← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

شجاعة العصاة والعصاة فيهم أناس شجعان إلى أبعد ما تتصورون، فأنت قد تتصور أنهم ليسوا بشجعان، لكن عندهم شجاعة متناهية، قال الإمام أحمد وهو في السجن: "ما ربط على قلبي إلا قول رجل كان معي من المحبوسين، حبس على الخمر قال: يا أحمد بن حنبل! اصبر على الحبس واصبر على السوط، فإنك من أجل أمة محمد ﷺ ، والله يا أحمد لقد جلدت في الخمر ألفاً وستمائة سوط وما تراجعت. قال الإمام أحمد: فربط على قلبي. فهذا يشرب الخمر ويجلد، ويشرب الخمر ويجلد، ومن الناس من يجلد الواحد منهم مرات، على محجر أو على ساقية، ويقول: الحمد لله والشكر له، لا ارتشيت ولا أرشيت، وإنما عن حقي وأملاكي، والله لو سال دمي قطرة قطرة ما أتنازل عن شبر من أرضي. فتعيش الشجاعة، وهذه شجاعة أهل الدنيا.

стр. 1472

شجاعة مرحب اليهودي ومنهم: مرحب اليهودي فإنه كان شجاعاً بلا شك، بارز الصحابة وقتل سبعة، حتى خرج له علي ﵁، وقطع رأسه وكأنه ما خلق له رأس، وكان يقول مرحب: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظره أكيلكم بالسيف كيل السندرة

стр. 1473

بابك وأبو مسلم الخراساني ومنهم: بابك الخرمي. فقد قتل من العرب والعجم ومن الكفار والمؤمنين، ألف ألف رجل، وهو أعظم مجرم في التاريخ، حتى إن المعتصم يقول: إنه سهر ليالٍ طويلة ما أتاه النوم، وخاف أن يدخل عليه في بغداد، هذا الهامة الطامة، وقف في الشمال يرسل الكتائب ويقاتل. فقال المعتصم: من يأتيني به وله ألف ألف درهم، وأكتب اسمه مع اسمي ويدعى له على المنابر. من هذا البطل الذي يأتي به؟! فأرسل الإفشين بن قطلوبغا، وأصله تركي لكنه قائد مسلم مشهور، فأرسله فبقي يقاتله سنة، صيفاً وشتاءًَ وليلاً ونهاراً، فظفر به ثم قطع رأسه، فصلب المعتصم رأسه في سامراء حتى يقول البحتري: فجعلته علماً بـ سامراء. ومدحه الخليفة ودعا له عدة جمع ثم أصدر المعتصم مرسوماً بألا يدعى له، فقد أخذ حاجته منه والحمد لله. ومنهم: أبو مسلم الخراساني وكان من الشجعان الكبار، وكان يقدم نفسه، وهو عاص خطير، حتى استفتي الإمام أحمد: هل نصلي في مسجده؟ قال: لا. مسجد عاص. أخذ أموال المساكين وبنى بها مسجداً كبيراً في خراسان، وكان يخطب يوم الجمعة وعليه عمامة سوداء، فقام أحد الناس -وليته ما قام- فقد أجرى دماء المسلمين، وقتل منهم القتلى، وأخذ أموالهم وأراضيهم، وهذا قام يلاحظ عليه ملاحظة، فقال له أبو مسلم: ماذا؟ -وكان فصيحاً- قال له الرجل: أتلبس السواد وقد نهى النبي ﷺ عن لبس السواد؟ قال: كذبت، حدثني فلان عن فلان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، والحديث في مسلم: ﴿أن النبي ﷺ دخل في عمرة القضاء وعلى رأسه عمامة سوداء﴾ يا غلام اضرب عنقه. فقام الغلام فضرب عنقه. هذا هو أبو مسلم الخراساني، أمره إلى الله، لكن عنده شجاعة متناهية، ما كان ينام الليل كان يتقلب فتقول له أمه: مالك؟ فيقول: همة تنطح الجبال. حتى يقول فيه أحدهم: همة تنطح الثريا وعزم نبوي يزعزع الأجبال ولذلك نقل دولة بني أمية إلى بني العباس، كأنه نقلها من جيبه الأيمن إلا جيبه الأيسر، وفي الأخير، ذبحه أبو جعفر المنصور. ومن شجاعة أهل الدنيا أن بعضهم يقاتل على أكياس الشعير التي تباع في الشاحنات إلى آخر النهار، ويحبس أسبوعين، ويقاتل على الغنم وعلى بيعه وعلى الفحم، ويقاتل بعضهم على الحبحب وعلى كل شيء، أما على الدين فلا. والمؤمنون هم أشجع الناس، ولماذا كان المؤمنون أشجع الناس؟ لأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم من الله ، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] ولأن ما عند الله خير من الدنيا، قال : ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ولأنهم يحملون مبدأ، أما المنافق فليس عنده مبدأ، فالمنافق يجلس مع المتدين فيصبح متديناً، ويجلس مع شارب الخمر فيصبح شارب خمر، ويجلس مع المغني فيصبح مغنياً، يقول الله في المنافقين: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٢] أنا أعرف بعض الناس إذا جلس معك أصبح ولياً، يسألك عن أحاديث رياض الصالحين، ويسألك عن ركعتين بعد صلاة الظهر، وعن صلاة الضحى متى تكون؟ والشارب هل يقص أم يحلق؟ وكيف يقصر الثوب؟ ويسأل مسائل دقيقة، ولكنه يظلم في أراضي المسلمين وفي أجسامهم وأعراضهم، ويظلم ظلماً عظيماً، وهذا لا ينفعه سؤاله ولا ورعه. ولن المؤمنين يثقون من حفظ الله ورعايته، فإن الله يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣] ويقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] ولأن العاقبة لهم ولا محالة، فإن الله جعل العاقبة والخاتمة والسمعة الحسنة ودرء الحوادث والأعراض لأوليائه، وجعل لهم النتيجة الطيبة في الدنيا والآخرة. هذا ما للمؤمنين عند الله إذا احتسبوا أنفسهم وكلامهم في ذات الله، وقام أحدهم يحمل مبدأه، وعلم أنه سوف يلقى الله ملوماً إن لم يدع إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصبر على ما أصابه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. إخوة الإيمان: هذا هو درس كيف تكون جباناً؟ ولكني أسأل الله أن نكون كلنا من الشجعان الذين يحملون أرواحهم على أكفهم، والذين لا يخشون إلا الله، ويقولون كلمة الحق، ويتقربون بدمائهم وأموالهم وأعراضهم في خدمة دينه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1474

كيف تكون محدثاً ؟ ابتدأ الشيخ بذكر فضل وشرف علم الحديث. وذكر أن الحديث هو المصدر الكافي والينبوع الصافي للعقيدة, وأنه أمان من الوقوع في مزالق الاعتقاد. ثم تحدث عن كيفية دعوة أهل الحديث إلى الله، وعن أهميه عملهم بما يعلمون, وأهمية إكثارهم من النوافل والطاعات, بعدها نبّه على بعض الأشياء المهمة التي يجب مراعاتها مثل: ترك المعاصي, الإنفاق من العلم , أدب الخلاف إلخ. ثم أشاد في ختام الموضوع بمكانة علم الحديث والاتجاه العام إليه هذه الأيام، ثم أجاب الشيخ على بعض الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع.

стр. 1475

فضل علم الحديث وأهله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته؛ سلام الله عليكم يا أصحاب الحديث، ويا أهل الحديث، وإن كان من شكر فإني أشكر الله ﵎ ثم أشكر مدير هذه الدار، ثم أشكر هيئة التدريس، وأشكركم يا طلبة العلم. وأنا أشهد الله أني أحبكم فيه؛ أما الحب الأول فهو مشترك بين المسلم وأخيه؛ وهو الحب الذي يعيشه المسلم مع إخوانه المسلمين، وأما الحب الثاني الذي أشعر به في قلبي وأنا أدخل هذه الدار؛ فهو حب أهل الحديث، والسرور برؤيتهم والجلوس معهم، وأهل الحديث لهم مكانة في القلوب، ولهم جلالةٌ في النفوس. وسوف نتكلم على أهل الحديث، من هم أهل الحديث؟ قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إذا رأيت محدثاً، أو رجلاً من أصحاب الحديث فكأني رأيت صحابياً من أصحاب الرسول ﷺ . وسئل الإمام أحمد؛ إمام أهل السنة والجماعة، من هي الطائفة المنصورة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم. فأنا كنت بشغف الشوق إلى أن أزور هذه الدار، وكنت سعيداً يوم دخلت هذه الدار؛ لأنني أسمع عنها الذكر الحسن، وأعلم بأنني سوف ألتقي فيها بأحفاد الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبي داود: نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا هم النجوم، وهم الشموس التي ما أفلت حتى اليوم، واعلموا بارك الله فيكم أن الحديث معكم إنما هو من بضاعتكم، وكأنكم تقولون: ﴿بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف:٦٥] ولكني أقول: جئت ببضاعة مزجاة فأوفوا لنا الكيل، وتصدقوا علينا من علمكم، إن الله يجزي المتصدقين. ما أتيت إلا لأعلن الحب فيه ، وأتكلم في بعض القضايا؛ أتكلم عن شرف هذا العلم، وهو علم شريف لكن لمن علم أنه شريف ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وإن لم يكن علم الحديث أشرف العلوم فأيُّ علمٍ يتوج لهذه المكانة!! وأيُّ علمٍ يرشح لأن يحتل على علم الحديث مكانه!! لا والله لا يكون هذا أبداً. يقول ابن عبد الباقي؛ أحد العلماء الأجلاء، من أحفاد أبي أيوب الأنصاري، الذي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء وأثنى عليه كثيراً، وهو من علماء السلف والسنة، قال في آخر عمره: تبت من كل علم إلا علم الحديث. يقول القرطبي المحدث: نور الحديث مبينٌ فادن واقتبسِ واحد الركاب له يا ابن الرُضا الندُسِ واطلبه في الصين فهو العلم إن رفعت أعلامه برباها يابن أندلسِ ويقول الآخر: أهل الحديث هم صحب النبي وإن لَمْ يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فهم صباح مساء مع أنفاس المصطفى ﵊؛ مع حدثنا، وأخبرنا، وسمعت، وعن، وأن؛ وهي كلمات أهل السنة والجماعة، وهي أسانيد أهل السنة والجماعة، وهو علم أهل السنة والجماعة. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً بين الرسول وبين رأي فلانِ صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وفي السنن قوله ﷺ : ﴿نضر الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَّ مبلغٍ أوعى من سامع﴾ وعند ابن حبان في الصحيح: ﴿رحم الله امرأً﴾ ولبعض أهل العلم من أهل الحديث رسالة اسمها المسك التبتي في شرح حديث (رحم الله امرأً سمع مني مقالتي)؛ المسك التبتي نسبة إلى التبت: وهي الهضبة في الهند التي تنفح بالمسك، في فضل هؤلاء الوعاة الحملة. ولذلك يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ وهو من حديث معاوية، ومفهوم المخالفة: أن الذي لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، ولا يعلمه السنة، ولا يوجهه إلى الجلوس في دار الحديث، ولا الاستماع إلى كلامهم، ولا إلى العيش معهم، ولا إلى أخذ السنة منهم. وأنتم أصبحتم أسانيد بين الأمة المحمدية وبين تراثها، فالله الله في هذه الأمانة! والله الله في هذه الرسالة، والله الله في هذا التراث المحمدي الخالد! يقول ﵊ كما في صحيح البخاري من حديث أبي موسى: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى﴾ انظر ما أحسن كلمة بعثني، ولم يقل: أرسلني، أو كلفني، لأن البعث عادةً يأتي في ذكر التوحيد والشرك ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾؛ وقال: (الهدى) ولم يكتفِ بل ذكر (العلم) وقال: (العلم) ولم يكتفِ بل ذكر (الهدى)؛ لأن الهدى هو العمل الصالح، والعلم هو العلم النافع، واليهود أوتوا علماً لكن لم يؤتوا عملاً، قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] وقال في عالمهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] وقال فيهم: مثلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] حمار لا يفقه، ولا يعي، على ظهره صحيح البخاري وصحيح مسلم وفتح الباري وتحفة الأحوذي؛ لكنه حمار: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب فإنني جاهلٌ بسيطٌ وصاحبي جاهلٌُ مركب والجاهل المركب: هو الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري. وشرف أهل الحديث أجمعت عليه الأمة الإسلامية، ذكر الذهبي في ترجمة الإمام أحمد: أن رجلاً ذُكر للإمام أحمد أنه يتنقص أهل الحديث، فهز يده وقال: زنديق زنديق زنديق، في درجة الملحد وإنما تزندق أبو العلاء المعري وأمثاله؛ لأنهم استهزءوا بـ أهل السنة وأهل الحديث. وفي سيرة أبي داود صاحب السنن أنه قال: دخل عليه سهل بن عبد الله التستري قال: طلبٌ يا أبا داود أريد أن تنفذه لي، أسألك بالله، قال: ما هو؟ قال: أن تخرج لي لسانك. فأخرج لسانه فقبلها، وقال: لسانٌ وعت كلام المصطفى ﷺ ، وتحدثت به أولى بالتقبيل. وذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة أبي زرعة؛ حية الوادي، المحدث، المعدل، إمام أهل الجرح والتعديل أنه لما توفي رئيَ في المنام، فقالوا: ماذا فعل الله بك؟ قال: رفعني في عليين، قيل: بماذا؟ قال: صليت على الرسول ﵊ في كتبي كتابةً ألف ألف مرة. وشرف أهل الحديث يأتي من ثلاثة أمور: أول شرف: أنهم من أكثر الناس صلاةً على الرسول ﵊، لكن: إذا فات المحب سماع من يهوى تلذذ باستماع حديثه فهم أكثر الناس صلاةً على الرسول ﵊؛ في دروسهم ولقاءاتهم ومناظراتهم وحوارهم. الأمر الثاني: أنهم حفظوا أصول الإسلام. وهل العلم إلا قال الله وقال رسوله ﷺ . قال أبو عمرو الأوزاعي: ما أتاك من الكتاب والسنة فعلى الرأس والعين، وما أتاك من أحدٍ يخالف الكتاب والسنة فضعه في الحش؛ والحش هو الكنيف. فالعلم قال الله قال رسوله ﷺ ؛ فأهل الحديث حفظوا علينا أصول الإسلام؛ بمدارستهم وبحفظهم، ولا تؤخذ العقيدة إلا من الكتاب والسنة، ولذلك لي عودة مع عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل الحديث. وأما شرف أهل الحديث فيأتي من النضرة على وجوههم، فأهل الحديث يتميزون عن أهل النحو -ولا نتنقص أحداً- وعن أهل اللغة، والجغرافيا، والتاريخ؛ بأن على وجوههم نضرة ومهابة، من دعوة الرسول ﵊، ومهابة لهم: من تلقَ منهم تقل لا قيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بذكرهم ذكروك الواحد الباري فأهل الحديث تلوح على محياهم أنوار الحديث، وسمته، وهيبته وملاحته، وحلاوته.

стр. 1476

نصائح لطالب العلم لكن ما هو الطلب الأول لأهل الحديث؟

стр. 1477

سلامة المعتقد الطلب الأول: المعتقد، فهم يحرصون على ضميمة معتقد السلف، وهذا هو المعهود، وما أقول هذا إلا لأن الدعاوى قد كثرت: والدعاوى ما لم يقيموا عليها بيناتٍ أصحابها أدعياءُ ويقول ابن عباس: [[لو ترك الناس ودعواهم لادعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالهم، ولو ترك الناس ودعواهم لادعى الخليُّ حرقة الشجي]]. ولما ادعيت الحب قالت كذبتني ألست أرى الأعضاء منك كواسيا أين العلامات؟ أين البراهين؟ قال : ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. فأقول: إن الأخذ بمعتقد السلف ومعتقد أهل السنة والجماعة ينبغي أن يكون عملاً، وأن يكون دعوة وتأثيراً. وأنا أرى بعض العلماء، شكر الله لهم محافظتهم على معتقد السلف، وكتابتهم في ذاك الجانب، وطبع كثير من النسخ وإرسالها وهذا من الجهد المشكور لهم عند الله ﵎؛ وأقول هذا: لأنه وجد من العلماء، وأنا على باعي القصير، وعلى قلة بضاعتي، كانت لي رسالة في أهل البدعة الذين رموا بها في أهل الحديث فوجدت في البخاري وفي مسلم تسعة وسبعون راوياً رموا بالبدعة، مرجئة وقدرية وخوارج وشيعة رافضة وغيرهم، لكن ما نقصوا من قيمة الصحيحين؛ لأن هناك أعذاراً لا أتمكن من ذكرها الآن. فلا يكفي الإنسان أن ينتظم في دار الحديث، أو أن يحمل صحيح البخاري ومسلم، أو أن يجلس مع سنن البيهقي لنقول هذا: سلفيٌّ صِرفٌ لا غبار عليه؛ لأنه وجد من أهل الحديث من كان معتزلياً فشيخ الشافعي ابن أبي يحي؛ معتزليٌ جهميٌ قدريٌ، قال الإمام أحمد: كل شرٍ فيه، وعمران بن حطان له حديثان، بل كان يزعم على نفسه أنه من أهل الحديث، لكنه خارجيٌ صِرفٌ، وداعيةٌ من دعاتهم، وفطر بن خليفة كذلك، وغيرهم كثير، بل قد تجد من دعاة الجهمية من يحفظ عشرة آلاف حديث، وأنا أعرف تسعة وعشرين رافضياً يدعون إلى مذهب الرفض وهم يحفظون عشرات الآلاف من الأحاديث. فمعتقد السنة لا يأتي فقط بالانتساب إلى أهل الحديث، إنما يأتي بمعرفة القرون المفضلة الثلاثة الذين أثنى عليهم ﷺ ، والذين حافظوا على ضميمة وعقيدة السلف، ولم يلووا أعناق النصوص حتى توافق أهواءهم، وترجم الذهبي لـ عفان الراوية الكبير، فأتى بالحديث الذي في الصحيحين: ﴿أن الله ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير﴾ نزولاً يليق بجلاله, وقد أجمع أهل المصنفات والمسانيد والسنن على إخراجه، فقال عفان: ينزل بذاته، وكلمة (ذاته) ليست في الحديث، فقال الذهبي: قلت: كلمة (بذاته) من كيس عفان والسلام؛ يعني: أنها ما وردت في اللفظ وفي هذه الطريق، كثرة الكلام، والادعاء، ولي أعناق النصوص لتوافق الأهواء ليست بواردة. ثم على هذه القضية فأهل الحديث أكثر محاربة لأهل البدع؛ فإن ميزة أهل الحديث أنهم يقفون في وجه أهل البدع، وما رفع الله به الإمام أحمد إلا بوقوفه في وجه أهل البدع، وكذلك البخاري ومسلم والدارمي، وغيرهم كثير. وأهل البدع يوقف معهم بثلاثة أساليب: بالكتابة، والمراسلة، فإن لم تُجْدِ فبالهجر والمقاطعة، فإن لم تُجْدِ فبالتشهير في المجالس. تقدم ثور بن زيد؛ أحد الرواة الذين لهم حديثٌ عند البخاري فسلم على سفيان الثوري بيده، فأمسك سفيان الثوري يده وقال: إنه الدين، ولو كان غير الدين لسلمت عليك، وعرضت جنازته ليصلي عليها الناس، فمشى سفيان الثوري واخترق الصفوف، ثم خرج من تلك الجهة ليري الناس أنه لا يصلي عليه؛ لأنه مبتدع. والإمام مالك قال: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تحدثوهم. وقال ميمون بن مهران؛ المحدث الكبير: [[ثلاث لا تدخل نفسك فيها: لا تجلس مع امرأةً أجنبية وحدك، ولو قلت أعلمها القرآن؛ فإن الشيطان يكون ثالثكما، ولا تفاوض مبتدعاً لترد عليه؛ فإنه يلقي في قلبك من بدعته ما الله به عليم. ولا تدخل على السلطان لتنصحه؛ فإنه يخاف أن يؤخذ دينك]] أو كما قال.

стр. 1478

البصيرة في الدعوة الأمر الثاني: كيف يدعو أهل الحديث إلى الله ؟ ذكر الله أن الدعوة تكون على بصيرة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] قال أهل العلم البصيرة هي: العلم، وزاد ابن تيمية: والحكمة. العلم هو البصيرة، والله لما أرسل موسى وهارون إلى طاغية الدنيا؛ إلى فرعون، فيوصيهما وهما في الطريق: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] وقد يوجد من أهل الحديث -لأنهم ليسوا معصومين- من يشتد ويغلظ في دعوته، فيكون فظاً غليظاً في رده، وفي كلامه، وأمره، ونهيه، ودعوته، وهذا خلاف دعوة الرسول ﵊؛ يقول عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. دخل رجلٌ من الوعاظ على هارون الرشيد، فقال: اسمع إليَّ، وتحملني فإني سأقول كلاماً شديداً. قال: كلامٌ شديد! قال: نعم. قال: والله لا أسمع، والله لا أسمع، والله لا أسمع. قال: ولمه؟ قال: أرسل الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني فقال له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. فلماذا القول الشديد؟ ترجم الذهبي لـ قتادة بن دعامة السدوسي؛ راوية الصحيحين، الجهبذ، العلامة، الذي يقول ابن المبارك فيه: إذا أطفأ الدهر حفظ أحدٍ فما أطفأ حفظ قتادة فهو حافظ، بارعٌ من الدرجة الأولى. جلس عند سعيد بن المسيب، فقال سعيد: اقرأ عليَّ شيئاً من القرآن، قال: خذ المصحف، قال: فسمعت له سورة البقرة، فما نسي حرفاً منها في مجلسٍ واحد. وكان يسرد الحديث سرداً. حتى في ترجمة ابن سيرين: أن رجلاً أتاه، فقال: رأيت البارحة في المنام حمامةً، التقطت درةً، فأخرجتها أكبر مما أدخلتها، ثم أخذتها فأخرجتها أصغر، ثم أخذتها فأخرجتها كما أدخلتها، فتبسم ابن سيرين؛ وكان مؤيداً في الرؤيا كما يقول الذهبي، وقال: تدري ما تأويلها؟ قال: لا، قال: أنا وقتادة والحسن البصري؛ أما الحسن البصري فيسمع الحديث فيوشيه، ولا يزيد فيه، ولا يكذب، لكن يشرحه فيخرج أكثر، وأما أنا فأخاف من حفظي، فأقلل وأنقص من الحديث، وأما قتادة فيحفظه كالسهم فيخرجه مثل ما حفظه. فالشاهد أن الذهبي ترجم لـ قتادة وقال: فيه بدعة؛ وهذه البدعة هي بدعة القدر. قال: ولكنه رأسٌ في القراءة، رأسٌ في العلم، رأسٌ في الحديث، رأسٌ في الورع، ومع ذلك فلا ننسى بدعته، ولكننا نغمر سيئاته في بحار حسناته. فالمقصود العدل، لأن الله عزوجل طالبنا بالعدل في الردود، وطالبنا بالعدل في الكلام مع الناس ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]؛ فالعدل في القول، يقول ابن تيمية: إن الإنسان من طبيعته ظلوم جهول، كما سماه الله، فهو يتكلم بلا علم ويتكلم بلا عدل، فحق على العالم وطالب العلم، خاصة طالب الحديث أن يكون عالماً عادلاً، وأن ينزل الناس منازلهم كما ورد عنه ﷺ معلقاً عند مسلم وموصولاً عند أبي داود ﴿كان ﷺ ينزل الناس منازلهم﴾ وصح من قوله: ﴿أنزلوا الناس منازلهم﴾ فهذه مسألة.

стр. 1479

التطبيق والعمل وأهميته لطالب الحديث المسألة الثالثة: أن على طلبة الحديث ألا يكتفوا برواية الحديث. فإن رواية الحديث وحدها لا تشفع عند الله، ورواية الحديث وحدها بلا عمل إنما هي تزيد من الحجج على الكتف، وتزيد من حجج الله على الظهر، وهي علامة الإفلاس والخذلان؛ إذا لم يعمل العالم بعلمه. وقضية حفظ الأحاديث بدون عمل، كمثل الكنز كما يقول الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل: العلم إذا لم ينفعك كالكنز الذي لم تُنفق منه، ولو أن بعض أهل العلم صحح هذا الحديث مرفوعاً إليه ﷺ ، لكن في صحته نظر. فلا يظن الواحد منا إذا حفظ الصحيحين، أو السنن الأربع، أو مسند الإمام أحمد بدون أن يعمل بما فيها؛ أنه سوف يكون من الأولياء الكبار، أو يشفع لمثل مضر أو لمثل ربيعة، لا والله حتى يعمل بالحديث، فانظر إلى كم يحفظ أبو بكر الصديق؟! كم يحفظ عمر؟! كم يحفظ عثمان؟! كم يحفظ علي؟! ﵃ أجمعين يحفظون عشرات ومئات الأحاديث، لكنهم مع ذلك سنة تمشي على الأرض، وكل واحدٍ منهم إذا رأيته كأنه قرآن يمشي على الأرض، خلقهم القرآن، وحياتهم الكتاب والسنة، أما المتأخرون فإنهم التفتوا إلى الرواية وغفلوا عن الرعاية. ذكر الذهبي، أن رجلاً ولا أريد أن أسمي الأسماء يحفظ مائة ألف حديث، قال: وكان فاسقاً لا يصلي. محدثٌ يحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها، ويجرح رجالها، ويعدلهم؛ لكن كان فاسقاً لا يصلي! وترجم لمحدث آخر شهير، له جلالة في الدنيا، وليس في القلوب إنما في الدنيا، قال: وكان يشرب المسكر سامحه الله؛ يشرب الخمر! أين الحديث؟! أين حدثنا، وأخبرنا، وعن، وسمعت؟! وترجم لراويةٍ آخر، وقال: كان مبتدعاً صرفاً حاسبه الله بفعله. بل كثير من رءوس المبتدعة كان لهم مجالس الإملاء؛ يجلس في مجلسهم خمسون ألفاً، أو أربعون ألفاً من الناس. فيا صاحب الحديث والله لو لم تحفظ إلا حديثاً واحداً، وعملت بما سمعت فإنك أفضل مما لو حفظت أحاديث الدنيا ثم لم تعمل بما سمعت وقرأت. الحديث عمل وتطبيق، الحديث خشية ومخافة من الله، الحديث أن تظهر السنة على معالمك، وهيئتك، وعلى تطبيقك وسلوكك. روي عن الإمام أحمد أنه قال: الحمد لله كتبت المسند من أربعين ألف حديث بالمكرر ما من حديثٍ يقبل العمل إلا عملت به؛ يخبر الناس ليقتدوا به، فقال له أحد تلاميذه: وحديث أن الرسول ﵊ بقي في غار ثور ثلاثة أيام، قال: نزلت إلى غارٍ في الكرخ لما أتت محنة القول بخلق القرآن فجلست ثلاثة أيام، هذا هو التطبيق، وهذه هي السنة. وسعيد بن المسيب يسأله سائل في حديث وهو في مرض الموت، فقال: أجلسوني، قالوا: أنت مريض، قال: سبحان الله يذكر الرسول ﵊ وأنا مضطجع!! لا والله حتى أجلس. وإبراهيم بن طهمان؛ وكان فيه إرجاء، ﵀ رحمةً واسعة، لكنه كان من العلماء المشاهير، أثنى عليه الإمام أحمد، وكان الإمام أحمد في مرض الموت فسألوه عن إبراهيم بن طهمان، فجلس، وتربع، وقال: لا ينبغي أن يذكر عندنا الصالحون ونحن مضطجعون. أو كما قال، وذكر القصة الذهبي وابن كثير. والشاهد هو: كيف كان تطبيقهم للحديث وأثره؛ في سمتهم، وأخلاقهم وصفاتهم وسننهم.

стр. 1480

أهمية العناية بالعبادات لطالب العلم ثم إنه ينبغي على أصحاب الحديث أن يكونوا من أكثر الناس نوافلاً، ومن أكثر الناس تقرباً، وأن يكثروا من ذكر الله. وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتُذكر في السماء إذا ذَكرتا ونادِ إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذوالنون بن متى إذا ما لَمْ يزدك العلم فضلاً فليتك ثم ليتك ما علمتا وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا فإن العلم: هو مخافة الله ، وبالخصوص أهل الحديث فإن الناس ينظرون إليهم نظرة أخرى، والناس يحترمونهم، مرَّ أبو حنيفة ﵀، فسمع بالجسر قائلاً يقول لصاحبه وهو يحاوره: أبو حنيفة يقوم الليل كله ولا ينام، فقال أبو حنيفة بينه وبين نفسه: سبحان الله! يظن الناس أني خيِّرٌ وأنا أنام الليل، فكان يقوم الليل. ولكن المقصود أن على صاحب الحديث أن يكون كثير النوافل، وكثير التقرب إلى الله؛ فيحافظ على ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يكون القرآن خدينه ورفيقه. وقد تكلم الذهبي عن رجلٍ، فقال: ينبغي أن يكون لطالب العلم نوافل، قال: نعم، إذا رأيت طالب العلم منصرفاً إلى العلم، وليس لديه نوافل فاعلم أنه مخذول، وإذا رأيته يعبد الله على جهالة فاعلم أنه محروم. ولذلك ذكر الله هذين الصنفين في القرآن، فذكر العلماء الفسقة، وذكر العباد الجهلة فقال في العلماء الفسقة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] وقال في العباد الجهلة: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] الآية. إذا علم هذا؛ فأدعو نفسي وإياكم يا أصحاب الحديث! إلى كثرة النوافل والعبادات.

стр. 1481

كيفية طلب الحديث وفي هذه الفقرة سأتحدث عن كيف يطلب الحديث؟ وأنا ما جئت الآن لأخبركم بوسائل الطلب، فأنا أعرف أن هنا مشايخ قضوا أعمارهم في الطلب، والمعرفة، والتجربة، والاستقراء، وأظن هذه الدار أنشئت قبل أن أولد، سأتكلم من باب أن نتذاكر، ونتواصى، ونتعاون على الخير، وأن يأخذ بعضنا بيد بعض. فطلب الحديث أمره عظيم، وحفظه يأتي بالاستغفار والخوف من الله، يقول ابن تيمية: إنها تعجم عليَّ المسألة، فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل؛ فيفتحها الله عليَّ. انظر! الإمام أحمد كما يقول الذهبي عنه: يحفظ ألف ألف حديث، قال: بالمرسلات، والمقطوعات، وأقوال الصحابة وتفسيراتهم، يحفظ ألف ألف حديث.

стр. 1482

أثر المعاصي على طلب العلم وفي ترجمة الشافعي، أن الشافعي كان إذا قرأ كتاباً يضع يده على الصفحة اليسرى فيغطيها لئلا يسبق نظره إليها فيحفظها. قال لشيخه وكيع بن الجراح؛ الإمام الكبير، الذي يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، قال له: يا شيخ! ما هو أنفع للحفظ، فإني سمعت الناس يقولون: اللبان، وناسٌ يقولون: الزبيب. قال: أنفع شيء للحفظ ترك المعاصي. ليس أكل الزبيب ولا أكل الباذنجان، ولا البطاطس، إنما أنفع شيء للحفظ هو ترك المعاصي، فقال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نورٌ ونورُ الله لا يهدى لعاصي إذاً: فمن أحسن ما يعين على حفظ الحديث: ترك المعاصي. ذكر الذهبي وابن كثير، وغيرهما عن عامر الشعبي، أن عامر الشعبي قال: إني لأضع إصبعيَّ في أُذُني إذا نزلت السوق لئلا أحفظ أصوات الناس. وهو في هذا الشأن رجل داهية، لماذا؟ لأنه اتقى الواحد الأحد، عرف طريقه إلى الله، فبصره الله، ولذلك قال : ﴿وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] قالوا: من العلم؛ فإنهم لما عصوا الله، وفسقوا، ونظروا إلى المحرمات، نسوا العلم، فقل لي بالله: كيف يحفظ طالب الحديث الحديث وهو ينظر إلى المرأة الفاتنة؟! وإلى المجلة الخليعة، أو يستمع إلى الأغنية الماجنة، ويجلس مع الفسقة، أو يتخلف عن الصلاة، أو لا يذكر الله إلا قليلاً، أو يغتاب في مجلسه، أو ينم، أو يلبس الذهب والحرير، أو يرائي، أو يعجب بنفسه، أو يتكبر، فكيف يحفظ الحديث؟!! إذاً، أيها الإخوة الأخيار: إن المعاصي أكثر ما يسقم القلب، فممّا يوصى به طالب الحديث أن يستغفر كثيراً، وإذا أخطأ أن يتوب؛ لأن طالب الحديث ليس معصوماً، قيل لـ الجنيد بن محمد: أيزني الولي؟ قال: سبحان الله! ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨] لكن عليه إذا أخطأ أن يتوب إلى الله، وأن يعود إلى الله، فعند الترمذي بسند صحيح، قوله ﷺ : ﴿يقول الله ﵎: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ وعند مسلم: ﴿يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾ وعند مسلم: ﴿والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم﴾ وعند الترمذي بسند حسن: ﴿كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ فالتوبة التوبة، والاستغفار الاستغفار.

стр. 1483

أهمية إنفاق العلم لحفظه ثم أقول: إنه لا بد أن ينفق من علمه الذي آتاه الله عزوجل. يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا وفي الركاز الخمس. فعلى طالب الحديث أن ينفق ويزكي مما آتاه الله، وأهل الحديث إذا فعلوا ذلك فإن ما يأتي منهم من تقصير في بعض الأمور يتسامح الناس فيهم، وقصدي بالتقصير هنا؛ كمثل الحدة، لأن أقول: أهل الحديث يميزهم الحدة بين الناس، فصوتهم دائماً قوي، وأمرهم دائماً شديد، ويريدون تنفيذ الأمور، وهذا كله من حرارة السنة في قلوبهم، ولكن ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾ فما داموا قد حافظوا على معتقد السلف، وحافظوا على سنة المصطفى ﷺ ، وعندهم سنة، فلابد للناس أن يتحملونهم، لكن على الداعية أن يكون بصيراً حكيماً.

стр. 1484

أهمية إعطاء الأمور حجمها لطالب العلم ثم إن هناك ملاحظة عن أهمية إعطاء الأمور حجمها؛ لأنهم يقولون: وجد في بعض المحدثين من يعطي المسألة أكبر من حجمها؛ مسألة فرعية يقاطع المسلمين عليها، ويقول: لا ينبغي أن نسلم عليه، ونهجره، لأنه خالف الحديث والسنة، كمثل وضع اليدين على الصدر سنة من الرسول ﵊؛ وحديث وائل بن حجر صح فيها، وهي المعتمدة عند فقهاء المحدثين، وبعض الفقهاء أتى بحديث علي عند أبي داود وهو ضعيف قال: تحت السرة، فيأتي المحدث ويقول: من السنة وضع اليدين على الصدر، فيقول صاحبه وهو يحاوره: لا، تحت السرة، فيقول: أشهدك وأشهد الله وملائكته وحملة عرشه ألا أكلمك حتى أموت! وقد وردني سؤال أن بعض الناس يقول ذلك، ويستدلون بكلام ابن عمر في صحيح مسلم أنه قال لابنه بلال: يقول ﷺ : ﴿لا تمنعوا إماءَ الله مساجد الله﴾ قال ابنه: [[والله لنمنعهن, إذاً يتخذنه دغلاً، فقال: والله لا أكلمك حتى أموت]]؛ وفرق بين هذا وهذا: فإن ابنه عارض السنة بلا تأويل؛ يعني: جهاراً نهاراً ﵃ أجمعين، وأما ذاك فهو متأول. يقول ابن تيمية في كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام: إن لأهل العلم أعذاراً يعذر بعضهم بعضاً فيها، ثم قال كلاماً ما معناه: إما أن يكون الحديث وصلك ولم يصل ذاك، وإما أن يكون منسوخاً عنده وهو ثابتٌ عندك، وإما أن يكون ضعيفاً عنده وهو صحيحٌ لديك، وإما أن يفهم منه فهماً وتفهم أنت فهماً آخر. إذاً فمسائل الخلاف الفرعية لا توجب الفرقة بين العلماء، ولا بين طلبة العلم، مثل: الجهر ببسم الله، ومثل: وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، ومثل: جلسة الاستراحة وما شابهها فهذه الأمور الجزئية لا توجب الفرقة عند أهل العلم.

стр. 1485

الاهتمام بالعلوم الأخرى ثم وصيتي لأهل الحديث: أن يكون عندهم علوم الآلة، وهي ما تقوم به الدار والحمد لله، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: بعض المحدثين لا يعرف من التاريخ شيئاً، ولا من الفقه شيئاً، وذكر من ذلك أمثلة. لكنني أنا أعرف أن هذه الدار أصيلة، وعريقة، وتعتني بهذه العلوم، فإنه من النقص على طالب الحديث أن يجلس في مجلس فيقولون: أتعرف هارون الرشيد؟ فيقول: لا أدري، أسمع به، ولكن ها ها لا أدري. ويسأل عن ولاية الحجاج هل هي ولاية راشدة أم أنه فاسق سفاك؟ فيقول: لا أدري، الحجاج، أظنه من الخلفاء الراشدين، ويسأل عن بعض الأحداث التي لا يعذر أحدٌ بجهلها فيقول: لا أدري، فلا بد له أن يكون له حدٌ أدنى من العلوم تعينه في هذا الطريق كما فعل السلف الصالح؛ حيث أنهم كانوا يطلبون العلم، ولكن كان لهم حدٌ أدنى، أو علمٌ مشترك من العلوم الأخرى يستضيئون به مع الحديث. فأسأل الله يا أهل الحديث, أن يبصرني وإياكم، وأن يجعلنا وإياكم ممن يعمل بعلمه؛ فإن العمل بالعلم هو المقصود، ثم يجعلنا نوزع من هذا الميراث على الناس؛ فإن الناس والله بحاجة ماسة إلى علم الحديث.

стр. 1486

مكانة علم الحديث اليوم وعلم السوق الإسلامي اليوم، وعلم الساحة هو علم الحديث، فقد مل الناس الآن من كتب الخزعبلات الفكريات الطويلة -ونحن لا نذم أحداً وفيها منفعة- وكتب الإنشائيات، والمقالات الموسعة، ورجعوا إلى علم الحديث. العالم يتحدث في المجلس، فيقولون: ما هذا الحديث؟ من رواه؟ وما درجته؟ وما صحته؟ فالسوق سوق الحديث. ثم إن العقيدة تؤخذ من الحديث، وأنا أقول وأنتم تعرفون ذلك أنَّا لو أخذنا علم العقيدة من الكتاب والسنة فهذا علم شريف والحمد لله كما فعل بعض الكتبة كفضيلة الشيخ محمد جميل زينو ورأيت كتابه وهو من أحسن ما كتب, أثابه الله على هذا الكتاب، ونريد أن يوسع من هذه المقالات؛ لتشمل كثيراً من القضايا التي اختلف فيها أهل السنة مع أهل البدع والفرق؛ ليكون كتاباً ضميمة، ويدر على الناس، فإن علم السلف وعلم الصحابة والقرون المفضلة كانوا يقولون: هل الرحمن مستو على العرش؟ قالوا: نعم، لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أما أهل البدع فإذا سألتهم عن المسألة هذه قالوا: العرض لا يستوي؛ لأن الجوهر ما تمَّ إثباته وإنما هو عرضٌ فكيف يستوي العرض؟! وهذا ممن قاله ابن سيناء , يقول ابن تيمية عن علم المنطق، قال: لا ينتفع به البليد، ولا يستفيد منه الذكي، وقال: هو كلحم جمل غثٍ على رأس جبل وعر؛ لا سهلٌ فيرتقى ولا سمينٌ فينتقل، فأغنانا الله من خزعبلاتهم، وشركياتهم، وعن خرافاتهم بالكتاب والسنة. ولو أن هناك بعض المؤسسات العلمية الآن تدرس بعض الكتب التي فيها شيءٌ من المنطق وعلم الكلام، وهذا إن كان لضرورة ليوصل إلى فهمها فلا بأس، أما أن تجعل على أنها مناهج وأنها هي طريقة أهل السنة في إثبات المعتقد فليس بصحيح، بل هو الخطأ كل الخطأ، والخلل كل الخلل، نسأل الله لنا ولكم الثبات. ويوجد في الساحة من يأتي بالمعتقد في شكل مسائل فكرية، ويقول: لا توجب خلاف بين الأمة، وهذا يلحق بأهل علم الكلام ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. إذاً، ربما يكون في الأسئلة بعض الإجابات، وأنا لا أريد أن أطيل عليكم، وأنتم من يأتي إليكم كمن يحمل التمر من صنعاء إلى هجر: من زار بابك لم تبرح جوارحه تروي أحاديث ما أوليت من مننِ فالعين عن قرة والكف عن صلةٍ والقلب عن جابرٍ والسمع عن حسنِ سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1487

الأسئلة

стр. 1488

خطورة الرياء وعلاجه السؤال نرجو من فضيلتكم التعرض بشيء من الكلام عن الشرك الخفي؛ الذي هو الرياء المنتشر بين كثير من طلاب العلم، فنجد الطالب يناقش شيخه، وهو أحياناً قد يجادل معه في الكلام عند إحدى المسائل، وقد يفتح باب المراء وهو لا يعلم، فنرجو الموعظة في هذا وجزاكم الله خيراً؟ الجواب مرض الرياء والشرك الخفي -كما ورد عن السلف الصالح - مرضٌ خطير، وكثيرٌ من الناس يبتلى به، وكفارته: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم﴾ ولو أنه تكلم في سند هذا الحديث، لكنه عند كثير من أهل السنة مما يقبل العمل به، وهو في درجة الحسن. وقد شكا الصحابة إليه ﷺ من هذا المرض -مرض الرياء- فقال: ﴿ليقل أحدكم: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم﴾ وفي الصحيحين من حديث جندب قال: قال ﷺ : ﴿من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به﴾ فمن طلب بعمله رؤية الناس ليروه راءى الله به على رءوس الأشهاد، وفضحه، ومقته، وكذلك من سمع، وعند مسلم في الصحيح: ﴿من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه﴾. وصح عنه ﷺ : ﴿أول من تسعر بهم النار ثلاثة: منهم قارئ قرأ القرآن، يقول الله عزوجل له: ألم أعلمك القرآن؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت به؟ والله أدرى، قال: تعلمته فيك، وعلمت الجاهل، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: خذوه إلى النار، فيدهده على وجهه في النار -ثم ذكر الصنفين الآخرين- ثم قال: أولئك أول من تسعر بهم النار﴾ ومقصود التوحيد: هو الإخلاص، وثغر الشرك هو الرياء. فلذلك الفيصل بين الرياء وبين الإخلاص أن تقصد بعملك وجه الله عزوجل ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى﴾. إذاًَ: على المسلم أن يتقي الله في إخلاصه، وعلاج الرياء ثلاثة أمور: أولها: أن يعرف أن الناس لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً، ولا نشوراً، وأن النفع من الله الواحد الأحد، وأنه هو الذي يملك الثواب، ويملك الأجر، وعنده كل نفع. الأمر الثاني: أن يعرف قدر الناس، وضعفهم وقلتهم ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقال في المرائين والمشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]. الأمر الثالث: من ابتلي بشيء فعليه أن يلتجئ للواحد الأحد، وأن يصدق مع الله، ويستغفر ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ويقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم﴾.

стр. 1489

من أحكام البدعة السؤال أريد منكم أن تعرفوا لنا المبتدع، وهل الأشاعرة من المبتدعة؟ وكيف نعامل المبتدعة؟ وهل تقبل توبة المبتدع؟ الجواب المبتدع يعرفه ﷺ ، كما عند مسلم من حديث عائشة: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ فمن أتى بشيء من المعتقدات، في الأقوال، أو في الأفعال لم يأتِ به الرسول ﷺ ، ولم يثبت بالكتاب والسنة؛ فهو مبتدع. والمبتدعة أصناف ودرجات: فمنها بدعة مكفرة، ومنها بدعة مفسقة. ومن أحسن من تكلم عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، في المجلد الأول، والمجلد الرابع من الفتاوى، وعرض لهم في بعض المجلدات الأخرى. وأما الأشاعرة فهم بالنسبة لـ أهل السنة هم من المبتدعة، بلا شك، بل من العجيب أن الذي سجن شيخ الإسلام ابن تيمية هم الأشاعرة، سجنوه في الإسكندرية، آل ابن مخلوف وآل السبكي هؤلاء أشاعرة شوافع، فهم من المبتدعة بلا شك, وبالخصوص في الأسماء والصفات، قد يشتركون مع أهل السنة في بعض المسائل ويوافقونهم فيها، لكنهم إجمالاً خالفوا أهل السنة في المعتقد؛ لأن معتقد السلف إقرار الأسماء والصفات لله كما جاءت من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، والأشاعرة ما أفلحوا في ذلك، وهم قسمان: أشاعرة أهل الرأي، وأهل المنطق والكلام كـ الرازي ومن لف لفه؛ وهؤلاء قدموا العقل على النقل، ورد عليهم ابن تيمية في كتاب درء تعارض العقل والنقل فأتى بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم. وبعض أهل الحديث والأثر يريدون التنزيه لكنهم أخطئوا فيما قالوه، ومنهم ابن حجر وهو صاحب فتح الباري المشهور، وتجده مرة يسكت على معتقد السلف ولا يعلق، ومرة يؤول مع الأشاعرة، ومرة يتلعثم عند أهل السنة: يومٌ يمانٍ إذا لاقيت ذا يمنٍ وإن لقيت معدياً فعدنان فإما أن تكون أخي بصدقٍ فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطَّرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني لكن بالعدل نقول: الأشاعرة في الإسلام أقرب المبتدعة إلى أهل السنة فالمبتدعة درجات: أقربهم الأشاعرة ثم المعتزلة ثم الجهمية؛ الجهمية هؤلاء في درجة الزنادقة، بل كثير من أهل العلم قالوا: إنهم ملاحدة، لأن معنى أقوالهم أنهم ينفون وجود الله. والمعتزلة قدموا العقل على النقل، وقدموا آراءهم، ونفوا الصفات جملةً وتفصيلاً. أما الأشاعرة فتجد فيهم أئمة، فإن ابن الأثير نسب إليهم، والنووي وأبو الحسن الذي رجع فيما بعد عن معتقده، بل قال ابن تيمية: أبو الحسن الأشعري خيرٌ في المعتقد من ابن حزم الظاهري؛ صاحب المحلى وابن حزم محسوب على أهل السنة على كل حال. لكني أقول: العدل أنهم أقرب الطوائف، ولكنهم على كل حال مبتدعة. فلا بد أن يقروا بما أقرت به القرون الثلاثة الفاضلة المفضلة التي ذكرها ﷺ ، فإذا لم يفعلوا ذلك فبقية بدعتهم عليهم، والله أعلم.

стр. 1490

هل يعذر الجاهل بجهله السؤال هل يعذر الجاهل بجهله بعد أن أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؟ الجواب هذه المسألة أصبحت من فضول المسائل، كأطفال المشركين، وأهل الفترة، والذين ما بلغتهم الدعوة، والجاهل هل يعذر بجهله أم لا، وقد تكلم ابن تيمية بكلام طويلٍ يحتاج إلى تلخيص، ويحتاج إلى تقسيم وتوزيع، فإن هناك جهلاً عاماً مطلقاً وجهلاً خاصاً مقيداً، والله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥]. فأما الناس الذين أدركوا الرسالة فقد قال ﷺ : ﴿لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار﴾ فمفهوم المخالفة أن الذي لا يسمع به أمره إلى الله. إذاً فلا يُعذَر أحد بعدم بلوغه الدعوة وهو في أرض الدعوة، وفي محيطها، فيلزمه أن يتعلم، حتى يعرف أصول الدين. وأما من كان في البوادي, وفي أراضٍ بعيدة لم تبلغها الإسلام فأمره إلى الله عزوجل كأطفال المشركين، وأهل الفترة. ولأهل العلم فيهم ثلاثة أقوال: قولٌ يقول: يبعث الله لهم في العرصات رسلاً؛ وليس على هذا دليل. وقولٌ يقول: الله أعلم بما كانوا عاملين. وقولٌ يقول: يعذبون؛ لأن الرسول ﷺ أتاه رجلٌ فقال: ﴿أين أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك في النار، فلما ولَّى دعاه، وقال: أبي وأبوك في النار﴾ والحديث في صحيح مسلم. وأنا أعتذر عن كثير من التفصيل، ويعاد إلى أهل العلم في هذه المسألة؛ لأنه لا طائل من البحث والاختلاف فيها على حسب اعتقادي.

стр. 1491

حكم بناء المساجد على القبور السؤال ما حكم المسجد الذي بني على قبر؟ وهل يجوز الصلاة فيه؟ وفيما إذا عزلت عنه؟ هل يكون خلاف بين الناس في ذلك؟ يعني: إذا كان بعيداً من المسجد، أو من القبلة؟ الجواب تعرفون النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وكان ﷺ يقول في مرض موته: ﴿اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد﴾ ويقول: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وفي صحيح مسلم عن بثينة الهذلي قال: ﴿نهى ﷺ أن يصلى إلى القبر، وأن يجلس عليه﴾ وصح عن عمر أنه رأى أنساً يصلي إلى قبر، قال: [[القبر القبر]] أي: انتبه لا تصلي عليه. فمسجد بني على القبر لا تجوز الصلاة فيه؛ لأنه أصبح مظنة للشرك، وإنما دخل الشرك في الأمم لأنهم تقربوا من مساجدهم ومعابدهم بقبورهم فدخلوا في الشرك، وهذه مظنة اتخاذ هذا المدفون شفيعاً، أو رفع الحاجات إليه، أو التبرك بضريحه، وهذا هو الشرك الذي حذر منه ﷺ . أما إذا كان القبر بعيداً عن المسجد، كأن يكون بينه وبين المسجد حاجزاً، وبعيد فلا بأس، كما في البخاري وغيره: ﴿أن النبي ﷺ أمر بقبور المشركين فنبشت، فسوى ﷺ النخل قبلة المسجد، ثم صلى في مسجده ﵊﴾. فإذا كان القبر بعيداً وهناك حاجز فلا بأس. أما في القبلة فالأولى أن يكون على مسافات بعيدة عن المسجد بعداً للشرك، وحماية لجناب التوحيد.

стр. 1492

حكم المجاز والتأويل وحقيقة الصوفية السؤال ذكرت في كلامك ما أتى من الكتاب والسنة في فضل أهل الحديث، وأنه ما جاء من غير الكتاب والسنة فضعها في الحش، وقوله تعالى في اليهود: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦] فضيلة الشيخ: نريد أن نعرف رأيك في المجاز والتأويل في القرآن، ما قولكم فيمن يستدل بهذه الأشياء، و (٩٧%) من المفسرين يستعملونه. السؤال الثاني: هل الصوفية في وقتها الحاضر من أهل السنة والجماعة، نرجو التوضيح، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً مقصود كلمة الأوزاعي: ما أتاك من غير الكتاب والسنة فضعها في الحش؛ أي: مما خالف الكتاب والسنة، وصح عن الإمام مالك أنه يقول: كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر ﵊. وأما مسألة المجاز، وما أدراك ما المجاز؟! فهي مسألة خلافية، لكن كثيراً من أهل السنة يرون ألا مجاز في القرآن والسنة، بل إن ابن تيمية يرى ألا مجاز لا في الكتاب ولا في السنة ولا في لغة العرب، ومعه ابن القيم، ومن العلماء المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وله رسالة في ذلك، وهناك بعض أهل السنة قالوا بالمجاز، ولو أن هذا قولٌ ضعيف، ومقصود من نفى المجاز ألا يترك للمبتدعة طريق؛ لأن مدخل المعتزلة والأشاعرة في الأسماء والصفات أن جعلوه من باب المجاز، فمثلاً يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] قال: جاء أمر ربك، و ﴿يضحك ربنا﴾ قال: ثوابه أو رضاه. فقلنا لهم: لماذا؟ قالوا: أنتم تستخدمون المجاز، قلنا: مثل ماذا؟ قالوا: جاء الأمير؛ يعني: جاء أمر الأمير، رأيت الأسد؛ يعني: رأيت رجلاً، يقول الله عزوجل في القرآن: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢] هل القرية تتكلم؟ قلنا: لا. قالوا: كيف يقول: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: اسأل أهل القرية. إلى غير ذلك من الأمور، لكن ابن تيمية يقول: إن الأصل هي لغة العرب هكذا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] فالعرب تستخدم هذا الأسلوب, وليس من باب المجاز. أما الأسماء والصفات فإنها تجري على ظاهرها، ولا تكيف، ولا تؤول، ونلزمهم في الصفات التي نفوها بالتي أقروا بها وأثبوتها، مثل صفة الضحك ينفونها، نقول: لماذا؟ قالوا: لأن الضحك من صفات المخلوق، فلو أثبتنا ضحكاً للخالق لشابه المخلوق، قلنا لهم: العلم، قالوا: لا العلم أمرٌ آخر، قلنا كيف يكون أمرٌ آخر؟ قالوا: لله علمٌ يليق بجلاله لا يشابه علم المخلوق، قلنا لهم: قولوا كذلك له ضحكٌ يليق بجلاله لا يشابه ضحك المخلوق ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] وهذه إلزامات باللغة العربية. وقضية التأويل والمجاز أمرٌ يطول وليس من المصلحة نشره بين الناس، يقول علي ﵁ وأرضاه: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذب الله ورسوله]] ويقول ابن مسعود: [[إنك لست محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة]]. أما الصوفية هل هم من أهل السنة والجماعة؟ فأقول الصوفية درجات، حتى من يتكلم لا بد أن يتكلم بعدل ويفصل، لأن إلقاء الحكم مجملاً عاماً على الناس لا يصلح: أما إن كانوا لم يبلغوا الضلالات في المعتقد؛ كأن يكون عندهم اجتماعات أو يأتون بطقوس ومراسيم وهيئات ما أتت بها السنن، فنقول: هؤلاء مبتدعة وليسوا من أهل السنة، لكنهم في منزلة المبتدعة. وثم أناسٌ بلغوا إلى درجة تقديس المشايخ، وعبادتهم، ورفع الحاجات إليهم فهم مبتدعة من البدع المغلظة التي تدخلهم في الشرك. ثم مبتدعة من درجة أخرى؛ وهم ملاحدةٌ زنادقة، وهم الذين قالوا بالحلول والاتحاد، ومنهم أناسٌ وجدوا في هذا العصر، يقول أحد مشايخهم من الأولين: ما في الجبة إلا الله -جلَّ الله عما يقول- ويقول: الله في كل مكان حالٌّ معنا، حتى جعلوا أنه يحل في الكلاب والخنازير جل الله ، ولذلك لما رد عليهم ابن تيمية قال: فإن كان صح عن بعضهم ما يقال, فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ولسنا بحاجة إلى هذا اللفظ، ولسنا بحاجة إلى أن يكون هناك فرقة متصوفة خرافية؛ لأن الله أغنانا بسنة نبينا ﷺ وبكتاب ربنا، لأن التصوف الآن على ثلاثة أضرب: تصوف في المعتقد، وتصوف في الأعمال، وتصوف في الأقوال، وقد يجمعه بعض الناس ليكون ظلمات بعضها فوق بعض. فأنا أقول: يا أيها الإخوة! علينا أن نبصرهم بالتي هي أحسن، وأن نعلمهم بالسنة، وإذا نسبوا لنا عن شيخ عن شيخ عن شيخ نأتي بـ البخاري عن فلان عن فلان عن محمد عن جبريل عن رب العالمين فهذه أسانيدنا وهذه أسانيدهم. أما أسانيدنا فكالنجوم في الليل، وأما أسانيدهم فكخيوط العنكبوت لا يتعلقون منها بشيء فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

стр. 1493

كثرة النوافل عند طالب العلم السؤال ذكرتم في المحاضرة أهمية كثرة النوافل عند طالب العلم، لكن كثيراً من أهل العلم اعتبروا أن كثرة النوافل تشغل عن علم الحديث، بل كثير من المحدثين جرحوا المشتغل بكثرة العبادة، حتى يقال في مقام الجرح: شغلته العبادة عن الحديث وغفل، فاعتماداً على هذا نحن نكثر السهر في مطالعة الحديث، فهل يُعدُّ طلبنا للحديث من العبادة، حتى نجمع بين الخصلتين، فما رأيكم في ذلك جزاكم الله خيراً؟ الجواب قول الأخ: إن كثيراً من المحدثين جرحوا بعض المحدثين بسبب كثرة العبادة، فيا سبحان الله! وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها إذا لم تكن العبادة هي المقصود من طلب الحديث فلا حيا الله هذا التشاغل، ولا هذا السهر، ولا هذا الحفظ؛ لأن المقصود من العلم هو العبادة، ترجم الذهبي لـ ابن الراوندي الملحد الزنديق الفيلسوف قال: الكلب المعثر الملعون، صاحب كتاب الدامغ على القرآن، الذي يدمغ به القرآن، وكان ذكياً، وحافظاً، لكن لعن الله الذكاء بلا إيمان، وحيا الله البلادة بالتقوى، مرحباً ببلادة بتقوى وبسجدات وبركعات. وأما قول الأخ، فينبغي أن يفصل قوله: جرحوه، هم لم يجرحوه بسبب عبادته، لكن هو ترك الرواية وترك التشاغل بالحديث فضعف في الحديث، مثل: رشدين بن سعد وقيس بن الربيع، وغيرهما من الأئمة الأخيار الذين يقومون الليل، لكن تركوا الحديث جانباً، ست سنوات لا يراجع الحديث ثم يسأل عن الحديث فيزيد فيه متراً أو مترين، حتى يقول الإمام مالك: يخرج من عندنا الحديث شبراً ويعود من العراق ذراعاً، فهم يزيدون؛ لأنهم وهموا فيه، فليست كثرة العبادة مما يشغل، بل هي مما يصحح الذاكرة، ويقوي القلب، لكن قد جعل الله لكل شيء قدراً، أنا ما أقصد عبادة الصوفية، يذكرون عن أحدهم أنه صلى في اليوم خمسمائة ركعة ولما أتت صلاة الظهر نام عنها وتركها. وأحدهم ذكروا عنه أنه سهر، فلما اقتربت صلاة الفجر نام حتى صلاها في الضحى، قالوا: مالك؟ قال: شغلني قيام الليل، فانظر إلى قلة فقهه، ترك الفريضة من أجل النافلة، ولكم أن تعودوا إلى كتاب العزلة لـ أبي سليمان الخطابي ذكر عن بعض الصوفية الجهلة الذين ما استناروا بنور السنة، قال: لصق على عينه اليسرى بلصقة، فقالوا: مالك؟ قال: إسرافٌ أن أنظر إلى الدنيا بعينين، والله عزوجل يمتن فيقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] فأين عقل هذا؟! وذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة: أن أحدهم قال: أين أنتم مني لم آكل الرطب منذ أربعين سنة، سبحان الله من حرم عليك الرطب؟! والله عزوجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] فهذا الجهل ليس من العبادة لكنه من عدم الانصراف للعلم. فأقول: وازن السنة التي ثبتت عنه ﷺ كركعتي الضحى وأربع قبل الظهر وأربع بعدها إلى غير ذلك، وعليك بـ البخاري ومسلم، خذ العبادة من الكتب الستة ومسند أحمد فإنها لا تأخذ عليك وقتاً طويلاً، واحذر من كتاب الرعاية، وهو للمحاسبي، ونحوها من كتب البدع، والتي فيها يذكرون أن فلاناً كان يصلي طول وقته، فهذا متى يتفرغ لصلة رحمه ولمساعدة المساكين! والغزالي ﵀ قال في الإحياء: إذا طلعت الشمس قام فتوضأ فصلى أربعاً، ثم ينتظر قليلاً حتى ترتفع ثم يقوم فيتوضأ فيصلي أربعاً، أين الأدلة على هذه؟ يمكن عموم ﴿من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة﴾ لكن التوازن بين العلم، والتحصيل، والعبادة مطلوب لتكون عالماً، وعابداً، وزاهداً، وحنيفاً لله، إماماً يقتدى بك في أقوالك وأفعالك. وأنا أوصيك بتراجم بعض الناس لترى العبادة والعلم؛ انظر إلى سيرة الإمام أحمد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن تيمية، وابن القيم، والمزي، وابن كثير، وغيرهم من الأئمة الجهابذة سوف ترى كيف وازنوا بين العلم والعبادة.

стр. 1494

حقيقة الجهاد الأفغاني السؤال لقد سمعنا بعض الناس يشككون في الجهاد الأفغاني، ويقولون: إن عندهم بدع ولا يجوز الجهاد معهم، ولا مساعدتهم، فهل الكلام هذا صحيح أم ماذا؟ أرشدوا طلاب العلم إلى الصواب، جزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً من آداب أهل الحديث وأهل السنة ألا يلقوا الأحكام جزافاً بلا تفصيل، وبلا تبيُّن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] فعلى طالب الحديث أن يكون متبيناً، وأن يكون مفصلاً في أحكامه وفي إلقائه لكلامه. أما الجهاد الأفغاني، فنحن لا نقول: إنهم كالصحابة الذين حضروا بدراً وأحداً، ولا الذين بايعوا الرسول ﷺ بيعة الرضوان، فنحن أنفسنا نحن جوار الحرم وبيت الله عزوجل، ويتلى علينا الحديث جهاراً ونهاراً لا نبرئ أنفسنا من النقص، ولا من الذنوب والخطايا، ففيهم من أهل السنة وفيهم من فيه بدعة، وفيهم مذنب، وفيهم من يرتكب الكبائر، وفيهم من يرتكب الصغائر، ولكن انظروا ماذا فعلوا: والدعاوى ما لم يقيموا عليها بيناتٍ أصحابها أدعياء مجملاً: أجادوا كل الإجادة. وأنا أذكر مجاهدين من أهل السنة المؤمنين الصادقين أنهم رفعوا رءوس المسلمين، وأرغموا الملحد وسحقوه، ﴿الذين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] قال لهم الناس: هيئة الأمم، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ هيئة الأمم: في فتية من بني الأفغان ما تركت كراتهم للعدى صوتاً ولا صيتا قومٌ إذا قابلوا كانوا ملائكةً حسناً وإن قاتلوا كانوا عفاريتا فالمقصود، من كان في رأسه شيء فليدخل أرض الأفغان، نحن مع إسرائيل وشامير أكثر من ثلاثين سنة ونحن نشكو إلى جنيف، وإلى واشنطن وموسكو ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] إلى غير ذلك من الآيات. فالمقصود أيها الإخوة! الحمد لله، الآن قد أشرفوا على النصر، فواجبنا إن كنا نريد الإصلاح أن نسافر ونبين لهم السنة، ونعلمهم المعتقد، ما دام أنهم أجادوا في ذبح الروس على الطريقة الإسلامية فعلينا أن نعلمهم الطريقة الإسلامية في المعتقد، ومن عنده حديث فليذهب، بل سمعت من بعض قاداتهم مباشرة يقول: يتهمنا الناس بأنَّا مبتدعة وقد فتحنا صدورنا ومجالسنا وبيوتنا لمن يعلمنا السنة! فليأتوا. وفيهم والحمد لله خير كثير، والآن أشرفوا على دخول كابول، واقترب فتحها فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين. فنسأل الله أن ينصرنا وإياهم بالإسلام، وأن يعزنا بالإسلام ويعز الإسلام بنا. وبالمناسبة هنا مقطوعة في المجاهدين الأفغان، قصيدة أورد بعضها، واسمها: تحية للمجاهدين الأفغان: مروا بقلبي فقد أصغى لي البانُ لي في حمى الحب أصحابٌ وإخوان نعم لك الله ما قد تبت من ولهٍ أما لكم صاحبي صبرٌ وسلوان دع ذا وهات قوافٍ منك صادقةً لأمةٍ مجدها بالأمس فينان والله لو أنصف التاريخ أمتنا لسجل المدح عذباً وهو سهران مجالس العلم تروي كلَّ قصتنا إن قلت حدثنا يحيى وسفيان الساكبو العلم من مشكاة دوحتهم علم ابن عباس ياقوت ومرجان والصانعو الزهد والدنيا بحوزتهم يروي علاها أبو ذر وسلمان وإن طلبت مثالاً من أرومتنا يكفيك عن مضرب الأمثال أفغان يا أمة المجد والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا هم الرعود ولكن لا خفوت لها خسفٌ ونسفٌ وتدميرٌ وبركان كم ملحدٍ ماجنٍ ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجانُ وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلان ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلان فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصان سياف في حكمة شاهٌ بمملكة لها من الدهر طول الحق برهان

стр. 1495

القصيدة البازية (طلب من الحضور أن يلقي الشيخ القصيدة البازية) أنتم يا أهل الحديث قرأتم قوله ﷺ : ﴿أنه نهى عن تلقي الركبان، ولا يبيع حاضر لباد﴾ فالواجب ألا تتلقوا الركبان مرةً ثانية، وأن تتركوا أصحاب البضائع يردون بها الأسواق. أما البازية فهي في سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ولكثير من المحدثين أشعار فيه. مِنْ أمثال تقي الدين الهلالي محدث المغرب له قصيدة للشيخ، يقول فيها: خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثنا أحرى وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرى وشاعر سوري يقول في الشيخ عبد العزيز: روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضربٌ من الوهم فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجمِّ فلم أرَ بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي وأما قصيدتي في سماحة الشيخ فاسمها البازية، قلت فيها: قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعلٍ منهم ومن حافي مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجافِ بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطلُّ في إشراقها الضافي تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف أقبلت في ثوب زهدٍٍ تاركاً حللاً منسوجةً لطفيليٍ وملحاف تعيش عيشة أهل الزهد من سلفٍ لا تبتغي عيش أوغادٍ بتطوافِ فأنت فينا غريب الدار مرتحلٌ من بعد ما جئت للدنيا بتطوافي سر يا أبي! واترك الدنيا لعاشقها في ذمة الله فهو الحافظ الكافي ومنها: أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي كالشدو تملك أشواقي وتأسرها في نغمة الوحي من طه ومن قاف ما أنصفتكَ القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصاف يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعافِ يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلافِ وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 1496

عائد إلى الله باب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها أو إلى أن يغرغر العبد، والتوبة واجبة من كل الذنوب والمعاصي، والتائبون إلى الله كثير، فكل من أذنب ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، وقد ذكر الشيخ حفظه الله قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم تاب إلى الله، وذكر بعض العبر من هذه القصة، وذكر قصة أخرى عن رجل تاب الله عليه من بني إسرائيل.

стр. 1497

باب التوبة مفتوح إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أمَّا بَعْد: عباد الله: فتح الله باب التوبة، فلن يغلق إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فباب التوبة مفتوح كلما أذنب عبد، وكلما عصى وأخطأ وأساء، قال الله في الحديث القدسي: ﴿إلي يا عبدي! تب أتب عليك﴾. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. من يستر العيوب إلا الله؟ من يتجاوز عن السيئات إلا الله؟ من يغفر الخطأ إلا الله؟ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].

стр. 1498

توبة الله على الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً تعال معي -أيها المسلم الوقور التائب المنيب- إلى رسول الهدى ﷺ ، وهو يحدثنا عن رجل سلف به الدهر، أذنب ذنباًً بيناً، وأخطأ خطأً فاحشاً، وارتكب جريمة من أكبر الجرائم في تاريخ البشرية، يقول ﵊ فيما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم: ﴿كان فيمن كان قبلكم -أي: من بني إسرائيل- رجل قتل تسعاً وتسعين نفساً﴾. فهذا رجل تلطخ بالدماء، لطخ أصابعه وثيابه وأياديه وسيفه بقتل تسع وتسعين نفساً، والنفس الواحدة المعصومة لو اجتمع أهل الأرض والسماوات على قتل رجل مسلم؛ لكبهم الله على وجوههم في النار، فكيف من أتى بسيفه باطشاً فتَّاكاً مجرماً ليقتل تسعاً وتسعين نفساً؟ فهذا الرجل فعل هذه الجريمة وتلطخ بالدم، وأباد هذه الأرواح المعصومة التي عصمها الله، وأزهق هذه النفوس، وبعد أن تلطخ بالجريمة وأخطأ راجع حسابه مع الله، وتَفكَّر في لقاء الله، وتذكر القدوم على الله، وعلم أنه لا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ولا يحاسب على الذنب، ولا يوقف العبد على الذنب إلا الله. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار

стр. 1499

ذهابه إلى الراهب فخرج وثيابه ملطخة بالدماء، وسيفه وأصابعه تقطر، وأتى كالمذهول المدهوش يقول للناس: هل لي من توبة؟ فقال الناس: ندلك على راهب في صومعة، اذهب إليه واسأله هل لك من توبة؟ -لأن المعروف عند الناس أنه لا يفتي إلا مفت، ولا يتكلم في مسائل العلم إلا عالم، ولا يتحدث إلى الناس إلا فقيه- اذهب إلى ذاك الراهب في تلك الصومعة في الكهف، فاسأله: هل لك من توبة؟ فذهب إلى ذاك الراهب -والراهب عابد من عباد بني إسرائيل- ما عبد الله على بصيرة: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] وهذا الدين لا بد له من دليل، لا بد له من علم وتفقه، من جلوس في الحلقات وسؤال أهل العلم، فالدين لا يبنى على الجهل. ذهب هذا المخطئ المذنب الباكي الحاسر، الذي راجع حسابه مع الله وندم على ما فعل، ذهب بخطاياه وأسفه وذنوبه، فطرق باب الغار، فخرج له هذا العابد الذي حرم على نفسه اللحم، والله لم يحرم عليه اللحم، وحرم على نفسه الزواج، والله لم يحرم عليه الزواج، وحرم على نفسه الراحة، والله لم يحرم عليه الراحة، فتح له الباب فدخل الرجل وإذا ثيابه تقطر بالدماء، فقال الراهب: أعوذ بالله منك! وهل يفعل العالم هذا؟ وهل يفعل الداعية للمذنبين هذا الفعل؟ باب الله مفتوح، وعطاؤه يغدو ويروح، ونواله ممنوح ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ فقال هذا التائب: يا أيها الراهب العابد! أنا قتلت تسعاً وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ أنا راجعت حسابي مع الله، وقد أسأت مع الحي القيوم، فلما تذكرت القبر وما بعد القبر والصراط والميزان والجنة والنار تبت إلى الله، فهل لي من توبة؟ أيهذا الشاكي وما بك داءٌ كيف تغدو إذا غدوت عليلا أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقه الندى إكليلا والذي نفسه بغير جمالٍ لا يرى في الوجود شيئاً جميلا فقال: هل لي من توبة؟ قال: لا توبة لك. سبحان الله! أتغلق باباً فتحه الله؟! أتسد طريقاً أمضاه الله؟! أتقطع حبلاً أرسله الله؟! أتكف قطراً بعثه الله؟! أتسد أنبوباً فتحه الله؟! الله الذي خلق وقدر، والله الذي يغفر ويحاسب، والله الذي يناجي العبد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فما دخلك بين العباد وبين الله؟ أأنت تفتي في هذه المسائل؟! قال: لا توبة لك فيئس هذا المجرم من الحياة، وأظلمت في عينيه الحياة، وصغرت في عينه الإرادة والعزيمة، وأصبح الجمال في وجهه ليلاً مظلماً، قطع حبل الله الذي بينه وبين عباده، وأغلق باب الله الذي فتحه بينه وبين عباده، فحمل سيفه فقتل هذا المفتي الراهب، فوفى به المائة جزاءً نكالاً. وانظر إلى فساد الفتوى، الذي يتصدر للفتوى وهو لا يجيدها يهدم أكثر مما يبني، ويخرب المجتمعات، ويفسد القلوب، ويعطل الإرادات، ويغلق الهمم، ويهدم حصون العزائم.

стр. 1500

سؤاله للعالم قتله ثم خرج والتفت إلى الناس، بالأمس قتل تسعة وتسعين واليوم قتل مائة، فقال للناس: هل لي من توبة؟ قالوا: ندلك على فلان بن فلان عالم من العلماء، ليس راهباً، لكن عالم فقيه مصداق، كلامه نهل من وحي السماء، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ [القصص:٨٠] فهو فقيه متبصر عبد الله على بصيرة. وبالمناسبة يا أيها الناس! إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود -كما يقول ابن تيمية - ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، يقول الله في اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] وقال في النصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧] إذا أخذت شهادة ومستوىً علمياً ثم لم تظهر آثار العلم عليك، فكأنك من بني إسرائيل، وإذا انزويت في كهف تعبد وتصلي وتصوم وما تعلمت وما تفقهت، فكأنك من النصارى. فديننا علم وعمل، فقه وإرادة، تقنين واستقراء، تجربة وأخلاق، تعامل وشورى، دين وسع كل شيء، ولذلك دل على العالم، فأتى إلى العالم وهو في حلقة التدريس يربي الأجيال، ويرفع الأرواح، وينمي الأنفس، ويفقه في دين الله. ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمةً من عفاء والعلم: هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من أردتا وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا فطرق عليه بابه، فخرج وهش وبش في وجهه -وهذه عادة أطباء القلوب الدعاة إلى الله- تبسم وأجلسه بجانبه، وعانقه وحياه وقال: ما عندك؟ قال: أنا أذنبت، قتلت مائة نفس معصومة، فهل لي من توبة؟ قال: نعم. لك توبة، ومن يغلق عليك باب التوبة؟ باب الله لك مفتوح، أبشر بالمغفرة، أبشر بالسعود، أبشر بالتوبة النصوح، سوف يرضى الله عليك إذا تبت، فحيهلاً بك، فقال: أتوب إلى الله وأستغفر الله، قال: أسأل الله أن يتوب عليك. وانظر إلى حل هذه المشكلة والعقدة، ثم قال له العالم: إنك كنت تقيم في قرية سوء، إنها قرية ظالم أهلها -وبعض القرى والمدن، وبعض الأحياء والحارات والقبائل تعينك على المعصية والجريمة، لا يعينونك على الطاعة، فيحملونك على الغيبة، وعلى شهادة الزور، وعلى القتل، وعلى الزنا؛ لأن هذه البقعة خبيث منتداها، خبيث قوامتها، خبيثة مصداقيتها وعطاؤها- قال: قريتك ظالم أهلها، فاخرج إلى قرية صالحة هي تلك القرية، فأخذ جهازه وتطهر بماء التوبة، وخلع ثيابه الملطخة بالدماء، ووضع سيفه، وأخذ عصاه، وأخذ يستغفر الله ويتوب إلى الله، وأقبل على الله.

стр. 1501

وفاة هذا الرجل وبينما هو في أثناء الطريق أتته سكرة الموت، قال الله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فلما أتته سكرات الموت وحضره اليقين قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قبضت روحه، ما صلى ولا صام ولا تصدق ولا زكى وما فعل خيراً قط، إنما تاب إلى الله، وأتت الملائكة من السماء بسرعة، ملائكة الرحمة معها السجلات، وملائكة العذاب معها السجلات، وقفت عند رأس الميت، تقول ملائكة الرحمة: هذا عبد مصيره الجنة، هذا تاب إلى الله وأناب، ورجع إلى الله، وتوضأ بماء التوبة. وقل لـ بلال العزم من قلب صادقٍ أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا قالوا: مصيره الجنة، قالت ملائكة العذاب: لا. هذا مجرم قتل مائة نفس، تلطخ بالدماء، ارتكب جريمة لا تغتفر، ولكن ما فعل خيراً قط، ما صلى ولا زكى ولا تصدق وما فعل خيراً قط، فكيف يدخل الجنة؟ ووقف الجدل والحوار الساخن بين الطائفتين، فأوحى الله من فوق سبع سماوات إلى ملائكته في شأن هذا العبد، قال لهم: قيسوا ما بين المسافتين ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] من المكان الذي توفي فيه إلى القرية التي خرج منها، ومن المكان الذي توفي فيه إلى القرية التي خرج إليها، فإن وجدتموه أقرب إلى إحدى القريتين فهو منها، فقاموا يذرعون بالأشبار ما بين القريتين، فأوحى الله إلى تلك القرية الصالحة أن تقاربي. يا لرحمة الله! وعطائه وفضله وغفرانه! يوم أن يتلطخ العاصي، ويوم أن يجرم المجرم، ويوم أن يقتل القاتل، ويوم أن يسرق السارق، ويشرب الشارب، ويفجر الفاجر، فلا يغفر له الناس، ولا يسامحون ولا يقبلونه، ولكن يقبله ربهم، ويغفر له، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى تلك القرية، وأخذوه وهو في سكرات الموت -كما في الروايات الصحيحة- ينوء بصدره ويقترب عله أن يقرب ولو شبراً من القرية الصالحة، لأن قلبه تاق إلى التوبة وإلى العمل الصالح. فقاسوا ما بين المسافتين فوجدوه أقرب إلى تلك القرية، فغفر الله له وأدخله الجنة. فيا لرحمة الله! ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران:١٣٥] هكذا نكرة، فاحشة كبرى تحت أستار الظلام، أو بين الحيطان، لا يراهم إلا الرحمن. وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ والنفس داعيةٌ إلى العصيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يرانيِ ﴿﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾﴾ [آل عمران:١٣٥] والعبد تمر به فترات ينسى عقله وإرادته، وينسى صدقه وأمانته، بل ينزع عنه الإيمان فترة من الفترات. يقول ﵊: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن﴾ قال أهل العلم: يرتفع إيمانه كالظلة على رأسه في وقت مزاولة الجريمة، وبعد أن ينتهي يراجع حسابه مع الله، يتذكر القبر حفرة من الحفر يدس فيها كقطعة الطين، أو كقطعة من الحجر، لا أنيس ولا حبيب ولا قريب ولا مال ولا ولد، يتذكر الصراط، ويتذكر موعود الله، ولقاء الله، فيقول: أستغفر الله. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] ثم يقول متحدياً كبراء ورؤساء الأرض، يقول: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] هل هناك أحد يغفر الذنب إلا الله؟ الناس لا يغفرون، ولا يسترون، ولا يسامحون، ولكن الله يسامح ويغفر ويستر. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]. إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني فما لي حيلةٌ إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم، وارجوا لقاءه، وتوبوا إليه من الجرائم والفواحش، فقد فتح بابه لكم، وقد رفع حجابه لكم، وقد مد يده وبسطها ، غفرانك ربي أسأنا وأخطأنا وأذنبنا وأجرمنا، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

стр. 1502

قصة أخرى لرجل من بني إسرائيل الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله رب العالمين , وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس! يلاحظ رسول الهدى ﷺ القصص الحق، قصص التائبين، قصص الذين أذنبوا وأخطئوا وأجرموا ثم عادوا إلى الله. وفي قصة أخرى يتحدث رسولنا ﷺ إلى الصحابة، يتحدث إليهم عن رجل كذلك من بني إسرائيل-والحديث صحيح سنده كنجوم السماء- يتحدث إليهم عن رجل أذنب ذنباً عظيماً، وهو موحد لم يشرك بالله، ولكن أخطأ وعصى الله وأساء فيما بينه وبين الله، ونحن أهل السنة والجماعة لا نكفر الناس بالذنوب، إنما يكفرهم الخوارج الذين لا يفقهون إلا قليلاً ولا يفقهون. أذنب هذا الرجل، وما ترك معصية إلا ارتكبها، شرب الخمر وزنى وقتل وسرق، كذب وغش ونم واغتاب، أساء كل الإساءة، ضيع عمره، أعجب بنفسه فتكبر واغتر، فلما حضرته ساعة الصفر، سكرة الموت الذي كنت منه وكان العبد منه يحيد بالطب وبالاستشفاء، حضرته هذه السكرة والجلسة والمصرع -الذي نسأل الله أن يعيننا وإياكم عليه- ساعة الموت يذل فيها المتكبر، ويذعن فيها الجبار، ويستسلم فيها القوي، ويفتقر فيها الغني، ساعة الموت تذهب فيها العزيمة والإرادة، ساعة الموت تتفتت الصخور والعزائم، وتتقطع الحبال ولو كانت من حديد، ساعة الموت ينسى الحبيب حبيبه، وينسى القريب قريبه، والصاحب صاحبه، والولد أباه، والأب ولده، والأم ابنها، ساعة الموت ما أعفي منها أحد، أخذت رسول الهدى ﷺ أخشى الناس، وأصدقهم وأعلمهم وأبرهم وأكرمهم وأكرم الناس، فأخذ يقول وهو في سكرات الموت: ﴿لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، لا إله إلا الله، اللهم هون علي سكرات الموت، لا إله إلا الله، اللهم خفف علي سكرات الموت﴾. فلما حضرت الوفاة ذاك الرجل جمع أبناءه، وأصبحوا أمامه في ساعة لا ينفع فيها الولد، ولا ينفع فيها المال ولو كانت قناطير مقنطرة، ولا ينفع فيها المنصب ولو كان منصب فرعون، يأتي ويدس الملك كالفقير في قطعة قماش، والحساب عند الله تعالى، يأتي الغني الذي ملك القناطير المقنطرة ويحمل على أكتاف الرجال، لا يحمل درهماً ولا ديناراً ولا خميصةً ولا قطيفةً. فجمع أبناءه وقال: أي أبٍ لكم أنا؟ قالوا: من خيرة الآباء، قال: فوالذي نفسي بيده، ما فعلت مع الله جميلاً أبداً، عصيت، وتعديت حدود الله، واقترفت معاصي الله، وتطاولت على حرمات الله، فإذا أنا مت، فاجمعوا لي حطباً، ثم أشعلوا هذا الحطب، فإذا أصبحت ناراً عظيمةً فاجعلوني في النار. هذا على دين الهندوس أهل الهند، حرق الجثث وتذريتها والتبرك بآثارها، فسحقوه، وذروه في الريح، لكنه موحد، إنما اقترح هذا الاقتراح لأنه ظن أنه سوف يفوت على الله. سبحان الله! أين يفلت من حساب الله؟ الذي أتى بالإنسان من نطفة فجمعه ثم كونه ثم خلقه، ثم أسمعه وبصَّره، ثم رزقه، ثم يحاسبه يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فلما توفي أخذوا جثمانه وجمعوا الحطب وأشعلوا له ناراً مدلهمة، ووضعوه في النار، فأكلت جسمه حتى أصبح فحماً حمماً فسحقوه ثم اعترضوا به الريح، فأخذته الريح الهوجاء، فتفرقت به في كل مكان ووزعته على الأنهار وعلى رءوس الأشجار وفي الجبال وفي السهول، لكن الذي بدأه أول مرة أمره في قول: كن فيكون ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] فقال الله: كن رجلاً، فكان رجلاً في لحظة، في أقل من طرف العين، جمع وأصبح رجلاً بعيونه وآذانه وسمعه وبصره، بشحمه ودمه وعظامه وأعصابه، وجمع الله ملائكته للحساب، وقال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ لماذا أوصيت بنيك بهذه الوصية؟ لماذا فعلت بنفسك هذا الفعل؟ أما علمت أني أغفر الذنب وأستر العيب وأتجاوز عن المسيء؟ قال: يا ربي -ما أحسن الكلمة! اسمع- قال: يا ربي خفتك وخشيت ذنوبي. فقال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة. ما دام أنه خاف موعودي ولقائي والحساب بين يدي ونكالي وناري، فقد غفرت له وأدخلته الجنة، فدخل الجنة. وهذا يعرض لكل الناس، شريعة تبلغ في المجالس وفي الأندية، لأننا في عصر كثرت فيه المعاصي والجرائم، كثر التخلف والإعراض عن رحمة الله، فإذا وقفنا بباب التشاؤم أمام الناس، وقلنا لهم: ويلكم من الله فحسب، وعرضنا لهم النار فقط، ولم نعرض لهم الجنة، يئسوا من رحمة الله، وتمردوا على الله وأعرضوا عن باب التوبة إلى الله، لكن حقاً علينا أن نخبرهم برحمة الله ولطفه ورعايته وحفظه، ولا ننسى أن الله شديد العقاب، ولا ننسى أن الله أعد ناراً وجحيماً، وأعد نكالاً وسلاسل وأغلالاً. نعم. إنه رحمان ورحيم، لكنه شديد العقاب. عباد الله: يقول المتكلم والسامع: من اقترف منا ذنباً فليتب إلى الله، اللهم إنا نشهدك في هذه الساعة الفضيلة المباركة النبيلة أننا تبنا إليك، أسأنا وأخطأنا وتعدينا حدودك وانتهكنا حرماتك، أكلنا رزقك وما شكرناك، وأكلنا عطاءك وما استخدمناه في طاعتك، وأسأنا كثيراً، وضيعنا أوقاتنا، أذنبنا كل الذنب، وأخطأنا كل الخطأ، وأسأنا كل الإساءة، ومن يغفر الذنوب إلا أنت، ومن يستر العيوب إلا أنت، اللهم فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتقبلنا فيمن تقبلت، اللهم تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. من يفتح لنا الباب إذا أغلقته؟ ومن يرفع لنا الحجاب إذا أسدلته؟ ومن يعطينا من العطاء إذا منعته؟ اللهم فارفع لنا باب التوبة واجعله لنا مفتوحاً، وأسدل علينا من منِّك وكرمك واجعل لنا منه عطاءً ممنوحاً، اللهم صل على نبيك وحبيبك الذي بعثته رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الناس! صلوا وسلموا عليه، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1503

صفات المرأة المسلمة المرأة سواء أكانت معلمة أو مربية أو ملتزمة لبيتها لا بد أن تتعلم من علوم الشرع ما يكفيها، وقد خصص لها هذا الدرس بعنوان: صفات المرأة، فذكرت لها عشر صفات تتحلى بها لتكون امرأة كاملة، وهذه الصفات مجموعة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء، تتحدث عن المرأة وإيمانها وتوكلها على الله، ولزوم البيت، وطاعة الزوج، وغض البصر، وصون السمع، وحفظ السان، والتخلق بأخلاق المرأة المسلمة، والدعوة إلى الله سبحانه في وسط بنات جنسها، وقد ذكر صوراً للمرأة المسلمة من نساء الأنبياء وغيرهن.

стр. 1504

سبب اختيار موضوع صفات المرأة المسلمة الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. عنوان هذه المحاضرة: (صفات المرأة المسلمة) كيف تكون مسلمة؟ وكيف تكون مؤمنة وعابدة؟ تلكم القضايا هي التي يجاب عنها في هذا الدرس وغيرها. واخترت هذا الموضوع لثلاثة أسباب: أولها: لكثرة الفتن التي طمَّت وعمَّت ومدخلها النساء، وقد حذر منهن ﵊ في الحديث الصحيح فقال: ﴿اتقوا الدنيا واتقوا النساء﴾. ثانيها: تقصيرنا كدعاة وعلماء وطلبة علم في جانب المرأة. ثالثها: لعل الله أن ينفع بهذا الشريط لمن أدخله بيته أو سمعه أو أهداه. إذا عُلِم ذلك فقد قال ﵊ لـ فاطمة في أول أيام الدعوة ﴿يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك من الله شيئاً﴾ وأنا أقول لكل امرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر: أنقذي نفسك من النار فإنا لا نملك لك من الله شيئاً، وقبل أن أبدأ بعناصر هذا الدرس التي هي عشر قضايا وأصول لا بد أن تفهمها المرأة، معلمة، ومربية، وشابة، ولازمة بيتها؛ لتكون مؤمنة بالله، يرضى الله عنها في الدنيا والآخرة، وإن لم تفعل ذلك فلتعلم أنها سوف تخسر عرضها ودينها ومستقبلها ودنياها وأخراها. قال ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿عُرِضت عليَّ النار، فإذا أكثر أهلها النساء. قالت امرأة: يا رسول الله! ما بال النساء؟ قال: يكفرن. قيل: يكفرن بالله؟! قال: يكفرن العشير، ويكثرن اللعن﴾ يكفرن العشير أي: الزوج، ينكرن معروفه، وينسين جميله، قال: ﴿لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك معروفاً قط أو خيراً قط﴾ وقال ﵊: ﴿اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أكثر فتنة بني إسرائيل في النساء﴾ حديث صحيح، وقال ﵊: ﴿أخوف ما أخاف على أمتي النساء﴾ أو كما قال ﵊.

стр. 1505

نماذج من النساء الصالحات إذا عُلِم ذلك فهناك نماذج أوجدها الله من المؤمنات على مر التاريخ، منذ أن خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هناك مؤمنات مسلمات، قانتات خاشعات، حافظات للغيب بما حفظ الله. منهن -على سبيل العرض قبل أن آتي إلى الموضوع-:

стр. 1506

سارة بنت هاران سارة بنت هاران، زوجة إبراهيم ﵇، كانت عابدة لله منيبة مخبتة، أسلمت قلبها للواحد الأحد فعصمها وحماها من الفواحش، ذهب إبراهيم ﵇ مع زوجته سارة إلى مصر وكان على مصر ملك، طاغية من الطغاة، وفاجر من الفجار، وجبار من الجبابرة، كان يغتصب النساء غصباً، فاغتصب سارة من إبراهيم، فلما أدخلت عليه توضأت وصلت ركعتين وأسلمت قلبها إلى الله، وسألت الواحد الأحد أن يعصمها من هذا الفاجر، فأقبل منها الملك فرُكضت رجله ورُفست وخُسفت في الأرض، فرفع عنها، ثم أقبل منها فاستعاذت بالله، فانحدرت رجله في الأرض وأخذت به قشعريرة، ثم رفع عنها، ثم رجع ثالثة فاستعاذت بالله، فحماها وخُسفت رجله في الأرض قال: إنما قربتم لي شيطانة، خذوها -وهو الشيطان- فذهبت، فأعطاها جارية فقالت لإبراهيم: "كفانا الله الفاجر وأخْدَمَنا جارية". وهذا درس للنساء، أن من اعتصمت بالله واتكلت عليه والتجأت إليه، عصمها الله وحمى عرضها، وأسلم قلبها للواحد الأحد.

стр. 1507

قصة هاجر وابنها ومنهن: هاجر، امرأة إبراهيم ﵇ أيضاً أم إسماعيل، موحدة منيبة قانتة عابدة، خرجت مع إبراهيم إلى مكة، وادٍ قاحل، صحراء، جبال سود، لا شجر ولا حدائق، لا بساتين ولا أنهار، فتركها إبراهيم، وأوحى الله إليه أن اترك هاجر وولدها، واذهب إلى الأرض، قيل: إلى العراق وقيل: إلى فلسطين. فذهب فقالت: "إلى من تكلنا يا إبراهيم؟ قال: إلى الله، ومن اكتفى به كفاه ومن احتمى به حماه، ومن التجأ إليه آواه، قالت: أمرك الله؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا الله، ترك جواباً من تمر، لا ماء ولا طعام لكن شيء من تمر، ثم التفت، فلما اختفى إبراهيم خلف الجبل دمعت عيناه، إمام التوحيد، وأستاذ العقيدة، وحامل لا إله إلا الله، اختفى عن العيون فدمعت عيناه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] ما أحسن الكلام! أحسن كلام في تاريخ الإنسان، وبالفعل رزقهم الله الثمرات، ففي مكة الحجاج لا يموتون من الجوع، يموتون من الشمس أما الجوع فلا، ثمرات الأرض تأتي إلى مكة، وتهوي قلوب الملايين المُمَلْيَنَة إلى مكة، يقول ابن القيم: "عجيب تتقطع الأحذية في الطريق إلى مكة، والبغال، والخيول، والجمال، وهدير الطائرات، ومخارات السفن، وجلجلة السيارات كلها تهوي إلى مكة بالملايين، مسلمو الصين ومسلمو اليابان ومسلمو السودان، كلهم يقولون: لبيك اللهم لبيك، أليس دعاء؟ تركهم، فلما ظمئ ولدُها، قامت تبحث عن الماء، سبعة أشواط وهي تبحث في الوادي، فرفس برجله، فخرج الماء فأخذت تحول الماء وتقول: زمزم زمزم، قال ﷺ -رسولنا حبيبنا يعلق على القصة- قال: ﴿رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت وادياً معيناً أو نهراً جارياً لكنها حفته فأصبح بئراً﴾ عليها صلاة الله وسلامه، وعلى رسولنا صلاة الله وسلامه، وفيها درس للمرأة المسلمة أن تعود وأن تلتجئ إلى الله. شبَّ هذا الغلام وكبر، وتزوج بزوجة لكنها قليلة التوكل على الله، لا تلتجئ إلى الله، فقيرة القلب -مثل بعض النساء لو جمعت لها ملاذ الدنيا، وذهبها وفضتها وثيابها، تجدها دائماً فقيرة تتشاءم، وتقول: ليس عندنا شيء، نحن نعيش في فقر، ليتنا في حالة غير هذه الحالة، ماذا جمعني بك؟ متى يتبدل هذا الحال؟ البؤس دائماً في وجهها والفقر في قفاها، تدخل، وتدبر وتولي، وتقوم وتقعد وهي شاكية باكية، ولاجة خراجة- فأتى إبراهيم ﵇ يزور ابنه من أرض العراق كان يجوب الدنيا ينشر التوحيد، فلما وصل إلى مكة وجد إسماعيل قد خرج للصيد في أرض نعمان فوق عرفات. ألا أيها الركب اليمانون عرجوا علينا فقد أضحى هوانا يمانيا نسائلكم هل سال نعمان بعدنا وخب إلينا بطن نعمان وادياً خرج هناك يصطاد بقوسه وأسهمه، فأتى إبراهيم فطرق الباب فخرجت هذه المرأة. قال إبراهيم: أين زوجك؟ -لا تعرف هذا الشيخ الجليل، أعظم شيخ بعد محمد ﷺ في تاريخ الإنسان، ولذلك هو أول من يُكسى يوم القيامة، وهذه تزكية من الله، وليست من يحي بن معين ولا من أحمد بن حنبل ولا من البخاري، لا قال فيه: ثقة، ولا ثَبْتٌ، ولا علامة، إنما الله يزكيه من فوق سبع سماوات ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١] أتى هذا الشيخ ولحيته بيضاء؛ لأنهم يقولون وهذا استطراد: أنه رأى المرآة فقال: يا رب! ما هذا البياض يقصد الشيب؟ قال: وقار يا إبراهيم. قال: اللهم زدني وقاراً- فأتى بعصاه وضرب الباب فخرجت هذه الزوجة، قالت: من؟ قال: أين زوجك؟ قالت: يصطاد. قال: كيف حالكم؟ قالت: في بؤس وفقر، ومسكنة وضنك وضنى، جائعون، ليس عندنا شيء. قال: إذا أتى زوجك فأقرئيه السلام -والسلام لا يعرفه إلا الموحدون؛ لأن الجاهلية حوله- وقولي له أن يغير عتبة الباب، ثم ذهب إبراهيم ﵇، وأتى في المساء إسماعيل قال: هل أتاكم أحد؟ قالت: أتانا شيخ كبير يتوكأ على عصا، وسألني عنك فأخبرته عن حالنا، فقال: أقرئيه السلام، ويقول: غيِّر عتبة الباب، قال: هذا والدي إبراهيم وهو يعرف السلام، ويأمرني أن أغير عتبة الباب، وأنت عتبة الباب: الحقي بأهلك- لأنه في الحديث: ﴿إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار﴾ بعض الدور -ونحن لا نتشاءم بل نتفاءل- إذا دخلتها أتاك من البؤس والضنك والضنى ما الله به عليم، وبعض النساء، وبعض الخيول أيضاً- فقال: الحقي بأهلك، فذهبت وتزوج غيرها. وأتى إبراهيم بعد وقت، فأتى إلى باب ابنه فطرق الباب فخرجت المرأة الصالحة المنيبة الذاكرة التي ترى كل شيء كأنها ترى الحياة، التي تقدم لها الخبز اليابس والماء كأنك قدمت لها مائدة كسرى أنوشروان، تكون في عيش ما أحسن منه، تقول: أثابك الله. يخبرنا بعض الفضلاء أنه عاش في ضنك وضنى وهو كبير السن، وفي فقر مدقع، فكان لا يجد الخبز إلا في بعض الأيام، فإذا أتى بالخبز قبَّلت زوجته يده وقالت: جزاك الله من خير صالحاً، والآن سوف أنقل لكم حقائق عن بعض نساء هذا العصر- فطرق الباب، فخرجت، فقال: كيف حالكم؟ قالت: في أحسن حال، وفي أرغد عيش، في سعة من الله، وفي نعمة ومنه، قال: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له يثبِّت عتبة البيت، فأتى الزوج فسألها فأخبرته، قالت يقرئك السلام، ويقول لك: ثبت عتبة البيت، قال: أنت عتبة البيت وأمرني بإمساكك. هذه قصة إبراهيم مع إسماعيل، وهم يعيشون حياة المرأة ودورها، وقسم في منزلة بين امرأتين: امرأة لم تتكل على الله ولم ترض بقضائه وقدره، ولم تشكر نعمته، وامرأة انصرفت إلى منهج الله وأحبته، وتوكلت عليه.

стр. 1508

حنة امرأة عمران حنة امرأة عمران، امرأة صالحة منيبة، عمران زوجها، كان من عباد بني إسرائيل، والعبد الصالح يرزقه الله على نيته وعلى اتجاهه، كانت حنة هذه عابدة تقرأ وتبكي كل صباح في حديقة بجنب بيتها في أرض فلسطين المحتلة -التي اغتصبها اليهود، وأخذوا دماءها، وشربوا دم أصحابها، الذين أخذوها غصباً من أيادي المسلمين، ولم تزَل وصمة عار في جبيننا، وعلينا العار والدمار والشنار حتى نستعيد فلسطين وبيت المقدس إلى أرض قومي. أي شرف نتشرف به وفلسطين في يد رابين، وفي يد إسحاق شامير، وفي يد الملاعين أبناء القردة والخنازير. أو ما كنتِ إذا البغي اعتدى موجة من لهب أو من دَمِ؟! كيف أغفيت على الذل ولم تنفضي عنك غبار التُّهَمِ؟! رُبَّ (وا معتصماه) انطلقت ملء أفواه الصبايا اليُتَّمِ لامَسَتْ أسماعهم لكنها لم تلامِس نخوة المعتصم في فلسطين اليوم طفل يقول: واإسلاماه! وعجوز تقول: وا إسلاماه! وشيخ يقول: واإسلاماه! ومصحف يقول: وا إسلاماه! ومسجد يقول: وا إسلاماه! فأين بليون مسلم؟! فأتت حنة فرأت هذا الطائر معه ولد، فقالت: "يا رب ارزقني ولداً، والذرية مكسب عظيم، والعقم إفلاس؛ لكن أفضل الولد: العمل الصالح، فرزقها الله، فحملت بحمل فتمنت أن يكون ولداً، ونذرت لله إن أنجبت أن يكون خادماً لـ بيت المقدس، فأتت بـ مريم، أتت بأنثى ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦] اسمع ما أحسن الكلام! ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٧] أتت مريم وقالت أمها: ظننتُ أنه ولد، ونذرتُ أن يخدم المسجد؛ لكن أتت بنتٌ فقالت: وأنت أعلم"، فتقبَّلْها يا رب! فأصبحت خيراً من ألوف مؤلفة وملايين مُمَلْيَنَة من الرجال، وأصبحت خادمة للمسجد، وكفَّلها اللهُ زكريا، وأصبحت عابدة، يأتيها رزقها صباحاً ومساء كرامة من الله، وأتت بعيسى ابن مريم، الذي هو من أولي العزم، نؤمن به ﵇.

стр. 1509

أم المؤمنين خديجة وأما خديجة، زوجة محمد عليه الصلاة السلام فهي أول امرأة في عصر تاريخ الدعوة سكبت عرقها ودمها ودموعها لنصرة هذا الإنسان العظيم، الذي قاد سفينة الحياة إلى شاطئ النجاة، أتى من الغار ﷺ في أول لقاء حارٍّ مع جبريل، أتاه جبريل فغَتَّه ثلاث مرات، لا يدري محمد ﷺ ما هذا الحدث، فقد عاش في أمة جاهلية أمية، فغَتَّه وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] فأتى يولول ويجلجل ويرتعد، قالت: ﴿لا عليك! كلا والله لا يخزيك الله، إنك تصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف﴾. وهذه المرأة عصامية، فإذا وجد في البيت من أمثالها تشد من عضد زوجها، إذا أصيب بنكبة قامت معه وقالت: كلا. الحياة سهلة. ويصيبه حادث سيارة فتقول: الأمر سهل ما دام أن الله أبقى علينا ديننا، فلا رعى الله السيارات. وينهدمُ البيت تقول: الأمر سهل. ويرسب الأطفال فتقول: قضاء وقدر، معنا الإسلام، معنا الصلوات الخمس. أما امرأة شاكية، يأتي جرح ويأتي رسوب ويأتي شيء فتولول وتجلجل وتبكي وتجمع المصائب، وتأتي بالأحداث والفتن والمشاكل، فليست على طراز خديجة ﵂ وأرضاها. هذه امرأة عصامية في تاريخ الإسلام، جعلها الله من أهل الجنة، قال ﵊ في حديث صحيح: ﴿يا خديجة! إن جبريل أتاني يقرئك من الله السلام، ويبشرك ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب﴾ من قصب: من جوهر ولؤلؤ، يُرى ظاهره من باطنه، وباطنه من ظاهره، لا صخب فيه ولا نصب: لا صوت ولا صياح ولا مشكلة، فرضي الله عنها وأرضاها، ما أحسنها! وما أروعها في تاريخ الدعوة! ولها قصة ثانية: قال ﷺ : ﴿يا خديجة! أرى رجلاً يدخل علي البيت! قالت: تعال، فجعلته عن يمينها ﷺ قالت: أتراه؟ قال: نعم. فجعلته عن يسارها قالت: أتراه؟ قال: نعم. فكشفت عن شيء من رأسها فقالت: أتراه؟ قال: لا. قالت: هذا مَلَك وليس بشيطان﴾ لأن الملك لا ينظر إلى المرأة. قالوا: كانت من أعقل النساء في تاريخ الدعوة، كانت تاجرة دفعت مالها لمحمد ﵊ ليقدم أعظم رسالة في تاريخ الإنسان، ولِتَعْبُرَ رسالتُه المحيطات، ويكون لـ خديجة أجر هذه الدعوة المباركة التي جلسنا نحن وإياكم على مائدتها في هذا الدرس. بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدمِ لما دعا الله داعينا بطاعته بأكرم الرسْل كنا أكرم الأممِ

стр. 1510

صفات المرأة المسلمة صفات المرأة المسلمة عشر صفات، إذا وُجِدَتْ في المرأة فلتبْشِر بالجنة من أول الطريق، ونبشرها من هذه الليلة بجنة عرضها السماوات والأرض، فنحن شهداء الله في أرضه. ﴿مُرَّ على الرسول ﵊ بجنازتين: الأولى شهدوا لها بالإيمان قال: وجبت وجبت وجبت، والثانية: شهدوا عليها بالسوء قال: وجبت وجبت وجبت، فسألوه قال: الأولى أثنيتم عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، والثانية أثنيتم عليها شراً فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه﴾. الصفة الأولى: إيمانها بالله ﵎:- إيمان يصاحبها في الليل والنهار، في الحل والترحال، قائمة وقاعدة وعلى جنبها، إيمان يجعل رقابة الله أقرب إليها من حبل الوريد، تتذكر الله في الخلوة والجلوة، في السر والعلن، والضراء والسراء. وسوف أعود للصفات بشيء من البسط. الصفة الثانية: لزومها بيتها، وعدم تبرجها، وعدم خروجها إلا لحاجة ماسة:- فبيتها أمانها، ومعبدها وسترها، وحياؤها ومستقبلها، وهذا مسئوليتها في الإسلام، لا يطلب منها أن تكون موظفة ولا عاملة ولا وزيرة، ولا يطلب منها أن تكون جندية في الجيش، ولا حارسة في الشرطة، وإنما بيتها بيتها. الصفة الثالثة: غض بصرها وحفظ نفسها وزوجها بظهر الغيب:- يوم تنام العيون إلا عين الله، ويوم تغفل الرقابات إلا رقابة الله، ويوم لا يستطيع البشر كشف السرائر وما في الضمائر ولا يكشفها إلا الواحد الأحد، فتستر نفسها وتغض طرفها، وتحفظ سمعها وبصرها، فيجازيها الله أن يكسوها يوم العرض الأكبر ويدخلها جنة عرضها السماوات والأرض، وينجيها من نار تلظى. الصفة الرابعة: حفظ لسانها عن الغيبة والنميمة واللعن والفحش والأذى:- فهي صائمة في لسانها، صائمة عن الكلام البذيء، عن الغيبة، والنميمة، واللعن، لا تتكلم إلا بذكر الله، صَيِّنَة دَيِّنَة، يحمي الله عليها عرضها كما حمت أعراض المسلمين. ويا مسلمون: والله الذي لا إله غيره إن من أكثر مجالس اللغو، ومجالس الغيبة، واللعن، مجالس النساء، ولذلك يقول ﵊: ﴿أُرِيْتُ النار فرأيت أكثر أهلها النساء﴾ النساء أمرهن عظيم، وشأنهن إن لم يعصمهن الله بالدين عظيم، المرأة إذا فسقت من النساء، تصبح كالساحرة تفرق بين المرء وزوجه، وبين الإخوان، وبين الرجل وأبنائه، وبين الجيران، وبين القبائل، وبين العشائر، وما أَشْعَلتْ حربَ داحس والغبراء إلا امرأة، وعبس وذبيان سكبوا دماءهم على امرأة، قال زهير: تداركتما عبساً وذُبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر مَنْشِمِ وهي امرأة؛ ولكن كم لها من الأجر إذا صلحت. الصفة الخامسة: حفظ سمعها عن الغناء والخنا وما في حكمه: هذا عصر الغناء والمسرحيات والمسلسلات والتمثيليات والضياع، إن لم يحفظ الله العبد في بيته. انظر لعبد يترك بيته، ثم يملأه بالفواحش والغناء والمسلسلات، والمسرحيات والتمثيليات، والمجلات الخليعات، كيف تصلح البنات؟ وكيف يصلح الأطفال؟ كيف يهتدي البيت؟ وكيف تدخله الملائكة؟ وكيف يأتي رغد العيش؟ أي رجل هذا؟! تكفيه الصلوات الخمس في المسجد ويضيع بيته؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] عصر فتنة، عصر تنقُلُ لك الشاشةُ فيه ما يحدث في باريس وواشنطن وموسكو، عصر تأتيك فيه المسرحية بما يأتي في بيوت الدعارة والخمارات والبارات، وأنت في البيت، عصر ترى فيه الأشكال، من يهودية، وصهيونية عالمية وشيوعية وماسونية وعلمانية، تأتيك وأنت في البيت، إن لم تتحصن بالإيمان. الصفة السادسة: على الزوجة احترام زوجها، والقيام بحقه، والحرص على راحته، وطاعته في طاعة الله :- الزوج أوسط أبواب الجنة إن حفظته الزوجة دخلت من هذا الباب إلى الجنة، وإن ضيعته ضيعت طريق الجنة، الزوج يقول ﵊ عنه في حديث صحيح: ﴿لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها﴾ فلا إله إلا الله كم للزوج من حقوق؟! ولا إله إلا الله كم له من واجبات؟! ولا إله إلا الله كم ضُيعت حقوق الزوج؟! بعض النساء اليوم لا ترى لزوجها عليها فضلاً، بل هي تتأمر في البيت، ترفع صوتها وتفحش عليه، تلقاه بالغضب، تضاربه، تناقشه، تُمَشْكِل عليه الخصومات، تجمع عليه المشكلات، وهو الذي يكدح عليها، وهو الذي حمى عرضها، وهو الذي أخذها من بيت أبيها فعصمها بإذن الله من الفاحشة، وهو الذي أنجبت بواسطته أبناءً، وهو الذي رعاها، وهو الذي قدم عرقه ودموعه ووقته من أجل لقمة العيش، وهو الذي يقوم بكل شيء في البيت، ويصول ويجول من أجل هذه المرأة. الصفة السابعة: اقتصاد المرأة في المعيشة، وعدم الإسراف في المسكن والملبس، والمأكل والمشرب: يوم وُجدنا في عصر التبذير وعصر الإسراف، رأينا بعض الناس يغير أثاث البيت كل سنة، ليس عنده وعي، لا يتفكر في القبر، يعيش على هيجان وعلى طفرة هائلة، يغير أثاث بيته كل سنة، فيقدم من الكنبات ويباهي الجيران والجارات، والممثلين والممثلات، والمغنين والمغنيات، مع امرأة لا ترضى إلا بأغلى شيء في السوق، ولا ترضى أن تقدم لها شيئاً رخيصاً، وهذه المرأة لا بد لها أن تراجع حسابها أولاً مع الله، يقول الشيخ أبو بكر الجزائري في كتاب المرأة المسلمة:" امرأة هنا في هذه البلاد ثبت لدينا أنها كلفت زوجها أن يشتري لها ثوباً بثمانية عشر ألف ريال"، وهذه القصة عودوا إليها في كتابه، وهو ثقة لدينا، ثَبْتٌ عالم علامة، ثمانية عشر ألفاً في ثوب واحد، وأخبرنا بعض الثقات أن شرعة في بعض الحفلات من حفلات الزواج بخمسة وعشرين ألفاً. أين عقل الزوج؟! وأين عقل هذه المرأة؟! يريدون الآخرة! تفكروا في القبر! قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]. أين هم عن قول الله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:٨ - ١٢]؟! أين هم عن هذه الآيات؟! أين هم عن قوله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]؟! أين هم عن قوله : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]؟! أين هم عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]؟! أين هم عن قوله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. امرأة تشتري ثوباً بألف أو بأكثر! معلمات في بعض المدارس، كُتِبَ لنا في شأنِهِنَّ أمر عظيم، ونحن لسنا بمتصرفين إنما آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، معلمة تتطيب وتتجمل وتلبس أحسن اللباس، بثياب تبلغ قيمتها ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة، والقليل منها من خمسمائة إلى ستمائة، وتذهب لتعلم بنات المسلمين، كيف تُخْرِجُ بناتٍ! كيف تَدُلُّ بناتٍ، تهديهن إلى صراط الله ؟ ويأتي لهذا بسط. الصفة الثامنة: الفقرة (أ): عدم التشبه بالرجال:- ﴿لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال﴾ حديث صحيح عنه ﷺ ، عصر انعكست فيه المفاهيم، كثير من شبابنا ينزل إلى السوق يخط ثوبه بالأرض يمسح الشوارع ويكنس الأرصفة بثيابه، لماذا؟ أسنة محمد ﷺ هذه؟! أئسبال للرجال وتقصير للنساء! وامرأة تلبس إلى أنصاف الساقين؟! محمد ﷺ يأمر المرأة أن تسبل إزارها وتستر قدميها حتى يعفي أثرها، ويأمر الرجل أن يقصر ثيابه إلى فوق الكعبين فتقول الأمة: لا. الرجال يسبلون والنساء يقصرون. امرأة تنزل إلى السوق وعليها ثياب من هذا الجديد الذي رمتنا به فرنسا والغرب اللعين المستعمر يوم هدموا عقيدتنا وعبادتنا وسلوكنا، ثياب تجدها ممشوقة مشقوقة من الركبة إلى الكعب تلبسها المرأة، ثم عليها شراب شفاف، وتخرج من بيت زوجها متطيبة متعطرة، وأين هذا الزوج؟ عربي جاهلي رأى رجلاً ينظر إلى امرأته فقال لامرأته: الحقي بأهلك، وأقسم: لا تحل له أبداً، قالت: نظر هو إليَّ. قال: إذا وقع الذباب على طعامٍ رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماءٍ إذا كُنَّ الكلاب ولغن فيه يقول: أنا أسأل: الكلاب ينظرون؟ لا. لا تلحقين بي زوجة. لكن زوجة تجوب الست والسبع الساعات من أول النهار إلى الظهر، ثم تأتي في الظهيرة وقد مرت بخياط، وبائع ذهب، وفاسق وفاجر ليس عنده إيمان، نشكو حالنا إلى الله، فالمسألة هنا عدم التشبه بالرجال. الفقرة (ب): عدم تغيير خلق الله: ﴿لعن ﷺ الواصلة، والمستوصلة﴾ والواصلة هي: التي تصل الشعر بشعر غيرها؛ لتُظهر أن شعرها طويل. ومن ذلك ﴿النامصة، والمتنمصة﴾ والنامصة هي: التي تنتف شعر الحواجب فترققه إلا إذا كان الشعر زائداً يشوه الخلقة فيؤذن للمرأة أن تأخذ بقدر الحاجة، أما أن تنتف شعر الحواجب وهي في خلقة طيبة حسنة فلا يجوز لها ذلك. ومنها: ﴿الواشمة﴾ وهي: التي تغرز الإبر فيها الحبر أو المداد الأسود أو الأحمر في خدها أو في أنفها أو في عنفقتها فهي ملعونة إن فعلته بنفسها أو فعلته بغيرها، و ﴿والمتفلجة﴾ وهي: التي تنشر الثنايا وتوجد فراغاً بين الثنايا والأسنان لتظهر الجمال وكأنها شابة، فهذه ملعونة أيضاً: ﴿والواشرة﴾ وهي: التي تحد أسنانها، كبيرة في السن عمرها مائة وعشرون وتحد أسنانها. أرادت عجوزٌ أن تكون فتية وقد يبس الجنبان واحدودب الظهر تسير إلى العطار تبغي شبابها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟! هل سمعتم أن العطار يصلح ما أفسده الدهر؟ مائة وعشرون سنة وتحد أسنانها لتظهر كأنها في ستة عشر عاماً! هذا من التدليس وهي ملعونة إن فعلت ذلك، أنا قلت: مائة وعشرون وإلا فإن النساء يفعلنه في الخمسين وفي الستين من أعمارهن, فعلى المسلمة أن تظهر بصورتها الحقيقية، وجمالها في إسلامها، والله يتولى السرائر. الصفة التاسعة: عمل الطاعات: عمل الطاعات والتقرب إلى الله في الأعمال الصالحات من صلاة وصدقة وصيام وذكر واندفاع للخير، ما هي حصيلتنا؟ بم نلقى الله إلا بالعمل الصالح أما أن تبقى المرأة تكنس طيلة النهار من الصباح إلى المساء في البيت فلا. نقول: لا ترمي البيت وتجعله ظهرياً وتهمله لكن نقول لها: كل بقدر، تتوجه بشيء من النوافل، بشيء من التسبيح، تقوِّم بيتها، تغسل ثيابها، تصلح شأنها، تطبخ طعامها، وهي تذكر الواحد الأحد. قرأت مذكرات قبل مدة عن سيرة المجرمة هذه جولدا مائير اسمها مذكرات أنا أوحياتي، الحقودة اللعينة، أم القردة والخنازير، سيرة -والله- فيها عجب في حياتها الخاصة! والحكمة ضالة المؤمن، والشيطان علم أبا هريرة آية الكرسي فصدق فقبلها، تقول: كانت تكنس البيوت -الثكنات العسكرية- للجيش الإسرائيلي في فلسطين، الأرض المحتلة، وكانت تغسل ثياب الجيش، وتصنع طعامها بيدها، تقول: لأن اعتماد المرأة على غيرها في الخدمة ليس بصحيح، ويدل على فشل المرأة وانهزامها، ولذلك تأتي هذه المرأة الفاجرة فتكوِّن جيشاً ومظليين وصاعقة وطيارين وسفناً، يجوبون العالم الإسلامي. أليس في هذا عبرة؟! ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]. الصفة العاشرة والأخيرة: دعوة أخواتها إلى سبيل الله، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر:- لا تزور زيارات أكل وشرب فقط وكلام في مجريات الحياة وسوالف الزمان، هذه عجائز نيسابور يقولون: إنهن يتكلمن في القمر وزحل وعطارد والزهرة، لا. إذا انتقلت إلى جاراتها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم وتدعو إلى سبيل الله، وتحاول أن تصلح من جاراتها ومن أخواتها المسلمات. هذه صفات عشر إذا اكتملت في امرأة مسلمة، فإنا نسأل الله أن تكون من أهل الجنة، ونبشرها بالجنة ونبشر بيتها بالجنة، وإني أدعوكم لإسماع كل امرأة مسلمة هذا الكلام علَّ الحجة أن تقوم عليها، أو علها أن تكون ولو من هذه العشر خمس خصال ثم يعينها الله في الخمس البقية، أو تبدأ حياة سعيدة. هذه عشر صفات إذا جَمَعَتْها المرأة اكتملت، جَمَعْتُها من الكتاب والسنة ومن أقوال أهل العلم. قلت في أولها:
следующие страницы →