Полный текст (10 391 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
بعض كلمات المغنين في غنائهم
الغناء بالآلات -كما قلت- محرم، لكن زادوا على ذلك وطمُّوا وعمُّوا، فأتوا يتفننون في منكر القول وفاحشه؛ بل بعضهم وصل إلى درجة الكفر بشعره وبغنائه.
стр. 177
أمثلة من شعر الغزل الكفري والإلحادي
فهذا خليفة من الخلفاء طلب شاعراً من الشعراء ليسفك دمه، وهذا الشاعر يقول في أغنية أو قصيدة:
قف بالطواف تر الغزال المحرما حج الحجيج وعاد يقصد زمزما
لو أن بيت الله كلم عاشقاً من قبل هذا كاد أن يتكلما
فسمعها بعض العلماء فبكى وقال: سبحان الله، والله ما دخلت الطواف والمسعى ووالله ما ذكرت إلا الله وما ذكرت غيره، ومع العلم يقول هذا الشاعر: كاد أن يتكلم البيت لمحبوبه، وحسيبه الله!
ويقول آخر:
فوالله ما أدري ولو كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمانيا
لما رأى النساء عند الجمرات نسي العدد، وتوله قلبه، ونسي مراقبة الله عند الجمرات التي وقف عندها المصطفى يبكي ويدعو، ووقف أيضاً عمر عندها يبكي ويقول: [[اللهم إنه شاب رأسي، ورق عظمي، وضاعت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتةً في بلد رسولك]] وأما هذا فيقول:
فوالله ما أدري وإن كنت داريا بسبعٍ رمين الجمر أم بثمانيا
ويقول غيره وهو مجنون ليلى الذي ضاع قلبه وأعرض عن القرآن، وعن المسجد، وأمره إلى الله، يقول:
أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوبُ
وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوبُ
لا إله إلا الله!!!
والله يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
стр. 178
غزل أحد المغنين المعاصرين وإلحاده
وفي مجلة اليقظة قالوا: بعد توقف خمسة وثلاثين عاماً يعود الموسيقار الكبير الفنان، يعود ليتحف الجماهير -أقول: ليضل الجماهير- ويتحفنا بالجديد، وأقول: الجديد من المعصية، عله أن يتوب ويراجع حسابه مع الله، اسمع إلى كلمات الأغنية، وأنا أقرؤها بلهجته؛ لأنها لهجة عامية متبذلة، وعفواً إذا أخطأت في ضبط اللهجة، وهي تخالف المعتقد وتعارض الكتاب والسنة، وتلغي قرارات القضاء والقدر التي أتى بها محمد ﷺ ، وأفتى كثير من العلماء بتحريم قولها واستماعها، وأن من اعتقد ما فيها فقد كفر، وحقه أن يقطع رأسه بالسيف الأملح؛ لأنه اعتقد عقيدة الشرك والعياذ بالله، يقول:
جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه
مشاوير مرسومة لخطاوينا نمشيها في غربة ليالينا
يوم تفرحنا ويوم تجرحنا واحنا ولا احنا عارفين ليه
وزي ما جينا جينا ومش بأيدينا جينا
ولقيت بيتي بعد الغربة قلبك ده وعيونك ديه
ولقيت روحي في أحضان قلبك باحلم واصحى واعيش على حبك
حتى في عز عذابي بحبك عارف ليه يا حبيبي بحبك من غير ليه
стр. 179
قضايا مهمة في مقطوعة غناء
أولها: قوله: (جايين الدنيا ما نعرف ليه) أي: أتيت إلى الدنيا لا أعرف لماذا أتيت؟ قال سبحانه يرد عليه ويخبره لماذا أتى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣].
(جايين الدنيا ما نعرف ليه) أتى بك الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
قال: (جايين الدنيا ما نعرف ليه) أتيت لتعبد الله فإلى جنة أو تعصي الله فإلى نار.
ثم يقول: (ولا رايحين فين ولا عايزين إيه) رايح إلى دار المستقر، إلى يوم يجمع الله الأولين والآخرين يرد الله عليك فيقول: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٤١] والله يقول لك: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
يقول: (ولا رايحين فين ولا عايزين إيه) رايح إلى الواحد الأحد، قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه:١٠٢] وقال سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٧].
ويقول:
مشاوير مرسومة لخطاوينا نمشيها بغربة ليالينا
كأنه يمشي على غير قضاء وقدر، والله يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٩ - ٥٠] ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] ويقول الله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:٨ - ١١] ويقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فاعرف أنك سوف تلقى الله.
مقطوعةُ كفرٍ تُغنى، ويستمعها مئات الألوف، ونحن نحذره وننذره، وكل من سار مساره وأدمن الغناء، شفقةً بهم ورحمةً قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، والكافرون هم الظالمون، قبل أن يجمع الله الأولين والآخرين ثم يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام:٢٧] ولكن هيهات.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
واسمع إلى بعضهم يقول في أغنية مشهورة:
هل رأى الحب سكارى مثلنا
ما رأى في الحياة سكارى مثلكم، سكرى الأرواح وسكرى العقول اجتمعت فهو سكار عظيم، فما رأى الناس كسكران من الغناء، وسكران من الخمر، وندعوك مع ذلك إلى الله، واعلم أنك مهما شربت من كأس، ومهما استمعت من وتر، ومهما عصيت الله ثم عدت ورفعت يديك إلى الحي القيوم، وتبت إلى الله وقلت: أستغفر الله، غفر الله لك.
صح عنه ﵊ أن الله يقول: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾ وقال في الحديث القدسي الصحيح: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة﴾.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار
سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا
وقال الرابع:
يا من هواه أعزه وأذلني كيف السبيل إلى وصالك دلني
لقد أذلك هواه، ولقد أبعدك هواه، ولقد صدك هواه، أبعدك عن المسجد، وعن القرآن، وعن طريق الجنة، أذلك في الدنيا والآخرة، إن لم تتب إلى الله، وهذا اعتراف منه يقوله أمام الناس.
وقول الخامس: (قسماً بمبسمك البهي) لا إله إلا الله!! القسم بغير الله شرك، وهذا يقسم بشفتي محبوبه، والله له أن يقسم بما شاء من خلقه، والله يقسم على أمور تشيب الرءوس، وتجعل الولدان شيباً، وتجعل الدمع يتصبب، وتجعل القارب يتحدر، قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢] قسم عظيم من الواحد الأحد، ولا نقسم إلا بالله فلا أعظم من الله، وهذا يقول: (قسماً بمبسمك البهي).
ويقول آخر وهو يغنى هذا الكلام:
لبست ثوب العمر لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر
لا إله إلا الله! تعتب على أنه ما استشارك الواحد الأحد، فتقول: ما استشارك الله الذي خلقك، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] له الحكمة البالغة يخلق ما يشاء ويفني ما يشاء، ويغني من يشاء ويفقر من يشاء، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
وقصيدة وأغنية أخرى، نقلت عن مطربة كتبها أحد الناس، تقول وهي قد كلَّت في الحياة وملَّت: (أروح لمين ومين سيرحم أساي) تروحين إما إلى جنة أو نار، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] هذا طريق الخير وطريق الشر، محمد ﵊ في الطريق الأيمن، والشيطان في الطريق الأيسر، فإن أجبت محمداً ﵊ فالجنة، وإن بقيت مع الشيطان فالنار.
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيء
ويغني أحدهم أغنية الفاسق المجرم إيليا أبو ماضي النصراني الذي يقول:
جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!
ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!
وأقول: والله لتعلمنَّ: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠].
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].
هذه بعض المقطوعات، وتركتُ الكثير وعندي قوائم وقصاصات وملحقات ونشرات، بعضها كفر، وبعضها فسق، وبعضها معصية، فنطلب من الجميع أن يتوبوا إلى الله، وأن يراجعوا حسابهم، وليعلموا أن هناك رقيباً.
كأن رقيباً منك يرعى خواطري وآخر يرعى مسمعي وجناني
стр. 180
أضرار الغناء
ذكر بعض العلماء أن للغناء أكثر من ثلاثين ضرراً، وأكثر من ثلاثين خطراً:
- منها: أنه يقطع الحبل بينك وبين الله، لأن حبلك مع الله هو الذكر، وقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والقرآن وعمارة المسجد، وتذاكر سنة رسول الله ﷺ .
- ومن أضرار الغناء: أنه يوجد وحشة بينك وبين الله الذي لا إله إلا هو ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وتقسو القلوب بذكر الشيطان، والغناء قرآن الشيطان، ورقية إبليس وبريد الزنا، ما أدمن عبد عليه إلا استوحش من المساجد والقرآن والحديث والدروس والدعوة وذكر الله الواحد الأحد.
- ومن أضراره أنه يحبب الزنا، قال ابن القيم: " هو بريد الزنا"، وهو يقود العاشق إلى المعشوق، وهو يجمع بين العاصين لله والفاجرين في مكان يوم يكشفهم الله، وظنوا أنهم غابوا عن عين الله، فيوصلهم الغناء إلى الفاحشة الكبرى، قال الأندلسي:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
- ومن أضرار الغناء: أنه يلهي عن ذكر الله، ويصرف عن الفرائض.
- ومن أضراره: أنه يحدث وساوس وهواجس في القلب وواردات خطيرة.
- ومن أضراره: أنه سلم للشيطان لزرع الفاحشة والفجور.
- ومن أضراره: أنه يخلع ثوب الحياء الذي بين العبد وبين الله، فيصبح المغني بلا حياء، يستقبل الجماهير بعوده وسخفه وفسقه، وتقوم المغنية الفتاة من بيت الحشمة، فتقف شبه عارية أمام الجماهير، فلا إله إلا الله كم هتك من حجاب! ولا إله إلا الله كم أوصد من باب! ولا إله إلا الله كم أغضب الواحد الوهاب ! وكم خولفت به السنة والكتاب! ولكن مع ذلك نقول: تعالوا تعالوا.
شباب الحق للإسلام عودوا فأنتم فجره وبكم يسود
وأنتم سر نهضته قديماً وأنتم فجره الباهي الجديد
أيها المغنون في بلاد الإسلام: أجدادكم الصحابة، أجدادكم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أجدادكم هم الذين رفعوا لا إله إلا الله، أجدادكم هم الذين قدموا الإسلام للناس، فتحوا البلاد، أسسوا منارة العدل في أسبانيا، وبنوا منبر العدل في كابول، وفتحوا الدنيا: باسم الله، سجدوا بالجباه في أفريقيا، سلوا عنهم اللوار، والجنج ودجلة والفرات والنيل.
سلوا عنهم كل صقع في الأرض، هم أجدادكم، أفيتحول النسب والنسل والابن على منهج غير أبيه؟ الجد يحمل المصحف، والابن يحمل العود! الجد يحمل السيف والابن يحمل العود! الجد يتلو القرآن في الليل ويبكي والابن يتلو الأغنية ويضحك الجماهير! يقول الأول من الصحابة:
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
واعلموا أن بلاداً رفعت على علمها لا إله إلا الله محمد رسول الله وقامت على نصر الدين -وسوف تنصره وتمضي في رحابه- لهي كفيلة أن ترفع هذه الكلمة في قلوب الناس، وأن تحث هؤلاء على التوبة وعلى إصلاح مسارهم، وعلى إسعاد هذا الشعب الذي آنسه الله وآنس وحشته، وأرغده وكل بلاد المسلمين بما أنعم وبالخصوص هذه البلاد التي حظيت بالحرمين، وحظيت بالكتاب والسنة تشريعاً، فأسأل الله أن يوفق ولاة الأمر على تبصير هؤلاء إلى الطريق المستقيم، وتبصيرهم إلى الدعوة، وإلى التحاكم إلى هذه الكلمة التي رفعت على العلم الأخضر لا إله إلا الله محمداً رسول الله.
стр. 181
تائبون من الغناء
وهناك مغنون تابوا معنا في هذه الجلسة، وسوف يتحدثون بعد صلاة العشاء، وتاب كثير من الناس، وهنا وثائق أقرؤها عليكم ممن قرروا العودة إلى الله، وأول هذه الوثائق في جريدة الجزيرة بتاريخ٩/ ٤/١٤١٠هـ (عودة العودة) يعود إلى الله، عودة العودة، كان يغني ويطبل ويرقص، ثم كان له من اسمه نصيب فعاد إلى الله، وليس بغريب عليك يا عودة! أن تعود، فأجدادك قد عادوا قبلك إلى الواحد الأحد، فأنت شاب مسلم خلقك الله للذكر والعبادة، ولمعرفة طريق محمد ﷺ ، قالت الجزيرة: " قرر الفنان: عودة العودة اعتزال الفن نهائياً ".
أحسن كل الإحسان، بيض الله وجهه، لا شلت يمينه، وذلك بطوعه واختياره، إي والله، فقدْ فَقَدَ الشعبية عند اللاهين وأهل الغناء، وفَقَدَ الجماهير، لكنه سوف يكسبه الله محبة وعملاً صالحاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦].
ثم قالت الصحيفة: " وبعد دراسة وتأنٍ وقناعة كافية يقول العودة للجزيرة: إن ذلك تمخض بعد صراع مرير مع النفس، وقد كتبت لوزير الإعلام من أجل منع تداول إنتاجي الفني؛ ومسح جميع الأشرطة المسجلة" ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] قال: ومسح جميع الأشرطة المسجلة سواء مرئية أو مسموعة، وقال: إنني أرجو عبر الجزيرة إلغاء كل ما سجلته.
أولاً: أقول: حياك الله يا عودة! وأعادك الله إلى رحاب الإيمان، وإلى جنةٍ هي جنة الواحد الديان.
ثانياً: أطالب كل من سمع صوتي، وعنده شريط للعودة أو صورة أن يتخلى عنها، وأن يتلفها فقد تاب هذا العبد، وأراد ما عند الله ورضوان الله، وأعلن توبته في الناس؛ ليكفر الله عنه أسوأ ما عمل، ويقبل توبته، ويحسن عاقبته.
قالت الجزيرة بتاريخ ٧/ ٥/١٤١٠هـ " مشاري يعتزل الفن بلا رجعة " الإسلام اشترى مشاري وحياه الله وبياه.
ومن الذي باع الحياة رخيصةً ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
إن مشاري من قوم عرفوا الطريق، كان يعيش في حلم، اسمع إلى التقرير الصحفي: " كان يعيش في حلم لم يستيقظ منه إلا بعد مراجعة النفس، طلق الفنان مشاري الفن بلا رجعة، ويودعه نهائياً حيث أعلن اعتزاله نهائياً للفن، وقال للقناة الثالثة: إنه يحس بألم وحسرة على ماضيه السابق".
أقول له: أبشر بتوبة تملأ قلبك، ومغفرة وسكينة، ورغداً وأمناً، ووقاراً ونوراً، وعلى ما قدمه بصوته في شريط كان يا ما كان، لكن انتهى ما كان، وسوف يبدلك الله بدل العصيان إحساناً وإيماناً ويقيناً وقرآناً.
وأردف الفنان مشاري أن طريق الفن كله مشاكل وتعب -صدقت- وأن القرار الذي اتخذه هو نهائي وجاد بعد قناعة تامة بأن الفن حالياً أصبح لا فائدة منه بتاتاً، وأضاف طالباً من جميع الاستوديوهات عدم بيع أشرطته، وإلغاءها والتسجيل عليها، وهي: زين يا مملوح، والحب المثالي، وكان يا ما كان، وقال مشاري في ختام حديث للجزيرة: " توبة توبة يا رب! " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
قالت الجزيرة: " ومما هو جدير ذكره، أن الفنان مشاري يعتبر الفنان الثالث الذي ابتعد عن الفن، بعد إعلان حسن مسعود وعودة العودة اعتزالهما الفن والغناء ".
قال المحرر: " صراحة ووضوح مشاري مع نفسه، وصراحة ووضوح بقية الفنانين وابتعادهم عن الغناء ".
وهنا عكاظ بتاريخ ١٤/ ٦/١٤٠٩هـ تقول: " بالخياط يعتزل الفن ويتحول إلى داعية " مرحباً بالخياط، وأهلاً وسهلاً بك من سادات المؤمنين إن شاء الله لمستقبلك العامر، " يتواجد في مكة المكرمة حالياً الفنان المغربي الكبير: عبد الهادي بالخياط بعد اعتزاله مؤخراً الفن نهائياً، وانضمامه لـ جماعة الدعوة الإسلامية، حيث بدأ بالفعل هذا المشوار بأداء العمرة والزيارة، ثم الاتجاه إلى بعض دول أوروبا في سبيل نشر الدعوة، مثل بلجيكا التي كانت محطته الأخيرة ليمحو السيئ بالحسن، يقف فيهم ليقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أني تبت، أشهد أني عدت إلى الله، قال: " وإلى باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي ".
الفنان السابق بالخياط يقول: " إنه يتمنى من الإذاعات العربية عدم عرض أغانيه، وأعماله العاطفية وأفلامه؛ لأنه عاد إلى الله ".
وهذا محمد البيتي يعتزل الفن، حياك الله يا محمد! وجعلك ممن يبيتون في نعيم مقيم، وفي خلود مستمر، وجعل لك من اسمك قسماً ونصيباً، وحمدك في الدنيا والآخرة.
عكاظ في يوم ١٧/ ٦/١٤١٠هـ تقول: " إثر الكلمة التي كتبتها في الأسبوع الماضي وطرحت السؤال من خلالها عن الفنان المطرب الشاب: محمد البيتي وسر اختفائه عن الساحة، تلقيت اتصالاً هاتفياً منه " انتهى إلى قوله: " لقد اعتزلت الفن ليس بسبب قلة الفرص أو المادة أو الحظ أو غيرها من الأسباب؛ ولكن لأنني اتجهت اتجاهاً آخر أتمنى أن يسلكه زملائي من المطربين والفنانين، لقد أدركت أني أسلك طريقاً شائكاً صعباً وعراً لابد من الحذر منه، سألت نفسي كثيراً: ماذا تعني الموسيقى؟ ماذا يعني الغناء؟ ماذا يعني الفن؟ تأملت في الأغنيات التي قدمتها ولحنتها وغنيتها، وقلت لنفسي: وماذا بعد؟ هل أبحث عن شهرة وعن مال؟ هل هذه هي السعادة التي أنشدها؟ هل هذه هي الطمأنينة التي كنت أبحث عنها؟ ما هو دواء هذا القلق؟
لا أريد لطفلي أن يكبر على أنغام العود والموسيقي، لا أريد أن يستيقظ فجراً إلا على صوت المؤذن للصلاة -أثابك الله وبيض الله وجهك- والحمد لله! أشعر الآن بالسعادة وبالثقة وبالأمان، ما زلت أحتفظ بالعود في بيتي ولكني أهملته، بل قد تركته، بل قاطعته، بل نسيته بإذن الله، بل سوف أحطمه " ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
وفي مجلة يكتب هذه المقولة الحمدان بعنوان: التائبون، يقول: " كنت مطرباً وانتهى بي المطاف إلى إمامة المصلين، شباب الكويت كانوا في بداية الطريق إلى الله، الغناء كان ديدنه وحبه وعشقة، كيف لا وهو يطرب الليالي الملاح بوصلاته المشوقة، والذي أحب أن يرمز لاسمه من أرض الكنانة من مصر، اختلط مع شباب من الكويت اجتمعوا به وحثوه على الصلاة، فكان يتهرب منهم ومع مرور الأيام واظب على الصلاة، واستمر في نفس الوقت في إشباع رغبته من الغناء وعاد تائباً إلى الله.
يقول: " وبعد أن التزمت ببعض أوامر الله كانت الرفقة الصالحة حولي لا يفارقونني حتى وصلت إلى هذه البلاد للعمل بها، وزادت الرفقة وكثر الأصدقاء حولي يدفعون بي إلى طاعة الله ، عاهدت نفسي وأعطيت ميثاقاً لربي أن أكون من الطائعين له، وإن عصيت فأستغفره سبحانه ".
غفر الله لك وردك إليه سليماً معافى!
ثم ذكر اعتزاله للفن وعودته عن الموسيقى وعن أمثالها من مجالس اللهو، وأنه قد أصبح اليوم مؤمناً بعد أن ذاق مرارة الحرمان، والآن ذاق حلاوة الإيمان، زادك الله إيماناً ويقيناً، وسكينة وعرفاناً، وشكراً لك أيها الكاتب الحمدان.
يقول في عنوان (التائبون) أيضاً: " نصيحتي للشباب الابتعاد عن اللهو وعن الرفقة السيئة " أغلقت دونه أبواب التوفيق وسدت جميع الطرق في وجهه، كان غارقاً في قضاء أوقاته في اللهو والغناء وحضور ليالي السمر، تقدم للعديد من الأسر طالباً للزواج وإحصان نفسه ففشل عدة مرات، كانت هذه الحوادث بداية نقطة تحوله إلى الحياة، عرف الحياة وعاد إلى الله وأحب المسجد، تاب من الأغنية، هجر العود، انتهى من الموسيقى، عرف الله واستمر، قبله الله فيمن قبل، وغفر ذنبه.
وفي الأخير أعلنت عكاظ قبل ما يقارب ثمانية أيام توبة الفنان الشهير العالمي مايكل جاكسون عاد إلى الله، ونقول: ليس بغريب أن يعود إلى الله، فمثله يعود، فما لهم لا يؤمنون؟ ما لهم لا يعودون إلى الله؟! فما لهم لا يستغفرون؟!
ونقول للمغنيين والمغنيات في البلاد الإسلامية: ذاك غربي عاد إلى الله، فما لكم لا تعودون وأنتم أهل الرسالة، وقد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟
стр. 182
ماذا قال الشعراء في ذم الغناء
يقول محمد إقبال شاعر الإسلام الفيلسوف الكبير:
أرى الفقراء عباداً تقاة قياماً في المساجد راكعينا
هم الأبرار في صوم وفطر وبالأسحار هم يستغفرونا
وليس لكم سوى الفقراء ستر يواري عن عيوبكم العيونا
أضلت أغنياءكم الملاهي فهم في ريبهم يترددونا
وأهل الفقر ما زالوا كنوزاً لدين الله رب العالمينا
ويقول في الغناء وذمه والطرب:
لقد سئم الهوى في البيد قيس ومل من الشكاية والعذاب
يعني: مجنون ليلى قيس بن الملوح:
لقد سئم الهوى في البيد قيس ومل من الشكاية والعذاب
يحاول أن يباح العشق حتى يرى ليلاه وهي بلا احتجاب
يريد سفور وجه الحسن لما رأى وجه الغرام بلا نقاب
فهذا العهد أحرق كل غرس من الماضي وأغلق كل باب
لقد أفنت صواعقه المغاني وعاثت في الجبال وفي الهضاب
يقول ابن القيم ذاماً الغناء ومحذراً منه، ومخبراً أن في الجنة غناءً لمن اتقى الله، وتاب من مزاولة الغناء ومن استماعه، وهو يشير إلى حديث عند أحمد بسند جيد في المسند: ﴿إن في الجنة جوارٍ يغنين، يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾ نظمها ابن القيم لأن ابن عباس قال: [[إذا أراد أهل الجنة أن يستمعوا الغناء، أرسل الله لهم في الجنة ريحاً طيبة، فهزت أغصان الشجر، فيسمعون الغناء، فلا يتلذذون بمثل ذاك الصوت]] قال ابن القيم:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
وقال ابن القيم في قصيدة بديعة له يذم الغناء ومحترفيه:
فدع صاحب المزمار والدف والغناء وما اختاره عن طاعة الله مذهبا
ودعه يعش في غيه وضلاله على تنتنا يحيا ويبعث أشيبا
ففي تنتنا يوم المعاد نجاته إلى الجنة الحمراء يدعى مقربا
سيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع وعند الوزن ما خف أو ربا
ويعلم ما قد كان فيه حياته إذا حصلت أعماله كلها هبا
دعاه الهدى والغي من ذا يجيبه فقال لداعي الغي أهلاً ومرحبا
وأعرض عن داعي الهدى قائلاً له هواي إلى صوت المعازف قد صبا
يراع ودف والصنوج وشادنٌ وصوت مغنٍ صوته يقنص الظبا
فما شئت من صيد بغير تطاردٍ ووصل حبيب كان بالهجر عذبا
وشاعر عصري اسمه: القاضي، ماتت فنانة من الفنانات وذهبت إلى الله بأعمالها وما قدمت، فرثاها بعض الناس فرد هذا الشاعر بقصيدة يقول:
من غادة الفن هذي أنت تبكيها ومن بها كلف إياه تنعيها
مضت بما قدمت والله سائلها عن الذي كان يجري في نواديها
إن التراث الذي أبقت لَكُمْ فَلَكَمْ أشقى البلاد وأشقاكم ويشقيها
كم غادة خلعت ثوب الحياء غدت في حضن مسعور تغويه ويغويها
صرعى على نغمات الناي قد ذهلت كدمية بصق الشيطان في فيها
من قال إن الذي أسدت لأمتها مجداً فقد قال بهتاناً وتمويها
هَبْها بَنَتْ جَيْشَ شَعْبٍ من مكاسبها أو الأرامل قد باتت تواسيها
ألم يكن من حرام كلُّ ما جمعت وأنت بالشعر ترجو أن تزكيها
إن الرسول الذي قامت لتمدحه ذكراه قد رفعت إن كنت ناسيها
لا يرتضي أن يراها في غوايتها تغري بألحاظها من كان يغريها
ما بال أحمد لم تحفل به بلد أهدى لها النصر فاهتزت روابيها
كأنه لم يكن بالأمس في لجب يزجي الكتائب في سيناء يفديها
وأقول لكم -أيضاً- أنا:
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
هامت إليك فلما أجهدت تعباً رنت إليك فحنت قبل حاديها
إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيها
فإن عفوت فظني فيك يا أملي وإن سطوت فقد حلت بجانيها
стр. 183
البديل عن الأغاني
وبقي من العناصر في آخر هذه المحاضرة: ما هو البديل -إذاً- من الأغاني ما دام أنها يحرم استماعها، ومزاولتها وحضور جلساتها واصطحاب شريطها مرئياً أو مسموعاً، وكذلك آلاتها بيعاً وشراءً واستئجاراً وإيجاراً ومعاونةً، البديل في ذلك ما أحل الله وما أباح من الكتاب العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
وذكر الله البديل، فقال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].
والبديل: الكتاب الإسلامي، وسنة المختار ﵊.
والبديل: الشريط الإسلامي الذي شفى الله به وكفى ونفع وجعل له تأثيراً بالغاً.
والبديل: مجالس الخير والمحاضرات والدروس ومساءلة أهل العلم، وزيارة الصالحين.
والبديل: التفكر في آيات الله وقيام الليل، ومدارسة كتب العلم علَّ الله أن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم.
стр. 184
كلمة موجهة للنساء
يا معاشر النساء! سلام الله عليكن ورحمته وبركاته، أنتن المؤثرات في البيت، أنتن الأميرات في البيت، أنتن المسئولات في البيت، اتقين الله في رعاية الأطفال، وفي الحرص على إدخال القرآن والشريط الإسلامي والكتاب الإسلامي، واملأن البيت نوراً بإذن الواحد الأحد، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
فوصيتي يا أمة الله: أن تخرجي الغناء مرئياً ومسموعاً وآلاته وكل ما يدعو إلى اللهو، وأن تدخلي القرآن والحديث وما يملأ القلب رضاً، وأن تكوني أنتِ راعية على الأطفال، ربيهم على لا إله إلا الله، واغرسي في قلوبهم لا إله إلا الله، إياك أن تربيهم على الأغنيات، إياك إياك أن تجعلي بيتك مسرحاً للهو وللعبث وللعب.
وكلمة لأهل الحفلات والزواجات، وسائقي السيارات الأجرة وأهل الصوالين والمقاهي والمنتزهات: أن تتقوا الله، فأنتم في بلاد المسلمين، وسوف يسألكم الواحد الأحد يوم لا ينفع مال ولا بنون عما تقدموا للناس من مادة، فأخرجوا الغناء من محلاتكم ومن أماكنكم، وأدخلوا القرآن والحديث والشريط الإسلامي، وكونوا دعاة إلى الله، فإن كسباً أتى من حرام لا يبارك الله فيه ، ومصيره إلى النار، وآخرته وبال، والرجل قد يكون أشعث أغبر، يرفع يديه إلى السماء، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، فأنى يستجاب له، فلا يستجيب الله له، فلا تجعل طريقك من الكسب هذا، ويا صاحب السيارة! ضع شريطاً في سيارتك تنفع به نفسك ومن يركب معك، ويا صاحب البوفية! كن داعية بهذه الوسيلة وأسمع الناس القرآن وأسمعهم الذكر، وكذلك يا متزوجاً يريد الزواج! ابن زواجك على تقوى الله، وعلى ذكره وطاعته، وأسمعهم ذكر الله ولا يكن في زواجك الغناء المحرم فإني أخشى من الزواج الذي يبدأ بهذه المعصية ألا يستمر، وألا يوفق أصحابه، وألا ينجحوا في الدنيا ولا في الآخرة.
أيها الإخوة: بعد صلاة العشاء سوف يقوم بعض الإخوة من الأساتذة الذين كانوا مغنين وفنانين، ثم تاب الله عليهم فعادوا وذاقوا حلاوة الإيمان، وأسعدهم الله بحلاوة هذا الدين، وتشرفوا بذكر الله، سوف يقومون هنا، ويتكلمون لكم ويسمعونكم أشجانهم وأخبارهم.
تسائل عن أخيها كل عين وعند جهينة الخبر اليقين
ولا ينبئك مثل خبير، فسوف تسمعون ماذا يقولون بعد صلاة العشاء، فأنا أدعوهم بعد الصلاة.
أما المجاهدون الأفغان فغناؤهم نوع آخر، خرجوا بسيوفهم -وقد أخبرت بذلك حتى هيئة الإذاعة البريطانية- قبل عشر سنوات لما احتلوا بلادهم خرجوا من المساجد يرفعون الكلاشنكوف والسلاح، ويقولون في غناء المعركة غناء خالد بن الوليد وغناء عبد الله بن رواحة، وغناء جعفر الطيار، يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وفي ختام رسالة إلى المغنين والمغنيات أكرر أنها ممزوجة بالحب وبالود، وعلَّ الله أن يهدي بها فما قلتها إلا من شفقة ورحمة.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 185
رسالة إلى كل مسلم ومسلمة
رسالة إلى الطبيب والمهندس، رسالة إلى العالم والمتعلم، رسالة إلى كل طبقات المجتمع، رسالة تزيدك قرباً من الله؛ لأنها تعرفك بالتوحيد، وتحثك على العمل الصالح، رسالة تزيد الترابط في المجتمع لأنها بينت مالك وما عليك نصائح وعبر وعد ووعيد علامات وأمارات، وللمرأة في هذه الرسالة نصيب افتحها وابدأ بالقراءة.
стр. 186
التوحيد الذي أتى به النبي ﷺ
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وأفضل الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
أيها المسلمون: فقد أشار إليَّ بعض الأحباب -أثابهم الله- أن أقدم شريطاً فيما يهم كل مسلم ومسلمة، شريطاً يخاطب المسئول والموظف، شريطاً يهدى للرجل والمرأة، شريطاً يهم المهندس والطبيب، والأستاذ والفلاح والتاجر.
شريطاً للطفل الصغير وللشيخ الكبير، فاستعنت بالله وتأملت أفكار هذا الموضوع، فوجدت أنه من أهم ما يهم المسلم، أصولاً لا بد أن ينبه عليها في كل مناسبة، وهي دائماً تهم الدعاة وتتعلق بكلامهم، ولا ينبغي لهم أن يقدموا عليها شيئاً من الأمور، فجمعت هذه الأصول على أمل أن ينتفع بها، وعل مهدٍ لهذا الشريط أن يؤجر وأن يثاب.
فإن هذه الرسالة إلى المسئول فهو بحاجة إليها حاجة ماسة أحوج من الماء الذي يشربه، ومن الهواء الذي يستنشقه.
وهي رسالة توجه إلى الأستاذ، فهي تناديه وتخاطبه أن يتقي الله في الجيل.
وهي رسالة توجه إلى الأب المسلم والأم المسلمة في البيت، وإلى الطفل الدارس، وإلى التاجر في أمواله وتجارته، وإلى المزارع في مزرعته، وإلى العامل في عمله، وإلى الطبيب في طبه.
فأسأل الله أن ينفع، وأن يشفع لهذه الرسالة حباً في الله، وحرصاً على الفائدة والمصلحة العامة لتنفع من سمع؛ عل الله ألا يحرمنا أجرها ومثوبتها، وأعلم علم اليقين أنني ما أعلم مسلماً يسمع هذا ويوجه له الخطاب إلا وبيني وبينه رابطة من الود، وهي تقوى الله، والحب في الله، والنسب الذي أتى به رسول الله ﷺ وأقول لكم:
أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم
وحملها جهد المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم
لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتم أو حضرتمُ
كل من سجد لله وأحب الله نشهد الله على محبته، وعلى التقرب بوده، مسئول، أو موظف، أو تاجر، أو جندي، أو فلاح، أو طبيب، أو مهندس، أو أخ كبير، أو طفل صغير؛ لأننا أمة مؤلفة وهذه الرسالة تدور على مسائل وهي:
١ - التوحيد الذي أتى به محمد ﵊.
٢ - عظم الصلاة.
٣ - تحريم قتل النفس المعصومة.
٤ - تحريم عقوق الوالدين وقطيعة الرحم.
٥ - حق الجار على جاره، حق المسلم على أخيه المسلم.
٦ - التوبة النصوح.
٧ - التزود بالنوافل بعد الفرائض.
٨ - أمور توجه إلى الأم المسلمة في البيت.
٩ - شيء في التربية.
على أنني أقول لكم: سوف يصدر قريباً -إن شاء الله- سلسلة من التربية النبوية للمصطفى ﵊، قام بجمع مادتها أحد الدعاة ألا وهو الأخ الأستاذ/ صالح أبو عرّاد الشهري، وسوف أقدمها في أشرطة تجدونها -إن شاء الله- في التسجيلات الإسلامية على أعداد منها:
- شريط في الذكر.
- شريط في أدب الطعام.
- شريط في أدب الشرب.
- شريط في أدب النوم.
لتكون على تصور تام بالقدوة العظيم محمد ﵊.
فلعل الله أن ينفع، ولعله أن يلي هذا الشريط شريط في " رسالة إلى أهل البادية " والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل.
في أول هذه الرسالة أقول كما ورد في كتاب الله ، وهي وصية الله للأولين والآخرين؛ أوصى بها الكبار والصغار؛ والعلماء والتلاميذ؛ والسلاطين والرعية، وهي الزاد في الرحلة، حرص على تبليغها الأول للآخر.
قال سليمان بن داود ﵇: تعلمنا مما تعلم الناس ومما لم يتعلم الناس فما وجدنا كتقوى الله قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
واعلموا -بارك الله فيكم- أن الرسول ﵊ قال لـ معاذ: ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ حديث صحيح.
وقال لـ ابن عباس ﵄: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء؛ يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك؛ فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك؛ فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ حديث صحيح.
стр. 187
بداية ظهور التوحيد
بُعث محمد ﵊ والدنيا مظلمة، شوهاء عمياء، لا تجد طريقاً ولا مسلكاً ولا نوراً ولا هداية، فهدى الله به الناس، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فلا إله إلا الله كم بصر به ربه من العمى! وكم أسمع به من الصمم! وكم هدى به من الضلالة! وكم علم به من الجهل! ولا إله إلا الله ما أعظم منته على الناس! لا إله إلا الله ما أشهر نوره! وما أذكر صيته! علم العجوز والطفل والشيخ الإسلام.
دخلت رسالته إلى الملوك، وخاطبت الفلاحين، وذهبت إلى البادية، فمن اهتدى بهدي محمد هداه الله وكفاه وشفاه ورعاه.
ومن أعرض عن محمد وعن رسالته، لعنه الله وأخزاه وأضله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:١٦١] لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
كل عين عمياء إلا عين رأت هديه، وكل أذن صماء إلا أذن سمعت بدعوته، وكل قلب ملعون إلا قلب استنار بنوره، وكل أرض مظلمة إلا أرض أشرقت عليها شمس رسالته:
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها
أتى إلينا وكان أجدادنا يعبدون الصنم، ويسجدون للوثن، يزنون، ويخونون، ويغشون، ويغدرون، ويفجرون، ويكذبون فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وعلمهم توحيد الباري فارتفع على الصفا يقول: ﴿يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾.
وقال ﵊: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله﴾ فجرد السيف وأخرج أصحابه كتائب، ودعا إلى طريق الجنة فمن عصاه قاتله، فإن انتصر عليه فالمقتول في النار، وإن هداه الله فإلى الجنة، فقام سوق الجنة وسوق النار، ونصب الميزان، وامتد الصراط على متن جهنم، وتطايرت الصحف، ونزل جبريل، وشهر سيف العدالة وأنشئ منبر العدل فما مضت خمس وعشرون سنة إلا والدنيا على حزبين كما قال الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] فاسأل الله الذي جعلنا في هذا المكان الطاهر أن يجعلنا من حزبه، وأن يحشرنا تحت لوائه، وأن يجمعنا في زمرته، وأن يوفقنا لسنته، وأن يجعلنا من أتباع سيرته، وألا يضلنا بعد إذ هدانا، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هداها، وأن يوجهنا وإياكم وجهة حسنة.
стр. 188
التوحيد الصافي الجميل
التوحيد الصافي الجميل أن تعبد الواحد الأحد، وأنا لا أدخل في مصطلحات أهل العلم، ولا في خلافهم لكني أريد عبارة مبسطة يفهمها العالم وطالب العلم، والعامي والأعرابي عل الله أن ينفع بما نقول ونسمع.
أتى ﷺ بالتوحيد، وسره أن تتعلق بالباري، وأن تعتقد أنه لا ينفع إلا الله، ولا يضر إلا الله، ولا يشافي إلا الله، ولا يعافي إلا الله، ولذلك لام الله من اتخذ الأنداد فقال : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فأتت العقيدة سهلة مبسطة، عرضها الله في القرآن، يعرفها العامي يوم يقرأها، والأعرابي والبدوي والعجوز.
يقول سبحانه وهو يضرب أمثلة على قدرته: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] ويقول الله وهو يضرب لنا الأمثلة عن البعث والنشور: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] فكانت عقيدة سهلة.
صح عنه ﵊ أن أعرابياً سأله: ما هو الدين؟! ومن هو الله؟! فقال: ﴿الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشف عنك الضر﴾ هذه العلامة للواحد الأحد دليل قدرته، فلم يعطه مصطلحات، وما ملأ ذهنه معلومات، بل بسَّط له -وهو الذي إذا مرضت فدعوته كشف عنك الضر قال: وهل نبعث بعد الموت؟ -لأن مشكلة العرب وأزمتهم وجريمتهم في الجاهلية أنهم: ما اعترفوا بالبعث بعد الموت، هضموا كل شيء إلا البعث بعد الموت، أتى العاص بن وائل ففتت العظم أمام المصطفى ﷺ ونفخ هذا الفتات قال: يا محمد! أتزعم أن ربك يبعث هذا؟ قال: ﴿نعم.
ويدخلك النار﴾ قد تولى الله الرد عليه، وأدحض حجته، وكذب مقالته فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] وقال أيضاً: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢].
والله ضرب بإنزال الغيث وإخراج النبات ما بين ورد أحمر، وأصفر، وأخضر، وبقع جميلة، وأغصان فيحاء في حدائق جميلة، ضرب المثل على البعث، فقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:٩ - ١١].
قال: ﴿يا رسول الله! وهل يعيدنا الله بعد أن نموت؟ قال: إي والذي نفسي بيده، قال: كيف يعيدنا؟ قال: أما مررت ببقعة قد مات نباتها؟ قال: بلى﴾ انظر إلى العقل، انظر إلى الدين الصادق الذي يصل إلى القلب قبلته المعمورة، وسرى في الناس لأنه يخاطب الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] قال: ﴿أما مررت بأرض قد مات نباتها؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أما مررت عليها بعد فترة وقد حيت واخضرت؟ قال: بلى.
قال: فمن أحياها؟ قال: الله.
قال: فإن الذي أحياها يحييك بعد أن تموت﴾ فأسلم الأعرابي.
جاء أعرابي إلى رسول الله فقال: ﴿يا رسول الله! من خلق السماء؟ قال: الله، قال: من خلق الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم.
كان متكأ فجلس -سؤال لو وضع على الجبال لدكدكت، أعظم سؤال طرح في الدنيا- قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، فأخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام- الدين السهل البسيط الرائع- قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، أنا ضمام بن ثعلبة أخوه بني سعد بن بكر، ثم ولى، فقال ﵊: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ حياه الله وحيا دينه، ما أسهله! وما أبره! وما أرحمه!
قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وقال أيضاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
التوحيد جميل، التوحيد أبيض كالثوب الأبيض، أي شيء يتدنس به يظهر، التوحيد فيه صلاح أي شيء، لو قلت: ما شاء الله وشاء فلان خدشت توحيدك، لو قلت: وأبي خدشت توحيدك، لو قلت: وحياتي خدشت توحيدك، لو قلت: وشرفي ونجاحي خدشت توحيدك، التوحيد أبيض.
لو اعتقدت في شخص أنه ينفع ويضر من دون الله ثلمت توحيدك، التوحيد شفاف، لو زعمت أن رجلاً يشافي ويعافي ويمرض، وينجح ويرسب من دون الله ثلمت توحيدك؛ لأنه لا ينفع إلا الله، ولا يضر إلا الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٦]
стр. 189
أهمية التوحيد وفوائده
التوحيد يصلك بالله، فيجعل في قلبك أن كل شيء بيد الله، التوحيد يجعلك تقول: (حسبي الله ونعم الوكيل) فإذا الدنيا أمامك أسفاط، وإذا هيئاتها وأشخاصها وكياناتها لا شيء.
قال ابن عباس في صحيح البخاري: [[حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم لما أوقدوا النار له فجعلها الله برداً وسلاماً]] وحسبنا الله ونعم الوكيل قالها محمد ﵊ في أحد لما قيل له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
(حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها خالد بن الوليد لما أقبل عليه جيش الروم كالجبال، كتائب مجندة، وجيوش مجيشة، مقيدون بالسلاسل، يحملون السيوف، وهم أضعاف مضاعفة على أعداد المسلمين، فإذا جيش المسلمين حفنة أمام الجبال من أهل الروم، فقال مسلم لـ أبي سليمان خالد بن الوليد قبل المعركة، يا أبا سليمان! انظر ما أكثرهم وما أقلنا، نفر اليوم إلى جبل سلمى وآجا فدمعت عين خالد -حامل القلب الذي فيه (حسبنا الله ونعم الوكيل) حامل القلب الذي فيه (لا إله إلا الله) خالد الذي تخرج من مدرسة محمد ﷺ ، خالد الذي تعلم في المسجد، وحمل القرآن، وتوضأ كل يوم خمس مرات.
وما أتت بقعة إلا سمعت بها الله أكبر تسعى في نواحيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
فدمعت عين خالد وقال: [[لا والله، بل ما أقل الروم وما أكثرنا، ثم قال: لا نفر إلى جبل سلمى وآجا ولكن إلى الله الملتجأ، حسبنا الله ونعم الوكيل]] فانطلق في المعركة فسحق أعداء الله، قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].
(حسبنا الله ونعم الوكيل) خرج بها الأفغاني الفقير في ثيابه البالية، وبندقيته المجردة البسيطة يقاتل قوة الأرض العاتية الحمراء الروسية بدباباتها، وطائراتها ومدافعها، وهي تقصف الجو، والأرض وهي تهدم المساجد ويقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل) فانتصر.
(حسبنا الله ونعم الوكيل) يخرج بها الضعيف أمام القوي فينهزم القوي، والفقير أمام الغني فيغتني الفقير ويفتقر الغني إذا تجرد عن (حسبنا الله ونعم الوكيل).
التوحيد جميل يجعلك وأنت على فراش الموت تتصل بالله، دخلوا على أبي بكر الصديق الموحد الكبير، نحيف الجسم لكنه قوي الإرادة، هزيل البنية لكنه كبير القلب، همته تمر مر السحاب ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] قالوا: ألا ندعو لك طبيباً، قال: الطبيب قد رآني، قال: فعَّال لما يريد، أخذه الشعراء فقال أحدهم:
كيف أشكو إلى صبيبي ما بي والذي أصابني من صبيبي
دخلوا على عمران بن حصين -أحد الصحابة وقصته في الإصابة - قالوا: يا عمران! مرضت ثلاثين سنة ألا تدع الله، قال: [[ما دام الله يحب هذا المرض فأنا أحبه]]:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
هذا التوحيد هو الذي جعل هذه النماذج تظهر للناس، التوحيد أتى بـ عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه على المنبر يوم الجمعة ببردة مرقعة أربع عشرة رقعة، فيصرف الدنيا وذهبها وفضتها الدنيا، ويقول في أول الخطبة: [[إنك تعلم ما أريد]] وصدق، نعلم ما تريد يا أمير المؤمنين، تريد جنة عرضها السماوات والأرض، ولذلك قرقرت بطنه في الخطبة من الجوع، فقال لها: [[قرقري أولا تقرقري والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]] كل هذا توحيد وهو من معاني التوحيد، ولن تدرك أسرار التوحيد إلا إذا قرأت تراجم الصحابة؛ لأن الصحابة علموا التوحيد.
يأتي النبي ﷺ إلى أبي بن كعب والحديث صحيح قال: يا أبي: ﴿! إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة -الله من السماء يأمر محمداً ﷺ أن يقرأ على أبي سورة البينة - قال: أوسماني في الملأ الأعلى؟ قال: نعم إن الله سماك، وقال: الحمد لله أو كما قال، ثم اندفع ﷺ يقرأ﴾.
التوحيد أخرج من هذه النماذج أمماً وأجيالاً، يأتي أحدهم إلى جبل أحد فيقال له: عد من المعركة والكفار أمامه صفوف قال: [[إليكم عني، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]]
التوحيد يأتي بـ جعفر فتقطع يده اليمنى فيأخذ الراية باليسرى، فتقطع اليسرى فيضم الراية ويقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
стр. 190
حق المسلم على إخوته وجيرانه
ولما نقص توحيدنا تعطلت المساجد عن الصلوات، الكثير منا جار للمسجد ولكن لا يصلي؛ لأن توحيده ضعيف، ولما ضعف التوحيد في قلوبنا كثرت المعاصي، أموال الكثير من الربا؛ يأكل الربا، ويشرب الربا، ويبني من الربا، ويشتري سيارته من الربا ويقول: ﴿يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟﴾
لما ضعف التوحيد في قلوبنا، قطعنا الجار الذي وقف ﵊ مع جبريل، وجبريل يوصيه بالجار، قال ﷺ : ﴿ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه﴾ وأكثر خصومات الناس -إلا من رحم ربك- بين الجيران، لأن التوحيد ما رسخ في القلوب.
جار يعتدي على جاره يسبه فلا يأمنه، إذا غاب ينتهك حرماته، يقف له في كل مرصد، يغير الحدود ومنارات الأرض، فأين حق الجوار؟! يجلس معه عند القاضي مشاكساً مخاصماً مدعياً، مغتاباً نماماً فاحشاً.
ورد في الحديث: ﴿أن جاراً اشتكى جاره، فأتى ﷺ إلى الرجل وقال: اصبر واحتسب اصبر واحتسب، لكن ذاك لم يتعظ، قال: يا رسول الله! آذاني وسبني وشتمني، قال: خذ متاعك وانزل إلى الطريق، فنزل بأطفاله وزوجته ومتاعه ومر الناس عليه، فقالوا: ما لك يا فلان؟ قال: أخرجني جاري من داري، قالوا: لعنه الله﴾ فلعنه المصبح، والمغدي، والممسي، وبعدها تاب ذاك الجار لكن بعد أن أخذ لعناً.
ولذلك يقول ابن القيم: من سعادة الحياة أن يرزقك الله جاراً صالحاً، أما رأيت امرأة فرعون إذ قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فقدمت الجار قبل الدار، فقالت: (عندك في الجنة) ولم تقل (في الجنة عندك) ولذلك قال ﵊: ﴿والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه﴾ فمن ضعف التوحيد في قلوبنا وعدم اتصالنا بالباري كما اتصل الصحابة؛ ضعف هذا الكيان.
كان ﵊ وهو معلم التوحيد جاره يهودي، فإذا اشترى الرسول ﷺ لحماً أو فاكهة أو تمراً أو لباساً فإنه يبدأ بإعطاء اليهودي، وفي الأخير اضطر اليهودي أمام هذا الواقع أن يسلم، أتى إلى المصطفى ﵊ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ﷺ إن دينك الذي جعلك تتعامل معي وأنا خصمك، وأنا يهودي بهذا التعامل لهو دين حق.
عبد الله بن المبارك سكن مع جار يهودي في خراسان، وكان ابن المبارك مع اليهودي كالأخ مع أخيه، إذا اشترى لحماً لأطفاله قدم اللحم لأطفال الجار، إذا كسا أبناءه كسا أبناء اليهودي، كان اليهودي يؤذيه بنفاياته وزبالاته على بيته، فيسكت ويضمها ويقول لأهله: لا تخبروا اليهودي، وبعد فترة أتى التجار إلى اليهودي قالوا: نشتري بيتك، قال: بيتي بألفي دينار، أما ألف فقيمته، وأما ألف فقيمة جوار ابن المبارك، فأخبر ابن المبارك فدمعت عينه وقال: " اللهم اهده إلى الإسلام " وما هي إلا لحظات ويأتي اليهودي ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، إن ديناً جعلك تتعامل معي هذا التعامل لدين حق.
أجدادنا وصلوا إلى أندونيسيا وماليزيا ينشرون الجوار والتوحيد فعلم الناس أن دينهم حق، فانتشر بهم الإسلام، فيوم ضعف التوحيد في القلوب؛ وقع هذا التشاكس بين الجيران وهذه الخصومة.
стр. 191
تحريم عقوق الوالدين
فيا أيها المسلمون! إن مما ينبغي أن نعظم به التوحيد في قلوبنا: تعاملنا مع الناس.
ومن نقص التوحيد وضعفه عقوق الوالدين، ولا إله إلا الله كم من شيخ بكى من عقوق ابنه! وكم من أم اشتكت وبكت وناحت من ظلم ابنها! واعلموا إن لم تكونوا قد علمتم أن هناك أمهات بكين -والله- من ضرب أبنائهن لهن، ابن نقص توحيده، ما عرف الباري، ما استنار بنور محمد ﵊ حمله موت التوحيد ونقص التوحيد، ومرض التوحيد، أن يضرب أمه.
شيخ كبير يقف ودموعه تسيل على لحيته، ويشكو من هذه المصيبة، ابن رباه وغذاه، وأطعمه وسقاه، وكساه وآواه ثم انقلب هذا الابن بعد أن كبر رعديداً فاجراً مخاصماً لأبيه، كما يقول الأول في ابنه العاق:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك في السقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥].
ولذلك قال صحابي: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾ فسبحان الله كم للوالدين من حقوق!! تقبيل اليد، الطاعة، الكلمة الطيبة، تلبية الطلب، الدعاء.
قال أنصاري كما صح: ﴿يا رسول الله! هل بقي من بري أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما قال: نعم.
بالاستغفار لهما، وبالدعاء لهما، وبالصدقة، وبصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما﴾ أو كما قال ﵊، فالبر البر يا مسلمون! بر الوالدين وطاعتهم من طاعة الباري .
стр. 192
تحرم قتل النفس المعصومة
لما نقص التوحيد من القلوب سمعنا بقضايا القتل والنهب والسلب والاعتداءات على الأرواح المعصومة، والمصطفى ﵊ صح عنه أنه قال: ﴿لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾ ولكن يوم أن ضعف التوحيد أخذ ذاك السيف أو الخنجر، أو الرشاش أو المسدس، واعتدى على أخيه المسلم فقتله، اسمع إلى قول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]
ويروى في الأثر:" لو اجتمع أهل الأرض وأهل السماء على قتل امرئ مسلم بغير حق كبهم الله جميعاً على وجوههم في النار".
ويروى في الأثر: " ما من جريمة إلا وتهون بعد الشرك إلا قتل النفس المعصومة، ولزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئ مسلم " والعجيب أنه لما قتل أحد أبناء آدم أخاه ما جف الدم من ذاك الوقت إلى اليوم، فدم المعصوم ودم المسلم لا يجف من الأرض وإليكم شاهداً عليه:
جاء رجل عند ابن عمر يبكي ويقول دلني على الجنة قال: [[إن استطعت ألا تجعل بينك وبين الجنة حفنة من دم فافعل]] ﴿من حمل علينا السلاح فليس منا﴾ وهو تحت المشيئة، ولكنه استوجب غضب الله ولعنته.
وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه﴾.
стр. 193
تحريم قطيعة الرحم
واعلموا -أيها المسلمون- أن من أعظم نتائج نقص التوحيد من نفوسنا قطيعة الرحم، وقطيعة الرحم جريمة ما سمع الناس بمثلها، أما رأيت القطر كيف جف؟! أما رأيت البلبل سكت وغاب عن البستان؟! أما رأيت الزهر كيف مات من القحط؟! أما رأيت قلة البركة في الأمطار بقطيعة الرحم! أما رأيت قسوة القلوب وجفاف الأرواح بقطيعة الرحم! أما رأيت البغضاء والحسد، والحقد والغل بقطيعة الرحم أما رأيت فساد بعض النشء بقطيعة الرحم قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]
يقول ﵊: ﴿لا يدخل الجنة قاطع رحم﴾ ونروي هذا الحديث على ظاهره ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
أخت تشكو أخاها حرمها ميراثها، أخت تشكو أخاها لم يزرها منذ عشر سنوات.
أخ يبكي من أخيه هجره وقطعه، ما سلم عليه عشرات السنوات من أجل أرض، من أجل تراب، من أجل سيارة، من أجل حمار، من أجل شيء حقير لا رد الله هذه الأرض، ولا رحم من شاجر من أجلها إلا أن يتوب.
قطيعة الرحم أمرها عجيب، يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها﴾ يعني: ليس المعنى أنك المواصل، إذا وصلك أخوك وصلته، إنما المقصود: الواصل من إذا قطعك وصلته أنت، أو حرمك أعطيته، أو ظلمك رحمته، ولذلك روي عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني﴾ وصدقت والله، لقد وصلت من قطعك، وأعطيت من حرمك، وعفوت عمن ظلمك.
قطعك الأقارب فأتيت إليهم يوم مكة فقلت: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ وقلت: ﴿عفا الله عنكم﴾ بعد أن أخرجوك وضربوا بناتك، وقاتلوك، وشتموك، وباعوا ديارك، فعفوت عنهم فقال الله لك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
يقول أحد الشعراء:
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لما خلق الله الرحم تعلقت بالعرش، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لكِ، فأنزلها الله على ذلك﴾ فهو شرط من الله وعهد من الله من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.
وفي صحيح مسلم أن رجلاً قال: ﴿إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني﴾ وهذا الصنف يوجد في القرى والقبائل، وفي المدن والبوادي تجد قريباً رحيماً بأقاربه وهم وراءه بالفئوس والشتائم والأحقاد والأحساد والمشكلات والعقبات، قال: ﴿يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم فيسيئون إلي، وأعفو عنهم ويظلمونني، قال: إن كنت كما تقول؛ فلا يزال معك عليهم من الله ظهير، وكأنما تسفهم المل﴾ والمل: هو الرماد الحار، يقول: لا يزال الله معك، والله نصيرك، والله في حزبك لأنك المصيب وهم المخطئون.
فوصيتي بصلت الرحم، بالزيارة والعدل وإعطاء الميراث، والكف عن الأذى، وإذا قطعوا فصلهم، وإذ ظلموا فاعف عنهم، وإذا منعوا فأعطهم، هذه أخلاق الإسلام.
стр. 194
تحريم شهادة الزور
ويوم أن ضعف التوحيد أتت شهادة الزور حتى أصبحت ظاهرة في المجتمع المسلم، ولم تكن من قبل فيه ظاهرة؟!
يوم ضعف التوحيد، وضعفت مراقبة الباري يأتي الشيخ الكبير في السن، في الستين أو في السبعين وقد شابت لحيته، ورق عظمه ودنا أجله وأصبح بينه وبين القبر قاب قوسين أو أدنى، فيذهب إلى القاضي ليبيع دينه وذمته وعهده في شهادة الزور، شهادة الزور التي قرنها الله بالشرك فقال سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠].
والرسول ﵊ يقول: ﴿ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله، وعقوق بالوالدين، وكان متكئاً فجلس وقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت﴾.
في بعض المجتمعات يأتي مسلم لم يحمل التوحيد فيبيع شهادته بآلاف، بعضهم يأخذ عشرة آلاف، وبعضهم مائة ألف، والله الذي لا إله إلا هو لو ملئت له الدنيا ذهباً وفضة في شهادة زور لهو الخسران الممحوق البركة سبحان الله! أتعادل أمانتك وذمتك بشيء من المال؟! قال سبحانه في أوليائه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢].
شهادة الزور فيها ثلاث مصائب:
١ - تضل القاضي فتجعله أعمى يحكم وهو معذور، ويكتب بقلمه ويوقع بخاتمه ولا يدري.
٢ - أنها تحرم المسلمين حقوقهم وتصرفها إلى هؤلاء الظلمة.
٣ - أنها تحبط سعي هذا المثبط وتوقعه على وجهه في نار جهنم والعياذ بالله.
ويوم ضعف التوحيد في القلوب أتت اليمين الغموس واقتطعت الأموال، وحلف الفاجر على أراضي الناس وأموالهم وممتلكاتهم ولو راقب الباري؛ لعلم أن بينه وبين الله خيطاً من التوحيد ولكنه قطع هذا الخيط.
جلس رجل عند القاضي شريح يريد أن يشهد، أحد الخصوم وهو يبكي ودموع الخصم تسيل على لحيته، قال: " يا أيها القاضي يا شريح! والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي شق البحر لموسى إن هذا الشاهد يشهد علي زوراً ويأخذ بالزور أموالي" فقال شريح -وكان حكيماً ذكياً فطناً- للخصمين: اخرجا، فخرج الخصمان فأغلق الباب، وقال لشاهد الزور: يا شاهد الزور! سمعنا والله الذي لا إله إلا هو أن الله إذا جمع الأولين والآخرين في يوم لا ريب فيه، أسقطت الطيور ما في حواصلها من الخوف، ووضعت الحامل ما حملت، والمرضع ما أرضعت، ولا يفصل بين الناس حتى يصلى شاهد الزور النار " فبكى الشاهد وقال: أشهدك أني أعود عن شهادتي ثم خرج.
هذا في شهادة الزور؛ ويدخل فيها اقتطاع أموال المسلمين ظلماً وعتواً، يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿من اقتطع مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: ولو شيئاً يسيراً يا رسول الله، قال: ولو كان قضيباً من أراك﴾ راوي هذا الحديث سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد أتت امرأة من ضواحي المدينة في العقيق تشكوه إلى أحد الأمراء إلى مروان بن عبد الملك، قالت: غصبني مزرعتي سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فحاكمهما مروان في المسجد، قال: رد لها مزرعتها، قال: أنا أصبتها، قال: رد لها مزرعتها، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما كنت أغصبها مزرعتها وقد سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿من اقتطع مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان﴾ اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في مزرعتها، ثم أعطاها المزرعة، فبدأت هذه الأمور: عميت ثم ذهبت تريد الماء فانزلقت فوقعت على رأسها في البئر فماتت.
وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوَّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة﴾ حديث صحيح، قال بعض العلماء: طوَّق، والطوق من كل أرض بمقدارها، حتى يصبح في عنقه كالحديد لا يخرج ولا يلوس، والأرض طبقات بعضها فوق بعض متلاصقة، فالله يطوقه في هذا الشبر يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
стр. 195
النفاق والمعاصي
يوم ضعف التوحيد في القلوب، التوحيد الجميل الرائع البديع، التوحيد الحي الناصع أتت علامات النفاق، فكثر النفاق في الناس، والذي لا يخاف النفاق منافق، فالصالحون بكوا من النفاق وخافوا منه، أتى عمر ﵁ وأرضاه إلى حذيفة وقال: [[سألتك بالله يا حذيفة! أسماني ﷺ من المنافقين؟ قال: لا والله، ولا أزكي أحداً بعدك]]
قال الحسن: [[ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق]] فليحذر العبد النفاق فإن له علامات:
منها: الكذب في القول، وخيانة الأمانة، وخلف الوعد، والفجور عند اليمين، والغدر في العهد.
ومنها: الاستهزاء بقيم الدين الإسلامي ومبادئه من الكتاب والسنة، والاستهزاء بالصالحين والأخيار.
ومنها: التكاسل عن الصلاة، وما أعظم نفاق من ترك المسجد وهو جواره وترك الصلاة فيه!
ومنها: مراءاة الناس بالعمل، وطلب السمعة.
ومنها: قلة الذكر -والعياذ بالله- إلى غيرها من الأمور، وهناك شريط بعنوان ثلاثون علامة للمنافقين، أو نحو ذلك؛ فاحرصوا على استماعه.
اعلموا أنه لما ضعف التوحيد في القلوب خوطب كثير من الناس بتحريم الربا لكنهم ما استفاقوا، تخمرت العقول وأصابها سكر المعصية فما أصبحوا يسمعون قولاً، ولا يجيبون دعوة.
ضعف التوحيد والمراقبة فجعلوا أموالهم ربا، وأكلوا ربا ولبسوا ربا قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٣٠] وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة:٢٧٥ - ٢٧٦].
ثم قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
قال ﵊ فيما صح عنه: ﴿لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء﴾ وعند الحاكم وصححه، وابن ماجة في السنن من حديث عبد الله بن مسعود: ﴿الربا ثلاث وسبعون باباً، أهونه مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم﴾ والربا قسمان: ربا فضل، وربا نسيئة.
فربا الفضل يدخل في أجناس الذهب والفضة والبر والشعير، والمأكولات، والموزونات فلا بد فيها من شرطين: التطابق والمساواة والحلول؛ فالبر بالبر رباً، والذهب بالذهب رباً، إلا مثلاً بمثل سواء بسواء، والفضة بالفضة رباً، إلا مثلاً بمثل سواء بسواء، هاء وهاء، وكذلك الذهب والملح وقس عليها المكيلات، والموزونات، لا يجوز التأجيل فيها، ولا تجوز الزيادة في هذه الأصناف.
وربا النسيئة: وهي المزايدة كأن تعطيه ذهباً بذهب ديناً ثم يكون فيه زيادة، وهذه الأصناف سواء كان فيها زيادة، أو بدون زيادة ففيها الربا.
ومن ربا النسيئة ما يفعله المرابون في البنوك، يقدم ماله لتصرف له فائدة على هذا المال، فإذا كان هذا الشرط فهو رباً، أو يأخذ قرضاً فيأخذون من هذا القرض مائة ألف، أو عشرة آلاف فيسدد على أنه مائة ألف فهو رباً، فليحذر المؤمن هذا الأمر، فإنه من أعظم ما يستوجب به غضب الله ولعنته، وقلة البركة من الله، ويدخل به النار، وقد توعدهم الله بالحرب في الدنيا والآخرة.
وصاحب الربا لا بركة له، ولا ثمرة، ولا مستقبل، ولا نور، ولا هداية، نعوذ بالله من الربا.
стр. 196
أمور توجه للمرأة المسلمة
واعلموا -أيها المسلمون- أن من ضعف التوحيد في القلوب: عدم الاهتمام بالمرأة، ونسيان المرأة في البيت، وعدم تربيتها على الكتاب والسنة.
وإن للمرأة المسلمة صفات وهناك محاضرة اسمها: (صفات المرأة المسلمة):
فهي تؤمن بالواحد الأحد، وزوجها وابنها وأخوها يربون في قلبها الإيمان حتى يكون كالجبال، يغرسون في قلبها لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ فهي مؤمنة بالله، حافظة للغيب بما حفظ الله، تحفظ زوجها في نفسها، وفي ماله، وفي أطفاله، وفي عرضها فهذه هي المؤمنة الصالحة المنيبة.
التزود بالصالحات والتزود بالنوافل، وألا يخلو بيتها من ذكر الله، بيتها سليم من الآثام، بيتها خال من الأغاني، ليس فيه ملاهٍ، بيتها نير، بيتها يستفيق على لا إله إلا الله، ويمسي على لا إله إلا الله، القرآن يدوي في بيتها، الحديث والسيرة، تربية الأطفال قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
стр. 197
الملعونات من النساء
المرأة المسلمة لا تتشبه بالكافرات، فقد قال ﵊: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ المرأة المسلمة لا تتشبه بالرجال، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال﴾ فخلقها الله امرأة، مواصفاتها امرأة، ومؤهلاتها امرأة، وفطرتها امرأة، فإذا حرفت فطرتها لتكون رجلاً بعملها، ومشيتها، وفي كلامها ولبستها؛ فهي ملعونة، وقد لعن في النساء أصناف:
الواشرة: وهي التي تحد أسنانها لتتظاهر بأنها فتاة.
النامصة: هي التي تقلع حواجبها لغير حاجة.
الواشمة: وهي التي تغرز الحبر وما أشبهه في خدها، أو في أنفها، أو في وجنتها.
المفلجة: وهي التي تفرق بين ثناياها وأسنانها لغير حاجة.
الواصلة: وهي التي تصل شعر غيرها بشعرها، فهذه ملعونة على لسان محمد ﵊ وجميع من سبق ملعونات.
وقد أخبر النبي ﷺ : ﴿أنه سوف يأتي صنف من النساء في آخر الزمان، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، مائلات مميلات، فاتنات مفتونات، لا يرحن رائحة الجنة﴾ يركبن الشعر على الرأس، ثم ينزلن إلى الأسواق، ويلبسن كل موضة تخالف اللباس الشرعي من قصير، أو شفاف، أو ضيق، أو ما يبدي الزينة، ثم تتعرض لعيون الأجانب فتمر على الخياطين، وعلى باعة الذهب، وعلى كل فاجر تعرض نفسها وتستوجب غضب ربها ولعنة الملائكة.
стр. 198
صفات المرأة المؤمنة
المرأة المسلمة تحيا بحياة الله، وتنقل حياة الإيمان إلى أخواتها، داعية تتصل بأخواتها، تدعوهن بالهاتف، بالكتيب، بالشريط، بالكلمة الطيبة، وبالنصيحة.
المرأة المسلمة تحفظ زوجها في أطفاله فتربيهم على سنة محمد ﷺ منذ أن يصبحوا إلى أن يمسوا؛ في لباسهم وطعامهم، تسمي على الطفل في غسله، في لباسه، وفي طعامه، وفي نومه واستيقاظه، تعلمه الصلاة، تعلمه القرآن، تعلمه آداب الإسلام، تذكر له سيرة الصحابة الأخيار، هذه المرأة المسلمة فلا يضعف توحيدها ويقينها، نسأل الله أن يصلح نساءنا وأن يجعلهن من المؤمنات الصالحات، فإن الله قال بعد أن ذكر الصالحين: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥].
стр. 199
التوبة النصوح
стр. 200
دعوة إلى التوبة
واعلموا أن التوحيد لما ضعف قل ارتياد المسلم للتوبة.
التوبة أمر عظيم، ولولا وجود التوبة لي ولك لمتنا يأساً.
التوبة حبل، التوبة باب، التوبة طريق، التوبة كالماء البارد، تقسو قلوبنا، تنقطع حبالنا، تيأس أرواحنا، تدمع عيوننا فنتذكر باب التوبة المفتوح: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
يا موظفاً أسرف على نفسه في وظيفته وأساء! باب التوبة أمامك مفتوح لتكون كالأخيار من صحابة محمد ﷺ يوم رعوا الله في وظائفهم ومسئولياتهم، وفي إمرتهم كما قال رسول الله ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ َالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].
يا أستاذاً أساء في تدريسه، لم يحضِّر مادته، ولم يدع إلى الله، وما صدق في تدريسه، ولا أخلص ولا راقب الله! أنت مدعو لكي تتوب وتراجع حسابك مع الله، وأن تكون معلماً كما كان أصحاب محمد ﷺ معلمين: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
يا معلماً أتى إلى أبناء المسلمين لكي يعلمهم! أدعوك إلى أن تطهر مسيرتك منذ اليوم.
يا تاجراً تعامل بالربا يا تاجراً ما صدق في بيعه وشرائه! يا تاجراً ما أنفق وما قدم لنفسه! يا تاجراً ما مهد لقبره! أنت مدعو اليوم للتوبة، وإلى مراجعة حساباتك في تجارتك، وطلب الحلال، والإنفاق منه، واعلم أنك إن لم تتب كان مالك وبالاً عليك، وكان الشجاع الأقرع رفيقك ولادغك في قبرك.
ويا أعرابياً ما تعلم السنة في البادية! تجيد قيادة السيارة، ولبس الثوب، وأكل الطعام، وبناء البيت، وركوب الطائرة، لكنك ما حفظت الفاتحة! أنت مدعو لطلب الفقه في الدين، واجب عليك أن ترتحل، ولو كلَّ جوادك وتعب جسمك، ولو أنفقت من مالك، إلى أن تتعلم وتتثبت من طلبة العلم والدعاة فتتعلم كل ما يهمك.
يا أعرابياً أشرك بالله! أنت مدعو إلى أن تتوب، وأن تعرف أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله.
الذهاب إلى الكاهن شرك، وإلى العراف شرك، وإلى الجاحد شرك، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أتى عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد﴾.
يا امرأة مسلمة! أنت مدعوة اليوم إلى التوبة، وإلى العودة إلى الواحد الأحد.
ويا طالب علم، طلب العلم للدنيا وللظهور والشهرة وأساء بطلب العلم، ولم يعمل بعلمه! أنت مدعو إلى أن تتقي الله بعلمك:
إذا ما لم يزدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
ويا طبيباً في مستشفيات المسلمين! اتق الله في أمور: أولاها أن تخلص في علمك؛ لينفع الله بك، وأن تحتسب الأجر على الله.
ثانيها: عندما تحاول أن تعالج الأجسام، حاول أن تعالج الأرواح، فإن المريض بين يديك كالغريق في البحر يتعلق في القشة، فأدنى كلمة منك وهو في المرض تدعوه فيها إلى الله تنفعه بإذن الله، لقنه مع إبرتك وحقنتك، ومع أدواتك ومع علاجك التوحيد، اغرس الإيمان في قلبه قل له: لا إله إلا الله، قل له: اعلم أني أنا الطبيب لا أنفع ولا أضر، الطبيب هو الله:
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل المريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
ثالثها: أن اتق الله في أعراض المسلمين، لا يجوز لك أن تخلو بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا يجوز لك أن تنظر نظر ريبة ومعصية، فلتتق الله ، ولتعلم أنك في مسئولية عظيمة، وفي أمر جسيم، وأنت معرض لأمرين: إما أن تنقذ نفسك؛ فتكون من أحسن الناس إلى الجنة، وإما أن تعرض نفسك للبوار في الدنيا والآخرة نسأل الله العافية.
стр. 201
التزود بالنوافل بعد الفرائض
ومما يجب على المسلم أن يعلمه وأن يفعله دائماً؛ أن يحافظ على الفرائض؛ فإنها رأس ماله، ليس معه إلا الفرائض، والله لا مال، ولا تجارة، ولا منصب، ولا وظيفة:
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان قوم لا أساس له فإنما هو في التحقيق خسران
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يقول الله : وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه﴾ إذا ضاعت فريضتك فأين رأس مالك؟! بالله قل لي: من ضيع الصلوات في أوقاتها بخشوعها، وركوعها أين رأس ماله؟! الصلوات التي هي الإسلام، والإسلام هو الصلاة، الصلاة التي من تركها فقد كفر ويصبح كالبهيمة، يقول ﷺ فيما صح عنه: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ يوم يترك الصلاة يكفر، يوم يترك الصلاة يحل دمه، يوم يترك الصلاة يلعن، يوم يترك الصلاة يحل عرضه، يوم يترك الصلاة يحل ماله، يوم يترك الصلاة تخرج زوجته من عصمته ولا يجوز لها البقاء معه، يوم يترك الصلاة لا يصلى عليه، ولا يكفن، ولا يغسل، ولا يدفن في مقابر المسلمين، قال الحبيب المصطفى: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾.
واعلم أن من آثار التوحيد الجميلة أن تتزود بالنوافل، وكما قال ﵊: ﴿قال الله: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به﴾ جاء رجل قال: ﴿يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾.
وعليك بالذكر فقد قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وقال أيضاً: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١].
التسبيح، التحميد، وأكثر من ذكره في الأرض دائماً لتذكر في السماء:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
أيها المسلمون: هذه وصايا وأنا أردت من هذا الشريط كل طبقات الناس؛ فإنه رسالة لكل مسلم، لعل الله أن ينفع به، لعل رجلاً صالحاً أن يهديه إلى أخيه، أو صديقه، أو جاره فيهتدي بسببه، وقد قال ﵊: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ وسوف يكون هناك قضايا؛ لكنني لم أعلم قضية من الكبار والخطوط العريضة والمجملة التي تهمنا جميعاً إلا وذكرتها هنا.
وهناك ذنوب نقع فيها دائماً ونكررها، وليس لنا نجاة ولا فلاح إلا أن نتوب ونتخلى عنها، منها: الغيبة وانتهاك أعراض المسلمين في المجالس، فالغيبة أمرها عظيم قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢].
الغيبة: هي ذكرك أخاك بما يكره، بالغيبة كأنك تذبح المسلم وتأكل لحمه وتشرب دمه، فالله الله في المسلم أن يحفظ لسانه، وأن يرعى أعراض المسلمين ﴿فإن من تتبع عورة المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه الله ولو في عقر داره﴾.
نسأل الله السداد والتوفيق والرشد والهداية، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم، سيئاتنا، وأن يقبلنا فيمن قبل.
هذا وصلى الله على نبيه وخليله محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 202
قضايا متفرقة
من القضايا التي تلحق بهذا الدرس مسائل تنتشر في الناس وهي: اللعن وانتشار الغناء، والإسبال أو مخالفة السنة في كثير من السلوك، ضياع الوقت، جلساء السوء وهذه قضايا كبرى.
стр. 203
اللعن معناه وحكمه
أما اللعن: فهو كبيرة من الكبائر، صح عن الرسول ﷺ أنه قال: ﴿لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة﴾ وقال: ﴿ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء﴾.
اللعن معناه: أن تدعو على الملعون بالطرد والإبعاد من رحمة الله، ولعن المؤمن كقتله؛ فإذا لعنته، فإن استحقها أخذها، وإلا عادت على اللاعن نفسه، نعوذ بالله من اللعن، فالله الله في تجنيب الألسنة هذه الخصلة الذميمة، ونهي الأبناء والنساء والجيران والإخوان عن استخدام هذه الألفاظ؛ لأن ديننا يأمرنا أن نحفظ ألسنتنا.
ومن أعظم ما يخدش وقار اللسان وجماله: اللعن، وهي ظلمة في وجه العبد، وهي طرد وإبعاد ومحق.
وقد يدعو الإنسان، أو أحد أبنائه أو قرابته فتوافق من الله ساعة إجابة، لا يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه، فتصيبه هذه اللعنة.
والرسول ﵊ رأى امرأة تلعن ناقتها، فقال: ﴿خذي ما عليها من متاعك واتركي هذه الناقة لا تصحبونا بملعون﴾ فكيف بمن يلعن أطفاله وأهله وقرابته ومواشيه؛ نعوذ بالله من ذلك الخسران ومن هذا الذنب العظيم.
стр. 204
الغناء حكمه وعقوباته
ومنها: الغناء وهو منتشر عند كثير من الناس، وأبوا أن يتوبوا منه لأن الهوى غلب على عقولهم، ولو استفاقت من سباتها ومن نومها، وموتها لعرفت طريقها وخافت ربها.
الغناء ذميم، الغناء خمر الأرواح، الأئمة الأربعة أجمعوا على تحريمه، قال ابن تيمية فيما ينقل عنه: " الغناء بريد الزنا " وما داوم عبد على الغناء إلا أصيب بأربع مصائب:
١ - قسوة القلب: فلا يجد للموعظة طعماً ولا مذاقاً ولا حلاوة ولا تأثيراً، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].
٢ - لا يحب الذكر؛ لأن قلبه امتلأ من الران والخبث.
٣ - وحشة بينه وبين الله: فإن أحباب الله يحبون ذكر الله، ويحبون ما يقربهم من الله، ويحبون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسنته رسوله بخلاف المغني.
٤ - يحرم الغناء في الجنة: وفي الجنة غناء مباح، فيه تلذذ، ونعيم مقيم،
قال ابن مسعود ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
стр. 205
إهمال السنن
ومن الظواهر عند بعض الناس ولو كان فيهم خير من إقامة الفرائض لكن نقصهم في السنة، عدم اعتنائهم بالسنة، وادعاؤهم أن هذه قشور، وأن الإسلام لم يركز عليها، وأن الرسول ﵊ لم يهتم بها وليست من أصول الدين، ونحن نقول:
أما قولكم إنها ليست من أصول الدين فقد نوافقكم، وأما قولكم إنها قشور فليس في الدين قشور بل هو لباب كله، وخير كله، ونفع كله، الدين جميل، الذي أتى بلا إله إلا الله أتى بإماطة الأذى عن الطريق، الذي أتى باليوم الآخر أتى بتربية اللحية، الذي أتى بذكر الميزان والصراط والحوض وأركان الإسلام أتى بتحريم إسبال الثوب، فخذ الدين كله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]
إن شاء الله إذا خرجت السلسلة التربوية من هديه ﷺ ، التي وعدت بها سوف تجدون شخصية محمد ﷺ تلاحقكم في كل مكان، فهو إمام لك في الصلاة، وإمام لك في الحج، وإمام لك وأنت على المائدة، وإمام لك وأنت تتوضأ، وإمام لك وأنت نائم على فراشك، وإمام لك في الدكان، وفي المزرعة والمكتب والفصل، شخصية عملاقة وهذه عظمة الإسلام، تأكل اللقمة ومعك هدي، وتتمضمض ومعك هدي، وتخطو الخطوة ومعك هدي، وتخرج من المسجد وتدخل البيت ومعك هدي، هذا هو النور الذي أتى به هو محمد ﵊، فحذار حذار من قوم استهانوا بالسنة، وجعلوها قشوراً وخلت مظاهرهم من تطبيق معالم الهدى، فالأشرف لك اتباع محمد ﵊.
стр. 206
ضياع الوقت
ما أرخص الوقت عند المسلمين! لو أخذ الموظف على مكتبه المصحف كلما خلا، وما أكثر ما يخلو بنفسه أخذ المصحف وقرأ، ليتصل بالواحد الأحد، يجلس بعضهم على المكتب ساعات طويلة لا ينهي معاملة للمسلمين، معاملته من أسابيع، وهي واحدة، وكلما تراص الناس أمامه قال: غداً بعد غد:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيده إلا الأباطيل
ويتشاغل بهذا الأمر ويدعي، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، كم يخلو في المكتب! لكن ليس عنده مصحف إما يهمهم أو يوسوس أو يتغنى، أو يخرج من مكتبه إن لم يكن عنده أمانة، وكذلك يوجد بين الأساتذة فراغ عند الحصص وفي الفسح، والطلبة كذلك، وصاحب الدكان في دكانه، كثير من الناس ليس عنده إلا مجموعة من (القواطي) والمشروبات ومن المأكولات يفتح من بعد صلاة الصبح، ولا يأتيه الزبائن إلا في الساعة العاشرة، فلو فتح مصحفه وقرأ آيات الله، واستنار بنور الله لأتاه الرزق، رزق القلب ورزق البدن، وأنعم الله عليه في الدارين، وبارك له فيما أعطاه.
وكذلك منتظر الباص، والواقف على الطريق والمزارع؛ عندهم وقت فراغ عظيم، لكن من يحفظ الفراغ؟! قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
المرأة في بيتها تخلو ساعات طويلة، تنتهي من عملها في البيت وتبقى ساعات؛ فوصيتي أن تستمع شريطاً.
حدثنا أحد الدعاة: أن امرأته وهي تعمل في مطبخها سمعت في فترة أسابيع قليلة: ثلاثة وعشرين شريطاً، وفهمت أكثر قضايا الأشرطة، وأصبحت عالمة؛ لأنها حفظت وقتها، فالوقت الوقت:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
стр. 207
جلساء السوء
أحذركم ونفسي من جلساء السوء:
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب
قال تعالى: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]
الخليل هذا إمام صالح، يصلحك في الدنيا والآخرة، إذا دخل عليك في البيت فهو نور، وإذا جلس معك بركة، وإذا حدثك ذكرك بالله، فيقول الله لك وله من المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم قد رضيت عنكم وأرضيتموني.
وأما جليس السوء يدخل عليك الظلمة والمحق، إن تكلم تكلم بإثم، وإن قادك قادك لإثم، وإن نظر إليك الناس اتهموك لأنك معه:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
يقول الشافعي رفع الله منزلته:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة
أنت من الصالحين وتحب الصالحين و ﴿المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل﴾ ﴿والمرء يحشر مع من أحب﴾ جالس الأخيار، زر الدعاة، جالس طلبة العلم، أحببهم، ادع لهم عل الله أن يحشرك معهم.
هذه قضايا عل الله أن ينفع بها، والأسئلة كما ترون كثيرة وأنا أريد الإبقاء على ضميمة الدرس؛ ليكون متناسب الأجزاء مترافق الأطراف، ولتكون القضية واحدة.
هنا رسالة مطولة كتبها أحد الأخوة فيها بعض الأمور يقول: هناك ظاهرة طيبة وهي وجود من يدعو إلى شراء الكتب الإسلامية والأشرطة وهذا والحمد لله نعمة نحمد الله عليها إلى آخر ما قال، المهم أنه ينبه إلى أهمية أن يعتني المسلم بإدخال هذا إلى بيته والاهتمام به، وإهدائه إلى المسلمين.
أقول: شكر الله لك وقد أحسنت كل الإحسان، فلا يلزم من الداعية أن يكون متكلماً أو واعظاً أو محاضراً، بل شريط تنقله إلى المسلم قد يهتدي به، فيكون هذا المسلم في ميزان حسناتك، والشريط ما هو إلا بخمسة ريالات، خمسة ريالات تدخلها البيت بهذا الشريط فيصلح به ثلاثين أو أربعين في البيت أو أسرة، أو قبيلة فيكونون في ميزان حسناتك يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
وقد رأينا وسمعنا أن قوماً من أهل الفضل والخير ذهبوا بأموالهم الحلال، فأخذوا أشرطة فوزعوها على الناس فأصلح الله أسراً وقبائل وقرى، فوالله الذي لا إله إلا هو إني أعتقد أن توزيع الشريط الإسلامي في البيوت وفي الأسر والبوادي، وفي القرى أعظم ممن يوزع عليهم الأرز والسكر والطعام؛ لأن هذا حياة القلوب، وتلك حياة الأبدان، وحياة القلوب بالإيمان، وإذا فات الإيمان فالنار، وحياة الأبدان الموت، والموت أمره سهل، وقد ذكر ما يشبه هذا ابن القيم فأسأل الله أن يجعل العمل خالصاً لوجهه.
أسأل الله الواحد الأحد الذي جمعنا وإياكم في هذا المكان أن يخلص أعمالنا وأعمالكم لوجهه الكريم، وأن يجعل ما نقول وما نعمل خالصاً لوجهه الكريم لا رياء فيه، ولا سمعة، وأسأله أن يغفر لنا ولكم خطايانا، وأسأله أن يجازي كل من نشر الخير واستطاع بأي وسيلة أن ينشر الدعوة، وأن يوصلها إلى قلوب الناس، وإلى بيوتهم وسياراتهم أن يتوفاه مسلماً مؤمناً مثبتاً على الحق حتى يلقاه، وأن يبيض وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 208
رسالة من تهامة
الزكاة فريضة فرضها الله على المسلمين تخرج من أغنيائهم وترد على فقرائهم، والزكاة تطهر وتزكي النفس والمال، وعاقبة مانع الزكاة في الدنيا وخيمة، وفي هذه المادة دعوةٌ إلى الإنفاق والبذل والتصدق على المسلمين كما أمرنا الله.
стр. 209
أحسن كما أحسن الله إليك
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أشهد أن الله حق، وأن الجنة حق، والنار حق، والنبيين حق، وأن محمداً رسول الله حق، أشهد أن الدين خالد، وأن الرسول خاتم، وأن الكفر خاسر.
أيها الناس: يقول الله ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٨٠].
هذا هجوم أدبي على الإقطاعيين في العالم.
هذا غضب ونقمة على الذين كدسوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وادخروا الأموال في البنوك، وتركوا فقراء الأمة ينامون على الأرصفة.
هذا غضب من الله للذين لعبوا في أمواله فما أدوا زكاة الأموال، وما اجتنبوا الربا وما تصدقوا.
هذا وعيد صارم من الله ألا يقبل لهم توبة إذا أتوا بهذه الحالة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة:٧٥] كان بعض الناس فقيراً فأغناه الله الواحد الأحد، كان لا يملك درهما ولا ديناراً، فلما أصبح يملك الملايين لوى عنقه لرب العزة ، بطر بالأموال وصد بالأموال عن سبيل الله، ورابى بالأموال، وصارت أمواله مصدر حرب على الإسلام والمسلمين ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة:٧٥] عهد من الله، فآتاهم الله، وأراد أن يرى هل يصدقوا أم يكذبون.
وأنا أذكر قصة صحيحة عند البخاري يوم أرسل الرسول ﷺ عمر بن الخطاب ليجبي الصدقات من الناس، فذهب عمر جابياً للصدقات، فمر على العباس عم الرسول ﵊، قال: هات زكاتك قال: لا، ومر على خالد بن الوليد - أبي سليمان سيف الله المسلول- قال: هات زكاتك قال: لا.
ومر على ابن جميل وقال: هات زكاتك قال: لا، وليس لـ عمر إلا أن ينقل الإجابة كما سمعها للرسول ﵊، ووصل عمر وأخبر الرسول ﷺ قال: أعطاني الناس جميعاً إلا ثلاثة: عمك -هكذا صراحة ووضوح وصدق الإسلام، ليس في دين الله خشخشة ولا مجاملة ولا نفاق- عمك رفض أن يدفع الصدقة وما قال عمر في نفسه: ما دام أنه عم الرسول فنتجاوز عنه، لا.
أول من رفض الصدقة عمك وخالد بن الوليد وابن جميل، فتبسم ﵊.
وأتى يخبر بجواب مفصل عن أعذار الثلاثة، قال: ﴿أما عمي فإنها علي ومثلها﴾ يعني زكاة سنتين؛ لأن الرسول ﵊ استعجل، وتعجل منه صدقة عامين، قرضاً وديناً في شئون الإسلام، ﵊، ثم قال لـ عمر: ﴿أما تدري يا عمر أن عم الرجل صنو أبيه﴾ كالمازح يقول هو عمي ومع ذلك تعجلت صدقته هذه السنة والسنة المقبلة.
قال ﵊: ﴿وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً﴾ خالد مظلوم فـ خالد دفع دمه وعرقه ودموعه وسيوفه ورماحه في سبيل الله، خالد أخذ أمواله جميعاً فشرى بها مائة فرس فحبسها في سبيل الله، وشرى مائة سيف فجعلها في سبيل الله، وشرى مائة درع فجعلها في سبيل الله.
يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذلة
هو البحر من أي النواحي أتيته فدرته المعروف والجود ساحله
فاعتذر لـ خالد وللعباس.
﴿وأما ابن جميل -وهذا هو الحية الرقطاء- وأما ابن جميل يقول ﵊: فما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله﴾ يقول: أيحق لـ ابن جميل أن يفعل بنا هذا، بعد أن كان فقيراً مملقاً أغناه الله؟!
يتنكر للإسلام وللزكاة وللصدقة، أهذا جزاء الإحسان! أهذا رد المعروف! أهذا حفظ اليد البيضاء! هكذا يفعل اللؤم! فرفض ابن جميل ورفض ﵊ أن يقبل صدقته أبداًَ، فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة:٧٥] وهو ابن جميل هذا، كان فقيراً في جانب المسجد يأكل من طعام المسجد لا يجد كسرة خبز، فأتى إلى الرسول ﵊ وقال: ﴿يا رسول الله! أريد مالاً، قال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه﴾ -قليل تشبع به وتصلي معنا في المسجد وتشكر الله عليه أحسن من الكثير الذي لا تؤدي شكره- ﴿قال: يا رسول الله! ادع الله لي أن يرزقني مالاً، قال ﷺ : أنا رسول الله لو شئت أن يسير الله لي جبال الدنيا ذهباً وفضة لسيرها لي، ولكني مع ذلك أجوع يوماً وأشبع يوماً، قال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: فإن رزقك مالاً أتؤدي شكره؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فرزقه الله مالاً، فترك صلاة الجماعة ثم تشاغل عن صلاة الجمعة ثم رفض الزكاة﴾.
وابن جرير وابن أبي حاتم يذكرونها لـ ثعلبة وفي سندها عن ثعلبة نظر، بل هي عن ابن جميل لقصة البخاري ولسند البخاري، أرسل عمر إليه قال: هذه جزية لا أعترف بالصدقة، قال: كنتَ فقيراً فأغناك الله، قال: لا، أنا ورثت المال كابراً عن كابر، قال الله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧] وهذه قصة ابن جميل تتكرر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 210
أهل تهامة يدعونكم للإنفاق
ونحن يا أيها الناس نعيش مشكلة اجتماعية، واقعاً أعرفه أنا وتعرفه أنت، لأننا من أبناء هذه المنطقة، نعرف الفقراء ونعرف المساكين، بل أعرف منطقة كاملة مشيتها قرية قرية ووادياً وادياً منطقة الساحل وتهامة يعيشون فقراً مدقعاً، ومن يكذب هذا؟! ومن ينكر هذا؟! إن منطقة واسعة وإقليماً يعيش فقراً مدقعاً، والرجل يعيش في عشة لا يجد أحياناً قوت يومه، وبالقرب أغنياء بلغ غناهم السحاب، وهل الإسلام يرضى هذا! وهل محمد ﷺ إن كان حياً يرضى هذا الوضع! أن تعيش قرى في البادية وقرى في تهامة على التراب، لا تتمتع بأقل ما يتمتع به الإنسان في عصر الحضارة والرقي والتقدم، عصر الكهرباء، عصر الاشعاع، عصر المال والماء، عصر الخبز والفواكه والخضروات والثياب، إنها أمانة يجب عليَّ أن أنقلها لكم وأن تعوها وتسمعوها.
من عنده زكاة فليذهب إلى هذه المناطق لينقذ أهلها، من عنده صدقة، هم يأتون إلى هنا ونحن ذهبنا إلى هناك، ووالله لقد استودعنا منهم شيوخاً وهم يبكون أن نبلغكم الوديعة، وأن نخبركم بالأمانة، نعم.
إن كانت الإغاثة الإسلامية مستعدة لتغطية حاجة هؤلاء دفعنا أموالنا إليها، وإن كانت تقول إنها سوف تدفعها في بلاد أخرى فلا، أموالنا أولى بها أقاربنا وفقراؤنا ومساكيننا، وعند أهل العلم أنه يبدأ أولاً بالمسكين والفقير القريب القريب، فمن يعذر هذه الأمة التي يعيش أغنياؤها ترفاً هائلاً؟ اقرأ المقابلات مع تجار البلاد، الملايين التي تعادل ميزانية كل تاجر منهم ميزانية الدول الأخرى، ومع ذلك هذه المناطق الشاسعة تعيش التراب والفقر المدقع، مسئولية من؟ إنها مسئولية التجار.
стр. 211
قاصمتا أهل الساحل
وأصيب هؤلاء المساكين في تهامة الساحل والبادية بخيبتين وقاصمتين: قاصمة فقر العلم والعلماء والدعاة، وقاصمة فقر المال من الأغنياء والتجار، والله يقول عن بني إسرائيل: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧] فهذا بخل بالعلم وبخل بالمال، وأمامي هنا طلبة علم وأغنياء وتجار، فطلبة العلم أمامهم أمانة من الله أن يذهبوا بعلمهم ليعلموا هؤلاء، والله إن فيهم من لا يحسن قراءة الفاتحة، ومنهم من لا يعرف الغسل من الجنابة، فاجتمع عليهم فقر الدين وفقر الدنيا، وهي مسئوليتنا نحن.
نعم، من عنده زكاة، وعنده صدقة، ومن أراد أن يرفع هذا الفقر، وهذا الضيم عن هذه القرى، وعن هذا الساحل، وعن البادية فليذهب، لينفق أمواله ليجدها عند الله.
стр. 212
عاقبة تكديس الأموال
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] ويدخل فيهم أهل الشركات وأهل الملايين ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥] ذوقوا هذا كنزكم، هذه ملايينكم، رأيتم الفقراء، ورأيتم الأمة الضائعة، ورأيتم المحتاجين فما رفعتم ضيماً، هذا كنزكم، هذا ما كنتم تكنزون.
يقول ﵊ في صحيح مسلم: ﴿والذي نفسي بيده ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح، فتكوى بالنار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله هل إلى جنة أو إلى نار، ووالذي نفسي بيده ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كانت يوم القيامة صففت بصفصف قرقر، فبطح هو -صاحب الإبل يبطح- ثم تأتي عليه فتطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما انتهى أولها ردت على آخرها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] حتى يقضى بين الناس، والذي نفسي بيده ما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطحت له بقاع قرقر، فبطح هو، ثم أتت ليس فيها عطفاء ولا جلحاء ولا عضباء، تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] كلما انتهى أولها ردت على آخرها حتى يقضى بين الناس﴾.
هذا كلام المعلم، هذا كلام المعصوم ﵊، هذا كلام الذي رفع رءوسنا، والذي أتى بهذه الفريضة يطهرنا بها ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] لماذا لا يتطهر الإنسان قبل أن يكون أول ما يحاربه في القبر ماله، وفي الحديث الصحيح: ﴿ما من صاحب كنز إلا جُعِلَ له شجاعٌ أقرع -ثعبان له زبيبتان- يلدغه في القبر ويقول: أنا كنزك أنا مالك﴾ هذا الكنز وهذا المال.
وعند الإمام أحمد: أن الصحابة اختلفوا أي الكنز أحسن؟ أهو الذهب أم هي الفضة أم الإبل أم عروض التجارة؟ فأرسلوا عمر بن الخطاب يسأل رسول الله ﷺ فلما وصل إليه ﴿قال أي الكنز أحسن يا رسول الله؟ قال: من آتاه الله قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً﴾ هذا هو الكنز العظيم الذي يكتنزه المسلم لينفعه في ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
стр. 213
رمضان فرصة سانحة للإنفاق
وإنها فرصة سانحة في رمضان أن تخرجوا صدقاتكم وزكواتكم؛ لأن من ينظر إلى وضع الفقراء وإلى ما يتقدم به الفقراء من مستندات، ثم لا يجد ما يدفع إليهم ويتساءل أين زكاة الناس؟ إلى أين يدفع هؤلاء صدقاتهم وزكواتهم، إذا كانوا صادقين أنهم يدفعون صدقاتهم وزكاتهم؟ فلماذا يبقى هؤلاء القطيع الهائل من الناس فقراء ومحتاجين، ويبقى أحدهم لا يجد ما يفطِّره في رمضان؟ ولا ينكر هذا إلا أحد اثنين:
إما رجل مكابر: أَعْرِضُ عليه هذه المعلومات، التي رأيتها بعيني وعشتها، ويقول: لا.
لا يوجد هذا في المنطقة، فهذا مكابر عنيد.
أو رجل آخر جاهل لا يعرف الوضع، ولم يداخل الناس ولم يدخل العشش، ولم يرَ كيف يعيش الإنسان في القرن الخامس عشر، هذه مسألة أعرضها عليكم، وأسأل الله أن يرفع الضر عن المستضرين، وأن يقضي حاجة المحتاجين، وأن يسد رمق الفقراء والمساكين.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 214
حِكَمُ الإسلام في الزكاة
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
عباد الله: فإن للزكاة في الإسلام حِكَماً لا يعرفها إلا من اطلع على أسرار هذا الدين:
стр. 215
أداء الزكاة زكاة للنفس
أولاً: زكاة للنفس، تزكيها من أوضار البخل، والشح، وترفع قدرها عند الله، وقد وصف ﵊ المتصدق والبخيل برجلين عليهما جبتان من حديد، كلما أنفق المنفق اتسعت الجبة حتى تغطي أثره، وكلما أمسك الممسك ضاقت عليه الجبة حتى تخنقه ﴿ولله مناديان في كل صباح -كما في الصحيح- ملكان الأول يقول: اللهم اعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم اعط ممسكاً تلفا﴾ ومن لا يستفيد من المال في الحياة، فلن يستفيد منه بعد أن يموت، فإما حلال فللورثة، وإما حرام يعذب به حتى يلقى الله ويدخله هذا المال النار، وقد رأينا كثيراً من التجار، وسمعنا أخبارهم أنهم شقوا بمالهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
أما في الحياة فبالاستقراء من أخبارهم، تاجر عنده من التجارات الهائلة ما الله به عليم، حضرته الوفاة في منطقة نائية عن منطقته التي فيها قصوره وأمواله وبساتينه ودوره، فلما توفي في المستشفى النائي تصدق عليه الناس بكفن، هذه نتيجة الملايين.
خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطين والكفن
هكذا هي حياة هؤلاء في الدنيا، وأما بعضهم فقد سعد سعادة بهذا المال ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].
كان ابن هبيرة الوزير تاجر مشهور، يفطر كل يوم في رمضان عشرة آلاف صائم يبني القناطير المقنطرة، يبني المساجد، يبني البرك للحجاج من العراق إلى مكة يشربون ماءً بارداً، وصل إلى منى يقود الحجاج، وفي اليوم الثامن انقطع الماء على الناس، وانتهى الماء، وأصبحوا في أزمة وأشرفوا على الهلاك، فقام هذا الرجل الصالح -وكان من أغنى الأمة الإسلامية في عهد الدولة العباسية- فرفع يديه، قال: اللهم إنك تعلم أني ما أنفقت أموالي إلا ابتغاء مرضاتك، اللهم إن كنت تعلم أني صادق فأغث الحجاج الآن هذه الساعة.
قال الراوي: فوالله لقد نزل الغيث علينا بـ منى وما في السماء قبله سحابة حتى نزل الثلج مع الماء، فأخذ يأكل الثلج ويبكي ويقول: يا ليتني سألت الله المغفرة، هذا صنف من صنف أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان الذين دفعوا أموالهم وأعطوها سخية أنفسهم، نعم هناك من يحتاج بناء مساجد، وهناك مقاطعات ليس فيها مسجد واحد، هناك قوم يحتاجون إلى برك لإيصال الماء النقي الصحي إليهم لا الماء الملوث الذي يحمل البلهارسيا والموت والسم الزعاف، هناك أناس يحتاجون لبناء بيوت تكنهم من المطر وتظلهم من الشمس، هناك أناس يريدون الحاجة الضرورية، يريدون الخبز -هذا من حوائجهم الضرورية- والأرز والسكر، لا يريدون الكماليات، هناك أناس يريدون اللباس، يتعيد الناس في الألبسة الجديدة والثياب الفاخرة، والواحد منهم يبقى سنة في الثوب الواحد.
следующие страницы →