← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رسالة من فتاة حائرة حزينة السؤال هنا رسالة من شابّة فتاة تقول: "صرخة محزونة" أرسلت هذه الرسالة بعد صلاة العصر, تقول: آه آه يا شيخي الكريم، هذه رسالة غيورة إي وربي, إنها صرخة غيورة أحب أن ألقي صرختي إلى والدي وإلى كل والد من أمثاله، إنني بلسانك الذي يهتف دائماً بالحب والنصح أريدك أن توجه هذه اللوعة وهذه العبرة وهذه الحرقة وهذا الفيض الغزير إلى والدي وأمثاله من الآباء، إنني أشكو والدي إلى الله في كل يوم وليلة, إن هذا الأب لا يصلح أن يكون أباً، إنه يتجول من مدينة إلى مدينه ومن دولة إلى دولة ويتركنا ويترك والدتي المسكينة تعاني آلاماً عظاماً ومصائب جساماً, وهي تحاول رعاية إخواني وأخواتي الذين ضيعهم والدي, يأتي لهم بالفديو والمعاصي التي انقطعت رحمة الله من بيتنا بسببها، آهٍ آهٍ آهٍ إنك لا تعلم يا شيخي مدى حرقتي, لا تعلم كيف تعيش والدتي المحزونة دائماً، إن والدي هو السبب, يا شيخ! كثير هم أمثال والدي, كم سجن إخواني, كم فعلوا من الفواحش بأنواعها ووالدي غائب عنا, ضحى بنا وكنا ضحية لما فعل بنا, وما رعانا حق الرعاية التي أمر الله بها، يبقى مع والدتي حتى تنجب طفلاً ثم يذهب ويعود ليقضي وطره والله أعلم ما هي حياته هو, ويزيد الحزن عمقاً واللوعة والحرقة شدة عندما أحدثك عن أخواتي العوانس اللواتي لم يرض والدي أن يزوجهن, وقد تقدم لهن رجال أخيار صالحون ولكن رفض, وحياتهن الآن في جحيم قتل شبابهن وفتوتهن، كلنا يا شيخ فاشلون في الدراسة، هل تتوقع أن والداً يرسل ولده إلى الخارج يعبث بحياته هناك، إن والدي الذي أشكوه إلى الله صباح مساء، والدي ذو مال كثير, ولو أراد أن يملك ربع أبها لملكها, ولكننا والله اليومين والثلاثة لا نتناول إلا الماء والخبز القليل جداً, إن لسان حالي وحال والدتي وحال كل ابنة من أمثالنا يقولون لوالدهم حرمك الله الجنة يوم حرمتنا لذة الإيمان والاطمئنان, وحرمك الله الجنة يوم حرمتنا حياة الخير والسعادة، إن جيراننا ملتزمون بأمر الله مستقيمون نغبطهم على ذلك. آهٍ آهٍ آه الكلام حول صرختي يطول جداً, ولكن دموعي لن تدعني أكمل بقية حياتنا, فأسألك بالله يا شيخ أن تعلنها من على منبرك عسى والدي أن يسمع الشريط أو أي والد من أمثاله, وعسى أن يكثر عنده النصح والتهديد والتوبيخ والتذكير بالله, وعساه أن يخاف الله وأن يعود إلى أهله وزوجته وأطفاله وأن يتقي الله فينا.

стр. 142

مشاركة شعرية السؤال هذه مشاركة شعرية يقول صاحبها: شاعر بني شهر يهديكم قصيدة بعنوان: تحية واعتذار, يقول فيها وهي طويلة لكني أجتزئ منها أبياتاً: عذراً دعاة الهدى مما جنيناه عن كل شهم أصوغ اليوم معناه عذراً رأيت التقى والعذر صاحبكم والفخر دوماً لعبد طاع مولاه عذراً فأنتم من القرآن مبدؤكم وغيركم من نصوص الغرب فتواه عذراً فأنتم إلى الرحمن وجهتكم وغيركم نحو ميخائيل عيناه عذراً فما راعكم ما قال جاهلنا كلا وذل المعاصي في محياه وهي قصيدة طويلة بديعة, فأشكره وأشكر قبيلة بني شهر, القبيلة الماجدة الوفية التي عودتنا كل خير.

стр. 143

ظاهرة البطالة والكسل السؤال من الأشياء الطريفة في جريدة الندوة العدد ٩٩٩٨ الخميس ١٥/ ٥/١٤١٢هـ والتي تؤكد لك رحابة صدورنا واتساع مجالات العمل الشريف البناء في بلادنا, ومن ثم إتاحة الكثير من الفرص أمام الإخوة العاملين والوافدين شرقاً وغرباً؛ لمساعدة أبنائنا واستكمال بعض أوجه النقص المؤقت في العمالة الموجودة, نلاحظ -مثلاً- أن سائقي وايتات الماء من الإخوة السودانيين, وأن أعمال الورش وتصليح السيارات من الأتراك, وعمال ورش والحدادة والألمنيوم من الباكستانيين والهنود, وأن نجار الأبواب والشبابيك من الفلسطينيين, وعمال الحفر من الصوماليين, بينما عمال الإنشاء المعماري معظمهم من بنجلاديش، ويسيطر الإخوة المصريون على أعمال النجارة والحدادة المسلحة والبناء, في الوقت الذي يتخصص فيه الإخوة اللبنانيون في أعمال الديكور والمطاعم الراقية، أما المطاعم الشعبية فهذه من اختصاص الإخوة اليمنيين هي والعمل في المقاهي، الشيء الطريف والجديد أن باعة السمك والخضار وشرط معارض السيارات معظمهم من المصريين والسودانيين، المعروف أن أصحاب كل هذه الأعمال هم السعوديون في الظاهر, لكنهم لا يعملون ولا يقدمون شيئاً. الجواب أقول: هذا مصداق لما أقوله إننا أمة عاطلة, وإلا فإن هؤلاء الإخوة من مصر واليمن والسودان والصومال ولبنان وفلسطين إخوان لنا في العقيدة والإسلام, وكلنا بلد واحد وشعب واحد، لكن نحن في هذه الرقعة أمة كسل، أحياناً بعض الناس يرى في العمل عاراً، وهذا لا يصح, علينا نحن أن نعمل كما عملوا.

стр. 144

خطر السينما والإعلام الفاسد السؤال " الفلك يدور" هذا من كتابات محمد صلاح الدين , وهو كاتب مسلم جيد فيه خير, وقد نشر في المدينة العدد ٨٩٦٥ في ٢٥/ ٥/١٤١٢هـ يقول: هذه كلمات صادقة بل هي صيحة نذير أطلقها كاتب معروف هو الأستاذ ثروة أباضة في الأهرام (١٨/ ١١/١٩٩١م) وهو ممن لا يمكن اتهامهم بالتطرف ولا حتى بالمعارضة؛ لأنه من رجال الأدب ومن الروائيين والكتاب المعروفين، يقول الأستاذ ثروة عن السينما والمسرح في مصر: الله وحده يعلم كم ترددت أن أكتب هذا المقال عن السينما المصرية في أيامنا هذه, فقد أصبحت أعتقد أن الكتابة عن سينما اليوم مهانة للقلم ومضيعة للوقت وامتهان لشرف الكلمة، فقد بلغت السينما حضيضاً هي فيه متفردة غير مسبوقة, فلو أن هناك جائزة للسفول والانحطاط والكذب والتشويه والعبث الوضيع، وقلب الحقائق وإفشاء الفساد والتغني بالفسوق؛ لكانت السينما في أيامنا هذه هي أولى الفنون بالحصول على تلك الجائزة، لست أدري ماذا يريدون أن يصنعوا بـ مصر وبتاريخها وبكرامتها وبعراقتها وقيمها الدينية والإنسانية؟! وما أدري لماذا يتآمرون على مستقبل أبنائنا وعلى سمعة حاضرنا؟! وعلى ماذا يسحقون الأمل في نفوسنا والصدق في حياتنا والشرف في أخلاقنا؟! إن مأساة الانحطاط الخلقي الذي انحدرت إليه فنون السينما والمسرح في مصر؟ والتي صورتها كلمات الأستاذ ثروة أباضة في جريدة الأهرام خير تصوير, لم تعد تخص مصر فحسب, بل العالم العربي والإسلامي التي تشكل الأفلام والمسرحيات المصرية جزءاً كبيراً من برامجه التلفزيونية، ومعروضات أسواقه التجارية من أفلام السينما والفديو، ومهما حاولت إدارة التلفزيون في بعض الدول الإسلامية كـ المملكة أن تفرض شيئاً من الالتزام على العروض التلفزيونية, بما في ذلك الإعلانات التجارية التي تبدو فيها النساء محجبات؛ فإن الأفلام والمسرحيات المصرية تظل كما وصفها الأستاذ ثروة أباضة , حتى في ملابس ممثلاتها وتصرفاتهم ومجمل المحتويات الهابطة والمضامين المتردية لهذه الأفلام. وإن تعجب فعجب أن يأتي النقد المرير من كاتب روائي مصري, ليس من دار الفتوى ومراكز التوجيه الديني التي يفترض أن تشن على كل ذلك حرباً شعواء, وأن تكون هي رأس الحربة للإصلاح. إن الكثير من أجهزة الحكم في عالمنا العربي تتعاون اليوم تعاوناً واسع النطاق مع شتى معاهد العلم ووسائل الإعلام ومراكز البحوث والمؤسسات الدينية؛ لدراسة التطرف الديني ومحاربته واستنقاذ الشباب من الانخراط في صفوفه -أي: في صفوف الالتزام- والمطلوب الآن قبل أي شيء آخر أن تضع كل هذه الأجهزة على جدول أعمالها مواجهة تطرف السفول والانحطاط والفساد والفسق قبل فوات الأوان. لا شلت يمينك، وصح لسانك وأثابك الله، يقول: هذه الأجهزة التي سلطت جهودها على شباب الصحوة والمتطرفين, ويسمونهم متطرفين من الدعاة والأخيار وطلبة العلم والخطباء والقضاة والعلماء, يقول: لماذا لا تشن حملة على هؤلاء المتطرفين من الجانب الآخر أهل الفسق والسفول والانحطاط والجريمة والفاحشة وإشاعة الدمار في العالم؟ هذا هو الواجب.

стр. 145

حكم كتابة الآيات على شكل صورة هنا أيضاً في جريدة عكاظ العدد٩٢٤٦ الإثنين ١٢/جماد الأولى/١٤١٢هـ أتت بصورة ولا يجوز أن تعرض فقد رسمت جمجمة الإنسان بقوله : ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥] خطاط خطها فرسم الفم والأنف والعينين والجمجمة والعنق بهذه الآية, وهذا تبذل لكتاب الله, وقد حرم أهل العلم فعل ذلك؛ أن نصور الرأس بسورة من القرآن، أيضاً رسموا ساعة بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] فرسموها في برواز وصورة الساعة والعقارب وغير ذلك وهذا لا يصح، أيضاً ما شاء الله رسموها بصورة طائرة. ورسموا الدلة بـ بسم الله الرحمن الرحيم, ورسموا البراد بجانبه بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١] وهذا تبذل وامتهان لكتاب الله, وقد حرم أهل الفتوى فعل هذا، فعلى من وجد مثل هذا أن ينبه, ولعل هذا الكلام أن يبلغ جريدة عكاظ لئلا تفعل هذا، لأنهم الآن سوف يتصلون ويقولون الواجب أن تناصحونا سراً ما دام وقع هذا. ونقول: سبحان الله! يطبع من عكاظ في اليوم المئات وتنتشر في البلاد ونحن نقول لكم سراً! ليس من منهج أهل السنة أن يرد على القول المكشوف بالسر، بل المكشوف بالمكشوف والسر بالسر, كما فعل ﷺ في كثير من خطبه ومواعظه ﵊.

стр. 146

معرفة أحوال الفقراء السؤال بعض الفقراء الواجب أن تعلن دعاويهم أو معاريضهم على الناس حتى نعرف أحوالهم. الجواب وجود هؤلاء ومعاريضهم موجودة لا يمر يوم إلا وطالب يطلب، وأحياناً ترى الكثير من الأفراد، يعرف ذلك من يتصدر في المجتمع, أو أن يكون له مهمة كخطابة أو إمامة أو ندوة أو درس أو محاضرة, أو من له تعلق بالناس يعرف هذه الحاجة المضنية، والعجيب أن الإنسان أحرج كثيراً.

стр. 147

توزيع الصدقات السؤال أنا في قرية فقيرة ولكن ما عندنا أغنياء يدفعون الصدقات, وأنت تأمر بتوزيع الصدقات, فمن أين الصدقات هذه؟ الجواب لا يلزم أن في كل قرية غنياً, بعض القرى من أولها إلى آخرها فقراء حتى يلقوا الله، يحيون فقراء ويموتون فقراء ويحشرون يوم القيامة فقراء، فالقرى الأخرى والمدن الأخرى والتجار الآخرون يعطونهم مما أعطاهم الله من فضله.

стр. 148

حكم تخطي الرقاب يوم الجمعة السؤال ما حكم تخطي الرقاب يوم الجمعة؟ الجواب سبق وأن نبهت كثيراً ألّا تتخطى الرقاب يوم الجمعة, من أتى متأخراً فليبق متأخراً وليتق الله ولا يؤذ المسلمين، وفي بعض الآثار أن النبي ﷺ رأى رجلاً يتخطى الرقاب فقال: ﴿اجلس فقد آنيت وآذيت﴾ أي: تأخرت وآذيت, فقد جمعت حشفاً وسوء كيلة.

стр. 149

اقتراحات للخطباء أيها الإخوة! أشكر خطباء المساجد شكراً جزيلاً على خطبتهم, وقد خطب الكثير منهم عن مسألة الدفاع عن أعراض الصالحين, وعن طلبة العلم والأخيار من أمثالكم وعن الشرفاء, فأشكرهم شكراً جزيلاً, وأرى أن على هؤلاء الخطباء أمور عظيمة وهي اقتراحات منها: أولاً: مراعاة أوضاع الناس. فإن كثيراً من خطباء الجمعة لا يخدمون المصلحة العامة, ويخطبون خطبة ميتة, إما من كتاب قديم من عهد السلطان عبد الحميد , فتجده إذا جاء يدعو قال: اللهم أيد السلطان عبد الحميد وأيد جنوده. أو خطباً ميتة أو مسجوعة سجعاً متكلفاً, فالواجب عليه أن يجدد في أسلوب الخطابة, وأن يأخذ أنفع الأساليب, وألّا يطيل على الناس، وعليه أن يحفظ الوقت فلا يزيد في الخطبتين عن نصف ساعة إلى ربع إلى ثلث إلى خمس وعشرين دقيقة. أيضاً عليه أن يتحدث إليهم عن أمورهم ومشاكلهم التي تمر في الأسبوع ويعيش قضاياهم، وعليه أن يحسن من إلقائه، فبعض الناس تجده يكسر في النحو والعربية والآيات، عليه أن يتقي الله في الأحاديث فلا يأتي بأحاديث موضوعة, وقد أخبرنا بعض الناس أن بعض الخطباء أورد أحاديث باطلة ليست من كلامه ﵊ وهي تغرير بالناس, فعليه أن يتقي الله في مسألة معرفة الحديث الصحيح من الضعيف. وأيضاً الخطبة هي توجيه للناس وتربية لهم, وحل لمشاكل الناس التي يعيشونها، وليست الخطب في قضايا محددة، بل هي فيما يهم الناس في ردهم إلى الله ، في أسلوب عصري مثلما يعيش الإعلام الآن طموحاتنا ومشاكلنا وأمورنا, بغض النظر هل يعيشها عيشة طيبة أولاً؟ وهل الإعلام موفق أو غير موفق؟ فهذا أمر معروف، لكنه يعيش على كل حال مشاكل الناس، بغض النظر عن عرضه هل هو سليم أو لا، فالمطلوب من الخطيب أن يتقي الله. وليس بلازم على الخطيب أن تكون خطبه في كل المناسبات التي تعلن كأسبوع المرور فيتكلم في المرور، أو أسبوع الشجرة فيتكلم في الشجرة, أو أسبوع المرأة أو النظافة أو غيرها، فمثل هذا له أن يتحدث, لكن بمنطقٍِ إسلامي وبكلام إسلامي تحت مظلة الكتاب والسنة، أما مسألة معالجة القضايا في إطار محدود وأمور باردة لا تنفع الناس فهذا لا يصلح، والإسلام قد كفل هذه الجوانب، لكن أيضاً يتكلم في جميع جوانب الناس, في اقتصاد الناس وثقافتهم ومشكلاتهم, وفي اهتماماتهم التي تهمهم في الدنيا والآخرة. أيضاً التثبت وأخذ الحيطة, ورجائي من الخطباء أن يتثبتوا في كثير من المعلومات التي تصلهم, فإن بعض الخطباء يقول: سمعت وقالوا وقلنا, ويعلق على "وكالة قالوا" فيقع في ورطة, فالواجب عليه أن يتثبت من كلامه وألّا يتكلم إلا بوثائق وبراهين, وأن يتقي الله فيما يقول وألّا يصدق كل أحد يخبره قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]. أيضاً عدم التجريح, فأدعو ألّا يجرح أحداً، وليس من مبدئنا في الإسلام التجريح, ولا يجوز لنا أن نجرح ولا أن نسمي الأشخاص على المنابر، ولا نتناولهم باللمز ولا بالاستهزاء والسخرية, ولكن علينا أن نعرض الكتاب والسنة على الناس عرضاً مستقيماً, فقد كان ﷺ يقول على المنبر: ﴿ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا﴾ فيعرف صاحب الخطأ خطأه. وأيضاً إذا أخطأ الخطيب في جمعة في مسألة فالواجب إحالته إلى القضاء والعلماء والدعاة؛ حتى يحاكموه على خطئه ويردوا له بالأحسن ويؤدبوه ويوجهوه, فالبشر عرضة للخطأ, وليسوا بمعصومين وليسوا بأنبياء ولا رسل، هم يريدون الخير لكن يخطئون أحياناً في عبارة أو في لفظة، وأحياناً تزل معهم مع الارتجال كلمة لا يريدونها. فالواجب -وقد طالب بذلك العلماء- الواجب إحالتهم على القاضي يسألهم تحت مظلة إياك نعبد وإياك نستعين ويحاكمهم إلى الشرع, فإن أخطئوا فعليه أن يردهم إما أن يعزلهم من الخطابة إذا رأى عدم صلاحيتهم للناس -إذا كان القاضي عالماً- أو يرى أن يستمروا مع التنبيه, أو يرى أن الخطأ لا يوجب التنبيه عليه ولا يوجب توقيف الخطيب ولا يوجب التعزير به فهذا هو الواجب الشرعي, وهذا هو الذي يرضي الله تعالى ورسوله ويرضي المؤمنين. أسأل الله لنا ولولاة الأمر الصلاح والحيطة والرعاية, وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه, وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم, وأن يصلح الراعي والرعية, وأن يؤلف بين قلوبنا على الحق, وأن يجعلنا متآخين متحابين تحت مظلة الأمن والسلام, وألا يجعل فينا شقياً ولا محروماً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين, والحمد لله رب العالمين.

стр. 150

رسالة إلى المصطافين الكون مليء بالأسرار والعجائب، والسفر والنزهة والاصطياف وسيلة إلى معرفة أسرار الكون، والتفكر في مخلوقات الله ، وللسفر آداب وأحكام، لابد على المسافر أن يعرفها ويفقهها. وفي هذه المادة عرض لآداب وأحكام السفر.

стр. 151

من آداب الاصطياف الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها المصطاف الكريم! حللت أهلاً، ووطئت سهلاً بين إخوانك ومحبيك، سعدنا بك وسعدت بنا يوم جمعتنا بك لا إله إلا الله وقد قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. أيها المصطاف الكريم! إنك في رحلتك هذه إلى أماكن النزهة تحمل رسالةً ربانيةً خالدة، إنها رسالتك التي شرَّفك الله بها؛ رسالة الإيمان والتوحيد والطهر والعفاف، رسالة لا تغيب عنك أبداً إلا يوم تغيب أنت عن إيمانك وتوحيدك وإسلامك، يوم تشتري الدنيا بالآخرة وتقبل على غير الله. هذه الرسالة هي معك وأنت في المسجد، والمكتب والحانوت والحديقة والجبل والبستان، إنها أمانة لا إله إلا الله ولقد قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]. أيها المصطاف الكريم! إن للاصطياف آداباً وأخلاقاً لعلها لا تغيب عنك، فمن هذه الآداب:

стр. 152

التفكر في مخلوقات الله اغرس في نفسك توحيد الباري ﵎، وأنت تنظر في بديع صنعه ولطيف خلقه. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]. من الذي أنبت الشجر؟ من الذي جعل القُمري يهتف على الأغصان؟ من الذي أسرى بالنسيم على الماء؟ قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] إنه كتاب الكون. وكتابي الفضاء أقرأ فيه صوراً ما قرأتها في كتاب ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠]. من الذي رسم هذا الجمال؟ وأبدع هذا الكمال؟ من الذي جعل الرابية تشكو إلى الجبل، والماء يتمتم بالإسرار إلى الزهر، والبلبل ينشد قصيد الشكر على أغصان الشجر؟ انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة من الذي أبدعها من حبة مندثرة ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة ذو حكمة بالغة وقدرةٍ مقتدرة أيها المصطاف! إن الدرس العظيم الذي تستفيده وأنت تجوب بسيارتك في هذا الإقليم الجميل، أن تتزود من التوحيد في كل ما ترى وتشاهد قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠]. مالهم لا ينظرون؟!! مالهم لا يتفكرون؟!! مالهم لا يعتبرون؟!! ما للناس يعجبون من صنع الناس، ومن إبداع الناس ولا يعجبون من صنع رب الناس؟! تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك بم عرفت ربك؟ بالآيات، بالعظات، بالعبر في الكون، بالجمال، بالجلال. إن عليك أيها المصطاف أن تقرأ أسماء الله عزوجل في سمائه وأرضه، وإبداعه وتصويره. إن أول سورة نزلت على الأمي الكريم ﷺ هي قوله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] فأين يقرأ الأمي الذي ما كتب، ولا قرأ؟ إنه يقرأ في الكون؛ في الشمس الساطعة وفي النجوم اللامعة، في الليل والنهار، في الجدول والغدير والماء النمير. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

стр. 153

حسن الخلق والكف عن أذى الآخرين أيها المصطاف الكريم! إن من حقوق الإنسان التي أجمع عليها عقلاء العالم قاطبة: احترام مشاعر الآخرين، وتقدير مكانة المسلمين، والاعتراف بحقوق المؤمنين، فلا يضايق المسلم بكلمة نابية؛ بل لا يضايق غير المسلم، فكيف بالمسلم؟! ولا بتصرف أهوج، ولا بأذىً متعمد، قال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] يقول ابن المبارك: إذا صاحبت قوماً أهل ودٍ فكن لهم كذي الرحم الشفيق ولا تأخذ بزلة كل قومٍ فتبقى في الزمان بلا رفيق وإن من احترام مشاعر الآخرين: صون أعراضهم عن النظر الحرام، وعدم الإزعاج بالتصرف الأهوج من مضايقة في أماكن النزول، أو رفع صوت، أو منعهم من مرفق عام أو منفعة مباحة مشتركة ليست خاصة بأحد.

стр. 154

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها المصطاف! إن من فرائض الله عزوجل على عباده: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل زمان ومكان، ويوم تترك الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تصبح أمة أشبه شيء بالدواب؛ أمة بهيمية لا قداسة لها ولا روح، حينها ينزع عنها الله جلباب الوحي، ويخطب الدجالون من على منابرها، وتضيع كرامتها، ويتهدم تاجها، ويتزلزل بنيانها، وتصبح في آخر الأمم، وفي سياق الركب قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] لكن متى؟! قال تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وقد نعى الله على قوم خسروا وخابوا، إنهم اليهود، عملاء الخيانة، بنو إسرائيل، كانوا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فلعنهم الله بصنيعهم الخائن الخائب قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. إنك أيها المصطاف في رحلتك هذه داعية إلى الله، تدعو من ضل إلى سبيل الله، وتُبصر من عمي عن منهج الله، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] قل يا محمد للعالم وللدهر وقل للإنسانية، وللتاريخ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] هذه طريقي، ما هي؟ ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] قال أهل العلم: البصيرة: العلم، وقيل: الحكمة، وقيل: اللين، وقيل: التدرج، والصحيح: أن الجميع هو البصيرة، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] تدعو من في أماكن الاصطياف وفي النزهات، تدعو من تهاون عن الصلاة؛ إذ كثير من الناس أصبحت الصلاة في حياته ثانوية، بل بعضهم أكل نعم الله وكفر بفرائض الله، فلا يسجد ولا يركع ولا يسبح ولا يقرأ القرآن؛ كأنه دابة في مسلاخ إنسان. تدعو من رفض الحجاب الشرعي؛ وأذعن لنعرات وصيحات الغرب وعملاء الضلالة، فرفض الحجاب وكفر به، وآمن بالاختلاط، وسفك مروءته وصيانته واحترامه وعرضه أمام الآخرين. تدعو من شغل وقته وعمره بالغناء الماجن؛ فهو لا يعيش إلا على اللهو، قد امتلأ قلبه من اللهو والعبث، وقسا قلبه، وأعرض عن ربه.

стр. 155

تقدير نعم الله ومن الآداب أيضاً: أن تقدر نعم الله، فلا تصرفها في غير ما تصرف له، ولا تسرف في الإنفاق، قال : ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧] إن الموائد التي تعرض تكفي عشرات الناس. إن بطون المجاهدين والفقراء واللاجئين بحاجة ماسة إلى ما يلقى في القمائم من الفضلات. فيا مسلمون! يا مصطافون! ويا أهل الدار! أنتم مدعوون لشكر نعمة الله، فإن نعمة الجو نعمةٌ امتن الله بها على من سبق، قال عن بني إسرائيل: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف:١٦٠] فلا تحرقهم الشمس، ولا يلهبهم النسيم، وإنما يعيشون في رغد من الجو، وفي سعادة من العيش. وامتن الله عزوجل على قوم بالحدائق والبساتين قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥].

стр. 156

حقوق الضيف على المضيف وإن من حقوق المصطافين علينا: أن نحسن ضيافتهم بالاستقبال الحار بالإكرام، بالمعاونة ﴿والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه﴾ بأن ندلهم على أماكنهم وأماكن راحتهم، بأن نقف معهم في وقت نزولهم المحرج ونستضيفهم في الأوقات التي يرتاحون لها، ونعرض عليهم الخدمات؛ لأنهم قطعة من شريحتنا، وجزء من أجسامنا، جمعتنا بهم لا إله إلا الله. وإن من حقوقهم أيضاً: أن نعلي منزلتهم احتراماً لهم؛ لأنهم تركوا بلاد الغرب وبلاد الاصطياف الكافرة العاهرة، وبلاد الخمر، وأتوا إلى بلاد الصلاة؛ بلاد لا إله إلا الله، بلاد القرآن، فنعلي منزلتهم احتراماً لهم وتقديراً لهم يوم آثرونا بزيارتهم على الآخرين: ضيوف الخير قد شرفتمونا بلقياكم ربوع الجو طابا فـ أبها من زيارتكم تباهت بثوب الخلد أطلقت الضبابا أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 157

أحكام المسافر الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وحجة الله على الهالكين، وعلى آله وصحبه والتابعين. إن من عظمة هذا الدين؛ أنه يصاحب العبد في حله وترحاله، فللمقيم أحكام وللمسافر أحكام، للصحيح أحكام وللمريض أحكام، للرجل أحكام وللمرأة أحكام، دين يسع كل أصناف الناس وكل أقسام البشر وطبقات العالم، دين يعيش مع المسلم في ليله ونهاره، في السراء والضراء، بل يصحبه وهو حمل في بطن أمه إلى أن يدخل إما إلى الجنة أو إلى النار، وما دام المصطاف مسافراً فله أحكام السفر، أقولها تكراراً لمن عرفها، وتعليماً لمن جهلها:

стр. 158

الجمع والقصر في الصلاة من أحكام المسافر التي يحتاج لها المصطاف: الجمع والقصر؛ وقد رخص ﵊ في الجمع لكن في مواطن، وأما القصر فسنة، وحدُّ السفر الذي يقصر فيه ما يسمى في اللغة والعرف سفراً، فما تعارف الناس أنه سفر فيقصر فيه ويجمع، لا أن الله حد حداً أو رسوله ﵊ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لا بالأميال، ولا بالفراسخ، ولا بالبرد، بل أطلق السفر على ما سمي سفراً في عرف الناس وفي لغة العرب، وما لم يسمَّ سفراً فلا يقصر فيه. وأما قصر الصلاة فتقصر الرباعية إلى ركعتين، وأما المغرب والفجر فلا قصر فيهما، وأما النوافل الراتبة في السفر فمن هديه ﵊ ألا يتنفل، لكن لا يسقط الوتر؛ بل يصلى الوتر حضراً أو سفراً. يقول ابن تيمية: ومن أراد أن يصلي الضحى وهو مسافر فله ذلك لعموم الأحاديث المطلقة للمقيم والمسافر. وأما الجمع، فكان هديه ﵊ ألا يجمع إلا إذا جدَّ به السير، إذا كان على جناح السفر، وإذا مشى براحلته، أو انتقل المسافر بسيارته، فإن له أن يجمع الظهر مع العصر إما تقديماً أو تأخيراً، والمغرب مع العشاء إما تقديماً أو تأخيراً، أما إذا نزل المنزل وهو مسافر، فيصلي كل صلاة على حدة قصراً لا جمعاً، ومن اضطر لمشقة النزول، أو كان متعباً فله أن يجمع، لكن السنة المطلقة منه ﵊ قصر الصلاة في أماكن النزول بلا جمع.

стр. 159

مدة الزمن الذي تقصر فيه الصلاة الأحوط للعبد وهو الأقرب للنصوص، أنه إذا علم أنه سوف يقيم في بلد أكثر من أربعة أيام أن يتم صلاته، فإذا أنك علمت أنك سوف تقيم في هذا البلد أكثر من أربعة أيام فأتم صلاتك، أما إذا نزلت ولم تدرِ متى ترتحل، فإنك تقصر دائماً وأبداً مهما أقمت، فقد أقام ﵊ في تبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة؛ لأنه لا يدري متى يرتحل ﵊. والمسافر إذا ائتم بمقيم، صلى بصلاته الحاضرة وهذه هي السنة كما قال ابن عباس عند البيهقي، لكن جوَّز كثير من المحدثين والعلماء للمسافر إذا أدرك من الرباعية الثالثة والرابعة أن يكتفي بها، ويسلم مع الإمام، وهذا هو الصحيح إن شاء الله.

стр. 160

المسح على الخفين ومن المسائل والأحكام التي تهم المسافر: المسح على الخفين؛ وقد جعل ﷺ مدة المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن كما في حديث علي في صحيح مسلم فالبس الخفين على طهارة، واحسب مدة المسح من أول حدث، والخف هو ما سمي خفاً في اللغة والعرف، وهو: ما ستر القدمين، ولا يشترط كما قال بعضهم: أن يكون مخروزاً أو جلداً أو يقوم بذاته أو يواصل المشي عليه، إنما يسمى خفاً كل ما ستر القدمين، فهذا الذي يمسح عليه، فقد كان الصحابة يلفون لفائف ربما كانت مشققة ويمسحون عليها. قال ابن تيمية: ومن اشترط هذه الشروط التي ليست في كتاب الله عزوجل ولا في سنة رسوله ﷺ ، فإنما قد وضع الآصار والأغلال التي أتى رسول الله ﷺ برفعها عن الأمة قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] فإذا انتهت مدة ثلاثة أيام للمسافر ويوماً وليلة للمقيم، فعليه أن يضع الخفين ويتوضأ ويغسل القدمين ويبدأ مدة جديدة، ومن خلع الخف في أثناء المدة فالأحوط أن يعيد وضوءه من جديد.

стр. 161

التيمم ومن الأحكام: التيمم لفاقد الماء، والمتضرر باستعمال الماء، وصفته: أن يضرب الصعيد الطيب -وهو التراب الذي له الغبار- بكفيه ثم يمسح وجهه وظاهر يده اليسرى بباطن اليمنى، وظاهر يده اليمنى بباطن اليسرى كما فعل محمد ﵊ في حديث عمار.

стр. 162

دعاء السفر ومن السنن في السفر: دعاء السفر الذي كان يدعوه ﵊، كان يقول: ﴿اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل﴾ وقد صح عنه ﵊ في سنن أبي داود أنه قال: ﴿من نزل منزلاً فقال: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) لم يصبه سوءٌ حتى يرتحل من ذاك المنزل﴾.

стр. 163

المحافظة على المكان الذي تنزل فيه ومن الآداب أيضاً: أن يتجنب بالأذى طرق الناس وسبلهم ومياههم ومتحدثهم، فلا يقضي حاجته في تلك الأماكن فإن من فعل ذلك، فقد استحق اللعنة، وقد لعنه ﵊ وهو أحد اللعانين اللذين يستوجبان لعنة الناس، وقيل: لعنة الملائكة والناس، وهو الذي يتخلّى ويلقي حاجته في طرق الناس أو في ظلهم، زيد في أحاديث: أو نقع الماء، أو المكان الفسيح الذي يجتمع فيه الناس، أو تحت شجرة مثمرة، أو على مكان مرتفع ينظر إليه أو نحو ذلك. إنه دين نظيف راقٍ يرتقي بالإنسان ليكون عليه رداء الطهر والقداسة، فكأن الإنسان يشابه الملك، هذا هو دين محمد ﵊. وإنما نبهت على هذه الأحكام؛ لأن المصطاف وهو مسافر يحتاج إلى مثل هذه الأحكام، وإني أوصي إخواني من المصطافين والمقيمين بكثرة ذكر الله عزوجل، وكثرة التوبة والاستغفار وفعل الصالحات. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في أفغانستان وفلسطين؛ اللهم أيدهم بكلمتك، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم زلزل أعداءهم، اللهم أنزل السكينة عليهم يا رب العالمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 164

رسالة إلى المغنيين والمغنيات يتحدث الشيخ حفظه الله عن هذا الموضوع، مبيناً الدوافع والأسباب التي دفعته لطرحه، ثم شرع في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة المطهرة الدالة على تحريم الأغاني، ثم أخذ يورد أقوال الصحابة والتابعين وعلماء الإسلام في تحريم الغناء وفتاويهم في ذلك، مع ذكره لبعض شبه من أباح الغناء والرد عليها، وأتبع ذلك ببيان بعض كلمات المغنين وأشعارهم الكفرية والإلحادية، مبيناً أضرار الغناء. واختتم الدرس بكلام بعض التائبين من الغناء، وأقوال بعض الشعراء في ذم الغناء.

стр. 165

الأسباب الدافعة للحديث عن الغناء الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أكرم هادي، وأفصح من نطق بالبوادي، وأجل من تكلم في النادي، وأحدى من حدا به حادي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فعنوان هذه المحاضرة: (رسالة إلى المغنيين والمغنيات) رسالة مزجتها بالحب، وصبغتها بالمودة، وأرسلتها بالمحبة، ودفعني لقول هذه الرسالة ثلاثة أسباب: السبب الأول: ما أخذ الله على أهل العلم أن يبينوا الحق، ويوضحوا للناس ما اختلفوا فيه، ويقيموا على كل مسألة دليلاً، قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] لذلك كان لزاماً عليَّ وعلى كل داعية وكل طالب علم أن يبين الحق لأهل الحق، ولمن يقبل الحق ولمن لم يعرف الحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم. السبب الثاني: الإشفاق على من وقع في براثن الغناء، ومن ضيع عمره في هذا اللهو، ومن لعب بساعاته ولياليه وأيامه، والرحمة به، فوالله لا نريد أن تصيبه حرارة الشمس، ولا الشوكة؛ لأنه مسلم في الجملة، ولأنه قريب وأخ وحبيب وصديقٌ، فرحمةً به أردنا أن ننصحه، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ فأحببنا لهم ما أحببنا لأنفسنا؛ لأنا ذقنا القرآن وحلاوة الذكر، والطاعة والعبادة، ومجالس الخير والدروس، والكتب الإسلامية واتباع السنة، فنحب لهم ما نحب لأنفسنا، ونريد لهم أن يذوقوا كما ذقنا، وأن يعيشوا كما عشنا، وأن يحيوا كما حيينا، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. السبب الثالث: ما لُبِّس على بعض الناس من الذين تزعموا الفتيا؛ فأفتوا بغير علم، وشُبِّه عليهم، فأباحوا الغناء، فنقول: من أين أبحتموه والله يقول: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]؟! من أين أبحتموه؟! وما هو دليلكم؟! ومن أين برهانكم؟! ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا﴾ أين الدليل؟ وأين البرهان؟ فهذه الرسالة إلى المغنين والمغنيات لها عناصر: العنصر الأول: أدلة تحريم الغناء من الكتاب والسنة. العنصر الثاني: أقوال علماء الإسلام في تحريم الغناء. العنصر الثالث: شبهة من قال بإباحة الغناء والرد عليه. العنصر الرابع: بعض كلمات المغنين في غنائهم التي يقولونها صباح مساء، وتبث في الآذان، وتصل إلى القلوب. العنصر الخامس: أضرار الغناء وأخطاره في الدنيا والآخرة. العنصر السادس: تائبون من الغناء منّ الله عليهم بهجر الغناء، وعادوا إلى رحاب الإيمان، فأهلاً وسهلاً بالأحباب، وحياهم الله وبياهم من خيرة أصحاب على سنن الهدى. يا خير ساعٍ لقيت الحظ في يوم المعاد العنصر السابع: ماذا قال شعراء الإسلام عن الغناء في ذمه وفي تحقيره وفي التحذير منه؟

стр. 166

أدلة تحريم الغناء

стр. 167

أدلة تحريم الغناء من كتاب الله أما الكتاب والسنة فقد نطقا بتحريم الغناء، قال في سورة الإسراء: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] قال المفسرون كما ذكر ابن جرير وابن كثير وغيرهما: " صوته الغناء " واستفزز -والخطاب للشيطان- أي: استفزز اللاغين اللاهين بصوتك الذي هو الطرب والغناء، وما صاحبه من موسيقى ووترٍ وناي وكمنجةٍ، وغيرها من المعازف، استفززهم بذلك وأزهم أزاً، وحركهم إلى المعصية، وذكرهم الفاحشة، ومرسهم على الفجور. وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٦ - ٧] قال ابن مسعود: [[أقسم بالله أن لَهْوَ الحديث لَهُوَ الغناء]] وقاله غيره كـ جابر، ونقل عن مجاهد ذلك، وعن ابن مسعود كما أسلفت وعن غيرهم من الأئمة كما سوف أذكره إن شاء الله. وقال سبحانه: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠] قال بعض العلماء: اللهو هو: الغناء، بل هو أسه وأساسه ورأس حربته، فهو من أعظم اللهو الذي يلهي القلوب عن باريها . وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] وأغوى الغي ما دلك على الفاحشة وما قادك إلى المعصية، فهذا عقبة بن نافع القائد العظيم الشهير المسلم الذي وقف بسيفه على المحيط الأطلنطي يخاطب الماء ليرفع لا إله إلا الله وراء الماء، يقول لأبنائه: " يا أبنائي! إياكم والغناء! فوالله ما استمعه عبد إلا وقع في الفاحشة ". وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩] فإذا كان اتخاذ الأموال والأولاد مباحاً، لكنه إذا ألهى حرم، فكيف الملهيات التي هي أصلاً وفصلاً ونصاً من الملهيات والمغريات للقلب، ومما يحجبه عن خالقه ومولاه؟! وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] قال أحد علماء السلف: " كل من أحب شيئاً وتعلق به وشغله فهو إله له من دون الله " (اتخذ إلهه هواه) أي: أحب هذا الهوى فغلبه. قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] والهوى: كل ما شغلك عن طاعة أو حجزك عن ذكر، قال البخاري في صحيحه: باب ما يذم من الشعر إذا كان الغالب على الإنسان حتى شغله عن القرآن وعن الذكر وعن طلب العلم، ثم أتى بالحديث الصحيح المرفوع: ﴿لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً﴾ فإذا كان هذا الشعر وهو مباح في أصله إذا لم يصاحبه غناء مذموماً إذا شغل عن الذكر والقرآن وطلب العلم؛ فكيف بغناء مركب يشغل الإنسان عن طاعة الواحد الأحد كما تشغله الخمر؟! فلا إله إلا الله كم أفسد الغناء من قلب!! ولا إله إلا الله كم جفت بسببه عين!! ولا إله إلا الله كم أغوى من شباب وكم أورث من فاحشة وكم دعا إلى فجور!! اتق الله الذي واستمع قولاً به ضرب المثل اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل كم أطعت النفس إذ أغويتها وعلى فعل الخنا ربيتها كم ليال لاهياً أنهيتها إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل وقال سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] وأغفل الغافلين وأكثر الناس صدوداً من شغل وقته بالغناء مزاولةً أو سماعاً أو مشاركةً، فحينها يقسو قلبه، وتكثر حجبه، ولا تسيل دموعه، ولا يذكر ربه، ولا يتهيأ لمعاده.

стр. 168

أدلة تحريم الغناء من السنة أما سنة المختار ﵊ فاسمعوا إلى الحبيب، يا أيها المغني! يا أيتها المغنية! اسمعوا إلى رسول الإنقاذ ﵊، اسمعوا إلى المصلح الكبير، اسمعوا إلى المعلم النحرير، اسمعوا إلى البشير النذير، اسمعوا إلى من لم يترك لنا خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، اسمعوا إلى الذي لو خالفنا طريقه فلن نعرف الجنة، ومن اتبعه نجا وأفلح في الدنيا والآخرة. فقد صح عنه ﷺ عند البخاري أنه قال: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ حديث صحيح سنده كالشمس، ومعناه: أنه سوف يأتي قوم يستحلون محرمات منها المعازف، فيقولون: مباحات ويعزفون ويطبلون، ويرقصون ويغنون، فإذا جابهتهم، قالوا: مباحٌ، وقد صحت نبوته في ذلك، والحديث في البخاري. وقد قال ﵊ عند أبي داود بإسناد حسن، بل صححه بعض الفضلاء: ﴿يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشراب ولهو ولعب، فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير﴾ رواه أبو داود بسند حسن. وبعض علماء السنة قال: "سوف يقع المسخ في آخر هذه الأمة". قالوا: "من استغوى وغوى، وأحدث الخمر والمعازف والغناء، وترك رب الأرض والسماء، يوشك أن يصبح وقد مسخ خنزيراً أو قرداً " والعياذ بالله. وقال ﵊، والحديث في الترمذي وقال عن الحديث: غريب: ﴿ليكونن في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قال رجل: متى ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت القيان والمعازف﴾ قيل: القذف بالحجارة من السماء، والخسف: أن يخسف بهم في الأرض ويسيخوا، وقد أورد بعض المؤرخين أن بعض اللاغين اللاهين الفاجرين في بلاد الإسلام باتوا على زنا وغناء، فخسف الله بهم وبدارهم، والقصص معروفة، وقذفوا بالحجارة، ومسخٌ: يمسخون قردةً وخنازير والعياذ بالله! وقال ﵊ والحديث عند ابن خزيمة بسند صحيح: ﴿إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة، وصوت عند مصيبة﴾. قال أهل العلم: الصوت عند النعمة: هو صوت العزف والغناء في مناسبات الطرب إذا حصلت النعمة، وجزاء النعمة شكر الواحد الأحد لا الغناء، ولا الرقص، ولا المعازف، والصوت عند المصيبة هو: صوت النائحة، ودلت على ذلك النصوص، وعند أبي داود يُروى عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه خرج لما سمع زمارة راعٍ فوضع إصبعه في أذنيه، ثم قال: يا نافع! هل تسمع شيئاً؟ قال: نعم. فأبقى إصبعيه، فلما سأله هل تسمع شيئاً؟ قال: لا. فأنزل إصبعيه من أذنيه، وقال: ﴿رأيت رسول الله ﷺ سمع زمارة راعٍ، فوضع إصبعيه في أذنيه كما فعلت﴾ فهذه زمارة راعٍ ليس فيها من الإغواء كهذا الغناء الذي تكلف فيه، وأصبح مركباً، وأصبح له تخصص، وأصبح على دراسة، وأصبح فتاناً للقلوب ومشغلاً للأرواح أهو أولى بالتحريم أم هذا؟

стр. 169

أقوال علماء الإسلام في تحريم الغناء فهذا ابن عباس يحرم الغناء، وابن مسعود يحذر منه، وجابر بن عبد الله يصفه باللهو، وعلماء الإسلام يفتون بتحريم الغناء، وعقبة بن نافع يحذر أبناءه، ومكحول ينكر على من يغني وعلى من يستمع، وكذلك مجاهد، وميمون، وعكرمة. يفتي شيخ الإسلام ابن تيمية بتحريم الغناء، وسوف أورد فتواه، وابن القيم يحبر مقالةً في ذم الغناء وتحريمه، وعلامتنا وشيخنا سماحة الوالد ابن باز له فتوى في ذلك بتحريمه. إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام الألباني: يجمع النصوص، ويحرر الأحاديث، ويفتي بتحريم الغناء، فهل بعد هذه القائمة من علماء؟! وهل يجابه فتوى هؤلاء فتوى؟ خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل واسمع إليهم الآن:

стр. 170

أقوال الصحابة والتابعين والأئمة في تحريم الغناء قال ابن عباس ﵄ كما في تفسير ابن جرير في قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] قال: [[هو الغناء]]. وقاله مجاهد، ومكحول علامة الشام، ومجاهد بن جبر -كما أسلفت- مفسر المسلمين، وميمون بن مهران العدل الثقة، وقاله الثوري زاهد التابعين، وقاله أبو حنيفة علامة العراق، وقال مالك: " لا يستمع الغناء ولا يغني عندنا إلا الفساق ". ، وقال الشافعي: خلفت بـ بغداد شيئاً أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن أو كما قال، وأفتى الإمام أحمد بتحريمه وحذر منه، وتبعه أصحابه، وصنف في ذلك أبو الطيب الطبري رسالةً، وكذلك كثير من العلماء ألفوا فيه رسائل. قال ابن مسعود فيما صح عنه وبعضهم يرفعه إلى الرسول ﵊: [[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل من المطر]] وقال عقبة بن نافع لأبنائه وقد تقدم نحوه: " إياكم والغناء فما استمعه عبد إلا وقع في الفاحشة "، وقال عمر بن عبد العزيز لأبنائه: [[أُحذركم الغناء، فما استمعه عبد إلا أنساه الله كتابه]] أي: القرآن. وابن مسعود في قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] يقول: [[والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء]] ونقل الآجري العالم الكبير المحدث إجماع أهل العلم بتحريم الغناء، وهو قول الليث بن سعد وعلماء مصر، وعلماء الكوفة، وأفتى به حماد وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم النخعي، وغيرهم كثير.

стр. 171

فتوى شيخ الإسلام في تحريم الغناء واسمع إلى حبيب العلماء، الثقة العدل، الزاهد الصادق، شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين ابن تيمية يقول في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: " ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية -يقصد الصرع- وما ينتاب العبد من خبائث، ومن واردات شيطانية ووساوس وأمراض قلبية سماع الغناء والملاهي، وهو سماع المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥] قال ابن عباس وابن عمر: [[التصدية التصفيق باليد، والمكاء: الصفير]]. وقال شيخ الإسلام: فكان المشركون يتخذون هذا عباده، وأما النبي ﷺ وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، ولم يجتمع النبي ﷺ وأصحابه على سماع غناءٍ قط، لا بكف ولا بدف. ثم قال عن مستمع الغناء: " وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن، وتقوى عند مزامير الشيطان، فيرقص ليلاً طويلاً، فإذا جاءت الصلاة صلى قاعداً، وقد حدث هذا ". قال الشافعي: رأيت في المدينة قيناً يدور على الناس يعلمهم الغناء طيلة النهار، فإذا أتت الصلاة صلى جالساً، أو ينقر الصلاة نقر الديك، وهو يبغض سماع القرآن وينفر منه ويتكلفه، ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاء والتصدية، ويجد عنده مواجيد، فهذه أحوال، وهو ممن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] ". انتهى كلام ابن تيمية. وأقول له: بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا

стр. 172

كلام ابن القيم حول الغناء وقال تلميذه ابن القيم -غفر الله له ورفع درجته- في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان وهو كتاب عظيم: " ومن مكائد الشيطان ومن مكائد عدو الله ومصائده التي كاد بها من قل نصيبه من العقل والعلم والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد الشيطان النفوس المبطلة، وحَسَّنَ الغناء لها مكراً منه وغروراً، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجوراً، فلو رأيتهم عند ذياك السماع، وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابةً واحدةً، فتمايلوا له كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم كتكسر النسوان، والعياذ بالله ". ثم قال: " وهو خمارة النفوس، يفعل بالنفوس أعظم من فعل الكئوس، فلغير الله بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأموال في غير طاعة الله تنفق، قضوا حياتهم لذة وطرباً، واتخذوا دينهم لعباً ولهواًً، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع الواحد منهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكناً، ولا أزعج له قاطناً، حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجر ينابيع الوجد من قلبه على عينه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله الواحد الديان عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل ". انتهى كلامه رفع الله منزلته، وغفر ذنبه، وهو من المحققين العظماء.

стр. 173

فتوى ابن باز والألباني في تحريم الغناء وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله قال السائل: ما حكم الأغاني؟ هل هي حرام أم لا؟ رغم أني أسمعها بقصد التسلية فقط؟ وما حكم العزف على الربابة والأغاني القديمة؟ وما حكم الطبل في الزواج؟ فأجاب سماحته: " الاستماع إلى الأغاني حرام ومنكر، ومن أسباب مرض القلوب وقسوتها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد فسر أكثر أهل العلم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] بالغناء، وكان عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل ﵁ يقسم على أن لهو الحديث هو الغناء، وإذا كان مع الغناء آلة كالربابة والعود والكمان والطبل صار التحريم أشد. وذكر بعض العلماء أن الغناء بآلة لهو محرم إجماعاً، فالواجب الحذر من ذلك، وقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ وهي: آلة الطرب". ثم قال: " أوصيك وغيرك بالإكثار من قراءة القرآن ومن ذكر الله ، كما أوصيك وغيرك بسماع إذاعة القرآن وبرنامج نور على الدرب، ففيهما فوائد عظيمة، وشغل شاغل عن سماع الأغاني وآلات الطرب، أما الزواج فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد، الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ولا مدح محرم، في وقت من الليل للنساء خاصة؛ لإعلان النكاح، والفرق بينه وبين السفاح، كما صحت السنة في ذلك عن النبي ﷺ ، أما الطبل فلا يجوز ضربه بالعرس ولا في غيره، بل يكتفى بالدف خاصة في العرس فقط، وللنساء دون الرجال ". انظر مجلة الدعوة العدد (٩٠٢). وهذه فتوى من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، انتهت وهو من هو علماً وحفظاً وتقوى وفهماً. واسمع إلى محدث العصر والعلامة الكبير محمد ناصر الدين الألباني وقد أورد حديث: ﴿ليكوننَّ أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ قال في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١٤٤) قوله: " (يستحلون) فإنه صريح بأن المذكورات ومنها: المعازف هي في الشرع محرمة، يستحلها أولئك القوم ". وقال: " وقرن المعازف مع المقطوع بحرمته، مع الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة لما قرنها معها، وقد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذٍ كالطبل والعود وغيرها، ولم يأتِ ما يخالف ذلك أو يخصه؛ اللهم إلا الدف في النكاح والعيد، ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها، ولا تغتر -أيها القارئ الكريم! - بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة من القول بإباحة آلات الطرب والموسيقى، فإنهم والله عن تقليد يفتون، ولهوى الناس ينصرون. ومن يقلدون؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ فأباح آلات الطرب والملاهي، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده، وهو صحيح ". انتهت فتوى هذا العالم الجهبذ العلامة غفر الله له ورفع منزلته.

стр. 174

شبهة من قال بإباحة الغناء والرد عليه ورد في الساحة ونشرت بعض الصحف أن بعض المفكرين سئل عن الغناء هل تستمعه؟ قال: نعم أستمعه، ولا بأس به وهو حلال، ولم يأتِ فيه حديث صريح يحرمه.

стр. 175

مواقف في الرد على شبهة من أباح الغناء ونحن نقف منه ثلاثة مواقف: أولها: أن نقول له: كيف افتريت على الكتاب والسنة؟ أما أوردنا الآيات؟! أما أوردنا الأحاديث؟! أما ذكرنا كلام أهل العلم؟! فأين دليلك الذي يعارض دليلهم؟! ما هو دليلك الذي تبيح به الغناء؟ قال سبحانه: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]. ثانيها: أن نقول له: إن كتاب الله قد بين المحرمات وما أحل سبحانه، فإن الله قد فصل في الكتاب كل شيء، وقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] فسألناهم كـ ابن عباس وجابر وابن عمر وعائشة، وجل الصحابة وعلماء التابعين، والفقهاء الأربعة، وابن تيمية وابن القيم وابن باز والألباني فقالوا بتحريمه، فأين العلماء إلا هؤلاء؟ أين نذهب؟ بتحليله إلا قوم ليس لهم دليل. ثالثها: ألم ينظر هذا المفكر إلى ما حدث في المجتمع من فساد؟ ألم ينظر إلى ما طم من بلاء؟ ألم ينظر إلى المنكرات؟ ألم ينظر إلى الفجور؟ ألم ينظر إلى ما أحدثه الغناء؟ ألم ينظر نتائجه الوخيمة في المجتمعات؟ ألم ينظر إلى الفاحشة والتسيب؟ فتاة في السادسة عشرة وفي العشرين تكشف صدرها وذراعيها، وتمشط شعرها وتتجمل وتتطيب وتتمكيج، ثم تظهر أمام الجماهير وأمام الألوف المؤلفة، فتنقل في الشاشات، وعلى الصحف، وفي وجه المجلات بصوت رخيم، فتفتن القلوب وتعدم الأرواح، فلا إله إلا الله أي ذنب اقترفت!! وأي خطيئة ارتكبت!! وأي رب أغضبت!! وأي شرع خالفت!! نسأل الله أن يهدي هؤلاء، فما اجتمعنا إلا لنقول النصيحة، ولندعو لهم بظهر الغيب علَّ الله أن يسعدهم في الدنيا والآخرة.

стр. 176

بعض كلمات المغنين في غنائهم الغناء بالآلات -كما قلت- محرم، لكن زادوا على ذلك وطمُّوا وعمُّوا، فأتوا يتفننون في منكر القول وفاحشه؛ بل بعضهم وصل إلى درجة الكفر بشعره وبغنائه.

стр. 177

أمثلة من شعر الغزل الكفري والإلحادي فهذا خليفة من الخلفاء طلب شاعراً من الشعراء ليسفك دمه، وهذا الشاعر يقول في أغنية أو قصيدة: قف بالطواف تر الغزال المحرما حج الحجيج وعاد يقصد زمزما لو أن بيت الله كلم عاشقاً من قبل هذا كاد أن يتكلما فسمعها بعض العلماء فبكى وقال: سبحان الله، والله ما دخلت الطواف والمسعى ووالله ما ذكرت إلا الله وما ذكرت غيره، ومع العلم يقول هذا الشاعر: كاد أن يتكلم البيت لمحبوبه، وحسيبه الله! ويقول آخر: فوالله ما أدري ولو كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمانيا لما رأى النساء عند الجمرات نسي العدد، وتوله قلبه، ونسي مراقبة الله عند الجمرات التي وقف عندها المصطفى يبكي ويدعو، ووقف أيضاً عمر عندها يبكي ويقول: [[اللهم إنه شاب رأسي، ورق عظمي، وضاعت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتةً في بلد رسولك]] وأما هذا فيقول: فوالله ما أدري وإن كنت داريا بسبعٍ رمين الجمر أم بثمانيا ويقول غيره وهو مجنون ليلى الذي ضاع قلبه وأعرض عن القرآن، وعن المسجد، وأمره إلى الله، يقول: أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوبُ وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوبُ لا إله إلا الله!!! والله يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].

стр. 178

غزل أحد المغنين المعاصرين وإلحاده وفي مجلة اليقظة قالوا: بعد توقف خمسة وثلاثين عاماً يعود الموسيقار الكبير الفنان، يعود ليتحف الجماهير -أقول: ليضل الجماهير- ويتحفنا بالجديد، وأقول: الجديد من المعصية، عله أن يتوب ويراجع حسابه مع الله، اسمع إلى كلمات الأغنية، وأنا أقرؤها بلهجته؛ لأنها لهجة عامية متبذلة، وعفواً إذا أخطأت في ضبط اللهجة، وهي تخالف المعتقد وتعارض الكتاب والسنة، وتلغي قرارات القضاء والقدر التي أتى بها محمد ﷺ ، وأفتى كثير من العلماء بتحريم قولها واستماعها، وأن من اعتقد ما فيها فقد كفر، وحقه أن يقطع رأسه بالسيف الأملح؛ لأنه اعتقد عقيدة الشرك والعياذ بالله، يقول: جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه مشاوير مرسومة لخطاوينا نمشيها في غربة ليالينا يوم تفرحنا ويوم تجرحنا واحنا ولا احنا عارفين ليه وزي ما جينا جينا ومش بأيدينا جينا ولقيت بيتي بعد الغربة قلبك ده وعيونك ديه ولقيت روحي في أحضان قلبك باحلم واصحى واعيش على حبك حتى في عز عذابي بحبك عارف ليه يا حبيبي بحبك من غير ليه

стр. 179

قضايا مهمة في مقطوعة غناء أولها: قوله: (جايين الدنيا ما نعرف ليه) أي: أتيت إلى الدنيا لا أعرف لماذا أتيت؟ قال سبحانه يرد عليه ويخبره لماذا أتى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣]. (جايين الدنيا ما نعرف ليه) أتى بك الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. قال: (جايين الدنيا ما نعرف ليه) أتيت لتعبد الله فإلى جنة أو تعصي الله فإلى نار. ثم يقول: (ولا رايحين فين ولا عايزين إيه) رايح إلى دار المستقر، إلى يوم يجمع الله الأولين والآخرين يرد الله عليك فيقول: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٤١] والله يقول لك: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. يقول: (ولا رايحين فين ولا عايزين إيه) رايح إلى الواحد الأحد، قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه:١٠٢] وقال سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٧]. ويقول: مشاوير مرسومة لخطاوينا نمشيها بغربة ليالينا كأنه يمشي على غير قضاء وقدر، والله يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٩ - ٥٠] ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] ويقول الله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:٨ - ١١] ويقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فاعرف أنك سوف تلقى الله. مقطوعةُ كفرٍ تُغنى، ويستمعها مئات الألوف، ونحن نحذره وننذره، وكل من سار مساره وأدمن الغناء، شفقةً بهم ورحمةً قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، والكافرون هم الظالمون، قبل أن يجمع الله الأولين والآخرين ثم يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام:٢٧] ولكن هيهات. إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا واسمع إلى بعضهم يقول في أغنية مشهورة: هل رأى الحب سكارى مثلنا ما رأى في الحياة سكارى مثلكم، سكرى الأرواح وسكرى العقول اجتمعت فهو سكار عظيم، فما رأى الناس كسكران من الغناء، وسكران من الخمر، وندعوك مع ذلك إلى الله، واعلم أنك مهما شربت من كأس، ومهما استمعت من وتر، ومهما عصيت الله ثم عدت ورفعت يديك إلى الحي القيوم، وتبت إلى الله وقلت: أستغفر الله، غفر الله لك. صح عنه ﵊ أن الله يقول: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾ وقال في الحديث القدسي الصحيح: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة﴾. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا وقال الرابع: يا من هواه أعزه وأذلني كيف السبيل إلى وصالك دلني لقد أذلك هواه، ولقد أبعدك هواه، ولقد صدك هواه، أبعدك عن المسجد، وعن القرآن، وعن طريق الجنة، أذلك في الدنيا والآخرة، إن لم تتب إلى الله، وهذا اعتراف منه يقوله أمام الناس. وقول الخامس: (قسماً بمبسمك البهي) لا إله إلا الله!! القسم بغير الله شرك، وهذا يقسم بشفتي محبوبه، والله له أن يقسم بما شاء من خلقه، والله يقسم على أمور تشيب الرءوس، وتجعل الولدان شيباً، وتجعل الدمع يتصبب، وتجعل القارب يتحدر، قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢] قسم عظيم من الواحد الأحد، ولا نقسم إلا بالله فلا أعظم من الله، وهذا يقول: (قسماً بمبسمك البهي). ويقول آخر وهو يغنى هذا الكلام: لبست ثوب العمر لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر لا إله إلا الله! تعتب على أنه ما استشارك الواحد الأحد، فتقول: ما استشارك الله الذي خلقك، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] له الحكمة البالغة يخلق ما يشاء ويفني ما يشاء، ويغني من يشاء ويفقر من يشاء، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. وقصيدة وأغنية أخرى، نقلت عن مطربة كتبها أحد الناس، تقول وهي قد كلَّت في الحياة وملَّت: (أروح لمين ومين سيرحم أساي) تروحين إما إلى جنة أو نار، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] هذا طريق الخير وطريق الشر، محمد ﵊ في الطريق الأيمن، والشيطان في الطريق الأيسر، فإن أجبت محمداً ﵊ فالجنة، وإن بقيت مع الشيطان فالنار. ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيء ويغني أحدهم أغنية الفاسق المجرم إيليا أبو ماضي النصراني الذي يقول: جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!! ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!! وأقول: والله لتعلمنَّ: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠]. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧]. هذه بعض المقطوعات، وتركتُ الكثير وعندي قوائم وقصاصات وملحقات ونشرات، بعضها كفر، وبعضها فسق، وبعضها معصية، فنطلب من الجميع أن يتوبوا إلى الله، وأن يراجعوا حسابهم، وليعلموا أن هناك رقيباً. كأن رقيباً منك يرعى خواطري وآخر يرعى مسمعي وجناني

стр. 180

أضرار الغناء ذكر بعض العلماء أن للغناء أكثر من ثلاثين ضرراً، وأكثر من ثلاثين خطراً: - منها: أنه يقطع الحبل بينك وبين الله، لأن حبلك مع الله هو الذكر، وقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والقرآن وعمارة المسجد، وتذاكر سنة رسول الله ﷺ . - ومن أضرار الغناء: أنه يوجد وحشة بينك وبين الله الذي لا إله إلا هو ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وتقسو القلوب بذكر الشيطان، والغناء قرآن الشيطان، ورقية إبليس وبريد الزنا، ما أدمن عبد عليه إلا استوحش من المساجد والقرآن والحديث والدروس والدعوة وذكر الله الواحد الأحد. - ومن أضراره أنه يحبب الزنا، قال ابن القيم: " هو بريد الزنا"، وهو يقود العاشق إلى المعشوق، وهو يجمع بين العاصين لله والفاجرين في مكان يوم يكشفهم الله، وظنوا أنهم غابوا عن عين الله، فيوصلهم الغناء إلى الفاحشة الكبرى، قال الأندلسي: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]. - ومن أضرار الغناء: أنه يلهي عن ذكر الله، ويصرف عن الفرائض. - ومن أضراره: أنه يحدث وساوس وهواجس في القلب وواردات خطيرة. - ومن أضراره: أنه سلم للشيطان لزرع الفاحشة والفجور. - ومن أضراره: أنه يخلع ثوب الحياء الذي بين العبد وبين الله، فيصبح المغني بلا حياء، يستقبل الجماهير بعوده وسخفه وفسقه، وتقوم المغنية الفتاة من بيت الحشمة، فتقف شبه عارية أمام الجماهير، فلا إله إلا الله كم هتك من حجاب! ولا إله إلا الله كم أوصد من باب! ولا إله إلا الله كم أغضب الواحد الوهاب ! وكم خولفت به السنة والكتاب! ولكن مع ذلك نقول: تعالوا تعالوا. شباب الحق للإسلام عودوا فأنتم فجره وبكم يسود وأنتم سر نهضته قديماً وأنتم فجره الباهي الجديد أيها المغنون في بلاد الإسلام: أجدادكم الصحابة، أجدادكم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أجدادكم هم الذين رفعوا لا إله إلا الله، أجدادكم هم الذين قدموا الإسلام للناس، فتحوا البلاد، أسسوا منارة العدل في أسبانيا، وبنوا منبر العدل في كابول، وفتحوا الدنيا: باسم الله، سجدوا بالجباه في أفريقيا، سلوا عنهم اللوار، والجنج ودجلة والفرات والنيل. سلوا عنهم كل صقع في الأرض، هم أجدادكم، أفيتحول النسب والنسل والابن على منهج غير أبيه؟ الجد يحمل المصحف، والابن يحمل العود! الجد يحمل السيف والابن يحمل العود! الجد يتلو القرآن في الليل ويبكي والابن يتلو الأغنية ويضحك الجماهير! يقول الأول من الصحابة: عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه واعلموا أن بلاداً رفعت على علمها لا إله إلا الله محمد رسول الله وقامت على نصر الدين -وسوف تنصره وتمضي في رحابه- لهي كفيلة أن ترفع هذه الكلمة في قلوب الناس، وأن تحث هؤلاء على التوبة وعلى إصلاح مسارهم، وعلى إسعاد هذا الشعب الذي آنسه الله وآنس وحشته، وأرغده وكل بلاد المسلمين بما أنعم وبالخصوص هذه البلاد التي حظيت بالحرمين، وحظيت بالكتاب والسنة تشريعاً، فأسأل الله أن يوفق ولاة الأمر على تبصير هؤلاء إلى الطريق المستقيم، وتبصيرهم إلى الدعوة، وإلى التحاكم إلى هذه الكلمة التي رفعت على العلم الأخضر لا إله إلا الله محمداً رسول الله.
следующие страницы →