاق، ولا تُقبل إلا من عذر.
فالله، الله، يا أمة محمد ﷺ في الصلاة جماعة، إن كنتم تريدون وجهَ الله، إن كنتم تريدون المستقبلَ الرائع الطيب، إن كنتم تريدون الثباتَ والخاتمةَ الحسنة، والرزقَ الحلال، والولدَ الصالح، والسعةَ في الرزق، والراحةَ في البال، واليقينَ، والاتصالَ بالحي القيوم، والأمنَ، والسكينةَ فالصلاة في الجماعة.
وإنه -والله- لا تعمر بيوتكم، ولا يصلح أبناؤكم، ولا يبارك الله في رزقكم، إلا إذا عبدتموه في المساجد خمس مرات، فمن صلى معنا خمس مرات شهدنا له بالله العظيم أنه مؤمن، ومن تخلف عنا بلا عذر شهدنا عليه أنه منافق: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فنحن شهداء الله في أرضه، من شهد له المسلمون بخير فهو خيِّر، ومن شهدوا عليه بشر فهو شرير.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1225
مكفرات الذنوب
الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وحجة الله على العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماًَ كثيراً.
عباد الله: علمنا ما للذنوب من نكبات، وما لها من خلفيات، وما لها من نتائج، فما هو الحل من هذه الورطات؟ وما هو الحل للخروج من هذه النكبات؟ وما هو الدواء لهذا البلاء؟ وما هو البلسم لهذا الشقاء؟
стр. 1226
المكفرات العشر للذنوب والخطايا
إن الدواء من الذنوب والخطايا، والحل من السيئات والذنوب يكمن في عشرة أمور، من أدركه واحدٌ من هذه العشرة، أنجاه الله، ورحمه وغفر له، ومن لم يدركه واحد من هذه العشرة فقد خسر الدنيا والآخرة، وقد شرد على الله، وتفلت على حدود الله، كما يتفلت الجمل الشارد على أهله، وهذه العشرة، اسمها: الكفارات العشر، أو المكفرات العشر للذنوب والخطايا، فيجب على المسلم أن يعتني بها، وأن يبادر بها، وأن يحققها، وأن يحاول أن يتشبث بواحدة منها حتى ينقذه الله، وحتى يسلمه الله، وحتى يعافيه الله من البلاء، ومن الضنى، والضنك، والردى.
أول هذه العشر: التوبة:-
فإنها واجبة على عموم الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤].
فالتوبة يا عباد الله!
وثانيها: الاستغفار:
قال ابن تيمية شيخ الإسلام في المجلد العاشر من فتاويه وكرر ذلك في الحادي عشر، وفي رسالة رفع الملام عن الأئمة الإعلام: "قد ينفع الاستغفار بلا توبة" والله قد أمر بالاستغفار، فهو العامل الثاني، وهو مطهر من الذنوب.
فأوصيكم بكثرة الاستغفار، فإنه مكفر للخطايا والذنوب.
وثالثها: دعوات المؤمنين لك:-
والتي اكتسبتها بحسن خُلُقِك، وتعاملك معهم، فدعاؤهم لك بظهر الغيب، يكفر الله به عنك الذنوب والخطايا.
ورابعها: ما تجده في الحياة الدنيا من مصائب:
من زلازل، ومحن، وكوارث، فهذه المصائب يكفر الله بها من سيئاتك، كما تَحُتُّ الشجرةُ ورقَها، حتى تخرج نقياً من الذنوب، بشرط أن تكون قائماً بفرائض الله.
وخامسها: الحسنات التي تفعلها:
من الصدقات، والنوافل، وحسن الخلق، وصلة الرحم، وحسن التعامل مع الناس، من الأذكار، من أعمال البر جملةً وتفصيلاً قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
سادسها: ما تجده عند سكرات الموت، يوم يأتي الوعد الحق، يوم تأتي ساعة الصفر، يوم يأتي اليقين، يوم يتخلى عنك الأحباب، والأصحاب، والولد، والزوجة، والرحم والقريب، يوم لا يقف معك إلا الواحد الأحد: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فما يأتيك من سكرات فهي من المكفرات بإذن الله.
سابعها: ما تجده في القبر من منكر ونكير:
من فتنة الفتان أعاذنا الله وإياكم من تلك الفتنة وثبتنا الله وإياكم يوم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧].
والقبر روضةٌ من الجنانِ أو حفرةٌ من حُفَر النيرانِ
إن يكُ خيراً فالذي مِن بعدِهِ أفضلُ عند ربنا لعبدِهِ
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
ثامنها: ما يجده المسلم من أهوال يوم القيامة:-
من المنظر الرهيب الرعيب البهيت، المدهش المذهل، من الصراط، ورؤية تطاير الصحف، ورؤية الشمس وقد دنت، والعرش وقد اقترب من الناس، وكثرة الخلائق، وكثرة الهلع والخوف والفزع، هذا كله مكفر للذنوب.
والمكفر التاسع: شفاعة سيد الخلق ﷺ :
لا أحرمنا الله وإياكم شفاعته، ونسأل الله أن يدخلنا في شفاعته:
واستشفعَ الناسُ بأهل العزم في إراحة العباد من ذا الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
فهذا مكفر تاسع: يدخل فيه أهل الكبائر، مَن شاء الله أن يرحمه من أهل الكبائر أدخله في شفاعة سيد الخلق، ومَن شاء أن يعذبه منهم كبَّه الله على وجهه في النار، لكن لا يُخلَّد في النار إذا كان موحداً.
والعاشر: رحمة أرحم الراحمين:
يوم تنتهي التسعة الأسباب، وتتقطع الجبال، وتُوصَد الأبواب، وتنتهي هذه التسعة، يبقى السبب العاشر، تأتي رحمة أرحم الراحمين.
فنسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يتولانا بولايته، فمن فاتته هذه العشر فلا يلومَنَّ إلا نفسه، ولا يبكي إلا على حظه ونصيبه، ولا يندم إلا على كسبه، ولا يعود باللائمة إلا على ذاته، فهو الذي أساء كل الإساءة، وفرط كل التفريط، وضيع كل الإضاعة.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة.
يا رب العالمين، اللهم اجزه خير الجزاء، جزاء ما قدم للبشرية، وما أهدى للإنسانية، وما دفع به في نحر الوثنية.
اللهم ارفع مقامه، واكتب له الوسيلة، وارفع درجته عندك يا رب العالمين.
وارضَ اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تَبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك، يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، واهدهم سبل السلام، وأيدهم بتأييد منك، يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الرحمين.
اللهم من أراد للإسلام عزاً ونصرةً وتمكيناً فمكنه في الأرض يا رب العالمين، وأصلح باله، واشرح حاله، ووفقه لكل خير، وأيده بتأييد منك، يا رب العالمين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين والصالحين بشرٍ فاشغله بنفسه، واجعله كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1227
حق المسلم على المسلم
استشرى الاختلاف في الأمة الإسلامية بين الدعاة، وتوسعت الفجوة، ولكي تنتهي هذه الفرقة وهذه الاختلافات لابد من العودة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، وإلى غرس الإخاء والمودة بين المسلمين، ومعرفة حقوق المسلمين على بعضهم البعض.
وفي هذه المادة ذكر لهذه الحقوق العظيمة التي لابد من وضعها في الاعتبار.
стр. 1228
عظم حق المسلم
الحمد لله العلي الغفار، الواحد القهار، مكور النهار على الليل، والليل على النهار، أحمده وأشكره وأستغفره، وأنيب إليه وأتوب إليه من جميع الأوزار، وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة تبلغني وإياكم تلك الدار، دار النعيم التي أعدت للأبرار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خيرة البشر، ﷺ ما تألقت عين لنظر، وما اتصلت أذن بخبر، وما هتف طير على شجر، وما انهمل مطر، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس! إن من أعظم مقاصد الرسول ﵊، بل إن من أجل أهداف الإسلام أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يوحد بين صفوفنا، وأن يرأب الصدع بيننا، فإذا لم يتم ذلك؛ فلنعلم جميعاً أننا تلبسنا بالإسلام، وما اهتدينا إلى طريقه، وما تشرفنا بحمله، يقول الله تعالى ممتناً على الأمة العربية التي كانت ضائعة ضالة متفرقة، متحاسدة متحاقدة متقاطعة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
فسبحان من ألف هذه القلوب ووحد بينها، ورأب صدعها؛ فاستقلت بحمل الرسالة إلى البشرية والله يأمرنا بالاعتصام، وينهانا عن الفرقة وموجباتها من بغضاءٍ وحسد وغيبة، ومن هتك الأعراض، ومن تشريح وتجريح، يقول الله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
стр. 1229
اقتران الإيمان بالمحبة بين المؤمنين
اعلم أيها المسلم أنك لن تنال رضوان الله ولا عفوه ولا رحمته حتى تود لأخيك المسلم ما توده لنفسك، ولذلك يقول ﵊: ﴿والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ قال: أفشوا السلام بينكم﴾.
وإفشاء السلام معناه: بسمة الوجه وإطلاقه وبشاشته، وحرارة العناق ويوم أن توجد البغضاء بين الأسر والمجتمعات وطلبة العلم، يحل الغضب والمحق واللعنة والعياذ بالله، يقول ﵊: ﴿إياكم وفساد ذات البين، فإن فساد ذات البين الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين﴾.
стр. 1230
سلامة الصدر
إذا أردت أن تنام وطرحت نفسك على الفراش، وأوكلت نفسك باريها، فتذكر هل تضمر للمسلمين غشاً، هل تحمل لهم حقداً أو ضغينة، إن كنت تحمل ذلك فصحح إيمانك، وجدد إسلامك، فإن في قلبك غشاً وحقداً على عباد الله.
كان الرسول ﷺ جالس مع أصحابه في المسجد وهو مع الشبيبة الطاهرة التي حملت لا إله إلا الله إلى البشرية، فبينما هو يحدثهم قطع الحديث فجأة، وقال: ﴿يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة﴾.
إذا بهذا الرجل تتقاطر لحيته بماء الطهور والوضوء البارد الذي يشبه برد قلبه ويقينه، وحذاؤه في يده اليسرى، فيدخل ويصلي ركعتين ويجلس، وفي اليوم الثاني يعيد ﷺ هذا الكلام ويدخل هذا الرجل، وفي اليوم الثالث يكرر الكلام ويدخل ذاك الرجل عجيب بم دخل الجنة؟! أبصيام وصلاة؟! أبكثرة قراءة ومحاضرات؟! أبصدقة وبذل وعطاء؟!
لا.
الأمر أعظم من ذلك، إن من الناس من يدعو ولكنه حقود، ومن الناس من يتصدق ولكنه حسود، ومن الناس من يبذل ويضحي ولكنه يبغض عباد الله، ويرصد لهم.
ولما سمع عبد الله بن عمرو رسول الله ﷺ يقول ذلك، حرص على معرفة سر ذلك، فلازم هذا الرجل، وأمسى عنده ثلاث ليال، انتظر ليقوم يصلي الليل فلم يقم ليصلي الليل، نظر للصدقة فليس هناك صدقة كثيرة، نظر إلى صلاته في النهار فوجده يصلي الفرائض فحسب، فودعه وقال: يا أيها الرجل! ما أمسيت عندك ثلاثاً؛ إلا لأن الرسول ﵊ أخبرنا أنك من أهل الجنة ثلاث مرات، فأسألك بالله ما هو عملك الذي بلغك دخول الجنة؟ فما رأيت عندك قيام ليل ولا كثرة صلاة ولا صدقة! قال: أما وقد سألتني فوالله الذي لا إله إلا هو إنني لا أبيت وفي قلبي لأحد من المسلمين غش ولا حسد كائناً من كان، لا أجد على المسلمين غلاً ولا حقداً ما أبرد قلبه!
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
اليهودية والنصرانية، والصهيونية العالمية، والشيوعية وأهل الحداثة، وأهل الفجور يختلفون، لكنهم في حرب المسلمين يتفقون، أما أهل الإسلام فمتفرقون على أساليب وأطروحات وحقد دفين، وغيبة في الأعراض.
следующие страницы →