← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

شباب النبي ﷺ بطولات وتضحيات يا رب! أين الشباب الذين عمروا الدنيا بلا إله إلا الله؟ يا رب! أين الشباب الذين امتطوا البحار حتى بلغوا لا إله إلا الله؟ اللوار ونهر الجانج وصحراء سيبيريا، وحدائق الأندلس. أين طارق بعد سعد؟ وأين صلاح الدين بعد خالد؟ وأين ابن تيمية بعد ابن عباس؟ وأين أبو تمام بعد حسان؟ أين أولئك الشباب؟ أليسوا بشباب أصحاب محمد ﷺ ؟ بلى والله. يقول أبو حمزة الخارجي: شباب مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الباطل أعينهم، ثقيلة عن الشر أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، ينظر الله إليهم في جنح الليل يتململون على جنباتهم خشعاً لله وسجداً. أو كما قال.

стр. 1542

تضحيات حبيب بن زيد يوم أتى مسيلمة الكذاب، ورفع راية الإلحاد في أرض اليمامة فوصمه الله بوصمة الكذاب، فهو كذاب إلى يوم الدين، انتدب له ﷺ شاباً ليبلغه دعوة الله؟ فكم كان عمره؟ حبيب بن زيد في الثانية والعشرين من عمره، قال ﷺ للناس: ﴿من يذهب إلى مسيلمة الكذاب وأستودعه الله الذي لا تضيع ودائعه؟ أي: أنه لن يعود في الحياة أبداً، معناها: القتل والإبادة، لأن ذلك لن يسلم رسول رسول الهدى ﷺ ، فقال حبيب بن زيد: أنا يا رسول الله! فمر بأمه -وكان أبوه ميتاً- فأخبرها بخبر رسول الله ﷺ ، فقالت: ما من أمر رسوله بد! فاذهب إلى سبيلك؛ فوالله إنك رضيعي ووحيدي الذي تموت نفسي قبل أن يموت﴾ وودعته والدموع تسيل على خديها وذهب، فاستودعه الله من شهيد. وصل إلى مسيلمة وقلبه يتوهج بلا إله إلا الله ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] لا أحد. فوصل ودخل سرادق مسيلمة، فقال مسيلمة: من أنت؟ قال: أنا رسول رسول الهدى ﷺ . قال: أتؤمن أنه رسول؟ قال: إي والله. قال: أتؤمن أني رسول؟ قال: لا أسمع شيئاً، فأعاد عليه الكلام فأعاد عليه حبيب بن زيد الجواب، فأمر أحد جلاديه أن يتقدم إليه بالرمح فضربه بالرمح، فقطع منه قطعة في الأرض، فأعاد عليه الكلام، وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: إي والله، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع شيئاً، فلما قال له هذا الكلام أمر جلاديه وجنوده أن يتقدموا من ذاك الشهيد، فتقدموا فهذبوه بالسيوف، فكان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ما زاده هذا الموقف إلا إيماناً وتسليماً، وثقة برسالة لا إله إلا الله، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله! اللهم أبلغ رسولك ماذا فعل بي الغداة. وبلغ الرسول ﷺ ، وأخذ يقول: ﴿عليك السلام يا حبيب بن زيد! عليك السلام يا حبيب بن زيد، عليك السلام يا حبيب بن زيد﴾.

стр. 1543

قتل خبيب بن عدي في سبيل الله وخبيب بن عدي شاب آخر، وقف على مشنقة الموت في ساحة الإعدام وجميع مشركي مكة مطوقوه، نساءً وأطفالاً وشيوخاً، ينظرون إلى، مثلة الإعدام، اعتداء الباطل على جثمان الحق وهو صابر محتسب، ما أراهم خنوعاً ولا خضوعاً، يتبسم تبسم المستعلي بإيمانه، المستظهر بيقينه، حتى يقول أبو سفيان وهو يستهزئ به: يا خبيب! أتريد أن محمداً مكانك؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو ما أريد أني في أهلي ومالي، وأن رسول الهدى ﷺ تصيبه شوكة، فرفعوه، وقبل أن يرفعوه، قال: ائذنوا لي أن أصلي ركعتين، فتركوه، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم التفت إليهم وقال: والذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تقولوا: أطلت الصلاة جزعاً من الموت لأطلتها، فرفعوه وتقدمت إليه السيوف، وقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أبلغ رسولك ماذا لقيت الغداة -يعني أبلغه هذا اليوم ماذا يفعل بي- ثم قال: السلام عليك يا رسول الله. هذا في سيرة موسى بن عقبة، قال موسى بن عقبة: وصح أن الرسول ﵊ قال في تلك اللحظة: ﴿عليك السلام يا خبيب! عليك السلام يا خبيب، عليك السلام يا خبيب﴾ وقبل أن تنتهي نفسه؛ قال أغنية المعركة الخالدة: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع

стр. 1544

ثمار التربية الحقة فمن أخرج هؤلاء للناس إلا كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، تربية رسول الهدى ﷺ يوم يلقى الشاب وعمره ثماني سنوات كـ ابن عباس فيقول له: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. أي كلام هذا الكلام؟! أسمعت أصدق وأنبل -بعد كتاب الله- من هذا الكلام؟! يغرسه ﷺ في القلوب فيؤتي أكله كل حين بإذن ربه. وأما نحن فكانت تربيتنا للشباب أن نسأل أحدهم: ما هي هوايتك؟ فيقول: جمع الطوابع، ومطاردة الحمام، والمراسلة، والسباحة!! إذاً تنكست منابرنا، وهدمت حصوننا، وخلت مساجدنا، ولذلك يقول الفيلسوف المسلم: أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشتعال وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقال وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين الغزالي؟ وجلجلة الأذان بكل حيّ ولكن أين صوت من بلال منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالِ إن الذي يجعل حياته لجمع الطوابع لا يكون عبداً لله؛ بل يكون عبداً لشهوته. وإن الذي يهتم بمطاردة الحمام والمراسلة والسباحة والتصفيق والتشجيع سوف يكون خاملاً في الحياة.

стр. 1545

التربية الحقة عند ابن تيمية ابن تيمية يدخل وعمره عشرون سنة على ابن قطلوبغا فيقول السلطان ابن قطلوبغا: يا بن تيمية! ماذا تريد؟ نسمع أنك تريد ملكنا -يريد وهو في العشرين من عمره- فيضحك ابن تيمية، ويقول: ملكك! والله ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً. وذلك لأنه عرف الله، وعرف لماذا يعيش، وعرف ما هو مصيره، ولذلك يقول وهو يدخل السجن، وهو يلتفت إلى البواب، ويضحك ضحك المؤمن القوي يوم غرس في نفسه لا إله إلا الله، يقول لما أغلقوا عليه الباب: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٢] ثم يقول: ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أنَّى سرت فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة. فيا سبحان الله! كيف عمّر الله تلك القلوب باليقين والتوحيد، فجعلها نوراً تمشي على الأرض؟! قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١٢٢] هذا زرع محمد ﵊، وهذه تربية محمد ﵊.

стр. 1546

التربية الحقة عند معاذ ﵁ يأتيه أهل اليمن؛ فيقولون: يا رسول الله! أرسل لنا من أصحابك رسولاً يعلمنا ويفقهنا في الدين، فمن يرسل يا ترى؟ هل يختار الذين بلغوا في السن عتياً، يتلفت فإذا أصحابه شباب، فتقع عينه على معاذ ﵁ وهو في الثامنة عشرة من عمره، فيرسله معلماً إلى اليمن. يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ: لما ودعه رسول الهدى ﵊ بكى معاذ بكاء عظيماً، فقال الرسول ﷺ : ﴿ما لك يا معاذ؟ قال: والله يا رسول الله! ما أبكي على الدنيا، ولكني أبكي خوفاً من ألا أراك بعد هذا اليوم إلا يوم القيامة، قال: لا تجزع يا معاذ فإن البكاء من الشيطان﴾ فودعه ﷺ ، ثم قال له: ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، يا معاذ اُذكر الله عند كل حجر وشجر ومدر﴾ فذهب ﵁ وأرضاه، فأصبح سراجاً وهاجاً ينشر لا إله إلا الله في بلاد اليمن، وفي جبال وأرض اليمن ينشر مبادئ الدين الخالد وعمره (١٨) سنة، ووجد في الأمة من بلغ من العمر عتياً وهو لا يفهم لا إله إلا الله، ولا يحسن أن يتوضأ ولا يصلي. يعرف كل شيء في حياته إلا الدين، يجيد قيادة سيارته وهندستها وإخراجها وإنتاجها، وثوبه ولبسه وطعامه وشرابه ومسكنه ومدخله ومخرجه، ولكنه أصم أغلف عن الدين، والله له حكمة بالغة؛ ولكنه يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 1547

أصناف الناس والأزمات التي يواجهونها إجمالاً الذين قدموا وحاولوا أن يفهموا فهمهم الله، والذين يريدون أن يفقهوا الدين فقههم الله، والذين يريدون الله والدار الآخرة اجتباهم الله، وهذا مصداق لقوله ﷺ في الحديث القدسي عن ربه : ﴿من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها الحديث﴾. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يشرح هذا الحديث في المجلد الحادي عشر وما قبله: هذا الحديث يقسم الأمة إلى ثلاثة أقسام: وقد أغفل قسماً ثالثاً وهو: الظالم لنفسه، وذكر: المقتصد والسابق بالخيرات، لذلك يقول : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] فقسمهم الله هذا التقسيم. فالظالم لنفسه يقع مسلماً في هذه الأمة، لا يخرجه من الإسلام إلا الخوارج، يفعل الكبائر ويترك بعض الفرائض غير الصلاة، أو يقترف كثيراً من حدود الله ، لكنه لا يزال مسلماً. والمقتصد: يفعل الفرائض ويجتنب الكبائر؛ لكنه يترك المستحبات ويفعل بعض المكروهات. والسابق بالخيرات -نسأل الله من فضله، وأن يحبب إلينا السابقين وأن نحشر في زمرتهم، وإلا فأين الثرى من الثريا- هو الذي يفعل الفرائض والنوافل والمستحبات، ويترك الكبائر والمحرمات والمكروهات: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. أزمات تواجه الشباب المسلم في هذا العصر وفي كل عصر، لكنها تختلف بالبقاع والأزمنة والأمكنة والهيئات والأشخاص: أولها: مرض الشبهات. وثانيها: مرض الشهوات. وثالثها: أزمة جلساء السوء. ورابعها: الفراغ وإضاعة الوقت. وخامسها: البيت وانحرافه يوم ينحرف عن لا إله إلا الله. وسادسها: الضغينة والبغضاء بين شباب الإسلام.

стр. 1548

مرض الشبهات فأما الشبهات فهو مرض خطير، ذكره الله عن كل ملحد وطاغية من يوم خلق الله الأرض والسماوات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 1549

مرض الشبهة عند فرعون والرد عليه ذكر الله هذا المرض عن فرعون في سؤاله موسى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠] فهذا مرض شبهة: شك في الخلق، وفي الخالق ﵎. ولذلك يقول موسى لهذا الخبيث الملحد: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢]. ولذلك يقول هارون الرشيد -كما أورد ابن كثير ذلك في تفسيره في سورة البقرة- يقول وهو عند الإمام مالك: يا أبا عبد الله! ما دليل القدرة؟ -هو لم يشك، لكن من باب ورود الشبهة- قال: ما دليل قدرة الله ؟ قال الإمام مالك: عجباً لك!! اختلاف الأصوات والنغمات، وتعدد الهيئات دليل على رب الأرض والسماوات. وأورد ابن كثير أن أبا حنيفة سُئِلَ هذا السؤال، فقال: ذكر لي سفينة تمخر عباب دجلة، وتقف في الشاطئ، ثم تنزل حمولتها ليس لها ربان ولا ركاب ولا حرس، قالوا: هذا جنون! قال: يا سبحان الله!! أَكَوْنٌ وسماء وأرض ونجوم وقمر وشمس ليس لها مدبر؟! بل هو السميع البصير. وعرض هذا السؤال أيضاً على الإمام أحمد كما ذكر ذلك ابن كثير، فقال: سبحان الله! هذه البيضة -بيضة الدجاجة، أو بيضة أي طائر آخر- أما سطحها ففضة بيضاء، وأما باطنها فذهب إبريز، تفقس فيخرج منها حيوان سميع بصير، ألا يدل على السميع البصير؟! ويقول الشافعي كما ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية: ورقة الإبريسم تأكلها الدودة فتخرج حريراً، وتأكلها الغزال فتخرجها مسكاً، وتأكلها النحلة فتخرجها عسلاً، ألا يدل ذلك على السميع البصير؟!

стр. 1550

معنى مرض الشبهة فيا سبحان الله!! ولذلك يعالج الله مرض الشبهة، وقبل المعالجة أذكر معنى الشبهة حتى يتضح لكثير من المقصرين -من أمثالي-!! مرض الشبهة والتحيل والاضطراب. إنه مرض يأتي إما من نقص العلم الوارد، أو بالبيئة التي يعيش فيها العبد، أو الخطوات التي تزلزل الإيمان، وهو أقسام: منهم من يشك في وجود الخالق ، وهذا هو الإلحاد الذي طم وعم في مجتمعاتنا، وأخذ كثيراً من الشباب -نسأل الله العافية- وهو يركب مراكب، منها: مركب الحداثة في الصحف والمجلات، ويستخدم الرموز، ويقود الناس إلى لينين وماركس وهرتزل وأمثالهم من أعداء الله، وهذا المرض خطير جد خطير. ومنهم من يشك باليوم الآخر؛ يؤمن بوجود الله، لكن لا يؤمن باليوم الآخر! ومنهم ابن سيناء فإنه كان يشير إلى الكواكب، كما يقول ابن تيمية. ويقول: إن اليوم الآخر إنما هو لمحات وإشارات وليس بحقيقة، والله ذكر هذا الصنف، فقال في آخر سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] ثم ذكر الله ثلاث قصص، أولها قصة النمرود بن كنعان، وقرر الله الحجة عليه وبهت، والله لا يهدي القوم الظالمين. والقصة الثانية: قصة الرجل الذي قيل: إنه عُزير، وقيل: غيره من بني إسرائيل. والقصة الثالثة: قصة إبراهيم ﵇ يوم أراد أن يطمئن قلبه.

стр. 1551

علاج مرض الشبهات هذا مرض الشبهة عالجه القرآن بثلاث علاجات: أولها: النظر والتفكر في الكون؛ يقول الله : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١] وقال ﵎ لكفار مكة: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] ولم يدقق الله في دقائق الكون، وإنما نصب لهم العلامات والآيات، ولم يأت بالدقائق؛ لأن عقولهم لا تدرك إلا ما يرون، فخاطبهم الله بهذا. ويذكر الله السماء وما فيها من آيات، والأرض وما فيها من عجائب، يذكر خرير الماء، وخلق الطير، ويذكر الشجر، والزهر، والخلق البهيج، ويذكر الشجر صنوان وغير صنوان، والماء كيف كان أصله؟ ويذكر النطفة كيف تدرجت حتى أصبحت إنساناً، ثم يقول في الأخير: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس:٣]. إذاً: فالعلاج الأول لمرض الشبهة التي صادفت كثيراً من الشباب، وشكا منها كثير من الشباب حتى ممن صلى وصام وحج واعتمر. العلاج الأول: النظر في الكون، والنظر في آيات الله والتدبر، ولذلك جعل الله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ﴿رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ وإنما قال: خالياً ليكون بعيداً عن الرياء والسمعة. ذكر آيات الله؛ يقول كثير من العلماء: لا يقتصر على ذكر الله بالتسبيح، والتحميد والتهليل فقط، بل إذا نظر إلى الجبال والوهاد والتلال، ففاضت عيناه فهو مأجور، وإذا نظر إلى المبتلين والمرضى ففاضت عيناه فهو مأجور، وإذا نظر إلى الأطلال والقبور ففاضت عيناه فهو مأجور، وإذا نظر إلى تعدد الهيئات واختلاف الأصوات والنغمات ففاضت عيناه فهو مأجور، فسبحان الله! من يذكر عبده فيذكره، فيثني عليه بهذا. يقول تقي الدين بن سكير: خرجت وراء شيخ الإسلام ابن تيمية بعد صلاة العصر من الجامع الأموي، فلما اختفى في غوطة دمشق رفع بصره إلى السماء، وقال: لا إله إلا الله، ثم فاضت عيناه، ثم بكى وقال: وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا فهذا ذاكر ذكر الله في خلوة، فالنظر والاستدلال على قدرة الله بالتفكر في الكون أعظم ما يقضي على مرض الشبهة. ثانياً: الذكر؛ فإن الله وصف الذكر مع الفكر، قال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. يقول ابن تيمية وهو يتحدث عن أحد الملاحدة الذين أرادوا الإيمان، ولكن ما أراد الله لهم ذلك وهو أحد الفلاسفة -قد يكون ابن الراوندي، الذي يقول عنه الذهبي: الكلب المعفر الخبيث؛ الذي ألف كتاب الدامغ على القرآن يدمغ به القرآن، شكا حاله على بعض علماء الإسلام- قال: في قلبي ظلمات بعضها فوق بعض، يريد أن يهتدي لكن على قلبه ظلمات وححب وآصار وأغلال وحديد؛ حجب لا يعلمها إلا الله، يريد أن يصلي ويذكر الله فلا يستطيع، فقال له هذا العالم: عليك بكثرة الذكر بعد الصلاة، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]؛ والله يقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. وقد جعل شيخ الإسلام ابن تيمية من العلاجات لهذه الأمراض الذكر، وقال: إن الله يقرن في كتابه بين التوحيد وبين الاستغفار، ولذلك يقول لرسوله ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وقال عن يونس بن متى يوم أن يروى قصته: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]. وعند أبي يعلى في مسنده ﴿يقول الشيطان: أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار﴾ فأعظم ما يمكن أن يقضي على مرض الشبهة والشك والحيرة والاضطراب في الإيمان بالرسالة والرسول ﷺ وبالله وباليوم الآخر وبالغيبيات بعد التفكر والاستدلال والنظر هو الذكر. وثالثها: النوافل، وإنما قدمت الذكر لأنه أهم، بل هو أفضل من كل نافلة، فالنوافل هي التي تنهي الاضطرابات، ولذلك وجد في الشباب من تسمعه يشكو أن في قلبه اضطراباً وحيرة من خلود أهل النار في النار، كيف يخلدون؟ ولماذا يخلدون آلافاً؟ ولا أذكر الشبهات، لأنه لإيراد الشبهات لا بد أن يورد الحلول لها، وهذا المجال لا يتسع له إلى غير ذلك. فعلاج مرض الشبهة النظر في الكون والتفكر. ومن ذنوبنا قلة التفكر حتى أصبحت أحاسيسنا باردة من كثرة ما ألفنا، وإلا فو الله الذي لا إله إلا إلا هو إنها لآيات باهرة: الشمس، هذا الفلك، وهذا الجرم الكبير كيف يسير؟ وكيف يذهب باحتساب؟ ويذهب بتؤدة ويذهب بمقدار ثم يأتي وهكذا. النجوم من جملها؟ الجبال من نصبها؟ الشجر من أبدع خلقه؟ الزهر من نوعه؟ قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا والنحل قل للنحل يا طير البوادي من الذي بالشهد قد حلاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا فالحمد الله العظيم لذاته حمداً وليس لواحد إلاكا يقول إبراهيم بن أدهم: جلست تحت شجرة فرأيت أحد الصالحين نام، وإذا بالبعوض على وجهه وشيء من الذباب، قال: فوالله الذي لا إله إلا هو إني لبحية خرجت من جحرها فأخذت زهرة بفمها، ثم أخذت تزيح عنه البعوض والذباب. ويقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: رأى بعض الصالحين في أول هدايته -كان سبباً لهدايته- عصفوراً يأتي بقطع من اللحم ويذهب إلى نخلة، فقال الصالح في نفسه: العصفور لا يعشعش في النخل، فلماذا يذهب؟ فتسلق النخلة، فاطلع فرأى حية عمياء -يأتي هذا العصفور بقطعة اللحم، فإذا اقترب منها فغرت فاها فأوقع فيه اللحم، فشهد أن لا إله إلا الله وتاب. وهذه آيات باهرات من كرامات الأولياء، يطول شرحها في هذا المقام. وهذا مرض وأزمة خانقة واجهت شباب الإسلام، لكنها حلت بإذن الله، بكثرة علم الكتاب والسنة، وكثرة النوافل عند كثير من الشباب، وكثرة الذكر، وكثرة الموجهين، لأن الأمة تعيش في صحوة؛ نرجو الله أن يسددها ويصلحها ويهديها سواء السبيل.

стр. 1552

مرض الشهوات الأزمة الثانية: الشهوات. الشبهات مرض العقائد والشهوات مرض الأعمال والمعاصي، وهذا المرض وقع فيه بنو إسرائيل، قال تعالى عنهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣]. والأمراض في القرآن ثلاثة: مرض الشك والشبهة وهذا يقع فيه ملاحدة العالم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ومرض الشهوة وقع فيه بنو إسرائيل. ومرض الجهل وقلة العلم والفقه وقع فيه النصارى. ولذلك يذكر الله الضلال مع النصارى، ويذكر الغضب واتباع الهوى مع اليهود. قال سفيان بن عيينة كما أورد ذلك ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم قال: من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن الناس إلا هم﴾ وفي رواية: ﴿فمن إلا هم﴾. ولذلك قرر ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم أن كل خطأ سلف سوف تقع الأمة فيه، ولذلك وجد من طلبة العلم والعلماء من لم يعمل بعلمه -نعوذ بالله من ذلك- قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. فالنظر للحرام شهوة، واستماع الأغنية، والنظر إلى المجلة الخليعة، ومجالسة البطالين، واللغو، والكذب، والنميمة والزور والبهتان شهوات، وقد وقع في هذا قطاع عظيم من الشباب. أعني أن الذين انحرفوا وقعوا في الشهوات لا في الشبهات، لأن مرض الشبهات يحد ويقلص بأمور، أما الشهوات فإن علاجها خفي وإن كان أسهل من الأول، والذي وقع في الشهوات أسهل من الذي وقع في الشبهات، فالذي في الشهوات قصاراه أن يكون مذنباً أو ظالماً لنفسه، وأما الذي وقع في الشبهات فقصاراه أن يكون ملحداً زنديقاً -نعوذ بالله من ذلك-.

стр. 1553

علاج مرض الشهوات إذاً فما هو علاج الشهوات؟ ذكر الله في القرآن علاج الشبهات باليقين، وذكر علاج الشهوات بالصبر، قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] قال أهل العلم: صبروا عن الشهوات، وتيقنوا عند الشبهات، فنصرهم الله وجعلهم أئمة، فمن لم يصبر عند الشهوة فليس بإمام ولن يكون إماماً، وليس بمهتد، ومن لم يتيقن عند الشبهة فليس بإمام ولن يكون مهتدياً. إذاً: فمرض الشبهة يعالج باليقين، ومرض الشهوة يعالج بالصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]. قال الإمام أحمد: ما رأيت كالصبر، تدبرت القرآن فوجدت فيه تسعين موضعاً يتحدث عن الصبر. فالله الله يا شباب الإسلام في الصبر، فهو علاج الشهوات! علاج الشهوات: أولها الصبر، أن تصبر عن محارم الله، يقول حافظ بن أحمد الحكمي ﵀: وعن محارم الإله فاصبر واستعن بالله وإياه اشكر ولتك بالخوف وبالرجا ولا تيئس وللنفس فجاهد عجلا وإن فعلت سيئاً فاستغفر وتب إلى الله بداراً يغفر وإنما الأعمال بالخواتم لا تحتقر شيئاً من المآثم إلى آخر ما قال في علاج الشبهة وعلاج الشهوة، هذا أمر. واعلموا بارك الله فيكم أنه لا يتأتى العلاج إلا بأمور: أولاً: كما يقول ابن تيمية: إصلاح الصلوات الخمس ظاهراً وباطناً، فإن من أحسن خضوعها وخشوعها، وأحضر قلبه فيها، واستحضر عظمة الله وهو يصلي، وحافظ على أوقاتها عصمه الله من الشهوات، وما طفح نظر من نظر إلى الحرام وإلى المحرمات إلا لأنه أساء في الصلاة، وما استمع من استمع إلى الغناء إلا لأنه أساء في الصلاة، وما نظر من نظر إلى المجلة الخليعة إلا لأنه أساء في الصلاة، فهذا مرض وقد سلف علاجه.

стр. 1554

جلساء السوء الأزمة الثالثة: أزمة جلساء السوء؛ وقد ذكر الله في القرآن جلساء الخير وجلساء السوء، قال : ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٧].

стр. 1555

خطر جلساء السوء على الإنسان هذان رجلان: جليس صالح وجليس سوء، كان السيئ يقول في الحياة للجليس الصالح: أتصلي؟! أتزعم أن ربك يبعثك إذا كنت عظاماً وتراباً؟! أتظن أنك تدخل الجنة؟! أتظن أن هناك جنة وناراً؟! وهذا موجود في كل طائفة، والله من سننه القدرية الخلقية أن يجعل جلساء السوء بجانب جلساء الخير؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] هادياً يهدي القلوب، ونصيراً ينصر بالسيف . إذاً فهذا الجليس استهزأ بذاك، ولكنه ما أطاعه، فأسلم هذا وكفر ذاك، فلما توفيا دخل هذا الجنة ودخل ذاك النار، فيقول المهتدي لإخوانه وزملائه وهم على الأرائك -نسأل الله من فضله-: هل أنتم مطلعون؟ يقول: تريدون أن تطلعوا على النار لتروا زميلي وجليسي السيئ الذي استهزأ بي في الحياة: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] أي: وسط النار ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٧]. يقول: كدت تغويني في الحياة، وأصبحت من الغواية قاب قوسين أو أدنى، وفي بعض الأوقات أكاد أصدقك وأترك طاعة الله، وعبادته، والاتجاه إليه، لكن الله سلم: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم ذكر نعيمه واستقراره: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨]. ويقول الله سبحانه عن الجلساء: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ الزخرف:٦٧] قال أحد الوعاظ: إياك والجليس السيئ ولو زعمت أنك تهديه فإنه يضرك؛ لأن الجرباء تعدي الصحيحة، ولا تعدي الصحيحة الجرباء. هل سمعتم أن صحيحة حولت الجرباء إلى صحيحة، لكن الجرباء هي التي حولتها إلى الجرب. وقال أهل العلم في كلامٍ ما معناه: ليحذر المسلم أن يداخل الناس إلا أن يكون ذا قدم في الصلاح والعلم، لأنه إذا نقص في الصلاح أصابه الفسق، وإذا نقص في العلم أصابته الشبهة. ولذلك جاء في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: ﴿لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ ، فدخل أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فجلسا عند رأس أبي طالب، فقال ﷺ : يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله﴾ الحديث فلولا دخول هؤلاء الجلساء لقال: لا إله إلا الله، لكنهم ما زالوا به حتى في سكرات الموت، فأدخلوه النار. والجليس السيئ يدخل بمداخل، منها: أن يغريك بالمال وهو فتنة، يقول ابن تيمية في المجلد الأول من الفتاوى: من احتجت إليه فأنت أسيره، ومن احتاج إليك فأنت أميره، ومن استغنيت عنه واستغنى عنك فأنت نظيره، فالناس علىطبقات؛ إما أن تكون: أسيراً، أو أميراً، أو نظيراً. والجلساء على هذه الطبقات، إما أن يجالسك فيصبح أميراً لك، أو أسيراً لك، أو نظيراً لك، فإن احتجت له في معاملاتك الدنيوية من مال أو واسطة أو كسب أو أسرة أو غرض دنيوي؛ فقد تأمر عليك، وبإمرته عليك باستطاعته أن يوجهك إلى الخير أو إلى الشر. فاحذر أن يكون للناس عليك منّة، ولذلك يقول شيخ الإسلام: من تصفية العقائد ألا تسأل الناس شيئاً، ولما بايع الرسول ﷺ أبا بكر وسبعة معه؛ اشترط عليهم ألا يسألوا الناس شيئاً، حتى كان يسقط سوط أحدهم من على الفرس، فينزل ويأخذ السوط، ولا يقول لأحدهم: ناولني سوطي. ولذلك ماسمع في الحديث ولا في السيرة أنه قال للرسول ﷺ : ادع الله لي يا رسول الله، مع أن بعض الأعراب يقول: يا رسول الله! ادع الله لي، لكن أبا بكر لأنه لا يسأل شيئاً لم يقل يوماً: ادع الله لي يا رسول الله، مع أنه في حياته ﷺ ، ولم يطلب منه الدعاء. وصح في ذلك أحاديث كثيرة؛ ولكن لعظم درجة هذا ما طلب ﵁ وأرضاه، وفي الحديث الصحيح: ﴿الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون﴾ وأما رواية: ﴿لا يرقون﴾ فليست بصحيحة، وهي شاذة؛ لأنهم يرقون غيرهم كما رقى ﷺ غيره، ووجدت في بعض الأحاديث، لكن ابن تيمية قال: هذه الكلمة ليست بصحيحة، فالرسول ﷺ رقى غيره، والصالحون يرقون غيرهم، لكن لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، لكمال توحيدهم. الشاهد من هذا: أن الجلساء يدخلون من هذه المداخل، وإذا احتاج إليك كنت أسيره فاتق الله فيه، إذا احتاج إليك في خدمة دنيوية فاجعلها وسيلة لأن تهديه إلى الله ، وتكون سبباً من أسباب الهداية، أما إذا لم يحتج إليك ولم تحتج إليه فهو نظير لك. والعجيب أنه وجد جلساء سيئون يسهرون الليالي، ويحبكون المؤامرات والمداخل، وينصبون الشباك لشباب الإسلام، فأين دعاة الإسلام؟ وأين طلبة العلم؟ وأين العلماء؟ أتصدق أن ملحداً يسهر الليل ويصنف المذكرات، وينظم الأمسيات والمحاضرات والندوات والتمثيليات، في كثير من المجتمعات ليضل عباد الله؟! فأين جهود الأخيار الأبرار الذين يريدون الله والدار الآخرة؟!

стр. 1556

الجلساء على قسمين منهم من تستطيع أن تؤثر فيه فخالطه، واستعن بالله واتق الله فيه، فالرسول ﷺ أكبر من خالط جلساء السوء، خالط المشركين والمنافقين واليهود والنصارى، ولكنه كان ﷺ مؤثراً لا متأثراً. وجليس إذا خالطته أثر فيك، فاهرب منه، وفر منه فرارك من الأسد، لأن بعض الناس قوي الشخصية ولو كان ضالاً، إذا دخلت معه في المجلس استولى على الحديث وتكلم، وأخذ الوقت في محاضرة؛ فلا تستطيع أن تتكلم معه بكلمة، يقودك وأنت لا تقوده، يوجهك وأنت لا توجهه، ففر منه؛ لأنه لا قدرة لك عليه، والناس منهم -كما يقولون- مائي وهوائي وسمائي، إلى أقسام كثيرة تدخل في علم النفس لا ندخل فيها. فمن الناس من يكون هوائياً تأخذه الريح يمنة ويسرة، ومائي ينداح في اليد، وسمائي روحه متألقة، وشفافة لا تطغى عليها الأرض، وهذه فطر فطر الله الناس عليها.

стр. 1557

الفراغ وضياع الوقت من الأزمات التي واجهت شباب الإسلام: الفراغ وضياع الوقت؛ وكثير من الشباب حتى ولو اهتدى، ولو صلى وصام وحج واعتمر، أزمته ضياع وقته في غير طائل، وتمر عليه الساعات الطويلة ولم يقدم لنفسه ما ينفعه في الدنيا أو الآخرة، وليس الوقت في الإسلام حظراً على الآخرة فحسب، لكن يعمل الإنسان للدنيا لتكون في خدمة الآخرة.

стр. 1558

علو همة السلف الصالح في حفظ أوقاتهم وصح عن عمر ﵁ أنه يقول: [[إني لأرى الرجل ليس في مهنة في الدنيا، ولا في عمل للآخرة فيسقط من عيني]]. وأصل حفظ الوقت من كتاب الله قوله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢] أي: جعل الليل والنهار يخلف هذا هذا، ليستخدم ويستغل في طاعة الله . دخل أحد الصحابة وإذا رجل في مسجده ﷺ ، وإذا هو حزين، فقال: مالك مهتم مغتم؟ انظر إلى أسباب الحزن عند السلف الصالح، أسباب حزننا: إما رسوب في امتحان الابن، وإما صدام سيارة وقعت، وإما شجار مع الجيران، وإما غلاء الأسعار، وإما تأخر الأمطار، وأما عمل الآخرة فقليل من يهتم، حتى أمر عادي إذا دخل الإنسان المسجد وخرج الناس من الصلاة ما تجد عليه سفعة الهم ولا الغم. فيقول: فاتتني صلاة الجماعة في عمري مرة، فما عزاني إلا ثلاثة، ولو مات ابني لعزاني أهل بغداد، والحمد لله أن عزاه ثلاثة، لكن هنا لو تفوته صلاة الجماعة أربعين سنة ما عزاه أحد إلا من رحم ربك ، فالأصل في ذلك: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الإسراء:٦٢] وقوله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] والمسلم الشاب وغيره إذا عاش بدون حفظ وقت، وبدون تسيير وقته فقد ضل في حفظ وقته.

стр. 1559

أسباب الضياع يقول ابن القيم: الضياع على عشرة أسباب، وأعظم ضياع ضياع القلب وضياع الوقت، ولا عوض عنها أبداً، والقلب إذا ضاع فقد انتهى مصير العبد إلا أن يحفظ الله عليه قلبه، والوقت إذا ضاع فقد انتهى العمر ولن يعود عليه أبداً، دقيقة تمر من حياة المؤمن والله لا تعود إليه أبداً: أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي إذا ليلة هرمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي ونسب ابن رجب الحنبلي في كتاب جامع العلوم والحكم للحسن البصري، أنه قال: [[ما أصبح صباح إلا ونادى مناد: يا بن آدم! اغتنم هذا اليوم، فوالله لا يعود إليك إلى يوم القيامة]]. قيل لـ كرز بن وبرة وكان من العباد الكبار: اجلس معنا قال: احبسوا الشمس وأنا أجلس معكم؛ من يمسك الشمس وهي تذهب في فناء الأعمار، واختصار الأوقات؛ لأنها لن تعود مرة ثانية. يقول ابن عقيل الحنبلي -كما نسب ذلك ابن الجوزي له في صيد الخاطر، وذكر ذلك عنه صاحب طبقات الحنابلة وهو يترجم له- قال: إنه لا يحل لي أن أضيع شيئاً من وقتي، إذا ما أغمضت عيني قبل النوم تفكرت ماذا أكتب في الصباح، وإذا أتيت إلى فراشي لا أنام حتى أكتب ورقات، وإذا استيقظت كتبت، فإذا تعبت استلقيت على ظهري وسبحت الله -حتى يتندر ويتلطف ابن الجوزي تلميذه وهو يتحدث عن ابن عقيل، قال: كان يأكل الكعك ولا يأكل الخبز! فقلنا له: لماذا؟ قال: حسبت أن بين أكل الكعك وبين أكل الخبز مقدار خمسين آية، قال: وألف كتاب الفنون وهو ثمانمائة مجلد كلها في أوقات الفراغ والأوقات الخاصة، أما أوقات التدريس وأوقات العبادة فشيء آخر، لكن الأوقات الثانوية الخارجية قد ألف فيها كتاب الفنون ثمانمائة مجلد. يقول ابن تيمية: إني لأنزل السوق فلا أزال أذكر الله وأسبح حتى يظفرني ربي بحاجتي، وحاجته من الحاجات الأخروية، أو فتح علم حتى يقول: إنها لتعجم علي مسألة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل فيفتحها الله عليّ. ويروي عن جده عبد السلام؛ لأن ابن تيمية هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام. يقول الذهبي في ترجمته: أحمد هذا شمس، وعبد الحليم نجم، وعبد السلام قمر، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، أي: أن الشمس أحمد بن تيمية هذا، وكان جده قمر، يقول: كان جدي لا يضيع شيئاً من وقته، كان إذا دخل الخلاء قال لأحد أبنائه: اقرأ في الكتاب وارفع صوتك حتى أسمعك وأنا هناك، فأي حرص على هذا الوقت كحرص هؤلاء السلف الأخيار. ولذلك أنتجوا وقدموا المجلدات التي ما استطعنا أن نقرأها، وهي محققة ومنقحة ومقدمة، وفي الرفوف، ونحن في راحة عظيمة، ولكن لا نستطيع أن نقرأ، فنسأل من الله أن يحفظ علينا أوقاتنا. وهذا العنصر يحتاج إلى كلام طويل وجلسة، لكن لا أريد الإطالة؛ لأن الإطالة معناها الإملال والسأم، وما بقي من الوقت فإن كان هناك حوار أو نقاش أو سؤال فله، وأثني بالشكر على الواحد الأحد الذي وفقنا للاجتماع في هذا المجلس المبارك، ثم أثني بالشكر لمدير هذا المعهد، ولأساتذته ولطلبته، ولكم أيها الحضور، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1560

الأسئلة

стр. 1561

العادة السرية السؤال أما المشكلة الأولى والأزمة التي تواجه الكثير من الشباب فهي قضية شهوة الجنس، والعادة السرية، والشكوى منها، حتى إن كثيراً من الملتزمين أو الذين يخبرون عن أنفسهم أنهم التزموا شرع الله ﵎ لم يستطيعوا تركها، فما الحل لهذه الأزمة؟ الجواب الحمد لله؛ إن مسألة شهوة الجنس من أعظم الشهوات التي ابتليت بها الأمم، والله قدرها لحكم ، والرسول ﷺ ذكر هذا في أكثر من حديث بعدما ذكره الله في القرآن، وأكثر ما تخوفه ﷺ النساء، فإنها فتنة بني إسرائيل وفتنة هذه الأمة. فإذا علم ذلك؛ فشهوة الجنس عارمة، وهي تختلف من شخصٍ لآخر بأسباب ومسببات، وبجوامح وبطموحات، ولكن علاجها بأمور منها: غض البصر وهو أعظمها، قال : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] فغض البصر أعظم ما يمكن أن يعالج به الإنسان شهوة الجنس، فيرد جماحه، وهيجان قلبه، واندفاعه وطموحاته في هذا الأمر والله معه، ومن غض بصره أبدله الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه، وما غض أحد بصره إلا جعل الله له فراسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] والمتوسمون هم الذين عندهم فراسة؛ لأنهم غضوا أبصارهم، والرسول ﷺ سئل فقال: ﴿غض بصرك، لك الأولى وليست لك الثانية﴾ هذا علاج. والعلاج الآخر: الصيام؛ ذكره ﷺ للشباب بعد أن ذكره الله في القرآن؛ يقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ولم يقل: لعلكم تذكرون أو تعقلون، لأن التقوى سببها الصيام، فهو يكسر النفس ويخضعها ويجعلها منقادة لصاحبها، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود أنه ﷺ قال: ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾. فأنا أرشد إخواني أن من لم يتزوج أن يكثر من الصوم، بشرط ألا يعطله الصيام عن أمر أوجب منه كطلب العلم، أو الفرائض، أو بعض الأمور المهمة في الدعوة، لكن يكثر من الصيام. الأمر الثالث: أن يكثر من الذكر؛ لأن هذه الأمور لا تأتي إلا من الفراغ في القلب، فإذا فرغ القلب فكر في هذا الأمر. والأمر الرابع: أن يشغل نفسه بالنافع المفيد، لأنه إذا وجد فرصة الفراغ وسوس وخطرت له الخطرات. أما الصحيح في العادة السرية ذكر ذلك ابن تيمية وغيره من أهل العلم، قال: والواجب اجتنابها، واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] فحرمت وحرمها كثير من أهل العلم لهذا، ولم يصح في إباحتها ولا في حلها حديث، فليتق الشاب الله في هذا الأمر، وليكثر من الذكر وتلاوة القرآن والدعاء خاصة إذا سجد: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وفي الأسحار وفي أدبار الصلوات، فإذا هداه الله وجهه ، وعليه بأن يتخلى ثم يتحلى، فالتخلية قبل التحلية، فهذه المجلة الخليعة سبب من أسباب هيجان الجنس الأغنية الماجنة وجلساء السوء المفاتن كثرة النزول إلى الشوارع والنظر إلى النساء لأن بعض الناس ولو من الشباب المستقيم همه دائماً النزول إلى الشوارع، والطوفان بالبلد، لا لغرض وإنما لأتفه الأغراض، ولو حفظ وجلس في غرفته وقرأ وسبح وهلل لكان أحسن وأقوم سبيلاً، وإذا وجد فراغاً فليذهب إلى المسجد، أو إلى أحد الصالحين، أو أحد الدعاة أو العلماء أو طلبة العلم، هذا ما يحضرني والله أعلم.

стр. 1562

مجالسة الأمرد والابتلاء بحبه السؤال فضيلة الشيخ! إنني -ولله الحمد- شاب مستقيم، ولكني أجلس مع شباب مرد الوجوه، وحاولت أن أترك معاشرة شاب وهو أمرد فلم أستطع، وكلما شاجرته وسببت مشاكل بيني وبينه، يقول: لكني أعود إليه، وأذل نفسي عنده حتى تعود الارتباطات بيني وبينه، وقد نصحت منه ولم آخذ بهذا الكلام، أرجو من الله ثم منكم أن تدلوني على حل، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب هذا سؤال خطير، وقد ألف في هذه المسألة أبواب كثيرة، ولا يصح عن رسول الله ﷺ حديث الأمرد ذاك، وقد رده ابن تيمية الذي يقول: جعله وراء ظهره. لكن صح عن السلف أنهم حذروا من النظر والهيجان، والتطلع إلى المحرمات عموماً، ومنها: النظر إلى الأمرد، فالإنسان أعرف بنفسه، والشيطان له مداخل عجيبة على النفوس، فالإنسان مأمور بعموم قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] فغض البصر يشمل المرأة ويشمل الأمرد إذا وجد، إلا إذا كان الإنسان يجد أن نفسه لا تتحرك ولا ريبة ولا شهوة، والأمرد إنما جعل حراماً لما عليه من سيئات أو ما يتحمل من نتائج سيئة، فهو أدرى بنفسه، وليتق الله ، فإذا كان لضرورة كأن يعلم درس قرآن أو حديث، أو في جلسة أو مركز فعليه أن يغض بصره، وأن يتقي الله، ولا يخلو به؛ فإن هذا أمر خطير. وأما ما ذكرت وأنك وجدت هذا في نفسك فاتق الله وابتعد عنه، وعليك أن تقنعه بهذا الأمر، وإذا حضرت عنده أن تغض بصرك، لأنه لا حياء في الدين، فهذه المسألة ألف فيها رسائل، ونوقشت في مجالس لأهل العلم على مستويات كبيرة من الأئمة الكبار، كـ أحمد بن حنبل فقد كتب وأفتى فيها، والإمام النووي له فتوى، وابن تيمية، فلا حياء في الدين، وقد ذكر الله في القرآن ذاك الذنب العظيم الذي وقعت فيه أمة لوط، وسبب التدمير والإبادة التي أوقعها الله تعالى بتلك الأمة، وثنى وأعاد، فهذا ينتبه إليه، وأنا أقول: على الشباب أن يغضوا أبصارهم، وأن تكون اجتماعاتهم اجتماعات جماعية، ليس فيها خلوة، وأن إذا حضروا في مخيم أو في مكان أن يكونوا على مرأى ومسمع من الناس، ولا يقرب الإنسان من نفسه الشبهة والشك والريبة، فلو سلم منها أحد لسلم منها ﷺ ، فإن الناس قد يتهمون البريء ولو كان من كان. الرسول ﷺ لما زارته صفية وخرج يشيعها مر رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال: ﴿على رسلكما، إنها صفية بنت حيي -زوجته ﷺ ! - قالوا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم﴾ فالإنسان يبتعد عن التهم، وعن مواقع الريب؛ لأن الناس يسرعون إلى الشك والتهمة والله أعلم.

стр. 1563

مشكلة الغناء والدخان السؤال أنا شاب ملتزم -إن شاء الله- ولكني بليت بأشرطة الغناء، ولا أستطيع الصبر عنها، فأفيدوني ماذا أعمل جزاكم الله خيراً؟ مع بيان عقوبة الغناء في الدنيا والآخرة وطريقة علاجه وشكراً؟ والمشكلة الثانية: أطلب حكم الدخان؟ الجواب الغناء محرم؛ حرمه علماء الإسلام لأدلة منها ظنية ومنها ما يقبل القطع من الأحاديث النبوية، قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ [لقمان:٦] ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] قال كثير من المفسرين: الغناء، وقال ابن مسعود -ومنهم من رفع هذا الحديث، والصحيح أنه موقوف عليه-: [[والذي نفسي بيده، إن الغناء لينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل]] وعند البخاري: عن هشام بن عمار إلى أبي مالك الأشعري: قال ﷺ : ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف﴾ واستحلالها يكون بعد التحريم، فالذي ظهر أنه محرم، وأن له نتائج وسيئات عظيمة. منها: أنه يحبب الزنا، قال ابن القيم: الغناء بريد الزنا. ومنها: أنه يخلي القلب من محبة الواحد الأحد، ومن محبة القرآن والمساجد. ومنها: أنه يجعل الإنسان ضائعاً يتبع هواه. ومنها: أنه يعدم عليه وقته. ومنها: أنه يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة وهو الرصاص المذاب. ومنها: أنه يحرمه الله لذة الأصوات، حتى يقول ابن القيم في منظومته: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان فإن من أخذ العود هنا واستمع الغناء حرمه الله سماع لذة الغناء في الجنة، وعند الإمام أحمد في المسند: ﴿في الجنة غوان وجوار، ينشدن ويغنين: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾ وهذا جزاء من حرم على أذنيه سماع الغناء، والله يجعل الجزاء من جنس العمل، فمن شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من ردغة الخبال من النار، وحرمه الله خمر الجنة التي لا غول فيها ولا تأثيم، وهذا يقاس عليه. فاعلم أن الغناء محرم، واعلم أنه يجرك إلى سيئات كبرى، وأنه يوقعك في حبائل الشيطان، وفي الفاحشة والجريمة -نعوذ بالله من ذلك-. وعلاجه أن تتوب إلى الله وتستغفر، وتستبدل أشرطة القرآن والمحاضرات والندوات والخطب، وأن تتقي الله في نفسك، وتعلم أن حياتك وسمعك وبصرك محسوب عليك. أما المسألة الثانية: الدخان؛ فالذي ظهر من عمومات الأدلة وهي استنباطية من الأدلة ليست نصية حرفية؛ أنه محرم، وبعض الناس لجهلهم بالسنة، وجهلهم بالاستنباط والعلم نصبوا من أنفسهم مجتهدين، الواحد منهم إذا أراد أن يشرب الدخان جعل من نفسه مجتهداً مطلقاً، وقال: ائتوني بآية في القرآن تحرم الدخان أو حديثاً. عجباً لك!! أتريد أن يكون القرآن قاموساً يتحدث عن كل شيء وقع في الدنيا، فيتحدث عن التفاح والموز والميرندا والبيبسي والدخان؟! لا. إن كتاب الله كما يقول ابن تيمية والشاطبي وغيرهما: قواعد كلية، وتحت القاعدة تندرج آلاف القضايا، يقول : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فالطيبات عد ولا حرج، كم من طيبة خلقها الله وسوف يخلقها الله تدخل في هذه الكلمة، والخبائث حدها ما ضر في الدين أو المال أو العقل أو العرض والنسب، فهذه الأمور إذا أضرت فهي محرمة، والدخان عرف عند الناس أن فيه ضرراً على المال، وعلى الجسم، وعلى النسل، فهو محرم لهذا الاستدلال فليعلم ذلك.

стр. 1564

الوسوسة في الصلاة والكسل عن صلاة الفجر السؤال من المشاكل التي وصلتنا في الصلاة أن كثيراً من الشباب يشتكون من الوسوسة في الصلاة، والتفكير في أمور خارج الصلاة، وهو في أثناء الصلاة، فما حكم ذلك؟ والمشكلة الأخرى هي عدم استطاعة الشباب القيام لصلاة الفجر؟ الجواب أما وسوسة الصلاة فهي مشكلة عريقة عظيمة وقديمة من عهد المصطفى ﵊، وعند النسائي من حديث عمار: ﴿إن من الناس من يصلي فلا يخرج من صلاته إلا بعشرها﴾ وبعض أهل العلم يجعل الحديث تنازلياً وبعضهم تصاعدياً، بعضهم يقول في رواية الحديث كما عند النسائي: ﴿يخرج من الصلاة وصلاته كاملة، ومنهم من يخرج بنصفها، ومنهم من يخرج بثلثها، بربعها، حتى وصل إلى عشرها﴾. وهذه الوسوسة لها أسباب: إما قلة عظمة الله في القلب، أو كثرة الشواغل والدواعي والواردات، فإن بعض الناس ترد عليه واردات قبل الصلاة تشغله في الصلاة، وحل ذلك يكمن في ثلاثة أمور: أولاً: أن تعرف أن الكبير وملك الملوك الذي دخلت بين يديه أولى بالتعظيم ممن تذكر، ومعنى (الله أكبر) أي: من كل مذكور، أو كل ما خطر ببالك، أو كل ما شغلك في الصلاة. والأمر الثاني: أن تشغل نفسك بتدبر القرآن، فإن كنت قارئاً فتدبر ما تتلو، وإن كنت مستمعاً فعش مع الإمام وهو يتلو عليك الآيات لتشغل نفسك عن الشواغل. والأمر الثالث: أن تصلي صلاة مودع، وكأنها آخر صلاة تصليها في الحياة الدنيا، ولا تدري هل تعيش بعدها أو تموت. والناس يختلفون على في هذا درجات. وشكي إلى أبي حنيفة ﵀، فقال له رجل: حفرت لمالي مكاناً وما علمت أين وضعته، قال: قم فصل في الليل؛ فإن الشيطان سوف يذكرك في الصلاة -ما يذكر إلا في الصلاة- فقام الرجل، فلما استفتح بالقراءة بالفاتحة تذكر المال، وقطع الصلاة وفر يبحث عن المال، وليته أكمل الصلاة، لكن خاف أن ينسى بعد الصلاة أين وضع المال. وأما المشكلة الثانية: مشكلة صلاة الفجر؛ وهذه لها أسباب كسبية من العبد، فالله لا ينوم الناس عن الصلاة، والله جعل الأشياء بمسبباتها، فقال في المهتدين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] وقال في الضُلَّال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] فإن من يسهر السهر الطويل المميت القاتل ثم ينام عن صلاة الفجر، ثم يقول: نام رسول الله ﷺ عن صلاة الفجر هو وأصحابه، والله المستعان! دائماً يستدل بها، فعلها الرسول ﷺ مرة فيجعلها دائماً ألف مرة. يقول الغزالي: مثل هؤلاء كمثل أناس سمعوا أن الرسول ﷺ رأى الحبشة يلعبون الحراب في المسجد مرة في العمر -في تاريخ الدعوة مرة- فأقره الرسول ﷺ ، فهذا كلما صلى الصلاة أخذ حربته ولعب في المسجد، وقال اقتداء بالحبشة، والرسول ﷺ قد أقرهم! فالذين يأخذون نوادر المسائل في السنة ويجعلونها اطرادية؛ هؤلاء ضلوا من طريقين: من طريق قلة الفهم، ومن طريقة التعدي بالكسب السيئ في العبادات. ولنتحدث في صلاة الفجر: كان السلف الصالح يشكون من عدم قيام الليل، أو تأخر قيام الليل، أما نحن فوصلنا إلى أَلا نقوم الفجر، فحله -بارك الله فيكم- أمور ذكرها الغزالي في الإحياء وغيره. منها يقول: أن يكون لك قيلولة في النهار، رأى الحسن البصري أناساً في سوق البصرة وقت القيلولة لا يقيلون، قال: إن ليل هؤلاء ليل سيئ، ما دام أنه لا ينام في النهار فمعناه أنه سينام في الليل. ومنها: أن تنام مبكراً، فإن من سهر فإنه سوف يفوته الفجر إلا من رحم ربك. ومنها: أن تقلل من عشائك، وهذا فيه نظر، وأنت أبصر بنفسك. ومنها: أن تقرأ الورد الذي ذكره النبي ﷺ لـ علي وفاطمة في الترمذي: ﴿أن تسبح ثلاثاً وثلاثين، وتحمد ثلاثاً وثلاثين، وتكبر أربعاً وثلاثين، وقال لهما: فهو خير لكما من خادم﴾ فهو قوة بإذن الله لقيامك لليل، وبعض أهل العلم جرب، وقال: إن من قرأ آية الكرسي سبع مرات أيقظه الله ، لكن توضأ ونم مبكراً واسأل الله أن يوقظك. ثم الوسائل الجديدة، كأن تأخذ لك ساعة موقظة، أو تلزم بعض أهلك بإيقاظك، والله معك.

стр. 1565

مضايقة الأهل وصعوبة دعوتهم السؤال من المشاكل التي تواجه الشباب: قضية علاقة المرء مع أهله، فبعض الشباب يشتكون من مضايقة أهليهم وإخوانهم الكبار، وبعضهم يريد أن يدعو أهله إلى الصلاح، وإلى فعل الطاعات وترك المعاصي، ولكنه يجد في ذلك صعوبة، فما حل هاتين المشكلتين؟ الجواب أزمة الاختلاف في البيوت موجودة ومشهورة، وقد يكون السبب أن كثيراً من الشباب حينما يهتدون يتحمسون للدين والالتزام فيبدءون مع أهليهم بحدة وعنف، فيريدون أن يطبقوا الإسلام في ساعة واحدة من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ربما أصول الإسلام ما استقرت في أذهان أهله كالصلاة، كأمور الحجاب، كأمور التطلع والاختلاط بالأجانب، كأمور كبرى، فيبدأ هو إذا رأى أخاه يشرب باليسار أقام الدنيا وأقعدها في البيت، وصاح وناح، ويبدأ بإخوانه الكبار في إسبال الإزار، وفي اللفتات والوضوء، ويقول: عليكم أن تبدءوا إذا دخلتم البيت بالدعاء، لأنه ثبت في سنن أبي داود وصححه الألباني، وبدأ بالتصحيح والتضعيف، والتعديل والتجريح، فأقام الدنيا وأقعدها في البيت، وهذا ليس بأسلوب. أولاً: هم ربما كانوا في غربة ووحشة عن الإسلام الذي أراده النبي ﷺ . ثانثاً: أن التدرج سنة من سنن الله في الحياة حتى في الخلق، فإنه سبحانه تدرج في خلقه، والله يستطيع أن يقول للشيء: كن فيكون، لكن تدرج في خلق هذا الخلق. ولما بعث الله الأنبياء نبههم إلى هذا، فقال لموسى وهارون أن يقولا لفرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] وقال ﵊ لـ معاذ لما بعثه إلى اليمن: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله﴾ هل يصح إذا كان إخوانك لا يصلون، أو يتركون الصلاة أن تبدأ معهم بالدعوة، فتقول: ارفع الإزار؟ لماذا لا تربي لحيتك؟ يربي لحيته وهو لا يصلي!! أو يرفع إزاره وهو لا يصلي!! والقضايا قضية قضية، فيبدأ في قضية الصلاة، حتى ينتهى منها، ثم القضية الأخرى وهكذا. يقول سيد قطب في كتابه في ظلال القرآن: إن هذه الدعوة كشجرة الصنوبر، تعيش نبتة نبتة، ثم تبدو من على الأرض، ثم يصلب عودها، وقد ذكر الله هذا فقال: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] فانظر كيف بدأ بتدرج الدعوة، أو وصف الإيمان في نفوس الصحابة بهذا الأمر؟! فعليك أن تكون طويل النفس، وأن تكون صابراً. ومن الناحية الأخرى فإن كثيراً من الشباب يوم كان سيئاً كان حسن الخلق، فلما اهتدى قطب جبهته وجبينه، ودخل مغضباً، وخرج مغضباً، ودائماً يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون حسبنا الله ونعم الوكيل سلط الله عليكم اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم وحط بهم وزلزهم يا رب العالمين، وهذه ربما تقع، أو شبه هذه، وهذا ليس بأسلوب. يقول الطفيل بن عمرو الدوسي: ﴿يا رسول الله! طغت دوس فادع الله عليهم، فرفع يديه، فقلت: هلكت دوس؟ قال: اللهم اهد دوساً، اللهم اهد دوساً﴾. فالواجب أن يدخل العبد ويقول: اللهم اهد أهلي، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، هداك الله يا أخي، أما الكلام النابي المجحف، وتقطيب الجبين، والحرارة الزائدة؛ فإنها تنفر الناس وتبغض، يقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].

стр. 1566

التخلص من قرناء السوء السؤال ما هي الطريقة المتبعة لمفارقة جلساء السوء رغم كثرتهم واستهزائهم بمن يرونه محافظاً على الوقت وعدم تضييعه؟ الجواب أما الاستهزاء؛ فليستهزئ من يستهزئ، فهذا كطنين الذباب لا يأبه به الأخيار، فما تضر أبداً، ولو سلم الله أحداً من الاستهزاء لسلم أنبياءه، فقد صح أن موسى ﵇ لقي الله في مكالمة بين موسى وبين رب العزة : ﴿فقال الله : يا موسى! أتريد شيئاً؟ قال: أريد يا رب أن تكف عني ألسنة الناس، فإنهم يتكلمون في عرضي، قال: يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وأشافيهم وأعافيهم، ويقولون: إن لي ولداً، وإن لي صاحبة وأنا الله لا إله إلا أنا ما اتخذت ولداً ولا صاحبة﴾. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة: ﴿قال الله : يسبني ابن آدم، ويشتمني ابن آدم، وما كان له أن يسبني ويشتمني؛ أما سبه إياي، فيقول: إن لي ولداً وصاحبة، وأنا الله لا إله إلا أنا ما اتخذت ولداً ولا صاحبة، وأما شتمه إياي: فيشتم الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار كيف أشاء﴾. فهذا في جانب رب العزة ﵎، كيف ما سلم من عباده الذين خلقهم حقراء من التراب الذي يوطأ بالأقدام، يخرج كالحشرة، فإذا أبصر وسمع وأكل وشرب بدأ يتكلم في رب العزة ﵎؛ يقترح عليه، ويعترض عليه في حكمه، ولذلك موسى ﵇ كان إذا خلا بدءوا بألسنتهم يهتكون في عرضه، فإذا حضر سكتوا، قال : ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] فلا يزيدك هذا إلا رفعة، والرسول ﷺ قالوا عنه: ساحر، وشاعر، وكاهن، وسبوه، وهتكوا عرضه، ولكن رفع الله ذكره، وبرأه الله . فاستهزاء من يستهزئ دليل على حقارته ومذلته ومهانته، وهو في الحضيض، فهو ينظر إليك وأنت في سمو ورفعة، ولا يزيدك إلا ثباتاً واستقامة فليفعل ما شاء، وما عليك ممن شرق أو غرب إذا كنت على الصراط المستقيم. وهذا حتى عند الأمم الكافرة، يقولون: افعل ما هو صالح، ثم أدر ظهرك لكل جرح سخيف، أو كما قالوا. أما جلساء السوء، فإذا استطعت أن تؤثر عليهم، فما عليك من الكلام ولو استهزءوا فادخل معهم، مؤثراً بكتاب أو بمقالة أو بمراسلة أو باتصال، لأن الوسائل جدت عند المسلمين، فاستخدم هذه الوسائل. بعض الناس يستطيع أن يكلم زملاءه بالتليفون أحسن من أن يتكلم إذا حضر، لأنه إذا حضر عرق وضاع الكلام، ونسي الآيات والأحاديث والقصص. وبعضهم إذا كتب رسالة كتب وحبرها كأنها من رسائل القاضي الفاضل، تصل إلى القلوب. وبعض الزملاء لا يأتي به إلا الهدايا، فأرسل له شريطاً أو كتاباً، أو اهد له هدية، أو قدم له خدمة، أو ادعه إلى بيتك، هذا إذا أردت أن تؤثر فيهم. أما إذا جربت نفسك معهم ففر بنفسك وما عليك، والله لا يحشرك في زمرتهم، ولا يحشرهم في زمرتك، ولن تحشر في قبورهم، فلكل قبره، ولكل عمله.

стр. 1567

الخروج من البيت بغير رضا أحد الأبوين السؤال إن أمي تمنعني من الذهاب إلى المعهد العلمي لكي أستفيد وأفيد، ولقد جئت إلى هنا ولم توافق، ولكن أبي وافق، وهما منفصلان؟ الجواب هذه المسألة تمر كثيراً، وفيها تفصيل، إذا منع الوالد والوالدة العمل أو الإذن وهو من عمل الفرائض فلا يطاعون أبداً، ويعصون: ﴿لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق﴾ وإذا منعوا من النوافل ومستحبات الأعمال كطلب العلم، والمشاركة في هذه المجتمعات الطيبة كالمراكز الصيفية والاجتماعات والمحاضرات، ففيه تفصيل. من أهل العلم من قال: يعصون في الطاعة، وتقدم الطاعة. ومنهم من قال وهو الصحيح: أن في نوافل الطاعات يقدم طاعة الوالد والوالدة، ففي مثل هذا إن منعتك -مثلاً- من المعهد العلمي، فهذا فيه تفصيل: فإذا كنت تريد الدراسة بالمعهد ومنعتك فلا تطعها، لأن طلب العلم فريضة وواجب، فتذهب وتقنعها بالتي هي أحسن، وتذهب وتدرس وتتعلم ولا عليك. وإن كانت منعتك من مراكز، أو مخيمات، أو هذه الندوات فلك أن تطيعها حتى تقنعها، فإن اقتنعت فبها ونعمت، وإلا فتجلس معها، ولذلك تساءل الإمام البخاري في كتاب الصلاة، قال الحسن: إذا منعته أمه عن حضور صلاة العشاء فليحضر صلاة العشاء ولا يطعها، لأنها فريضة، ففهم بمفهوم المخالفة أنه لو كان أقل من صلاة الجماعة كان الأمر أيسر، فطاعة الوالدين أعظم، ولكن أقنعها حتى لا تبقى جاهلة بما ينفعك ويقربك من الله ، وخذها بالتي هي أحسن، علَّ الله أن يهديها.

стр. 1568

حب الظهور السؤال أعاني من مصيبة حب الظهور أمام الناس، فما هو حل هذه الحالة القاصمة؟ الجواب هذه الأمور التي فطر الناس عليها فيها جوانب تحمد وجوانب تذم، وما جعل الله خصلة إلا جعل فيها مركباً من مراكب الحق، ومركباً من مراكب الباطل، الكرم وهو كرم من استخدمه في طاعة الله كان سبيلاً إلى السعادة وإلى الجنة، وربما كان سبيلاً إلى الرياء والسمعة والتبذير. الشجاعة تكون نصرة لعباد الله، ونصرة للا إله إلا الله، ولدين الله، وتكون كذلك هجوماً على عباد الله، وتهوراً، وأذية لعباد الله ، إلى غير ذلك. يذكر ابن القيم وهو يتكلم عن الأخلاق في مدارج السالكين أن الظهور يمكن أن يوجه إلى الخير، وقد يوجه إلى الشر، غرست في نفسك صفة حب الظهور، وولدت معك فاستخدمها في طاعة الله، واجعل ظهورك يقربك من الله ، وطلب الشهرة مذموم، وهو من الأمور التي يعاقب عليها العبد إذا كان للشهرة نفسها، أما إذا كان قصدك إعلاء كلمة لا إله إلا الله فأشهر الناس محمد رسول الله وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وحب الخمول ليس محموداً دائماً، فإن أخمل الناس هم أهل الرهبانية من النصارى، فهم في الصوامع والكهوف، فما حمدوا على ذلك، إذاً فليس كل شيء من الصفات محموداً على إطلاقه ولا مذموماً على إطلاقه، فإذا بليت بهذا فاستغفر الله، واطلب من الله الإخلاص، وليكن ظهورك من أجل إظهار كلمة لا إله إلا الله، ولإظهار الدعوة، ولتنشر هذا الدين ليجعلك الله من الشهداء، فـ ابن تيمية استقل المنابر، وحضر المحافل، ودخل على السلاطين، وقاد الكتائب، وحمل لا إله إلا الله والرايات، وحضر المعارك، وهذا من أظهر الظهور، حتى إن ابن كثير في البداية والنهاية نسي التاريخ، ونسي الناس، وأصبح يترجم لـ ابن تيمية من كثرة ظهوره، لكن أخذ ظهوره في ذات الله ، ولمرضاة الله والإخلاص. فأنا أنصحك أن يكون ظهورك لذات الله، لكنك تتعوذ بالله من الشيطان، ودائماً تردد في نفسك: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه﴾.

стр. 1569

الحداثة السؤال ما هي الحداثة؟ وهل الرجل الحداثي مرتد يقتل؟ الجواب الحداثة طنطنة وشنشنة ودندنة، وكثر التحدث بها، وكثرت الأسماء والألقاب، والحداثة كلمة إن كانت في اللغة فهو الشيء المستجد الجديد، قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] أي: جديد ما سبق أن سمعوه. وأهل الحداثة في مفهوم الأدب: هم أناس يدعون إلى الحداثة، بعضهم يقول: الهجوم أو التدمير لكل ما سلف، ويدخل في ذلك الإسلام والكتاب والسنة، وميراث الصحابة، يقول: لا نؤمن إلا بالجديد، كل قديم نفرغ عليه، وهؤلاء ألحدوا في دين الله ، وحكمهم السيف الأملح الأحمر الأبتر، وعلم من كثير من العلماء أنهم أفتوا بذلك. ولكن التعميم عرضة دائماً للخطأ. أما من زعم أن الحداثة معناها أننا نثور على كل قديم ولا نقبله، فهذا حكمه القتل وهو مرتد، إلا أن يتوب ويسلم، ويدخل في دين الله من جديد، وأما من ظن أن الحداثة معناها تغيير قوالب الشعر؛ وأنسجة الشعر، ولكن بغير مساس بالكتاب والسنة والرسالة الخالدة فما عليه، هذه وجهة نظر، وهذا يقبل وله ذلك، ولا يكفر إذا زاد بحراً في البحور الستة عشر، لأنه إذا خالف الخليل لا يكفر، ولا يخرج من أهل السنة والجماعة. وإذا قال: أريد أن يكون هذا البحر كذا، والقافية تكون كذا، نقول: هذا رأيك ووجهة نظرك، لكن نقول له: لا تتدخل في الدين؛ فدونه خرط القتاد، والسيف الأملح، لا يرضى الله ولا رسوله ﷺ ولا المسلمون عامة وخاصة أن تتدخل في هذا، وإن تدخلت فنار تلظى لك في الآخرة، وسيف في الدنيا إذا كان هناك سيف. ولذلك يقول ابن تيمية وهو يتحدث عن العفيف التلمساني: إن صح عنه ما يقول فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وجزاؤه أن يقتل ردعاً له ولأمثاله، والحداثيون كما سبق لي في بعض المناسبات ثلاثة أقسام. منهم حداثي ما درى أين يسير؛ فقد سمع الناس يكتبون فكتب، يكتب في البيت، ويرسل لـ عكاظ تنشره، يكفي أن تخرج صورته في الصباح واسمه فلان بن فلان من مدينة أبها، وله قصيدة لا تساوي ريالين أو ثلاثة، فهذا يريد الظهور، وأمره إلى الله ﵎، إن شاء عذبه أو غفر له، ويحاسبه الله تعالى. ومنهم حداثي مجرم عميل ضال -نعوذ بالله منه- فهذا وسوس الشيطان له، ولعب به، ومقصوده هدم الدين، وهذا يتولاه الله في من تولى، ويرديه ناراً تلظى. وأما الثالث: فمسلم مصلِّ صائم، لكن يحب الشعر الذي لا يكون مقفى، لأنه ما استطاع أن ينسج على المقفى، ما استطاع أن يمسك الراء في ثلاثين بيتاً، فقال: لا، ما دام هذا الشعر بلاش ورخيص؛ فأنا أنظم عليه ليكون شاعراً، فهذا بأجره وبوجهة نظره. فهؤلاء أقسام ثلاثة: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:٩ - ١٠].

стр. 1570

عوامل الاستقامة وحفظ القرآن السؤال ما هي الوسائل التي تعين الشباب على الاستقامة؟ وما هي العوامل لتثبيت حفظ القرآن الكريم؟ الجواب نحن منذ صلاة المغرب ونحن في هذه الوسائل التي تعين على الاستقامة، وأما التي تعين الإنسان على حفظ القرآن فأمور، أذكرها في نقاط: أولها: تقوى الله ، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. ثانيها: كثرة الاستغفار، فإن الذنوب تجعل الإنسان لا يفهم ولا يحفظ كثيراً، ولذلك يقول لما ذكر: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٨] ثم قال : ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١٠٦] يقول للرسول ﷺ : واستغفر الله، قالوا: فمن أسباب الحفظ والفهم كثرة الاستغفار. ومنها: المراجعة؛ أن تراجع ما حفظت، فإن بعض الناس يتعب فيحفظ ثم يترك المراجعة، ثم ينسى ما حفظ، ثم يبدأ وهكذا، فلا يصلح إلا بمراجعة، ومن أحسن وسائل المراجعة: الشريط، أن تستمعه في سيارتك، وفي بيتك، وأن تسمع قراءة المقرئين في السور وفي الصلاة. ومنها: أن يكون لك زميل تحفظ معه في أوقات هادئة وطيبة. ومن أسباب حفظ القرآن: معرفة معاني القرآن (التفسير) فتطلع على المعاني؛ لأنك إذا عشت الأحداث، وعشت تذييل الآيات، وعشت خواتم الآيات حفظته بإذن الله. بعض الشباب لقلة معرفتهم بالتفسير يأتي إذا أراد أن يختم الآية يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] ولو فهم المعنى ما ختم بهذا، لقال: لعلكم تسمعون، لأن الله في آيات الليل يذكر السمع، وفي آيات النهار يذكر البصر. قال الرازي: لأن البصر في النهار هو الآلة، والسمع في الليل هو الآلة، فلو فهم هذا المعنى وتلك النكات واللطائف لأعانته على حفظ هذه المعاني وغيرها، هذا ما يحضرني في هذا الباب.

стр. 1571

الأكل والشرب مع الكفرة السؤال أنا أعمل في إحدى الشركات، وغالب من يعمل في هذه الشركة من الأجانب الكفرة، وأنا آكل وأشرب معهم، فهل في ذلك شيء، جزاكم الله خيراً؟ الجواب الرسول ﵊ أكل مع المشركين، وذكر ذلك في أحاديث، ومع المنافقين ومع اليهود، لأنه يدعوهم ﵊، فإن كان قصدك الدعوة وقصدك التأثير عليهم فلا بأس بذلك، لأن مقصدك جميل وهذه وسيلة يتنازل بها لما هو أعظم منها. وأنت إذا أردت أن تدعوهم إلى الله فلا يمكن أن تتركهم فلا تأكل معهم، فإذا أتى الأكل تتركهم وتذهب في غرفتك، أو أتى وقت الشرب لا تشرب معهم، وأتى وقت الجلوس لا تجلس معهم، ثم تأتي بعد وقت، وتقول: أدعوكم إلى الإسلام، الإسلام الذي قدمته بأخلاقك لهم، وأنت تجانبهم، وتجافيهم، وتظهر لهم الكره والبغضاء، والرسول ﷺ ما فعل هذا، بل ثبت عنه أنه أكل مع المشركين لأنه داعية. أما إن كنت رجلاً صالحاً ولست داعية، وليس عندك استطاعة للتأثير، وليس في مقدرتك أن تدعوهم؛ فاجتنبهم في أكلهم وشربهم، وأظهر لهم العزة بالإسلام، واجعلهم صاغرين، ولا تصافحهم، واجتنبهم إلا في حد الضرورة، كأن يكون مرءوسك، ويستطيع الإضرار بك، فلك بحد الضرورة أن تدخل عليه وتسلم وتحيي لأنه يقع عليك ضرر أعظم مما تنازلت عنه، هذا ما يحضرني في هذا. وأنا أقصد دعوة بأي وسيلة؛ كأن يكون هناك ترجمان، أو تظهر من نفسك الخلق لتمهد الباب لأن تعطيه كتباً فانظر هل من مقصودك أن تدعوه وتؤثر فيه فاعمل بما يليق، وإن كان قصدك أن تعيش في هذه الشركة ولا تدعو فاجتنبه ولا تأكل معه.

стр. 1572

أسباب السعادة وكيف نحصل عليها ؟ إن السعادة في هذه الدنيا هي مطلب كل إنسان؛ ولكن ليس كل من طلب السعادة يجدها؟ هناك من يبحث عن السعادة في المال؛ وهناك من يبحث عنها في الجاه والقوة والسلطان، وهناك من يبحث عنها في الشهرة، وهناك من يبحث عنها في الملذات والشهوات، وفي هذا الدرس بيان لأسباب السعادة، وأنها في طاعة الله وعبادته والعمل الصالح مع شواهد من أخبار الصحابة والتابعين.

стр. 1573

أهمية موضوع أسباب السعادة الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكوراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين. فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. هذه المحاضرة بعنوان (أسباب السعادة وكيف نحصل عليها). ولأنه موضوع طارئ وجد لبعض الأمور، ولكثرة الأسئلة في هذا الباب، وهو موضوعٌ تجدر العناية به؛ فقد كتب عنه المسلمون والكفار، وتكلم به الخطباء، واعتنى به العلماء والأدباء والشعراء؛ وكانت السعادة هدفاً لكل الأمم مسلمو الأمم وكافروها. وهذه السعادة هدفٌ يطلبها كل الناس فمنهم من ظن أن السعادة في الملك؛ فسعى في طلبه، وسفك الدماء للحصول عليه، وحاول كلَّ جهده أن يجعل حياته تحقيقاً لهذا المطلب؛ وكان منهم فرعون الطاغية، الذي لما وصل إلى الملك قال: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي. وظن آخرون أنها في المال فسعوا في طلبه، وبذلوا الأرواح والمهج رخيصةً حتى حصلوا عليه، ولكن ما وجدوا فيه السعادة وكان منهم قارون قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]. وظن آخرون أنه في كثرة الأولاد، ومنهم الوليد بن المغيرة قال : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر:١١ - ١٣] إلى غير تلك المسالك.

стр. 1574

كتب ومؤلفات عن الموضوع وأعرف كتباً كثيرة ألفت في هذا الباب -قديمةً وحديثة- وقد تكلم علماء الإسلام عن هذه السعادة وكيف تحصل منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في" الفتاوى " وفي غيرها، ومنهم ابن القيم في" مدارج السالكين " وفي" طريق الهجرتين ". ومن المحدثين الأستاذ/ محمد الغزالي في كتاب " جدد حياتك " وقد جمع هذا الكتاب وأخذه من كتاب دع القلق وابدأ الحياة " لـ دايل كارنيجي. ومن آخر ما علمت أنه كتب في هذا الباب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته. وألخص ما كتبوا إن شاء الله في بنود وعناصر.

стр. 1575

قصة علي بن المأمون ومن القصص عن أهل القرون السابقة القرن العباسي أن علي بن المأمون والمأمون هذا هو الخليفة العباسي الكبير- كان خليفةً من أعلم الخلفاء، لكن علمه ممزوج بالاعتزال والبدعة ما كان علمه سلفياً صافياً، ولذلك اعترض عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن الله سيسأل المأمون عما أدخل من الفلسفة في بلاد المسلمين، وهو الذي تزعم القول بخلق القرآن، ونشر هذا المبدأ، وجعل هناك تحالفاً بدعياً مع أحمد بن أبي دؤاد وبشر ومحمد بن جهم وأمثالهم، والشاهد أن ابنه علياً كان أميراً من الأمراء، وكان إذا أصبح الصباح خرج في شرفة القصر -في بغداد دار السلام - وقصور بني العباس كانت تلمع مع إشعاع الشمس من جودتها، وسموها، وسمقها، وورد أنهم كانوا يموهونها بماء الفضة؛ فإذا رأتها الشمس لمعت لمعاناً عجيباً، وبهرجاً غريباً، فكان يشرف على الشرفة -شرفة القصر- وينظر إلى الناس في أسواق بغداد ذاهبين وآيبين من دجلة إلى داخل بغداد، ولفت نظره رجلٌ مسكينٌ فقيرٌ، كان يعمل حمالاً يحمل أكياساً ومتاعاً للناس بأجرة، فإذا أتت صلاة الضحى توضأ من ماء دجلة، ثم صلى أربع ركعات، ثم يعود ليعمل إلى قرب الظهر، فإذا اقترب الظهر ذهب فنام؛ فإذا سمع أذان الظهر قام فتوضأ، ثم ذهب إلى المسجد فصلى، فإذا صلى أتى فأخذ قطعةً من الخبز اشتراها من السوق وشيئاً من البقل، فأتى فغسل البقل في نهر دجلة قريباً من قصر الأمير، وأكل هذه القطعة مع هذا البقل، ثم يقوم ويصلى إلى العصر، ثم يعمل بعد العصر، ثم يأخذ شيئاً ويذهب إلى بيته فأخذ يلمحه طيلة الأيام؛ وما تغير في سيرته، ولا في برنامجه شيء، فلفت نظره! وقال: أهو سعيد أم شقي؟ وما هي نفسيته؟ وأراد أن يتساءل معه؛ فأرسل بعض خدمه إليه وقال له: الأمير يدعوك. قال: ما لي وللأمير أنا ما دخلت في حياتي على أمير من الأمراء، ولا أريد شيئاً من الدنيا، أي: ليس عندي من المشاكل، ولا من الطلبات، ولا من الأمور التي أعلمها شيء، وما تكلمت في أمير، وما أظن أنني أعرف أحداً منهم. قال: إنه يريدك لأمر. قال: آتيه غداً. قال: إنه يريدك اليوم فأتى بهيئته، وأسماله البالية، وبثيابه. وهذه القصة في التاريخ، ومن ضمن من ذكرها صاحب" رجال من التاريخ "، وصاحب" قصص من التاريخ " الشيخ علي الطنطاوي، وهي موجودة؛ لكنه بسطها بأسلوب أدبي، فهو إذا كتب في هذا المجال أجاد وأفاد، فهو صاحب قلمٍ سيال، وقلمه أحسن من لسانه. فالمقصود أنهم دخلوا بهذا الفقير المسكين على الأمير؛ فأجلسه عنده، فلما رآه قال له الأمير: أأنت سعيد؟ قال: الحمد لله أنا في سعادة ما بعدها سعادة. قال: أتريد شيئاً من الدنيا؟ قال: لا والله ما أريد شيئاً. قال: فإني أعرض عليك شيئاً من هذا المال. قال: أسألك بالله إلا تركتني وحالي. قال: فكن عندنا في قصرنا، قال: لا لا أريد الشقاء، أريد السعادة فيما أنا فيه. قال: ما هو عملك؟ وما هو دخلك، وأهلك؟ قال: أنا لي زوجةٌ وأخت؛ زوجة مقعدة وأخت عمياء، وليس لي من الدخل إلا ما أقوته في اليوم أذهب في الصباح، فأعمل إلى الظهر، ثم أتغدى بهذه الكسرة التي أجدها من العمل، بعد أن أتوضأ وأصلي الضحى، ثم أنام، ثم أصلي الظهر، وبعدها أصلي إلى العصر، ثم أعمل قليلاً لآخذ إفطاراً لزوجتي ولأختي؛ لأنهما تصومان الدهر. قال: وهل تخافُ شيئاً؟ قال: لا والله. قال: هل عليك دينٌ؟ قال: ما عرفت الدَّين. قال: أعندك مشكلةٌ ترفعها إليَّ؟ قال: ما شاكلت أحداً في حياتي. قال: ما تريد؟ قال: أن تتركني. قال: فتركه فنزل. فلما نزل أخذ الأمير ينظر إليه متعجباً من هذا الصنيع، وفي آخر المطاف أتى هذا الأمير وكان عاقلاً حازماً، فاستدعى بعض المقربين من إخوانه وعشيرته، وقال: إنني سوف أذهب إلى مكان الله أعلم به، فإن تخلفت فأخبروا أبي أنني ذهبت إلى أرض، وأنني بخيرٍ إن شاء الله، فخلع ثيابه في غداةٍ من الأيام، وأخذ خاتماً بيده، وترك أمواله، وأوصى بكل شيءٍ من ذويه، ثم ركب. قالوا: فنزل واسط وهي بلدٌ في الشمال، فأخذ يعمل، وغير مهنته حمالاً وهذه في ترجمة علي بن المأمون الخليفة العباسي. وكان يصلي الليل، ويصوم النهار ويقرأ القرآن، وأخذ المأمون يقلب الدنيا ظهراً لبطن عنه، فما وجده، وما ظن أنه سوف يكون حمالاً، يُمر به ولا يعرفه أبداً. فلما حضرته الوفاة ذهب إلى الذي يعمل عنده، فقال: أنا ابن المأمون الخليفة، فإذا أنا مت فخذ هذا الخاتم، وهذه الدراهم فاشترِ لي بها كفناً، فإنني قد وجدت السعادة في الحياة، وأوصل هذا الخاتم لأهلي. فلما توفي غسل وكفن من دراهمه وما ترك تركةً، ولا دنياً فقد كان عابداً زاهداً مستقيماً فأتي المأمون بخاتمه بعد أن توفي؛ فبكى وذهب إلى قبره ليزوره، وقال: وجدت السعادة. وهذه قصةٌ من قصصٍ سوف تمر معنا إن شاء الله، نقلت في التاريخ والسير، ونستعرض الآن أسباب السعادة، وما هي الأمور التي تقرب السعادة للمؤمن؟

стр. 1576

وسائل وأسباب السعادة من الوسائل:

стр. 1577

الإيمان بالله فإن الكافر لا سعادة له مطلقاً بإجماع العلماء والعقلاء، فالكافر لا سعادة له، والفاجر لا طمأنينة ولا سكينة له، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] وقال في المؤمن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. فالحياة الطيبة في الإيمان والعمل الصالح؛ والناس يتفاوتون بحسب إيمانهم وعملهم الصالح درجات، وبحسبها تكون السعادة، قال : (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ) [الأنعام:١٢٥]. ويتكلم ابن تيمية عن بعض المناطقة الفلاسفة أهل الشك والريبة، الذين شكوا في قدرة الباري فأصابهم الله بغمٍ، وهمٍ، وظلامٍ، وقلق، واضطراب، حتى كادوا أن يموتوا. قيل لأحدهم: بماذا تشعر؟ قال: أشعر أن قلبي ظلمات بعضها فوق بعض. قالوا: يقول العلماء: ليس لك علاج إلا العبادة. قال: لا أستطيع العبادة. وهذا هو الخذلان، والعجيب أن بعض الناس يؤلف في السعادة؛ ولا يدرك السعادة، فإن دايل كارنيجي الأمريكي الذي ألف" دع القلق وابدأ الحياة " الكتاب الذي ترجم إلى تسعٍ وخمسين لغة في العالم، وهو من أكثر كتب الكفار انتشاراً، هذا في آخر عمره أخذ سكيناً ونحر نفسه؛ لأنه ما عرف الطريق إلى السعادة، وما عرف الإيمان، فهؤلاء دلُّوا على طريق العبادة فقالوا: لا نستطيع العبادة، فأعظم الناس سعادةً المؤمن الذي يعمل الصالحات. وفي صحيح مسلم عن صهيب أنه ﷺ قال: ﴿عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن﴾. قال عمر ﵁: [[والله ما أبالي أيهما ركبت: مطية الفقر أو مطية الغنى، إن كان فقراً فصبرٌ وأجر، وإن كان غنى فشكرٌ وأجر]]. وقال ابن مسعود: [[والله ما أصبح لي من سعادة، إلا أن أتلمح القضاء والقدر، ففي أي موقع يقع القضاء والقدر فهي السعادة]]. وقال عمر بن عبد العزيز وهو ينظر إلى أبنائه كأنهم الدنانير أمامه: [[والله الذي لا إله إلا هو ما أصبح لي من سعادة إلا في القضاء والقدر، ولو استلب هؤلاء من بين يدي؛ ما شعرت بقلق في أمر الله ]] ولهذا بلغوا منزلةً عظيمة في الإسلام، ولذلك حاول الناس في الحصول على السعادة، ونجح منهم من حصل على الإيمان. وبلال ﵁ وأرضاه يوم ذاق حلاوة الإيمان، كان يسحب على الصخور وهو يقول: [[أحدٌ أحد أحدٌ أحد]]. أحدٌ هتفت بها بصوتٍ صارخٍ تثني بقولتها لكل معطل وهو يوم يسحب على الرمال، ويجر على وجهه، يقول: أحدٌ أحد؛ لأنه ذاق حلاوة الإيمان، وارتفع الإيمان في قلبه إلى درجة أنه لا يشعر بالعذاب. وخبيب بن عدي أخذوه على مشنقة فرفعوه ثم أخذوا يضربونه بالسيوف، فقالوا له: أتحب أنَّ محمداً مكانك في مكة، وأنك في أهلك ومالك؟ قال: [[والله ما أحب أني في أهلي ومالي، وأن رسول الله ﷺ تصيبه شوكة]] ثم لما رفعوه قال: ولست أبالي حين أُقتل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلو ممزع أتي بـ عبد الله بن حذافة الصحابة الشباب -فأخذ أسيراً إلى بلاد الروم فقال ملك الروم: أخرجوا إلي أسرى المسلمين. فأخرجوه. قال: هاتوا زيتاً وأغلوه في قدور، فغلوا الزيت حتى أصبح له أزيز في القدور؛ فأمر بالأسرى، وأخذ يوقعهم مكتفين في القدور، فينفصل اللحم عن العظم، فقال الملك لـ عبد الله بن حذافة أتريد أن تعود عن دينك، وأعطيك نصف ملكي؟! قال: والله الذي لا إله إلا هو لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أترك دين محمدٍ ﷺ طرفة عين ما تركته قال: خذوه إلى القدور، وألقوه في القدر، فذهبوا به وهو مكتوف الأيدي، فلما رأى الأسارى تغلي بهم القدور وقد انفصل العظم عن اللحم، بكى! فأعادوه وظنوا أنه سوف يذعن لأمر الملك؛ فقال: مالك تبكي؟ قال: والله ما بكيت جزعاً من الموت، وما أتيت أقاتلكم إلا لطلب الشهادة، لكن أبكي لأنه ليس عندي إلا نفس واحدة، وأحب أن لي بعدد شعر رأسي نفوساً تعذب في سبيل الله فعجب منه! قال: لا أُطْلِقُكَ حتى تقبل رأسي، وأطلق معك الأسارى جميعاً -الذي بقي منهم- فاقترب منه، وأوهمه أنه قبل رأسه، وقد تفل على رأسه؛ فأطلق معه الأسارى، فلما وصل إلى المدينة؛ لقيه عمر، فعانقه وعمر يبكي، وقال: حقٌ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، فقال عبد الله، وكان مزاحاً: أتريد أن يكون رأسي من كثرة التقبيل أصلع كرأسك؟ فقام الناس يقبلونه، وكان أولهم عمر ﵁ وأرضاه (حقٌ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة. ودخل ابن تيمية على أحد السلاطين السلاجقة في دمشق، وكان هذا السلطان إما ابن قطلوبك أو سلطان آخر، فقال له ابن قطلوبك يا ابن تيمية: الناس يقولون: إنك تريد ملكنا، وملك آبائنا وأجدادنا، فضحك ابن تيمية -ضحك المستعلي الشجاع المتحدي- وقال: والله الذي لا إله إلا هو ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً، إني منذ عقلت رشدي أريد جنةً عرضها السماوات والأرض فلما سجنوه؛ أخذه السجان فأغلق عليه باب السجن، فتبسم ابن تيمية، وهو يقول: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ثم يقول: " ماذا يفعل أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري -القرآن والذكر والتسبيح والتهليل والمناجاة- أنا جنتي وبستاني في صدري، أنّى سرت فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة، ثم قال: المأسور من أسره هواه والمحجوب من حجب عن ربه ". يقول القاضي الزبيري: خذوا كل دنياكم واتركوا لي فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا وسعيد بن المسيب سيد التابعين، والإمام الكبير للسُنة في عهد التابعين، الذي كان من أعظم عباد الله عبادة، بقي يبكي في مسجد الرسول ﵊ من كثرة التلاوة والعبادة حتى ذهبت عينه اليمنى، فقالوا: نخرج بك إلى العقيق -والعقيق وادٍ وارف الظلال، وبستان أخضر حول المدينة - علَّ بصرك أن يعود إليك، ثم قال: أتخرجون بي لتفوتني صلاة بألف صلاة في مسجد الرسول ﷺ ؟ لا والله، ما بقي لي من لذة إلا البكاء من خشية الله، وإلا المشي في الظلمات!! وقال: [[الحمد لله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام، وما نظرت إلى قفا إنسان غير الإمام أربعين سنة]]. كان رضي الله تعالى عنه وأرضاه سعادته في سماع الأذان! أتته سكرات الموت، فتلي عليه حديث من أحاديث المصطفى ﷺ فقال: أجلسوني. قالوا: أنت في سكرات الموت. قال: سبحان الله! يذكر الحبيب ولا أجلس، وأنا مضطجع والله لأجلسن فأجلسوه، ثم أضجعوه، فمات ﵁ وأرضاه. ولذلك قال إبراهيم بن أدهم وكان زاهداً عابداً، وما كان يجد إلا كسرة الخبز قال: نحن في عيش لو علم به السلاطين لجالدونا عليه بالسيوف، يعني عيش السعادة، والاطمئنان، والإيمان والرضا بما عنده . فمن لا إيمان له، ولا عمل صالح فهو في عيشةٍ ضنك، ولو ملك من القصور ما ملك، من الدور ومن العمارات والفلل والمناصب ومن الأموال فوالله إنه في ضنك، وفي عنت، وفي مشقة! لأنه ما اهتدى إلى طريق الإيمان.

стр. 1578

العمل الصالح ومن أسباب السعادة: العمل الصالح: فعمل الصالحات هو من أكبر الأمور التي تحصل لك السعادة، وهي قرة العين، فقد كان ﵊ إذا حزبه أمر قال: ﴿أرحنا بالصلاة يا بلال!﴾ وكان يقول: ﴿وجعلت قرة عيني في الصلاة﴾ يقول : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] قال سيد قطب ﵀: إذا انتهى مدد الصبر وطاقة الصبر أتت الصلاة لتكون معيناً وطاقةً وزاداً، فالصبر ينتهي، ولكن تزيده الصلاة. وفي ترجمة الحافظ ابن حجر أنه خرج للنزهة، فطوقه لصوص يريدون سلبه وقتله، فتوضأ وقام يصلي، فتبدد اللصوص وخافوا وهربوا، فلما سلم قال له تلاميذه: مالك هربت إلى الصلاة. فقال: يقول : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]. ولذلك كان عباد الله يفزعون إلى الصلاة، ويفرون إلى طاعة الله إذا حزبهم أمر. ومن أعظم ما يسهل الخاطر، ويزيل الهموم والغموم عمل الصالحات -كما قلت- ومن أجلِّها: الصدقة، وجرب ذلك. مَرضَ كثير من الصالحين فتصدقوا، فكشف الله مرضهم؛ وأصابتهم كرب فتصدقوا، فأزاح الله كربهم؛ ولذلك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما، فكلما هم المتصدق بصدقته اتسعت عليه حتى تعفي أثره، وكلما هم البخيل بالصدقة انقبضت كل حلقة إلى صاحبتها، وتقلصت عليه وانضمت يداه إلى تراقيه، فسمع النبي ﷺ يقول: فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع﴾. والبخيل بالمال، والبخيل بالجاه، والبخيل بالبسمة وبالكلمة الطيبة من أضيق الناس نفساً، ومن أسوئهم خلقاً، ومن أقلقهم حياةً؛ لأنه ما عرف سبيل السعة. ولذلك كان الكرماء أوسع الناس صدوراً، وجرب ذلك! فإنك لا تفعل خيراً للمسلمين إلا ويرزقك سعةً في الصدر، فإنه غفور شكور غفور يغفر الذنب، وشكور يشكر على الحسنات في الدنيا والآخرة.

стр. 1579

الرضا بالقدر ومن أسبابها كذلك الرضا بالقضاء والقدر: ذكر عن ابن قتيبة أنه قال: ما كان يتسلى الجاهليون في جاهليتهم وأهل الشرك في شركهم إلا بالقضاء والقدر، تموت ناقة المشرك فيقول: قضاء وقدر، يموت ابنه فيقول: قضاء وقدر. قال بعض العلماء: من يؤمن بالقضاء والقدر يتسلى بأجر! وقد قال : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد:٢٢ - ٢٣]. وهذا عروة بن الزبير وكان عابداً زاهداً من العلماء والفقهاء السبعة، فقرروا قطع رجله من الفخذ، فقالوا: نسقيك كأساً من الخمر علَّ عقلك أن يذهب، فقال: والله لا أذهب عقلاً منحنيه الله، ولكن إذا توضأت ودخلت في صلاتي وناجيت ربي؛ فاقطعوا رجلي فلما دخل في الصلاة، أخذوا المناشير فبتروا رجله، فإذا هو مغمىً عليه! وبقي يوماً كاملاً، فلما استفاق، قالوا له: أحسن الله عزاءك في رجلك، وأحسن الله عزاءك في ابنك؛ فقد رفسته دابة من دواب الخليفة فمات فرفع طرفه وقال: اللهم لك الحمد! إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت أعطيتني أربعة أبناء وأخذت ابناً واحداً، وأعطيتني أربعة أطراف، وأخذت طرفاً واحداً، فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. يقول وهو يتمثل: لعمرك ما مديت كفى لريبةٍ وما حملتني نحو فاحشةٍ رجلي ولا دلني فكري ولا نظري لها ولا قادني سمعي إليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ من الله إلا قد أصابت فتىً قبلي ومرض عمران بن حصين أحد الصحابة الأخيار ثلاثين سنة، فما شكى ولا بكى ولا تذمر، حتى كانت الملائكة تصافحه عند السحر بأيمانها وهذا في الإصابة لـ ابن حجر. ومرض أبو قلابة حتى قطعوا أطرافه الأربعة، أصابه مرض الآكلة في أطرافه -في رجليه ويديه- حتى قطعوها، وكان يتبسم حمداً لله وشكراً! قال ابن الجوزي في" صفة الصفوة " مروا بمولى أسود وهو مريض، وهو في زقاق من زقاق المدينة المنورة، وهو يتبسم، فقال له الناس: نمر عليك وأنت تذكر الله وتتبسم وأنت في مرض وفي حالة لا يعلمها إلا الله، فقال: أنا في سعادة، وكلما أصابني قليل بجانب الإيمان الذي أعطانيه الله والعمل الصالح. وذكروا عن أيوب ﵇ أنه لما ابتلي بالمرض في جسمه قال: اللهم أبق علي قلبي ولساني، قلبي أشكرك به، ولساني أذكرك به فكل شيءٍ دخل فيه المرض إلا لسانه وقلبه، فما كان لسانه يفتر من ذكر الله، وما كان قلبه يفتر من شكر الله. الرضا بالقضاء والقدر، يقول : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن:١١]. قال ابن عباس ﵁: [[هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم؛ فيهدي الله قلبه]].

стр. 1580

الإحسان إلى الناس بالقول والفعل ومن أسبابها الإحسان بالبسمة، وبلين الكلمة، والشفاعة الحسنة، والصدقة، والبر، والصلة، والزيارة، وبمساعدته بأي نوع من المساعدة كلها تدخل عليك الطمأنينة، في الدنيا، وقد سلف شيء من هذا.
следующие страницы →