← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

حب الصالحين إن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وبالحب في الله يجد العبد حلاوة الإيمان، ولكن في هذا الزمان انقلبت موازين الحب والبغض، فأصبح الناس يحبون أهل المال والفجور والغناء. فعلى المسلم أن يعرف من يحب، ومن يصاحب، ومن يجالس، وهناك ثلاثة أصناف من الناس لا تُصاحَب، وللإخوة حقوق يجب على المسلم مراعاتها.

стр. 1437

مصاحبة الصالحين اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت من أطاعك قربته، ومن تقرب إليك أحببته، ومن عصاك أدبته، ومن حاربك خذلته وأهنته، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي النار سطوتك، وفي الجنة رحمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك. لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، والصلاة والسلام على معلم الخير، وهادي البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، ﷺ ما تعلقت عين بنظر، وما اتصلت أذن بخبر، وما هطل مطر، وما هتف ورق على شجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفاف وحياء وكرم قوله للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم هذان بيتان للمجاهد الزاهد عبد الله بن المبارك ﵁ يدعو فيهما إلى حب الصالحين، وتولي الأبرار، ومرافقة الأخيار.

стр. 1438

الولاء والبراء من عقيدة أهل السنة والجماعة إن الولاء والبراء من عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن حب الصالحين جعل محمداً ﵊ يشتاق لـ بلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي. إن هذا الدين أخرج صلاح الدين من الأكراد، ومحمد الفاتح من الأتراك، فجعلهم في سبيل الله. إن التولي عن هذا الدين جعل أبا طالب وأبا لهب وأمية بن خلف في النار، وعقيدة الولاء والبراء وحب الصالحين وبغض المعرضين هي عقيدة كعقيدة الصيام والصلاة والزكاة. والله يصف أولياءه فيقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. فحب الصالحين طريق إلى الجنة، والرسول ﵊ يقول عن هذا الحب: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان﴾ وللإيمان حلاوة وذوق، لا يذوقه أهل البارات والخمارات، ولا أهل القصور والدور، ولا أهل المناصب والبساتين، ولا أهل ناطحات السحاب إذا كانوا بلا إيمان. فالإيمان له حلاوة يذوقها أولياء الله: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -منها-: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله﴾ لا للونه أو نسبه، ولا لمنصبه أو شهامته أو عصبه، ولكن لأنه مؤمن بالله العظيم. ويقول سبحانه: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] والعداوة تظهر يوم القيامة، وفي أثر: ﴿أن الله ينادي الناس يوم القيامة، فيقول: يا أيها الناس! إنني جعلت نسباً، أو جعلتم نسباً فوضعتم نسبي ورفعتم أنسابكم، قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فقلتم: أكرمنا فلان بن فلان وفلان بن فلان، فاليوم أضع أنسابكم وأرفع نسبي، إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وقف حبيبنا ﷺ على الصفا يعلن حقوق الإنسان، ويتكلم عن فضل الإنسان، وما ميزه الله به، وما هو أساس التمايز والتفاضل بين الناس، فيقول لبني هاشم -أسرة الريادة في العالم ولا يوجد أشرف من بني هاشم في الكرة الأرضية- قال: ﴿يا بني هاشم! لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه﴾ والمقصود هنا: أن من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان -وهذا هو أساس الدين-. قال ابن عمر: [[والله الذي لا إله إلا هو، لو أنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله وصمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، ثم لقيت الله لا أحب أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية، لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]].

стр. 1439

حب السلف بعضهم لبعض الشافعي -الإمام العلم- هاشمي، ولكن ما نظر إلى هاشميته، ولا إلى قرشيته، بل نظر إلى تعامله مع الله، يقول في البيتين المشهورين: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة يقول: أنا عاصي، لكن لا أحب العصاة، وأنا مقصر في الطاعة، لكني أحب الطائعين، يقول الإمام أحمد له: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم يرتجى نيل الشفاعة يقول: من أين خرج الإسلام إلا من بيتكم، ومن أين أشرقت شمس الرسالة إلا من عقر داركم، فأنت من الصالحين، ومن مثلك تطلب الشفاعة لصلاحك وخيريتك. كان الشافعي أكبر سناً من أحمد، وكان أكثر علماً في أصول الفقه والفقه، وكان يزور أحمد في بيته، فقال له تلاميذه: تزور أحمد وأنت أكبر سناً من أحمد، فرد ببيتين يقول فيهما: قالوا: يزورك أحمد وتزوره قلت: الفضائل لا تغادر منزله إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له

стр. 1440

فضل الحب في الله رفعهم الله، لأن محبتهم في الواحد الأحد، وصح عنه ﵊: ﴿أن رجلاً زار أخاً له في قرية، فأرصد الله في طريق هذا الزائر ملكاً من الملائكة، فوقف للزائر، قال: أين تريد؟ قال: أريد فلان بن فلان، قال: ماذا تريد منه؟ قال: أحبه في الله، فأريد زيارته في الله، قال: أمالك من نعمة عنده تربها؟ - أي: تردها بقاءها؟ - قال: لا. والله الذي لا إله إلا هو، ما زرته إلا في الله، قال: فأنا ملك أرسلني ربي أخبرك أن الله غفر لك ولصاحبك﴾. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا التقى المسلمان فتصافحا، تحاتت خطاياهما كما تحت الشجرة ورقها﴾. الإسلام يُبنى على الحب، والحب شجرة الإسلام، ولا يمكن أن تكون ولياً لله حتى تحب أولياء الله، فمن هم أولياء الله؟ هم أهل المسجد والمصحف والحديث والاستقامة والخير للمسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].

стр. 1441

أثر غياب عقيدة الولاء والبراء لما مات الولاء والبراء، أصبح الكافر مقدم عند بعض المسلمين على المؤمن المصلي، ورأينا من سلخت شعائر العبادة والتوجه إلى الله من قلبه؛ يقدم الكافر الأشقر الوثني على المسلم المصلي لا لشيء، وإنما لأنه مهزوم من داخله، في قلبه مرض فزاده الله مرضاً، ينظر لهذا المسلم بعين الحقارة، وينظر لهذا الأشقر الأحمر بعين التعظيم والحضارة والمادة والصناعة، وهذا من الرذيلة التي ما بعدها رذيلة. كتب أحدهم سؤالاً يقول لنا: أخٌ في شركة إذا حضر وقت الغداء، تركنا وذهب يتغدى مع الخواجات. قلنا: المرء يحشر مع من أحب، فهو يحشر معهم، ولولا هذه الانهزامية في قلبه، ما فَعَل ما فَعَل، بل تجد بعض الناس يقدم للكافر من الخدمات والاحترام مالا يقدم عشر معشاره لإخوانه المسلمين، لأن صورة الإسلام ما وضحت في قلبه. [[عمر ﵁ كتب له أبو موسى من العراق، فقال: عندنا نصراني وهو كاتب حذق فطن، فهل يكتب لي؟ فكتب له عمر: لا يكتب لك، فرد أبو موسى وقال: إنه كاتب حذق، فرد عمر قال: قاتلك الله! تقربهم بعد أن أبعدهم الله، وترفعهم بعد أن أهانهم الله، وتكرمهم بعد أن أذلهم الله، لا يكون لك كاتباً أبداً]]. إذا علم هذا، فيا إخوتي المسلمين! عاش السلف على هذا المنهج الرباني: أن تحب الرجل لا تحبه إلا لله. ﴿قام ﵊ خطيباً، فتحدث فقاطعه أعرابي، وقال: متى الساعة يا رسول الله؟ فلما انتهى قال: ماذا أعددت للساعة؟ قال الأعرابي: يا رسول الله! والله ما أعددت لها كثير صيام ولا صدقة ولا صلاة، ولكني أحب الله ورسوله، قال ﵊: المرء يحشر مع من أحب﴾ وهذه قضية كبرى في حياة المسلم تجعله يحب الصالح لنفسه.

стр. 1442

معرفة صاحبك وجليسك قال رجل لـ ابن المبارك: مع من تنصحني أن أجلس؟ قال: اسمع مني، قال: نعم قال: من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام في الناس مجالس تقرب من النار والعار في الدنيا والآخرة، فهناك مجالس في المجتمع من مجالس جهنم، من مجالس إبليس يدار في بعض مجالس اللاهين العابثين الاستهزاء بالله ورسوله وبالجنة والنار ولقاء الله، وبعضهم يستهزئ بالدعاة والعلماء وطلبة العلم، فالجلوس مع مثل هؤلاء قطعة من النار والعار والدمار والشنار في الدنيا والآخرة إلا أن يعظهم وينصحهم، وإن من الناس من حبه بُعدٌ من الله . قال جعفر الصادق لابنه: [[يا بني! لا تصاحب ثلاثة، فقد غضب الله عليهم: لا تصاحب عاق الوالدين فإن الله قد تبرأ منه، ولا تصاحب الكذاب فإنه يقرب لك البعيد ويبعد عليك القريب، ولا تصاحب البخيل فإنه يبيعك بأدنى سبب]]. إذا علم هذا فليعرف العبد من يجالس، ومن يؤاكل، ومن يحب، قال ﷺ في حديث حسن: ﴿لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ ولما حضرت عمر سكرات الموت قال: [[ما آسى على الحياة إلا على ثلاث -وذكر منهم-: رفقة أجلس معهم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقون أطايب التمر]]. وهؤلاء أولياء الله إمامهم محمد ﵊، ودستورهم القرآن، وبيوتهم المساجد. ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بوصفهم ذكروك الواحد الباري من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري وفي صحيح مسلم يقول ﵊: ﴿يقول الله يوم القيامة: أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي﴾.

стр. 1443

عاقبة جلساء السوء يا إخوة الإسلام! يا شباب الإسلام! أحذركم جلساء السوء: قوم جلسوا على الأرصفة يروجون المخدرات ويرتكبون المحرمات ويقاطعون الصلوات، ويستمعون الأغنيات الماجنات، قوم تخلوا عن الأدب، وحاربوا منهج الأنبياء والرسل، معهم كل لهو ولعب، صدوا عن منهج الله، وحرفوا شباب الإسلام عن بيوت الله. الجليس السيء مؤذٍ، قال ابن القيم: وهل كان أشأم على أبي طالب من أبي جهل؟ أبو طالب أراد أن يتحرك في سكرات الموت ليقول: لا إله إلا الله -ولو قالها؛ لسعد في الدنيا والآخرة- ولكن منعه أشأم الناس عليه. معلم الخير الزعيم العالمي المصلح ﵊ كان عنده حين حضرت عمه سكرات الموت، فأخذ ﷺ رداءه مسرعاً من البيت، وعلي بن أبي طالب -الشاب المؤمن- يقول: يا رسول الله! عمك الشيخ الضال في سكرات الموت، انظر الولاء والبراء عند علي يقول: عمك، يعني: أبي الشيخ الضال، لأنه ليس مسلماً فأخذ ﷺ رداءه مسرعاً يريد أن يلحقه في ساعة الصفر -ساعة الموت- التي يذعن فيها المتكبر، ويسلم فيها الكافر، ويفتقر فيها الغني، ويلين فيها القاسي، يريد أن يظفر بلا إله إلا الله، يريد أن يحاج له بلا إله إلا الله، فدخل فجلس عنده، ولكن الجليس السيء المجرم السفاك الأجرب أبو جهل كان جالساً من قبل، فيقول ﵊: ﴿يا عمِّ! قل: لا إله إلا الله؛ كلمة أحاج لك بها عند الله، فتنحنح أبو طالب واتكأ وأراد أن يقولها، فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ لا تقل لا إله إلا الله، فمات على غير لا إله إلا الله﴾. انظر إلى الجليس السيء هامان وقارون كان أحدهم عن يمين فرعون والآخر عن يساره، فكلما أراد أن يهتدي ويعلن لا إله إلا الله، خيبوا طريقه وأظلموا بصائره. وهذه هي حاشية السوء وبطانة الردى، كلما أراد أحد أن يعمل خيراً أو وينتج أو ينصر الدين؛ أزوه أزاً وهم شياطين الإنس والجن، فلذلك كان فرعون في قلبه لا إله إلا الله، يقول له موسى: يا مجرم! والله إنك لتعلم أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] ولكن رفضها مستشاراه ووزيراه ومفوضاه، كلما أراد أن يعلن لا إله إلا الله، رفضا ولم يضر المسيرة الإسلامية إلا جليس السوء. والعرب تقول: الصاحب ساحب، وهو لصٌ يأخذ منك ما لا تأخذ منه. عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي يقول ﵊ كما صح عنه: ﴿مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، أما حامل المسك فإما أن تشتري منه وإما أن يحذيك، وأما نافخ الكير فإما أن يحرق ثيابك أو تجد منه رائحة منتنة﴾ فأنقذوا أنفسكم من جلساء السوء، وعصابات الإجرام، وأصحاب الفاحشة الذين يريدون أن يكون الدين عوجاً ولا يريدون صلاحاً للعباد والبلاد والأمة. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، أقول هذا وأستغفر الله العظيم الجليل فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 1444

حقوق الأخوة في الإسلام الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما أسدى، والحمد لله على ما رفع وسوى، الحمد لله جعلنا خير أمة أخرجت للناس، الحمد لله جعل إمامنا خير الرسل وكتابنا خير الكتب وقبلتنا خير ما يتوجه إليه، والصلاة والسلام على معلم الخير، وهادي البشر خير من بعث بالرسالة الخالدة، فأخرج الإنسان من الظلمات إلى النور وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1445

الدعاء في ظهر الغيب الإخاء في الإسلام له حقوق، ومن حقوق الإخاء: دعوة الغائب للغائب، أن تدعو لأخيك بظهر الغيب، وأن تسأل الله له التوفيق والسداد. ﴿عمر بن الخطاب ذهب يؤدي عمرةً -والحديث عند الترمذي - فاستأذن الحبيب ﵊ ليأذن له أن يعتمر، فلما مرَّ ووقف في ساعة الوداع، قال له ﵊: لا تنسنا من دعائك يا أخي﴾ عجباً! التلميذ يدعو لشيخه؟ الطالب يدعو لمعلمه؟ ورقة عمر من شجرة محمد ﵊. كان عمر يتذكر هذه الكلمة، فنسي عمر كل شيء إلا هذه الكلمة، وغفل عن كل شيء إلا هذه الكلمة، كان إذا ذكرها في أيام الخلافة بكى، وقال: [[عجباً ﴿لا تنسنا يا أخي من دعائك﴾. كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها]]. وعند أحمد في المسند وغيره أن الرسول ﵊ قال: ﴿يقدم عليكم رجل من أهل اليمن اسمه أويس بن عامر القرني، له والدة هو بها بار، أصابه برص فبرئ منه إلا موضع درهم، فمن لقيه منكم، فليطلبه ليدعو له، أو يستغفر له﴾ سبحان الله! رجل لم يدرك الرسول ﵊، لكنه رجل صالح دعاؤه مقبول، في بعض الروايات: ﴿يشفع يوم القيامة في مثل قبائل مضر يدخلهم بإذن الله الجنة﴾. قدمت وفود اليمن سنة بعد سنة، وكان أبو بكر وهو خليفة ينتظر الوفود ويسألهم، لكن ما حظي بهذا، وتوفي أبو بكر، وتولى عمر وسأل قوافل اليمن: [[أفيكم رجل اسمه أويس بن عامر؟ حتى لقي وفداً قالوا: نعم فينا، قال: أين هو؟ قالوا: يرعى الإبل في الصحراء، وجئناك نسلم عليك -لم يكن له ميزان ومكانة من تفاهته عندهم في ميزان البشر وميزان الجاهلية، جعلوه يرعى الإبل- قال عمر: أله والدة هو بها بار؟ قالوا: نعم. قال: أصابه برص فشفي منه وبقي منه أثر؟ قالوا: نعم. قال: قوموا بنا، فقام هو وعلي على حمار والصحابة حوله]]. جزى الله المسير إليك خيراً وإن ترك المطايا كالمزاد سلام عليك يا عمر تركب الحمار ولكنك أرغمت الدنيا للا إله إلا الله، تركب الحمار، ولكن أبطالك دخلوا حدائق الأندلس بسيوف لا إله إلا الله، تركب الحمار، ولكنك دست تحت حذائك إمبراطورية كسرى وهرقل عظيم الروم، وأعلنتها في الخافقين أن لا حكم إلا لله. عمر تاريخ أمة، ودستور حياة، وقصة مجد، فوصل إلى أويس ووجده يصلي الضحى ما عنده من الدنيا قليل ولا كثير. ديننا هذا يجعل الإنسان المسكين الذي ينام على الرصيف خيراً من ملايين مملينة من الذين ينامون في ناطحات السحاب وهم لا يعرفون الله، صاحب القصور بلا إيمان دابة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦]. [[وقف عمر عليه على أويس فقال: من أنت؟ قال: أويس بن عامر، فسأله قال عمر: ادنُ مني، فدنا، فقبله عمر، فبكى هذا الرجل -قبلة حظي بها من عمر بن الخطاب الزاهد الشهيد الشهير، هي خير من الدنيا وما فيها- قال: استغفر لي، فبكى أويس، وقال: يا أمير المؤمنين! أأنا أستغفر لك وأنت أفضل مني؟! -إي والله، والله لـ عمر أفضل من أويس وآلاف أويس، ولكن دعوة أويس طيبة- قال: استغفر لي، قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، قال: أتبقى معي؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتركني في غمار الناس لا أعرف، فتركه في غمار الناس حتى مات]]. دعوة الصالح للصالح من أحسن ما يكون وأفضل الدعاء دعوة غائب لغائب. وصل ابن الإمام الشافعي بعد وفاة أبيه إلى أحمد، فقال له أحمد: أبوك من السبعة الذين أدعو الله لهم في السحر وأنا في السجود، سبعة أسماء كان يحفظها أحمد بأسمائهم وأسماء آبائهم، اللهم اغفر لفلان بن فلان، وفلان بن فلان سبعة، وهذا يوم كان حب الله في قلوبهم، فلما نزل حب الدنيا في قلوبنا؛ تحاسدنا وتباغضنا وتقاطعنا وتحاربنا إلا من رحم ربك. أيعقل أن أمة تربى على الكتاب والسنة يجلس عند القضاة الصهر مع صهره؟! سل المحاكم والقضاة، أصبح النهب والسلب والقتل بين الجيران والأرحام، جار ما سلم على جاره أكثر من عشر سنوات من أجل قطعة أرض، أمة أعرضت عن نور الرسالة وملأت قلوبها بالتراب؛ فامتلأت غضباً وحقداً وحسداً.

стр. 1446

صفاء القلب للأخ المسلم ومن حقوق الأخوة: صفاء القلب للأخ المسلم أن تصافيه، وألا تجد عليه موجدة، وألا تحمل عليه ضغينة ولا غشاً، وصفاء القلوب هذا يوصل العبد إلى درجة الأبرار ويجعله أعظم من الشهداء. محمد ﵊ يجلس مع أصحابه، فيقول في الحديث المشهور: ﴿يخرج عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فيأتي رجل معه حذاؤه بيده اليسرى مبلل من الوضوء ويتقاطر من لحيته -الجميلة الرائدة- الماء فيصلي ركعتين، وفي اليوم الثاني كذلك وفي اليوم الثالث، فيسأله أحد الصحابة بعد أن بات عنده: ماذا كنت تعمل؟ قال: أنا لست بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن -والله- ما نمت ليلة فوجدت في نفسي على مسلم حقداً أو حسداً أو ضغينةً أو بغضاً، قال الصحابي: تلك التي ما استطعناها﴾. بعض الناس يصلي في المسجد ويزكي ويصوم، ولكن لو أذن له أن يقتل كثيراً من الناس لفعل، في قلبه نارٌ مدلهمة مؤصدة على المسلمين، وهذا يدل على انطفاء نور الإيمان.

стр. 1447

الدفاع عن الأخ في غيبته ومن حقوق الأخوة: أن تدافع عن أخيك في ظهر الغيب، والأعراض اليوم رخيصة، يغضب اليهودي في فلسطين لليهودي في هولندا واليهودي في هولندا يغضب لليهودي في روسيا، أما المسلمون اليوم فأصبحت أعراضهم رخيصة، كثير ممن يدعي نصرة الإسلام، ولكنَّ عدوه اللدود أخوه المسلم، يهتك عرضه في المجالس، وينهمر في دمائه ولحمه، يعدد أخطاءه ويضخمها ويكبرها وينسى حسناته، وهذا هو الذي عطل مسيرة الدعوة وانتصارها سنوات طويلة، ولن ننتصر إلا يوم نكون تحت راية واحدة، وحب واحد، ووراء إمام واحد وهو محمد ﵊.

стр. 1448

النصيحة من حقوق الأخوة: النصيحة: ويعترف بالنصيحة ولا يعترف بالفضيحة، يقول الشافعي: تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة تفضحني أمام الناس، وتنصحني وتشهر بي، وتعرض سيئاتي في المجالس، وتقول: أريد هدايته، والله لو صدقت لأسررت النصيحة، ولقدمتها بقالب من الود والحب. قال رسول الله ﷺ : ﴿الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾. فأما النصيحة لله: فتجريد العبادة والتوحيد له. وأما لرسوله: فتجريد المتابعة. وأما لكتابه: فالإقبال عليه بشغف، وتدبره والعمل به. وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فعدم شق عصا الطاعة ما لم يُر كفر بواح، وجمع الكلمة والدعاء لهم بظهر الغيب. وأما النصيحة لعامة المسلمين: فأن تشفق عليهم، وتقدم لهم النصيحة بقالب من الود، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت -أي بليت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾. اللهم صلِّ وسلم عليه ما ذكره الذاكرون وما غفل عنه الغافلون، وصلِّ على صحبه الأبرار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم أصلح بالهم، اللهم كفر عنهم سيئاتهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، واهدهم سبل السلام، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المسلمين المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر كل من نصر هذا الدين، وأعلِ كلمته، ووحد صفوف المجاهدين، واجمع شملهم على الحق يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1449

كيف تكون جباناً ؟ الشجاعة وسام لا يأخذه إلا من كانت روحه عنده رخيصة في سبيل غايته، ولايخاف الموت. أما الجبن فهو صفة ذم، والرجل الجبان يكون دائماً ذليلاً مهاناً، وقد ضرب لنا التاريخ صوراً رائعة لأناس قدموا أرواحهم ليقيموا مبادئهم. والشجاعة غالباً صفة في المؤمنين، وقد تجد في العصاة والكفرة شجعاناً.

стр. 1450

ذم الجبن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: أصحاب الفضيلة، يا شباب الصحوة، أيها الأخيار الأبرار: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. اللقاء يتجدد، والحب يزيد، والصلة تنمو، والمقصد الله فهو يعلم ما نريد. عنوان هذا الدرس: كيف تكون جباناً؟ وما هي الطرق التي تساعدك على أن تكون جباناً مع التعلم والممارسة ومع التدرب هذا هو ملخص ما أريد أن أقوله. سأل الرسول ﵊ ربه أنه يعيذه من الجبن، فقال ﷺ : ﴿اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال﴾ واستعاذ الصالحون من الجبن، وقد عدته العرب جريمة كبرى وسيئة في الرجل، ومن أعظم مميزاته وأعطياته ﷺ لهذه الأمة المحمدية أنه أخرجهم شجعاناً، يقول المتنبي في الشجاعة: أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر وأشجع مني كل يوم سلامتي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر تمرست بالآفات حتى تركتها تقول أمات الموت أم ذعر الذعر وأقدمت إقدام الأبي كأن لي سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر إلى آخر ما قال. ولكن أقصد في هذه المحاضرة مقاصد تهم المسلم، وهي من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، والتوحيد الذي أتى به رسولنا ﵊ عدو للجبن والخوف من غير الله ، والجبناء يموتون في اليوم مرات والشجاع يموت في عمره مرة واحدة، والجبان يتوهم كل شيء ضده، والشجاع يتصور أنه ضد كل شيء إلا كتاب الله وسنة النبي ﷺ وما والاهما. ولقد سطر أبو بكر الصديق كلمة رائدة حفظها الناس وتكلم عنها المفكرون حتى الغربيون منهم، وهي قوله للصحابة: [[اطلبوا الموت توهب لكم الحياة]] فإن من طلب الموت وهب الله له حياة سعيدة هنية، فيعيش منشرح الصدر، وقال ابن القيم في أسباب انشراح الصدر في زاد المعاد: ومنها الشجاعة وسعة صدر الشجاع، فإن الله يشرح صدره بشجاعته وإقدامه. وهذا أمر معلوم، فإن الهم والذلة وحقارة الحال والهلع والجزع تأتي مع الجبن، وإن السعادة والانشراح والضحك والبسمة تأتي مع الشجاعة والإقدام، وفرض الرأي، وقول كلمة الحق التي علمها رسول الله ﷺ أصحابه، قال عبادة في الصحيحين: ﴿با يعنا رسول الله ﷺ ونحن عصابة حوله أن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم﴾ وعند ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: [[أخذ عليَّ رسول الله ﷺ أن أقول الحق ولو كان مراً]] والحق مرٌّ قد يذهب بالنفوس ويطير بالرءوس، لكن لأن الحق في الأرض لا يقوم إلا على قطع الرءوس وإذابة النفوس؛ وجب أن يكون هناك شجاعة إيمانية يحملها رواد محمد عليه الصلاة السلام. ولما قام مسيلمة الكذاب في اليمامة، وادعى النبوة؛ زج أبو بكر الصديق بشباب من شباب محمد ﵊ في وجهه وقال: [[والذي نفسي بيده لأقاتلنه بقوم يحبون الموت كما يحب الحياة]] وقالها عمر لأهل فارس، وقالها كثير غيره فرضوان الله عليهم، وقال أبو بكر الصديق على المنبر: [[والذي نفسي بيده لأرسلن لهم خالداً يذهب وساوس الشياطين من رءوسهم]].

стр. 1451

الفرق بين الشجاع والجبان قال المتنبي: أرى كلنا يبغي الحياة بجهده حريصاً عليها مستهاماً بها صبا فحب الجبان النفس أورده البقا وحب الشجاع الحق أورده الحربا يقول: إن الجبان يحب الحياة وكذلك الشجاع، ولكن الفرق بينهما أن هذا يحيا سعيداً مكيناً مرفوع الرأس، وذاك يحيا خائفاً جباناً فاتراً متخلفاً، ويقول الله عن شجاعة أهل الإيمان وإقدامهم، وعن فرضهم لرأيهم الحق، وعن كفاحهم ومدافعتهم عن آرائهم وأقوالهم ومبادئهم: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢] أي: قل يا محمد أنت وأصحابك وجيلك للكفرة والعملاء والزنادقة والمارقين والمرتدين: إنكم تتربصون بنا إحدى الحسنيين؛ إما أن نعيش أعزة نحمل المبادئ ونحن أقوياء، أو أن نموت في سبيل الله شهداء وهذا مكسب عظيم، ويقول الله : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. فبين أن الأجل بيده، وأنه لا يتدخل أحد في تقديم ساعة أو تأخيرها ساعة، ولا يملك النفوس إلا الله. وتهدد الله اليهود الجبناء بالموت فقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجمعة:٨] فأخبر أنهم جبناء يحبون الحياة، وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] قال أهل العلم: إنما نكَّرها لِتعم فمعناها حياة، لكنها أي حياة، حياة البهائم، وحياة الوحوش والزواحف وحياة القردة والخنازير، أي حياة ولو كانت بلطم الوجوه، ولو كانت بكسف البال. قال الله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦] ثم قال للصحابة ولمن سار على منوالهم من أمثالكم ممن يتوضأ خمس مرات، ويحمل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] في قلبه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] يقول: إن تعبتم أو أرهنتم أو خفتم؛ فإن العدو الكافر المنافق يناله مثلما ينالكم. وهذا صحيح، فإنكم تعلمون أن كثيراً من المخطئين الضالين، من البعثيين والماركسيين والعلمانيين والحداثيين، والدجالين الماكرين وشربة الخمور والزناة يحبسون ويجلدون ويقتلون، ومع ذلك تجد الواحد يصامد ويجالد من أجل فاحشته ومنكره ومبدئه الخاطئ. ولكن يقول الله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] يقول: اصبروا قليلاً كما صبروا، مع العلم أنه ينالهم الأذى والقرح، وأنتم كذلك ينالكم الأذى والقرح، ولكن النتيجة مختلفة. وهذا كما قال النابغة الجعدي لما وفد على الرسول ﵊ واستهل قصيدته يمدح قبيلته: تذكرت والذكرى تهيج على الفتى ومن عادة المحزون أن يتذكرا فلما قرعنا النبع بالنبع لم تكن على البعد في عيدانه أن تكسرا سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا يقول: ما أتوا إلينا وهم نساء، أتوا ومعهم سيوف تقطع الرءوس ومعنا سيوف، فسقيناهم الموت وسقونا الموت بها، وصبرنا قليلاً فانتصرنا. وننكر يوم الروع ألوان خيلنا من الضرب حتى نحسب الجو أشقرا إلى أن يقول في نهاية قصيدته: بلغنا السما جوداً وجداً وسؤددا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قال ﵊ وهو يهتز متبسماً: إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة. قال: لا فض فوك، فعاش مائة سنة ما سقط له سن ولا ضرس والشاهد هنا أن المسلم يناله الضر لكن النتيجة مختلفة.

стр. 1452

المؤمن شجاع والكافر جبان قال عمر بن الخطاب: [[اللهم إني أعوذ بك من عجز الثقة وجلد المنافق]] فكون الفاجر شجاعاً والمؤمن جباناً؛ هذه مصيبة وداهية لا تتصور، ولذلك انظر إلى أبناء البعث الآن الذين رباهم الخونة والعملاء مثل: ميشيل عفلق وأحمد حسن البكر وصدام حسين " تجد الواحد ينطلق ويتفجر تحت الدبابة، ويقف أمام المدفع، ويطلق العيارات النارية وكأنه يزغرد في أبهة العيد، وتجد الماركسيين يدخلون أفغانستان وتنفجر بهم الدبابات وتشدخ رءوسهم على الجبال، وكأنهم يغنون ويطبلون ويرقصون، وتجد بعض الناس من المؤمنين ممن يصلي الصلوات الخمس إذا هبت الريح من الباب أغمي عليه ورش بالماء، فيقول عمر: [[اللهم إني أعوذ بك من عجز الثقة، وجلد المنافق]] وسوف تأتي أخبار لهؤلاء. قال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٤٥] فهل سمعتم أن أحداً مات بغير إذن الله؟ لا. لأن الله غالب على أمره، ولأن الأوامر من عنده؛ ولا يسبق أحد أجله، فإذا أذن الله فالموت، وإذا لم يأذن فلو اجتمع أهل الأرض على أن تموت فلن تموت أبداً. وقال : ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:١٥٧] يقول: اتقوا الله واعملوا صالحاً، وقولوا الحق، وقدموا الرأي الصائب، فإن قتلتم فإلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإن عشتم فإلى خير، أما الجبان فإنه يموت حقيراً ويعيش حقيراً. وقال تعالى عن أوليائه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] فهم يبلغون الرسالة ويظهرون مبدأهم ويقولون رأيهم، ويقولون لصاحب المنكر: خف الله واتق الله، ويمنعون المنكر في الأرض، ومع ذلك لا يخافون إلا من الله ، ثم مدح الله أوليائه فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. دخل طلحة وعليه ثياب خضر، وقد رد بيده عن المصطفى في أحد كل سيف ورمح وسهم، فدخل المسجد والنبي ﷺ يقرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣] ونظر إلى طلحة فقال: ﴿هذا ممن قضى نحبه﴾ هذا من الجيل الصادق الذين قدموا رءوسهم في المعركة. ومنهم عمير بن الحمام يأكل التمر يوم بدر، قال ﵊: ﴿يا أهل بدر إن الله اطلع عليكم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، يا أهل بدر، والله ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة، فألقى عمير التمرات من يده وقال: بخ بخ، إذا بقيت إلى أن آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة﴾ ثم أخذ غمد السيف وكسره على ركبتيه -وهذه ساعة الصفر عند العرب- ثم أخذ السيف وقاتل حتى قتل وهو ينشد: فليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما يقول: أحسن الحياة أن أتقدم قبل أن أقتل وأنا مهزوم، فهي خيبة في الدنيا وخيبة في الآخرة. يقول السموءل، وهو يهودي كان يسكن خيبر، وقد أقر له الناس بالشجاعة، وقد يوجد في اليهود شجعان، والجبن صفة عامة فيهم، لكن النادر لا حكم له، فقد يخرج منهم اليوم شجاع، وبالأمس شجاع مثل مرحب والسموءل، فهو يقول: يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول وإنا لقوم لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول وعامر وسلول جارتاه من القبائل، ترى الموت سبة أما نحن فنراه مدحاً.

стр. 1453

مواجهة المؤمنين الموت لأجل مبادئهم قُتل مصعب بن الزبير في العراق، فقال أخوه عبد الله في مكة: [[والله الذي لا إله إلا هو لا نموت نحن آل الزبير حبطاً ولا حبجاً كما يموت بنو مروان، إنا نموت تحت ضرب السيوف وقصع الرماح]] وقد صدق؛ فقد قتل الزبير وأبناؤه وعائلته كلهم في سبيل الله، بل عبد الله بن الزبير تطيب وتحنط ولبس أكفانه وأتى إلى أمه أسماء ذات النطاقين الطاهرة الصادقة، فقال: يا أماه! الحجاج قد أغلق علي الحرم ومعه اثنا عشر ألفاً وما عندي إلا خمسمائة، فماذا أفعل هل أسلم نفسي؟ قالت: لا. اتق الله لا تسلم نفسك، قاتل حتى تقتل. قال: والله ما أخاف القتل ولكن أخشى أن يمثل بي إذا قتلني -يعني يقطع أنفي ويبقر بطني - قالت: لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها - لله درها - فصمد وصمد حتى قتل، فصلبه الحجاج ومرت به وسلمت عليه وهو مصلوب، فقالت: السلام عليك أما آن لهذا المصلوب أن يترجل وللفارس أن ينزل. وفي مثله يقال: علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات لعظمك في النفوس تبيت ترعى بحراس وحفاظ ثقات

стр. 1454

العقيدة منهج حياة يقول ﵊ كما عند أحمد والترمذي بسند صحيح: ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ فلماذا لا نربي في نفوسنا عقيدة التوحيد؟ ولماذا لا نأخذ العقيدة التي ندرسها في الطحاوية ومعارج القبول وكتاب التوحيد ونجعلها عملاً وحياةً ورأياً ونصيحة؟ أما أن نحفظها ولا نطبقها فهذا لاينفعنا لا في الدنيا ولا في الآخرة. أيضاً: يقول ﵊ لـ ابن عباس: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشي لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ وهذا قضاء من الله. وعند أهل السير حديث ذكره ابن كثير في التفسير عنه ﵊ أن الله قال: ﴿وعزتي وجلالي ما اعتصم بي عبد ثم كادت له السماوات والأرض إلا جعلت له من كيدها فرجاً ومخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم بغيري عبد إلا أسخت الأرض من تحت قدميه﴾. وهذا بأن يجعل الله أمر العبد إليه وأن يكله إلى نفسه؛ لأنه لم يعتمد على الله، ولم يقل كلمة الحق، ولا شجع نفسه، ولا علم أن الخالق والرازق هوالله، وأن الناس لا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. العجوز التي دخلت على الحجاج وقد قتل ابنها في أول النهار، ثم أخذها بعد صلاة الظهر وأدخلها عليه وقال: "أتدرين يا فلانة أنا قتلنا ابنك؟ قالت: لو لم تقتله لمات". فقد قتلته وهذا أجله قضاءً وقدراً من الله. وأتت الخنساء النخعية في معركة القادسية ومعها أربعة أبناء كأن وجوههم القمر ليلة أربعة عشر، وقد لبسوا أكفانهم، فأخذت الأربعة وقبلتهم وقالت: "يا أبنائي، والله ما خنت أباكم ولا هجنت خالكم، والله إنكم من نسل رجل واحد، وأنتم والله من أحب الناس إلى قلبي، فإذا أتيتم المعركة فيمموا أبطالها، واقصدوا وطيسها، ثم لا تعودوا، فإني ما ادخرتكم إلا لهذا اليوم، فقتلوا جميعاً، فلما أخبروها ضحكت وقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم جميعاً في سبيل الله "، فلله درها ما أجمل تلك العبارات! ومرض الجبن في الجبناء يكثر بالوهم، وأكثر مرض الناس وَهْمٌ من أحاديثهم وما تفتعله خواطرهم، وما يترصدونه من الحوادث، وما يشعرون له من نقص إيمان، حتى يقول الله عند ذلكم الصنف من المنافقين: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] فإذا تحرك الباب خاف وأغمي عليه، وإذا سمع طقطقة الأحذية أو أن هناك قراراً يكتب قامت قائمته وثائرته وما نام الليل، وإذا سمع أن هناك تدبيراً تقلب على الفراش، والله يقول لأوليائه: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ، أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] فيقول: الإبرام عندنا وفتل الحبال عندنا، وهذه كما يقول أحدهم: تقضون والفلك المسير ضاحك وتقدرون فتضحك الأقدار فالحبال تفتل من فوق سبع سماوات، والتقدير من عنده سبحانه فلا ضرر ولا نفع ولا حياة ولا موت إلا من عنده .

стр. 1455

الخوف من الله هو الحق الجبناء يخافون من البشر أكثر مما يخافون رب البشر، وأنا أقولها كلمة صادقة لا أكذب فيها بإذن الله: والله العظيم لو أن كثيراً من الناس خافوا من الله كما يخافون من البشر لصلحت أمورهم في الدنيا والآخرة. ووالله إنا نعلم من أنفسنا ومن كثير من الناس أننا قد نغتاب أو ننم أو نعصي الله، ولكن عند الناس نراعي ألفاظنا ونراعي كتبنا ومحاضراتنا، كل هذا خشية من لفت النظر، أفلا خشينا من لفت نظر الباري ، الذي يعلم السر وأخفى، والذي كل الأمور بيده، والذي لا ينفع ولا يضر أحد إلا بإذنه! وكيف لو أن هذه التقوى والمراعاة والحرص والتأني كانت في جانب العبادة؟ وكيف لو أن هذا الهدوء والانضباط والتعقل والحكمة كانت في جانب الدين؟ كيف لو أن هذا الرشد والنضوج العقلي كان مع الله ؟ لصلحت الأمور، وارتاح الناس في دنياهم وأخراهم، وكفل الله لهم النصر ما داموا على قيد الحياة والأجر والمثوبة من عنده . قال علي بن أبي طالب -وهي كلمة متينة نفيسة عظيمة -: [[الأجل درع حصينة]] يعني: أجلك درع لك، فلن تموت إلا بأجل. خرج يوم صفين فخلع الدرع، قال ابنه: كيف تخلع الدرع يا أبتاه وهو يقيك، قال: أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر سبحان الله! يقول: لماذا أخاف من القدر؟ إن كان كتب الله عليَّ الموت فسوف أموت، ولا تغني الدروع ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] وإن كان الله كتب لي الحياة فلن يصلني موت، وهذه عقيدة علي بن أبي طالب الذي قدم رأسه في كل معركة، ثم قتل في المسجد ﵁. خالد بن الوليد يطلب الموت والشهادة في كل مكان، وكلما حضر معركة سأل الله الشهادة، وقد خاض في الجاهلية والإسلام مائة معركة، كان قائدها ومؤججها وأستاذها. تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها وللعلم فإنه مات على الفراش، لأن الله كتب له أنه يموت على الفراش، وقال: [[لقد طلبت الشهادة في أكثر من مائة معركة، وما في جسمي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء]] رضي الله عن خالد، أخرجوه في الجنازة من حمص، فقامت أخته فاطمة من داخل البيت وجنازته يمر بها الأبطال على رءوسهم، فتقول: أنت خير من ألف ألف من القوم إذا ما كبت وجوه الرجال ومهين النفس العزيزة للذكر إذا ما التفت صدور العوالي

стр. 1456

أعظم الشجاعة الخوف من الله وأعظم الشجاعة خوف الله، والخائفون من الله هم أشجع الناس، وهم الذين يؤدون أوامر الله ويجتنبون نواهيه، كما قال الأول: ليس الشجاع الذي يحمي فريسته عند القتال ونار الحرب تشتعل لكن من رد طرفاً أو ثنى وطراً عن الحرام فذاك الفارس البطل فأشجع الناس من راعى مابينه وبين الله، ورد نفسه عن الحرام، وكسرها وقت الغضب ووقت الشهوة ووقف عند الحدود، هذا هو الشجاع المحفوظ بحفظ الله عزوجل الذي ينتصر، ولذلك قال بعضهم: لا ينتصر العبد في المعركة حتى ينتصر في نفسه على الشهوات والمعاصي والمخالفات.

стр. 1457

الجبناء عند العرب أما الآن فأتوقف بكم قليلاً مع الجبناء وأخبارهم؛ لأن المحاضرة بعنوان: كيف تكون جباناً؟ فما هي الطرق السليمة الموصلة لأن تكون جباناً؟! ضربت العرب أمثله لجبناء، فقالوا عن الجبان: نعامة فتخاء وقالوا عنه: دجاجة. وقالوا: الحدأة القتول وقالوا: الظليم. وكلها من أمثلة الجبن وكانت العرب لا تولي سيداً جباناً، بل تشترط فيه شرطين: الأول: أن يكون شجاعاً. والثاني: أن يكون كريماً. ولكن قد يكون الجبن جبلة، والإسلام يرد الجبناء فيعلمهم أن يحملوا شجاعة الرأي والفكر والعلم والقتال، ليصبح الناس مثل أصحاب محمد ﷺ . ومثال شجاعة الرأي شجاعة العلم، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُون إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠].

стр. 1458

من أجبن العرب من أجبن العرب، أبو حية النميري، كان جباناً يضرب به المثل، أخذ سيفاً من خشب، فكانت قبيلته إذا قاتلت أخذ السيف من الخشب وجلس في آخرهم، فإن انتصروا ضارب معهم وإن هزموا فر، وكان يسمي سيفه (ملاعب الأسنة) وكان يعرض سيفه من الخشب أمامه ويقول: يا سيف، كم من نفس أهدرتها ومن دم أسلته!! قال عنه ابن قتيبة في عيون الأخبار وصاحب العقد الفريد: دخل كلب في ظلام الليل بيته، فخرج هو وزوجته وتناول السيف -سيف ملاعب الأسنة- وخرج خارج المنزل وأخذ يقول: الله أكبر وعد الله حق. فاجتمع أهل الحي -وأظنه عاش في الإسلام في القرن الأول، وقالوا: مالك؟ قال: عدو محارب انتهك عرضي ودخل عليَّ في البيت وهو الآن في البيت. ثم قال: يا أيها الرجل اخرج إن كنت تريد مبارزة فأنا أبو المبارزة، وإن كنت تريد قتلاً فأنا أم القتل كل القتل، وإن كنت تريد المسالمة فأنا عندك في مسالمة. فبقي يتراود ويضرب الباب بالسيف وينادي، فلما أحس الكلب بجلبة الناس خرج من بينهم، فألقى السيف من الخوف وقال: الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفانا حرباً. ومنهم أيضاً: قائد مشهور أخذ القيادة بغير كفاية وجدارة وقدرة، يسمونه: ابن عبد ربه، ويسميه المؤرخون: ضرطة الجمل، أخذ أبناء المسلمين وذهب بهم إلى فارس، وكان يمضي في الليل وينام في النهار شهراً، حتى استعد أهل فارس وتترسوا وقووا كتائبهم، ثم بدأ الهجوم فكان هو أول من انهزم، ودخل المدينة على بغلته وترك أبناء المسلمين يقاتلون أهل فارس، يقول الشاعر في قصيدة طويلة: تركت أبناءنا تدمى كلومهم وجئت منهزماً يا ضرطة الجمل يقول: فررت أول المعركة وتركت أبناءنا يذبحون. يقول فيه قتيبة بن مسلم: والله لا أوليه ولو على شاة، أي: لا يقود شاه، فقد جربوه مرة واحدة، والطعن في الميت حرام.

стр. 1459

أبو دُلامَهَ من الجبناء قال أبو جعفر المنصور: أين أبو دلامة؟ وهو رجل مزاح فكاهي، ليس من سادات المعارك فللميادين أبطال، وللأقلام أبطال، وللمنابر أبطال، فـ أبو دلامة مضحك للخليفة فقط، ويوم بدت الدشرة في مسيرة الأمة كان الخلفاء رقاصين ومروجين ومهرجين ومطبلين ومزمرين، وتأخر العلماء والدعاة، وأهل الفكر ورواد النهضة الإسلامية؛ لأنهم يفسحون المجال للمهرجين والسمار واللاعبين، فـ أبو دلامة لما أتت المعركة قال الخليفة: أين أبو دلامة؟ قال: حاضر. قال: اخرج بارز ذاك الفارس. قال: تعلم أني لست للمبارزة. قال: عزمت عليك أن تبارزه. فخرج فلما قرب من الفارس وضع سيفه وقال للفارس: والله إنك تعلم أني أكره الموت على فراشي فكيف تقتلني هنا؟ فضحك أبو جعفر وضحك الناس، وعاد أبو دلامة.

стр. 1460

أمور تعينك على أن تكون جباناً أولها: انطماس التوحيد، فإذا انطمس التوحيد الذي في القرآن والسنة، وخاف القلب وأصبح البشر أعظم من الله؛ أصبح الإنسان جباناً، يراعي الإنسان من أجل مصالحه ومن أجل منصبه ووظيفته ومكانته، وتجد أنه يدبج لك الجبن ويلفلفه في لفائف ويقول: مصلحة الدعوة! الحكمة والأناة! ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩]. الثاني: عدم اعتقادك أن الخالق والرازق هو الله، ونعرف أن كثيراً منا يعتقد أن الرازق والخالق غير الله، وقد لا يقولها ولكن هذا هو اعتقاده وتصوره بحسب الممارسات العملية في حياته في يومه وليلته، يترجم عن هذا الأمر. الثالث: نسيان تقدير الآجال وأنها بيد الواحد الأحد، فأنت تعيش ستين سنة لا تزيد ولا تنقص، أو تعيش أربعين لا تزيد ولا تنقص. أفنقول: إن الذين قتلوا أنس بن النضر عجلوا عليه موته؟ أو الذين قتلوا عبد الله بن رواحة أو زيد بن ثابت أو جعفر الطيار أنهم قصموا أعماراهم؟ لا والله، ما تقدموا دقيقة ولا تأخروا دقيقة، وما تركوا من أرزاقهم لقمة واحدة. الرابع: اعتقاد نفع الناس وضرهم بغير مشيئة الله، فإن بعض الناس قد يقول: أخشى أن يضرني فلان لا. فعليك أن تتوكل على الله، وعليك بتقوى الله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً﴾ [آل عمران:١١١] قال أهل العلم: أذى في أعراضكم، فأما تلطيخ العرض فيلطخون عرضك ويسبونك، أما الضرر فلا يضرونك إلا بإذن الله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢].

стр. 1461

أخبار الشجعان والآن إلى قائمة الشجاعة في الجاهلية والإسلام والعصر الحاضر.

стр. 1462

عنترة بن شداد كان عنترة بن شداد مولى أسود لسيده شداد العبسي، وكان عبسياً، وقد بلغ من الشجاعة مبلغاً عظيماً، وقد قيل له: كيف تغلب الأبطال؟ قال: أبدأ بالجبان فأضربه وأقسمه قسمين، فإذا رأى الشجاع الجبان مقسوماً فر مني. وقيل له: كيف تنتصر على الناس؟ قال: بالصبر.

стр. 1463

عمرو بن معد يكرب الزبيدي ومنهم: عمرو بن معدي كرب الزبيدي: وهذا حطم الرقم القياسي في كثرة الأكل، كان يأكل خروفاً وفرقاً من الذرة في مقعد واحد بحفظ الله ورعايته، دخل على عمر ﵁، فقال: أطعمني يا أمير المؤمنين. فأطعمه خبزاًَ، قال: زدني. فأطعمه ثريداً، قال: زدني، فأطعمه زبيباً، قال: زدني. قال: انتهى ما عندي - ميزانية عمر قليلة - قال: زدني. قال: من الحرة أي: من حجارة الحرة وقال له عمر: أين صمصامتك التي تقاتل بها الناس؟ قال: هذه. فوجد عمر أن السيف ليست قوية، فقال: ما أرى قوة. قال: إنك رأيتها وما رأيت الساعد الذي يضرب بها، فقال عمر: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمراً واعتدي على قبيلته مذحج في ظلام الليل -اعتدت عليها قبيلة كندة أو قبيلة أخرى- فسلبت نساءهم وأخذت أموالهم، فخرجوا في الصباح يقاتلون فانهزمت القبيلة، ولم يكن عمرو معهم؛ فلما حضر أخذ فرسه وأخذ السيف ونازل قبيلة كندة كلها، فأخذ يقاتلهم ويقاتلونه حتى يقول في قصيدته: أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع فأخذ يكيل لهم الضربات إلى صلاة العصر فهزمهم جميعاً، فسمته العرب (أقدم العرب) حتى يقول أبو تمام للمعتصم: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس وقد أسلم ثم ارتد ﵁، ثم أسلم وعاد إلى الإسلام، فقاتل في القادسية وانتصر نصراً مؤزراً مع المسلمين، ويضرب به المثل في الشجاعة.

стр. 1464

محمد بن حميد الطوسي ومنهم: محمد بن حميد الطوسي، لله دره! عمره تقريباً اثنان أو ثلاث وثلاثون سنة، أعطاه المعتصم قيادة الجيوش الموحدة الإسلامية، وكان له إمام حنفي يقوده وقاض، والعلماء معه يقاتلون الروم، فلما حضرت المعركة خرج محمد بن حميد فلبس الأكفان عليه، فلما لبس الأكفان أخذ يقاتل من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، ومن الظهر حتى صلاة المغرب، ثم قتل قبل الغروب، فلما قتل بدأت النوائح، وهذا أمر مخالف للإسلام، ولكن كانت النائحات في بغداد يبكين عليه؛ لأنه كان رجلاً يفدى بالعيون والقلوب، فقام أبو تمام فألقى قصيدة يعزي فيها المعتصم، وقد انتصر جيش محمد بن حميد والحمد لله، حتى يقول الذهبي: "الحمد لله" ويقول ابن كثير: "ولله المنة، أن الله نصر الموحدين بمثل هذا البطل بعد نصر الله ". يقول أبو تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل عن السفر السفر فتى كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر تردى ثياب الموت حمراً فما دجى لها الليل إلا وهي من سندس خضر يقول: لبس أكفانه تقطر بالدم، وفي الليل ألبسه الله سندساً أخضر في الجنة، ثم يقول: ثوى طاهر الأدران لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر فسمع المعتصم القصيدة ودموعه تهراق، فقال: يا ليتني أنا المقتول وقيلت فيّ.

стр. 1465

أبو دجانة والبراء ومنهم: أبو دجانة، وهو من أصحاب النبي ﷺ ، مد النبي ﷺ في أحد المعارك السيف فقال: ﴿من يأخذ السيف؟ فمد الصحابة أياديهم، قال: بحقه. فخفضوا وبقيت يد أبي دجانة، قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، وما حقه؟ قال: أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني﴾ [رواه مسلم]. فأخذ السيف ففلق به هامات المشركين ولما أخذ السيف أخرج عصابة حمراء، ومعناها في مفهومنا خطر ممنوع الاقتراب، يقول الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، فلما رآها الناس ذهلوا، حتى يقول في قصيدته: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيولي أضرب بسيف الله والرسول ففعل فعلاً يشكر عليه، فلق هام المشركين وقتَّلهم قتلاً، حتى أتى بالسيف مع صلاة العصر وقد انحنى، وهذه هي الشجاعة الإيمانية. ومنهم: البراء بن مالك. قال ﷺ : ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك﴾ فكان إذا حضر المعركة يقول له المهاجرون والأنصار: يا براء أقسم على الله أن ينصرنا. حضروا معركة تستر وهو معهم، فقال أبو موسى: [[يا براء نسألك بالله أن تقسم على الله أن ينصرنا. فقال: اللهم إني أقسم عليك هذا اليوم أن تنصرنا وتجعلني أول قتيل]] فانتصروا وكان أول القتلى ﵁ وأرضاه. ومنهم حبيب بن زيد الأنصاري. قطع مسيلمة الكذاب جسمه قطعة قطعة فصمد حتى آخر قطرة من دمه. ومنهم: خبيب بن عدي: وقف على المشنقة وجسمه يقطع وهو ينشد ويقول: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع إن هذه الكلمات لا بد أن تخرج جيلاً يحمل لا إله إلا الله ويقتحم معاقل اليهود، ويدمر أهل الصليب، ويوجد في الأرض قوة إسلامية يقودها أصحاب وأحباب وأتباع محمد ﷺ .

стр. 1466

السورماري وشبيب بن يزيد ومن الشجعان: أحمد السورماري المحدث، شيخ البخاري. قتل في المبارزة ألف مشرك، وقال أحد الناس للبخاري: سمعنا أنك تقول إن أشجع الناس في الإسلام السُرماري وقد بالغت. قال: ما قلت إن أشجع الناس في الإسلام السُرماري. قالوا: ماذا قلت؟ قال: قلت: أشجع الناس في الجاهلية والإسلام السُرماري. قطعة من حديد وزنها عدة أرطال، وكان لا يبارز بالسيف وإنما يبارز بهذه القطعة، فإذا أتى الفارس ضربه على رأسه، فإذا نخاعه ثراً ودماؤه في الأرض، قتل ألفاً مبارزة من غير من قتل وافترس في المعركة. ومنهم: شبيب بن زيد الخارجي. وهو من أشجع الناس وهو قائد الخوارج، كان عنده ستون من الخوارج فهزم الحجاج ومعه ثلاثة آلاف، ثم تتبع الحجاج في كل غزوة، وكان من شجاعته أنه كان ينام على البغلة، ترجم له ابن كثير فقال: كان ينعس على البغلة من قوة قلبه. وهو في المعركة، ومن ينام في المعركة؟! وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم ونحن في أبها ما نمنا وصواريخ الأسكود تضرب في حفر الباطن، وحفر الباطن في الصحراء، ونحن أغلقنا النوافذ والأبواب وأغلقنا السطوح، وتصورنا صدام في الماء، والأطفال خافوا من صدام، والحيوانات والعجماوات والطيور والزواحف، فإذا سمعنا طلقة الصاروخ أخذ الواحد منا ترعده الحمى. وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام أهؤلاء أتباع محمد ﷺ ؟! أهذا جيل يستطيع أن يقتحم على اليهود؟! سبحان الله أين الشجاعة؟! كيف لو أن المعركة في طرفنا؟ وكيف لو أنك في الصف الأول؟ ومع ذلك كدسوا الأرز والشاي وعلب الليمون وكل شيء في البيوت وأغلقوا عليه وكأنهم لا يموتون: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦] سبحان الله! أين المحاضرات الرنانة والدروس؟ لقد ضاعت وقت الصفر. وشبيب أمره عجيب أتدرون ماذا فعل؟ قاتل الحجاج وكاد أن ينتصر عليه، لكن فرسه رأى بغلة فاقتحم نهر دجلة من على الجسر فوقع في النهر مع هذا الفارس، وكان مربوطاً في الفرس، فأراد أن يسبح فما استطاع، ففرق به الفرس وارتفع فأخذ يقول: "لله الأمر من قبل ومن بعد" ثم مات، يقول أحد الجبناء: "يا ليتني أظفر بمشركٍ مقتول فأقطعه قطعة قطعة". وامرأته لديها شجاعة مثله، اسمها غزالة، حضرت المعركة وقاتلت الحجاج بعده، ودخلت بيت الإمارة فهرب الحجاج من الباب الثاني، فدخلت المنبر وأخذت السيف وخطبت في الناس، قال أحد المسلمين ممن سجنهم الحجاج: يا مجرم يا حجاج! سجنتنا وعذبتنا وفررت من غزالة! أسد عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر

стр. 1467

الشجاعة في إبداء الرأي وقول الحق نحن أمة لا نعيش الحوار، فالحوار معدوم عندنا للأسف، والواجب علينا أن ننمي نفس الحوار، فعندنا موت في الحوار، فقد أدرس في الفصل والطلاب لا يعيشون الحوار، قد تأتي إلى الجامعة والمدرسة والنادي والمسجد والمحاضرة وكلهم يخافون منك لأنك تتحدث، لكن إذا طلبت منهم أن يكتبوا ملاحظات أتتك عشرات الملاحظات، أما أمامك فكل شيء على ما يرام، ويقول لك: أحسنت وقدس الله روحك يا شيخ ونور ضريحك. هذا هو منطق الاستسلام، لكن الحوار أن تكون محاوراً بالتي هي أحسن، وتبدي رأيك بشجاعة، ما الذي يمنعك أن تقول رأيك وأن تكتب؟! أو أن تعترض على الأستاذ؟ أو أن تكتب إلى المسئول؟ أو أن تناصح؟ أما أن تسكت وتموت أفكارك في قلبك فهذا ليس من الإسلام في شيء. وقد قال ﷺ : ﴿أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر﴾ وقال ﵊: ﴿سيد الشهداء عند الله حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره أو نهاه فقتله﴾ فهؤلاء هم سادة الشهداء.

стр. 1468

لماذا الخوف من النقد ؟ والأمر الذي أريد أن أنبه عليه ألا تخافوا من النقد -أيها الإخوة- كونوا عصيين على النقد، ولا يرهب أحدكم أن ينقد، فإن كان النقد صحيحاً موجهاً فعليه أن يقبله وأن يدرسه ويتأمله، وإن كان النقد لا يصلح فعليه أن يرميه. ودائماً يتلقى أحدنا عشرات الأوراق، يعرف أن بعضها من منافقين أو مغرضين أو حسدة، فجزاؤها أن يأخذها إلى سلة المهملات فيقطعها إرباً إرباً ويرميها ويقول: ترد عليكم هذه السلة. وأما البعض فيعرف أنها من أخ أو من ناصح أو من محب؛ فيقرؤها ويتأملها ويصحح من مساره ويستفيد منها. فلماذا نخاف من النقد؟ ولماذا نعتبر أن الإنسان إذا نقد أن هذا النقد هو من العداء وأن الناقد عدو لنا؟ هذا ليس بصحيح، فلابد من النصيحة قال علي ﵁: [[المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة]]. أيضاً: أطالب إخواني ونفسي أن نظهر الرأي في قالب الأدب، فعلينا أن نتكلم بأدب في رأينا وحوارنا ومناقشتنا، وأنا لا أعرف أن الدعاة يجرحون، ولو أنها وصلتني رسائل من بعض الناس يقول: إن الرسول ﷺ كان يقول على رءوس الناس: ﴿ما بال أقوام يفعلون كذا﴾ فالواجب على الدعاة ألا يجرحوا المؤسسات ولا الهيئات والأشخاص، وأنا قلت: ما جرح الدعاة أحداً، ولا جرحوا مؤسسة، إنهم يتكلمون من واقع، ولأنه ما دام قد نشر الفساد فلا بد أن ينشر الحق، ولا بد أن ينبه على الباطل، أما أن تعلن كلمتك بين ألف وتطلب مني أن أعلن كلمتي في سر وأنت تتكلم بجهر، فلا يصح هذا. الأمر الثاني: من قال إن الدعاة بهذا المستوى؟! الحقيقة أن صورة الدعاة ملطخة، ليست بصورة صحيحة كما هي عليهم يقولون عنهم: متطرفون ومتزمتون، ويرون الخروج على الحاكم ويرون نقض البيعة. وأنا والله لا أعلم داعية يعتقد هذا، فمثل هذا الكلام لا يصح ولا يحمل، لكن يا أيها الإخوة لا بد أن نعيش الحوار، فلماذا إذا نقدنا مؤسسة غضب أهلها، أهم يريدون مدحاً فقط؟! فلا رأي ولا دراسة ولا ملاحظة ولا نصيحة، وهذا لا يصح، يعتبر الغرب بما فيهم الأمريكان وحتى الاتحاد السوفيتي أن أعظم دولة ديمقراطية تعيش الحوار هي إسرائيل، هكذا اعتبارهم في الإعلام، والله أعلم بهذا، لكنها عندهم أعظم دولة في الشرق تعيش بالحوار وإبداء الرأي والأخذ والرد والمساءلة، ويمكن أن يكون هذا، مع العلم أني أبرأ إلى الله من اليهود، وأسأل الله أن يمكننا منهم وأن يجعلنا شهداء في الحرب معهم.

стр. 1469

شجاعة الأنبياء وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شجعاناً، فإن إبراهيم ﵇ لم يحمل التوحيد متكاسلاً متوانياً في بيته، بل قام على الأصنام بالفأس فكسر رءوسها: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣] قال أهل العلم: لإبراهيم ﵇ روغتان: روغة شجاعة وروغة كرم، راغ إلى الأصنام فكسرها، وراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين. فالذي يريد أن يروغ يروغ كإبراهيم ﵇ لكن في حدود الأدب، فلا تأخذوا من قصة إبراهيم أن للداعية تغيير المنكر باليد أو بالكسر، فإني أخشى أن تكون العواقب أعظم والفساد أكبر والمنكر أشنع، لكن عليه أن يسلك الطريق الأمثل في إنكار المنكر؛ كأن يقول كلمة الحق أو يهدي نصيحته في قالب من الأدب، وقبل أن نكون مؤدبين ومعزرين للناس، يجب أن نكون محببين إليهم، ثم يرفع إلى أهل الحل والعقد وإلى القضاة والمسئولين بأمر هذا المنكر حتى يتلافى. أيضاً موسى ﵇ بارز في الميدان بقوة الحجة ومعه العصا، يقول لفرعون اللعين والله يأمره: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قال كلمة اللين، قال له: يا أبا مرة، لكن لما أتت المصارحة يقول له فرعون: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:١٠١] قال له موسى: يا مجرم. ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢]. فالقول بقوة وإبداء الرأي بشجاعة مطلوب من المسلم. أيضاً محمد ﷺ ما علمت أشجع منه على مر التاريخ. ينام في بيت واحد ويطوق بخمسين مقاتل ويخرج عليهم ويحثو عليهم بالتراب: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]. ينام في الغار ويقول: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ ويحضر الحروب بنفسه ﷺ ، ويدمر الأعداء ويعيش ﷺ شجاعة، ويبتسم في المعركة وهو أنيس القلب مع الله .

стр. 1470

شجاعة الصحابة والصالحين في حرب الردة وقف أبو بكر الصديق على المنبر يعلن الحرب على الردة، فيعترض بعض الصحابة عليه فيقول: [[والذي نفسي بيده لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها]] ثم جند الجنود، وقال في رواية أخرى: [[والذي نفسي بيده لو أتت الكلاب فأخذتني بأعقابي -لأنهم يقولون اترك الصحابة يحرسون المدينة - ما خلفت جيشاً عن الغزوة في سبيل الله]] فهذا هو الرأي؛ أن تقدم رأيك وتثبت عليه بشجاعة وبتفان أيضاً. وهذا ابن تيمية في مصاولة الباطل؛ فإنه بلغ مبلغاً عظيماً، كان يخطب وحوله السيوف تلمع والسياط والجنود، وكان يتكلم بشجاعة، فيقول له السلطان: كأنك تريد ملكاً يا ابن تيمية قال: "ما ملكك ولا ملك آبائك عندي يساوي فلساً، إني أريد جنة عرضها السماوات والأرض". وكان يتكلم أمام الناس بقوة ويعلن الحق ويبينه لأن الله أخذ الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] جعلوه قراطيس أي: جعلوا هذا القرآن قراطيس في الجيوب يخرج وقت الحاجة ويتلف وقت الحاجة، فلابد أن تعرض فكرتك بأدب ووضوح وأن تطالب بحقك ونصرة الإسلام، ولا بد أن تطالب بالحق أن يكون حقاً والباطل باطلاً، مثل مطالبة أهل الباطل بالباطل. أيضاً: الثوري؛ فإنه كان ينصح ويقف للظلمة في وجوههم، وينكر عليهم وقد قال لـ أبي جعفر -وهو ظالم-: اتق الله يا أبا جعفر! ودخل طاوس على أبي جعفر، فقال له: ناولني الدواة يا طاوس قال: لا والله إن كنت تكتب باطلاً فلا أعينك على الباطل، وإن كنت تكتب حقاً فلست بخادم لك. وأتى الخليفة المهدي فدخل مسجد الرسول ﵊، فقام له الناس، إلا ابن أبي ذئب المحدث، فقال: لماذا لم تقم يا ابن أبي ذئب؟ قال: أردت أن أقوم لك، فتذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فتركت القيام لذلك اليوم، فقال له: اجلس، فوالله ما تركت شعرة في رأسي إلا قامت. ومنهم أيضاً: الأوزاعي؛ فإنه أنكر على عبد الله بن علي عم أبي جعفر، فيما قتل في دمشق وما فعله بالمسلمين والسيوف تقطر حوله دماً، حتى يقول بعض الوزراء: كنت أجمع ثيابي خوفاً من دم الأوزاعي، وكان الأوزاعي ينصحه ويزجره ويحذره مما فعل بصوت يجلجل كصوت الأسد. ومنهم: سيد قطب ﵀. فإنه بلغ أمام حكومة ضباط التحرير أو التدمير مبلغاً عظيماً، وأعلن التمرد عليهم، وأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، وأرسل قذيفة معالم في الطريق ذاك الكتاب الذي وزع تصويراً في موسكو بعد سنة من كتابته، حتى حذرت موسكو حكومة الضباط بأن ينتبهوا لهذا المجرم -أي: سيد قطب - فأخذوه وسجنوه عشر سنوات لا يرى النور، يقول: والله إن الشمس كانت تدخل علينا من ثقب من السجن، وكنا نتداول في السجن على الشمس بالدور ما رأى الشمس عشر سنوات. ومع ذلك يقوم الليل ويكتب في ظلال القرآن، ويرسله من السجن كتاب كأنه يكتبه بدمه. جاءه الوزراء والضباط وجاءته الحاشية وقالوا له: اكتب لنا ورقة تنازل واعتذار. قال: إن أصبعي التي أعلنت الوحدانية لله في كل يوم خمس مرات، ترفض أن تكتب كلمة استجداء، إن كنت حبست بباطل فأنا أكبر من أن أستجدي الباطل، وإن كنت حبست بحق فأنا أصغر من أن أعترض على الحق. قالوا: إنه سيقتلك. قال: لا إله إلا الله، أنا أبحث منذ أربعين سنة عن هذا. يقول: أنا أبحث عن القتل. فماذا فعل به؟ لقد شنقه أعداء الله. وقد حرر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى رسالة لـ جمال عبد الناصر قال فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى الرئيس جمال عبد الناصر: السلام على من اتبع الهدى، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] ثم أتى الشيخ بالآيات والأحاديث، وقد تلوتها في ترجمة الشيخ، وهي محفوظة في ملف الشيخ وفي ذكرياته التي كتبها طلابه عنه، وهي من أعظم البرقيات. ولما أتوا بـ سيد إلى المشنقة تبسم، حتى يقول أحد الشعراء في سيد: يا شهيداً رفع الله به جبهة الحق على طول المدى سوف تبقى في الحنايا علماً قائداً للجيل رمزاً للفدا ما بكينا أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى ﵀ وجمعنا به. ومنهم الأستاذ العلامة: أبو الأعلى المودودي ﵀ وأثابه- سجن تسع سنوات، سجنه خان وما قبل الشفاعات فيه إلا بشرط أن يكتب ورقة اعتذار، قال: ولو كتب لي قدر كفه ورقة اعتذار لقبلت منه، فقال: أنا أكبر من أن أكتب له ورقة اعتذار، فقالوا له: إذا كتبتها تخرج من السجن. فقال: لا أخرج. يقول فيه العطار: نفسي فدتك أبا الأعلى وهل بقيت نفسي لأفديك من أهل ومن صحب أما استحى السجن من شيخ ومفرقه نور لغير طلاب الحق لم يشب ثم مات ﵀، ودوى العالم الإسلامي بموته، مع أنه يموت في اليوم عشرات العلماء والمفكرين، والأدباء، لكن الذين يحملون الحق بجدارة قليل، والذين يقدمون التضحيات قليل، والذين يصطفيهم الله عزوجل مثل ابن تيمية وأحمد والعز بن عبد السلام وسيد وأبو الأعلى المودودي هم أيضاً قليل.

стр. 1471

شجاعة العصاة والعصاة فيهم أناس شجعان إلى أبعد ما تتصورون، فأنت قد تتصور أنهم ليسوا بشجعان، لكن عندهم شجاعة متناهية، قال الإمام أحمد وهو في السجن: "ما ربط على قلبي إلا قول رجل كان معي من المحبوسين، حبس على الخمر قال: يا أحمد بن حنبل! اصبر على الحبس واصبر على السوط، فإنك من أجل أمة محمد ﷺ ، والله يا أحمد لقد جلدت في الخمر ألفاً وستمائة سوط وما تراجعت. قال الإمام أحمد: فربط على قلبي. فهذا يشرب الخمر ويجلد، ويشرب الخمر ويجلد، ومن الناس من يجلد الواحد منهم مرات، على محجر أو على ساقية، ويقول: الحمد لله والشكر له، لا ارتشيت ولا أرشيت، وإنما عن حقي وأملاكي، والله لو سال دمي قطرة قطرة ما أتنازل عن شبر من أرضي. فتعيش الشجاعة، وهذه شجاعة أهل الدنيا.

стр. 1472

شجاعة مرحب اليهودي ومنهم: مرحب اليهودي فإنه كان شجاعاً بلا شك، بارز الصحابة وقتل سبعة، حتى خرج له علي ﵁، وقطع رأسه وكأنه ما خلق له رأس، وكان يقول مرحب: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظره أكيلكم بالسيف كيل السندرة

стр. 1473

بابك وأبو مسلم الخراساني ومنهم: بابك الخرمي. فقد قتل من العرب والعجم ومن الكفار والمؤمنين، ألف ألف رجل، وهو أعظم مجرم في التاريخ، حتى إن المعتصم يقول: إنه سهر ليالٍ طويلة ما أتاه النوم، وخاف أن يدخل عليه في بغداد، هذا الهامة الطامة، وقف في الشمال يرسل الكتائب ويقاتل. فقال المعتصم: من يأتيني به وله ألف ألف درهم، وأكتب اسمه مع اسمي ويدعى له على المنابر. من هذا البطل الذي يأتي به؟! فأرسل الإفشين بن قطلوبغا، وأصله تركي لكنه قائد مسلم مشهور، فأرسله فبقي يقاتله سنة، صيفاً وشتاءًَ وليلاً ونهاراً، فظفر به ثم قطع رأسه، فصلب المعتصم رأسه في سامراء حتى يقول البحتري: فجعلته علماً بـ سامراء. ومدحه الخليفة ودعا له عدة جمع ثم أصدر المعتصم مرسوماً بألا يدعى له، فقد أخذ حاجته منه والحمد لله. ومنهم: أبو مسلم الخراساني وكان من الشجعان الكبار، وكان يقدم نفسه، وهو عاص خطير، حتى استفتي الإمام أحمد: هل نصلي في مسجده؟ قال: لا. مسجد عاص. أخذ أموال المساكين وبنى بها مسجداً كبيراً في خراسان، وكان يخطب يوم الجمعة وعليه عمامة سوداء، فقام أحد الناس -وليته ما قام- فقد أجرى دماء المسلمين، وقتل منهم القتلى، وأخذ أموالهم وأراضيهم، وهذا قام يلاحظ عليه ملاحظة، فقال له أبو مسلم: ماذا؟ -وكان فصيحاً- قال له الرجل: أتلبس السواد وقد نهى النبي ﷺ عن لبس السواد؟ قال: كذبت، حدثني فلان عن فلان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، والحديث في مسلم: ﴿أن النبي ﷺ دخل في عمرة القضاء وعلى رأسه عمامة سوداء﴾ يا غلام اضرب عنقه. فقام الغلام فضرب عنقه. هذا هو أبو مسلم الخراساني، أمره إلى الله، لكن عنده شجاعة متناهية، ما كان ينام الليل كان يتقلب فتقول له أمه: مالك؟ فيقول: همة تنطح الجبال. حتى يقول فيه أحدهم: همة تنطح الثريا وعزم نبوي يزعزع الأجبال ولذلك نقل دولة بني أمية إلى بني العباس، كأنه نقلها من جيبه الأيمن إلا جيبه الأيسر، وفي الأخير، ذبحه أبو جعفر المنصور. ومن شجاعة أهل الدنيا أن بعضهم يقاتل على أكياس الشعير التي تباع في الشاحنات إلى آخر النهار، ويحبس أسبوعين، ويقاتل على الغنم وعلى بيعه وعلى الفحم، ويقاتل بعضهم على الحبحب وعلى كل شيء، أما على الدين فلا. والمؤمنون هم أشجع الناس، ولماذا كان المؤمنون أشجع الناس؟ لأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم من الله ، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] ولأن ما عند الله خير من الدنيا، قال : ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ولأنهم يحملون مبدأ، أما المنافق فليس عنده مبدأ، فالمنافق يجلس مع المتدين فيصبح متديناً، ويجلس مع شارب الخمر فيصبح شارب خمر، ويجلس مع المغني فيصبح مغنياً، يقول الله في المنافقين: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٢] أنا أعرف بعض الناس إذا جلس معك أصبح ولياً، يسألك عن أحاديث رياض الصالحين، ويسألك عن ركعتين بعد صلاة الظهر، وعن صلاة الضحى متى تكون؟ والشارب هل يقص أم يحلق؟ وكيف يقصر الثوب؟ ويسأل مسائل دقيقة، ولكنه يظلم في أراضي المسلمين وفي أجسامهم وأعراضهم، ويظلم ظلماً عظيماً، وهذا لا ينفعه سؤاله ولا ورعه. ولن المؤمنين يثقون من حفظ الله ورعايته، فإن الله يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣] ويقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] ولأن العاقبة لهم ولا محالة، فإن الله جعل العاقبة والخاتمة والسمعة الحسنة ودرء الحوادث والأعراض لأوليائه، وجعل لهم النتيجة الطيبة في الدنيا والآخرة. هذا ما للمؤمنين عند الله إذا احتسبوا أنفسهم وكلامهم في ذات الله، وقام أحدهم يحمل مبدأه، وعلم أنه سوف يلقى الله ملوماً إن لم يدع إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصبر على ما أصابه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. إخوة الإيمان: هذا هو درس كيف تكون جباناً؟ ولكني أسأل الله أن نكون كلنا من الشجعان الذين يحملون أرواحهم على أكفهم، والذين لا يخشون إلا الله، ويقولون كلمة الحق، ويتقربون بدمائهم وأموالهم وأعراضهم في خدمة دينه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1474

كيف تكون محدثاً ؟ ابتدأ الشيخ بذكر فضل وشرف علم الحديث. وذكر أن الحديث هو المصدر الكافي والينبوع الصافي للعقيدة, وأنه أمان من الوقوع في مزالق الاعتقاد. ثم تحدث عن كيفية دعوة أهل الحديث إلى الله، وعن أهميه عملهم بما يعلمون, وأهمية إكثارهم من النوافل والطاعات, بعدها نبّه على بعض الأشياء المهمة التي يجب مراعاتها مثل: ترك المعاصي, الإنفاق من العلم , أدب الخلاف إلخ. ثم أشاد في ختام الموضوع بمكانة علم الحديث والاتجاه العام إليه هذه الأيام، ثم أجاب الشيخ على بعض الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع.

стр. 1475

فضل علم الحديث وأهله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته؛ سلام الله عليكم يا أصحاب الحديث، ويا أهل الحديث، وإن كان من شكر فإني أشكر الله ﵎ ثم أشكر مدير هذه الدار، ثم أشكر هيئة التدريس، وأشكركم يا طلبة العلم. وأنا أشهد الله أني أحبكم فيه؛ أما الحب الأول فهو مشترك بين المسلم وأخيه؛ وهو الحب الذي يعيشه المسلم مع إخوانه المسلمين، وأما الحب الثاني الذي أشعر به في قلبي وأنا أدخل هذه الدار؛ فهو حب أهل الحديث، والسرور برؤيتهم والجلوس معهم، وأهل الحديث لهم مكانة في القلوب، ولهم جلالةٌ في النفوس. وسوف نتكلم على أهل الحديث، من هم أهل الحديث؟ قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إذا رأيت محدثاً، أو رجلاً من أصحاب الحديث فكأني رأيت صحابياً من أصحاب الرسول ﷺ . وسئل الإمام أحمد؛ إمام أهل السنة والجماعة، من هي الطائفة المنصورة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم. فأنا كنت بشغف الشوق إلى أن أزور هذه الدار، وكنت سعيداً يوم دخلت هذه الدار؛ لأنني أسمع عنها الذكر الحسن، وأعلم بأنني سوف ألتقي فيها بأحفاد الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبي داود: نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا هم النجوم، وهم الشموس التي ما أفلت حتى اليوم، واعلموا بارك الله فيكم أن الحديث معكم إنما هو من بضاعتكم، وكأنكم تقولون: ﴿بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف:٦٥] ولكني أقول: جئت ببضاعة مزجاة فأوفوا لنا الكيل، وتصدقوا علينا من علمكم، إن الله يجزي المتصدقين. ما أتيت إلا لأعلن الحب فيه ، وأتكلم في بعض القضايا؛ أتكلم عن شرف هذا العلم، وهو علم شريف لكن لمن علم أنه شريف ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وإن لم يكن علم الحديث أشرف العلوم فأيُّ علمٍ يتوج لهذه المكانة!! وأيُّ علمٍ يرشح لأن يحتل على علم الحديث مكانه!! لا والله لا يكون هذا أبداً. يقول ابن عبد الباقي؛ أحد العلماء الأجلاء، من أحفاد أبي أيوب الأنصاري، الذي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء وأثنى عليه كثيراً، وهو من علماء السلف والسنة، قال في آخر عمره: تبت من كل علم إلا علم الحديث. يقول القرطبي المحدث: نور الحديث مبينٌ فادن واقتبسِ واحد الركاب له يا ابن الرُضا الندُسِ واطلبه في الصين فهو العلم إن رفعت أعلامه برباها يابن أندلسِ ويقول الآخر: أهل الحديث هم صحب النبي وإن لَمْ يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فهم صباح مساء مع أنفاس المصطفى ﵊؛ مع حدثنا، وأخبرنا، وسمعت، وعن، وأن؛ وهي كلمات أهل السنة والجماعة، وهي أسانيد أهل السنة والجماعة، وهو علم أهل السنة والجماعة. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان ما العلم نصبك للخلاف سفاهةً بين الرسول وبين رأي فلانِ صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وفي السنن قوله ﷺ : ﴿نضر الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَّ مبلغٍ أوعى من سامع﴾ وعند ابن حبان في الصحيح: ﴿رحم الله امرأً﴾ ولبعض أهل العلم من أهل الحديث رسالة اسمها المسك التبتي في شرح حديث (رحم الله امرأً سمع مني مقالتي)؛ المسك التبتي نسبة إلى التبت: وهي الهضبة في الهند التي تنفح بالمسك، في فضل هؤلاء الوعاة الحملة. ولذلك يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ وهو من حديث معاوية، ومفهوم المخالفة: أن الذي لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، ولا يعلمه السنة، ولا يوجهه إلى الجلوس في دار الحديث، ولا الاستماع إلى كلامهم، ولا إلى العيش معهم، ولا إلى أخذ السنة منهم. وأنتم أصبحتم أسانيد بين الأمة المحمدية وبين تراثها، فالله الله في هذه الأمانة! والله الله في هذه الرسالة، والله الله في هذا التراث المحمدي الخالد! يقول ﵊ كما في صحيح البخاري من حديث أبي موسى: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى﴾ انظر ما أحسن كلمة بعثني، ولم يقل: أرسلني، أو كلفني، لأن البعث عادةً يأتي في ذكر التوحيد والشرك ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾؛ وقال: (الهدى) ولم يكتفِ بل ذكر (العلم) وقال: (العلم) ولم يكتفِ بل ذكر (الهدى)؛ لأن الهدى هو العمل الصالح، والعلم هو العلم النافع، واليهود أوتوا علماً لكن لم يؤتوا عملاً، قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] وقال في عالمهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] وقال فيهم: مثلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] حمار لا يفقه، ولا يعي، على ظهره صحيح البخاري وصحيح مسلم وفتح الباري وتحفة الأحوذي؛ لكنه حمار: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب فإنني جاهلٌ بسيطٌ وصاحبي جاهلٌُ مركب والجاهل المركب: هو الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري. وشرف أهل الحديث أجمعت عليه الأمة الإسلامية، ذكر الذهبي في ترجمة الإمام أحمد: أن رجلاً ذُكر للإمام أحمد أنه يتنقص أهل الحديث، فهز يده وقال: زنديق زنديق زنديق، في درجة الملحد وإنما تزندق أبو العلاء المعري وأمثاله؛ لأنهم استهزءوا بـ أهل السنة وأهل الحديث. وفي سيرة أبي داود صاحب السنن أنه قال: دخل عليه سهل بن عبد الله التستري قال: طلبٌ يا أبا داود أريد أن تنفذه لي، أسألك بالله، قال: ما هو؟ قال: أن تخرج لي لسانك. فأخرج لسانه فقبلها، وقال: لسانٌ وعت كلام المصطفى ﷺ ، وتحدثت به أولى بالتقبيل. وذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة أبي زرعة؛ حية الوادي، المحدث، المعدل، إمام أهل الجرح والتعديل أنه لما توفي رئيَ في المنام، فقالوا: ماذا فعل الله بك؟ قال: رفعني في عليين، قيل: بماذا؟ قال: صليت على الرسول ﵊ في كتبي كتابةً ألف ألف مرة. وشرف أهل الحديث يأتي من ثلاثة أمور: أول شرف: أنهم من أكثر الناس صلاةً على الرسول ﵊، لكن: إذا فات المحب سماع من يهوى تلذذ باستماع حديثه فهم أكثر الناس صلاةً على الرسول ﵊؛ في دروسهم ولقاءاتهم ومناظراتهم وحوارهم. الأمر الثاني: أنهم حفظوا أصول الإسلام. وهل العلم إلا قال الله وقال رسوله ﷺ . قال أبو عمرو الأوزاعي: ما أتاك من الكتاب والسنة فعلى الرأس والعين، وما أتاك من أحدٍ يخالف الكتاب والسنة فضعه في الحش؛ والحش هو الكنيف. فالعلم قال الله قال رسوله ﷺ ؛ فأهل الحديث حفظوا علينا أصول الإسلام؛ بمدارستهم وبحفظهم، ولا تؤخذ العقيدة إلا من الكتاب والسنة، ولذلك لي عودة مع عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل الحديث. وأما شرف أهل الحديث فيأتي من النضرة على وجوههم، فأهل الحديث يتميزون عن أهل النحو -ولا نتنقص أحداً- وعن أهل اللغة، والجغرافيا، والتاريخ؛ بأن على وجوههم نضرة ومهابة، من دعوة الرسول ﵊، ومهابة لهم: من تلقَ منهم تقل لا قيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بذكرهم ذكروك الواحد الباري فأهل الحديث تلوح على محياهم أنوار الحديث، وسمته، وهيبته وملاحته، وحلاوته.
следующие страницы →